رواية الغضب الاسود الفصل السابع 7 بقلم الكاتبة كوين اسمهان
قفزت ماريغولد إلى المياه بغير حيلة، و سبحت لوقت طويل مع التيار، لتقفز ثانية إلى شاطئ آخر يفضي للغابة، تمددت على الأرض منهكة القوى، التقطت أنفاسها بصعوبة، و هاجمتها فجأة رغبة عارمة بالبكاء، هل هناك في الحياة ما هو أسوء من طالعها السيء؟ أرادت أن تتضامن مع العمال، لكنها تحامقت، و خاطرت بالحصان، ماذا لو التهمته النيران بسبب رعونتها؟
5
انتابها حدس غريب بأنها مراقبة، كأن مخلوقا ما يقترب منها بمكر، التفتت إلى النهر ففوجئت بتمساح ضخم مرعب يتربص بها، تشنجت و عجزت عن الوقوف بعد الجهد الذي بذلته في السباحة، فارتفعت بمرفقيها عن الأرض الندية، و تراجعت زاحفة بصعوبة إلى الخلف، فيما تقدم المفترس صوبها بإصرار، أوشك على عض قدميها بفكه الحاد عدة مرات، ففكرت أنها يمكن أن تنجو منه، لكن الشجرة الضخمة التي اصطدم بها ظهرها أعاقت هروبها، و بددت أمل النجاة، ظنت أن أمرها انتهى، أغمضت عينيها و قبل أن تستسلم لمصيرها الحتمي، ألقى أحدهم صخرة إلى رأس التمساح فنجح في سحقه، و أسرع يسحب الفتاة ليحميها بين ذراعيه القويتين!
15
ببطء أبصرت ماريغولد وجه ذلك الشخص الذي أنقذها، لم تصدق أنه هارولان كينغ، تحققت من أنه حقيقي، إنها تلمسه، بل تتشبث بعنقه القوية كطفلة مذعورة، تفرس فيها، فأثرت به نظرة الخوف التي ملأت عينيها الناريتين، و التفت نحو جثة التمساح الهامدة، فركلها بمقدمة حذائه لتسقط في النهر الجاري، و يسوقها التيار بعيدا.
11
حمل هارولان الفتاة و انطلق بها نحو حصانه، المارد بخير إذن؟ أعملت عقلها و أدركت آنذاك فقط أن الصفير الذي سمعته قبل هروب الحصان لم يكن إلا نداء سيده! وضعها هارولان فوق صهوة حصانه، و ما هي إلا لحظات حتى شعرت بجسده يلتصق بها قويا دافئا و فياضا بالرجولة و الحيوية! غمغمت بغير وضوح ضائعة في سحر اللحظة، ثم استطاعت أن تسأله بعدما تحرر لسانها من عقدته:
2
"هل سنعود دون تقديم يد العون للرجال؟"
7
أجابها صمته المطبق، فأضافت قلقة:
+
"ماذا عن المصابين و من فُقدوا؟".
+
رد باقتضاب حاد:
+
"الكل بخير! سيطرنا على الوضع".
13
أحجمت ماريغولد عن قول المزيد، و تنفست الصعداء لنجاة الجميع و انقضاء الكارثة، كانت تشعر بذراع هارولان مشدودة حول خصرها كطوق أمين، فسبب لها ذلك شعورا غريبا بالإطمئنان، لكن قلقها عاد يضرب أعماقها بلا هوادة فور وصولهما إلى أرض الجياد، إنها تعرف ما سيحدث، سيعاود سجنها مرة أخرى، بل سيتضاعف العقاب هذه المرة لأنها كسرت بوابة إصطبله و كادت تحول مارده الأسود إلى حفنة رماد! أنزلها هارولان بهدوء، و أبقى يديه حول خصرها لبعض الوقت، كأنه لا يريد تركها، تفحصها مليا للحظات بعيون نهمة، ثم أودعها سجنها مرة أخرى، أصلح سدادة البوابة، و غادر دون أن ينبس بحرف!
46
اتجه رأسا إلى غرفة لِيو لتفقد وضعه، فكان ما وجده عود على بدء، تدهور حاله، و اصطدم هارولان بطفل متمرد يزم شفتيه رافضا أي طعام أو دواء، شحب وجه الصغير و اصفر، و فشلت قسوة الخال في التأثير به، مما جعل السيد لي يتدخل مقترحا:
3
"لِمَ لا تسمح للفتاة برؤيته؟ لعلها تهزم عناده! لا تنسى أن الطفل تعلق بها من لقاء واحد، لا شك أن لها تأثيرا قويا عليه! لِيو بحاجة لحنان امرأة!".
29
صوب هارولان نظرة صاعقة إلى الخادم، فأحجم هذا الأخير عن إضافة كلمة أخرى، و غادر لمواكبة أعماله و هو يصلي أن يلين قلبه و يتخلص من غضبه الذي يعمي بصيرته!
4
حدقت ماريغولد في الفراغ تتذكر الجنون الذي عاشته قبل ساعات، لقد حل الظلام الآن، و سمعت الرجال يتبادلون التهاني خارجا سعداء بنجاحهم في إخماد النار و استعادة كامل أفراد القطيع، لكن بالها ظل مشغولا على لِيو، كما أنها لم تنسَ كيف أنقذها هارولان من ذلك التمساح... و كيف اطمأنت لوجودها بين أحضانه! التقطت أذناها صوت صرير و احتكاك، أحدهم يفتح بوابة الاصطبل!
4
فوجئت بالسيد كينغ يدخل بهدوء، و يطالعها بومضة غريبة في عينيه، ماذا يُريد الآن؟ هل خلص أخيرا إلى العقوبة المناسبة؟ التقط هارولان ذراعها في صمت مقلق، و راح يسحبها بمعيته نحو البيت، لم تفهم ما الذي يحدث له بحق السماء! بينما تجاهل هو كل سؤال طرحته؟ كانت قبضته متوحشة و لم يكن بيدها سوى أن تتحمل و تركض لتواكب وسع خطواته لاهثة. صعد بها السلالم، و جرها إلى داخل غرفته الخاصة مغلقا الباب خلفهما، و ها هو يزمجر دون مقدمات:
1
"تجردي من هذه الثياب!".
102
صعقتها الكلمات، جحظت، و اشتعلت عيناها، بل... التهب وجهها احمرارا مما سمعته، فصاحت باستنكار:
+
"ماذا؟ هل جننت؟ أهذا هو عقابي الجديد؟".
+
أيقن أي فكرة خاطئة خطرت لها، فدفع بها نحو المرآة، و أردف مؤكدا أنه لا ينوي اغتصابها، و لا يملك حتى الرغبة فيها:
1
"أنظري إلى هذا الجسد المزري جيدا، و أخبريني من يتجرأ على لمسه؟!".
60
رأت في انعكاسها نسخة مقززة عنها، جسدها غارق في الأوحال متشح بسواد النار، القش لا يزال عالقا بخصلات شعرها المجعدة، و ثيابها تشبه أي شيء إلا ثياب البشر!
9
تساءلت بحيرة:
+
"ماذا تريد مني إذن؟".
+
"سأستغلك لمصالحي، كما كنت تحاولين استغلال الطفل لمصالحك!".
19
آذاها بروده و ازدراء عينيه، لكنها اطمأنت حين عقب مفسِّرا مسلكه:
+
"ستقابلين لِيو، لتسري عنه و تقنعيه بتناول الطعام و تعاطي الدواء، لكن يستحيل أن يحدث ذلك قبل أن تستحمي و تتخلصي من هذه الثياب الرثة، مفهوم!".
+
أردفت ساخرة:
+
"ألم أقل أنك ستفرج عني بنفسك؟ ها أنذي خارج السجن بقرار منك سيد كينغ!".
20
راقبت الغيظ يكتنف وجهه، فاستطردت بابتسامة باهتة:
+
"حسنا، سأنفذ ذلك! لكن لا تفكر أنني أخشاك أو أمتثل لأوامرك، أنا فقط ٱساعد الصبي البريء!".
10
رمقها بنظرة ساخطة، و غادر ساحبا الباب خلفه، ثم أدار المفتاح في القفل، ليتأكد أنها لن تهرب إلى أي مكان. تأملت ماريغولد ذلك الباب لبعض الوقت شاردة، قبل أن تتحرك بأطراف متشنجة نحو الحمام، و تشرع في نزع ثيابها، و إزالة القذارة عن جسدها الجميل. وقفت طويلا تحت المياه الدافئة التي انزلقت على جلدها الناعم باسترسال لطيف، و ما لبثت أن أجفلت و أخفت جسدها تحت ثلاث مناشف بعد سماعها صوت حركة في الغرفة! لا ريب أنه هو! جففت نفسها باضطراب، و فتحت باب الحمام ببطء، استدار هارولان ليخبرها أنه أحضر لها سروالا و قميصا نظيفين من حقيبتها، لكن منظرها عقد لسانه، و شل عقله عن التفكير، إنها أجمل بكثير من أي وقت مضى، حين قابلها أول مرة، كانت أشبه بفزاعات مزارع الذرة، تجثو عند قدميه، تنظر في عينيه بجرأة لا يملكها رجاله، و رغم ذلك... أدرك آنذاك أنها تروق للناظر، و أن لها وجها يظل محفورا في الذاكرة، لكنه لم يكن يتوقع أن تستر أتربة الغابة و أوحالها هذا الجمال النادر، إنه الآن يلاحظ للمرة أنها ليست سمراء، و أن هناك شامات دقيقة مذهلة تنتشر حول شفتيها الرقيقتين! إلى أين يسافر عقله؟ عليه أن يتجاهل جمالها! عليه أن يركز فقط على استغلالها لمصلحة لِيو!
25
قبل أن ينطق بحرف انتزعت ماريغولد ثيابها من بين يديه، و عادت إلى الحمام لترتديها، ثم ظهرت عليه مجددا متسائلة ببرود:
6
"أين غرفة لِيو؟".
+
قبض على يدها بقسوة، فعلقت ساخرة:
+
"لا تقلق... لن أهرب منك يا كينغ المبجل!".
10
قست قبضته أكثر حول رسغها، لكنه دُهش من قدرة التحمل لديها، و تساءل بتعجب بينما يقودها إلى غرفة الطفل: كيف تتحمل كل ما ذاقته من عذاب على أرضه؟ أي قوة هذه التي تملكها؟ قفز لِيو من سريره فور رؤيته لها، و لاقته هي بذراعين مفتوحتين، لتضمه إلى صدرها ضاحكة، راقب هارولان المشهد بانشداه، أهذا هو المريض الذي لم يكن يستطيع ترك الفراش؟ دعاها الطفل لتجلس بجانبه على حافة السرير، ففعلت، سألها بعفوية أين كانت طوال اليومين الماضيين، و لِمَ شعرها الجميل مبلل؟ رفعت ماريغولد بصرها نحو هارولان تخصه بنظرة ذات معنى، و أجابت:
4
"كنت في الغابة، أبحث عن ورود جميلة و كبيرة، لكن الساحرا الشرير الذي جمد كل الورود، سجنني في الظلام، و اضطررتُ أن أحاربه لساعات طويلة!".
22
حدق بها هارولان بحدة، محذرا إياها من مغبة ما تتفوه به، غير أنها لم تكترث لأمره، و دفعها حماس الطفل لتواصل قصتها العجيبة بصوت يقطر سحرا و عذوبة:
2
"عندما تناولت من فواكه الأشجار و خضروات الأرض الطازجة، تمكنت من التغلب عليه و تحرير نفسي!".
2
فغر لِيو فمه بطريقة مضحكة، و سأل ببراءة بالغة:
+
"كيف تغلبتِ على الساحر الشرير؟ هل أكسبتكِ الثمار التي تناولتها قوة خارقة؟".
+
ابتسمت ماريغولد بمرح تجيبه مداعبة شعره:
+
"أكسبتني صبرًا و شجاعةً لأواجه كل المخاطر دون خوف! فالقوة الخارقة ليست أن تتمكن من تسخير الرعود و الصواعق! إنما هي أن تمتلك قلبا طاهرًا و أن تحارب من خلاله كل شر يعترض طريقك، دفء القلب و شجاعته ساعداني على محاربة الساحر دون الحاجة إلى عضلات أو تعاويذ سحرية أو قوى خارقة، لقد حاربته بالطيبة و الخير و الحب!".
21
نظرت في أغوار عيني هارولان المذهولتين، و تابعت كلامها:
+
"الساحر لم يكن يعرف هذه الأشياء، فكان يخافها، و هكذا أضحى ضعيفا جدا و انكسر متحولا إلى قطع صغيرة، و زالت تعويذة الظلام، و بينما أنا عائدة إليك، لاحظتُ عودة جمال الغابة إلى سابق عهده، لم يعد المكان موحشا و مظلما، تحررت الورود من جليدها، و أطلقت السحب العنان لأمطارها، و هكذا تبلل شعري كثيرا".
15
لمس لِيو خصلة متموجة من شعرها قائلا بحزن:
+
"ستمرضين مثلي إذن!".
+
ضحكت تجيبه:
+
"لا تخف يا عزيزي! كان المطر هناك دافئا و لطيفا".
+
عانقها لِيو و مضى يستنشق عطر شعرها، ثم تمتم معلقا بسرور:
+
"تفوح منك رائحة جميلة، هل هي رائحة ورود الغابة؟".
22
وافقته ضاحكة بهزة من رأسها، و أقنعته بتناول طعامه و أخذ الأدوية التي وصفها الطبيب، ليصبح قويا مثلها، و ليستطيع مواجهة أي شر يواجهه، و أي خطر يحدق به، فيما استمر هارولان يراقب كل ذلك بدهشة عميقة! تأمل شعرها المبلل هو الآخر، لكنه كان بعيدا جدا ليستطيع لمسه و اكتشاف عطره، و الأغرب بالنسبة له أنه و لأول مرة... يرى نفسه بعيدا تماما عن الطفل، في حين بدت ماريغولد منسجمة معه، كأنها جزء من لِيو العزيز، كأنها هي عائلته! أغضبته الفكرة بشدة، و استيقظ الوحش الكاسر في أعماقه، فأمر الطفل أن ينام لأن الوقت قد تأخر، لكنه تمسك بماريغولد متعنتا، و عبس رافضا إخلاء سبيلها، فامتعض هارولان، و كاد ينتزعها بقوة من بين ذراعيه، غير أن الفتاة قالت له كلمات ساحرة جعلته يطيعها:
8
"يجب أن تخلد إلى النوم الآن صغيري، و إلا فكيف ستحلم بالعالم الجميل الذي حدثتك عنه؟".
+
تبدد عبوسه، و سرعان ما قبَّل خدها بحب تحت نظر خاله الحاد، ثم أغمض عينيه مستسلما لنوم عميق! راقبها هارولان و هي تغطي لِيو بشكل جيد، أمسك برسغها من جديد، و أخرجها من الغرفة، ليعيدها ثانية إلى نقطة الصفر. ثبت سدادة بوابة الإصطبل مكانها بإحكام حتى يحول دون هروبها مرة أخرى، و تأملها من شقوق الخشب باحثا في وجهها عن أثر خوف محتمل، لكنه لم يعثر إلا على الكبرياء! فلمعت عيناه و هو يعترف:
14
"كنتِ على حق، حررتكِ بإرادتي! لكن الحلم الجميل تبدد الآن، و قصتك السخيفة انتهت!".
5
أمسك لسانه لثوانٍ، ثم همس بنبرة لئيمة قبل أن يرحل:
+
"لنرَ الآن... كيف ستحاربين الساحر الشرير؟!".
70
نهاية الفصل السابع.
+
