اخر الروايات

رواية في شباك العنكبوت الفصل الثاني 2 بقلم رحاب حلمي

رواية في شباك العنكبوت الفصل الثاني 2 بقلم رحاب حلمي


الفصل الثاني
عرض شيطاني
لم تترك ملك سؤاله معلقا كثيرا دون جواب, حيث قالت له مؤكدة على ظنونه: حضرتك معاك حق فعلا, احنا عمرنا ما اتقابلنا قبل النهاردة.
تضاعفت حيرة عمرو و ازداد سأمه من أسلوبها في التحدث اليه بالألغاز فسألها بنفاذ صبر: أمال ازاي خلفنا الطفل دة؟
فقالت ملك لتكشف عن جزء من الحقيقة: افتكر اني قولت لحضرتك انه ابنك مش ابننا, ودة معناه اني مش أم الطفل.
وكان سؤاله المتوقع: امال مين أمه؟ وليه بعتتك انتي وما فكرتش تيجي هي بنفسها؟
ملك وقد بدأ الشجن يغلب على صوتها: لأنها ماتت بعد ولادته بدقايق قليلة.
عمرو: ماتت!
وعلى غير المتوقع رأت للحظة فقط نظرة حزينة في عينيه ليعود الى جموده سريعا ويسألها: اسمها ايه؟
ملك: وفاء عمران, فاكرها؟
كانت تعلم انه من الصعب بل من المستحيل ان تنسى الضحية الجاني وعلى النقيض تماما فبسهولة جدا يستطيع ان ينسى الجاني ضحاياه, ولكي تنعش ذاكرته أخرجت ورقة مطوية من حقيبة يدها وأعطتها إياه وهي تقول موضحة ما بداخلها: ولو كنت حضرتك نسيتها فيمكن عقد الجواز العرفي اللي كتبتهولها يفكرك.
ففض عمر الورقة لا ليتذكرها كما قالت ملك فهو حقا لم ينس تلك الفتاة المرحة والفاتنة التي تقدمت للعمل بشركته منذ أكثر من عام كعارضة أزياء, وبالطبع تم قبولها لما تتمتع به من جاذبية وقوام مناسب إلى جانب سبب آخر لم يتم الاعلان عنه وقتها ألا وهو أنها قد استطاعت لفت انتباه رئيس مجلس الادارة عمرو لها من أول لقاء جمع بينهما مما جعله يتودد اليها بشتى الطرق ككثرة المكافآت والهدايا من أفخم وأغلى الأزياء التي تنتجها مصانعه ولكنها كانت تتمنع عليه مما جعله يزداد رغبة في الحصول عليها حتى وان كان الثمن ورقة الزواج العرفي تلك, فلقد استطاع اقناعها بالزواج منه في السر عرفيا على وعد أن يتم الإشهار عنه في وقت قريب ولقد وافقت المسكينة, وبعد الزواج كلما كانت تفاتحه في هذا الأمر كان يتهرب منها أو يقنعها بالتأجيل متعللا بتعرض والدته لبعض المشاكل الصحية حتى أتت إليه يوما تخبره بوقوع الكارثة!!!
(عودة إلى الماضي)
وقف عمرو أمام وفاء تلك التي كانت تجلس على الأريكة بشقته الخاصة تنهار باكية, وهو لا يبالي بل يصرخ فيها هادرا: بس احنا ما اتفقناش على كدة, وكان لازم تعملي حسابك.
فقالت وفاء من بين دموعها: كنت أعمل ايه اكتر من اني كنت باخد الحبوب بانتظام؟
عمرو وهو يشير الى بطنها باتهام: امال دة حصل ازاي؟ الا بقا لو كنتي عاوزة تورطيني من الأول.
وفاء بغير تصديق لما تسمعه أذناها: اورطك! ليه يا عمرو؟ هو انتي مش من الأول قولتلي ان جوازنا دة مش هيفضل في السر كتير لحد ما تشوف طريقة وتقنع بيها والدتك وبعدين نعلنه, افتكر بقا مفيش انسب من دلوقت عشان تعمل كدة.
عمرو مستمرا في كيل الاتهامات لها: آه, دة انتي بتلوي دراعي بقا بالعيل اللي في بطنك, لا ياهانم, مش عمرو نصار اللي يتلوي دراعه, الطفل اللي في بطنك دة انا ما اعرفوش ولا عمري هعترف بيه وورقة الجواز العرفي اللي معاكي يبقا بليها واشربي ميتها, يبقا الاحسن ليكي بقا يا شاطرة تتخلصي منه كدة بقا بهدوء وما تجيبيش الفضايح لنفسك ولأهلك.
ثم أنهى حديثه وهو يغادر المكان غير مبال: سلام يا قطة.
************************
(عودة إلى الحاضر)
بعدها لم ير عمرو وفاء مجددا ولم يسمع عنها أي خبر حتى ظن أنها قد عملت بنصيحته وتخلصت من الجنين ثم قررت الابتعاد عن طريق للأبد, ولكن بدا أنه كان مخطئا, ثم نظر الى تلك الواقفة أمامه تنتظر رد فعله على ما سمعه فسألها: انتي كنتي تعرفي وفاء منين؟ واشمعنى انتي بالذات اللي اتحملتي مسئولية الطفل؟
أعطته ملك اجابات مختصرة على أسئلته حيث قالت: وفاء الله يرحمها عملت فيا معروف زمان ومن ساعتها بقينا أصحاب عشان كدة لما قالتلي على مشكلتها قررت أقف معاها وأحاول أساعدها وقبل الولادة وصتني على ابنها وأخدت عليا عهد اني لازم أسلمه لأبوه.
ثم أكملت بغرض معرفة نواياه الحقيقية تجاه الطفل: وبتهيئلي انا كدة عملت اللي عليا.
فنفى عمرو كلامها: لا لسة, انا لحد دلوقت مش متأكد ان الطفل دة ابني, ولغاية ما دة يحصل, الطفل هيفضل مسئوليتك وانا مليش أي علاقة بيه.
أرادت ملك تسريع الأمور فلم يكن أمامها الكثير من الوقت لتضيعه في هذا الموضوع لذا اقترحت: سهلة يا استاذ عمرو, احنا نقدر دلوقت نطلع على اي مستشفى حضرتك بتثق فيها وتعمل انت والطفل تحليل الـ DNA وبكدة تتأكد اذا كان الطفل ابنك ولا لا؟
فابتسم عمرو قائلا: يااااه, دة واضح انك عاوزة تتخلصي منه بأسرع وقت.
فصارحته ملك بمشكلتها: الموضوع مش كدة والله يا استاذ عمرو بس انا فرحي بعد اسبوع ولازم اجهزله من دلوقت ومش معايا حد ياخد باله من الطفل في الفترة دي, دة غير انه لازم يطلعله شهادة ميلاد بسرعة, تصور حضرتك اني لحد دلوقت ما سمتوش ومش عارفة أناديه بإيه؟
فقال عمر بتهم: انا مقدر الحيرة اللي انتي فيها يا انسة ملك, وعشان كدة انا هاخدك دلوقت انتي والطفل ونطلع على مستشفى ليا فيه صديق هيساعدنا في تعجيل الأمور.
فقالت ملك بابتسامة امتنان: انا متشكرة اوي يا استاذ عمرو, وانا هاخد الولد واستنى حضرتك برة الشركة.
وعندما رأت في عينيه نظرة استهجان, أسرعت تبرر اقتراحها: انا اسفة, بس دة لاني مش هقدر اخرج مع حضرتك ادام الموظفين وممكن دة يسببلي مشكلة مع خطيبي لو عرف أصله موظف هنا بردو في الشركة.
فهز عمرو رأسه موافقا: اوك, مفيش مشكلة, اخرجي انتي دلوقت بالطفل, وانا هحصلك بعد خمس دقايق بالكتير.
وبالفعل حملت ملك الطفل وخرجت به وقد خطر ببالها أنها بذلك قد اجتازت أهم خطوة في حل تلك المشكلة حتى الآن ولم يبق أمامها سوى القليل حتى تنتهي من الأمر للأبد وتبدأ في العيش بسلام من جديد.
***************************
بالفعل ذهبت ملك برفقة عمرو الى ذلك المشفى الذي أخبرها عنه وبعد أن أخذ الطبيب منه العينة المطلوبة وكذلك من الطفل أخبره بأن ظهور النتيجة يستغرق ليس أقل من يومين, فشكره عمرو ورحل وبصحبته ملك حاملة الطفل, ثم دعاها لتناول الغداء معه في أحد المطاعم وعندما حاولت أن ترفض ألح عليها معللا أنه يريد أن يتحدث معها بشأن زوجته الراحة التي لم يعد يستطيع انكار زواجه منها بعد الآن, فوافقت ملك أخيرا على مضض.
وفي ذلك المطعم الضخم الذي يليق بمستوى عمرو فلقد كان زبونا مستديما فيه, جلست ملك أمامه حاملة الرضيع وتفصل بينها وبين عمرو تلك الطاولة الأنيقة, ولكن ملك لم تستطع أن تلاحظ كل تلك الفخامة التي تحيط بها بل كانت منشغلة بالالتفات يمينا ويسارا بتوجس, لذا سألها عمرو مستنكرا فعلها: انتي هتفضلي تتلفتي يمين وشمال كدة كتير؟
فنظرت إليه ملك بارتباك وهي ترد قائلة: انا آسفة بس قلقانة لحد يشوفنا.
ابتسامة عمرو الغير مصدقة حولت توترها الى تعجب وهي تسأله: هو فيه حاجة في كلامي تضحك؟
فقال عمرو نافيا: لا خالص, بس أنا دايما اللي كنت بكره ان حد يشوفني بصحبة أي بنت, يعني انتي عارفة الصحافة وكلامها الزايد, وعشان كدة ما توقعتش انه هييجي اليوم ويحصل العكس.
أخبرها كلامه أن تصرفها ذلك ربما سدد طعنة ما لكرامته وهذا بالطبع هو ما يهمه, ثم تحول الحديث الى مجرى آخر حيث سألها عمرو بعد أن رأى الامتعاض باديا على وجهها: قوليلي يا آنسة ملك, انتي سبق ولمحتي ان وفاء عملت فيكي جميل زمان, ممكن أعرفه؟
وعندما وجد منها بعض التردد ربما خشية أن يتدخل في حياتها الخاصة أكثر, لذا قال يستحثها على الحديث معه بحرية: بعد اذنك يا آنسة ملك, ياريت ما تقلقيش مني, انا بس كنت عاوزة أتعرف على وفاء أكتر ولو حتى بعد وفاتها وبما انك بتقولي كنتي صاحبتها, فأكيد تعرفي عنها كتير.
بدأت ملامحها القلقة تلين, ثم أخذت تسرد عليه بداية تعارفها بوفاء دون التدخل في تفاصيل أكتر تخص حياتها الشخصية: انا اتعرفت على وفاء في مطعم كنت بشتغل فيه, وقتها هي كانت متابعة مشكلة حصلت بيني وبين زبون كان بيضايقني, كانت دي طبعا مش أول مرة وسكوتي لاني كنت خايفة اني أخسر الشغل خلاه يتجرأ أكتر ولما صديته جامد وتقريبا هزأته طبعا طلب مدير المطعم واشتكاله من سوء معاملتي, ولأن الزبون دايما على حق المدير طردني من المطعم, ساعتها خرجت وانا مش عارفة أعمل ايه؟ ولا ممكن الاقي شغل تاني فين؟ لحد ما لقيتها واقفة أدام المطعم كانت مستنياني وقالتلي انها شافت كل اللي حصل, ولما عرفت ظروفي وكمان اني خريجة كلية فنون تطبيقية قررت انها تساعدني ووعدتني انها هتكلم صاحب الشركة اللي شغالة فيها عشان يعيني في الشركة,وأخدت رقم تليفوني على وعد باتصال قريب, وفعلا ما فاتش أكتر من يومين غير لما لقيتها بتتصل بيا وبتبلغني اني عندي interview مع مدير قسم التصميمات بالشركة , وفعلا قبلت في الشغل, دة غير انها ساعدتني الاقي سكن كويس بدل البانسيون اللي كنت قاعدة فيه.
استوقفها عمرو ليسألها باستهجان: بانسيون؟ وأهلك سابوكي تقعدي لوحدك في بانسيون؟
سؤاله أزعجها لسبب غامض ولكن كان يجب أن ترد عليه حتى لا يسيء الظن بها: انا اصلا من اسكندرية, بابا و ماما ميتين وفيه ظروف معينة خليتني اجي القاهرة بعد ما اتخرجت, ولأن ما كنش معايا فلوس كفاية يعني عشان كدة قبلت في السكن في بانسيون صغير ودورت على أي شغل أقدر أصرف منه على نفسي حتى لو كان بعيد عن مجال تخصصي.
فأومأ عمرو برأسه متفهما وقد ظنت أن أسئلته قد انتهت حيث التزم الصمت طوال تناولهما الطعام ولكن أثناء احتساء القهوة باغتها بسؤاله: على حسب ما فهمت من كلامك انك مخطوبة لموظف في الشركة ياترى وفاء بردو كان لها يد في الموضوع ولا دة جواز عن حب؟
شيء ما لم يريحها في طرحه لهذا السؤال وترددت إن كانت تجيب عليه أم لا ولكنها في النهاية قالت: أشرف شغال محاسب في الشركة وكان بيشوفني من وقت للتاني في الـ Break واتفاجئت بيه مرة انه اتجرأ وجه قعد جنبي لأني على طول كنت بحب أقعد لوحدي ولما جيت أسيبله المكان لقيته بيعرض عليا الجواز, وبشهادة زمايله اللي كنت بسمعها حسيت انه فعلا انسان مناسب جدا ليا فوافقت.
وتجنبا لأي سؤال آخر قد يطرحه عليها, أنهت قهوتها سريعا واستأذنته لتغادر فلم يعترض أو يحاول أن يستبقيها لوقت إضافي فحاسب النادل وأصر على توصيلها حيث مكان سكنها فما كان لها إلا أن توافق ولكنها طلبت منه أن يوقف السيارة بعيدا عن الحي الذي تسكن به حتى لا يراها أحد جيرانها معه فيظن بها الظنون.
وعندما أوقف عمرو السيارة حيث طلبت قال لها مؤكدا قبل أن تغادر: هما يومين بالكتير وهتلاقيني بتصل بيكي
فأومأت ملك برأسها وهي تقول: ان شاء الله.
عمرو: وتقدري تعتبري نفسك اليومين دول في إجازة مدفوعة الأجر وانا هبلغ شئون العاملين بكدة
فاعترضت ملك بابتسامة مهذبة: مفيش داعي حضرتك, انا كدة كدة اصلا واخدة اجازة عشان ترتيبات الفرح.
فقال عمرو مصرا بطريقة لا تقبل الجدال: بس انتي دلوقتي مش فاضية انك تجهزي لفرحك زي ما بتقولي لانك بتعتني بطفل احتمال يكون ابني ولحد ما نتأكد من صحة الكلام دة فاجازتك ومصاريف الطفل هتبقا على حسابي, اتفقنا؟!
لم تجد ملك بد من الموافقة, ثم تركت السيارة ورأته يرحل مبتعدا وقد لاحظت أنه خلال تلك الفترة التي قضتها معه لم يبد اهتماما بالطفل وهذا ما جعلها ترتاب حقا.
*************************
مر يوم واثنان ولم يأتها أي اتصال من عمرو كما وعدها فبدأ القلق يتسلل إليها تدريجيا وكثير من التساؤلات قفزت إلى عقلها, فهل اكتشف عمرو أن الطفل ليس ابنه ولذلك لم يجد داعيا للاتصال بها؟ ولكنها استبعدت هذا الاحتمال فصديقتها لم تكن لتكذب عليها وهي واثقة من ذلك, ثم قفز الى ذهنها الاستنتاج الآخر بأن عمرو ربما تأكد من أبوته للطفل ولكنه لم يبال بالأمر خشية من كثرة الشائعات التي ستدور حوله ما إن ينتشر الخبر, ولكنها سرعان ما استبعدت هذا الاحتمال أيضا فإن كانت تلك نيته فما كان سيجبره أحد على القيام بتلك التحاليل, فما الأمر إذن؟ وما سبب هذا التأخير وهو يعلم أنها على عجلة من أمرها بسبب زفافها الوشيك كما أن خطيبها لا يكف عن الاتصال بها ليسألها عن آخر التطورات لديها في التجهيز للعرس وهي تطمئنه أن كل شيء على ما يرام حتى كان اليوم الثالث من رحلة الانتظار وبينما كانت ملك تضع الطفل في سريره بعد أن تناول طعامه سمعت صوت طرقات على باب الشقة, فأسرعت ترتدي حجابها لترى من الطارق حتى لا يستيقظ الطفل من صوت الطرقات وكان يساورها القلق حيث لم تعتد على استقبال ضيوف في تلك الساعة المتأخرة أو لنقل أنه لم يزرها أحد منذ أن سكنت القاهرة سوى صديقتها الراحلة, وما ان فتحت الباب حتى سمرتها المفاجأة فمن كانت تنتظر منه اتصالا هاهو أمامها بكامل هيئته وهذا ما لم تكن تتوقعه, لم تفق من دهشتها سوى على صوت جارتها التي تدعوها بـ(خالتي صفية) وقد خرجت من شقتها المقابلة للتو لتسأل هذا الزائر الذي يقف عند باب جارتها الشابة: خير يا أستاذ! انت عاوز مين؟
كانت ملك تقدر جارتها المسنة كثيرا فمنذ أن انتقلت إلى ذلك الحي وتعرفت على صفية وتلك الأخيرة تحنو عليها هي وزوجها كإبنتهما كما أنها تترك الطفل في رعايتها عندما تذهب الى العمل, فأجاب عمرو مثبتا نظره على ملك: جاي للآنسة.
فاتجهت صفية إليهما لتسأله بجفاء بالنيابة عن ملك: وانت عاوز منها ايه؟
فلم يجب عمرو بل نظر إلى ملك وكأنه ينتظر منها أن تجيب هي فلم تخيب أمله حيث ردت ولكن بارتباك: دة يا خالتي يبقا جوز وفاء الله يرحمها.
فانشرحت ملامح صفية وهي تقول مرحبة بعمرو: اهلا أهلا يابني, حمدالله على سلامتك.
ثم تنحنحت لتستطرد قائلة بوقار: معلش يابني, فرحتي برجوعك بالسلامة نسيتني أعزيك, البقاء لله, والبركة فيك وفي ابنها.
لم يستطع عمرو أن يتجاهل اليد الممدودة إليه, صافحها وهو يرد عليها وعيناه تطالبان ملك بالتفسير: متشكر أوي.
ثم وجه حديثه إلى ملك: عاوزك في كلمتين يا آنسة ملك.
كان لا يزال واقفا بالخارج وملك تسد فتحة الباب بجسمها, فقالت وهي تتنحى جانبا متداركة الأمر: آه طبعا, اتفضل يا أستاذ عمرو.
دخل عمرو الشقة متجها إلى حجرة الجلوس كما أشارت له ملك بينما عادت هي إلى صفية التي كانت قد ولجت داخل الشقة هي الأخرى فسألتها ملك بخفوت حتى لا يصل صوتها إلى حجرة الجلوس: أمال فين عم جمال؟
صفية: نزل يصلي العشا يا بنتي, مانتي لو كنتي قولتيلنا ان الضيف دة جاي النهاردة كان قعد استناه.
ملك: مانا كمان ما كنتش أعرف انه جاي.
فربتت صفية على كتفها وهي تقول لها مهدئة: ع العموم حصل خير, روحي انتي اقعدي معاه وانا هعمله حاجة يشربها واهو يكون عمك جه.
فاستجابت ملك لطلبها واتجهت إلى حيث يجلس عمرو بكل استرخاء لتقول بكلمات ترحيب متأخرة: اهلا بيك يا أستاذ عمرو.
فقال عمرو معتذرا: أنا آسف لاني جيت من غير ميعاد.
ملك بصراحة تخبره بها بمقدار الحرج الذي سببه حضوره المفاجىء: الحقيقة زيارة حضرتك فاجئتني, انا كنت مستنية منك اتصال على حسب اتفاقنا.
عمرو موافقا: دة حقيقي, بس الكلام اللي انا جاي عشانه ما كنش ينفع يتقال في التليفون او في أي مكان برة, عشان كدة طلبت الملف بتاعك وعرفت منه مكان سكنك.
وقبل أن تلقي بأي تعليق على كلامه, استطرد يقول بنبرة جافة: نتيجة التحاليل أثبتت ان الطفل ابني.
انفرجت أسارير ملك وظهرت الابتسامة تزين ثغرها وهي تقول له مهنئة: بجد! انا كنت متأكدة, الف ألف مبروك يا أستاذ عمرو.
ثم أضافت وهي تستعد للنهوض من كرسيها: عن اذنك ثواني أجيب الطفل من سريره.
فمنعها عمرو باشارة من يده: مش وقته, فيه موضوع انا عاوز آخد رأيك فيه الأول.
فاستراحت ملك في كرسيها مجددا لتسأله بينما علت الجدية وجهها: خير يا استاذ عمرو! موضوع ايه؟
تشابكت أصابع يده على ركبتيه وهو يميل الى الأمام نحوها مما أكد لها أهمية ذلك الأمر: صحيح انا دلوقت أدامك معترف ان الطفل ابني, لكن ادام الناس صعب وخصوصا في حالة وفاة أمه,يعني فجأة كدة يظهرلي طفل أمه ميته وكمان مفيش عقد جواز رسمي بيننا, تصوري بقا الاشاعات ساعتها هتبقا عاملة ازاي؟ وكل صحفي وهيبقا ليه روايته الخاصة حوالين الموضوع ودة طبعا ممكن يهز اسمي وسمعتي في السوق, والكلام دة مش هيأثر عليا انا بس لا دة كمان هيأثر ع الطفل لما يكبر ويتنقله الكلام اللي اتقال عنه وهو صغير.
كانت ملك تتفق معه في كل ما قاله, لذا سألته: طب والحل؟
أخذ نفسا عميقا قبل أن يجيب: انا قبل ما اجي فكرت في مليون حل لحد ما لقيت واحد بس مناسب للمشكلة دي....
نظرت اليه متسائلة فأردف: الحل ان أم الطفل تكون عايشة وبيني وبينها عقد جواز رسمي.
نظرت اليه بعدم فهم لتسأله معبرة عن حيرتها: طب ازاي, ووفاء الله يرحمها ماتت فعلا.
عمرو مفسرا: عشان كدة انا قررت اني اشوفله أم تانية أدام الناس والصحف والقانون.
فتساءلت ملك التي لم يستطع عقلها تصديق ما يقوله: قصدك يعني تكتبه باسم واحدة تانية؟
فهز عمرو رأسه موافقا, ليكون رد فعل ملك ان هتفت مستهجنة وهي تنهض من مكانها: انت ازاي تفكر في حاجة زي دي؟ دة حرام, وفين حق امه اللي حملت فيه وخسرت أهلها عشان تحافظ عليه؟ وفي النهاية ضحت بحايتها عشان يشوف الدنيا؟ يبقا دة جزاءها في الآخر؟
فرد عمرو بكل هدوء: وهي هتبقا سعيدة اوي في قبرها لما ابنها يكون منبوذ من المجتمع اللي عايش فيه, وكل الناس حواليه بتهاجمه وواقفة ضده؟ اللي انا هعمله دة يا آنسة ملك عشان بردو أحافظ على ابني وسمعته زي ما أمه حافظت على حياته.
أسباب واهية لم تقنعها ولكن لم يكن باليد حيلة, فهذا ابنه وليفعل به ما يشاء, ولكن لتخلي مسئوليتها أمام الله ثم ضميرها قالت له: ع العموم حضرتك حر في اللي هتعمله, بس لو كنت عاوز رأيي في الموضوع فأنا بقولك ياريت تفكر 100 مرة قبل ما تعمل حاجة زي دي.
لم يبد على عمرو أن كلامها قد أثر فيه, بل قال عوضا عن ذلك بلهجة حازمة: ع العموم انا ما كنتش جاي آخد رأيك في الموضوع لاني خلاص أخدت فيه قرار نهائي, انا جيت عشان أقولك اني اخترتك انتي للدور دة.



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close