رواية زخات الحب والحصي الفصل الثاني 2 بقلم شموسة
الفصل الثاني
"المبلط ؟؟؟؟!!!! "
قالتها شويكار مصعوقة بينما تسمرت كارمن متفاجئة غير قادرة على استيعاب ما أخبرهما به والدها .. ليتكلم عاصم مصححا " إنه رجل أعمال الآن يا شويكار"
ردت الأخيرة بقرف " لكنه مهما فعل سيظل عامل بلاط ورخام .. كان عاملا بالأجرة يخلط الاسمنت والرمل بيده يوما من الأيام ( ثم تغيرت لهجتها للغيظ تكمل ) كيف يتخيل هذا المبلط الجاهل أننا قد نوافق على طلب غريب كهذا !! .. بل كيف يجرؤ على التطاول على أسياده !! .. لو كنا أيام جدي الباشا لاستحق الجلد بكل تأكيد "
قال عاصم بقلة صبر" اهدئي يا شويكار .. لقد تغيرت الايام وتغير الحال أيضا .. ومن حق الرجل أن يطلب طلبه ومن حقنا أن نقبل أو نرفض ( ونظر لكارمن الصامتة يقول ) ما رأيك يا حبيبتي ؟"
همت بالرد حين قاطعتها شويكار صائحة باستنكار" وهل هذا سؤال تسألها إياه يا عاصم ! .. مرفوض بالطبع "
قال عاصم بوهن " اتركي البنت تتحدث يا شويكار .. إنه ليس فستانا أو تصفيفة شعر ستقررينها بدلا منها .. بل هو مستقبلها .. فاتركيها لتفكر وتقرر "
هتفت شويكار مصعوقة " تفكر في مبلط الرخام !!"
اغمض عاصم عينيه بيأس ممسكا بصدره.. فبلعت شويكار لسانها واشاحت بوجهها تهز ساقها بعصبية وتضرب بكعب حذائها الأرض ..
تحدثت كارمن أخيرا محاولة كالعادة إيجاد ردا لبقا يرضي والديها معا " الحقيقة يا بباه طلبه غريب جدا .. فليس هناك أي تكافؤ بيننا .. فأنت تقول أنه لا يحمل سوى شهادة الثانوية العامة .. كما أنه من بيئة مختلفة تماما عن البيئة التي تربيت فيها ..بالإضافة لفارق العمر بباه.. إنه في الثامنة والثلاثين .. أي يكبرني بعشر سنوات كاملة (وارتبكت قليلا وقد تذكرت لؤي لتكمل ) وأنا لا أحب أن يكون بيني وبين الرجل الذي سأتزوجه كل هذه الأعوام "
صمتت كارمن تحاول استقراء ملامح أبيها ثم تفحصت أمها لترى إن كانت قد ردت برد أعجبها ..
فتدخلت الأخيرة تضيف باستنكار " كما أن الاشاعات تملأ الوسط مشككين في مصدر أمواله ( وأكملت بقرف ) وبكل صدق ما يقال على إنه قد جمع كل هذه الأموال في عشرين سنة أمر لا يصدق أبدا .. وإنما كذبة يداري بها على ظهوره المريب فجأة وسط الطبقة الراقية "
مط عاصم شفتيه بعدم رضا وقال لكارمن بصوت متعب " اذن أنت لا ترينه مناسبا يا كارمن .. حسنا لا بأس .. سأخبره حين تنتهي المدة التي أعطيتها له لأرد على طلبه "
تملك الفضول من كارمن لتسأله متعجبة " وهل كان لك رأيا آخر يا بباه؟ "
تمتم عاصم بذهن شارد " رأيك الأهم بنيتي ( ثم تكلم بلهجة ذات مغزى ليتشفى في زوجته ) وبالطبع قرارنا هذا سيجعله يسحب العروض السخية التي قدمها لإنقاذنا من الإفلاس "
عقدت كارمن حاجبيها بينما اعتدلت شويكار في وقفتها لتقول بفضول" إنقاذنا من الإفلاس ؟؟!!... ماذا تقصد ؟؟"
×××××
بعد يومين
قال فارس وهو يعتدل في مقعده خلف مكتبه بالمصنع " حسنا اتفقنا يا استاذة رُفًيّدة سأجعل فريدة تتواصل معك وتتفقدي طبيعة المكان وتبدي ملاحظاتك .. فبالتأكيد سنعتمد على خبرتك في هذا المجال "
عدلت رفيدة بسبابتها النظارة الأنيقة على عينيها لتقول بوجه جاد ينافس جديته الدائمة " أشكرك على ثقتك هذه يا فارس بك ( واستقامت تمد يدها لتودعه ) سأنتظر اتصالا من الآنسة فريدة بالتأكيد .. شكرا جزيلا "
استقام فارس يسلم عليها بطريقة آلية فتحركت مغادرة لكنها تسمرت بعد خطوات واستدارت تتطلع لفارس الذي كان يتفحص الأوراق أمامه منشغلا لتقول ببعض التردد والحرج " فارس بك كنت أود أن أسأل سؤالا آخر ."
انتبه فارس لحديثها فأبعد عينيه عن الأوراق ليقول " تفضلي".
بلعت رفيدة ريقها وقالت " أعتقد أنه سيكون هناك غرف لطاقم المربيات والمعلمات اللاتي سيبتن في الدار (وصمتت قليلا تقبض يدها المتشنجة خلف ظهرها لتكمل ) فكنت أسأل لو فكرت في أن أبيت في المكان هل هذا مسموحا (واسرعت تبرر ) أخشى أن تكون المسافة التي سأقطعها يوميا من بيتي للدار كبيرة ".
رد فارس ببساطة" بالطبع يمكنك المبيت إذا رغبت في ذلك آنسة رفيدة "
ابتسمت رفيدة ابتسامة محرجة تغمغم بكلمات غير مفهومة على سبيل الشكر وهي تستدير مغادرة.. لكن قبل أن تمد يدها للباب انفتح فجأة حتى كاد أن يرتطم بها لتدخل امرأة شديدة التأنق ترتدي بنطالا من القماش الأسود وقميصا حريريا أبيضا وتلف حول رقبتها منديلا حريريا ملونا .
تفاجأت رفيدة بدخولها الغريب لكنها أسرعت تتجاوزها مغادرة بينما أخذت المرأة تحدق فيها بنظرات متفحصة ثم أغلقت الباب خلفها لتواجه فارس الذي تطلع فيها بنظرة موبخة لكنها تجاهلتها لتقول بمرح " صباح الخير فارس حبي "
رد فارس بطريقة آلية قبل أن يعود لعمله" أهلا ريتا .. ألا تعرفين الطرق على الأبواب ! "
سألته بفضول وهي تستقر في المقعد أمام مكتبه واضعة حقيبتها الثمينة بعناية على المنضدة " من هذه ؟"
رد وهو منشغل بالأوراق" إنها مَن ستدير دار الأيتام ..الآنسة رفيدة"
غمزت ريتا بعينها وقالت بلهجة عابثة " ولمَ تبدو مرتبكة ومتعرقة وهي تخرج من عندك ؟ هل وقعت في غرامك؟!!"
حدجها فارس بنظرة جليدية قبل أن يحرك فأرة الحاسوب المحمول أمامه بعصبية ويقول بلهجة حازمة " كُفي عن العبث يا ريتا إنها أكبر مني سنا "
اتسعت عيناها وحركت ناظريها نحو الباب المغلق وكأنها ستخترقه بنظراتها لترى رفيدة وتمتمت مندهشة " آنسة !!.. وأكبر منك !! "
رد فارس وهو يدون بعض الملاحظات على ورقة بعد أن فشل في إيجاد الملف الذي يريده على الحاسوب متوعدا فريدة في سره التي تصر عليه هي ويونس بضرورة اعتماده على الحاسوب متهما إياها بالفشل في تعليمه " أجل أكبر مني ببضع سنوات أعتقد أنها في الثانية أو الثالثة والأربعين "
هتفت ريتا باستغراب " تبدو في منتصف الثلاثينات من العمر .. بينما أنت من يبدو فوق الأربعين .. (وأكملت بلهجة ذات مغزى) لكن .. ما المانع في أن تكون أكبر منك في العمر وتحبك؟ .. إن تأثيرك يا أبا الفوارس على الجنس الناعم يمتد إلى كل الأعمار لكنك تمنع نفسك من متع الحياة ".
رد فارس وهو لا يزال منشغلا في أوراقه" يبدو أن مزاجك رائق اليوم يا ريتا ..عموما أتفق معك فيما قلت "
سألته بلهفة " بشأن تأثيرك على الجنس الناعم ؟؟؟"
رفع أنظاره نحوها ليرد باستخفاف " بل في أن العلاقة بين العمر والشكل غير دقيقة في بعض الأحيان .. فمن يراك ويسمع مزاجك الرائق اليوم لا يتوقع أبدا أنك تعديت الخمسين من العمر " .
امتقع وجه ريتا وقالت بامتعاض " ستظل جلفا يا فارس مهما لبست أفخم الحُُلات"
رد فارس وعقله يحاول تذكر كيف شرحت له فريدة استحضار ملفا من داخل هذا الجهاز المعقد المُُعَصِب أمامه " عموما قد أتزوج قريبا وأرفع عن كاهلكم جميعا عبء القلق بشأن عدم زواجي حتى هذا العمر .. أخبريني ماذا فعلت مع مدير البنك الذي طلبت منك أن يخدمنا في أزمة عاصم السيوفي ؟ "
هتفت ريتا بعدم استيعاب " ماذا قلت؟؟؟"
أجاب فارس وهو يكتب بالقلم بعد أن قرر أن يعيد كتابة محتوى ذلك الملف الهارب منه في داخل الجهاز المعقد ولكن هذه المرة على ورقة كما كان يفعل دائما " كما سمعتِ .. إن وافق عاصم بك سأتزوج من ابنته"
ابتلعت ريتا ريقها وسألته " هل تنوي الزواج من ابنة عاصم السيوفي ؟ (وحين لم يرد وضعت كفها على الأوراق أمامه بعصبية وصاحت ) انتبه لي يا فارس أنا أتحدث " .
ترك فارس القلم ورد وهو يرجع بظهره للخلف عاقدا أصابعه أمامه " بالضبط "
صاحت بعدم تصديق " ولماذا ابنة هذا الرجل بالذات ؟ .. أليس هو رجل الأعمال المتعثر الذي طلبت مني أن أتوسط له عند مدير البنك ؟ .. أليست هذه الفتاة هي حبيبة لؤي عظمة الذي تراقبه وتراقبها هي الأخرى منذ فترة ؟!"
استقام ليترك مكتبه وهو يقول " ممتاز .. أنت تذاكرين جيدا يا ريتا "
تأملت طوله وعضلاته البارزة من تحت قميصه الثمين وذلك الوشم الذي يظهر طرفه مرسوما على رقبته والتي تمنت لو تراه بتفاصيله عن قرب وقالت بانفعال وهي تستقيم لتواجهه " أنا سألتك لماذا هذه الفتاة بالذات يا فارس ! "
تحرك فارس واضعا يديه في جيب بنطاله وتوقف يتطلع من النافذة يوليها ظهره فأكملت ريتا " حتى تنتقم من صفوت عظمة في ابنه أليس كذلك؟؟ .. أنت أردت أن تحطم قلب ابنه كنوع من الانتقام أليس كذلك؟؟ "
رد عليها فارس بلهجة خاوية من أي ملامح " ربما "
صرخت ريتا " لكن ما ذنبها البنت !! .. لماذا تدخلها في انتقامك ومشاكلك مع صفوت عظمة !! .. هذه ليست اخلاقك أبدا يا فارس.. أبدا "
أدار رأسه للخلف ليناظرها بعند وقال ببرود " تلحون علي بالزواج .. وها أنا أنفذ رغبتكم "“
××××
في المساء :
مالها أيامها باتت غريبة !..
وأصبح اليوم الواحد يُخرِج لها من جعبته الصدمة تلو الأخرى..
الصفعة تلو الصفعة ..
هي التي عاشت حياة رتيبة هادئة .. أضحت الارض تتزلزل من تحت قدميها متكسرة منذ بضع سنوات .. وبالتحديد منذ تلك الضربة القاصمة التي أصابت والدها في البورصة ..
غير أن ما يحدث معها منذ شهرين فاق التصور..
فاق الاحتمال .
مرض والدها..
افلاس عائلتها الوشيك ..
الديون والديانة..
خيانة لؤي لها .. وانفصالهما ..
وخوفها على والديها ألا يتحملا تلك الصدمات التي تتوالى فوق رؤوسهم..
بالإضافة لتلك الوجوه التي انكشفت ملامحها الحقيقية من حولها ....
لكن ما كانت تقوله لها أمها في هذه اللحظة.. فاق التخيل .. ليتضخم ذلك الشعور بالقهر الذي ينمو متسللا بخبث بداخلها ..
هتفت مصعوقة من تغير موقف أمها " ماذا تقولين يا مماه !!! .. ألم يكن ذلك الرجل في رأيك مبلط رخام جاهل .. الآن تحاولين اقناعي بأن .. بأن .. (وابتلعت ريقها واكملت بصوت مبحوح وقشعريرة تسللت إليها ) بأن اتزوجه !!"
ردت شويكار بلهجة عملية " انصتي يا كارمن .. أنا أعترف بأنه دون المستوى اجتماعيا وثقافيا .. لكني حين فكرت قليلا .. وجدت أن الواقع يفرض علينا أن نقبل برجل على استعداد لمساعدتنا .. كما انك ستحافظين على مستواك الاجتماعي كما عشت طيلة حياتك .. لذا عليك أن تفكري بطريقة عملية .. واتركي أمور الحب هذه للروايات التي تقرئينها .. فهذا لا يحدث في الواقع .. انظري لعلاقتك بلؤي وكم من عمرك ضاع في انتظاره .. أين هو الآن؟؟ ..يخطب فتاة أخرى"
اتسعت عينا كارمن بصدمة وقالت بصوت متحشرج " لؤي خطب !!"
اشاحت شويكار بوجهها وردت بغل وهي تهز ساقها وتطرق بمقدمة حذائها على أرضية بهو الفيلا " أجل اليوم حفل خطبته على ابنة شريك صفوت عظمة .. ويقيمون احتفالا ضخما الآن .. بينما نحن هنا غارقون في الديون غير قادرين حتى على أن نتنفس ".
حدقت كارمن في الأرض تحاول استيعاب ما يحدث حولها..
الهزة الارضية من تحت قدميها عادت من جديد ..
عادت وبقوة .. تلقي في وجهها بصدمة أخرى ..
ماذا كانت تعتقد ؟ ..
أنه صادق في حبه لها ؟..
أنه سيظل بعدها عازفا عن النساء !! .
إن كان قد خانها وهما مرتبطان .. فما بال الآن ! .
اكملت شويكار بإصرار قاطعة شرودها " لهذا علينا ان نسرع في إعلان خطبتك بسرعة حتى نُشعِر ثريا بأننا لم نهتز شعرة وأنها لم تستطع النيل منا"
شعرت كارمن بالحنق من اهتمام والدتها كالعادة بما تفعله ثريا الفالح .. والرغبة الأثيرة لديها في منافستها .. فقالت معترضة " لكن يا مماه هذا الرجل أكبر مني بعشر سنوات .. وجاهل.. ومن مستوى شعبي مختلف تماما عن الوسط الذي عشت فيه .. أليس هذا كان كلامك !"
ردت شويكار بنفاذ صبر شاعرة بغباء ابنتها "أجل قلت ذلك .. وقلت أيضا منذ قليل أن للضرورة أحكام .. بالله عليك هل تجدين مخرجا آخر لما نحن فيه غير تلك الفرصة ؟!.. ألا تعتبرين نفسك تتحملين ولو قدرا من المسئولية فيما وصلنا إليه الآن في أن نضطر لقبول زيجة بهذا الشكل؟!!!".
صاحت كارمن بصدمة " أنا مماه !!! "
ردت شويكار بعصبية " أجل أنت .. لقد فشلت في الايقاع بأحد ممن قابلتهم في الحفلات التي كنت أقيمها أو نتردد عليها كثيرا .. حتى لؤي .. فشلت في أن تجعليه مخلصا لك .. فشلت في اقناعه بأن يساعدنا في أزمتنا المالية"
فشل ..
فشل ..
فشل..
اعتصر الألم قلب كارمن من أن تنعتها والدتها بالفاشلة شاعرة بأنها عبء على أهلها وليس عضو فعال .. بينما اكملت شويكار بانفعال وهي تشيح بيديها بعصبية غير قادرة على تحمل المزيد من الخيبات " تقولين أنه جاهل سأقول لك تعليمه متوسط وليس أميا .. وهذا إن فكرت فيه بإيجابية سيكون نقطة في صالحنا إذا ما ضغطي على عقدة النقص لديه وجعلتيه كالخاتم في اصبعك"
رفعت كارمن حاجبيها الجميلين تهتف باستنكار " هذا الرجل !! .. بهذه الهيبة المخيفة كيف سيكون خاتما في اصبعي مماه!!"
انزلت شويكار ذراعيها وضربت على جانبيها بخيبة أمل قائلة " ستظلين خائبة لا تحسنين الاعيب البنات (ونظرت للسماء تقول بيأس ) الصبر من عندك يا الله"
شعرت كارمن بالضيق من أنها أوصلت والدتها لحالة من اليأس فسألت بارتباك " وإن لم استطيع أن اجعله كما تقولين؟"
ردت شويكار وقد لمعت عيناها بنظرة ماكرة " لا توجد مشكلة .. وقتها هذا سيكون داعما لنا في طلب الطلاق باستحالة التفاهم بينكما بسبب الاختلافات التي ذكرتها .. وأنك حاولت وفشلت "
رددت كارمن مصعوقة " الطلاق؟!!"
ابتسمت شويكار وقالت بلهجة ذات مغزى " أجل الطلاق .. فليست كل الزيجات تستمر .. ( وتأملت وجه ابنتها الممتقع فأكملت ) لا تقلقي سأكون معك خطوة بخطوة "
شعرت كارمن بالغثيان .. فلم تتوقع ابدا أن يصل تفكير والدتها لهذه الفجاجة فقالت تقارعها " لا أستطيع التخيل كيف سيكون التواصل بيني وبين هذا الرجل !"
صاحت شويكار بعصبية " انت من فعلت بنفسك هذا.. فبرغم شهاداتك وما تتقنينه من لغات لم تفلحي لا في الايقاع بعريس مناسب ولا بخلافة والدك بالشركة .."
صاحت كارمن مدافعة " أنا لا أستوعب الارقام الكبيرة .. ولا أفهم في بورصة الاسهم لكني .. لكني استطيع أن انجز أعمالا أخرى مكتبية أو ابتكارية"
أشاحت شويكار بيدها يائسة وقالت بإرهاق " اذهبي من أمامي الآن يا كارمن واتركيني .. فرأسي سينفجر من التفكير".
تألم قلب كارمن وهي تشاهد والدتها تتحرك لتجلس بإرهاق على الاريكة وتدفن وجهها في كفيها تبكي .. فأسرعت إليها لتقول بجزع " مماه هل تبكين !!."
رفعت شويكار وجهها الغارق في الدموع وهتفت " لم يعد بيدي شيئا لأفعله لينقذنا من ورطتنا .. مجوهراتي بعتها.. هي وكل مقتنياتي الثمينة التي ورثتها عن أجدادي الباشوات .. والفيلا مرهونة ولو لم نجد حلا لدفع الرهن سنلقى في الشارع خلال أيام .. وعاصم سيخضع لجراحة خطيرة مساء غد .. والله وحده يعلم إن كان سيخرج منها أم سيتركنا وحدنا في هذه الكارثة.."
لم تصدق كارمن..
لم تصدق أنها ترى والدتها تبكي ..
فهذه هي المرة الأولى التي ترى فيها شويكار الشبكشي تبكي بالدموع .. حتى عند وفاة والديها لا تذكر أنها رأتها تبكي عليهما أبدا ..
مسحت شويكار دموعها بسرعة ومدت يديها أمامها وأكملت بنحيب " انظري .. ظفري تكسر ولم استطع الذهاب لصالون التجميل .. ولأول مرة افكر كم سأدفع قبل أن أنوي شراء أي شيء .. تخيلي أنا في هذا العمر أهان بهذه الطريقة .. ( ووضعت كفها على رقبتها تكمل ) أشعر بالاختناق .. بأني سأموت قريبا .. فأنا لن أتحمل الذل والمهانة أبدا ولن أتحمل عيون الحاقدات عليّ اللاتي سيشمتن فيما سيحدث لي "
انتفضت كارمن تحيط والدتها بذراعيها وتقول بلوعة " لا تقولي هذا الكلام مماه أرجوك ".
قالت شويكار وهي تمسح دموعها وتحاول أن تستعيد رباطة جأشها المعهودة " اذهبي واتركيني يا كارمن فأنا متعبة جدا (واستقامت تجر قدميها نحو السلم الطويل المؤدي للطابق العلوي حيث غرف النوم ..واكملت ) عليّ أن استيقظ مبكرا لدي موعد هام صباح الغد في الجمعية"
قالت كارمن " ومن سيبيت مع بباه ؟ .. ألم تخبريني أنك ستبيتين معه الليلة ؟!"
اشاحت شويكار بيدها وهي تصعد درجات السلم بظهر محني وانهاك ولم تجيب فأسرعت كارمن تقول " حسنا سأذهب إليه وابيت معه أنا "
تمتمت شويكار وهي مستمرة في الصعود " افعلي ما تريدين .. وإياك أن تخرجي من غرفتك مرة أخرى بالمنامة بهذا الشكل .. لست في سوق الخضار .."
نظرت كارمن لمنامتها الحريرية وردت بحرج " أنت من استدعيتني على وجه السرعة مماه "
التفتت شويكار تحدجها بنظرة نارية من علو وردت بالإنجليزية " حتى لو كان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية بنفسه من طلبك للحضور فورا لا تخرجي بمنامتك يا آنسة فهي فقط لغرفة النوم .. هل هذا الكلام جديدا عليك ؟!"
اطرقت كارمن برأسها في حرج بينما استدارت شويكار تكمل طريقها في الصعود ..
فتسمرت كارمن مكانها شاردة تفكر فيما قالته والدتها بشأن ذلك الرجل وباغتتها قشعريرة الخوف من جديد .
