رواية رغم قسوة الحياة سأحيا الفصل الثامن 8 بقلم نورهان ابراهيم
الفصل الثامن
فى شقة باسل.
تداهمه تلك الذكرى المأساوية و تفرض نفسها عقب كل اتصال أو رسالة نصية تصله من والدته ، و كلما حظر رقمها سارعت بابتياع غيره و غيره من الأرقام مهولة العدد ، حتى سئم و ترك هذا الرقم الأخير معلقًا حتى يميزها عن غيرها من المتصلين .
لا يجيب على أى رسالة فقط يقرأها و فحواها لا يختلف كثيراً عن أخواتها من الرسائل المبعوثة كل ليلة فى نفس التوقيت ، و كما لا تجلب لها رسائلها منفعة ، فالشى ذاته مع اتصالاتها الصباحية فهو لا يرد على أى اتصال يكتفى برؤية الرقم المحفوظ ، إلى أن يكف الهاتف عن رناته برهان على يأسها و إعلان استسلامها.
فوالدته لديها علم بأنه حينما يرى رقمًا غريبًا يقوده الفضول فيجيب و غالبًا ما تكون هى المتصلة فيعطيها مجالاً لأن تفوز بسماع صوته الرنان ، لهذا السبب تحديداً لم يحظر رقمها الأخير.
روادته رغبة ماسة فى مهاتفة أحد ما ، راح يتأمل هاتفه من موضعه هذا فلقاه عبارة عن فتات متناثر فى الأرجاء ، أذن هناك حل واحد.
حبا حتى الطاولة القريبة نحو الهاتف الأرضي الحديث ، حمل السماعة _الحرة من الكابل و المحتوية على قائمة الأرقام المتدرجة من واحد إلى تسعة و تنتهى بالصفر _ فاصلاً إياها عن مكانها ثم عاود و طرح نفسه على الأرضية الرخامية شاخص البصر نقر أرقامًا معينة و ما إن فتح الخط ، همس بصوتٍ خائر آتٍ من أعماق روحه المجهدة :
_ طلال ، عاي ... عايزك ، تعالى.
.....
فى فيلا طلال المنسي
به قدر من الشتات بعثر رجاحة عقله و ذاكرته لدرجة أنه قلب كل أثاث فى غرفته و لم يتعثر بالمفاتيح ، يشعر و كأنه طالب فى سنته الأخيرة فى الثانوية العامة و يقوم بحل أسئلة مصيرية!
_ فين المفاتيح ، أنا متأكد انها كانت هنا ، بس فين ، مش فاكر؟
لفظ عبارته مع بعض أنفاس لاهثة من تدفق هرمونات القلق المؤثر عليه ، استنشق نفسًا يهدئ به أعصابه المشدودة ثم زفره من فوره قائلاً لنفسه :
_ أهدى يا طلال ، جرالك ايه ؟
طفت مقتطفات على عقله علم منها مكان ميدالية المفاتيح ، كيف نسى مكانها و هو يضعها هناك على الدوام؟
اندفع "طلال" اندفاع الأسود الجسورة ، تاركًا الغرفة بما فيها من حطام خلفته عملية بحثه الغير مجدية ، توقف بغته فى منتصف المسافة للدرج حين رن هاتفه فأجاب على الإتصال و قد رأى اسم ابن خاله.
_ مالك يا باسل؟ صوتك ماله؟ انت كويس ؟ طمنى أرجوك.
غمغم بها "طلال" و غدا للقلق الصدارة على محياه المزين بلمحات القلق المرهقة ، فصوت ابن خاله لا يوحى بأنه بخير ، لما يبدوا له فى حالةٍ أكثر من سيئة ؟
نطق سريعًا بدون تضييع المزيد من الوقت :
_ تمام ، خلاص ، جايلك حالاً.
ثم اردف بشئ من الخوف الحذر :
_ متعملش حاجة فى نفسك ، دقائق و تلاقيني عندك ، اتفقنا؟
زفر مرتاحًا و قد وصله الرد مريحًا لأعصابه إلى حد ما رغم ارتعاش النبرات الواصلة إليه .
نزل الدرج قفزاً ، و أثناء هرولته خطف مفتاح السيارة من على الحامل الزجاجي بالقرب من باب الفيلا الداخلي .
مر "طلال" بجوار البستاني "عزيز" و الذى اوجس من شكله خيفة ، ليطرح سؤالاً فزعًا :
_ خير يا ابني ، متصربع ليه؟
ألقى "طلال" بثقله فى جوف السيارة لينغمس فى مقعدها الاسفنجي المغلف بالجلد ، و منحه نظرة عابرة مع ردٍ سريع :
_ اطمن يا عمو عزيز.
داس بقوة على دواسة البنزين ، و شغل المحرك عابراً من البوابة المعدنية الرئيسية للفيلا .
سرَّع من القيادة كى يقطع المسافة فى أقل فترة ممكنة ، و راح يتخيل ما يمكن أن يلم بابن خاله ، آصابه ألم جسدي ؟ أم أن الألم معنوي؟ ألم داخلى أم خارجي؟
تخيلاته كلها لا تأتي بفائدة تذكر ، لذا استرخى قدر المستطاع ، يتعين عليه أن يكون هادئًا حتى يتعامل مع الموقف بكل مقاييسه و كل احتمالاته.
ناجى ربه بفؤاد أصابه بعض التمزق من وطأة خوفه المستعمر لكل جزء فيه :
_ يا رب احفظه ، يارب.
أخذ "طلال" يستنشق الهواء المندفع من النافذة نصف المفتوحة الضارب خصلاته و بشرته ، و زفره على مهلٍ ، ليلهب نيرانه المندلعة فى جوفه ، و كلما أخمدها ألهبها مجرد تخيله لمساسه بمكروه أو صائبة.
_ يا رب سلم.
............................................................
منزل فداء أبو النجا
وسط ذهولها من الطريقة التي رحلت بها ابنتها بلا اهتمام لكل أوامرها ، تأملت زوجها "فداء" بنظرات توشك على حرقه حيًا ، لتهدر به غاضبة :
_ بتلعبوا عليا انت و بنتك! تتخانق انت معايا و هى تهرب من غير ما احس؟!!
لطم "فداء" الطاولة بباطن كفه ، ليرتج ما عليها ، و بلغ غضبه حد الذروة ، عضلات وجهه متقلصة اضفت عليه غلافًا متوهجًا من الحنق ، و لهجته الساخطة تبوح بما يثور بصدره :
_ فريال! أنا مش عيل صغير قدامك عشان العب عليكي و اعمل الحركات الهابطة دي!
ثارت "فريال" و اهتزت بفعل غلها ، لتحرك ذراعيها فى سرعةٍ ، و تلقى الجمل من فيهها إلقاءاً فظًا ، مدمدمةً :
_ أومال إيه ؟ ها! البنت منيش قادرة عليها و مبتخدش بكلامي ، و حضرتك عطيتها الإذن ، و كلامي ملهوش ستين لأزمة فــ نظرك ! زيي زي الكرسي اللى قاعدة عليه؟!!
تهامس بينه و بين نفسه بهسهسة :
_ ياريت لو كنتي كدة ، ياااااه ، كنتى هتريحينى راحة مافيش بعدها!
بمرأى بصر حاد لا يمر عليه شئ دون تحليل و ملاحظة و بجفنين يضيقان على الحدقة الثابتة تحدثت لافظة فى شك تضاعفه الحيرة :
_ شايفة بؤك بيتحرك .
فرق "فداء" بين ناظريهما فى سخط ، و إن ترك لنفسه لجام الأمور لانتهى بهما الحال فى المستشفى مع جراح خطرة ، ليهب مبعداً كرسيه للوراء و يضربه بكعبه ، و من ثم يمشي الهرولة نحو الحجرة المشتركة بينهما.
...............................................................
فى منزل غيث أبو النجا
ممسكة بطبق بيد و فى اليد الثانية إسفنجة ممتصة سائلاً صبونيًا سميكًا ، تجلى بها الأطباق و من ثم ترصهم فى حوض المطبخ على هيئة طبقات لينهمر عليها الماء مكونًا مع الصابون رغوة طافية على السطح المائي.
دوىُ جرس المنزل طال اسماعها مانعًا إياها من مواصلة هذه المهمة المنزلية الثقيلة على نفسها ، امتدت يدها اليمنى إلى خرقة معلقة على مصمار أبيض مطروق فى الحائط أسفل المطبقية .
أثناء مرورها للخارج جففت يديها كاملاً ، لتجذب الباب فاتحة إياه و توارت به مطلة برأسها المغطى بحجاب منزلي قصير ، نالت منها دهشة خفيفة لحضورها إليها فى هذا الوقت المبكر ، مع انها معتادة على زياراتها المتكررة.
ربعت ضيفتها "تغريد" إحدى ساعديها أعلى بطنها راكزة مرفقها على رسغها لتجعل ساعدها الآخر عموديًا لتريح خدها على راحتها متذمرة من تحديق "إيناس" بها بهذا الشكل الثابت ، و عدم ترحيبها بها و إبداء سرورها بوجودها أو على الأقل عرضها عليها الولوج ، لتبادر بمرح قليل :
_ نوسة! هفضل واقفة كدة كتير ؟
ثم أتبعت بنفس الحس الفكاهى : هتدخليني و لا أروح و آجي فى وقت تاني؟
قضت "إيناس" على سرحانها الناجم عن دهشتها ، لتؤشر بكل قبضتها _الحائزة
على المنشفة_ إلى صميم المنزل ، و شاطرتها المرح مرحبةً بلطفٍ :
_ تنورى و تآنسي ، يا سلام! دا أنا اللى امشي و انتى تتفضلي!
كأستجابة إيجابية عبرت "تغريد" إلى الداخل ، مع بسمة واسعة تؤثر على كل معلم من معالمها تأثيراً رائعًا بحيث تزايدت إشراقتها ، قائلة :
_ مش للدرجادي!
_ و أكتر من كدة كمان ، أنا عندى كام تغريد يعني؟!
نطقتها "إيناس" بود حالما تهم باتراس الباب ، ثم تلحق بها و تسير جنبها وصولاً إلى مدخل المطبخ ، خطت خطاها المتريثة إلى الحوض مجدداً حتى تتم مهمتها الناقصة ، لتستأنف التنظيف و الشطف و التجفيف انتهاءاً بالرص على الرف الموصول بالجدار .
كل هذا و "تغريد" جامدة فى مكانها ، تشاهدها كأنها تتفرج على برنامج تلفازي فى بيتها .
مما استفز "إيناس" أشد استفزاز ، فـزفرت هواءاً محبوسًا فى جوفها ، و ظهرت نبرهتها مشحونة بالغيظ حين أردفت ناظرة إليها نظرات مشتعلة :
_ يا بت خلى عندك زوق ، شدي همتك و تعالى اعمليلك حاجة!
تقلصت عضلات وجه "تغريد" كـ علامة بينة على رفضها ، و قد أثبتت ذلك بتجهم قولها :
_ بقى أنا هربانة من مصالح البيت و سايبة ماما تُعك لوحدها ، تقومي تشغليني انتى؟!
_ احنا مش فى فندق فيف استار هنا!
_ و النبى ياختى مش وقت رزالتك!
ملامح وجهها السنى تشع استنكاراً و استنفاراً منها ، لتعلق فى تهكم و لهجتها بدت مصدومة :
_ رزالة؟!!
استطردت طاردة صدمتها قائلة بتحدي :
_ إذا كان عاجبك يا تغريد!
ركزت جل نظراتها القانطة صوب ابنة عمها و أكملت ساخرة :
_ و لو مش عاجبك يبقى روحى اقعدي فى أى حتة و متقفليش كدة زي اللقمة فى الزور ، زي ما يكون هانم البيت و بتتعطفى عليا بطلتك البهية !
شمرت "تغريد" أكمام ثوبها الأنيق إلى ساعديها ، مرجعة أطراف حجابها الطويل إلى الوراء من فوق كتفيها استعداداً للمساهمة معها فى عملها ، مسترسلة بسخط دفنته فى صدرها لئلا تشتبك معها ، فهى أتت إلى هنا لتقضي وقتًا حلواً :
_ عاجبني و نص كمان.
أخذت قمسات "إيناس" تلين و قد راق لها رد تغريد ، فقالت فى صوتٍ رقيق :
_ خلاص روحى اوضتي و غيري الدريس عشان ميبوظش من الماية و الصابون.
...............................................................
بدون إغلاق محرك السيارة هبط منها ، مهرولاً بخطى متعجلة مارقًا بداخل البناية المعبرة عن معيشة الترف التى تتغمد قاطنيها و أغلبهم من الأثرياء يقيمون بها إلى مجاورة أناس قلال من ذوى الطبقة ما فوق المتوسطة.
واضعًا هاتفه على أذنه يكمل محادثة جارية ، حيث نطق برفق و بنبرة مهذبة :
_ أنا وصلت يا سندس ، خلاص ادخلى شقتك ، لا مافيش داعي ، ميصحش وقفتك دي جيرانك ممكن يخرجوا ف أى لحظة ، شكراً على وقفتك و تعبك معانا ..... اطمني ، اه هو كلمني ، ماشي سلام.
هبوب البواب "عويس" من كرسيه البلاستيكي أوقفه هنيهة و يرنوه بحدقتين فضوليتين سائلاً فى ارتياب لكونه لم يتعرف على هويته لعدم مجيئه إلى هنا سالفًا :
_ إنت مين يا حضرت؟
اكتنفه "طلال" بنظرات واجمة من تضارب الأفكار فى رأسه قلقًا على ابن خاله ، متغاضيًا عن ضيقه من طريقة تأمل "عويس" لهيئته بشكل معاين ، مما جعله تلقائيًا يمرر ناظريه على ما يرتديه ، فالوقت لم يمهله فرصة تبديل ثيابه المنزلية و المكونة من بنطال قطني سميك إلى حد ما بسبب تقلب الطقس نتيجة إقبال فصل الربيع ، و ترنجًا ثقيلاً بأكمام طويلة متناسق مع البنطال ، مخيوط به طاقية ملائمة من نفس اللون و النوع ، اتمامًا بنعل "موريتان" بإصبع يكشف عن قدميه العريضتين.
_ يا أخينا أنا بكلمك!
رفع "طلال" هامته على عبارة البواب مخلوطة بسأم ، ليتحرك إلى قلب البناية ذات الإرتفاع المعقول فليست بالشاهقة كما أنها ليست منخفضة الارتفاع ، مردفًا بنبرة فيها استخفاف لترن فى أثره :
_ ماليش كلام معاك.
استشعار "عويس" الثقة فيما قيل له ، أرغمته على التأدب و التحفظ فى أقواله و أفعاله لئلا يسبب لنفسه متاعبًا و منها مثلاً فصله من عمله ، فمن يتحاور معه الآن يظهر عليه الثراء من ساعة معصمه ذات التصميم المميز و الراقي ، فضلاً عن السيارة حديثة العهد المركونة فى الواجهة ، ليستمر ناطقًا فى احتراس :
_ رد عليا ، الله يكرمك.
تغافل "طلال" عن لغوه عن عمد ، ليمضى قدمًا قاصداً التوجه إلى مبتغاه ، تبعه "عويس" و تمادى لاجئًا إلى تهديد به رنة مترددة :
_ متخلينيش استخدم معاك اسلوب تانى مش هيعجبك.
لاحت على ثغر "طلال" بسمة ضيقة و لم تلبث أن تلاشت فى وقتها ، ماضيًا فى سعيه إلى المصعد و تقدم راكبًا إياه ، و مع بصر زائغ فى فضاء حيذه فرق شفاهه متكلمًا و كأنما يتحادث فى ذهنه ، منكراً بغمغة :
_ أكيد مش هستنى الإذن منك عشان اشوف ابن خالى.
احتراف "عويس" المشين و المكتسب فى استراق السمع ، أتاح له تبين كل حرف فاه به طلال و بكل وضوح ، و مع تحرك باب المصعد المعدني منغلقًا تدريجيًا ، سأله سؤالاً سريعًا يغذيه فضول متزايد :
_ ابن خالك؟ ليش انت مين؟!
و مرة ثانية عمت على شفاه "طلال" ما يسمى بالبسمة الباردة المترائية ، نابسًا بهدوء و جهور فى ذات الآن :
_ أنا اللى بدفع للى مشغلينك هنا.
_ ها ! بيدفع لمين؟! أنا احرت و اتلخبطت ، مكونش عويس إن مكانش وراه حكاية.
أردفها "عويس" بظنون تتلاطم فى عقله ، باستتار "طلال" جسمًا و روحًا جوف المصعد.
و من الطبيعي فى هكذا حدث جلل _فيما يخص مهنة عويس_ أن يحطات و يباشر فى الإجراءات اللازمة للتعامل مع الوضع ، و أولها التواصل عبر الهاتف مع مالك العقار ، ليطلب إيضاحات و تفصيلات لما جرى بينهما قبل قليل.
_ ألو .... ازيك يا باشا ، طيب تمام.
أخذ نفسًا قصيرا و أخرجه مضيفًا :
_ فى واحد أجى هنا و أنا معرفتوش و ركب الاسانسير .
أخذ عويس برهة من الصمت فى إصغاء كلى لما يلقى إليه من الجانب الآخر ، بعدها احتسى رشفة من كوب الشاي بين قبضته ، متابعًا فى حيرة لا تخلو من رغبته في السعى وراء حقائق الأمور :
_ لأ ، مرضيش يقولي هو مين.
ليدع كوبه على سور جانبي ممتد إلى البوابة العملاقة بحيث يحاوط المبنى ، قاضمًا لقمة من شطيرة شعبية تملؤها حشوات من البازنجان و المخلل ، مستفيداً من دور المتحدث فى الحديث ، ليأتى نصيبه من التحدث قائلاً فى انتباه :
_ فى حاجة غريبة يا بيه .... هقول أهوة ، قالي إنه جاي لابن خاله ، أه زي ما بقولك كدة ، آخر حاجة قالها إنه بيدفع ليك.
إنقلبت تعابير "عويس" مائة و ثمانون درجة بعدما سمع للرد من سماعة الهاتف البدائي _ذو الأزرة البارزة و الشاشة الصغيرة_ ، و يسوده ترقب من أن يكون تمادى فى فعلة حمقاء مكلفة إياه ما لايقدر على سداده .
إنحدر قلبه من بين ضلوعه هاويًا فى رجليه ، و انسابت أعصابه لدرجة إنفلات الشطيرة منه لتقع عند قدميه ، و ليحافظ على بقاء الهاتف بين راحته مع إرتجافه أمسكه بكلتا يديه و تقلقل صوته مع استرساله :
_ و أنا إيش عرفني يا فراس بيه؟ عليا الطلاق ماعرف ، ياريت لو كان لساني انقطع قبل ما اقول كدة.
تم إنهاء المكالمة من قبل الطرف الثاني ، ليشرد "عويس" فى مراقبة الطريق الممتد أمام المدخل ، متشدقًا بــ :
_ شكلى نيلت الدنيا.
_ يارب عديها على خير.
استنجد بالمولى فمن سيسمعه غيره ، من سيستجيب دعاءه ، من الأقرب إليه من أى شئ ؟ أولم يقل سبحانه فى كتابه العزيز "و نحن أقرب إليه من حبل الوريد"؟
.....................................................
و أمام شقة باسل وقفت هى محتارة و قلقة ، أتذهب إلى شقتها كما قال طلال فوقوفها هذا لا يجوز ؟ و لكن ماذا لو كان الأمر خطيراً ؟ أم تبقي قليلاً حتى يصل؟
رفعت "سندس" يدها المحمرة من كثرة دقها للباب ، و توقفت عن قرع الجرس و قد حسم الصراع الدائر داخلها ، ستعود إلى منزلها حتى تتجهز ليوم حافل بالعمل المتعب ، تحركت بخمول نحو منزلها و ألقت نظرة نحو شقته و من ثم تنهدت فى إرهاق مشفقة عليه مما قد يكون أصابه.
...................................
فى منزل فداء أبو النجا
لاحقته "فريال" إلى حيث يتنقل ، دفع باب حجرتهما و صفعه فى قوة فكاد ينغلق لولا يدها الحائلة دون ذلك ، و بقوة تفوق قوته دفعت الباب فسمع صوت ارتطامه بالحائد و ارتداده قليلاً ، عبرت ورائه مداهمة إياه بجملتها الغاضبة :
_ مرديتش عليا ، كنت بتقول ايه فى سرك؟
تفاعلت تعابيره معها تفاعلاً إيجابيًا بحيث انبسطت عضلاته المتشنجة من هياجه السابق ، استراح على طرف فراشه و فعلت هى المثل على الطرف الثاني ، و هما قعود سكوت و نظراتهما متقابلة .
عما قليل بدت نغمته أكثر لينًا عن ذى قبل ، لاجمًا ثوراته فى جوفه :
_ و لا حاجة يا حبيبتي ، مكنتش بقول حاجة.
إتكأ "فداء" مريحًا جانبه الأيمن على السرير ذو الحشوة المريحة للأبدان ، مما أدى إلى إنخفاض موضع سكونه و ارتداد جسمه لحظيًا لأعلى بفعل تضاغط "السوست" المضافة إلى بطانة المرتبة الفيبرية ، و انتقلت الموجات الحركية فى المرتبة إلى موضع زوجته فتهتز اهتزازات خفيفة و لا تلبث أن تستقر.
حسبته "فريال" يقول كلامه على منهج السخرية و المجاراة ، فتفاقم غيظها حتى باتت لا تحتويه نفسها ، ففرغته فى كلماتها الحانقة :
_ أنا اساسًا مليش وجود فى البيت ده ، رأيى زي عدمه ، محدش بيسمعلي كلمة.
تحسر على حاله ، و همهم فى حذر و خفوت شديدين و تعلو معالمه علامات سائمة :
_ اومال أنا بعمل إيه من ساعة ما اتهببت و اتجوزتك؟ قال محدش بيسمعلها كلمة قال!
سألته بنظرات مشككة فاحصة و صارت على يقين من أنه يسبها غيبًا :
_ بتقول حاجة يا فداء؟ سمعنى كدة!
ثبت نفسه مقتنصًا شجاعة توافرت لديه ، ليختلق أكذوبة جعلت من فؤاده و ضميره يؤنبانه و يزجرانه ، فهما ما كذب عليها قبل ذلك قط :
_ كنت بقول إنتي الخير و البركة يا حبيبتي.
فتشت "فريال" فى عينيه عن صدق تلتمسه فما ظهر لها غير الكذب ، فخابت آمالها ، و رغم ذلك شفعت له سمات الحب السابع فى عينيه ، لتقول فى تلميح بنبرتها الملائمة :
_ مهو باين!
لوت كامل جسدها ، مولية إياه ظهرها زعلى منه ، فـتنهد مقتربًا منها فى هدوء ، ليلفها إليه من بقبضتين حنونتين رفيقتين ، و من ثم يضمها بذراعين قويتين دافئتين ، ليبرهن لها حبه ، مفصحًا فى حضرتها كم هو مولع بها :
_ مهما حصل ما بينا هتفضلي حبيبتي و شريكة حياتي اللى ما عمري فى يوم اتخلى عنها.
بعد ذلك استرسل "فداء" فى صوت شغوف ملؤه وله العاشق للمعشوق مع قدر بسيط من حس الفكاهة :
_ و بلاش لوية بوز عشان ميهونش عليا زعلك يا جميلة الجميلات.
تصافت الأنفس و غاب الغضب منها ، و تلاقت الأرواح فى لقاء تجدد برهف المشاعر ، ليحضر إلى الوسط عشق مرت عليه الكثير من السنون لم تضعفه الخلافات و لم تقتله المشاحنات الدائمة بينهما ليحق القول عليهما أنهما محبان حتى أعماق الفؤاد.
وقعت كلماته الصادقة وقع استحسانها و ارضت كبريائها ، لتكلمه فى تراضٍ :
_ و أنا كمان مريضنيش زعلك مني ، أنا آسفة.
........................................................
على صعيد آخر
أجهد القلق "طلال" على رفيق روحه و صديق دربه ، و بسبب ركضه فى أرجاء الشقة تشبث بإطار الباب مفرملاً خطاه عند مدخل غرفة ابن خاله الماكث فيها ، و أخذ يتطلع إلى الداخل بمقلتين ملهوفتين متوترتين ، أدركه على تلك الحالة الهزيلة الواهنة و التى مزقت فؤاده المرتعد.
تهاوى "طلال" إلى جنب ابن خاله ، متفحصًا إياه و مدققًا فيه ، فى حين رفع "باسل" عينيه الدامعتين المتألمتين ، ينظر له طالبًا النجدة مما به من كلوم و أحزان تقتات على خافقه ، بلع ما بفمه من لعاب ، ثم تمتم بكلمات أغلبها غير مفهوم إلا من كلمتين آلمتا طلال أشد إيلام :
_ آآ ... لي ... ليه أنا؟ .... يا ريتني مت!
بحاجبين معقودين ألمًا و بنبرة دافئة فنده "طلال" معاتبًا فى جدية :
_ جرالك إيه يا باسل؟! عقلك فين؟ إزاي تقول على نفسك كدة؟
_ هو أنا بقى فيا .... عقل؟!
قالها "باسل" بكثير من مرارة ، و ما كانت ردة فعله التالية غير إلقاء رأسه على فخذي ابن عمته ممدداً باقي جسده على رخام الأرضية المتعرق ، و بدت أنفاسه متسارعة و بشرته بيضاء شاحبة ، قائلاً مع دمعة فارة من حبس جفنيه المطبقان بإغماض :
_ مش راضي يسبيني ف حالى يا طلال، عايز يجيب أجلى .
أمارات التعجب كست وجه "طلال" و برفقتها قليل من خوف ، و سأله فى تلهف مخلوط بجسارة :
_ مين ده اللى يتجرأ يقرب منك ؟ أو بس يمس شعرة من راسك ؟ دا انا كنت افرمه و اخلى اكبر حتة فيه قد الفتفوتة! و آ
ضحكة مرة صدرت عن "باسل" مردفًا فى يأس :
_ مش هتاخد معاه حق و لا باطل ، و لا حتى هتقدر تعمله حاجة.
_ ليه يعني؟ لو كان هو واصل فــ أحنا واصلين أكتر منه ، و مدام إنت صاحب الحق فمتشلش هم ، طاوعنى يا باسل و قولي بس هو مين ، عشان أجيبلك حقك تالت و متلت.
فتح "باسل" جفونه نصف فتحة فى إعياء ، ليصبح وجهًا لوجه مع ابن عمته و الذى يبعث إليه دفئًا من عينيه المهتمين ، و انتشرت على شفتيه بسمة هازئة من حاله المنحدر به إلى الحضيض ، بعد أن كان فى موقف قوة و بأس شديد ، و أجاب فى سخرية أليمة :
_ الماضي.
استحوذت على "طلال" صدمة مباغتة ، لينطق محاولاً استدراك وعيه من تأثير تفاجئه :
_ ها ، الماضي؟!
_ مش قولتلك يا طلال؟ محدش يقدر ينقذني منه ، الماضي بياكلني بيستنزفني و بيسحبني لعتمة كبيرة و و اسعة قوى.
تعليق "باسل" بصوت تغمره لهجة تهكمية بها هوان ، ليسحب بعدها شهيقًا طويلاً يزفره دفعة واحدة كما لو كان يحاول أن يطرد ما يجيش به من أحساسيس قاتلة مبيدة لذراته.
مرر "طلال" باطن كفه الدافئ على خصلات ابن خاله ، و اغدقه بحنان لمساته سارحًا فى قطع غلاف الهاتف و كذلك زجاج شاشته المفتت ، تنهد أحر تنهيدة ليخبره بفيض من الثقة و الإيمان :
_ لا يا باسل ، غلطان ، ربك هيعدلها و سبحانه قادر يبدل حالك للأحسن ، و هو واحده اللى يقدر يخرجك من اللى انت فيه ، بس انت قول يا رب ، ربنا سبحانه بيقول فى كتابه العزيز "و أصبر و ما صبر إلا بالله".
بالرغم من حالة اليأس الملمة به من كل النواحى ، علق بغريزة إيمانه المتأصلة :
_ و نعم بالله العلي العظيم.
عاد "طلال" يحدق فى سواد بؤبؤيه ليرى إنعكاس صورته فى عدستيه ، تشجع ليسأله مجددا فى نبرة حذرة و بطبيعة الحال يموجها فضول فطري و فى محله :
_ بس قولي ، إيه اللى فكرك بيه دلوقتي ، الماضي ، مش كان اندفن؟
بادله "باسل" التحديق و همس نافيًا بحسرة :
_ من امتى الماضي اتدفن؟ الماضي معايا فى كل خطوة بخطيها.
ثم أردف فى نبرة مهزوزة بفعل تدافع أحاسيس متباينة و لكنها تتفق فى شئ واحد ، ألا و هو جلب الألم :
_ هى ... هى اتصلت بيا.
_هى؟! هى مين يا باسل؟ وضح اكتر.
إنزلاق دمعة خذلان شريدة من طرف جفنه ، أنباته أن الأمر ليس خيراً ، و عزز هذا الشعور إجابة "باسل" الخاملة يتخللها تلعثم به مرارة غصته :
هى .... اتصلت .... ما .... ماما ... فيدرا.
