اخر الروايات

رواية الغضب الاسود الفصل الثاني 2 بقلم الكاتبة كوين اسمهان

رواية الغضب الاسود الفصل الثاني 2 بقلم الكاتبة كوين اسمهان


الفصل 2| عينان مشتعلتان!


                                              

دفعت ماريغولد الباب الخشبي ببطء متخوفة، فتمزقت شباك العنكبوت السميكة، و تحرك الغبار، ليستيقظ عطرٌ غريب، عطر الزمن العالق هناك! ترددت على العتبة؛ لكن الطفل طمأنها أن الحيوانات لا تدخل الكوخ الخاص بآل كينغ عادة، مع ذلك احترست و تهيأت لمواجهة الخطر المحتمل و هي تحمي الطفل خلفها، و تحمل غُصنا غليظا كأفضل وسيلة دفاع متوفرة!

+


"أرأيتِ؟ لا وجود لحيوانات خطِرة!".

+


تأكدت من صحة كلامه حين قامت بجولة متفقدة المكان، حالة الكوخ مزرية، لم يكن فيه سوى خزانة طعام خاوية، و عدة قديمة لصيد الأسماك باتت وكرًا للعناكب، و كرسي خشبي نخره السوس و عفى عليه الزمن. سألته بعدما خلعت سترة الجينز خاصتها و مضت تمسح بها الغبار عن إحدى الزوايا، و تزيل بيوت العنكبوت التي استعمرتها معتذرة:

4


"إذن هذا الكوخ الصيفي ملكٌ لآل كينغ! من حسن الحظ أن الصدفة قادتنا إليه، لكن... يبدو أنكم لا تأتون هنا دائما!".

+


"مرة في السنة! فخالي مشغول أغلب الأوقات".

1


"أليس هذا المكان صغيرا على عائلتكم؟".

+


كانت تحاول بناء جسور ودية بينهما، فما هو إلا طفل صغير بحاجة للأمان، و لمحدث لطيف يشعره أن العالم ليس مخيفا على الإطلاق! سمعته يجيبها بصوته المُحبَّب إلى الفؤاد:

1


"لسنا عائلة كبيرة العدد، في الواقع... ليس هناك سوى خالي و أنا، و كلٌّ منا يمثل عائلة الآخر! هذا ما يقوله لي دائما".

50


توقفت عن عملها و تأملته متأثرة بما قاله، و ما لبثت أن نفضت سترتها مما علق بها، و فرشتها في الزاوية النظيفة قائلة:

+


"لا تقف هناك! تعال و اجلس عزيزي".

+


أطاعها، فأضافت ماريغولد مداعبة شعره الأسود:

+


"لا بد أن أعود لنقل مهرتكَ إلى هنا، لا يكفي أننا أمنَّاها تحت شجرة محاذية للطريق! إنها بحاجة لرعاية خاصة، كما علي جلب حقيبتي و العثور على ما يؤكل في طريقي. انتظرني، لن أتأخر".

7


"لا ترهقي نفسك في صيد الأسماك، لستُ جائعا!".

+


بدا واضحا أن الطفل يحاول الظهور بمظهر رجل صبور و متجالد، فابتسمت لذلك معقبة:

3


"ستجوع عاجلا أم آجلا! ثم إني لا أجيد صيد دودة فكيف بسمكة؟ سأكتفي بقطف الفواكه إن وُجدت".

+


استوقفها قائلا بخوف، بعدما انكمش ضاما ركبتيه إلى صدره:

+


"هل يمكنكِ تركُ الباب مواربًا؟".

18


أيقنت أنه لا يحبذُ فكرة البقاء وحيدا في ظلام الكوخ، فعادت أدراجها، و قرفصت أمامه بابتسامة مطمئنة، لتقول بلطفها المعتاد:

+


"في طريقنا إلى الكوخ حدثتني عن شجاعة خالك، حتى ظننتُ أنه مثلك الأعلى!".

1


"هو كذلك فعلا، إنه أقوى و أشجع رجل في العالم!".

28



                                      


                
"و هل تريدُ أن تكون مثله؟".

+


هز الطفل رأسه موافقا بثقة، فأردفت ماريغولد ممازحة:

+


"و هل يخشى الشجعان البقاء في كوخ قديم ريثما يعود أصدقاؤهم من مهمات ضرورية؟".

+


حرك رأسه يمينا و يسارا بخجل، فاسطردت:

+


"إذن... ستنطلق صديقتك بسرعة إلى مهمتها، و لن تتأخر، هذا وعد".

+


"وعد أصدقاء حقيقي؟".

+


"وعد أصدقاء حقيقي!".

4


وقف الطفل و قدم نفسه لها كما يفعل الرجال:

+


"فلتكن صداقة كاملة، اسمي ليونارد كينغ! لكن يمكنكِ مناداتي لِيو كما يفعل خالي".

44


تناولت يده ضاحكة، و أردفت:

+


"تشرفتُ لِيو، و أنا ماريغولد موران!".

+


"سأنتظر عودتك أنتِ و مهرتي ماريغولد".

+


شعرت أن حوار الصداقة هذا غير كافٍ لطمأنة طفل صغير، فمدت يديها تنتزع طوقًا حول عنقها، و ألبسته إياه مردفة:

+


"إنتظرني و حولك هذه القلادة".

+


"قلادة؟!".

+


"أعرف أنك شجاع، و لكن حتى الأقوياء يهاجمهم الخوف، و لأنني أمر بأوقات كهذه في الحياة، فإن لمس هذه القلادة يعيد إلي الإطمئنان، هي طوق الأمان الذي ترتكته لي أمي!".

16


تحسَّس لِيو جوهرتها الشفافة بيديه الصغيرتين، ثم رفع نحوها وجها شاكرا، و ها هو يجلسُ على سترتها المفروشة من جديد مطمئنا يتأمل القلادة في سكون، كان ذلك آخر مشهد رأته ماريغولد و هي تغلق عليه الباب هناك، قبل أن تركض بلهفة نحو مكان المهرة، و ما إن جسَّت نبضها، حتى زفرت بارتياح، و صرَّحت هامسة:

+


"أعلم أنها تجربة قاسية عزيزتي، لكن أعدكِ أنني سوف أبذلُ كل جهد ممكن من أجلك!".

6


أنفقت بعض الوقت في جمع عدد مناسب من أعواد الخيزُران لتقتطع منها أحجاما متناسقة، ثم استعانت بحزام بنطالها الجلدي لتجمعها معا بإحكام حول قائمتي المهرة المكسورتين، بينما راحت المُصابة تئنُّ و تصهلُ معبرة عن فضاعة الألم، بعدها باشرت البحث عن أخشاب أخرى تنفع لصنع محمل، و نجحت في النهاية!

+


وقف لِيو بعد ساعة مذهولا، رأى جسد المرأة يقتحم الكوخ ساحبا نعشا تقليديا تستلقي عليه مهرته، و حقيبة، لم تفته ملاحظة القائمتين اللتين تم جبرهما بشكل لم يره من قبل حتى على أرض كينغ العظيمة! و لا قطرات العرق التي لم تتوقف عن التصبب من جسد ماريغولد و هي تغلق الباب و تنهار لاهثة، لتسقط من لفَّة قميصها الأبيض ثمار الدُّرَاق تاركة مكانها آثارا مستحيل الزوال! كما لاحظ الخدوش التي ملأت جلد رقبتها و ذراعيها جراء صراع طويل مع أغصان الأشجار الشائكة! فتساءل متعجِّبا: هل فعلت كل ذلك لوحدها؟

14



        

          

                
لم يتوقف المطر حتى المساء، حشدت السماء ما تملكه من سحب سوداء في كبدها، لتعصف بقوة محولة الغابة إلى مسرح تصب فيه غضبا مكتوما، و رأت ماريغولد أن ترك الكوخ في مثل ذلك الجو غباء، الأفضل أن يناما هناك، و في الصباح يمكنهما مواصلة البحث عن المزرعة.

+


فكرت أن من الجيد امتلاك آل كينغ كوخا في قلب الغابة، ثم ابتسمت مصححة لنفسها: "بل من الجيد أن السيد كينغ فكر في نعمة كهذه!"، تأملت تواصل انهمار الأمطار من النافذة متذكرة وجه أوليفر و هو يتخلى عنها بكل تلك السهولة، و تساءلت بمرارة إذا كان من السهل أن يُنسى المرء هكذا؟

15


لم تكن ليلة سهلة عليها، نبضت جروحها بألم ناخر، و تقلصت معدتها جوعا بعدما آثرت الطفل و المهرة على نفسها و تركتهما يلتهمان حصتها من الفاكهة، و كان عليها بعد الوجبة أن تجمع مياه المطر في كفيها و ترويهما شيئا فشيئا، ثم حولت حقيبتها إلى سرير صغير للطفل، بينما اكتفت هي بالجلوس على الكرسي الوحيد مراقبة بقلق وضع المهرة، غير أن مجلسها الهش تهشم تحتها بسبب السوس الذي لم يبقِ من لبِّه شيئا، و انتهى بها الأمر تتأوه متألمة من السقطة، و تكمل ليلتها على الأرضية القاسية في أرق مرير!

33


استفاقت ماريغولد في الصباح التالي على أصوات غريبة خارجا، و فزعت لعدم وجود الطفل و مهرته قربها، انتفضت تفرك عينيها لتبصر جيدا، و كانت النتيجة هي نفسها، لا يوجد في ذلك الكوخ سواها! قفزت بنية مغادرة المكان بحثا عنهما، لكنها تراجعت إلى الخلف فجأة حين طار الباب من مكانه إثر ركلة عنيفة، لتجد نفسها في لمح البصر بين أيدي ثلاثة رجال، تُساقُ مُرغمةً... إلى مكان مجهول!

+


"تحرَّكي! ظننتِ أنكِ ذكية! تُخفين رهينتكِ داخل كوخ السيد؟".

29


"رهينتي؟ عمَّ تتحدَّثون بحق السماء؟ من أنتم؟ و إلى أين تأخذونني بهذه الطريقة الفظة؟".

+


   كان الرجال الثلاثة ضخام القامة، يعتمرون قبعات واسعة، سراويلهم الضيقة المتشحة بالأتربة التي انحشرت داخلها سيقانهم القوية، و قمصان المربعات التي لوحتها الشمس فوق صدورهم، و أحذيتهم الطويلة التي طلتها الأوحال، دلَّت على أنهم رعاة بقر لا محالة، أيعقلُ أنهم عمال مزرعة كينغلاند؟ ما الذي اقترفته حتى يعاملوها بهذا الشكل؟ و الأهم هو أين اختفى لِيو و مهرته؟!

5


   لم تشعر ماريغولد بالطريق الطويل الذي قطعته متعثرة و هي تحاول مواكبة خطوات أولئك الهمجيين، و لم يتوقف عقلها عن القلق بشأن الطفل المسكين و مهرته المصابة، إلا أنها بدأت في القلق على نفسها ما إن وطأت أراضي كينغ المترامية، و أيقنت أنها هي المسكينة حين ألقى بها رعاة البقر عند قدمي رجل صارخ الرجولة و القوة! و كانت أكيدة أنه لا يمكن أن يكون سوى سيدهم هارولان كينغ!

6


   سقطت على أطرافها الأربعة محدقة في حذائه الجلدي العالي، و الجينز الباهت الملتصق بساقيه المنحوتتين، نفضت يديها من تراب أرضه الحمراء، و أبعدت خصلات شعرها المتطايرة عن عينيها، لتتسلق بهما تلك القامة الفارعة، و تذهل من شدة صلابة ذلك الجسد الضخم!


26



        
          

                
   حرك رأسه فانزاح ظل قبعته الواسعة عن وجه أسمر ذي جاذبية قاتلة، تشابكت عيناها البنيتان بالوميض الحاد المنبثق من عينيه الحالكتين، و رأت في تِنك العينين غضبا أسودا ترتجف له الأبدان، لكنها لم ترتجف كما توقع، و لم تجفل، أما هو فاستمر ينظر إليها بحدة، و لم تعجبه الأشياء الكثيرة التي قرأها على قسمات هذه المرأة... الجرأة، التحدي، و أيضا... جمالها الخاص!

12


”إذن... أنتِ المجرمة التي حاولت خطف ابن أختي!“.

19


   انطلق من شفتيه صوت جعل معدتها ترتج، و تأملها باشمئزاز مضيفا:

+


”كيف تجرَّأتِ حتى على النظر إليه؟!“.

4


   أخذ الأمر منها لحظات لتستوعب حجم التهمة الموجهة إليها، هذا الخال الذي تبين أنه عكس توقعاتها يظنها حاولت خطف الطفل! استقامت شامخة برأسها و نفضت يديها مما علق بهما قائلة:

+


”لم أفعل شيئا مما تدعي، كانت نيتي المساعدة“.

+


”المساعدة؟“.

+


   ردد باحتقار بالغ، و أضاف:

+


”لا نية لكِ غير الاستغلال!“.

8


   شعرت ماريغولد أنها طُعنت في صميم كرامتها، فاشتعلت عيناها ذودًا عن نفسها من بطش لسان هذا الرجل المتعجرف، و صاحت بقوة:

+


”صحيح أن خطيبي هو من دهس المهرة، و لن أنكر أن هربه الأرعن كان أسوء شيء ممكن، لكنني لن أسمح لك بإهانتي سيد كينغ!“.

6


   ارتفع أحد حاجبيه، و افتر ثغره عن تكشيرة ساخرة معلقا:

+


”لقد أهنتِ نفسك بإقرارك أنك تعرفين جيدا عنوان الكنز!“.

1


”حُبًّا بالسماء عمَّ تتحدث؟ أي كنز هذا؟“.

+


   زمجر في وجهها بحدة:

+


”كيف تعرفين أنني سيد كينغلاند؟“.

5


”لِيو أخبرني!“.

+


”لِيو؟!“.

2


   كرر الاسم بامتعاض و دهشة، كأن اختصار اسم ابن أخته حكرٌ عليه فقط، مرر بصره المدقق على عنقها و ذراعيها أين انتشرت خدوش أغصان الشجر الشائكة، شعرت أنه ينقبضُ من رأسه حتى أخمص قدميه، و فوجئت به يخاطبها بوقاحة فجة:

+


”يبدو أن كينغ الصغير قاومك في البداية، لكنكِ خدعته آخر الأمر، و سحبتِ الكلام منه! ماذا أخبركِ أيضا؟ أن هارولان كينغ يمكنه التفضل عليكِ من نعمه؟ هل أسال هذا لعابكِ؟ كلا! السارق يفضل السطو على الإحسان!“.

30


   كانت إهاناته جارحة، مما أشعل عيني ماريغولد أكثر، لتصرف بأسنانها و تقول في لهجة نفور:

1


”إنه مجرد طفل بريء، لم يتبجَّح مثلك بما يملك، جل ما قاله أن له خالٌ قويٌّ و شجاعٌ حتى كدتُ أحسده عليه، و لكن أتعرف شيئا؟ أنا الآن أشفق على لِيو، الجلي أنك الوحيد الذي يخدعه! أيُّ خالٍ يملك؟“.

17


   استطاعت أن ترى شفاهه المحفوفة بالشعر الطفيف تهتز، و الوميض الحاد في عينيه يصبح أخطر و أكثر جنونا، لكنها تابعت دون وجل:

+


”أي نوع من البشر أنت؟“.

+


”النوع الذي يمكنه سحقكِ بسهولة تحت جزمته!“.

52


   مشطها طويلا بنظرات شيطانية، قبل أن يستطرد:

+


”لستُ بحاجة لأسألكِ بدوري عن نوعكِ، لكن على الأقل جاريني في صراحتي، و اعترفي أن ما جاء بك إلى أرضي هو الطمع لا غير، ربما سيخفف هذا من القصاص!“.

+


   لمست في كلماته وعيدا كامنا، غير أنها حافظت على ثباتها و هي تجيبه بهدوء أثاره:

+


”لن أعترف بشيء غير حقيقي!“.

+


   اقترب منها مهددا:

+


”إذن تُصرين على أنك ملاك الرحمة!“.

+


   توقع أنها ستخشى غضب عينيه، و ستتقهقر إلى الخلف متهيِّبة ضخامته المرعبة، لكنها لم تتحرك قيد شبر واحد، و واظبت على التحديق فيه بتحدٍ جريء،  كانت تلك المرة الأولى التي يقف فيها أمام شخص لا يخشاه، و لا يهتم لانفعاله المدمر، و لا يرتجف من صوته القوي! و من سخرية الأقدار... أن هذا الشخص ليس سوى... امرأة!

36


   و في لحظة غير متوقعة، لمحت ماريغولد أحد رجاله يأتي بحقيبتها و يضعها أرضا تحت بصر سيده معلنا:

+


”عثرنا عليها في الكوخ أين كانت تختبئ.“.

+


”إنها حقيبتي، أعدها إلي!“.

+


   حاولت ماريغولد تناولها، بيد أن لهجة هارولان الصاعقة سمرتها مكانها، أمر الرجل أن يحمل الحقيبة إلى مكتبه، و التفت نحوها يعلن بعنجهية:

+


”حقيبتك مصادرة! و كذلك حريتك!“.

31


   و قبل أن يتسنى لها الرد، قبض هارولان على ذراعها، و سحبها معه بقسوة نحو مبنى صغير يجاور بيت المزرعة المهيب، و تبين أن ذلك هو المكتب الخاص به، فتح الباب و ألقاها على القاع بعنف كاد يكسر عظامها، و بنظرة سريعة إلى ما حولها، أدركت أن كل شيء أسود هناك... تماما كنظرته! غير أن ما توقف عنده بصرها شل حركتها، و جعل لونها يفر من سحنتها.... إنه مسدس مثبت أسفل طاولة المكتب! هل يعقل ما تراه و تفكر فيه؟ هل يعقل أن أوليفر كان على حق فيما قاله عن خطورة هذا الرجل؟

41


نهاية الفصل الثاني.

2


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close