رواية لتسكن الي الفصل الثاني عشر 12 بقلم يسمينة مسعود
~ الفصل الثاني عشر ~
:
•♡•
:
"لا تحسدوا النَّاسَ علىٰ راحةٍ ظاهرة؛ فإنَّ نصيبهم من الابتِلاءِ لم يُرىٰ." 🥀🦋
:
•♡•
:
جلس على كرسيه مجددًا وقد وهنت قدماه وما عادت تحملانه من قوة الخبر، فإتكأ بذراعيه على ركبتيه وقد أخفض رأسه متأملاً الأرضية اللامعة شاردًا في فكره، ما كان يخشاه ويتوقاه هَا قد حدث ، إزدرَ ريقه بصعوبة مبتلعًا تلك الغصة المرة بحلقه وشعور الوجع ينخر فؤاده على صغيرته، تلك الزهرة البهية التي فاح شذاها بحياتهم بعد طول غياب، عجز الأب صعب...صعب جداً كجبل يوضع على الكتف
ربتت جوليا على كتفه بحنو ماسحةً دموعها مرددةً بصوت مبحوح من شدة البكاء: عصام، ستتحسن بإذن الله
أغمض عيناه هامسًا بنبرة يشوبها العجز: فشلت يا جوليا ...كانت تحت جناحي لكنها ...لكنها تأذت
قبلت جوليا كتفه مهونة عليه زوبعة المشاعر السلبية التي تهتاج بقلبه والتي تعاني منها هي أيضًا : ليس ذنبك يا عصام ...أبدًا ليس ذنبك يا عزيزي
ربت فؤاد على كتفه هو الآخر مرددًا: لا علاقة لك بالأمر يا أخي، لا تلم نفسك
وجهت جوليا بصرها حيث شهد لتراها تبكي وقد شحب وجهها أكثر فهي صامتة منذ أن أحضروا سحر لهنا، تغضنت ملامحها بألم مكوبة وجنتها قائلة: صغيرتي هل أنتِ بخير؟
قوست شهد شفتيها وقد إزداد نحيبها تنفي برأسها عاجزة عن الحديث، تحس أنّ قلبها سينفجر ألمًا ، فهي لن تتحمل رؤية أختها بهذا الوضع
مسحت جوليا دموعها التي لم تتوقف عن الإنسياب هامسة بصوت هارب: شششش ستكون بخير إطمئني، هي بحاجة لقوتنا لهذا تماسكي بنيتي
أومئت لها شهد بصمت ماسحة خديها بكفها محاولة إستعادة قوتها، فأردف خالد بهدوء: أبي سوف يأتي
إمتقع وجه عصام مغمغما بتعب: ما كان عليكم إخباره ، إنه بالجنوب وسوف يستغرق ساعات كي يصل للمدينة
تنهد خالد موضحًا: تعلم جيداً أنه لا يمكننا إخفاء أي أمر يتعلق بالأحفاد يا أخي، سيغضب كثيرًا منا إن فعلنا ذلك
زفر الآخر بحرقة ألهبت صدره ليردف بعدها: رعد
وجه المعني بالأمر بصره لعمه مجيبا بهدوء: نعم عمي
ردد عصام دون أن يرفع بصره من الأرض: متى موعد سفرك لمقابلة العملاء؟
أجاب رعد موضحًا: في الحقيقة كنت سأسافر غدًا، لكن مع هذا الوضع سأقوم بتأجيلها
- لا
قاطعه عصام معقبا بعدها بتعب: أنت إبقى هنا، ودع أدهم وزياد يسافران ويتوليان هذا العمل
صدم زياد من الأمر فوجه بصره نحو أخيه، هذا الأخير الذي إستقام من كرسيه بعد أن وهنت قدماه من الذي حدث مرددًا برفض: لن أغادر وأترك أختي بهذا الوضع يا أبي
أيده زياد ماسحًا وجهه بكفه بعصبية مدركًا هدف أبيه وهو إبعادهما نهائيا بعد أن خالفا أمره: وأنا أيضاً يا أبي ، كيف تريد منا أن نسافر ونترك سحر كهذا
رفع عصام نظره موجهًا إياه لإبنيه مستفهمًا بحدة وقد توشح محياه
بكل ألوان الغضب: هل تعارضانني؟
نفى أدهم برأسه مجيبًا برجاء: أبدًا يا أبي، لكن لا تعاقبنا بهذه الطريقة تدرك جيداً أننا لن نستطيع أن ترك أختنا وهي هكذا
هسهس عصام بحنق غير مكترث بحديثه: غادرا فورًا
تقدم زياد بهدوء مرددًا بمهادنة: دعنا نؤجل العمل للأسبوع القادم، لن نركز نهائيا وأختنا بالمشفى
إستقام عصام من مجلسه وقد بدأت دمائه تعاني غليانا لتقف جوليا هي الأخرى ماسحة خدها مدركة أنّ زوجها بدأ يفقد صبره حيث هتف الأخير بصرامة: ثانيتين أمامكما ولا أريد أن ألمح وجهكما هنا نهائيا ولا بالقصر أيضًا حتى إشعار آخر
توسعت عيني الإثنان فهتف زياد بضيق: أبي أرجوك لا تفعل هذا بنا، حسنا أخطئنا نعترف ما كان علينا أن نضغط عليها هكذا ولا أن نتجاوز أمرك، لكن نقسم لك أننا لم نكن نعرف أنّ هذا الأمر سيحدث
هدر عصام بصوته الجهوري : أغربا عن وجههي
إرتبك الجميع من صوته لتنكمش شهد أكثر متابعة بكائها بصمت وقد بدأ التوتر يتملكها بعد بدأ صدوح الحساسية بين عصام وإبنيه للسطح
إمتعض وجه أدهم فهتف معارضاً مداريا حزنه الكبير بقلبه : لكن يا أبي دعنا نطمئن بالأول عليها، أرجوك
صرخ به والده وقد إتقدت عيناه غضبا: قلت لا، لافائدة من الإطمئنان عليها بعد أن جلبتماها لهنا بسبب رعونتكما
دنت جوليا منه مهدئة إياه: عصام إهدأ من فضلك
رفع أدهم كفيه بعد أن إبتلع مرارة فشله ذاك هو الآخر مرددًا بوجه كساه الندم الشديد: قسما بالله لم نقصد يا أبي، سحر قطعة من روحي لم أكن لأفكر في أن ألحق بها أي ضرر، والله يشهد على صدق كلامي
هدر به أباه رافضا لحججهما: قبلها بدقائق فقط كنت قد نبهتكما قائلاً لا توجها ولا حرف لها، لكن دستما على أمري وها هو تهوركما أين أوصلنا، كنتما ستقتلان أختكما
نفى زياد بسرعة مدافعا عن نفسه هامسًا: لقد أقسمنا بأننا لم نقصد يا أبي
تهدلت كتفي أدهم وقد غامت عيناه تسبحان بالوجع ومنظر سقوطها على الأرض كجثة هامدة لا تزال تلسعه بسياط القهر، فغمغم بنبرة يشوبها الألم: عذرا يا أبي لكننا لن نتركها بهاذ الحال
توسعت عيني عصام متسائلا بإنشداه: هل ستدوس على أمري للمرة الثانية ؟
فتقدم ناحيتهما وقد كسى وجهه الغضب والشدة فأوقفه رعد معارضا دربة قائلاً: عمي رجاءًا دعني سوف أتصرف معهما
ليستدير نحو الإثنين هامسًا بحدة: تحركا فورًا
نفى زياد مجيبا: لن نترك سحر وهي بهذا الوضع، مستحيل
أبعد عصام كف رعد من صدره هادرًا به: رعد إبتعد لن يفهما إلا بالطريقة الصعبة
تدخلت جوليا موقفة حركته واضعة كفيها على صدرها تترجاه بصوت باكي مرهق: عصام من فضلك عزيزي إهدأ، الأمر لن يحل هكذا
هتف عصام وقد بلغ غضبه أوجه عنده وقد إحمرت عيناه: إبناك يا جوليا أصبحا رجلين ماشاء الله ويدوسان على كل كلمة أصدرها
نفت جوليا مرددة بنشيجها: حسنا إهدأ فقط هذا سيئ لصحتك، وسوف نتصرف بهدوء يا عصام
نفى أدهم هو الآخر مدافعا عن موقفه: أبي دعني أقبل كفيك و أقسم لك ما قصدنا أي سوء مما فعلناه
فأجابه عصام بحنق: قلت أغربا عن وجههي
إلتفت رعد نحو الإثنين متخذا خطوات نحوهما قابضا على ذراعهما محاولاً إجبارهما على المغادرة مرددًا بحزم: أخرجا الآن على الأقل وبعدها نتفاهم
هم زياد بالإعتراض إلا أن رعد زجره بقوة: زياد كفاكما جدالاً لأبيكما، وضعه لا يسمح بأي إنصات لهذا دعَا الوضع يهدأ قليلاً، خاصة أنّ أمكما على وشك الإنهيار هي الأخرى
وجه أدهم بصره لوالدته التي كانت تحدث أباه والتي واضح عليها الشحوب والتعب هي الأخرى فتنهد وقد تهدلت كتفاه مهمهمًا: حسنا
زفر زياد مفضلاً الصمت فلم يجد بدًا من الإنصياع ، حيث ربت رعد على ذراعه هاتفا بهدوء يبث شرارات الإطمئنان لهما: لا تقلقا سوف أوافيكما بكل التطورات
وافقا الإثنان على مضض غير مستسيغا للفكرة نهائياً لولاَ غضب أباهما وإصراره الكبير بأن يبتعدا، فتحركا مبتعدين بملامح مرهقة نادمة وقلب قد طغى عليه الوجع
ربتت مريم على ظهر أخيها مشفقة عليه من هذا الوجع المستنزف
للأعصاب هامسة: أخي هون على نفسك رجاءًا، سيكون كل شيئ بخير بإذن الله
تنهد الأخير بوهن متمتما إن شاء الله، فتحرك نحو غرفة إبنته فتبعته جوليا هي الأخرى تريد الإطمئنان عليها، حيث توغلا بها فَلاحَ لهما منظرها وهي نائمة بسكون، حيث إزداد نحيب جوليا متقدمة أكثر منها لتنحني عليها مقبلة جبينها عدة قبلاتٍ هامسة بخفوت باكي : يا ضنايا حقك علينا..إعذرينا
إبتلع عصام غصته مقتربا هو الآخر ماسحًا بكفه المرتعش على شعرها المنساب حولها متأملاً شحوبها ذاك فقد بدت مصفرةً ذابلةً كجثةٍ غابت عنها الحياة، فإزدر مرارته مداريا وجعه وقلة حيلته، فبرعمته الصغيرة لا يليق بها إلا التوهج والعنفوان
زفرت جوليا بحرقة مستفهمة من زوجها: متى ستستيقظ يا عصام، قلبي لن يتحمل مرآها وهي هكذا ؟
هز كتفيه متابعا المسح بدفئ على شعرها مجيبا بخفوت: كما قالت الطبيبة لا نستطيع التحديد، فقد حقنوها بإبرة مهدئة كي يخف الضغط على أعصابها
وجه عصام بصره نحو زوجته فكسى محياه وجعًا أكبر عليها وهذا يزيد حمله أكثر فجوليا عاطفية جدًا ورقيقة وتشع حنانًا وهذا سيرهقها أكثر، فدنى منها محتويا إياها بين ذراعيه لتستجيب الأخرى بسرعة محيطة جذعه، كأنها كانت تنتظر فقط هذه الخطوة منه كي تلقي حملها عليه كعادتها أو العكس، فضمها له بقوة لتنفجر هي ببكاء مرير هامسة: لا أفهم ما الذي جرى يا عصام بين الأولاد، إنفجر الوضع بينهم فجأة كأن حسدًا أصابهم
هدهدها الأخير برفق مجيبا بنبرة مهتزة رغم ثباته الظاهري: ششش حبيبتي إهدئي
تمرغت جوليا بحضنه متمسكة به أكثر تتشرب منه القوة كعادتها قائلة بما يعتمل بصدرها من زوابع مهتاجة: يا عصام أنت لم ترى كيف كان الوضع محتدمًا بين سحر وأخويها...لم تكن تلك إبنتي الشامخة القوية التي تحارب بشراسة بل كانت كطفلة صغيرة تبكي دفاعا عن نفسها بهشاشة
ربت على ظهرها ممتصًا منها هذيان أمومتها ولوعتها تلك مردفا بهدوء حاول إختلاقه: سيكون كل شيئ على ما يرام يا جوليا، وإبنيكِ سوف أتعامل معهما بنفسي يبدو أنني سأعيد تربيتهما من جديد
رفعت جوليا رأسها له هامسة بصوتها الباكي: عصام رجاءًا لا تقسو عليهما، أنت تدرك جيدًا أنهما لم يقصدا مخالفة أمرك ولا إلحاق الضرر بأختهما ، صحيح أنني غاضبة منهما لكنني متفهمة جداً لنيتهما السليمة
إمتقع وجه عصام هاتفا بصرامة: جوليا لا تبرري لهما هذا التهور، لقد داسَا على كلمتي وتصرفا وفقًا لهواهم ، وأنظري إلى أين أوصلنا تفكيرهما ذاك، لطالما كنت أغض الطرف عن بعض حماقتهما لكن عندما يصل الأمر لهذا الحد يجب أن أشد عليهما بقوة كي يدركا فداحة ما قاما به ومستقبلاً عليهما أن يفكرا ألف مرة قبل أي تصرف يقومان به
مسحت جوليا بخفة على صدره مجيبة بصوت هارب: معك كل الحق حبيبي وأوافقك طبعًا، لكن دعهما يصححان خطئهما بنفسهما
نفى عصام موضحًا: إن كنت تلمحين لأن أسمح لهما بالعودة أو الإحتكاك بسحر فهذا ممنوع كليًا يا جوليا ولا نقاش فيه، الإنهيار العصبي صعب لهذا يجب أن تكون سحر ببيئة سليمة تمامًا وبعيدة عن أي ضغط نفسي كي تتعافى بسرعة
إبتلعت الأخيرة ريقها تشعر بالضياع الفكري فمسحت دموعها مرددة: أخشى من حدوث أي فجوة بينهم يا عصام، قسما بالله لن يتحمل قلبي أي حساسية بينهم
تنهد الآخر موجهًا بصره حيث صغيرته النائمة مجيبًا بتعب: بعد أن تتعافى سحر تمامًا سنجد حلاً لهم لا تقلقي، فطبعًا لن نترك الحال هكذا عزيزتي إطمئني
زفرت بخفوت مغمغمة: حال شهد أيضًا لا يعجبني، الفتاة لم تتوقف عن البكاء يا عصام، أخشى عليها من تبعات هذا الحزن
أردف عصام مهونا عليها: لابئس يا جوليا ستكون بخير لا تحملي هما، أظن أن عليها أن تعود للبيت كي ترتاح وإذهبي أنتِ معها أيضًا عزيزتي
تغضنت ملامح الأخيرة مجيبة برفض قاطع: مستحيل كيف تريد مني أن أترك إبنتي وهي هكذا يا عصام، لن يحدث هذا أبدًا
مسح الآخر على عضدها بحنو موضحًا: لقد قلتها بنفسكِ يا جوليا، شهد حزينة ودموعها لم تجف والفتاة هشة ورقيقة لن تتحمل البقاء بالمشفى ترى أختها هكذا، لهذا عليها أن تعود للقصر أفضل وطبعاً لن نتركها هناك لوحدها لهذا على الأقل إبقي معها ونامي بغرفتها أفضل حتى تتحسن قليلاً
نفت جوليا ممانعة لهذا الإقتراح هامسة: رجاءًا يا عصام قلت لك لن أترك إبنتي لوحدها و سأنام هنا معها، وبخصوص شهد سأطلب من منى مرافقتها كي تخفف عنها
تنهد عصام مردفا: حسنا، فلنتركها ترتاح قليلاً ونذهب للطبيبة ونتابع آخر تطورات
أومئت له الأخيرة موجهة بصرها حيث صغيرتها لتنحني عليها مجددًا لاثمة جبينها بحب متحركة معه بعدها مغادرة الغرفة
فتجلى لهم الجمع بالخارج حيث أردف عصام بهدوء: يفضل أن تعودوا للقصر وأنا وجوليا سوف نبقى هنا
دنت مريم من أخيها مهمهمة : كيف سنترككم وأنت بهذا الوضع يا أخي
زفر عصام بضيق مجيبًا إياها: مريم رجاءًا نحن بخير وسحر نائمة أساسًا، لهذا لا داعي لبقائكم وإن جَد أي أمر سوف نخبركم لا تقلقوا
تمتمت مريم بحسنا كي لا تضغط عليه أكثر لتقبل وجنته برقة مسترسلة بعدها: كما تريد يا أخي
تبسم لها بحنو، فربت فؤاد على ذراعه مرددًا: غدًا صباحاً سوف نمر عليكم
أومئ له أخيه بصمت، حيث عانقت شادية جوليا لتليها رقية هذه الأخيرة التي غمغمت بلطف: طهورًا إن شاء الله
أجابت جوليا مبتلعة مرارتها: إن شاء الله
دنت منى من شهد حاضنة كفها هامسة بلين: شهد تماسكي، سحر ستكون بخير لا ترهقي نفسك
غامت عيني الأخيرة تسبحان بالدموع مرددةً بحشرجة: بإذن الله هذا ما أرجوه فقط
- شهد بنيتي أنتِ أيضًا عودي معهم للقصر
كلمات نبس بها عصام، فوجهت الأخيرة نظرها نحوه، حيث أجابت بصوت مبحوح: أرجوك أبي عصام لا أريد الذهاب
إقترب منها الأخير موضحًا بحنو: صغيرتي سحر نائمة الآن وغالبا ستضل هكذا حتى الصباح، وبقائك هنا لن يساعدها بشيئ أنت أساسًا مرهقة، لهذا إذهبي ونامي جيدًا وغدا تعالي
نفت الأخرى برأسها تبكي بمرارة مغمغمة برفض: لا...لا أريد ترك أختي لوحدها ..دعني معها
تنهد عصام فمسحت جوليا على ذراعه هامسة: دعها معنا أفضل يا عصام
صمت الأخير على مضض موثرا الصمت كي لا يضغط عليها، بعد لحظات غادر الجميع فإلتفت عصام نحو رعد الذي كان صامتا كعادته متكئا على الجدار وقد عقد ذراعيه على صدره فإستفهم عصام منه: وأنت لماذا لم تغادر معهم؟
فغمغم رعد مجيبا بهدوء: تعلم جيدا أنني لن أترككم بهكذا وضع يا عمي
لولا وجع فؤاده لكان حقا قد إبتسم على تفكيره ذاك فأردف بعتاب: نحن بخير يا بني، لابئس إذهب وإرتاح أفضل
تغضنت تقاسيم رعد متحدثًا: عمي رجاءًا سوف أخالف أمرك هذه المرة، لكن لن أغادر وأترككم هكذا
ربتت جوليا بحنو على عضده قائلة: رعاك الله يا بني
زفر عصام على عناد الآخر فهمهم : حسنا، شهد أنت تفضلي لغرفة سحر وإبقي هناك وأنا وجوليا سوف نقابل الطبيبة للحظات ونعود
أومئت له الأخيرة مستقيمة من كرسيها متحركة بخطوات واهنة حيث أختها
:
•♡•
:
إتخذ عصام مجلسه مع جوليا بمكتب الطبيبة التي حيتهم بكل إحترام فإسترسلت حديثها: سيد عصام لقد أعلمني أستاذي بأهم النقاط التي كنت تستفسر منها معه لهذا أوصاني شخصياً بأن أتولى حالة إبنتك، أرجو أن لا تمانع
أردف عصام رافعا عنها الحرج: أبدًا يا آنسة، لولا سفر صديقي عبد الرحمان لماليزيا لكان هو قد تولى الأمر بنفسه، لكنه أرسلني لكِ مادحًا إياكِ بأنكِ خيرة تلامذته، ومستشفانا حقا فخور بوجود طبيبة نفسية بمثل شهرتكِ وكفائتكِ
توردت الأخرى خجلاً مجيبة بلباقة: شكراً على ذوقك، وبخصوص إبنتك الآنسة سحر وحسب حديثي مع الطبيبة المسؤولية عن حالتها العضوية وما إستنتجته من التقرير المعد لها ، فهمت أنها قد تعرضت لإنهيار عصبي، لكن هذا الإنهيار من الجيد أنه كان من الدرجة الثانية
عقدت جوليا حاجبيها بعدم فهم مستفهمة منها بقلق قد تمكن منها: عذرًا على المقاطعة لكن ما الفرق بين درجات الإنهيار؟
إبتسمت الطبيبة بلطف مجيبةً بتوضيح أكبر: يختلف حسب شخصية الشخص وأيضًا حسب الوضع كاملاً، فهناك ثلاث أنواع من الإنهيار، فالنوع الأول وهو الأساسي وهذا هو الأقوى والأشد وغالبا ما ينتهي الأمر بتعرض المصاب لأمراض خطيرة أو موته
ضربت جوليا صدرها بهلع مرددة بصوت باكي: هل إبنتي سوف ينتهي بها المطاف هكذا رجاءًا طمئني قلبي؟
ربت عصام على ظهرها مهدئًا روعها هامسًا: جوليا إهدئي هي لم تنهي حديثها أساسًا
تنهدت الطبيبة مقدرة وضع الأخرى معقبة على حديثها: لا تقلقي سيدة جوليا فهي لم يحدث لها ذلك، لهذا فقد قلت سابقا أنه من الدرجة الثانية وهو الانهيار العصبي الأقل قوة ووطئة و الذي ينتج عن تعرض الفرد لمشاكل قد حفرت أخاديدًا في عقله الباطني بحيث ينفجر الكامن به لأي إثارة يتعرض لها أو ضغط يمر به ، خاصة إذا كان من المقربين وهذه الدرجة يطلق عليها بالانهيار العصبي التام
تنهد عصام مستفسرًا بعدها: هل له تبعات نفسية بعد هذا الإنهيار؟
رفعت الأخيرة بصرها من الملف أمامها للسائل مجيبة بطريقة عملية: هذا نعرفه بعد معاينة إبنتك فور إستيقاظها، لكن وكي لا أخفيكم أمرا هناك وضع نفسي نتمنى أن لا تكون الآنسة سحر قد أصابها لأنه هناك سوف يكون الأمر صدقا صعب
إبتلعت جوليا ريقها وقد بدأ خفقان قلبها يرتفع تدريجيًا ترقبًا للقادم الذي ستقوله فقبضت على ذراع زوجها الذي كان هو الآخر قد توجس من حديثها السابق خاصة بعد صمتها اللحظي فإستفهم بهدوء بذل جهدًا عظيماً كي يختلقه: من فضلكِ يا آنسة صارحيني ماهو هذا الوضع الذي تلمحين له؟
نزعت الأخيرة نظارتها واضعةً إياها على المكتب وقد شابكت أصابع كفيها ببعضهما البعض مجيبة: هناك الكثير من الأشخاص وبعد تعرضهم لإنهيار عصبي يستيقظون بعدها و قد ولجوا لوضع نفسي يسمى بالطب النفسي " الذاكرة السوداء" و في هذه الحالة سوف نواجه إشكالاً عويصًا
قطبت جوليا جبينها بعدم فهم مستفهمة بعصبية قلَ ما تعتمدها: لم أفهم شيئا، هلاَ وضحتِ لنا ما هذا الوضع وما معنى تلك الذاكرة السوداء؟
أومئت لها الأخرى متابعة حديثها: حالة "الذاكرة السوداء" من أصعب الحالات النفسية، صحيح أنّ نسبة حدوثها ليست ذات إنتشار واسع لكنها موجودة، وسميت هكذا لأنّ المصاب يكون خلالها العقل الباطن لديه قد بنى حاجزًا يلفه من أي تفاعل خارجي وسيبقى سجينًا للذكريات والمواقف السلبية فقط، مثلاً شخص تعرض في صغره لتعنيف الأهل أو موت شخص عزيز عليه وغيرها من اللحظات المؤلمة، هنا سيقوم اللاَوعي بتجميع كل تلك التراكمات السلبية وبثها عبر دفعات متتالية للشخص كل حين، فلاَ يرى أي جانب إيجابي في حياته بل سوف يضل رهينًا وعالقا للحظات المؤلمة فقط، وهذا سيجبره تلقائيًا للتحول لشخص مغاير تمامًا لما كان عليه من قبل، بمعنى آخر لن يتفاعل مع المحيطين من حوله ولن يمارس أي هوايات أو نشاطات كان يحبها قبلاً وتدريجيًا سينقطع عن الأكل والشرب لأنّ حاله النفسي لن يسمح له حتى بإستطعام المؤكولات وبعدها ستزداد مرحلة الشرود وساعات النوم وترتفع وتيرة البكاء والإختناق لأن عقله الباطني يكون قد حكم عليه بالسجن ضمن قوقعة المواقف المؤلمة فقط، فمثلاً موقف مؤلم ما له سنوات عديدة منذ وقوعه سيراها هو أنه قد جرى منذ لحظات فقط ، كأن ينام ساعةً ثم يستيقظ فيرسل له اللاَوعي موجة ذكرى جديدة بشعة لترديه منهارًا مرة أخرى وهكذا تتوالى تلك الأحداث خلال فترة قصيرة، وللأسف غالبا ما ينتهي هذا الوضع بفشل المصاب في المقاومة ويرتكب الجرم بحق نفسه
أغمض عصام عينيه بقوة في حين شهقت جوليا وقد إنسابت دموعها مستفهمة بتلعثم: هل..هل تقصدين أنه قد..قد ينتحر الشخص؟
أومئت لها الطبيبة بهدوء مرددة: نعم هذا هو السبيل الوحيد الذي يراه المصاب، بإعتبار أنّ أفكاره تكون كلها سلبية وسوداوية، فحتى ولو حدثت مواقف وأحداث مفرحةً بعدها فلن يتجاوب معها نهائياً لأنّ باطنه قد حكم على نفسه بالسجن الأسود لهذا لن يتحمل كمية القهر والوجع اليومي فيقرر إنهاء عذابه بتخليص نفسه بقتلها كأحسن خيار أمامه
وضعت جوليا كفيها المرتعشين على وجهها تبكي بمرارة فزعًا من أن تتعرض صغيرتها لمثل هذه الحالة، فإبتلع عصام ريقه وقد بدأ فؤاده ينزف عجزًا وقهرًا هو الآخر فمسح بدفئ على ظهر زوجته هامسًا بصوت واهن: جوليا هي فقط خمنت أنه قد يحدث ذلك ولم تأكده، لهذا تمالكي نفسك عزيزي
ليوجه بصره للطبيبة مستفسرًا وقد لاح التعب على محياه رغم صموده الظاهري: ولو فرضنا أنّ إبنتنا قد أصابها ما قلت، ألا يوجد حل لمثل هذا الوضع النفسي؟
أجابت المعنية بعملية: كي أصارحكم نسبة تخطي المصابين لمثل هذه الحالات قليلةً جدًا، نستطيع القول أنّ من يتخطاها إثنان من أصل عشرة مصابين، وهذا يرجع لعدة عوامل وأبرزها شخصية المصاب أساسًا فهناك شخصيات هشة وسهلة الكسر وهؤلاء غالبا لا يستطيعون النجاة منها، وهناك شخصيات تستطيع المجابهة بعناد، وأيضًا الدعم النفسي وخاصة العائلي والمقربين يساهم بشكل فعال بمثل هذه الحالات لأنه يخفف من وطئة الوضع ومع إتباع إرشادات الطبيب بدقة نستطيع أن نتجاوزها بسلام بإذن الله
تنهد عصام براحة داعيا ربه بسره بأن يكون رحيمًا بهم فإستفهم مجددًا بقلق أبوي: وفي حالة ما لم تتعرض لمثل هذه الحالة، كيف سيكون وضعها ؟
أضافت بعدها موضحة: لا نستطيع أن نبني تشخيصًا الآن قبل تقييمها بعد إستيقاظها، لكن هناك حالات تدخل ببكاء وصراخ هستيري وهيجان وهناك حالات لا، بل تكون هادئة وساكنة تمامًا
مسحت جوليا دموعها وأخذت نفسا عميقا مرددةً بعدها بتسائل: وكيف يجب أن نتعامل معها بعد إستيقاظها يا آنسة ؟
أجابتها الأخرى بهدوء: أولاً نرى حالها إذا كانت قد ولجت لما أسميته سابقا بالوضع النفسي الأسود، وفي حالة ما لم يحدث لها هذا فعلينا معالجة الأسباب التي أدت بها لمثل هذا الإنهيار أولاً و نخضعها لعلاج نفسي معرفي و السلوكي ، ويجب أن لا تتعرض لأي ضغط مهما كان بسيطا ويتم إحتوائها كليا والتخفيف عنها وإسعادها بشتى الطرق، لهذا يفضل أن نتقصى حالها بعد إفاقتها أفضل ونتخذ بناءًا عليها الخطوات القادمة، خاصة فيما يخص موضوع ما تعرضت له سابقا
عقد عصام حاجبيه مستفسرا: أتقصدين عندما كانت مفقودة ؟
أومئت له الأخيرة معقبة على كلامها: نعم، لقد أخبرني أستاذي بما طرحته عليه من قبل، بخصوص ما حدث لها من إختطاف بصغرها وما تلاه بعدها مثل بعض النقاط التي أعلمتها إياه خاصة موضوع حدة شخصيتها وشراستها وعلاقتها مع أختها الصغرى
وجهت جوليا بصرها لعصام الذي كان كأنه يحلل الأمر برأسه فغمغمت هي الأخرى بتسائل: أجل، لقد تذكرت هذا الأمر لقد أخبره الدكتور عبد الرحمان أنه على البنتين الخضوع لمخاض نفسي كي يتبرمج اللاوعي عندهما مجددًا هل هذا هو قصدكِ؟
- نعم
أجابت الطبيبة بعملية لتتابع بعدها موضحة: لكن حاليا قبل التطرق للماضي وإرهاصاته عليهما في الحاضر، علينا أن نتابع وضع الآنسة سحر وبعدها نتخذ القرار المناسب، وفقا ما تبديه من ردات الفعل بعد عملية إستيقاظها
أومئ عصام لها متفهما فأردف: لكن في حال إستيقاظها كيف سوف ندرك إن كانت قد أصابتها "الذاكرة السوداء" تلك، على أي سوف نعرف ؟
رددت الطبيبة: الأمر هنا سهل بإذن الله، لأن المصاب الحقيقي سيكون بعد إستيقاظه في حالة جمود تام وغير متفاعل نهائيا كأنه جثة، لكن في حالة ما تفاعلت الآنسة معكم فهذا يشير لسلامتها إن شاء الله
زفرت جوليا وقد بدأت روحها تعاني ضياعًا وهلعًا فوضعت كفها على صدرها علّها توقف ألمه متمتمة بصوت متهدج: رحماك يا رب، لا ترني بأسًا بصغيرتي
غمغمت الطبيبة بعدها: حاليا هذا ما أردت مناقتشكم به كي تكونوا على دراية بخطواتنا القادمة
تنهد عصام ماسحا وجهه بتعب فكري ليستقيم بعدها مجيبا بلباقة: بارك الله فيك يا آنسة
لتقف جوليا هي أيضًا رغم وهن قدميها قائلة بلطف: شكرا لك
إستقامت الطبيبة من كرسيها مرددة بوقار: لا شكر على واجب، أنا تحت أمركما
:
•♡•
:
مسحت شهد دموعها المنسابة متأملةً وجه أختها المستلقية على السرير الأبيض بكل هدوء، بدت كملاكٍ مرهق ضعيف، لتزداد حرقة عينيها تعض على شفتيها كاتمة أنينها فرفعت كف شقيقتها لفمها تلثمه عدة قبلاتٍ تحتويه بين كفيها عساها تتشرب منها سباتها ذاك فتقوم بعدها سحر بطبيعتها الحيوية القوية، فتمتمت بصوت متهدج: حبيبتي يا سحر، لا حياة لي من بعدكِ يا أختي
لتبتسم إبتسامة باهتة وقد شرد فكرها بماضيهما معًا، كيف كانت هي تركض خلف سحر منذ صغرها وتتعلق بثوبها تقفز حولها هنا وهناك ولا تنام إلا بحضنها، رغم أن والديها كانا على قيد الحياة، إلا أنها منذ أن كانت بعمر الأربع سنوات بدأ تعلقها يزيد تدريجيًا بأختها الكبرى فكانت تنتظرها لساعات أمام باب منزلهم منتظرة عودتها من مدرستها، فكانت تلمحها من بعيد تمشي بطفولية تحمل حقيبة ظهرها وبشعرها المنساب حولها لتركض لها فرحة تنادي عليها فتستقبلها الأخرى تضمها لحضنها متمتمة بضحكة شقية: شهدي ألم أنبهك بأن تتوقفي عن إنتظاري قرب الباب
قهقهت الأخرى بحلاوة مجيبة بتلعثم: ييعع توقفي عن دراسة ..أنت ...تغيبين لساعات...طويلة
قبلتها أختها على وجنتها مرددة: يجب أن أدرس كي أصبح بالمستقبل نافعة لمجتمعي، هكذا قالت لي معلمتي
عبست الأخرى بطفولية بهية هامسة: وأنا متى...سوف أدرس مثلك؟
قرصتها سحر بخفة على وجنتها تلك قائلة: أمي قالت سوف تنضمين للمقاعد الدراسة عندما تبلغين الست سنوات، يعني لازال أمامك سنتين يا شهد
ضربت الأخيرة قدمها على الأرض مغمغمة برفض: إذا إبقي معي، وأتركي مدرستك تلك
جلست سحر على الأرض نازعة محفظتها الوردية قائلة ببسمة واسعة: إحزري ماذا أحضرت لك اليوم من مطعم المدرسة؟
تحمست شهد مصفقة بكفيها مجيبة بضحكة رقيقة: ذلك التفاح الأحمر أليس كذلك؟
قهقهت سحر بحب مخرجة تلك الفاكهة مقدمة إياها لأختها قائلة: أجل، إنه التفاح الأحمر الذي تحبينه، خذي
حملته الأخرى بكفيها الصغيرين وقد تلألأت مقلتاها البنية فهي تنبهر بهذا اللون الأحمر الفاقع كلما تلمحه بالتفاح فتتلذذ بقضمه على الدوام، فهمست: شكرا لك
إستقامت سحر رابتة على ظفيرة أختها الصغرى مجيبة: كله فداءا لك يا شهدي
- هاهي هنا
وجهت سحر بصرها لوالديها القادمان نحوهما، فأعقبت أمها بعتاب حاني: يا إلهي أغفل عن شهد للحظات فأجدها كالعادة تتسلل من البيت للخارج
قهقهت شهد بحلاوة مخبئة نفسها خلف أختها مجيبة بطفولية: لم أفعل شيئ يا أمي
تقدم أباها هو الآخر يهز رأسه على شقاوتها تلك قائلا: ماشاء الله تشعين براءة
ضحكت سحر هي الأخرى مردفة: لا تعاقباها
تبسمت والدتها بحنان منحنية عليها مقبلة بدفئ وجنتها هامسة: أهلاً صغيرتي، هاتِ محفظتكِ أحملها عنك
قدمتها لها الأخرى فقبلها أباها على شعرها مغمغما بحنو: هاهي إبنتي الذكية عادت من مدرستها كالعادة
تقافزت شهد رافعة ذراعيها لأباها كي يحملها ليستجيب لها الأخير حاملاً إياها بين ذراعيه مقبلا خدها، حيث قبضت أمها على كف سحر مشجعة إياها على التحرك معها للبيت مرددة بلين: هيا صغيرتي لقد طبخت لك ما تحبين على الغذاء
تبسمت سحر بحب ترمق أمها ملأ عينيها فهي حنونة حقا، فسألها أباها: سحر ماذا درست اليوم، وهل مدحتك المعلمة كالعادة ؟
وجهت بصرها حيث أباها الذي كانت شهد تتلاعب بشعره ذو الخصلات الرمادية على جوانبه مجيبة بهدوء: درسنا الرياضيات واللغة العربية اليوم (لتهز كتفيها بعدها بزهو طفولي مسترسلة كلامها) ولقد طلبت المعلمة من زملائي أن يصفقوا لي بعد أن تمكنت في الحساب
ربت أباها على رأسها بحب قائلا بفخر حقيقي: تبارك الله، إبنتي ذكية كثيرا
إستفاقت شهد من غمرة الذكريات ماسحة مدمعها المنساب، تنعي ذكرى والديها اللذان فقدتهما دفعةً واحدةً بذلك الحادث المريع الذي لازلت ومضات منه تنخر فؤادها ودماغها، تلك الليلة التي رسمت دربًا جديداً لها ولأختها فلم يعد لهما أحد بعد تعرضهما لليتم دفعة واحدة، لتزداد هي تعلقا بأختها في حين رفعت سحر مستوى حدتها وشراستها مع الكل، فلم يعد بعدها أحد يجرأ على الخطأ معها فقد كانت تشتعل لهيبًا إذا لمحت فقط محاولة التقليل منهما من أي أحد كان، ولعل ما كان يثير إنبهار شهد بشخصية أختها أنها كانت لا تبالي بأحد و لا بِسنه ولا مكانته حتى ولو كان يقف أمامها رئيس الدولة بنفسه كانت سوف تعطيه نصيبه الحقيقي من الإهانة إن وقف بوجهها وتعدى حدوده معها
هي مدركة جيدًا لجمال وروعة شخصية أختها، فسابقا كان الكل ينظر لها بسطحية جاهلين لدواخلها وأعماقها فتظهر لهم تلك الفتاة المتمردة صعبة المراس ذو العنفوان الحاد ، لكنهم بعد معاشرتهم لها يتفطنون بأنها فتاة جمالها الداخلي مبهر حقا فهي تشع دفئًا وحنانًا وكرمًا وتفهما ودينًا، وتقابل إحترامك وطيب خلقك معها بمواقف عظيمة تجبرك على النظر لها بعين الفخر والوقار، فقط عاملها بحسن معاملة وسترده لك أضعافا مضاعفة، هي كنبتة الصبار شامخة حادة ثابتة صامدة مؤذية بأشواكها لمن يقربها بسوء، لكن بعمقها يخزن ماءًا عذبًا متدفقًا
قبلت كفها مجددًا شاكرة الله على هذه الأخت العظيمة والأم البديلة التي إحتوتها ولازالت تفعل ذلك دون كلل، بل ترفع جرعة دلالها كل حين فتهمس لها على دوام بصوتها الحاني: أفديك بعمري يا شهدي
:
•♡•
:
وجه زياد بصره حيث أخيه الذي كان يقبض على المقود بقوة مركزا على الطريق أمامه بوجه واجم غامض، فمنذ أن غادرا المشفى وهو صامت بطريقة مريبة حقا، فزفر بتعب معيدا نظره لنافذته محتارا للوضع الذي يمرون به، صدقا لم يعد يفهم شيئا، فتقبض بقوة مبتلعا غصته الجارحة تلك التي تطعن قلبه متذكرا منظر أخته ذاك، بكاءها وصراخها الهستيري و ما قالته من مواقف سابقة تعرضت لها ودفاعها عن نفسها بشراسة وختامها بسقوطها المباغت ذاك، فشتم نفسه على غباءه معها، لكن الله يشهد أنه لو كان يعتقد أنها سوف يحدث لها كل ذلك فقسما بالله ماكان دنى منها خطوة
فجأة توقفت السيارة مصدرةً صوت إحتكاك العجلات بالإسفلت، فنزع أدهم حزام الأمان مترجلاً منها بسرعة، فتمتم زياد بتبًا فهو مدرك تمامًا لحالة أخيه تلك، فترجل هو الآخر كي يهدئه
فتح أدهم أزرار قميصه بحركة عصبية محاولاً التنفس بوتيرة طبيعية إلا أنّ روحه فقط تزداد إحتراقا، فزفر بوجع كأنما إجتمعت كل آلام الكون بصدره، فدنى منه زياد ببطئ محاولاً إمتصاص هيجان كيان أخيه، فهو موقن تمام اليقين أنه بدأ ينجر لتلك الذكرى المرة التي عصفت به سابقا: إهدأ يا أدهم، هي بخير
ناظره الآخر بغضب وقد إتقدت عيناه شررا هادرا به: كيف تريد مني أن أهدأ، كيف ؟ ألم ترى ما سببناه لها
أغمض الآخر عيناه بقوة مبعدا مرآها المعذب ذاك عن عيناه مجيبا بصوت مبحوح: لست أعمى لقد رأيت، لكن جنونك هذا لن يفيدنا ولن ينفعها هي بشيئ
تحرك أدهم بعصبية بالمكان، من الجيد أنه بجانب الطريق وقد خلى من السكان، فشد شعره بحنق صارخا بلوعة: أنا السبب، ما كان علي أن أمارس دور الأخ الأكبر عليها، وهاهي نتيجة ذلك الدور، أرسلها للمشفى كجثة
نفى زياد هادرا به علّه يوقف إحساس الذنب الذي يغتال قلب أخيه: أدهم ليس بسببك ما حدث، أنا من فتحت الموضوع معها وضغطت عليها، أنت لا علاقة لك يا أخي، لا تحمل نفسك ذنبي أنا
وضع أدهم كفيه على مقدمة السيارة مرتكزا عليها محاولا السيطرة على نفسه كي لا ينجر خلف الماضي فهسهس بحدة: أنا الأكبر يا زياد، كان علي أن أوقفك فورا عند رؤية ضياعها ذاك، وليس بأن أتجاهل ذلك التشتت والوهن الذي تعانيه، أنا أخيها الأكبر، يعني أحتويها وألفها بعناية وأبعد عنها كل ما يكدر صفوها، وليس الضغط عليها حتى تنهار هكذا
تهدل كتفي زياد مقتربا من أخيه بخطوات حثيثة عساه يوقف سيل الذكريات المرة التي إكتسحت عقله مرددا بمهادنة: أدهم يا أخي أرجوك ، كفاك تحميلا لنفسك ما حدث، إفهم أنت لم تقصد ما حدث وأنا كذلك، فقط علينا إصلاح الأمر
ضرب أدهم سطح السيارة صارخًا بلوعة يشوبها القهر: لا تبرر يا زياد، كفاك تبريرًا، أبي قبلها بيوم قالها لي وحذرني بالحرف الواحد مرددا " لن أسامحك في حالة ما حدث لأختك أي ضرر " وأنا كالغبي لم أفهم مقصده، فكرتها أن أبي يبالغ في دلاله لسحر فقط، لكن ها قد برز الأمر أنه أعمق مما تخيلت، هو كان يدرك جيدا أننا سنفشل في التعامل معها لهذا أمرنا بأن لا نقربها، لكن أنظر غبائنا أي أوصلنا
مسح زياد صفحة وجهه بتعب فكري عاجزا عن مداراة غصته هو الآخر فهتف بحدة: إذا كان أبي يدرك أننا سنفشل في التعامل معها، لماذا لم ينبهنا للنقاط التي يجب أن نحرص على السير عليها وليس تركنا هكذا جاهلين
زفر أدهم متكئا على السيارة عاجزا مكبلاً مقيدًا بحبل فشله للمرة التي لا يدرك رقمها في حماية أحد أفراد عائلته، فأجاب بوهن: هو يدرك الطريقة الأصح في كيفية التعامل معها يا زياد، أبي ليس غرًا، أنسيت أنه كان أخا مميزا لأعمامي خاصةx لعمتي مريم فهي تفضله على الجميع وأيضًا زوجا متفهما لأمي فلازالت تعشقه لحد الساعة وإبنا بارا لجدي لعقود وقد أحسن إحتوائنا كلنا تحت جناحه بما فيهم رعد ومنى وحتى عماد وسارة، لهذا فهو يدرك جيدا كيف يتصرف بحكمة
تنهد زياد بتعب فتكأ هو الآخر على السيارة بقربه مدركا صحة قول أخيه، فيبدو أن أباهما دائما يسبقهما بعدة خطوات للأمام، فأردف مستفهما: نحن لن نسافر طبعا، أليس كذلك؟
تغضنت تقاسيم وجه أدهم مجيبا برفض قاطع: طبعا لا، مستحيل أن أترك أختي بهذا الوضع وأسافر
عقد الآخر حاجبيه مرددا: هنا سوف نخالف أمر أبي يا أدهم مجددا، ولن أتحمل رؤية الخيبة بعيناه مرة أخرى، ما العمل؟
غمغم أدهم مجيبا إياه بحدة: على أساس أنني أرغب في مخالفة أمره، لكن قلبي لن يتحمل فكرة أنّ أختي قطعة من روحي وضعها سيئ وأنا أذهب لإنجاز العمل، أصلاً كيف سوف أركز بمهمتي وتفكيري وروحي مشغولين بها هي
أومئ له زياد موافقا رأيه مرددا: والحل... فأكيد سوف يتأكد إن كنا نفذنا مطلبه أو لا؟
هز أدهم كتفيه قائلا: سأحاول أن أجد حلا، فقط فلنتجنبه هذه الأيام كي لا تشتعل أعصابه ويزداد غضبه منا، سأتصل برعد عله يخبرنا عن وضع سحر وبعدها نتصرف
:
•♡•
:
تحرك رعد بخطوات متمهلة في رواق المشفى فتجلى له عماد قادما ليقطب جبينه بإستغراب من قدومه الآن، حيث حياه الآخر بإستهبال: مرحبا يا إبن العم
قابله الأخير بملامح جامدة مستفهما ببرود : ماذا تفعل هنا ؟
رفع الآخر حاجبه مجيبا بتسائل مستفز: ماذا أفعل مثلا بالمشفى وعمي وإبنته هنا ؟ طبعا قدمت لكي أطمئن عليهما
هز رعد رأسه عليه مدركا تلاعبه ذاك، في حين رفع عماد رأسه لرقم الغرفة متسائلا: هذه هي غرفة سحر أليس كذلك؟
فدنى من الباب لكن صوت رعد الحاد أوقفه: ولا خطوة، أكيد لن تدخل عليها وهي مكشوفة
تلاعبت بسمة عابثة على شفاه الآخر غامزا له بمكر: أووه بالعكس ستكون فرصة جيدة
توسعت عيني الآخر على وقاحتهx فقبض على رقبته دافعا إياه للخلف ضاربا ظهره بالجدار بقوة هادرا به: سأقتلك يا عماد إن تجاوزت حدك مع بنات عمك، لا تستفز صبري طويلاً
إحتقن وجه الآخر مجيبا بفجاجة مقيتة: رويدك يا رعد، لماذا أنت تغلي هكذا، هذا ليس بجيد لأعصابك يا إبن العم
هسهس رعد وقد إتقدت عيناه بغضب: لن أكرر كلامي، قسما بالله أنا أتعامل معك لحد الساعة بكل إحترام لهذا لا تجبرني على أن أعيد تربيتك من جديد
ليبتعد عنه خطوة للخلف تاركا لعماد الفرصة لإستعادة أنفاسه فهدر به: غادر المشفى لا فائدة من وجودك هنا
عدل عماد وقفته مبتسما تلك الإبتسامة المثيرة للأعصاب حيث هم بالحديث إلا أنّ قدوم عمه وزوجته حال دون ذلك حيث إستفهم عصام بهدوء: ما الذي أحضرك لهنا يا عماد؟
ضرب المعني بالأمر كفيه ببعضهما البعض محولقا: لا حول ولا قوة إلا بالله، لماذا الكل مستغرب من قدومي، فقط أتيت كي أطمئن على إبنة عمي وكي أقدم لكم الدعم (فرفع كفه واضعا إياه على صدره مسترسلا حديثه بتهكم) حين سمعت الخبر تركت كل شيئ وأتيت فورا ، كي لا تقولوا أنني تركت عمي في أحلك أوقاته
قلب رعد مقلتيه على سخافته، في حين أردفت جوليا برقة: بارك الله فيك يا ولدي
أومئ له عصام بهدوء رغم تيقنه من سخريته إلا أنه ساير ما يبديه من نية سليمة مجيبا بهدوء: شكرا لك
رمق عماد رعد بحدة ليعيد بصره لعمه قائلا: في الحقيقة إستغربت بشدة يا عمي كيف لإبنتك التي لم يمضي على قدومها سوى أيام أن تتعرض لمثل هذا الأمر، مؤسف جدا أنه وبعد عودتها التي إنتظرتموها لسنوات عدة أن تفشلوا في حمايتها هكذا، صدقا هذا فشل ذريع يا عمي عصام
إستنكرت جوليا حديثه فهمت بالحديث إلا أن عصام سبقها مبتسما بلين مجيبا إياه: لا بئس يا ولدي جميعنا نخطئ، فهكذا سوف نتعلم من دروسنا
رمقته جوليا بحيرة موقنة هدف عصام من رده ذاك، فجز عماد أسنانه بعد رد الآخر فقد قلب عليه الطاولة بحكمة جعلت دمائه تغلي
تقدم رعد من عماد بعد أن فقد صبره من إستفزازه قابضا على تلابيبه هامسا بفحيح: هو عمك الأكبر وليس بصديقك حتى تتجاوز حدك معه هكذا أيها الغبي
- رعد إبتعد عنه فورا
هدر به عصام فتشنج فك الأخير منفذا أمر عمه دافعا عماد فتقهقر الآخر للخلف بضع خطوات وقد إرتسمت بسمة مستفزة على ثغره ، فتنهد عصام مشيرا بكفه نحو المعني: عماد بني إن كنت قد أنهيت حديثك عد للقصر
بادله الأخير النظر بتحدي فزفر بضجر قائلا: حسنا المهم قد أنهيت واجبي، وداعا يا عمي الموقر
هتف آخر كلماته بسخرية صريحة مبتعدا عن مرآهم، فزفر رعد بضيق من حركات إبن عمه تلك
راقب عصام قفى إبن أخيه المغادر بعيون مبهمة، حيث أردفت جوليا بعتاب: رعد بني لا فائدة من بقائك هنا، لابئس غادر كي ترتاح قليلا
تنهد المعني مرددا: عمتي رجاءا لا تضغطي علي، المهم هناك غرفة للطبيب المناوب هي فارغة وتحتوي على سرير وأريكة إستخدميها أنت وشهد الليلة إنها بآخر الرواق، ودعي عمي عصام ينام مع إبنتك أفضل
إرتخت تقاسيم وجه عصام موافقا لفكرته: نعم هكذا أفضل
نفت جوليا برأسها قائلة: لا مستحيل، لن أترك إبنتي يجب أن أبقى بقربها
تقدم رعد منها مرددا بلين: عمتي تحتاجين لنوم مريح وكذلك تلك الفتاة الصغيرة شهد بدت لي تعبة جدا يجب أن تأخذ كفايتها من النوم كي لا تنهار هي الأخرى ، وأيضا أكيد لن تستطيع أن تشارككم شهد نفس الغرفة مع عمي عصام فهو يضل غريبا عنها
لملم عصام بسمته رابتا على كتفه هامسا: تفكير سديد يا بني
تنهدت جوليا مدركة صحة قول رعد فهزت رأسها موافقة: حسنا
فغمغم رعد بعدها قائلا: لقد طلبت العشاء للجميع من مطعم قريب و بعد دقائق سوف يحضر، وإن أردت أن أحضر لكم شيئا من القصر يا عمة فلابئس
نفت الأخيرة ماسحة بحنان على عضده مجيبة بزهو لشهامة شبلها: لا حرمنا الله منك يا عزيزي ، لا نريد شيئا حاليا شكرا لك
أومئ لها بصمت، فتحركت نحو غرفة سحر بتعب مردفة: سوف أطمئن عليها قليلا
:
•♡•
:
فتح عصام عيناه قليلا ليغلقهما مرة أخرى ليعيد فتحهما مجددا رافعا كفه نحو رقبته يشعر بشد هناك، فضغط عليه داعكا إياه بلطف عله يخف وجعه، فتنهد بتعب فهو لم ينم إلا بعد أن صلى الفجر فقد كان مترقبا لأي حركة من صغيرته سحر علها تستيقظ فيحتوي هيجانها إن حدث، فعدل جلسته موجها بصره حيث السرير، فتوسعت عيناه لخلوه منها، فإستقام بسرعة هلعا كي يبحث عنها،x ليفتح باب الحمام فجأة وقد تجلت له هي خارجة منه، فتوقفت بغتة بعد أن وقعت عيناها عليه، فتأملها أباها بشعرها الطويل المنساب حولها بحرية وشحوبها الذي علا محياها البهي الذي كان مبللا بقطرات الماء، فليرى عيونها التي بدت منطفئة، فإبتلع ريقه بحيرة وقد بلغ خفقان قلبه أوجه عنده رعبا من فكرة أن تكون قد ولجت لتلك الحالة التي أخبرته الطبيبة عنها، فهمس بهدوء محاولا تحري حالتها: صغيرتي هل أنت بخير؟
ناظرته الأخير بملامح جامدة فنكست رأسها متسائلة بخفوت: كم يوما غبت عن الوعي؟x
تنحنح عصام يشعر بالعجز متسمرا بمكانه وهو غير قادر لا على الحركة ولا عن التيقن من وضعها ذاك مجيبا بلين : البارحة فقط أحضرناك للمشفى
همست بصوت واهن وبصر شارد: لم أصلي المغرب ولا العشاء ولا الصبح، علي أن أصليهم
حولت بصرها بالغرفة تبحث عن إسدالها فوجدته على الأريكة فتحركت بآلية نحوه مرتدية إياه، شيعها عصام بنظراته رغم أنه فخور بحرصها الكبير على صلاتها إلا أنه لم يفلح في التأكد من سلامتها، لتعيد بصرها حيث أباها سائلة إياه بخفوت شديد عن القبلة، فرفع كفه مشيرا لها بالإتجاه، حيث فرشت السجادة الموضوع بالغرفة مباشرة صلاتها
مسح وجهه بوهن متأملا إياها وهي تركع ثم تسجد ، يشعر بشلل تام قد كبل جسده وفكره يخشى أن يقدم على أي خطوة فتهتاج على إثرها، بعد برهة طرق الباب فدلفت شهد و جوليا هذه الأخيرة التي غمغمت: صباح الخير عزيزي
لتتسمر فجأة هي وشهد بعد أن ترائت لها سحر تصلي، فوجهت بصرها بسرعة حيث عصام الذي أشار لهما بالهدوء هامسا: ششش دعينا نتأكد من سلامتها أولا يا جوليا، لا تفتعلي أي تصرف من فضلك
إزدرت الأخيرة ريقها بقلق ألم بفؤادها مترقبة بصمت، فشدت شهد على ذراعها هي الأخرى مرتبكة وقد بدأت عيناها تسبحان بالدموع خوفا على أختها
بعد لحظاتx حملت سحر سجادتها نازعة إسدالها معيدة إياهما لمكانهما، فحولت بصرها نحو الجميع الذين كانوا صامتين تماما،x فأخفضت بصرها متحركة بخطوات مرهقة نحو سريرها بصمت تام لتستلقي عليه بتعب وبصرها شارد بالسقف
دنت منها جوليا بحرص منادية عليها بحنو: سحر صغيرتي
تقدم عصام هو الآخر ليراها وهي تفتح وتغلق عيناها كأنها تريد النوم، فردد: سحر أنت بخير بنيتي؟
حولت المعنية بصرها نحوهما مغلقة عيناها بإرهاق ففغرت فاهها للحديث إلا أنها صمتت بعدها، فإرتفع خفقان قلب جوليا تشد على ذراع زوجها بقوة مرددة بصوت باكي : ما خطبها ؟xx
كبح عصام أعصابه كي لا تنفلت قلقا من حال إبنته مهدئا زوجته رغم رجفته الداخلية: إهدئي يا جوليا تبدو مرهقة فقط
تحركت شهد للجانب الآخر من سرير وقد بدأت دموعها تنساب هامسة بصوت مرتبك: سحر أختي
حركت الأخيرة رأسها لصاحبة الصوت لترفع ستار عيناها متأملة أختها لتبتلع ريقها مجيبة بصوت مبحوح: نعم يا شهدي
قوست الأخرى شفتيها بقهر فإزداد فيضان مدمعها مستفهمة منها بنشيج: كيف حالك؟
رمشت سحر عينيها مجيبة بخفوت: الحمد لله
غمغم عصام بصوت غير مسموع نحو جوليا: لقد تفاعلت مع أختها، إذا فهي لم تلج لتلك الحالة النفسية التي تحدثت عنها الطبيبة
ناظرته جوليا بعجز محتارة مرتبكة لتجيب بخفوت مماثل: علينا التأكد أكثر
فدنت من سحر مستفهمة منها بهدوء حاولت إختلاقه: بنيتي أنا من؟
قطبت الأخرى جبينها بحيرة مجيبة: ماذا ؟!
كررت جوليا سؤالها بصوت أعلى : قلت لك أنا من، وهذا الرجل هنا من؟
حولت سحر بصرها بينهما مرددة بخفوت: أنت أمي وهو أبي، ما هذا السؤال الغريب؟
زفرت جوليا براحة فقبضت على كفها موجهة سبابتها حيث شهد قائلة: وتلك الفتاة من ؟
زفرت سحر بإرهاق مجيبة بصوت هارب: بالله عليك أريد النوم، أشعر أن جسدي محطم
هدرت بها أمها بعد أن فقدت أعصابها رعبا على صغيرتها: قلت أجيبي من تلك؟
دنى عصام هامسا بعتاب: جوليا ليس هكذا، إهدئي قليلا
رفرفت سحر بأهدابها بعدم فهم مهمهمة: تلك شهد
أومئت لها أمها مضيقة عينيها بتسائل آخر: وماذا تعني لك بحياتك؟
عبست سحر مجيبة بإستغراب: إنها أختي
دنت منها جوليا أكثر هامسة بتسائل آخر: هل تحبينها يا سحر؟
تغضنت ملامح سحر مغمضة عيناها بتعب هامسة: ماهذا السؤال يا أمي بالله عليك؟ !
جزت جوليا على أسنانها مرددة: أختك شهد لقد ضُربت البارحة، وضلت تبكي طوال الليل لأنهم أهانوها المسكينة ولم يدافع عنها أحد
توسعت عيني عصام على كذبتها تلك في حين مسحت شهد دموعها محتارة من تلك القصة التي إخترعها جوليا
حيث فتحت سحر عيناها بغتة وكأنها صعقت بالكهرباء لتهب مستقيمة من سريرها حيث أختها محتوية وجهها الباكي بين كفيها، وكأن الطاقة قد تسربت لبدنها فجأة مرددة بقلق : شهدي من آذاك، ما الذي جرى؟
لتنفجر الأخيرة ببكاء فإحتوتها سحر بين ذراعيها تضمها لصدرها متشربة منها ما يفجعها، فهتفت جوليا بسؤال كي تتأكد من هدفها: وماذا ستفعلين لمن آذاها ؟
إبتلعت سحر ريقها مهسهسة من بين أسنانها: قسما بالله سأمسح بكرامته الأرض، من هذا الحقير اللعين الذي لمس صغيرتي؟
زفرت جوليا براحة موجهة بصرها لزوجها مرددة بإرهاق : حسنا بما أنها قالت سوف تمسح الأرض بكرامة شخص ما وخاصة مع لفظ الحقير واللعين ذاك فالحمد لله هي سليمة تماما
جلس عصام بتعب على الأريكة لولا صعوبة الوضع لكان ضحك حقا على خطة زوجته تلك والتي أتت بثمارها حقا
ضمت سحر أختها أكثر مكررة سؤالها بقلق: ما سبب هذا البكاء، من أساء لك يا شهدي؟
دنت منهما جوليا مجيبة بتعب: هي تبكي خوفا عليك فقط، أما بخصوص ضربها فكنت أمزح فقط كي نتأكد من سلامتك بنيتي
قطبت سحر جبينها ماسحة وجنتي أختها مستفهمة بإستغراب : سلامتي من ماذا بالضبط؟
زفرت جوليا حاضنة إبنتها بقوة متمتمة بالحمد والشكر لله بعد أن رحمهما، مجيبة بعدها: ليس وقته الآن صغيرتي المهم أن بخير، إرتاحي فقط
فعادت سحر لسريرها كي تغفو قليلا، فهمست بخفوت: أبي ...
إستقام لها الأخير بسرعة مجيبا ندائها: يا قلب أبيك
تأملته سحر ملأ عينها تتشرب دفئ محياه ذاك فإغرورقت عيناها مرددة بإرهاق: سامحني يا أبي...قسما بالله ..لم أقصد أن أخيب ظنك ...لكن..
قاطعها عصام ماسحا على شعرها بحنو: شششش لا تفكري في هذا صغيرتي، لم تخيبي ظني أبدا ثقي بهذا
إنسابت دموعها مستفهمة بخفوت: ألست غاضب مني إذا؟
إنحنى عليها لاثما جبينها بحب مجيبا إياها بصوته الأجش الحاني: أبدا يا بنيتي، ربما أعتب قليلا لكنني لست غاضبا عندما ترتاحين سوف نجلس سويا ونتحدث بهذا الأمر، فقط لا ترهقي نفسك الآن
أومئت له بهدوء فرفعت كفها متحسسة وجهه ذاك متمتمة بحب: كيف نسيت محياك الوسيم هذا
فرفعت نفسها حاضنة إياه بقوة رغم تعبها الجسماني هامسة: يا قلب إبنتك يا عصومي
بادلها أباها الحضن بقوة أكبر يشدها إليه علها يبقيها بين أضلع صدره يحميها ويحويها من أي ضرر قد يمس بهجة حياته
::
خرجت الطبيبة من الغرفة فتبعها كل من عصام وجوليا هذه الأخيرة التي سارعت بالسؤال: طمنيني يا آنسة ؟
إبتسمت المعنية برقة واضعة كفيها بجيبي مئزرها مجيبة: الحمد لله ما كنا نخشاه لم يحدث، وأيضا حالتها النفسية مستقرة رغم تعبها الواضح، لهذا فالموضوع بسيط بإذن الله، فقط يجب أن تنال قدرا كافيا من الراحة وأن تبتعد تماما عن الضغط وهكذا سوف تستعيد نشاطها بسرعة
أخذ عصام نفسا عميقا ثم زفر كأنه يخرج كل كبته السلبي وخوفه الذي لازمه منذ سقوط إبنته أرضا فأردف متسائلا: إذا لا يوجد أي شيئ قد نقلق منه من ناحيتها يا دكتورة؟
نفت الأخرى موضحة:x لا، فحسب التقرير الذي صدر بعد فحصها عضويا تبين سلامتها أيضا وهذا يدل أنها داخليا قوية ماشاء الله
تنهدت جوليا براحة تغلغلغت لثنايا فؤادها حامدة الله على لطفه، فرددت بعدها: هل هذا يعني أن لا نخضها لمراقبة نفسية ؟
غمغمت الطبيبة بعملية: حاليا عليها أن ترتاح قليلا ولا نضغط عليها تجنبا لأي حساسية قد تصدر منها، وبعدها تحدثا معها بالموضوع وسوف نتابعها بإذن الله
تبسم عصام برجولية شاكرا إياها: بووركت يا آنسة
بادلته الأخيرة البسمة بإحترام مجيبة : لا شكر على واجب، أهلا
تقدم رعد بثبات منهم محييهم: صباح الخير
إلتف الإثنان له فإرتخت تقاسيم جوليا مرحبة: بني ها قد أتيت
قبل رعد رأسها مقدما لها الكيس مرددا بلين: أحضرت لكم الإفطار
مسحت الأخيرة بحنو على ذراعه قائلة: رعاك الله يا ولدي
إستفهم منه عصام بهدوء: هل نمت هنا أو بالقصر؟
تنهد الأخير مرددا: قلت لكما لا أستطيع ترككما هنا والعودة، لقد نمت بأحد الغرف الشاغرة
علا العتاب تقاسيم وجه جوليا مغمغمة بلوم حاني: يا بني ماكان عليك تكبد كل هذا، على الأقل كان عليك العودة وأخذ قسط من الراحة
إبتسم الأخيرة بسمة عميقة لها قائلا بلطف: هلا توقفت عن تكرار نفس الأمر يا عمة، أنتم عائلتي وحقكم علي أن لا أترككم بهكذا وضع (فعقب متسائلا)ماذا قالت لكما الطبيبة ؟
تنهد عصام براحة مجيبا: تم فحص سحر عضويا وبعدها جالستها الطبيبة النفسية لدقائق وقد تبين سلامتها تماما والحمد لله، فقط تحتاج الراحة حاليا كي تستعيد عافيتها كليا
أومئ له رعد بتفهم متمتما بالحمد لله، حيث دلفا مجددا لغرفتها تاركين رعد الذي سحب هاتفه مرسلا رسالة لإبن عمه أدهم كي يطمئنه على أخته
::
خللت جوليا أناملها بشعر إبنتها التي كانت شبه مستيقظة، تمشطه لها بحنان في حين كانت شهد تجلس على جانبها الأخير محتوية كفها بين كفيها تقبله من حين لآخر تشكر الله للمرة الألف على كرمه معهم، ليعلو صوت طرقات الباب الغرفة فأغلق عصام المصحف مجيبا بهدوء: تفضل
فتح الباب قليلا ليطل عليه الجد بوقاره المعتاد ليستقيم إبنه بسرعة متحركا نحوه مقبلا جبينه وكتفه قائلا: أهلا يا أبي، بالله عليك لماذا أتيت و سافرت كل هذه المسافة
ربت أباه على عضده بدفئ مجيبا بعتاب: طبعا لن أترك حفيدتي وهي بالمشفى
إستقامت جوليا تخطو نحوه مقبلة كفه وقد تلألأت مقلتاها بإمتنان حقيقي مرددة: أهلا بك يا عمي
أومئ لها الجد بحنو ، حيث دنى جاسم من حفيدته رابتا على رأس شهد التي تراجعت للخلف سامحة له بالإقتراب أكثر فإستفهم: كيف حالك بنيتي؟
فتحت سحر عيناها قليلا مبصرة وجه جدها المهيب الذي لم تفلح حدة تقاسيمه في مُداراة ذلك الدفئ الذي ينبع منه، لتحاول الجلوس إلا أنه قبض على كتفيها موقفا حركتها مردفا: لا بأس.. لا داعي للتحرك، عودي مكانك
أحاطت سحر عنقه بذراعيها معانقة إياه وقد همست: حبيبي يا جسومي، رؤية محياك يعيد لي عافيتي فورا
رقت ملامح وجه جدها رابتا على ظهرها بحنو مجيبا: سلامتك من كل سوء
إستلقت سحر على سريرها مرة أخرى كي تغفو قليلاً، فتحرك الجد متخذًا مجلسة بصمت تام على الأريكة وقد علاَ محياه الحدة، فجلس عصام بقربه مدركا حنق أبيه هامسا بخفوت كي لا يسمعه أحد: أبي رجاءا لا داعي للغضب
رمقه جاسم بغموض مجيبا بعدها: لو سيطرت على إبنيك لما وصل حال إبنتك لهذا الوضع، منذ متى وفتيات آل سلطان يرسلن للمشافي
زفر عصام بإرهاق مرددا: معك حق يا أبي، لكن سوف أتصرف معهما بنفسي
رفع أباه حاجبه موجها بصره لحفيدته التي بدأت تغغو بتعب مجيبا بغضب: وكيف ستتصرف معهما أبهرني، تركت لكم الساحة بأكملها ولم أتدخل بشيئ لسنواتٍ عديدة، لكن أن ينتهي بحفيدتي بالمشفى بسبب رعونة أحد ذكوركم فهذا لن يسكت عنه نهائيًا
مسح عصام وجهه بكفه محاولاً تهدئة أباه كي لا تخرج الأمور عن سيطرتها: أبي لقد قلت سوف أعاقبهما بنفسي، مع أننا ندرك تمامًا أنّ كل من زياد وأدهم لم يقصدا أن يسببا ضررًا لأختهما
ناظره أباه بحدة مقاطعا إياه: لا تهمني نيتهما يا عصام، الحدث قد وقع لو علما كيف يحتويان تهورهما وكبح جماع تلك الرعونة الشبابية لما وصل الحال لهذا الخطر، منذ عقود مضت قلناها بنات آل سلطان ممنوع حرفيا أن تمر نسمة هواء بدربهم، فما بالك بأن ينتهي بهن المطاف بالمستشفيات
إتكأ عصام على ظهر الأريكة مؤيدًا قول أبيه: طبعًا معك حق يا أبي، أدرك جيدا صحة حديثك، لكنني سوف أحاول إحتواء الموقف بحكمة كي لا ينجر عنه أي حساسية بين سحر وأخويها مستقبلاً، أرجوك دعني أزن الموقف برأسي كي أجد حلاً سليمًا
رمقه أباه بنظرة مبهمة إلا أنه أشفق عليه بسبب ذلك التعب البادي على تقاسيمه، فغمغم منصاعًا على مضض: حسنا، سوف نرى ما ستفعل
تبسم عصام منحنيا على كتف أباه مقبلا إياه بحب وإحترام مرددا: بوركت يا أبي
::
- أدهم رجاءًا لا تثر غضبي
كلمات حانقة نبس بها رعد بالهاتف مع إبن عمه، فعقب بعدها: لقد أخبرتك أنها بخير، لهذا لا تأتي، فوالديك بالكاد يقفان على قدميهما من التعب والضغط فلا تزيدا عليهما الأمر سوءًا بقدومكما
بالجهة الأخرى شتم أدهم نفسه للمرة الألف هادرًا بعدها: قلت لك سأحرص أن لا يراني أبي يا رعد، فقط أنت أشغله بشيئ ما، لماذا لا تساعدنا ؟
تشنج فك الآخر صدقا يريد تحطيم وجه ذلك الغبي فهسهس موضحا: إفهم، لقد قلت لك الطبيبة النفسية أكدت على والديك أن يبعدوها عن أي ضغط نفسي، لهذا كفاك إستهتارًا، لطالما كنت ثقيلاً يا أدهم مابال تصرفاتك الرعناء هذه؟
جلس أدهم بوهن هامسًا بصوت مثقل بالذنب: إنها جزء من روحي يا رعد، صدقني لم ننم طوال الليل قلقا عليها، بالكاد أتحكم بأعصابي كي لا آتي إليها فيغضب أبي
زفر رعد كابحًا جماح حنقه محاولاً أن يتفهم موقف إبن عمه، فرغم حبه الكبير له إلا أنّ عمه عصام وجوليا يضلان الأغلى لديه حيث أردف بهدوء: إصبر قليلاً ولا تخالف أمر أبيك يا أدهم، أنت أكبر إخوتك فلا تعطي لهم إنطباعًا بأنك لا تعطي كرامة لكلمته، خاصة أنّ جدي قد حضر وواضح من تعاليم وجهه أنه سيكون رده قاسي جدًا، لهذا إلزم مكانك حاليًا
هدر أدهم وقد فقد أعصابه حقا: لست طفلا كي أخشاهم، لا يحق لهم أن يبعدوننا هكذا على الأقل فلنطمئن عليها
أبعد رعد الهاتف من أذنه محاولاً لملمة حنقه ليعيده مرة أخرى هامسا بفحيح: كلمة ولن أكررها.. إن حضرت أنت أو أخيك الآخر قسما بالله سوف أريك وجهي الآخر، هل أصبحتم أطفالاً فجأة كي نركض خلفهم ونشرح لكم ألف مرة
مسح أدهم وجهه بحركة عصبية محتارًا صامتا، فتهادى له صوت رعد مجدداً محاولا إمتصاص خوفه: أدهم بالله عليك، أباك وضعه لا يسر لهذا كفاكم ضغطا على أعصابه، لا تخذله بكسرك لتنبيهه مرة أخرى
أغمض أدهم عيناه مدركا صحة قول الآخر فغمغم راضخا: حسنا أمري لله فقط
جلس زياد بجانبه مستفسرا بقلق: هل جد شيئ جديد؟
نفى أخاه مجيبا بإرهاق : أبدا، كما أخبرنا رعد صباحا هي بخير لكنها حسب قول الطبيبة فقط عليها أخذ الراحة تامة
تنهد زياد براحة فرغم رغبتهم الكبيرة في الذهاب لها إلا أنّ خبر سلامتها على الأقل سوف يهون عليهما بعدهما عنها، فعقب أدهم بالهاتف: فقط إحرص على أن تعلمنا بأي جديد يطرأ يا رعد
أومئ الأخير بهدوء لامحا من بعيد قدوم السيدة ضحى وإبنها هاني ليجيب: بإذن الله
ليغلق المكالمة بعدها حيث تبسمت ضحى بلطف تحييه: السلام عليكمx يا بني
ردد رعد عليها مرحبا : وعليكم سلام ، أهلاً بك
إبتسم هاني بإستفزاز قائلا: لازلت حيا يا رعد
ناظره الأخير بضجر متجاهلا إياه، حيث قالت ضحى بلين: هذه غرفة سحر أليس كذلك يا بني؟
أومئ لها رعد إيجابا متكلما: أجل هي
فتحركت نحو الغرفة والجة لها، ليتحرك هاني بعدها رامقا رعد بمكر: سوف أسلم على إبنة خالتي
رفع الأخير حاجبه على إستفزازه، فأعقب الآخر ببسمة متلاعبة: أقصد أختي من الرضاعة، فلا داعي لتلك الحمية والغيرة المجنونة يا بكر آل سلطان
ليدلف بعدها تاركا رعد يجز على أسنانه على سخافته متمتما: الصبر فقط
::
رحب جوليا بضحى فعاتبتها الأخيرة: شكرا لك لأنك لم تتعبي نفسك وتعليمننا يا جوليا
تنهدت الأخرى موضحة: بالله عليك يا ضحى تدركين جيدا أنني لا أفضل أبدا إقلاقكم لهذا لا داعي كي أخبركم
دنى منها هاني مقبلا جبين خالته مرددًا بحب: حمدا لله على سلامة أختي يا جولي
ربتت جوليا على صدره بحنو مجيبة: رعاك الله يا ولدي
وجه هاني بصره حيث خالته عطاء التي وجداها هنا منذ قليل فدنى منها قائلا بلين: كيف حالك خالتي ؟
تجاهلته الأخيرة مشيحة ببصرها عنه، فزفر بقلة حيلة مرددا: أليس لدي أي قيمة لديك يا خالتي كي تعفي عني غلطتي الغبية تلك؟
واصلت الأخرى تجاهلها له ليخيب ظن هاني موثرا الصمت بقلب تضخم بغصته، فإنحنت جوليا على ضحى متسائلة بحيرة: ما خطبها أختي عطاء مع هاني؟
زفرت ضحى مجيبة بحدة: هاني سوف يفقع مرارتي حقا..فقد تسبب بكارثة معها، لهذا فهو يصر عليها كي تسامحه
رفرفت جوليا برمشها قائلة: ليس هاني فقط، فحتى زياد وأدهم كذلك، قادما دعينا نجلس ونتحدث أفضل من هذا الضغط
دنى هاني من سحر منحنيا عليها هامسا بخفوت: هل تتذكرين من أنا ؟
تبسمت سحر برقة نافية برأسها، تغضنت ملامح الأخير مدركا إستفزازها ذاك فهمس بخفوت: يا سنفورة يا شقية
إبتلعت سحر ريقها بتعب هامسة بخفوت مماثل: عامود إنارة
قهقه هاني بخفة قائلا: يا إلهي حتى وأنت بهذا الوضع لازال لسانك طويل (لينحني عليها أكثر متلمسا خصلات شعرها المتناثرة مهمهما بإعجاب حقيقي) شعرك جميل جدا
توردت سحر بخجل مجيبة: أعرف ذلك
زم شفتيه بضيق من ردودها تلك فقرص خدها بخفة قائلا: يا إلهي على ذلك اللسان
ضحكت الأخيرة برقة رافعة كفها لوجنته ماسحة على لحيته مرددة: شكرا لقدومك
لثم جبينها بدفئx متحدثا: تدلل أختي الصغيرة
- هاني إبتعد عنها وكفاك إزعاجا لها
كلمات معاتبة نبست بها والدته ضحى ، فتضجر الأخير قالبا عينيه مجيبا بتهكم: أزعجها !؟ بل هي إستعادت نشاطها بعد رؤيتها لوجهي فقط
مطت ضحى شفتيها قائلة بسخرية مماثلة: أجل واضح ماشاء الله
أردفت عطاء بحنو نحو سحر: سهام كانت سوف تأتي لزيارتك لكن فضلت أن تمر عليك بالقصر أحسن يا إبنتي
تشنج فك هاني موثرا الصمت كأفضل خيار، حيث أومئت لها سحر بهدوء، في حين تحدثت جوليا: لابئس يا عطاء هي مرحب بها دوما
بعد ساعتين غادر الجميع بعد أن تناوبوا على القدوم لغرفتها من بينهم أعمامها وزوجات عمها، فأردفت سحر بوهن: أمي رجاءا فلنعد للقصر فقط، لقد إختنقت هنا ولا أجد راحتي
أمسكت شهد كف أختها مجيبة برقة: لقد ذهب أبي عصام كيف يسألهم عن موعد خروجك، إصبري قليلاً يا سحر
رمقتها والدتها بعتاب متحدثة: بالله عليك يا إبنتي لماذا هذا الإستعجال؟ لقد جلبانك البارحة فقط لهنا، أنظري لوجهك كيف هو شاحب وباهت
تململت الأخيرة مرددة: أعدكم سوف أرتاح وأتبع تعليمات الطبيبة حرفيا، لكن فلنغادر فصدقا أشعر بالإختناقx هنا
هزت والدتها رأسها على عنادها قائلة بعدها: حسنا سوف نرى ما يقررونه هم وإن كانت مغادرتك لن تشكل عائقا في تحسنك فلابئسx
::
تقدم عصام بالرواق فلمح رعد جالساً كعادته قرب الغرفة، فتبسم بفخر عليه فهو منذ قدومهم لهنا لم يغادرهم بتاتا إلا لأداء الصلاة بالمسجد القريب أو لإحضار الطعام لهم، حتى أنه أجل كل أعماله والتي نادرا ما كان يفعلها ..فأردف: رعد بني لماذا لازلت هنا ؟
وجه المعني بصره نحو محدثه مجيبا بهدوء: لن أغادر دونكم يا عمي
تبسم الآخر بإمتنان حقيقي قائلا: لا داعي لبقائك إذا، فقد سمحوا لنا بالمغادرة، فوضع سحر والحمد لله مستقر ولا يوجد قلق عليها، فقط فلترتح بالقصر أفضل
تنهد الأخير براحة متمتما بالحمد لله، ليستقيم مستفهما بهدوء: إذا هل ستغادرون الآن؟
أومئ له عصام إيجابا مرددا: نعم
غمغم رعد مقترحا: حسنا إذا سأوصلكم بنفسي ،فأنت بالكاد تقف على قدميك يا عمي
تنهد عصام بتعب رابتا على كتفه متحدثا: بارك الله فيك يا ولدي
:
•♡•
:
أوقف رعد سيارته بباحة القصر نازعا حزام الأمان، ليفعل عصام المثل مردفا: شكرا
أومئ له رعد بصمت، ليرن هاتف عصام فزفر بتعب متمتما: لن يكفوا عن الإتصال أبدا
فترجل مجيبا على الهاتف، ليترجل رعد هو الآخر فاتحا الباب الخلفي لجوليا التيx همست بإمتنان: حماك الله يا ولدي
فخرجت شهد هي الأخرى من الباب الآخر بصمت، في حين نزلت سحر بعد والدتها ليغلق رعد الباب خلفها متمتما بكلمات غير مسموعة، فقطبت الأخيرة جبينها مستديرة له مستفهمة بحدة: عفوا ؟!
رفع رعد حاجبه عليها مجيبا ببرود: ماذا ؟!
ناظرته سحر بضيق قائلة: أعد ماذا قلت قبل ثواني
رمقها الأخير من الأعلى للأسفل مرددا بإستخفاف: إصعدي للأعلى فحالك لا يسمح لك بالشجار منذ الآن
هسهست الأخرى بحدة قائلة: المرة القادمة تحدث بالوجه وليس بالظهر، فهذه ليست شيم الرجال
إتكأ رعد على سطح السيارة متمتما بسره : لا تضرب رأسها بالسيارة ...لا تفعل فوالداها هنا ، حيث أردف بحدة خافتة: إصعدي للأعلى إن كنت أنهيت وصلة شراستك هذه
همت سحر بالرد إلا أنّ جوليا قاطعتهم مستفهمة بهدوء: لماذا توقفت صغيرتي؟
تنهدت المعنية مجيبة ببسمة مصطنعة: لاشيئ، فقط كنت أشكر رعد على إيصاله لنا
ربتت جوليا على ظهرها بحنو لترمق رعد بنظرات ممتنة وقد رق محياها ذاك قائلة: أجل رعد شهم حقا، فهو منذ ذهابنا للمشفى لم يتركنا لحظة
قلبت سحر عينيها متحركة مرددة بصوت مسموع: نحن ندفع له راتب شهري مقابل هذه الشهامة كلها ، لهذا لا تبالغي يا أمي
زمت والدتها شفتيها على لسانها ذاك فهتفت بصرامة: سحر
غمغمت الأخرى متابعة سيرها بتعب حيث أباها الذي يتحدث بالهاتف: حسنا، صمتت سحر
لتستدير جوليا لرعد هذا الأخير الذي كان يرمق الأخرى بعيون مضلمة وقد تشنج فكه غضبا من تجاوزاتها تلك، لتردف بلطف: بني لا تآخذها، هي أختك الصغرى تحمل دلالها فقط
زفر رعد مفوضا أمره لله على تلك المخلوفة مجيبا بهدوء: لا تهتمي يا عمة، لقد إعتدنا على لسانها ذاك
قهقهت جوليا برقة متأملة شبلها وفخرها مرددة بصدق: عسى الله أن يرضيك خير الرضى يا بني
توقفت سحر حيث أباها الذي أغلق المكالمة متقدما نحوها حاملاً إياها بين ذراعيه لتضحك برقة محيطة رقبته بذراعيها مقبلة خده بحب، حيث قال: حبيبة أباها
حضنت جوليا كتف شهد مقبلة جانب رأسها، فصعد عصام الدرجات حاملا إبنته فوجهت الأخيرة نظرها للخلف فتقابلت مقلتاها اللازورديةx بسواد عيناه تلك فرفعت كفها حيث رقبتها مشيرة له بالذبح
هز الآخر رأسه عليها فمن يرى حركاتها تلك لا يصدق أبدأ أنها منذ ساعات فقط قد إستيقظت من إنهيار عصبي
دلف عصام للقصر فإقتربت منهم حنان بسرعة وقد علت الفرحة محياها مهللة: وأخيرا، أهلاً أهلاً
توقف عصام ببهو القصر مجيبا بلين: مرحبا بك
وجهت الأخيرة بصرها لسحر التي كانت بين ذراعي أبيها قائلة: حمدا لله على سلامتك بنيتي، والله أنتِ غالية علينا جدا والكل كان يدعو لسلامتك
تبسمت سحر بلطف مجيبة بصدق: حفظكم الله وبارك فيكم
دنت نور هي الأخرى وقد لمعت عيناها سرورًا بعد رؤيتها لسحر سليمة: حمدا لله أنك بخير يا سحر
بادلتها سحر بسمتها مرددة بإمتنان: سلمك الله من كل سوء يا نور، شكرا لكم كثيرا
غمغمت جوليا بلين: حفظكم الله على طيب أصلكم، والآن فلندعها ترتاح قليلا
أومئوا لها بهدوء، ليصعد بها أباها الدرج، فحولت سحر بصرها بالمكان كأنها تبحث عن شيئ ما، حيث إستفهمت منها شهد بفضول: سحر هل تبحثين عن شيئ معين؟
ترددت سحر إلا أنها قالت بإرتباك: أين...أين أدهم وزياد؟ لم أرهم طوال اليوم؟
إبتلعت شهد لسانها، لتوجه جوليا بصرها لزوجها الذي فجأة قد تغضن محياه فأجاب مغيرا الموضوع: اليوم سوف تنام صغيرتي بين ذراعي أبيها
أيقنت سحر رغبة أبيها في عدم الحديث فإحترمت رغبته تلك، لتبتسم على إقتراحه مجيبة بحب: ستكون أجمل نومة والله
قهقه بخفة عليها ليقبل أنفها الصغير ذاك يضمها لحضنه بقوة عله يتأكد أنها ماعادت بخطر الآن
::
تحركت نور خلف والدتها متسائلة وقد بدأ قلبها يعاني قلقا: كل من زياد وأدهم لم يعودا للقصر منذ الأمس يا أمي، هل هناك خطب ما ؟
تنهدت والدتها مجيبة: واضح أنّ السيد عصام منعهم من العودة بعد الذي حدث، فهو صارم جدا في مثل هذه الأمور
إبتلعت الأخرى ريقها متحدثة: لكن هما طبعا لم يقصدا ما حدث، فالكل يدرك جيدا حبهما الكبير لسحر
عقبت والدتها على حديث إبنتها: أكيد، لكن هذا لا يمنع أن يتهاون عصام معهما، خاصة جدهم فلن يسكت نهائيا لأنه يتعلق بإحدى حفيداته وهذا من الخطوط الحمر عنده
جلست نور وقد إهتزت مقلتاها بإرتباك من تعرضه لأي عقاب صارم من الجد فهمست: لكن هما يضلان أخويها
ناظرتها والدتها بإستغراب مجيبة بحدة: رغم حبي الكبير لهما يا إبنتي ، إلا أن هذا لا يمنع من عتبنا عليهما، وعصام أدرى بكيفية التصرف في مثل هذا الأمر
زفرت نور مخرجة مع كل زفرة خوفا يعتمل بقلبها عليه، أكيد هو الآن يعاني ندما وخوفه على أخته وروحه تأن وجعا على حالها، فتمتمت بسرها: يا رب أرح باله وهون عليه