اخر الروايات

رواية في قبضة اللعنات الفصل السادس والعشرين 26 والاخير بقلم مريم غريب

رواية في قبضة اللعنات الفصل السادس والعشرين 26 والاخير بقلم مريم غريب



( الأخير ) جزء أول :

_ فرصة أخيرة ! _

سارت "يارا" خلف إبنها حول متاجر الألبسة في هذا السوق التجاري الفخم... ظنت بادئ الأمر أنه ربما يود إبتياع بعض الأغراض لنفسه

لكنها سرعان ما تبينت أنه لم يكن يتوقف إلا أمام "فاترينات" الملابس النسائية !!!

-هو إحنا بنلف على إيه يا داغر ! .. هتفت "يارا" و هي تميل برأسها قليلاً صوب إبنها

كان يعلق يدها على ذراعه، ما أن سمعها تقول ذلك حتى إلتفت لها قائلاً بإستغراب :

-أول مرة أسمعك تناديني بالإسم ده ! أومال فين عبد الرحمن ؟!

يارا بتبرم : أعملك إيه يابني. حسيت إنك ماحبتش إسمك إللي إختارته لك. و في نفس الوقت أنا ماحبتش أناديك بإسم إللي مايتسماش فقلت الإسم ده أهون شوية !

إبتسم "سفيان" و قال :

-لأ مش أهون و مش محتاجة تغيري أي حاجة إختارتيها ليا. ناديني عبد الرحمن عادي أنا حبيت الإسم جداً.

أشرق وجهها بإبتسامة كبيرة و ما كان منها إلا أن قبضت على مؤخرة رأسه و جذبته بقوة لتقبله على خده مغمغمة :

-حبيب أمــه يانـآااااس حبيبي و الله حبيبي !

وبخها "سفيان" بلطف :

-إيه إللي بتعمليه ده إحنا وسط الناس هايقولوا علينا إيه !!

يارا بغبطة شديدة :

-فرحانة بيك يا حبيبي و الناس يقولوا أم و إبنها طبعاً.

سفيان بسخرية : إستحالة يكون ده منظر أم و إبنها. ده إنتي أصبى مني !

ضحكت بمرح، ليستطرد بجدية :

-ثم إن الناس لسا مايعرفوش إنك أمي. أنا عامل حسابي الحفلة الجاية هاخدك معايا و أطلعك على الـStage و أقدمك للكل.

يارا و قد فهمت الآن :

-آاااااه يبقى عشان كده ملففني معاك من الصبح.. عايز تشتريلي حاجة مناسبة أحضر بيها حفلتك صح ؟!

سفيان محافظاً على إبتسامته :

-لأ غلط. أنا جايبك هنا و بلففك معايا عشان أختارلك بنفسي فستان الفرح !

و هنا فغرت فاها مذهولة ...

-هه ! فستان فرح ؟ لمين يابني ؟!!

-ليكي إنتي يا حبيبتي. إنتي نسيتي إنك مخطوبة لبابا بقالك 5 شهور ؟ أظن كفاية أوي كده على فترة الخطوبة. خصوصاً إن ميرا إتطلقت و إتجوزت يوسف و إنتوا لسا مخطوبين. طب ده ينفع ؟

تحول مزاج "يارا" تماماً في هذه اللحظة و قالت له بصوت جاف :

-إنت لسا مصمم يابني ؟ لسا عايزني أتوحل في حياة أبوك الشيطان ده تاني ؟ ده أنا ما صدقت خلصت منه !

حاوط "سفيان" كتفها بذراعه قائلاً بصوته الهادئ :

-إسمعي يا ماما. أنا وعدتك إن مافيش مخلوق في الدنيا هآيذيكي تاني طول ما أنا عايش. لازم تثقي فيا أكتر من كده.. لا سفيان الداغر و لا غيره يقدر يقربلك. على جثتي !

-بعد الشر عليك ! .. صاحت بتلهف

أطل العذاب من عينيها و هي تتطلع له قائلة بآسى :

-إنت ماتعرفش ده عمل فيا إيه ؟ أنا مش خايفة منه. أبداً. أنا بس مش قادرة أنسى إللي عمله فيا من هو بعيد عني. أومال لو رجعتله تاني إيه إللي هايحصل ؟!!

طمأنها ممسداً على ظهرها برفق :

-و لا هايحصل أي حاجة صدقيني. إحنا مش عايزين أكتر من فرصة أخيرة. أنا مش طالب منك أكتر من كده. لو فعلاً بتحبيني أدينا فرصة نتجمع كلنا و نعيش مع بعض حياة طبيعية.. ده لو فعلاً بتحبيني زي ما بتقولي !

رمقته بنظرة مطولة و قالت بصوت مثقل بالمشاعر :

-لو فعلاً بحبك ! ده أنا مابحبش في حياتي حد أدك. إنت روحي إللي كانت ضايعة مني يا عبد الرحمن. و لما لاقيتك ردت فيا تاني.. أنا مش عايزة حاجة من الدنيا غيرك.

إبتسم من جديد و قال :

-يبقى خلاص إحنا متفقين.. زي إنهاردة الإسبوع الجاي كتب كتابك على بابا. و هايكون في بيت تيتة ميرفت.

شخصت عيناها و هي تنظر له بقوة :

-كتب الكتاب عند مين يا حبيبي ؟ انت كده عايز تيتة ميرفت تولع فينا كلنا !!

قهقه "سفيان" بمرح و قال بغمزة :

-ماتقلقيش. انا مظبط كل حاجة. كل اللي عليكي انتي تجهزي نفسك و تحاولي تصفي من جواكي اي حاجة ناحية بابا. لأني عايزك في اليوم ده احلى و اجمل عروسة.. عايزك تبقي فرحانة من قلبك.

أشاحت بوجهها عنه و هي تهز رأسها يائسة و تمتمت بخفوت :

-الواد ده هايجبلي شلل !

-بتقولي حاجة يا حبيبتي ؟

نظرت له ثانيةً و قالت مبتسمة :

-سلامتك يا حبيبي. يلا نكمل رحلة البحث عن الفستان.. يلا يابني !

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

جلست "ميرا" فوق سريرها الوثير بمساعدة أبيها... كانت تتآوه و هي وضع يد خلف ظهرها و أخرى أسفل بطنها المنتفخ بشدة

بسط "سفيان" الغطاء السميك فوقها، ثم شد كرسي و جلس على مقربة منها ...

-خلاص يا دادي مش قادرة ! .. قالتها "ميرا" معربة عن آلامها المبرحة

ربت "سفيان" على يدها قائلاً بلهجة مقتضبة :

-هانت يا ميرا. إستحملي شوية كمان. الدكتور هايجي بكره يشوفك و إن شاء الله المرة دي ولادة.

نظرت "ميرا" حولها متأملة المعدات الطبية التي أحضرها والدها من أجلها خصيصاً لكي تحظى بالرعاية التامة دون الحاجة للذهاب إلى المشفى، إنقبض قلبها مجدداً و هي تقول بصوت مرتعش :

-أنا خايفة أوي دادي.. خايفة. أنا مش هاولد طبيعي زي ما قال الدكتور.

سفيان بجفاف : ماتخافيش يا ميرا. في الحالتين هاتبقي كويسة. و بعدين الموضوع كله مش هاياخد نص ساعة و هاتقومي بالسلامة.

أطلقت نهدة عميقة من صدرها و هي تقول :

-كان نفسي يوسف يبقى معايا. مش عارفة هاعمل إيه من غيره بكره !

-ماينفعش يكون معاكي. مش إحنا إتفقنا ؟ مش هاتشوفيه خالص إلا بعد ما تولدي بفترة. أنا لسا مش متأكد إن كان عمرو بيراقبنا و لا لأ. بس عمري ما هغامر بإنه يكتشف بأي طريقة إللي بيحصل هنا. حتى الدكتور بتاعك بيدخل و يخرج بطريقة خاصة.

ميرا بإمتنان : دادي. إنت بجد أعظم أب في الدنيا. إنت عملت حاجات كتير أوي عشاني. إنت كنت عايش ليا أنا و بس.. دادي. أنا مهما أقول مش هقدر أوصفلك بحبك أد إيه. أنا كنت أكتر بنت محظوظة في الدنيا دي. عشان طلعت لاقيتك إنت أبويا. إنت عندي بكل الناس. محدش يقدر يملا مكانك أبداً و لا حتى يوسف !

كان "سفيان" يستمع لها صامتاً مقطباً، حتى فرغت ...

قام من مكانه متجهاً نحو الشرفة المفتوحة، وقف يستنشق نسمات الهواء الباردة في هدوء، بينما تطالعه "ميرا" من مكانها بنظرات مستغربة

لكنه ما لبث أن قال بصوت عالٍ واضح دون أن يلتفت لها :

-يمكن كنت فعلاً أب كويس ليكي يا ميرا. يمكن قدرت أحميكي كويس و أعيشك حياة مستريحة و سعيدة.. بس الأكيد إن أنا ظلمتك. ظلمتك و آذيتك أوي. أي حاجة وحشة عملتيها لنفسك. أنا كنت سبب فيها !

و إستدار نحوها فجأة ...

كانت تنظر له بتعبير متصلب غير مقروء، ليتابع على نفس النحو :

-بداية من عيشتك في أمريكا مع أمك و إنتي صغيرة. سيبتك معاها و رجعت على هنا عشان أنتقم. في الوقت إللي كانت بدأت تدمن فيه.. تصوري. كان عمرك يادوب سنة و نص. لما حطتك على ترابيزة القمار و كانت هاتبيعك في دور Strip poker عشان إزازة ويسكي. لولا إتصالاتي و عيوني إللي كانت عليكي و إنتي معاها. قدرت أمنعها !

صمت قليلاً يراقب تعابير وجهها التي راحت تختلج آلماً الآن، و أكمل :

-بس حتى لما روحت و جيبتك هنا.. لما غفلت عنك شوية بس. ضيعتي مني. كنت فاكر إنك جمبي يعني خلاص في آمان. بس للآسف !!!

و أخذ يقترب منها ببطء، جلس مقابلها على حافة الفراش و رفع كفاه ليحيط بوجهها الشاحب ...

-إنتي مش وحشة يا ميرا. إنتي بريئة زي ما إنتي. أنا إللي عملت كل حاجة. أنا إللي ضايعتك مش مرة و لا إتنين.. كذا مرة. غلطتك بس إنك حبتيني و طلعتي شبهي في كل حاجة. و يمكن ده إللي خلاني أحبك أوي كده. أكتر من نفسي حتى.. إوعي في يوم من الأيام تكرهي نفسك بسبب أي حاجة حصلت. دوري في حياتك كان سلبي. بدل ما كنت أربيكي كويس و أعيشك حياة طبيعية. حبيت أقويكي و أطلعك قاسية زيي. لكن في دي بردو فشلت يابنتي !

و هنا إنهمرت الدموع من عيناها لكنها لم تفقد إتصالها بنظراته... طفق يكفكف لها دموعها بكفيه و هو يقول بلهجة صادقة :

-أنا كان لازم أقولك الكلام ده دلوقتي. عشان تفوقي و تبدأي حياتك الجديدة صح. أنا خلاص مش عايز حاجة تاني من الدنيا و مش ضامن أكون معاكي بكره و لازم آ ا ..

-بليييززز كفاية ! .. قاطعته بغصة مريرة

إرتمت عليه متجاهلة آلامها الشديدة، و إنفجرت باكية على صدره و هي تغمغم بنشيج خشن :

-أنا مقدرش أعيش منغيرك أصلاً. في حد يعيش منغير روحه ؟ إنت روحي يا دادي !!

ربت "سفيان" عليها و قال يهدئها :

-طيب إهدي يا حبيبتي. إهدي خلاص.. أنا دلوقتي جمبك أهو. و بكره ولادك يكونوا حواليكي و يوسف و الداغر الصغير و يارا. إنتي عمرك ما هاتبقي لوحدك أبداً. أنا مش ممكن أسيبك لوحدك.

حاول إبعادها حتى لا يؤذيها هذا الوضع، لكنها رفضت تركه و تمسكت به أكثر، فتنهد و ضمها إليه بدوره و يكرر على مسامعها العبارات المهدئة :

-كله هايبقى كويس.. المرة دي مش كلام يا ميرا. حياتنا كلها هاتتغير أوعدك. أوعدك يا حبيبتي ! ......... !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

يتبع ...

( الأخير ) جزء أول :

_ فرصة أخيرة ! _

سارت "يارا" خلف إبنها حول متاجر الألبسة في هذا السوق التجاري الفخم... ظنت بادئ الأمر أنه ربما يود إبتياع بعض الأغراض لنفسه

لكنها سرعان ما تبينت أنه لم يكن يتوقف إلا أمام "فاترينات" الملابس النسائية !!!

-هو إحنا بنلف على إيه يا داغر ! .. هتفت "يارا" و هي تميل برأسها قليلاً صوب إبنها

كان يعلق يدها على ذراعه، ما أن سمعها تقول ذلك حتى إلتفت لها قائلاً بإستغراب :

-أول مرة أسمعك تناديني بالإسم ده ! أومال فين عبد الرحمن ؟!

يارا بتبرم : أعملك إيه يابني. حسيت إنك ماحبتش إسمك إللي إختارته لك. و في نفس الوقت أنا ماحبتش أناديك بإسم إللي مايتسماش فقلت الإسم ده أهون شوية !

إبتسم "سفيان" و قال :

-لأ مش أهون و مش محتاجة تغيري أي حاجة إختارتيها ليا. ناديني عبد الرحمن عادي أنا حبيت الإسم جداً.

أشرق وجهها بإبتسامة كبيرة و ما كان منها إلا أن قبضت على مؤخرة رأسه و جذبته بقوة لتقبله على خده مغمغمة :

-حبيب أمــه يانـآااااس حبيبي و الله حبيبي !

وبخها "سفيان" بلطف :

-إيه إللي بتعمليه ده إحنا وسط الناس هايقولوا علينا إيه !!

يارا بغبطة شديدة :

-فرحانة بيك يا حبيبي و الناس يقولوا أم و إبنها طبعاً.

سفيان بسخرية : إستحالة يكون ده منظر أم و إبنها. ده إنتي أصبى مني !

ضحكت بمرح، ليستطرد بجدية :

-ثم إن الناس لسا مايعرفوش إنك أمي. أنا عامل حسابي الحفلة الجاية هاخدك معايا و أطلعك على الـStage و أقدمك للكل.

يارا و قد فهمت الآن :

-آاااااه يبقى عشان كده ملففني معاك من الصبح.. عايز تشتريلي حاجة مناسبة أحضر بيها حفلتك صح ؟!

سفيان محافظاً على إبتسامته :

-لأ غلط. أنا جايبك هنا و بلففك معايا عشان أختارلك بنفسي فستان الفرح !

و هنا فغرت فاها مذهولة ...

-هه ! فستان فرح ؟ لمين يابني ؟!!

-ليكي إنتي يا حبيبتي. إنتي نسيتي إنك مخطوبة لبابا بقالك 5 شهور ؟ أظن كفاية أوي كده على فترة الخطوبة. خصوصاً إن ميرا إتطلقت و إتجوزت يوسف و إنتوا لسا مخطوبين. طب ده ينفع ؟

تحول مزاج "يارا" تماماً في هذه اللحظة و قالت له بصوت جاف :

-إنت لسا مصمم يابني ؟ لسا عايزني أتوحل في حياة أبوك الشيطان ده تاني ؟ ده أنا ما صدقت خلصت منه !

حاوط "سفيان" كتفها بذراعه قائلاً بصوته الهادئ :

-إسمعي يا ماما. أنا وعدتك إن مافيش مخلوق في الدنيا هآيذيكي تاني طول ما أنا عايش. لازم تثقي فيا أكتر من كده.. لا سفيان الداغر و لا غيره يقدر يقربلك. على جثتي !

-بعد الشر عليك ! .. صاحت بتلهف

أطل العذاب من عينيها و هي تتطلع له قائلة بآسى :

-إنت ماتعرفش ده عمل فيا إيه ؟ أنا مش خايفة منه. أبداً. أنا بس مش قادرة أنسى إللي عمله فيا من هو بعيد عني. أومال لو رجعتله تاني إيه إللي هايحصل ؟!!

طمأنها ممسداً على ظهرها برفق :

-و لا هايحصل أي حاجة صدقيني. إحنا مش عايزين أكتر من فرصة أخيرة. أنا مش طالب منك أكتر من كده. لو فعلاً بتحبيني أدينا فرصة نتجمع كلنا و نعيش مع بعض حياة طبيعية.. ده لو فعلاً بتحبيني زي ما بتقولي !

رمقته بنظرة مطولة و قالت بصوت مثقل بالمشاعر :

-لو فعلاً بحبك ! ده أنا مابحبش في حياتي حد أدك. إنت روحي إللي كانت ضايعة مني يا عبد الرحمن. و لما لاقيتك ردت فيا تاني.. أنا مش عايزة حاجة من الدنيا غيرك.

إبتسم من جديد و قال :

-يبقى خلاص إحنا متفقين.. زي إنهاردة الإسبوع الجاي كتب كتابك على بابا. و هايكون في بيت تيتة ميرفت.

شخصت عيناها و هي تنظر له بقوة :

-كتب الكتاب عند مين يا حبيبي ؟ انت كده عايز تيتة ميرفت تولع فينا كلنا !!

قهقه "سفيان" بمرح و قال بغمزة :

-ماتقلقيش. انا مظبط كل حاجة. كل اللي عليكي انتي تجهزي نفسك و تحاولي تصفي من جواكي اي حاجة ناحية بابا. لأني عايزك في اليوم ده احلى و اجمل عروسة.. عايزك تبقي فرحانة من قلبك.

أشاحت بوجهها عنه و هي تهز رأسها يائسة و تمتمت بخفوت :

-الواد ده هايجبلي شلل !

-بتقولي حاجة يا حبيبتي ؟

نظرت له ثانيةً و قالت مبتسمة :

-سلامتك يا حبيبي. يلا نكمل رحلة البحث عن الفستان.. يلا يابني !

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

جلست "ميرا" فوق سريرها الوثير بمساعدة أبيها... كانت تتآوه و هي وضع يد خلف ظهرها و أخرى أسفل بطنها المنتفخ بشدة

بسط "سفيان" الغطاء السميك فوقها، ثم شد كرسي و جلس على مقربة منها ...

-خلاص يا دادي مش قادرة ! .. قالتها "ميرا" معربة عن آلامها المبرحة

ربت "سفيان" على يدها قائلاً بلهجة مقتضبة :

-هانت يا ميرا. إستحملي شوية كمان. الدكتور هايجي بكره يشوفك و إن شاء الله المرة دي ولادة.

نظرت "ميرا" حولها متأملة المعدات الطبية التي أحضرها والدها من أجلها خصيصاً لكي تحظى بالرعاية التامة دون الحاجة للذهاب إلى المشفى، إنقبض قلبها مجدداً و هي تقول بصوت مرتعش :

-أنا خايفة أوي دادي.. خايفة. أنا مش هاولد طبيعي زي ما قال الدكتور.

سفيان بجفاف : ماتخافيش يا ميرا. في الحالتين هاتبقي كويسة. و بعدين الموضوع كله مش هاياخد نص ساعة و هاتقومي بالسلامة.

أطلقت نهدة عميقة من صدرها و هي تقول :

-كان نفسي يوسف يبقى معايا. مش عارفة هاعمل إيه من غيره بكره !

-ماينفعش يكون معاكي. مش إحنا إتفقنا ؟ مش هاتشوفيه خالص إلا بعد ما تولدي بفترة. أنا لسا مش متأكد إن كان عمرو بيراقبنا و لا لأ. بس عمري ما هغامر بإنه يكتشف بأي طريقة إللي بيحصل هنا. حتى الدكتور بتاعك بيدخل و يخرج بطريقة خاصة.

ميرا بإمتنان : دادي. إنت بجد أعظم أب في الدنيا. إنت عملت حاجات كتير أوي عشاني. إنت كنت عايش ليا أنا و بس.. دادي. أنا مهما أقول مش هقدر أوصفلك بحبك أد إيه. أنا كنت أكتر بنت محظوظة في الدنيا دي. عشان طلعت لاقيتك إنت أبويا. إنت عندي بكل الناس. محدش يقدر يملا مكانك أبداً و لا حتى يوسف !

كان "سفيان" يستمع لها صامتاً مقطباً، حتى فرغت ...

قام من مكانه متجهاً نحو الشرفة المفتوحة، وقف يستنشق نسمات الهواء الباردة في هدوء، بينما تطالعه "ميرا" من مكانها بنظرات مستغربة

لكنه ما لبث أن قال بصوت عالٍ واضح دون أن يلتفت لها :

-يمكن كنت فعلاً أب كويس ليكي يا ميرا. يمكن قدرت أحميكي كويس و أعيشك حياة مستريحة و سعيدة.. بس الأكيد إن أنا ظلمتك. ظلمتك و آذيتك أوي. أي حاجة وحشة عملتيها لنفسك. أنا كنت سبب فيها !

و إستدار نحوها فجأة ...

كانت تنظر له بتعبير متصلب غير مقروء، ليتابع على نفس النحو :

-بداية من عيشتك في أمريكا مع أمك و إنتي صغيرة. سيبتك معاها و رجعت على هنا عشان أنتقم. في الوقت إللي كانت بدأت تدمن فيه.. تصوري. كان عمرك يادوب سنة و نص. لما حطتك على ترابيزة القمار و كانت هاتبيعك في دور Strip poker عشان إزازة ويسكي. لولا إتصالاتي و عيوني إللي كانت عليكي و إنتي معاها. قدرت أمنعها !

صمت قليلاً يراقب تعابير وجهها التي راحت تختلج آلماً الآن، و أكمل :

-بس حتى لما روحت و جيبتك هنا.. لما غفلت عنك شوية بس. ضيعتي مني. كنت فاكر إنك جمبي يعني خلاص في آمان. بس للآسف !!!

و أخذ يقترب منها ببطء، جلس مقابلها على حافة الفراش و رفع كفاه ليحيط بوجهها الشاحب ...

-إنتي مش وحشة يا ميرا. إنتي بريئة زي ما إنتي. أنا إللي عملت كل حاجة. أنا إللي ضايعتك مش مرة و لا إتنين.. كذا مرة. غلطتك بس إنك حبتيني و طلعتي شبهي في كل حاجة. و يمكن ده إللي خلاني أحبك أوي كده. أكتر من نفسي حتى.. إوعي في يوم من الأيام تكرهي نفسك بسبب أي حاجة حصلت. دوري في حياتك كان سلبي. بدل ما كنت أربيكي كويس و أعيشك حياة طبيعية. حبيت أقويكي و أطلعك قاسية زيي. لكن في دي بردو فشلت يابنتي !

و هنا إنهمرت الدموع من عيناها لكنها لم تفقد إتصالها بنظراته... طفق يكفكف لها دموعها بكفيه و هو يقول بلهجة صادقة :

-أنا كان لازم أقولك الكلام ده دلوقتي. عشان تفوقي و تبدأي حياتك الجديدة صح. أنا خلاص مش عايز حاجة تاني من الدنيا و مش ضامن أكون معاكي بكره و لازم آ ا ..

-بليييززز كفاية ! .. قاطعته بغصة مريرة

إرتمت عليه متجاهلة آلامها الشديدة، و إنفجرت باكية على صدره و هي تغمغم بنشيج خشن :

-أنا مقدرش أعيش منغيرك أصلاً. في حد يعيش منغير روحه ؟ إنت روحي يا دادي !!

ربت "سفيان" عليها و قال يهدئها :

-طيب إهدي يا حبيبتي. إهدي خلاص.. أنا دلوقتي جمبك أهو. و بكره ولادك يكونوا حواليكي و يوسف و الداغر الصغير و يارا. إنتي عمرك ما هاتبقي لوحدك أبداً. أنا مش ممكن أسيبك لوحدك.

حاول إبعادها حتى لا يؤذيها هذا الوضع، لكنها رفضت تركه و تمسكت به أكثر، فتنهد و ضمها إليه بدوره و يكرر على مسامعها العبارات المهدئة :

-كله هايبقى كويس.. المرة دي مش كلام يا ميرا. حياتنا كلها هاتتغير أوعدك. أوعدك يا حبيبتي ! ......... !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

يتبع ...

( الأخير ) جزء ثالث :

_ فرصة أخيرة ! _

أوقف "يوسف" سيارته على جانب الطريق ليرد على إتصال "ميرا" ...

-إيه يا حبيبتي ! أخبارك إيه دلوقتي ؟!

جاء صوت "ميرا" محملاً بالآلم :

-مش كويسة خالص يا يوسف. عندي مغص جامد و أنطي وفاء كانت هنا مش عارفة سابتني و راحت فين !!

يوسف بقلق شديد :

-أنا لسا قافل مع أخوكي. قالي إنهم راجعين دلوقتي. معلش يا حبيبتي إستحملي شوية كمان أنا هاين عليا أجيلك حالاً بس إنتي سمعتي آوامر أبوكي... طيب إنتي تعبانة أوي يعني !

-مش أوي هي العملية تعباني بس. كنت محتاجة حد جمبي.

-يا حبيبتي مسافة السكة و كلهم هايرجعوا ماتقلقيش ..ثم حول مسار الحديث كي يلهيها عن الآلم قليلاً :

-المهم قوليلي البرنسيس بتاعتنا عاملة إيه ؟ my little ميرا !

سمع ضحكتها الحلوة و هي ترد عليه بعناء :

-كويسة حبيبي. أكلت و نامت as angel ( زي الملاك ) !

يوسف بحب : نوم الهنا. وحشتوني أوي إنتوا الإتنين.. عارفة ؟ حاسس إني أول مرة أكون أب. و رغم إني مسمي بنتي الكبيرة ميرا. بس بنتي إللي منك حاسستني إن الإسم ماينفعش غير ليها هي و بس بعدك.

أحس إبتسامة في صوتها و هي تقول :

-ربنا يخليك ليا و ليها. يوسف أنا بعيش أحلى أيام عمري دلوقتي. كل أحلامي تقريباً إتحققت. مش فاضل غير لمتنا سوا.

قال واعداً : هايحصل يا حبيبتي. هانتلم قريب جداً. و ماعنتش هاسيبك أبداً !

و إنتبه فجأة لمكالمة أخرى دخلت على الخط، فأعتذر منها :

-ميرا حبيبتي. معايا مكالمة تانية هارد عليها و هاكلمك تاني. باي يا قلبي .. و أغلق معها ليتلقى الإتصال الآخر

رد بلهجة أكثر تهذيباً عندما إكتشف هوية المتصل :

-آلو ! سفيان باشا.. أهلاً.. في إيه إللي حصل ؟ إيـــه ؟؟؟!!!!

و رمى الهاتف من يده في اللحظة التالية، لينطلق بسيارته فوراً متجهاً إلى قصر آل"داغر" ....

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

شعرت "ميرا" أن آلام الجرح في تزايد لا تهدأ أبداً ...

كان الطبيب قد كتب لها آدوية و مسكنات، كانت حقيبة العلاج هنا بجوارها.. لقد إختفت عندما جاءت إليها "وفاء" منذ قليل

أين هي "وفاء" ؟ أين هي عمتها ؟!!!!!

ألقت "ميرا" نظرة على رضيعتها النائمة في سلام، ثم تحاملت على نفسها و قامت من السرير بصعوبة... راحت تتوكأ على أثاث الغرفة و هي تتآوه بصوت عالٍ و تنادي على عمتها :

-أنطــي وفـاء.. يا أنطـــي.. إنتي فيـــن إلحقيني بليييزز !

و لكن ليس هناك من مجيب !!!

واصلت السير و هي تجر قدماها جراً للخارج لتذهب و تبحث بنفسها عن "وفاء" ...

...................................................

في مكانٍ ما بالقصر ...

كانت تسمعها جيداً، كل نداءاتها سمعتها، و كانت الإبتسامة تملأ وجهها و هي تستسيغ نبرات الآلم في صوتها... كانت تحمل في كلا يديها طوق النجاة لها و آداة الإنتقام في آن

ذلك الهاتف في يدها اليمنى، يدق و هو على وضع الصامت، من المتصل ؟.. إنه "سفيان" طبعاً، الأخ الدنيئ و الأب العظيم

قررت أن ترد عليه لمرة قبل أن تقدم على خطوة الخلاص التي لطالما إنتظرتها ...

-آلو ! .. هكذا أجابت "وفاء" إتصال أخيها بمنتهى الهدوء و الثبات

آتاها صوته ثائراً من وسط ضجيج شديد :

-وفــاء.. إنتوا كويسين ؟ في حاجة حصلت عندكوا في البيت ؟ ميرا كويسـة ؟!!!

وفاء بوداعة : إحنا كويسين يا حبيبي. كله تمام و ميرا زي الفل. إيه حصل حاجة و لا إيه ؟!

لاحظت في صوته إرتياحاً جزئياً و هو يقول :

-الكلب إللي إسمه عمرو عرف موضوع ميرا و كان جايلكوا على البيت. بس أنا لحقته في نص السكة و البوليس هنا معانا. يوسف كمان موجود أنا هاسيبهم ياخدوه على القسم و جاي أطمن عليكوا بنفسي. يلا سلام مش هتأخر !

كانت تعابير الهدوء قد محقت بلحظة عن وجهها فور أن أخبرها بذلك، لم تفيق إلا على صفير إنقطاع الخط... إحتقن وجهها بدماء الغضب و ألقت بالهاتف بعيداً

تمسكت أكثر بما في يدها الأخرى، بتلك السكين ذات النصل الحاد.. عادت عيناها تلتمعان من جديد و الإبتسامة تتكون على ثغرها مرة أخري

أغلقت درج الآواني، و إستدارت مغادرة المطبخ بخطوات ثابتة ...

...................................................

تصل "ميرا" إلى الطابق السفلي عندما فرغت من التفتيش عن عمتها بالأعلى... لكنها أيضاً لا تجد أثر يدل عليها هنا

إنما ظلت تنادي بإصرار يخالطه التعب ...

-إنطي وفااااء.. يا أنطي فيــنك ؟!!!

-أنا هنا يا روحي !

جمدت "ميرا" للحظة حين سمعت صوت العمة أخيراً

إستدارت لها ببطء لاهثة، وجدتها تقف عند حافة الرواق المؤدي لقسم مباشرة المنزل.. كانت تعقد يديها خلف ظهرها، فبدت و كأنها تخفي شيئاً ما !!!

-إنتي فين يا أنطي ! .. قالتها "ميرا" بصوت كالأنين

-أنا كنت بدور عليكي. إلحقيني يا أنطي محتاجة أخد العلاج بتاعي تعبانة أووي.

رمقتها بنظرة تعاطف قائلة :

-تؤ تؤ تؤ ألف سلامة يا روحي. أنا حالاً هاريحك خالص. هاريحك للأبد ! .. و أظهرت السكين في هذه اللحظة

نظرت لها "ميرا" بعدم فهم، لم تستطع تبين نيتها الجلية في عينيها فقالت بصوت متحشرج :

-إيه إللي في إيدك ده يا أنطي ؟ هو في إيه ؟!

و هنا إستوحشت نظرات الأخيرة و هي تمشي نحوها وئيداً و تقول بصوت كالفحيح :

-في إيه ؟ عايزة تعرفي في إيه يا ميرا ؟ حاضر أنا هاقولك.. في إن إنتي و أبوكي دمرتوا حياتي. هو سرق عمري بقعدتي جمبه. و إنتي. إنتي جيتي سرقتي روحي. إنتوا الإتنين مجرمين. و محدش هايخلص الناس منكوا و من شروركوا غيري. سامعة يا بنت أخويا ؟

لم تتزحزح "ميرا" من موضعها رغم تقلص المسافات بينها و بين عمتها، رغم الخطر المحدق بها.. أرادت أن تعرف ما في نفسها، لعلها متآذية بسببها و بسبب أبيها

لم تسلم "ميرا" لخوفها و أودعت ثقتها الكاملة بعمتها و هي تقول مغالبة مشاعر الآلم :

-إيه إللي حصل بس يا أنطي ؟ دادي زعلك في إيه ؟ طيب أنا زعلتك في إيه ؟ أنا آ ا ...

-إنتي دمرتيــني ! .. قاطعتها بصراخ مصم

كانت قد توقفت على بعد خطوة واحدة منها، حملقت فيها بقوة و صاحت بغلظة شديدة :

-لولا ظهورك في حياتي. كان ممكن إنهاردة أكون في حتة تانية خالص.. كان ممكن يكون عندي ولاد مثلاً.. كان ممكن.. كان ممكن سامح يكون عايش. معايا.. مش ميت. بسببك إنتي سامح مات. الراجل الوحيد إللي حبيته مات. فرصة عمري الأخيرة ضاعت بسببك و بسبب أبوكي. إنتوا الإتنين دمرتوني. حياتي إنتهت من زمان إوعي تكوني فكراني عايشة.. إوعي يا حبيبتي. ده إنتي إللي عيشتي حياتك عالأخر. إتجوزتي و حبيتي و خونتي جوزك و خلفتي.. و كله بعلم أيوكي و مساعدته ليكي. حتى و إنتي ماشية غلط كان واقف في ضهرك. لكن أنا. أنا موتلي سامح. موته بسببك. كله بسببك إنتي !

تعاظم الآلم أكثر في تلك اللحظات مع تراكم مشاعر الآسى السالفة لكل السنوات الماضية و تحديداً تلك الفترة التي ذكرتها "وفاء" ...

لم تعرف "ميرا" أتعزيها أم تعزي نفسها !

لكنها قالت في الأخير :

-أنا آسفة ! .. خرج صوتها هامساً

لتضحك "وفاء" بقوة ...

-لأ بجد ! آسفة ؟ و أنا قبلت آسفك يا ميرا !

و قطعت المسافة بينهما بخطوة، و غرست السكين بسرعة في صدر إبنة أخيها ...

طوقت كتفها بذراعها لئلا تسقط، بينما تحرك السكين قليلاً لتسمح للهواء بالتغلغل داخل القلب ....

إنتفضت "ميرا" حابسة أنفاسها و تشبثت بيد عمتها، ثم خمدت نظراتها الواسعة تدريجياً حتى أسلمت الروح بالنهاية !!!!!

و هنا تركتها "وفاء" لتسقط تحت قدميها، أخذت نفساً عميقاً و هي تتأملها وسط بركة الدماء الآخذة في التوسع هذه

لقد ماتت... "ميرا" ماتت... قلب "سفيان الداغر".. بل روحه... حياته كلها... الآن هي جثة هامدة !!!!

يا للروعة !

كم أحبت "وفاء" هذا الشعور... كم أحبته بصدق

إنحنت صوبها في اللحظة التالية، أستلت السكين من صدرها و نهضت ثانيةً... علت إبتسامة الإنتصار وجهها أخيراً

مشت نحو باب المنزل الرئيسي بتؤدة و السكين في يدها يقطر دماءً ساخنة.. إصطدمت فجأة بمادة صلبة عند الباحة، كانت شبه غائبة عن الوعي من شدة الإنتشاء

عندما رفعت وجهها إكتشفت إنه أخيها، لقد جاء... ها هو يقف مقابلها صدره يعلو و يهبط بتناغم مستمر، لابد أنه وصل إلى هنا على جناح السرعة إذن !

إبتسمت له بهدوء، بينما يرمقها بنظرة متسائلة ثم يقول :

-في إيه يا وفاء ؟ مالك ؟!!

إتسعت إبتسامتها، ثم إستحالت ضحكات مجلجلة، رفعت يدها الممسكة بالسكين الملطخ بالدم و هي تقول بمرح كبير :

-رآااااحت. رآاااحتله يا سفيآاااان. البقية في حياتك ياخويا.. و عقبااالك !

-إنتي بتقولي إيــه ؟ .. صاح بها بخشونة

أمسك بكتفيها بقوة ...

-إتكلمي عدل.. في إيـه يا وفــاء ؟!!

هدأت عن الضحك فوراً و إتسمت تعابيرها بالجدية، دفعت له بالسكين متمتمة بشماتة واضحة :

-دي عشان سامح يا سفيان.. سامح. فاكر سامح ؟!

نظر "سفيان" إلى السكين ثم لها، رفض عقله ترجمة جملتها إلى الإستنتاج البديهي... دفعها بعيداً عنه في هذه اللحظة، إنطلق مسرعاً للداخل و هو يهتف بأعلى صوته :

-مــــــيرا... ميـــــرا.. ميــ ! .. و سكت فجأة

حين إصطدمت قدمه بشيء بجوار الدرج ...

خفض رأسه ليرى هذا !!!!

حملق بصدمة في جسم إبنته المسجى أمامه غارقاً بالدماء ...

-ميرا ! ..همس "سفيان" و قد تهاوت قدماه في لحظة

ركع إلى جانبها، إستطاع أن يشعر بحرارة دمائها التي لوثت ثيابه ...

مد يداه صوبها، هزها برفق مكرراً همسه :

-ميرا !

بطريقة ما، عرف أن الوقت قد فات.. وقت ماذا ؟ لا يريد أن يفكر بها حتى !!!

كانت جثة الإبنة متكومة على وجهها، فدس يديه تحتها و رفعها ليسندها على ركبته... أزاح بيده المدماة الشعر عن وجهها

لتتضاعف الصدمة عندما يرى شحوبها التام، و إنطفاء عيناها النصف مغلقتين... إنفجر صوته صارخاً في هذه اللحظة و هو يضمها إلى صدره المتشنج :

-لاااااااااااااااااا.. ميــــــرآااااااااا.. ميــــــرآااااااا ردي عليااا. لأ مش ممكن.. لألأ. لأ.. لأاااااااااا. ميــــــرآااااااا. ميــــــراااااااااااااا !

و لم يعد يرى شيئاً تقريباً، فعيناه صارتا رطبتين، لا تنفك الدموع الملتهبة تنهمر منهما...حيث بدت بلا نهاية، إلا لو لحق بها !

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

ما أسرع النهايات !

و ما أفظع ما آلت إليه !!!!

من يصدق ؟؟؟ بعد كل هذا ينتهي الأمر على ذلك النحو... و ليته إنتهى !

في صبيحة يوم العطلة... كان نهار جيد جداً، فرآى إبنها أنها فرصة لإجتماع عائلي هناك في حديقة البيت الغنّاء، لعل ذلك يساعد أبيه على الخروج من حالته السيئة، و لو قليلاً

كانت "يارا" في طريقها إلى البيت، بعد أن ذهبت لإحضار الصغيرة من عند والدها.. عقب سماحه لها بأن تأخذها هي و تربيها في بيتها، و سيكون مرحباً به أي وقت يريد رؤية إبنته

حملتها "يارا" في السرير النقال خاصتها، و دخلت بها إلى المنزل... لوّحت لإبنتيها "يمنى" و "يسرا" حيث كانتا تجلسان في الشرفة العلوية تتناولا الفطور معاً

رأت من بعيد وسط الحديقة إبنها يجلس أمام والده مولياً لها ظهره، ذهبت إليهما فوراً

كان الإبن يتحدث إلى الأب كعادته دون أن يرد عليه الأخير، فهو قلما يتحدث مع الآخرين ...

-بابا ! لو سمحت لازم تفطر. عشان العلاج.

و هنا وصلت "يارا" ...

-صباح الخير ! .. هتفت مبتسمة بإشراق

نظر الإبن لها و لفت إنتباهه ما تحمله على يديها ...

-صباح النور.. إيه إللي في إيدك ده يا ماما ؟!

شدت "يارا" كرسي بجوار زوجها و قالت :

-دي مفاجأة. روحت جبتلكوا ميرا و جيت !

تطلع "سفيان" إليها فوراً، خرج السؤال المعتاد عبر شفتيه كأنه يطرحه لأول مرة :

-فين ميرا ؟

-حضرتك إتكلمت أخيراً ! .. قالها الإبن متلهفاً

نظر "سفيان" له و قال مستغرباً :

-إنت مين ؟!

بُهت الإبن و قال مرفرفاً بعينيه بإرتباك :

-أنا ! أنا سفيان.. الداغر الصغير. إبنك. و دي أمي يارا !!

و أشار نحو أمه

نظر "سفيان" إلى "يارا" من جديد و قال :

-أيوه أنا عارف يارا.. فين ميرا ؟ فين بنتي يا يارا ؟!!

إبتسمت "يارا" له ببساطة، أزاحت الأغطية عن الرضيعة و حملتها من السرير الصغير، ثم قامت واقفة، مدت يديها بها صوب جدها قائلة :

-أهيه.. ميرا أهيه يا سفيان !

دقق "سفيان" النظر في تلك الرضيعة الجميلة، إنها حتماً تشبه إبنته.. لكنها ليست هي، فإبنته كبيرة ...

-ميرا كبيرة يا يارا ! .. قالها "سفيان" محتداً

يارا بلطف : هي دي ميرا يا سفيان.

نظر لها بدهشة و قال :

-صغرت كده إمتى و إزاي ؟!!

هزت كتفيها قائلة :

-هي كده.. و كده أحسن يا سفيان. عشان تكبرها على إيدك من أول و جديد. إنت مش كان نفسك تقضي معاها طفولتها ؟ إنت كنت قولتلي كده. فاكر ؟!

عاد يتآمل وجه الطفلة من جديد، شعر بإنجذاب كبير نحوها، بدفء يتولد بمرور اللحظات بينهما، فنطق أخيراً :

-فاكر !

و من دون أن تضيف "يارا" كلمة أخرى، ناولته إياها، ليحملها هو على ذراعيه بحرص مصوّباً نظراته إلى وجهها البريئ... و لأول مرة بعد تلك الليلة المشؤمة يبتسم

إبتسم لها فقط، و بدأ يخلق معها لغة تواصل خاصة، لغة لا يفهمها سواهما ...

رمقته "يارا" بنظرات راضية، و خبطت على كتف إبنها مشيرة له برأسها لكي يتبعها... قام "سفيان"... الإبن من مكانه و لحق بأمه

أحاط كتفيها بذراعه و هو يقول بإمتنان حقيقي :

-إنتي أعظم ست في الدنيا !

ضحكت "يارا" و قالت :

-حبيبي أنا ماعملتش حاجة. أي حد غيري كان ممكن يعمل كده.

-بعد موت ميرا على إيد عمتي وفاء كان شبه مدمر. لولاكي.. ساعدتيه. و إنهاردة متهيألي إنك ردتيله الروح تاني !

تنهدت "يارا" بعمق و توقفت عن السير.. إستدارت في مواجهة إبنها و قالت بلهجة هادئة :

-موت ميرا أختك.. و سجن عمتك.. و حالة أبوك دي.. بعد كل إللي حصل ده أنا حسيت إن ربنا خادلي حقي. رغم إني حاولت أخده طول السنين إللي فاتت.. كان درس ليا. درس بعمري. إن مهما حصلي ماحاولش أبلد مشاعري و أخلي قلبي حجر و أظلم حد زي ما إتظلمت.. إوعى تكون فاكرني شمتانة في أبوك يا عبد الرحمن. أبداً.. أنا بفهمك الرسالة إللي وصلتلي بعد العمر ده كله إللي قضيته شاغلة نفسي بفكرة إنتقام خسرتني كتير و ماكسبتش منها حاجة. و في الآخر حقي جه. و كان هايجي كده كده منغير ما أعمل أي حاجة. كل إللي ظلموني ذنبي خلص فيهم قدام عيني.

عبس قائلاً : بس دلوقتي بابا أضعف من إنه يظلمك أو حتى يخلص فيكي أي حاجة !

نظرت "يارا" نحو زوجها الذي إنشغل كلياً في عالم إفتراضي آخر مع نسخة إبنته المصغرة... إبتسمت و هي تقول برقة شديدة :

-أنا عارفة.. أنا مش عايزة منه حاجة خلاص. مش عايزة بس غير إني أفضل جمبه. أساعده.. و نكبر سوا ميرا الصغيرة.. مش هاتبقى بنته لوحده. هاتكون بنتي أنا كمان !

تــــــمت .
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close