رواية حبل الوريد الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم ياسمين عادل
~~ حبل الوريد ~~
(( الفصل الثامن والعشرين ))
_أغمض عينيه وفتحهما مرة أخرى ليتأكد من وجودها .. فصدقت عيناه ، نهض عن المقعد وتجاوزها ليخرج عن حجرة المكتب ، فـ انعقد ما بين حاجبيها بذهول وهي تتعقبه وتردد بتذمر :
- إنت رايح فين وسايبني !
_ أتجه نحو باب الشُقة ليتأكد من إنه مغلق .. ثم التفت إليها وما زال مصدومًا من كيفية وجودها هنا الآن ، حدجها بترقب وهو يتسائل :
- أنتي دخلتي هنا إزاي ؟ أنا قافل الباب ورايا كويس !
كارمن وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها ، ثم نطقت بلهجة مغترة : أنا أدخل أي مكان أنا عوزاه.. أنت بقى دخلت هنا إزاي؟
ريان وهو يقوس شفتيه بإستنكار : وانا كمان أدخل المكان اللي عايزه .. براحتي
_ أقتربت منه وهي تنظر لهذه الأوراق الموجودة بين يديه ، ثم هتفت بإعتراض :
- إيه اللي جابك هنا ياريان ؟ قُصي لو عرف إنك دخلت شقتهُ مش هيسكت
ريان وقد أحمرت شعيرات عينيه بحدة : أنا مبخفش من حد ياآنسة
كارمن وهي تشير بعينيها نحو تلك المستندات : وإيه اللي في إيدك ده ؟
ريان : ملكيش دعوة
_ صوب وجهتهُ نحو حجرة المكتب فتعقبت أثرهُ وهي تصيح بضجر :
- لأ ليا وهتقولي دلوقتي آ...
- ششش ، وطي صوتك ده !
_ أبتلعت ريقها وهي تكتم صوتها الذي ارتفع فجأة دون قصد .. بينما رمقها هو بتبرم وهو يردد :
- أحب أبشرك .. هتتجوزي واحد مجنون
_ رفع أحدى الورقات أمام عينيها وهو يقول بسخرية :
- جوزك المستقبلي كان بيتعالج وهو صغير في مستشفى في كاليفورنيا ، من مرض نفسي كان بيأثر على سلوكهُ
كارمن وقد جحظت عينيها بصدمة : إيــه !
ريان وهو يبتسم بتشفي : يازين ما اختارتي ، واحد مجنون وليه سوابق نفسية كمان !
_ أبتلعت ريقها بتوجس عقب أن علمت بتلك الحقيقة الخطيرة .. هي كانت تدعي جنونهُ ، وأصبح إدعائها حقيقة على أرض الواقع لا هروب منها .. رمشت بعينيها عدة مرات وهي تتذكر كلماتهُ الموحية بإمتلاكهُ لها و إنه لن يتركها لغيره ، وباتت مصدقة تلك الوعود أكثر من ذي قبل ..
فـ هو مجنون فعليًا بشهادة المستندات ..
لاحظ ريان خوفها الذي ظهر على وجهها فجأة ، فأراد أن يتلذذ برؤيتها هكذا أكثر وأكثر .. فـ أقترب منها وهو يزأر بصوتٍ مخيف :
- مش بعيد يكون ناويلك على نية سودا ، أو يكون راجل سادي مثلًا !
كارمن وهي تشهق بصوت مسموع : هـــا !
ريان مستكملًا حلقة الرعب التي بدأ بها : أو يحبسك ويعزلك عن الناس .. عشان بيغير عليكي من الهوا ، وممكن يقتل أي حد يبصلك بصة واحدة ويقتلك انتي شخصيًا و....
كارمن وهي تضع كفها على فمهُ لتسكتهُ : يامــامــا ! بــس والنبي
ريان :..............
_ مازالت يدها ناعمة كما كانت دائمًا .. تحسس ملمس كفها بشفتيهُ عندما وضعته على فمه لتسكتهُ ، وتنعم برائحة الڨانيليا المنعشة التي تفوح منه .. تسلط بؤبؤ عينيه على عينيها وهي مازالت تلثم فمهُ ، إلى أن أستشعرت بالحرج فسحبت كفها سريعًا وهي تجفل بصرها قائلة :
- آآ .... أسفة !
ريان : ........
_ تجاهلها ولم يعقب .. أستدار ليبتعد عن محاصرتها لقلبهُ ، وسار نحو المكتب ليتابع تفحص باقي المستندات .. في حين أقتربت هي وتسائلت بسئم :
- جاي هنا ليه ياريان ! أنت عرفت حاجة بخصوص قُصي ؟
ريان دون أن يرفع بصره نحوها : لأ ، ياترى عرفتي تدخلي هنا إزاي ؟ وجاية عشان البيه ولا عشاني ؟
كارمن وهي ترمش بعينيها عدة مرات : لأ طبعًا مش جاية عشانهُ ، إزاي تفكر كدا ؟
_ أراد حرق روحها بكلمات مسمومة ، لعلهُ يخمد نيران صدرهُ المشتعلة .. فنطق متهكمًا :
- عادي ، مش هيبقى... جـ جوزك المستقبلي !
كارمن وقد أشتعلت رأسها بحرارة : بس متقولش جوزي
_ ربما أراد قلبهُ أن يسمع ذلك ، وبدون سبب أرتاح داخلهُ قليلًا .. منع بسمتهُ من التسرب لثغرهُ ، ثم تابع بجفاء مصطنع :
- جاية ليه ياكارمن !
كارمن وهي تشيح ببصرها عنهُ : جاية أقولك أمشي من هنا ، ومتقربش من حاجة تخص قُصي
_ ضرب بقبضتهُ على سطح المكتب ورفع ناظريه إليها وهو يصيح :
- نعمــين ! لو خايفة على البتاع بتاعك ده دي مش مشكلتي !
كارمن وهي تضرب الأرضية بقدميها : ريان إنت كدا هتبوظلي كل خططي ! حرام عليك
ريان وقد أنكمشت المساحة الموجودة بين حاجبيه : خطط !
كارمن وهي تردد بصوت يقترب للطفولي : متحاولش تعرف عشان مش هقولك !
ريان وهو يكز على أسنانهُ بحنق : مش عايز اعرف حاجة
_ رنّ هاتفهُ بنفس التوقيت الذي وصلت فيه رسالة لـ كارمن محتواها يفيد بوصول قُصي للبناية ..
فنطق الأثنين بصوت واحد :
- قُصـي جه !
ريان وهو ينهض عن جلستهُ مسرعًا : دي نتيجة إني شغلت نفسي بتصرفات طفلة زيك ؟ برضو موصلتش للي عايزهُ
كارمن وهي تضيق عينيها بغيظ : أنا طفلة !
_ وضع المستندات سريعًا في الخزينة وأغلقها لتعود كما كانت .. ثم وضب الوسط وتحرك ليغادر حجرة المكتب ، ولكنهُ تفاجئ بأنها مازالت واققة بمحلها ، فعاد إليها وهو يعنفها هامسًا:
- إنتي مستنياه لما ييجي عشان يوصلك بنفسه !
كارمن وهي ترمقهُ بغيظ شديد : بقى أنا طفلة ؟
ريان وقد نفذ صبرهُ : أقل كمان
_ سحبها خلفهُ عنوة وأغلق الإضاءة .. ثم انتقل بها نحو باب الشُقة وفتحهُ بحرص شديد ، نظر للخارج أولًا .. ثم خرج وسحبها خلفهُ وأوصد الباب بهدوء ، نظر حولهُ فلم يجد سوى الصعود للطابق الأعلى ..
أشار لها لكي تسبق خطواته ، فتحركت بصمت تام .. ولكن أصدر حذائها ذو الكعب العالي صوتًا عاليًا ، فقبض على رسغها بعنف وهو يقول بخفوت :
- أقلعي الزفتة دي !
- آآه ، إيدي ؟
ريان وقد تبدلت ملامحهُ للقسوة : بقولك أقلعي الجزمة هتفضحينا !
_ أنحنت لتنزع حذائها عنها ، ولكنه سيستغرق وقتًا لحلّهُ .. فتأفف بضجر وراح يحملها بين ذراعيهُ فجأة وصعد بها مسرعًا وهو يهتف :
- أنا عملت إيه في دنيتي عشان ربنا يحدفك عليا الساعة دي !
_ تعلقت بكتفيهُ وهي تتأمل بشرتهُ عن قريب ، لم تلاحظ منذ خروجه من السجن إنه أهتم بتربية لحيتهُ فأصبح جذابًا أكثر وازدادت وسامتهُ ..وصل بها الطابق الأعلى وهو يشعر بسخونة ذراعها المتعلق بكتفهُ والذي أصابهُ بقشعريرة لطيفة أوقظت به شعورًا عاطفيًا جياشًا نحوها .. تركها لتنزل من بين أحضانهُ ولكنها ظلت متشبثة بكتفهُ ، فاضطر أن يكون محنيًا بظهرهُ عليها لفترة أطول ، متفرسًا بخضار عينيها الساحر .. وشفتيها المتوردتين والخاليتين من أي ألوان صناعية أو طلاء للشفاه ..
كابد العناء ليصرف قلبهُ عن محاولة التقرب منها ، ولكن هيهات لم يستطع .. أقترب ، أكثر ثم أكثر .. كاد يلتصق بشفتيها .. همست له بضعف ممزوج بالرغبة :
- ريــ .......
_ لم تكملها ، فكانت شفتيه أسرع منها .. قبّلها بشغف واشتياق .. قبّلها قُبلة تعاني من الحرمان ، حبسها داخلهُ طوال الليالي الباردة .. قُبلة وهبتهُ أكسير الحياه ،
تمادي وتمادي بها ، وكأن وجهيهما واحد ..
أبتعد عدة ملليمترات ليترك أنفاسهُ المتهدجة تلفح طرف أنفها ، أراد المزيد منها .. ولكنها أبتعدت برأسها وهي تردد بصوت خفيض لمس صميمهُ :
- إحنا على السلم
- وحشتيني ، أوي
_ ضمها بإنفعال عاطفي عنيف لصدرهُ ، حتى أن صوت نبضاتهُ وصلت إليها من فرط قُربها منه .. وأندفنت أصابع يديه بثيابها ، تنهدت وهي تطبق عينيها بإستسلام وقالت بصوت مبحوح :
- اللي بنعمله ده مينفعش !
ريان وهو يتحسس بشرة وجهها بصدغهُ : حُضنك بعيد عن الخصام ، عن العتاب .. بعيد حتى عن العداوة
_ الآن فقط أنهارت حصونهُ .. لم يكن يومًا ضعيفًا ولكن أمامها ينسى من يكون ، أسمهُ وصفتهُ .. ولمن ينتمي ، لا يتذكر سواها .. مهما كانت بينهما من أشواك ،
أستمعا لصوت وقع أقدام على الدرج ، فـ ابتلعت ريقها بتوجس وهي تردد :
- قُصي !
_ انسحب منها بهدوء وأطل برأسه ليرى ، فإذا به يخرج من المصعد متوجهًا نحو باب شُقتهُ ليفتحها .. فـ عاد ريان بجسدهُ للوراء حتى لا ينكشف أمامهُ ..
نظر إليها فوجدها منحنية لتنزع حذائها عنها ، فعاود النظر للجانب الآخر ليجد قُصي قد أختفى داخل شُقتهُ ..
أنتظر عدة لحظات ثم همس :
- يلا ننزل
_هبطا بهدوء شديد .. حتى تجاوزا الطابق المعني ( المقصود ) ، وبعدها ركضا لأسفل ..
وقفت كارمن ترتدي حذائها من جديد ، ثم اعتدلت في وقفتها ونظرت إليه وهي تقول :
- لازم امشي
ريان : جيتي هنا ليه ودخلتي إزاي ؟
كارمن وهي تنظر حولها بتوتر : بعدين
_ تحركت من أمامهُ فتحرك خلفها ، وبخطوات سريعة توجهت ناحية سيارتها .. بينما أشار ريان لـ '' رجب '' كي ينصرف ، واستقل سيارتهُ ليتبعها ..
كانت هناك حدقتين گالصقر تراقبهم من خلف ستائر قاتمة شفافة .. ضيق قُصي عينيه بشراسة ، وترك سيجارتهُ تسقط أرضًا ليدهسها بنعل حذاءهُ .. ثم تمتم :
- ياترى إيه اللي جمعكم هنا، في شقتي ؟ وإيه اللي منتظرين تلاقوه ؟!
..................................................................
_ قلبها وعقلها يتضاربان الآن .. وكأنها حلبة للمصارعة الحرة ، حروب ناشبة بين رغبة القلب وإرادة العقل .. تحسست أنفها الذي لمسهُ أنفاسهُ ، وشفتيها التي ألتحمت بشفتيه ..
أغمضت عينيها لحظة وهي تستحضر تلك اللحظات الوجيزة لتتذكرها وتستشعر أثرها من جديد .. ثم فتحتها وهي تتنهد بشوق حارق وغمغمت :
- وانت وحشتني ، وحشتني بشكل ملهوش وصف .. ملعون أبو المسافات اللي بينا !
_ تلاعب ريان بأضاءة سيارتهُ حتى يلفت إنتباهها .. فتلألأ الضوء خلال مرآة السيارة لتنظر نحوهُ ..
أرادت أن لا تواجهه الآن وهي في أوج ضعفها ، ولكنها وجدته يتقدمها بقيادتهُ .. ليكون في المقدمة ، وكأنه يرشدها للطريق ، فـ انساقت خلفهُ حتى وصل بها لأحد الشوارع الجانبية النائية والهادئة ..
ترجل عن سيارتهُ ، وقبل أن تنزل عن سيارتها .. وجدته يستقل المقعد المجاور لها بسيارتها ..
تجاهلتهُ في البداية ، ولكنها وجدته يعبث بمحتويات السيارة .. أبتسمت رغمًا عنها عندما تذكرت لقائهما الأول ، فشعر بها وابتسم هو الآخر رغمًا عنهُ ..
لم يجد مبتغاه ، فتسائل عنه مباشرةً و... :
- فين الاسطوانات الأجنبية اللي كانت مغرقة عربيتك ؟
كارمن : أديك قولتها ، كانت !
ريان وهو يزفر زفيرًا ساخنًا : دخلتي إزاي لشقة الزفت ده ياكارمن ؟
كارمن بإجابة دبلوماسية مقنعة : طبيعي جدًا يكون معايا نسخة من مفاتيح شقتهُ .. بحكم إنه موجود قدامي دايمًا وبشوف مفاتيحه على طول
ريان بنبرة ساخرة : أو بحكم إنك هتكوني المدام
كارمن بلهجة قاطعة عنيفة : ريــــان ! أنا مش المدام .. كفاية كلام مستفز من كلامك
ريان وهو يستقيم ببصرهُ للأمام : أنتي بدأتي تتحركي ضد قُصي ، جميل .. لكن اللي مش جميل هي ردة الفعل اللي هتواجهيها
كارمن وهي تشيح بوجهها بعيدًا : مش مهم
- لأ مهم
_ أعتدلت في جلستها لتكون في مواجهتهُ ، ثم تسائلت بفضول :
- إحتمال يكون ليا حق عند قُصي ، إنما انت بقى ؟ كنت بتعمل إيه في شقتهُ!
ريان بضحكة مثيرة للإستفزاز : على أثاث إنه محاولش يقتلني بدل المرة إثنين !
كارمن بتوجس : هتنتقم !
ريان وقد أظلمت نظراته : ليه لأ ؟
_ رن هاتفها .. فبحثت عنه بداخل حقيبتها وأخرجتهُ لتجد أسم قُصي ينير شاشة الهاتف .. عضت على شفتيها ثم ضغطت عليه للرد و :
- ألو
- أنتي فين ياحببتي ؟ كلمتك في القصر لطيفة قالتلي خرجت ! قلقت عليكي خصوصًا إنك لسه تعبانة
كارمن وهي تفكر في كذبة مُقنعة : آ... كان في استشارة ليا عند الدكتور
قُصي وهو يبتسم بسخرية متخفية : سلامتك ياكوكي ، طيب روحي على طول وخلي بالك من نفسك .. وانا هستناكي في الشركة الصبح عشان عايزك
كارمن وقد أصابها الفضول : عايزني !
قُصي : أها ، موضوع يخص عمي الله يرحمهُ
_ أرتفع حاجبيها لا إراديًا وهي تتسائل :
- إنت عرفت حاجة بالسرعة دي ؟
قُصي : مش للدرجة دي ياكوكي ، لما اشوفك هفهمك كل حاجة
كارمن : أوكي ، أشوفك بكرة
قُصي : هستنى على نار ياحببتي
_ أغلقت هاتفها ووضعتهُ جانبًا ، ألتفت لتجدهُ مسلطًا أنظارهُ الغيورة عليها .. فأخفضت بصرها وهي تهمس :
- ده شُغل
ريان وهو يتأهب لمغادرة سيارتها : ولا مش شغل ، مش فارقة معايا
_وقبل أن يترجل أمسكت بساعدهُ .. شددت قبضتها عليه وهي تقول :
- ريان ! أبعد عن قُصي .. من فضلك
ريان : سلام
_ ترجل عن السيارة وانتقل نحو سيارتهُ .. أستقلها وبدأ يتحرك بها ، ومن خلفه تحركت هي أيضًا ، حتى تغادر لقصرها .. ظل التفكير والإستنتاج يطاردونها ، أعتقدت أن غدًا من يومه قريب ، ولكن لوعة الإنتظار أقوى بكثير من صبرها .
.............................................................
_ بعد الكثير من الوقت الذي قضاه ريان يجول في الشوارع والطرقات بسيارتهُ ، قرر الرجوع للقصر والهروب بين وسائد فراشهُ .. سينام ! لعل النوم يهدئ مشاق قلبهُ الملتاع بعد يومٍ قضاه معها ..
تنهد وهو يفرك عينيه المتألمتين ثم حدق أمامهُ جيدًا عندما وجد أحدهم يقف أمام القصر .. مستندًا على مقدمة سيارتهُ ، ضيق عينيه وهو يتبين ملامح هذا الشخص ، ليتفاجئ بإنه .... كـــــريـــم !! ..........................
............................................................
(( الفصل الثامن والعشرين ))
_أغمض عينيه وفتحهما مرة أخرى ليتأكد من وجودها .. فصدقت عيناه ، نهض عن المقعد وتجاوزها ليخرج عن حجرة المكتب ، فـ انعقد ما بين حاجبيها بذهول وهي تتعقبه وتردد بتذمر :
- إنت رايح فين وسايبني !
_ أتجه نحو باب الشُقة ليتأكد من إنه مغلق .. ثم التفت إليها وما زال مصدومًا من كيفية وجودها هنا الآن ، حدجها بترقب وهو يتسائل :
- أنتي دخلتي هنا إزاي ؟ أنا قافل الباب ورايا كويس !
كارمن وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها ، ثم نطقت بلهجة مغترة : أنا أدخل أي مكان أنا عوزاه.. أنت بقى دخلت هنا إزاي؟
ريان وهو يقوس شفتيه بإستنكار : وانا كمان أدخل المكان اللي عايزه .. براحتي
_ أقتربت منه وهي تنظر لهذه الأوراق الموجودة بين يديه ، ثم هتفت بإعتراض :
- إيه اللي جابك هنا ياريان ؟ قُصي لو عرف إنك دخلت شقتهُ مش هيسكت
ريان وقد أحمرت شعيرات عينيه بحدة : أنا مبخفش من حد ياآنسة
كارمن وهي تشير بعينيها نحو تلك المستندات : وإيه اللي في إيدك ده ؟
ريان : ملكيش دعوة
_ صوب وجهتهُ نحو حجرة المكتب فتعقبت أثرهُ وهي تصيح بضجر :
- لأ ليا وهتقولي دلوقتي آ...
- ششش ، وطي صوتك ده !
_ أبتلعت ريقها وهي تكتم صوتها الذي ارتفع فجأة دون قصد .. بينما رمقها هو بتبرم وهو يردد :
- أحب أبشرك .. هتتجوزي واحد مجنون
_ رفع أحدى الورقات أمام عينيها وهو يقول بسخرية :
- جوزك المستقبلي كان بيتعالج وهو صغير في مستشفى في كاليفورنيا ، من مرض نفسي كان بيأثر على سلوكهُ
كارمن وقد جحظت عينيها بصدمة : إيــه !
ريان وهو يبتسم بتشفي : يازين ما اختارتي ، واحد مجنون وليه سوابق نفسية كمان !
_ أبتلعت ريقها بتوجس عقب أن علمت بتلك الحقيقة الخطيرة .. هي كانت تدعي جنونهُ ، وأصبح إدعائها حقيقة على أرض الواقع لا هروب منها .. رمشت بعينيها عدة مرات وهي تتذكر كلماتهُ الموحية بإمتلاكهُ لها و إنه لن يتركها لغيره ، وباتت مصدقة تلك الوعود أكثر من ذي قبل ..
فـ هو مجنون فعليًا بشهادة المستندات ..
لاحظ ريان خوفها الذي ظهر على وجهها فجأة ، فأراد أن يتلذذ برؤيتها هكذا أكثر وأكثر .. فـ أقترب منها وهو يزأر بصوتٍ مخيف :
- مش بعيد يكون ناويلك على نية سودا ، أو يكون راجل سادي مثلًا !
كارمن وهي تشهق بصوت مسموع : هـــا !
ريان مستكملًا حلقة الرعب التي بدأ بها : أو يحبسك ويعزلك عن الناس .. عشان بيغير عليكي من الهوا ، وممكن يقتل أي حد يبصلك بصة واحدة ويقتلك انتي شخصيًا و....
كارمن وهي تضع كفها على فمهُ لتسكتهُ : يامــامــا ! بــس والنبي
ريان :..............
_ مازالت يدها ناعمة كما كانت دائمًا .. تحسس ملمس كفها بشفتيهُ عندما وضعته على فمه لتسكتهُ ، وتنعم برائحة الڨانيليا المنعشة التي تفوح منه .. تسلط بؤبؤ عينيه على عينيها وهي مازالت تلثم فمهُ ، إلى أن أستشعرت بالحرج فسحبت كفها سريعًا وهي تجفل بصرها قائلة :
- آآ .... أسفة !
ريان : ........
_ تجاهلها ولم يعقب .. أستدار ليبتعد عن محاصرتها لقلبهُ ، وسار نحو المكتب ليتابع تفحص باقي المستندات .. في حين أقتربت هي وتسائلت بسئم :
- جاي هنا ليه ياريان ! أنت عرفت حاجة بخصوص قُصي ؟
ريان دون أن يرفع بصره نحوها : لأ ، ياترى عرفتي تدخلي هنا إزاي ؟ وجاية عشان البيه ولا عشاني ؟
كارمن وهي ترمش بعينيها عدة مرات : لأ طبعًا مش جاية عشانهُ ، إزاي تفكر كدا ؟
_ أراد حرق روحها بكلمات مسمومة ، لعلهُ يخمد نيران صدرهُ المشتعلة .. فنطق متهكمًا :
- عادي ، مش هيبقى... جـ جوزك المستقبلي !
كارمن وقد أشتعلت رأسها بحرارة : بس متقولش جوزي
_ ربما أراد قلبهُ أن يسمع ذلك ، وبدون سبب أرتاح داخلهُ قليلًا .. منع بسمتهُ من التسرب لثغرهُ ، ثم تابع بجفاء مصطنع :
- جاية ليه ياكارمن !
كارمن وهي تشيح ببصرها عنهُ : جاية أقولك أمشي من هنا ، ومتقربش من حاجة تخص قُصي
_ ضرب بقبضتهُ على سطح المكتب ورفع ناظريه إليها وهو يصيح :
- نعمــين ! لو خايفة على البتاع بتاعك ده دي مش مشكلتي !
كارمن وهي تضرب الأرضية بقدميها : ريان إنت كدا هتبوظلي كل خططي ! حرام عليك
ريان وقد أنكمشت المساحة الموجودة بين حاجبيه : خطط !
كارمن وهي تردد بصوت يقترب للطفولي : متحاولش تعرف عشان مش هقولك !
ريان وهو يكز على أسنانهُ بحنق : مش عايز اعرف حاجة
_ رنّ هاتفهُ بنفس التوقيت الذي وصلت فيه رسالة لـ كارمن محتواها يفيد بوصول قُصي للبناية ..
فنطق الأثنين بصوت واحد :
- قُصـي جه !
ريان وهو ينهض عن جلستهُ مسرعًا : دي نتيجة إني شغلت نفسي بتصرفات طفلة زيك ؟ برضو موصلتش للي عايزهُ
كارمن وهي تضيق عينيها بغيظ : أنا طفلة !
_ وضع المستندات سريعًا في الخزينة وأغلقها لتعود كما كانت .. ثم وضب الوسط وتحرك ليغادر حجرة المكتب ، ولكنهُ تفاجئ بأنها مازالت واققة بمحلها ، فعاد إليها وهو يعنفها هامسًا:
- إنتي مستنياه لما ييجي عشان يوصلك بنفسه !
كارمن وهي ترمقهُ بغيظ شديد : بقى أنا طفلة ؟
ريان وقد نفذ صبرهُ : أقل كمان
_ سحبها خلفهُ عنوة وأغلق الإضاءة .. ثم انتقل بها نحو باب الشُقة وفتحهُ بحرص شديد ، نظر للخارج أولًا .. ثم خرج وسحبها خلفهُ وأوصد الباب بهدوء ، نظر حولهُ فلم يجد سوى الصعود للطابق الأعلى ..
أشار لها لكي تسبق خطواته ، فتحركت بصمت تام .. ولكن أصدر حذائها ذو الكعب العالي صوتًا عاليًا ، فقبض على رسغها بعنف وهو يقول بخفوت :
- أقلعي الزفتة دي !
- آآه ، إيدي ؟
ريان وقد تبدلت ملامحهُ للقسوة : بقولك أقلعي الجزمة هتفضحينا !
_ أنحنت لتنزع حذائها عنها ، ولكنه سيستغرق وقتًا لحلّهُ .. فتأفف بضجر وراح يحملها بين ذراعيهُ فجأة وصعد بها مسرعًا وهو يهتف :
- أنا عملت إيه في دنيتي عشان ربنا يحدفك عليا الساعة دي !
_ تعلقت بكتفيهُ وهي تتأمل بشرتهُ عن قريب ، لم تلاحظ منذ خروجه من السجن إنه أهتم بتربية لحيتهُ فأصبح جذابًا أكثر وازدادت وسامتهُ ..وصل بها الطابق الأعلى وهو يشعر بسخونة ذراعها المتعلق بكتفهُ والذي أصابهُ بقشعريرة لطيفة أوقظت به شعورًا عاطفيًا جياشًا نحوها .. تركها لتنزل من بين أحضانهُ ولكنها ظلت متشبثة بكتفهُ ، فاضطر أن يكون محنيًا بظهرهُ عليها لفترة أطول ، متفرسًا بخضار عينيها الساحر .. وشفتيها المتوردتين والخاليتين من أي ألوان صناعية أو طلاء للشفاه ..
كابد العناء ليصرف قلبهُ عن محاولة التقرب منها ، ولكن هيهات لم يستطع .. أقترب ، أكثر ثم أكثر .. كاد يلتصق بشفتيها .. همست له بضعف ممزوج بالرغبة :
- ريــ .......
_ لم تكملها ، فكانت شفتيه أسرع منها .. قبّلها بشغف واشتياق .. قبّلها قُبلة تعاني من الحرمان ، حبسها داخلهُ طوال الليالي الباردة .. قُبلة وهبتهُ أكسير الحياه ،
تمادي وتمادي بها ، وكأن وجهيهما واحد ..
أبتعد عدة ملليمترات ليترك أنفاسهُ المتهدجة تلفح طرف أنفها ، أراد المزيد منها .. ولكنها أبتعدت برأسها وهي تردد بصوت خفيض لمس صميمهُ :
- إحنا على السلم
- وحشتيني ، أوي
_ ضمها بإنفعال عاطفي عنيف لصدرهُ ، حتى أن صوت نبضاتهُ وصلت إليها من فرط قُربها منه .. وأندفنت أصابع يديه بثيابها ، تنهدت وهي تطبق عينيها بإستسلام وقالت بصوت مبحوح :
- اللي بنعمله ده مينفعش !
ريان وهو يتحسس بشرة وجهها بصدغهُ : حُضنك بعيد عن الخصام ، عن العتاب .. بعيد حتى عن العداوة
_ الآن فقط أنهارت حصونهُ .. لم يكن يومًا ضعيفًا ولكن أمامها ينسى من يكون ، أسمهُ وصفتهُ .. ولمن ينتمي ، لا يتذكر سواها .. مهما كانت بينهما من أشواك ،
أستمعا لصوت وقع أقدام على الدرج ، فـ ابتلعت ريقها بتوجس وهي تردد :
- قُصي !
_ انسحب منها بهدوء وأطل برأسه ليرى ، فإذا به يخرج من المصعد متوجهًا نحو باب شُقتهُ ليفتحها .. فـ عاد ريان بجسدهُ للوراء حتى لا ينكشف أمامهُ ..
نظر إليها فوجدها منحنية لتنزع حذائها عنها ، فعاود النظر للجانب الآخر ليجد قُصي قد أختفى داخل شُقتهُ ..
أنتظر عدة لحظات ثم همس :
- يلا ننزل
_هبطا بهدوء شديد .. حتى تجاوزا الطابق المعني ( المقصود ) ، وبعدها ركضا لأسفل ..
وقفت كارمن ترتدي حذائها من جديد ، ثم اعتدلت في وقفتها ونظرت إليه وهي تقول :
- لازم امشي
ريان : جيتي هنا ليه ودخلتي إزاي ؟
كارمن وهي تنظر حولها بتوتر : بعدين
_ تحركت من أمامهُ فتحرك خلفها ، وبخطوات سريعة توجهت ناحية سيارتها .. بينما أشار ريان لـ '' رجب '' كي ينصرف ، واستقل سيارتهُ ليتبعها ..
كانت هناك حدقتين گالصقر تراقبهم من خلف ستائر قاتمة شفافة .. ضيق قُصي عينيه بشراسة ، وترك سيجارتهُ تسقط أرضًا ليدهسها بنعل حذاءهُ .. ثم تمتم :
- ياترى إيه اللي جمعكم هنا، في شقتي ؟ وإيه اللي منتظرين تلاقوه ؟!
..................................................................
_ قلبها وعقلها يتضاربان الآن .. وكأنها حلبة للمصارعة الحرة ، حروب ناشبة بين رغبة القلب وإرادة العقل .. تحسست أنفها الذي لمسهُ أنفاسهُ ، وشفتيها التي ألتحمت بشفتيه ..
أغمضت عينيها لحظة وهي تستحضر تلك اللحظات الوجيزة لتتذكرها وتستشعر أثرها من جديد .. ثم فتحتها وهي تتنهد بشوق حارق وغمغمت :
- وانت وحشتني ، وحشتني بشكل ملهوش وصف .. ملعون أبو المسافات اللي بينا !
_ تلاعب ريان بأضاءة سيارتهُ حتى يلفت إنتباهها .. فتلألأ الضوء خلال مرآة السيارة لتنظر نحوهُ ..
أرادت أن لا تواجهه الآن وهي في أوج ضعفها ، ولكنها وجدته يتقدمها بقيادتهُ .. ليكون في المقدمة ، وكأنه يرشدها للطريق ، فـ انساقت خلفهُ حتى وصل بها لأحد الشوارع الجانبية النائية والهادئة ..
ترجل عن سيارتهُ ، وقبل أن تنزل عن سيارتها .. وجدته يستقل المقعد المجاور لها بسيارتها ..
تجاهلتهُ في البداية ، ولكنها وجدته يعبث بمحتويات السيارة .. أبتسمت رغمًا عنها عندما تذكرت لقائهما الأول ، فشعر بها وابتسم هو الآخر رغمًا عنهُ ..
لم يجد مبتغاه ، فتسائل عنه مباشرةً و... :
- فين الاسطوانات الأجنبية اللي كانت مغرقة عربيتك ؟
كارمن : أديك قولتها ، كانت !
ريان وهو يزفر زفيرًا ساخنًا : دخلتي إزاي لشقة الزفت ده ياكارمن ؟
كارمن بإجابة دبلوماسية مقنعة : طبيعي جدًا يكون معايا نسخة من مفاتيح شقتهُ .. بحكم إنه موجود قدامي دايمًا وبشوف مفاتيحه على طول
ريان بنبرة ساخرة : أو بحكم إنك هتكوني المدام
كارمن بلهجة قاطعة عنيفة : ريــــان ! أنا مش المدام .. كفاية كلام مستفز من كلامك
ريان وهو يستقيم ببصرهُ للأمام : أنتي بدأتي تتحركي ضد قُصي ، جميل .. لكن اللي مش جميل هي ردة الفعل اللي هتواجهيها
كارمن وهي تشيح بوجهها بعيدًا : مش مهم
- لأ مهم
_ أعتدلت في جلستها لتكون في مواجهتهُ ، ثم تسائلت بفضول :
- إحتمال يكون ليا حق عند قُصي ، إنما انت بقى ؟ كنت بتعمل إيه في شقتهُ!
ريان بضحكة مثيرة للإستفزاز : على أثاث إنه محاولش يقتلني بدل المرة إثنين !
كارمن بتوجس : هتنتقم !
ريان وقد أظلمت نظراته : ليه لأ ؟
_ رن هاتفها .. فبحثت عنه بداخل حقيبتها وأخرجتهُ لتجد أسم قُصي ينير شاشة الهاتف .. عضت على شفتيها ثم ضغطت عليه للرد و :
- ألو
- أنتي فين ياحببتي ؟ كلمتك في القصر لطيفة قالتلي خرجت ! قلقت عليكي خصوصًا إنك لسه تعبانة
كارمن وهي تفكر في كذبة مُقنعة : آ... كان في استشارة ليا عند الدكتور
قُصي وهو يبتسم بسخرية متخفية : سلامتك ياكوكي ، طيب روحي على طول وخلي بالك من نفسك .. وانا هستناكي في الشركة الصبح عشان عايزك
كارمن وقد أصابها الفضول : عايزني !
قُصي : أها ، موضوع يخص عمي الله يرحمهُ
_ أرتفع حاجبيها لا إراديًا وهي تتسائل :
- إنت عرفت حاجة بالسرعة دي ؟
قُصي : مش للدرجة دي ياكوكي ، لما اشوفك هفهمك كل حاجة
كارمن : أوكي ، أشوفك بكرة
قُصي : هستنى على نار ياحببتي
_ أغلقت هاتفها ووضعتهُ جانبًا ، ألتفت لتجدهُ مسلطًا أنظارهُ الغيورة عليها .. فأخفضت بصرها وهي تهمس :
- ده شُغل
ريان وهو يتأهب لمغادرة سيارتها : ولا مش شغل ، مش فارقة معايا
_وقبل أن يترجل أمسكت بساعدهُ .. شددت قبضتها عليه وهي تقول :
- ريان ! أبعد عن قُصي .. من فضلك
ريان : سلام
_ ترجل عن السيارة وانتقل نحو سيارتهُ .. أستقلها وبدأ يتحرك بها ، ومن خلفه تحركت هي أيضًا ، حتى تغادر لقصرها .. ظل التفكير والإستنتاج يطاردونها ، أعتقدت أن غدًا من يومه قريب ، ولكن لوعة الإنتظار أقوى بكثير من صبرها .
.............................................................
_ بعد الكثير من الوقت الذي قضاه ريان يجول في الشوارع والطرقات بسيارتهُ ، قرر الرجوع للقصر والهروب بين وسائد فراشهُ .. سينام ! لعل النوم يهدئ مشاق قلبهُ الملتاع بعد يومٍ قضاه معها ..
تنهد وهو يفرك عينيه المتألمتين ثم حدق أمامهُ جيدًا عندما وجد أحدهم يقف أمام القصر .. مستندًا على مقدمة سيارتهُ ، ضيق عينيه وهو يتبين ملامح هذا الشخص ، ليتفاجئ بإنه .... كـــــريـــم !! ..........................
............................................................
