رواية فردوس الشياطين الفصل السادس والاربعون 46 والاخير بقلم مريم غريب
الفصل ( 46 ) { الأخير }
_ ميراث الدم ! _ "جزء ثاني"
خيمت البرودة حولها فجأة ... لحظة إنفصالهما عن بعض أخيرا .. و لكن جيد ... فقد إتخذت أعصابها شيئا من تلك البرودة حين ناءت عنه بمنتهي الهدوء و سحبت الملاءة لتغطي جسمها .. كانت مسترخية كثيرا و لم يزعجها ذلك الخواء الذي أخلفه زوجها
بينما لم يكن "عمرو" مثلها إطلاقا .... حيث لم يطيق المكوث بجوارها أكثر من ذلك ، فقام مسرعا و هو يرتدي سروال بيچامته و إتجه إلي الحمام
صفق الباب بعنف ، فإبتسمت بسخرية و قامت بدورها متجهة نحو كومة ملابسها الملقاة علي الأرض ، إلتقطت روبها الخفيف و إرتدته بتمهل ، ثم مشت نحو الشرفة المطلة علي أحياء المدينة الكبري ... جلست فوق أحد الكراسي الموجودة هناك .. أخذت تتطلع إلي السماء تارة و إلي أضواء المدينة و المباني الرفيعة تارة ... كان هناك سلام غريب تنعم به في داخلها ، سلام أدهشها و نال رضاها في آن و كأن كل مخاوفها من هذه الليلة طارت مع الرياح
عجبا كيف إستطاعت أن تتعاطي مع زوجها و لا تسأم من مشاعرها المتخبطة سلفا و مشاعره التي طغت عليه في النهاية ، حين إكتشف أخيرا أنه ليس الأول في حياتها ...
تري هذه القوة كلها إستمدتها من دعم أبيها ؟ . هل كانت له اليد الأولي في تعزيز الثقة لديها ؟ . أو بمعني أدق تعزيز صفة التبجح لأداء دور الواثقة ؟ ... لا ريب أن جهود "سفيان" أتت ثمارها كما تمني فأصبحت إبنته مثلما أراد أن تكون تماما .. أصبحت مثله !
إنتبهت "ميرا" لعودة زوجها إلي الغرفة ، بقت هادئة كما هي و تابعت تآملاتها الواهية و كأن شيئا لم يحدث ...
كان "عمرو" قد فرغ لتوه من غسل بارد ساعد في أطفاء شيئا الحريق المضرم بجسده ... كان يرتدي روب الإستحمام القصير ، ترك شعره رطب كما هو دوت أن ينشفه و أستل علبة سجائره من فوق الطاولة المحاذية للسرير ، مضي صوبها متحكما بأعصابه بمهارة فائقة ، جلس مقابلها و علي وجهه تعابير جامدة غير مقروؤة ... دس سيجارته بين شفتيه و أشعلها بحركات مقتضبة ، ثم رمي القداحة فوق المنضدة المنخفضة و صوب نظراته إليها .....
-عشان كده سفيان بيه قالي الكلام ده ! .. قالها "عمرو" بلهجة متصلبة
لا رد من "ميرا" ... ليتابع مقوسا شفتاه بشئ من الإزدراء :
-عموما أنا مايهمنيش حياتك كانت ماشية إزاي قبلي . الكل عارف إنتي جاية منين و قضيتي أغلب عمرك فين .. و قست ملامحه في هذه اللحظة و هو يكمل بصوت أجش :
-بس لو لاحظت في يوم سلوك مش هو هزعل أوي يا .. مراتي . الجوازة دي ماكنتش علي مزاجي أصلا فهعتبر نفسي ضاربت علي سهم عالي و سقط فجأة زي ما يعمل في البورصة . هتفضلي مراتي و هتلتزمي بعاداتي غير كده ...
-غير كده إيه ؟! .. قاطعته "ميرا" و هي تنظر إليه بتحد سافر
أثار غضبه أن يراها وقحة إلي هذا الحد ، غير عابئة بإنذاره شديد اللهجة ، كان وجهه محمر من شدة الإنفعال الذي واصل كتمه بجهد خرافي ، لتبتسم "ميرا" بإستخفاف و هي تتأمله و تراقب إنقباضة كفه حول ذراع الكرسي المصنوع من خشب الجوز ...
حدقت فيه بقوة ثم قالت بجدية صارمة :
-إنتي جوزي Now . ماقلتش حاجة . و أنا عارفة حدودي كويس فمش هسمحلك تكلمني كده تاني . أنا عذرتك دلوقتي عشان مقدرة الإحباط .. أو الصدمة إللي إنت فيها . و خليك متأكد إني لما أعوز أعمل حاجة هعملها و مش هخاف منك . ساعتها هيبقي قدامك إختيارات طبعا و هتبقي حر تختار إللي إنت عاوزه .. غير كده يا بيبي مالكش عندي حاجة . أوكي ؟
عمرو و هو يرمقها بنظرات فتاكة :
-شكلنا هنتعب مع بعض أوي يا حبيبتي
ميرا بإبتسامة خبيثة :
-maybe , بس أنا مش ناوية أتعبك يا عمرو صدقني . كل حاجة هعملها إنت إللي هتحددها بتصرفاتك .. ثم قامت من مكانها بتكاسل و إستطردت بتثاؤب :
-أنا تعبت أووي . اليوم كان طويل و الوقت إتأخر .. Good night بقي يا بيبي و أشوفك الصبح
و أرسلت له قبلة في الهواء ، إستدارت ماضية إلي الفراش بخطواتها المتمايلة ، لتتركه يحدق في إثرها محاولا إخماد ثورته بلا جدوي
ماذا به الآن ؟ هل هذه غيرة أم حب ؟ مسألة كرامة أم حنق ؟ ... الإجابة تكمن في مشاعره التي أظهرها من خلال شغفه بها منذ وقت قليل ...و لكن إذا نزل عند رغباته بعد أن عرف بكل شئ ، فهو يستحق تلقي المزيد من طعناتها الجارحة في رجولته .. رجولته !!!
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
كانت "وفاء" تجلس قلقة في المقعد الخلفي من سيارة أخيها ، تتابع تطرقه إلي الطرقات المقفرة غير المأهولة بالناس ...
منذ رؤيتها قائد الحراسة "دياب الحديدي" و هي لا تستبشر خير ، "دياب الحديدي" أينما حل ظهوره يعني نذير شؤوم لا محالة ، و ما أزاد الأمر سوءا صمت أخيها الملبك و المثير للأعصاب .. أنها حتي لا تفهم شيئا ....
توقف "سفيان" عن المسير وسط هذا المكان النائي ، أوقف محرك السيارة و قال آمرا دون أن ينظر إلي مرافقيه :
-يلا إنزلوا !
وفاء بإستنكار حاد :
-ننزل فين يا سفيان ؟ في الصحرا ؟ إنت جايبنا فين ؟؟؟؟
سفيان بجمود : سلامة الشوف يا وفاء . في بيت علي يمينك يا حبيبتي .. إنزلـي يـلا
كادت تفتح فمها لتحتج ثانيةً ، ليعاجلها "سامح" بصرامة :
-إنزلي يا وفـاء .. إسمعي الكلام . يلا ! ... ثم فتح باب السيارة من جهته و ترجل
أجفلت "وفاء" بتعجب و لم تجد مناص منهما هما الإثنان ، بحثت يدها عن مقبض الباب و نزلت بدورها .. مشت نحو "سامح" و هي تضم شالها الثمين إلي صدرها لتقي نفسها موجة البرد القاسية في الخارج
لمحت سيارة "دياب الحديدي" تقف علي بعد مترين من سيارة "سفيان" ... ترجل القائد المفتول من سيارته حاملا سلاحا آليا و خلفه ساروا الحرس الثلاثة مددجين بالسلاح أيضا ، إرتعش فكها و تلقائيا تعلقت بذراع "سامح" وهي تهمس له بخوف واضح :
-هو في إيه يا سامح إيه إللي بيحصل ؟؟!!
لم يرد "سامح" ... لم يكن هنا أصلا .. كان مركزا علي صديقه فقط ، في اللحظة التي إلتفت فيها "سفيان" نحوهما ، كان واقفا أمام البيت المألوف
تحسس بابه ذي الطلاء المتآكل بكفه و هو ينظر نحو "سامح" قائلا :
-تعالي يا سامح . هات وفاء في إيدك و تعالوا ورايا .. في حاجة حلوة أوي لازم تشوفوها ! ... و ولج للداخل بخطوات وئيدة
تلفتت "وفاء" حولها ماسحة المنزل البالي من الداخل بنظرات مرتابة ، كانت تتبع خطوات "سفيان" و هي تسير ملاصقة لـ"سامح" ... حتي أفضي بهما المسير إلي إحدي الغرف و التي كانت الأكبر و الأكثر أثاثا ، أثاثا بغير نظافة حيث كانت الأتربة تغطي كل شئ
ذلك السرير المنتصب في الوسط ، كانت هناك سلاسل حديدية غليظة تتدلي من قوائمه الأربعة إلي الأرض .. بقايا ملابس داخلية و تحديدا نسائية منتشرة في الجوانب ، قماش لفستان بدا قيما رأته ممزقا هناك أمام لوح الفراش الأمامي ، أدلة علي وجود ساكن سابق لهذه الغرفة تمثلت في صينية موضوعة علي طاولة صغيرة بجوار السرير حملت بقايا طعام قد تعفن و تجمعت حوله الفطريات ، و دورق مياه جاف ... و !!!
جمدت عيناها في هذه اللحظة علي وجه أخيها الذي طل فجأة أمامها .. كانت عيناه أشد ظلاما ، تصلب فكيه ، الشر المطلق الذي بثته كل خلية تنبض في جسده ، كل هذا أنذرها بحلول شئ خطير .. حتي أنها عجزت عن تخيل أسوأ السيناريوهات ، فما الذي قد يوصل أخيها إلي هذه المرحلة المميتة من الغضب ؟؟؟؟؟
-ديــــاب ! .. صاح "سفيان" بصوت جهوري و هو يشمل أخته و صديقه بنظرات دموية محض
حضر المدعو "دياب" في طرفة عين ، كان قريبا بما يكفي ليلبي نداء سيده بأي لحظة ، إمتثل أمامه مجيبا بلهجته الخشنة :
-تحت أمرك يا باشا . أؤمرني !
نقل "سفيان" نظراته إلي حارسه المفضل ، مضي أكثر من إثنتي عشر عاما و هو يعمل لديه بمنتهي التفاني و الإخلاص .. حتي الآن لم يصدر منه تصرف يجعله نادما علي وضعه بالمكانة المحمودة التي تصدرها لأعوام عن جدارة ، و رغم قسوة الحارس الواضحة للعيان دائما ، كان هناك الآن لمعة رقيقة في عيناه و هو يطالع سيده خاشيا ما سيتفوه به ، غير قادرا علي ردعه بالطبع .. فهو يعلم ... ما إذا أراد "سفيان الداغر" شيئا فلن يتورع مخلوق عن الحؤول بينه و بين مراده و إلا .. سيكون الخاسر بلا شك ....
-إخرج برا و إعمل إللي قولتلك عليه ! .. قالها "سفيان" بنبرة قوية و هو يمنحه نظرات التأكيد من عيناه الحادتين
مط "دياب" شفتاه شاعرا بالآسف ، بالآسي المر ، سأله و اليأس يطغي علي نبراته العميقة :
-إنت متأكد ؟ متأكد يا باشا ؟!
و لأول مرة منذ ساعتين تقريبا ، أطلت إبتسامة جانبية علي وجه "سفيان" .. قال رابتا علي كتف الرجل الحديدي فعليا ككنيته :
-متأكد يا دياب . إطلع يلا .. إعمل إللي إتفقنا عليه . و إستني مني إشارة
أطرق "دياب" عاجزا عن قول أي شئ ، إستدار مغادرا و قد سحب باب الغرفة في يده .. سمع "سفيان" صوت القفل ثم عدة دقات بالمطرقة ، ثم لا شئ ....
-سفيان أنا مش فاهمة حاجة !! .. قالتها "وفاء" بتوجس و قد إنسحبت الدماء من وجهها تماما
إبتسم و هو يلتفت لها قائلا :
-طيب ليه ما تسأليش سامح يا وفاء ؟ أعتقد أنه ممكن يفيدنا إحنا الإتنين . ده أنا جايبكوا هنا مخصوص عشان أفهم أنا كمان بس بالتفصيل
عقدت حاجبيها بإستغراب شديد و نظرت إلي "سامح" منتظرة رده ..
كان الأخير يحملق في شقيقها ببرود لم ينجح كثيرا في إستفزاره ، إلا أنه تقدم منه خطوة و هو يقول مبتسما بسخرية :
-مشكلتك يا سامح . مشكلتك الوحيدة إنك عاشرتني العمر ده كله و لسا مافهمتنيش .. كنت فاكر أنك بتلعب من ورا ضهري ؟ بس أنا كنت سايبك بمزاجي ... إنت فاكرني مش عارف حاجة عن علاقتك بأختي ؟ لأ يا وفاء .. و نظر لأخته التي طبعت الصدمة علي وجهها الآن ، و أكمل بنفس الإسلوب :
-أنا عارف كل حاجة . من أول يوم .. كنت عارف إيه إللي بيحصل في شقة الزمالك و كنت سايبك بكيفي بردو . كنت بقول و ماله ما هي كبرت بردو و من حقها تشوف نفسها حتي لو هتتسخط و تمثل دور عيلة 18 سنة
عضت "وفاء" علي شفتها السفلي بقوة و قالت محاولة مجابهته :
-و إنت جايبنا هنا عشان نتحاسب علي علاقتي بسامح ؟ طيب ما هو خطبني و قريب هيتجوزني . إيه مشكلتك دلوقتي ؟؟
ضحك "سفيان" و أجابها :
-أنا ماعنديش أي مشكلة يا حبيبتي أياكش كان ولع فيكي . مايخصنيش .. و نظر إلي "سامح" مضيفا بهدوء خطير :
-المرة الوحيدة إللي تتحسبلك فعلا . لما قدرت تاخد بنتي مني . لما خطفتها من حضني و وهمتني أنك أوفي مما تخيلتك . مش عارف كان غباء مني و لا إيه ! و أنا لما كنت باخد بالي من نظراتك . من زلات لسانك . من طريقتك كلها إللي إتغيرت من ساعة ما جت ميرا هنا .. كنت مغفل فعلا . جايز عشان دخلت في حياتي واحدة شوشت تركيزي و شغلتني عن بنتي و أحوالها شوية . بس مش أنا إللي أسيب حقي أو حق بنتي يا سامح ... و أكيد أنت عايز تعرف الموضوع وصل لحد عندي إزاي . إزاي قدرت أوصل للمكان ده .. طبعا من حقك تعرف . مش لازم كل حاجة تخلص و إنت فاكر أنك قدرت تستغفلني للنهاية
كانت نظرات "سامح" زجاجية ، عكست عدم خوفه من تهديد صديقه الضمني ، بينما أردف "سفيان" محركا أصابعه بحركات عشوائية :
-سواق التاكسي .. جبتها منين ياسطي ؟ .. من المنصورية .. فين بالظبط ؟ .. علي أول الطريق الصحراوي ؟ .. أنه يديني جملة مفيدة . أبدا . ماكنش لازم أحسس مخلوق أني بدور ورا الحكاية . خصوصا بعد ما خمنت بسهولة أن السواق كداب من نظرة واحدة . فهمت كل حاجة حتي قبل ما أتكلم .. نمر عربيته إتصورت . إتبعتت لأصدقائنا في مباحث المرور . شوية تحريات بسيطة و سرية . عرفت بسهولة بردو خط سيره في اليوم ده . كان فين ؟ و تبع مين الأماكن إللي عدا عليها .... و سطعت إبتسامته الجذلي و هو يقول بمكر :
-مش كنت تقولي أنك داخل في مشروع التعمير الجديد يا سامح ؟ كنت شاركتك و كبرنا المصلحة !
تصرخ "وفاء" في هذه اللحظة و قد نفذ صبرها :
-أنا مش فاهمة حآااجة ! حد فيكوا يفهمني إيه إللي بيحصل ؟؟؟؟
-إنت عايز إيه دلوقتي يا سفيان ؟ .. هكذا خرج سؤال "سامح" بمنتهي الهدوء و البساطة
رد "سفيان" بلهجة مزدرية :
-مش عايز حاجة . إنت فاكرني هتهور يعني و يركبني ستين عفريت و أمسك فيك و أنزل ضرب ؟ لا إطلاقا .. أنا جاي أصفي حسابات زي ما قولتلك ... ثم مد يده في جيب سترته الداخلي و خرج بجسم ضئيل للغاية :
-مش ده الـMemory card اللي صورت عليه بنتي و هي في حضنك هنا ؟ في الأوضة دي ؟ علي السرير ده ؟
تجاهل "سفيان" شهقة أخته المصدومة ، و أردف و هو يقسم الشريحة إلي نصفين :
-كده أنا ماليش ديون عندك . فاضل بس دين بنتي
هذه المرة مد يده خلف ظهره و أستل من حزامه سلاح ناري حديث الطراز ، رفعه عاليا و هو يقول بإبتسامة وديعة :
-هنلعب لعبة حلوة أوي يا سامح . المسدس ده في 5 طلقات . طلقة ليك . و طلقة ليا . و في فراغ وسطهم . واحد فينا هياخد 3 طلقات لوحده . بس يستحسن ماتغشش . لأن الباب ده .. و أشار نحو باب الغرفة :
-متثبت بلغم . لو عملت فيها ذكي المرة دي كمان و نشنت علي راسي مثلا مش هتلحق تخرج سليم .. أنا طبعا رتبت كل حاجة . جريمة متقفلة و مافيش إثبتات . ببساطة لأن إحنا التلاتة كده مع بعض هنختفي من علي وش الدنيا بعد ربع ساعة بالظبط
و قبل أن يبدأ لعبته ، أخرج هاتفهه و تكلم مباشرةً :
-دلوقتي يا دياب . و مع السلامة إنت بقي . مكانك مع ميرا بردو مش هيتغير . خلي بالك منها .. و أقفل الخط
إنتبه لنشيج أخته المتصاعد بحرارة ، فنظر نحوها متسائلا بسخرية :
-جري إيه يا وفاء ؟ لأ إجمدي كده يا حبيبتي ده لسا التقيل ورا . تيجي نار الدنيا في حفلة الشواء إللي هنحضرها كمان شوية ؟ .. و إنفجر ضاحكا و هو يكمل :
-مش تشكريني علي الأقل طيب أني خليتك برا اللعبة بتاعتي أنا و سامح ؟
لم يكن "سفيان" يدرك أنها لم تبكي حياتها المرهونة بالدقائق المقبلة ، بل كانت تنوح و تذرف الدمع علي ذاك الذي دمرت صورته بنظرها في لحظات .. لقد خدعها "سامح" ... لقد خدعها الجميع و لم يكتفوا بذلك ، ليأخذونها ضمن قائمة الحسابات كتحصيل حاصل لمعركة الكرامة و الخيانة ، و كأنها المذنبة الوحيدة .. بل كلهم مذنبون !!!!
-بس عايزك تعرف حاجة قبل ما نصفي حساباتنا زي ما بتقول يا سفيان !
أفاقت علي صوت "سامح" متحدثا بتلك العبارة ، نظرت إليه و تابعته بإهتمام و هو يقول بنبرة إتسمت بالثقة و الصدق :
-أنا حبيت ميرا بجد . قول عليا مجنون . كبرت و خرفت أي حاجة ممكن تقولها قولها .. أنا مش ندمان علي إللي عملته . أنا حاربت و فوزت بإللي بحبها حتي لو القدر جه في صفك و إديتها لواحد تاني . أنا بردو إللي كنت أول واحد في حياتها . أنا إللي حفرت ذكري جوايا و جواها عمرها ما هتنساها طول حياتها . و ده كفاية أوي بالنسبة لي و مخليني مستقبل الموت بالهدوء و الترحيب إللي إنت شايفه ده
-آه يـا حــقييييير يـا خـآااااين . كنت بتلعب بيـا يـا قذر و أنا زي الهبلة كنت بصدقك ... هكذا علا صراخ "وفاء" و هي تنقض علي "سامح" خامشة وجهه بأظافرها
لم يحاول الأخير الدفاع عن نفسه و بقي ساكنا بشكل أثار جنونها و هي تهتف بشراسة :
-كلكوا لعبتوا بيا . كلكوا إفتكرتوا وفاء الركن المايل في حياتكوا . و جايين دلوقتي كل واحد يطعن فيا شوية و فاكرين إني هاسيبكوا ؟؟؟؟
سفيان و هو يضحك بمرح :
-ماتزعليش يا فوفي . يا حبيبتي أنا مايرضنيش زعلك إنتي أختي مهما كان بردو . و بعدين ما أنا هخلصلك عليه أهو . أنا و هو هنخلص علي بعض قدام عنيكي و هتشفي غليلك منغير ما تتعبي إيدك بشيل السلاح
برقت عيناها البنيتان و هي تزمجر بوحشية :
-لااااااااأ .. مش هتلعبوا بيا تاني . مش هكون لعبة في إيديكوا و أسلم بإللي تختاروه .. المرة دي أنا إللي هختار مصيركوا . أنـا يا سفيـــان !
و في لمحة كانت قد قطعت الغرفة ركضا بإتجاه الباب ، مدت كلتا يداها نحو المقبض .. أمسكت به ثم شدته بكل ما أوتيت من قوة
ليسمع بعد ذلك صوت الإنفجار المصم ، و يتردد صداه مع تحرير آلسنة اللهب التي إبتلعت البيت و ما عداه ، فتعلن النهاية أخيرا .......
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
بعد مرور ستة أشهر ...
في تلك المشفي الخصوصي ، داخل غرفة العمليات ، كان الطبيب قد فرغ أخيرا من حالة ولادة شديدة التعثر
خرج الطبيب و هو يجفف جبينه المتعرق ، أصدر آوامره بنقل الأم التي لا تنفك تطلب رؤية طفلها إلي غرفة خاصة بها ...
كانت متعبة لحد جعلها تستلم مؤقتا لتعنتهم معها ، نقلت إلي غرفتها الخاصة و قد رافقتها أمها و القلق علي تدهور حالتها يثقل كاهلها
جاهدت لتبقيها صامتة قدر المستطاع ، إلي أن تهدأ قليلا فقط ، لكن شوق الأم و الغريزة الأزلية تغلبت علي كل شعور بالتعب و فجأة هان الآلم و هي تفتح عيناها الجميلتان و تقول بثغرها الباسم :
-ماما ! .. تمتمت "يارا" بصوت مرهق
ميرڤت بتلهف : حبيبة قلبي . ألف حمدلله علي سلامتك يا روحي .. و أخذت تمسح علي شعرها بحنان
يارا بإبتسامة واسعة :
-إنهاردة أسعد يوم في حياتي . أخيرا إبني . العوض إللي إستنينه بقالي شهور .. جالي . ده ربنا كريم أووي . إبني بقي ليا لوحدي . ماعادش في سفيان الداغر خلاص . مافيش خطر . محدش هيقدر ياخده مني . الشيطان مات يا ماما
أومأت "ميرڤت" و هي تقول مؤيدة :
-أيوه يا حبيبتي . كرم ربنا كبير . الحمدلله أنه خلصك منه و من كل حاجة في دنيته السودا .. ماتشكيش أبدا في حكمة ربنا و لطفه يابنتي
رفعت "يارا" كفها و مسحت وجهها و هي تقول بتعب :
-و نعم بالله . الحمدلله .. أنا نفسي أشوفه أوي و أخده في حضني . لو سمحتي يا ماما خلي الـnurse تجبهولي
ميرڤت بإرتباك : هه ! تقصدي مين ؟ . عايزة مين ؟
يارا عابسة بغرابة :
-أقصد إبني يا ماما . عبد الرحمن . خلي حد يجيبه
عضت "ميرڤت" علي شفتها بقوة و حارت ماذا تقول لها !!
يجب أن تعلم علي كل حال آجلا أم عاجلا ، لا يمكن أن تكذب عليها ...
-يا مـامـا ! .. نادتها "يارا" بدهشة
نظرت "ميرڤت" لها ، إكتسي صوتها بالحزن و الآسف العميق و هي تقول :
-يارا . أنا آسفة يابنتي .. مش هقدر أكدب عليكي و في نفس الوقت خايفة عليكي من الصدمة !
يارا بعدم فهم :
-قصدك إيه ؟ عايزة تقولي إيه يا ماما ؟!
صمت قصير .. لتعلن "ميرڤت" بصوت كالأنين :
-إبنك مات . مات و إنتي بتولديه !
هبط الخبر فرق رأسها كالصاعقة ، تسارع وجيب قلبها و هي تصيح بحدة :
-إيه إللي بتقوليه ده ؟ يعني إيه إبني مات ؟ لأ مستحيــل . أنا كنت حاسة بيه . كنت حاسة بيه و هو بيخرج من جوايا . يعني إيـه مـات يا مـامــا لأ مامـتش
أمسكت "ميرڤت" بكتفيها و هي تقول و قد غلبتها دموعها :
-أمر الله . الولادة كانت صعبة .. طولتي أوي يابنتي . إتخنق
يارا بصراخ غاضب :
-لأ ماتقوليش كده . إبني عايش .. هو فيــن ؟ أنا عايزآااااه هاتيهولي بـقولك
دخلت الممرضة في هذه اللحظة ، فطلبت "ميرڤت" مساعدتها فورا ، بينما إستمر صراخ "يارا" و عويلها المجروح و هي تردد :
-يا إبــــني . يا إبــــني .. يا حـبيبي . لييييه ؟ إتحرم منه . لـيييه يـارب . لـييييييييه ؟؟؟؟؟؟
هكذا ملأ نواح الأم المكلومة أرجاء المشفي ، ليشهد الجميع إنهزام أخر لها ، هذه المرة علي مرآي و مسمع ، و قد كانت الضربة القاضية حقا .....
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
مر وقت طويل علي سماع أخر ما يخصها ، كانت السيدة النبيلة سريعة السأم من تكرار التفاصيل المملة ، فأعطت آوامرها ألا يصلها خبر حتي اللحظة الموعودة
و ها قد أتت أخيرا و هي الآن علي أحر من الجمر ...
في ڤيلا آل"غالي" .. صباح باكر ، عندما كانت "ميرا" تجلس بالبهو تحتسي الشاي برفقة العائلة الجديدة ، زوجها ، والدته ، والده
إنتظرت بفروغ الصبر منذ جاءتها المكالمة الأكيدة قبل ساعات ، عند مطلع الفجر بقليل ، ظلت متيقظة من حينها و حتي الآن ...
تحفزت عندما وصل إلي مسامعها صوته ، أعادت فنجان الشاي إلي الطاولة و قامت مسلطة أنظارها علي المدخل
لحظات و ظهر نائبها المخلص ، مبشرا ، باسما ....
-ميرا هانم ! الهدية وصلت .. قالها النائب و هو يقترب منها و في يده السرير النقال الخاص بالأطفال حديثي الولادة
تهللت أساريرها و هي ترد بسعادة :
-دياب .. Thanks . رغم إني إستنينك كتير !
مد لها السرير النقال و هو يعتذر بلطف :
-أنا آسف علي التأخير . لحد ما جبت الطفل البديل و وضبت أموري و قدرت أطلع بيه من المستشفي منغير ما حد يحس
أزاحت "ميرا" الأغطية الكثيرة عن الرضيع و قبضت عليه بتلهف و هي تقول :
-baby . Welcome home .. إنت في آمان دلوقتي. إنت معايا يا سفيان !
و ضمته إلي صدرها بحب جارف ...
-سمتيه سفيان يا ميرا ؟ براڤو عليكي .. كان هذا صوت "عز الدين"
إلتفتت "ميرا" له قائلة :
-سفيان طبعا . ماينفعش يكون غير سفيان
مدلين بإبتسامة : مبروك عليكي يا حبيبتي
ميرا : شكرا يا أنطي
قام "عمرو" من مكانه و إقترب منها ، طوق كتفيها بذراعه و هو يقول بنعومة مداعبا خد الصغير بإصبعه :
-سفيان . و الأم ميرا !
ميرا و هي تتأمل ملامح أخيها ، و الذي أصبح إبنها أيضا إبتداء من اليوم :
-و الأب عمرو !
كانت ملامحه كلها ، كناية ، بل إستنساخ دقيق لملامح والدها ... إحتضنت الطفل بلطف و هي تتمتم بتملك واضح :
-إنت بتاعي . بتاعي أنا .. هي مالهاش فيك أي حاجة . إطمن حبيبي .. محدش هيقدر ياخدك مني !
كانت تنطق كل حرف بإصرار عنيف ، مصير الطفل أصبح بيدها فعلا .. فمن بإمكانه سلبها إياه ؟
تمــــت .... و لقاء في ( جزء ثاني ) إن شاء الله
