رواية ملك الغابة الفصل الثاني عشر 12 بقلم جهاد محمد
#ملك الغابه (الجزء الاول )
+
بعد مرور أيام...
+
فتحت فاطمة عينيها ببطء، الألم ينهش رأسها، حاولت أن تحرك رقبتها لتنظر حولها، لكن الضوء أزعجها.
+
ما إن لاحظ والدها حركتها حتى نهض مسرعًا واقترب منها وهو يهتف بلهفة:
– حمد لله على السلامة يا بنتي!
+
همست بصوت واهن:
– أنا... أنا فين؟
+
– إنتِ في المستشفى يا فاطمة.
+
– مستشفى؟! إيه اللي حصل؟
+
– المفروض أنا اللي أسألك... احكيلي يا بنتي، إيه اللي جرى؟
+
نظرت أمامها، تحاول أن تسترجع ما حدث... فجأة داهمها صوت الانفجار، عاد صداه يدوي في أذنيها كالرعد، وضعت يديها عليهما تتألم، تتنفس بصعوبة.
+
– مالك يا بنتي؟!
قالها والدها بخوف وهو يقترب منها.
+
فاطمة انهارت فجأة، صرخت من قلبها:
– حرام! حرام!
+
ضمها عماد بين ذراعيه بقوة، يقرأ عليها ما تيسر من القرآن، كأن صوته وحده أمان.
وضعت فاطمة رأسها على صدره، أخيرًا شعرت براحة وطمأنينة كانت تفتقدها، وهمست بدموعها:
– أنا تعبت يا بابا...
+
---
+
في مكان آخر...
+
ظل دسوقي يضحك حتى دمعت عيناه من شدة الضحك.
+
ابتسم سالم الجالس أمامه وقال:
– ربنا يسعدك يا باشا.
+
رد دسوقي وهو يمسح دموعه:
– آه يا سالم... بقالي سنين ما ضحكتش كده!
+
– حقك تفرح يا باشا، دي ضربة جامدة فوق دماغه.
+
– جامدة؟! دي خسرته ملايين يا راجل!
+
ضحك سالم:
– وتخيل... سببها بنت غلبانة، مالهاش في أي حاجة.
+
دسوقي – بإعجاب:
– تسلم إيديها... دي بنت جدعة!
+
– ده كلام! دي بنت بميت راجل والله.
+
– عملت اللي أنا معرفتش أعمله.
+
سالم – وهو يهمس:
– تفتكر آدم هيسيبها في حالها؟
+
دسوقي – بجدية:
– لأ طبعًا... ده مش بعيد يقتلها! ده شيطان... وأنا عارفه.
+
سالم – بهدوء:
– بعد إذنك يا باشا... البنت دي لازم تتأمن.
+
نظر له دسوقي بدهشة:
– أشمعنى يعني؟
+
– اللي تعمل كده في آدم دسوقي، تستحق التأمين... وبعدين، عدو عدوي يبقى صاحبي.
+
هز دسوقي رأسه مقتنعًا:
– عندك حق... أمنها يا سالم.
+
– عيوني يا باشا.
+
---
+
في بيت آدم...
+
جلس كريم أمام آدم، يتأمله بخوف.
+
– آدم...
+
رفع آدم رأسه ببطء، ملامحه مشتعلة بالغضب.
+
– نعم؟
+
– بقالك يومين ساكت... لا بتكلمني، ولا بترد على مازن، حتى مازن قلقان عليك... رد عليه على الأقل.
+
– هكلمه بعدين.
+
– ممكن أعرف بتفكر في إيه؟
+
نهض آدم واقترب من الشرفة، ينظر للحديقة بشرود.
+
وقف كريم خلفه، قال بتردد:
– بلاش...
+
استدار آدم بسرعة، رفع حاجبيه:
– بلاش إيه؟
+
– أنا عارف إنك بتخطط تقتلها.
+
– وعرفت منين؟
+
– توقُّع.
+
– والله؟
+
– أنا كنت نبهتك... قلتلك هتسلم رقبتنا ليها، بس استهترت، وغرورك خدعك.
دي حتة بنت ضحكت علينا كلنا، وفعلاً منعت دخول البضاعة!
إنت متخيل؟ إحنا كنا هنموت... وهي ماهمهاش!
+
آدم لم يرد، فقط قبض على يديه.
+
– دي خطر علينا يا آدم... وأنا بقولك، انسَ البنت دي، وسيبها لحالها، ووقف الشغل شوية... نرتاح ونبعد، الخسارة تتعوض، إنما حياتنا لأ.
+
ضحك آدم بسخرية، ثم قال ببرود:
– تعرف عني كده؟
لولا أنا... كنت زمانك زي أبوك، ضعيف مالكش أي شخصية.
+
كريم – بغصة:
– كل ده عشان خايف عليك؟
+
آدم – وهو يدير وجهه:
– متخافش.
+
– لأ، أخاف!
عارف ليه؟ عشان واحدة زي دي هزت ثقتي فيك، وفي كل حاجة حوالينا.
مترجعش تقولي "متخافش"... أنا بخاف فعلاً!
+
قبض آدم على يده بقوة، والغضب يتصاعد في صدره:
– تمام يا كريم.
+
– متزعلش مني...
+
لكن آدم ابتعد دون رد، ظل كريم يراقبه، يضع يده في جيبه ويتمتم بقلق:
– ربنا يسترها... شكلك خرفت يا آدم!
+
------
+
وضعها تامر على الفراش برفق، ثم ابتعد ليحضر حقيبتها.
+
جلس عماد وداليا بجوارها، وبنبرة ساخرة قالت داليا:
– نورتِ بيتك يا آنسة فاطمة.
+
ابتسمت فاطمة بتعب:
– ده نورك يا ماما.
+
اعترض عماد بنبرة عتاب:
– داليا، بلاش طريقتك دي... البنت تعبانة.
+
– أنا اتكلمت؟!
+
تنهّدت فاطمة وهي تضغط على رأسها:
– أرجوكم... أعصابي مش مستحملة.
+
دخل تامر مجددًا، ووضع حقيبتها على الأرض بهدوء.
نظرت له فاطمة بامتنان:
– تعبتك معايا يا تامر.
+
– مفيش تعب يا فاطمة... إحنا كلنا كنا قلقانين عليكي.
+
قالت بإصرار ناعم:
– أنا تمام، متخافوش عليّا.
+
– إزاي بس يا بنتي؟
قالها عماد وهو ينظر لعينيها.
+
أمسكت فاطمة يد والدها، وطَبعت عليها قبلة حنونة:
– متخافش، أنا بجد كويسة... صدقني يا بابا.
+
جلس تامر على طرف السرير، وجهه مشحون بالغضب والقلق:
– كنتي مع مين يا فاطمة؟ وإيه اللي وداكي مكان مقطوع بالشكل ده؟
+
ترددت للحظة، ثم قالت بارتباك:
– مكان إيه؟
+
– المكان اللي العربية انفجرت فيه!
اتصل بيا ظابط وقاللي إنك في المستشفى، وإنك كنتي هتموتي.
+
تنهدت ببطء، وقالت:
– كنت في شغل.
+
– شغل إيه ده؟!
قالها عماد بحدة.
+
تامر – وهو يقترب منها:
– إنتي مخبية حاجة، وأنا لازم أعرفها.
+
فاطمة – وهي تستدير لتغلق عينيها:
– أنا تعبانة... وعايزة أنام.
+
تدخلت داليا بسخرية مرة أخرى:
– مش قبل ما نعرف رأيك.
+
فاطمة – بحدة:
– رأيي في إيه؟
+
صرخ عماد:
– داليا!
+
– الله! مش لازم البنت تعرف؟
+
نظرت فاطمة لوالدها باستغراب:
– في إيه يا بابا؟
+
– مفيش يا حبيبتي، ارتاحي دلوقتي... وبعدين نتكلم.
+
– بابا، أرجوك...
+
قال تامر بجدية:
– جالك عريس يا فاطمة.
+
– عريس؟ مين؟
+
داليا – بحماس:
– معتز... مديرك في الشغل.
+
– هو كلمكم؟
+
داليا – بابتسامة:
– أظن كده مفيش حجة، راجل طيب ومحترم وابن ناس.
+
– أيوة... بس...
+
– بس إيه؟
قالها عماد وهو يقترب منها.
+
– تمام يا حبيبي، بس... أنا محتاجة أقعد معاه وأتكلم بصراحة، في حاجات لازم تتقال قبل ما أوافق.
+
قالت داليا وهي تبتسم فرحانة:
– يعني بالمختصر... موافقة!
+
– قلتلك يا داليا، في شروط.
قالها عماد وهو ينظر لها بتحذير.
+
ضحكت داليا بسعادة:
– هيرضى بأي حاجة... ده بيحبك أوي يا فاطمة!
+
فاطمة ابتسمت بخجل، وانحنت برأسها، وقد بدأ قلبها يستشعر للمرة الأولى بعض الأمان.
+
انطلقت زغاريط داليا تُعلن فرحتها، بينما نظر لها عماد وهو يضحك:
– يا داليا!
+
– يا راجل، خليني أفرح شوية!
+
ضحك الجميع، حتى فاطمة شاركتهم بابتسامة دافئة... لكنها كانت تدرك أنها ما زالت على مشارف حرب جديدة، مختلفة... فيها أمل، لكنها لا تخلوا من الخطر.
