رواية حب افتراضي الفصل السابع والعشرين 27 والاخير بقلم دعاء الفيومي
تجلس على مكتبها، وأمامها بعض الكتب، والأوراق المفتوحة؛ لكنها لا نتظر لهم؛ بل تنظر بعيونها الممتلئة بالدموع للفراغ وكأن عقلها ذهب برحلة لاستكشاف حل يريح قلبها.
استفاقت من شرودها على دقات باب غرفتها، وصوت والدها يستأذن في الدخول.
مسحت على وجهها بكفيها وأخذت شهيق كبير ثم أخرجته بهدوء؛ محاولة منها أن تظهر طبيعية، نهضت من مكانها، وهتفت: اتفضل يابابا.
دلف حلمي للداخل، وعندما نظر لها، وجد وجهها شاحب اللون؛ لكنه لم يعلق، واقترب منها، وهتف مبتسماً: دكتورتنا عامله ايه في المذاكرة؟
حسناء بنصف ابتسامة: الحمد لله يابابا اطمن.
أمسك يدها، وجذبها نحو الفراش، وجلسوا معاً، وهتف بهدوء: الصراحة نظرة الحيرة اللي في عنيكي، وعدم تركيزك من وقت ما رجعتي من الكلية، وبتقولي عاليا تعبت شوية هناك ميطمنوش خالص، هتركزي ازاي في مستقبلك، وانتي شايلة كل حاجة لوحدك، ودايماً سرحانه، ومش عايزة حتى تشاركيني؟
حاولت الهروب بنظراتها، وهتفت بارتباك: أشاركك ايه بس يا بابا، وبعدين شايلة ايه انا الحمد لله بخير.
تنهد ببطئ، ثم هتف متسائلاً: ماما قالت انك روحتي تزوري عاليا الصبح في بيتهم، هى كويسة؟ ولا فيه حاجه بينكم مزعلاكي؟
سحبت حسناء شهيق كبير، ثم أخرجته ببطئ، وهتفت بدون النظر لوالدها: بص يابابا انا هقولك كل حاجة لأني فعلاً محتارة زي ما قولتلي ، ومحتاجة رأي حضرتك جداً، يمكن لو كنت سمعت كلامك زمان ومسبتش عمر مكنش، مر عليا عذابي مع حازم؛ لكن المرة دي أنا هسمع كلامك؛ لأنك أكيد دايماً بتتمنى الخير ليا.
روت له حسناء عن مشاعر كريم تجاهها، ومصارحته لها، وأنه ينوي الارتباط بها، وروت أيضاً عن ترددها في بادئ الأمر بسبب عاليا، وعن ما حدث مع عاليا حتى زيارتها لها في الصباح، ثم استرسلت تروى عن خوفها من المستقبل معه منذ أن قص عليها ما فعله مع أم ساجد، وأخبرت أن هناك صراع كبير بين قلبها، وعقلها، وأنها لا تستطيع التحيز لأحدهم.
أخذ كفها بين يديه، وتحدث بهدوء: كل ده، وقوليلي اطمن مفيش حاجة، ومش حابة تحكيلي؟!
المهم شوفي يابنتي كريم جه صلى الجمعة معايا في المسجد النهاردة، وبعد الصلاة طلب مني يقعد معايا شوية، برة البيت فقعدنا في الجنينة اللي جمب المسجد وحكالي كل حاجة هو كمان.
وعرفت منه إنك مبترديش على مكالمات، ولا مكالمات ليلى من يومها، وكده فهمت انتي بتذاكري في البيت بس ليه، ومش بتروحي الكلية.
رفعت حاجبيها بذهول؛ فأكمل حديثه هو قبل أن تتكلم: متستغربيش كدة؛ أيوه كنت عارف كل حاجة؛ بس كنت عايز بنتي حبيبتي تحكي وتفضفض ليا بنفسها، ودلوقتي قبل ما أقولك رأيي، عاليا استقبتلك إزاي، وهى فعلاً متعلقة بكريم، ولا طلع وهم زي ما كريم قال.
تحدثت حسناء بهدوء: لأ عاليا فاقت، وعرفت إن تعلقها بكريم ما هو إلا تكملة لصورة بدر ابن عمها اللي كانت بتتمنى تشوفه فيها، لأن الشبه بين كريم، وبدر كبير مع إختلاف الجسم، واللي ساعدتها تواجه نفسها هى دكتورة ليلى أخت كريم، وأنا كنت رايحة ليها النهاردة البيت، وأنا متوترة، وخايفة تكون كرهتني، وتفتكر إني خونت مشاعرها؛ بس، والله يابابا أبداً كان سبب عذابي الفترة اللي فاتت هى إني مش قادرة اتحكم في قلبي؛ لأني كنت متخيلة زيها إنها بتحب كريم بجد، أما دلوقتي بعد ما هى بنفسها قالتلي انها اتأكد من مواقف كتير إن تفكيرها، وقلبها طول الوقت كانوا ملك لبدر؛ بس هى كانت بتقاوم ده؛ لعند ما دخلت في وهم حب كريم؛ خلاص مبقاش سبب عذابي شعوري تجاه عاليا.
حلمي بهدوء: طيب قوليلي سبب توترك، وقلقك ده إيه بقى؟ الماضي بتاع كريم؟
اتسعت عيناها بذهول؛ فهى لم تتوقع من كريم أن يتعرض في حديثه مع والدها لهذا الموضوع؛ فهتفت بتعجب: هو قالك كمان عن ده معقول؟!
هز رأسه بتأكيد، وهتف: ولعلمك ده كبره في نظري تعرفي ليه؟
ضيقت عيناها، ونظرت له في ترقب؛ فأكمل كلامه: لأنه كان ممكن ببساطة يقول انه عايز يتجوزك، بدون ما يحكي الحقيقة، وأهو جوازه كان حوله رسمي، والولد باسمه عادي ممكن جداً مكناش نعرف الحقيقة؛ بس هو حب يكون واضح، ويحكي كل حاجة، وهو قالي انه اتأخر في انه يحكيلك؛ لأنه كان منتظر الوقت اللي يحكيلك فيه، وفي نفس الوقت عاليا تسمعه علشان يحصلها صدمة، وتقدر تواجه نفسها، وده كان بتخطيط مع ليلى أخته، من أول ما اتقابلتوا مع بدر في المشفى.
تحدثت حسناء وهى مازالت مذهولة: ده حكى ليك كل حاجة، بالتفصيل!
أكد على حديثه حين قال: أيوه هو أصر اني اكون عارف كل حاجة لأنه حابب يكون صريح معانا، ولو حصل نصيب ليكم فيما بعد حابب يلغي الفترة دي من حياته، ويبدأ من جديد، هو عارف انه ظلم والدة ساجد بس قبل وفاتها حاول بكل جهده يصلح غلطته، وده اكبر دليل إنه تاب، وربنا يابنتي بيقبل توبة عبده؛ مش معقول إحنا كبشر نقف بالمرصاد، ونحاسب على أخطاء فاتت، لازم ندى فرصة لأي انسان حابب يصلح من نفسه، ونقف معاه مش نفضل معلقين ليه مشنقة على خطأ في الماضي.
حسناء بشرود: بس ده ظلمه للإنسانة دي كان صعب أوي، خايفة يكون معجب بس ولما يمل يسبني، أو يكون بيحارب علشان يوصل انه يحقق هدفه انه يمتلكني زي حازم، وزي ما هو نفسه عمل مع ام ابنه.
حلمي بهدوء: شوفي يابنتي انا مش هفتح في قديم، ولا بحاسبك على اللي فات بس حابب اثبتلك إن كل إنسان ممكن يغلط.
بعني انتي نفسك ظلمتي عمر بارتباطك بيه، وانتي مبتحبيهوش، وضحكتي عليه لما قولتي ليه انك بتحبيه، ومع ذلك سبتيه، وقتها جرحتيه جداً، وكمان غلطي في حق نفسك لما بعتيها لإنسان زي حازم علشان الفلوس، واتعاقبتي على غلطتك، ومع ذلك مش معنى كده تفضلي عايشة طول العمر تتعاقبي على أخطاء ممكن تحصل مع أي حد.
المهم انك اتعلمتي من غلطك، وليكي كل الحق تعيشي سعيدة باقي حياتك.
ابتسمت حسناء، ونظرت لوالدها بامتنان، وهتفت: صدقني يابابا حضرتك جيت، واتكلمت في الوقت المناسب، أنا كنت تايهة، ومش قادرة أواجه نفسي؛ بس حضرتك عندك حق في كل كلمة، وبعدين أنا متعلقة أوي ب ساجد، وحاسة إن صعب اعيش من غيره.
ابتسم حلمي، وضمها، وهتف: ربنا يسعد قلبك يا حبيبة قلبي، ويقدملك اللي فيه الخير،كريم قالي انه مش هيقدر يعيش من غيرك، وكان حابب لو وافقتي يخطبك؛ انا قولتله، لو وافقتي هنأجل الخطوبة فترة علشان انتي في فترة العدة، ومينفعش فيها خطوبة.
عقدت حاجبيها، وهتفت: بس انا كنت عند عاليا، وقالتلي إن عمر خطب والبنت اللي خطبها تبقى ملك بنت خالها، ولما قولتلها انها كانت متجوزة قالتلي انها اتطلقت جديد، وقت ما كانت عاليا لسه في الصعيد.
هتف بهدوء: فيه ناس كتير متعرفش الحكم الصح، وانا كنت من الناس دي، بس روحت لشيخ النهاردة، وسألته ينفع الخطوبة في العدة، وقالي لأ لأ يجوز.
هزت رأسها بمعنى نعم، وقالت: خلاص ان شاء الله هبقى اقول ل عاليا ممكن ميعرفوش.
حلمي بابتسامة: يعني خلاص افهم من كلامك انك موافقة ان شاء الله بعد العدة تكملي حياتك مع كريم، وهتتحملي الأمانة اللي مراته الأولى سابتها وهى ساجد؟
ابتسمت، وهزت رأسها بالإيجاب دون كلام.
ربت على كتفها، وهتف: طيب ياله اجهزي، وتعالي برة كريم منتظر برة على أحر من الجمر عايز بس أهم حاجة انك تسامحي، بس انا دخلته أوضة الصالون، وطلبت منه ينتظر شوية.
وقفت بتوتر، وابتسامه، وهتفت: بتقول بره؟!
إحم طيب ما قولتش ليه أااا أقصد يعني يابابا أصل.
ضحك حلمي على حال ابنته الذي تبدل في لحظة، ووجهها الذي تحول للأحمر بدلاً من شحوبه منذ قليل.
هتف مبتسماً: خلاص خلاص، أنا هخرج، وانتي خدي وقتك، واخرجي.
بعد وقت ليس بقصير، ارتدت فيه حسناء فستان باللون الأبيض المطعم بزهور صغيرة باللون الوردي، وارتدت حجاب باللون الوردي، وحذاء أبيض، وخرجت من غرفتها، واتجهت نحو الغرفة التي بها والدها، وحبيبها الذي سرق قلبها من أول نظرة دون أن تشعر.
تركهم حلمي، وترك الباب مفتوح؛ لكن هتف قبل أن يخرج: معاكم نص ساعة تصفوا أموركم، وتبلغوني قراركم الأخير، لأن الحياة مفيش فيها وقت كتير نضيعه في كلام، وبس، أنا بره في الصالة قدامكم.
بعد خروجه، نظر كريم لها بلهفه، وإعجاب في أن واحد، وجدها لا تنظر له؛ فهتف بهدوء: وحشتيني أوي، حتى لو مش هتبادليني نفس شعوري ده كفاية عليا انك وافقتي تقعدي معايا، وتسمعني.
أنا روحت لباباكي وحكيت ليه كل حاجة؛ لأني بتمنى انك توافقي تكملي نص ديني، وتشاركيني حياتي، وكنت حابب اكون صريح معاه؛ بس لو مش موافقة أكيد هنسحب بهدوء، بس اتمنى انك تسامحيني.
حسناء بهدوء، وخجل: انت مغلطتش في حقي علشان اسامحك يا كريم؛ انا بس كنت خايفة أكون بالنسبة ليك زي اللي قبلي.
كريم مسرعاً: ابداً والله انتي كنتي سبب ربنا بعته ليا علشان قلبي يفوق من غفلته، وطلبت منك السماح دلوقتي علشان حطيتك قدام الأمر الواقع لما حكيت كل حاجه وانا عارف بوجود عاليا؛ بس صدقيني ده كان الحل الأمثل علشان هى تفوق، وتتأكد اني بحبك انتي وبس.
حسناء بابتسامة: والحمد لله هى فاقت، وحالياً بتدور على حبها الحقيقي اللي كانت هتضيعه.
شرد في ابتسامتها ودق قلبه بعنف عندما استشف أنها سامحته؛ فهتف: موافقة ننسى كل اللي فات من حياتنا، ونبدأ من جديد سوا انا وانتي.
هزت رأسها بالرفض؛ فعبس وجهه بحزن، وكاد أن يقف لينسحب؛ لكنه توقف، وغزت وجهه الابتسامة المشرقة عندما سمعها تقول: انا وانت، وساجد حبيبي.
____________________________
يجلس في غرفة جدته بجانبها على الفراش ، ينظر لهاتفه، وعلامات الحيرة تبدو على وجهه.
فاطمة بابتسامة: مالك ياولدي شكلك حيران في حاجة إكده، ياترى ده بسبب عاليا بردك؟
رفع نظره لها، وهز رأسه بنعم، ثم هتف: أيوة ياستي غيرتها، وتصرفاتها بتديني أمل إن قلبها ملكي، بس أنا خايف أتعلق بالأمل ده وأرجع تاني افوق على صدمة، لعند دلوقتي مسمعتهاش منها، وطول ما هى ماقلتهاش مش هصدق، وكلمت الدكتورة ليلى دلوقتي مافدتنيش بحاجة، قالتلي اني هتأكد من كل حاجة مع الوقت، وانها مينفعش تقول عاليا قالت ليها ايه بس بتأكدلي ان عاليا بقيت أحسن، وهتتحسن اكتر كمان.
تفتكري ياستي هايجي اليوم اللي قلبي ينول اللي بيحلم بيه، ولا انكتب عليه الحرمان طول العمر؟!
ابتسمت فاطمة، ومدت يدها تلتقط كفه لتربت عليه، وهتفت: هينول، وهيملك كمان قلب حبيبه، أني متوكدة من ده، بس إنت كومان يابدر عمرك ما قولتها ليها، ولا حتى حاولت صوح حديتي؟
تنهد بدر، وهتف بهدوء: عمري بقولها بس مش بلساني؛ بقولها بكل تصرف بعمله، وكل نظرة شوق أو لهفة، أو غيرة، بقولها باهتمامي بيها، وبكل تفاصيلها، مش كفاية ده؟
ابتسمت له، وهتفت: شوف ياولدي كل اللي قولته دلوك جميل، وممكن يكون كفاية قوي بس ده لو حد غير عاليا اللي متربية معاك تقريباً، واللي هى ممكن فسرت تصرفاتك دي كلها أخوة؛ لأن اي أخ بيحب اخته هيهتم بيها، ويشتاق ليها، ويخاف عليها، خصوصي إن عاليا كانت عايزة تفهم إكده لأنها كانت رفضاك؛ بس بعد اللي اني عرفته، واللي اني شوفته بعيني في المستشفى، لما اتضايقت، لما فاقت، ومشافتكش معانا، والغيرة اللي كست وشها كله لما شافت ميرفت، يبقى بتحبك وقوي كومان.
بدر بتمني: ياااريت ياستي، وانا مستعد اقولها، واقولها لعند ما تقولي هيا كفاية.
ضيقت عيناها، وأمسكت وجهها بإبهامها، وسبابتها، في حركة تدل على التفكير، ثم هتفت: أني عندي فكرة تخليك ترتاح، وتعرف عاليا بتفكر في إيه،
يمكن الطريقة غلط بس بتهايألي لو معملناش إكده هتفضل عاليا كومان ساكتة، وخايفة تتحدت. 
عقد حاجبيه، وهتف: طريقة إيه دي؟!
فاطمة بجدية : عاليا دلوك في أوضتها، وأمك دلوك خرجت راحت تزور أم ميرفت علشان كلمتها في التلفون معرفاش ليه بدري إكده بس زين انها خرجت، وأبوك رجع من بره، ونايم شوية صوح؟
هز رأسه بنعم، وهتف: ايوة بس ليه كل ده؟!
فاطمة بجدية: قرب الكرسي ده، وساعدني أقعد عليه.
فعل ما أمرته به، وهتف: رايحة فين طيب فهميني؟!
فاطمة بحزم: مش هسيب حفيدتي، ولا حفيدي في الحيرة، والقلق ده، هتحدت مع عاليا علشان أفهم هى عايزة إيه، وانت هتقف عند الباب بشويش تسمع هتقول إيه، ولو قالت اللي انت عايز تسمعه يبقى وقتها الدور عليك تصارحها باللي في قلبك.

بدر بتعجب: عايزانى اتنصت يا بطوط؟
َ
نظرت له مع رفع حاجب، وخفض الأخر
، وهتفت: عندك حل تاني إياك؟! خلاص على كيفك رجعني على فرشتي، وهملني.
بدر مسرعاً: خلاص.. خلاص يا بطوط مبقيش نرفوزة إكده
ماشي هعمل اللي قولتيه، وربنا يستر وقلبي مينكسرش مليون حتة.
دفع جدته بهدوء خارج الغرفة؛ فأشارت له أن يتركها أمام غرفة عاليا، وبختبئ حتى تدلف للداخل.
دقت باب الغرفة، وهتفت: افتحي ياعاليا يا حبيبتي بقينا الظهر، وانتي لساتك في أوضتك.
فتحت عاليا باب الغرفة سريعاً، وهتفت مبتسمة: ستي اتفضلي، مين ساعدك تيجي هنا أنا كنت لسه هاجي عندك.
فاطمة بهدوء: أديني سبقتك، بدر اللي ساعدني، وصلني لهنا.
عاليا بلهفة: بدر! هو مخرجش راح الشغل؟
فاطمة بضحك: اللي واخد عقلك يا حبيبتي النهاردة الجمعة، وهما نزلوا صلوا ورجعوا عمك نام، وبدر كان قاعد معايا، ها هدخليني، ولا هنفضل على الباب إكده؟!
ابتسمت لها عاليا، ودفعتها للداخل، وقبل أن تغلق الباب هتفت فاطمة: متقفليش الباب على الأخر يابنتي الله يرضى عليكي أصلي مخنوقه شوية إكده.
فعلت عاليا ما طلبته منها جدتها، وهتفت مداعبة: والله يا ستي كنت برسم، واندمجت أوي لدرجة نسيت ان النهاردة الجمعة، بس قوليلي بقى إنتِ مخنوقة من إيه بس يا بطوط ياقمر بعد الشر عنك، دا احنا لسه في الربيع يعني الخنقة اللي بجد لسة مبدأتش.
أمسكت يدها، وأجلستها أمامها، وأشارت على قدمها، فأراحت عاليا رأسها عليهم كعادتها، وبدأت فاطمة تداعب خصلاتها الناعمة بحنان، وهتفت: حابسة نفسك ليه في الأوضة من وقت ما فطرنا، وحسناء جيتلك، وبعدها مشيت كل ده بترسمي؟!
تنهدت عاليا وهتفت بهدوء: يعني برسم شوية، وأفكر شوية، وحاولت أذاكر بس مش قادرة.
فاطمة بحنان: وإيه اللي شاغلك إكده بتداري عليا بردك يا عاليا؟! فضفضي يابني يمكن تلاقي اللي يريحك عند ستك العجوزة، هى حسناء ضايقتك في حاجة؟
رفعت رأسها، وعزته بالنفي، وهتفت: لا بالعكس، دي كانت جاية ترجع علاقتنا بعد فترة البعد، وتوضح أمور كانت مفهومة غلط؛ وانا قولتلها إني فعلا فهمت، وفوقت.
ابتسمت فاطمة، وهتفت، وهى تدقق النظر لعاليا لترى ردة فعلها : طيب الحمد لله يا حبيبتي إنك زينة، مع اني مفهماش بتتحدتي عن إيه، المهم هاتي تلفونك، وكلمي مرت عمك، وقوليلها تاجي بقى من عند أم ميرفت أصلي عاوز.....
قاطعتها عاليا مسرعة، وهتفت: هى طنط ايمان عند ميرفت؟ طيب ليه النهاردة الجمعة، ودي مش عادتها تخرج النهاردة بدري كدة؟
رفعت حواجبها واصطنعت اللا مبالاة، وهتفت: معرفاش؛ بس سمعتها بتقولها متقلقش وأنا هتحدت مع ميرفت؛ لأنها في مقام بتي، وانها مهتسبهاش واصل؛ غير لما تعمل اللي عايزينه.
فركت يداها بتوتر، وقالت: يعني مفهمتيش معنى الكلام ده إيه؟
فاطمة بهدوء: لا مسألتهاش؛ بس يمكن يعني يكونوا بيتحدتوا عن موضوع بدر، وميرفت.
نهضت مسرعة، وتحركت يميناً، ويساراً في الغرفة، وتحدثت بغضب مكتوم؛ جاهدت أن لا تظهره: تقصدي إيه ب بدر، وميرفت، هو فيه بينهم مواضيع.
نظرت لها بانتصار فقد بدأت تستدرجها لما تريده، وهتفت: مرت عمك حزينة بسبب ان بدر متجوزش لعند دلوك، وبصراحة عنديها حق، وحست إن أم ميرفت ميالة لبدر؛ ففاتحت بدر في الموضوع إنه يخطب ميرفت، وأهي، بنت زين...
قاطعها عاليا دون أن تشعر بنفسها: كفاية ياستي زينة إيه، ومش زينة إيه، هى بضاعة هيشتري ها، أكيد بدر مبيحبهاش أكييييد.
عقدت حاجبيها، وهتفت: ومين اللي قال إكده؟!
أني شايفاه معاها بيتحدت زين، وهى كمان.
تهاوت أرضاً، ونظرت لجدتها، وهتفت مسائلة، بعيون ممتلءة بالدموع: يعني هو وافق؟ قال لطنط إيمان انه خلاص موافق.
أمسكت وجهها بيديها في حنان، وهتفت: وانتِ إيه اللي يضايقك في ده يابتي بس، أكيد بتتمنى الخير لبدر أخوكي، وانتي قبل سابق قوليلي انك مش ممكن تكوني ليه علشان جسمه.
عاليا مسرعه، وقد انهمرت دموعها على وجنتيها بغزارة: كنت غبية؛ كنت فاهمة كل حاجة غلط.
كنت بقارنه ب أبويا اللي تخيلت ان جسمه منعه من إنقاذ ذياد.
كنت متخيلة إني لو وقعت في مشكلة، واحتاج ليه يتحرك مش هيقدر؛ بس اكتشفت إني ولا مشكلة بتحصلي إلا ويكون هو أول حد جنبي.
كنت بدور عليه في جسم حد تاني، وللأسف كنت سطحية، وحكمت بالمظهر، ولما اكتشفت الجوهر ندمت، بس بعد إيه خلاص جرحته كتير، وهو ميستاهلش، ودلوقتي مش قادرة حتى ابص لعنيه، ولا أقوله؛ بس مش قادرة برده ياستي أسيبه يضيع مني، هموت لو كان لغيري، اكتشفت إن قلبي طول عمره ملك ليه هو وبس؛ لكن أنا اللي كنت بكابر، واعاند نفسي.
بس أنا كمان معرفش إن كان هو بيحبني، ولا مجرد اهتمام لأنه بيعتبرني أخته، هو عمره ما قالي انه بيحبني.
فاطمة بابتسامة: بدر بيعشقك ياعاليا، بس لما شاف رفضك مقدرش يتحدت علشان ميخسركيش نهائي، وقال لو مش هكون حبيبها، أكون في حياتها بأي صفة، وبس، وبعدين الحب يابتي مش لازم نقوله باللسان، وبس؛ لأ ده بيبان في تفاصيل حياتنا اهتمامه بيكي، ولهفته عليكي، وانه مبيستحملش حزنك.
عاليا ببكاء: وكنت بقابل ده كله بإني بجرحه ببرود، وانا مبتسمة كمان، أنا مش عارفة أعمل إيه ياستي؟!
دق قلب بدر بعنف إثر سماعه لهذه الكلمات التي تمنى أن يسمعها طوال حياته، وكاد أن يدق باب الغرفة، ليقول لها أنها مالكة قلبه، وأنه من المستحيل أن يبتعد عنها؛ لكن قاطعه صوت هاتفه، فأفاقه مما أراد فعله؛ فهو لا يريدها أن تعلم بأنه كان يستمع لحديثها.
أعطى ظهره لباب الغرفه، وتقدم بعض الخطوات، ونظر للهاتف.
وجد المتصل هى ميرفت؛ فأجاب بابتسامة واسعة، وصوته يشع سعادة: السلام عليكم، إزيك يا وش السعد، عاملة إيه يا ميرفت؟
سمع صوت ميرفت الباكي، وهى تتحدث، فانصت إليها؛ كي يفهم ماذا تقول
لم يعي أن هناك خلفه من تنظر له نظرات حارقة؛ فعندما سمعت عاليا صوت الهاتف خارج غرفتها، مسحت دموعها، ونهضت مسرعة، وسحبت حجابها، وخرجت؛ لترى من يقف بالقرب من الغرفة.
هتف بدر مهدئاً، وبنبرة واثقة: ميرفت ممكن تسكتي، وتسمعيني.
الخطوبة دي هتم، وأنا لا يمكن أخلف بوعد وعدته ليكي، اطمني أنا هنزل دلوقتي أتكلم مع عمي، وإن شاء الله بالليل هانيجي عندكم.
أغلق الهاتف، وبمجرد أن دار بجسده، وجد عاليا تنظر له بصدمة، ودموعها تغرق وجنتيها، ولا تتحرك؛ فعلم أنها سمعت حديثه، وفهمته بالخطأ.
اقترب منها، وهتف بلهفة: عاليا مالك؛ فيكي إيه؟ تعبانة أتصل بدكتور؟
نظرت له بحزن، وهتفت: خلاص هتخطب النهاردة؟
أغمض عيونه لثواني يحاول التحكم في مشاعره، وهتف: مين قال كده؟
عاليا بضعف: سمعتك بتكلمها في التليفون.
بدر : وده يزعلك، ولا المفروض يفرحك، مش بتقولي اني أخوكي.
دفعته في كتفه، وردت بعصبية، وصوت مرتفع حتى أنها أيقظت عمها: لا مش أخويا يابدر، وعمرك ما كنت أخويا أنا اللي عمري بهرب من اعترافي ان قلبي بيحبك انت وبس.
جلست أرضاً مسندة جسدها على ساقيها ووضعت وجهها بين كفيها، واذداد بكاؤها؛ فجلس هو الأخر بجوارها، تكاد دقات قلبه تسمع من في المنزل جميعهم، وهتف بصوت مرتعش من فرط سعادته: اللي قولتيه ده كله حقيقة، ولا انا بحلم زي عادتي، وبعدها هفوق الاقي كل حاجة انتهت؟
رفعت وجهها، ونظرت له والتقت عيونهم بنظرات تتحدث أبلغ من الكلمات، ثم هتفت: تقصد إيه؟!
أمسك بدر كتفيها، وتناسى المكان، والعادات، وحتى الزمان، وهتف بمشاعر حبيسة منذ أعوام، وآن لها الخروج الآن : أقصد إن عمري ما حبيت، ولا هحب في حياتي غيرك، انتي يا عاليا حلمي اللي عشت عمري أتمنى يتحقق، انتي بالنسبة ليا حياة؛ فاهمة يعني إيه؟
يعني لو بعدت عنك أموت، مستحيل قلبي يدق لغيرك، ولو كنت هفضل طول العمر أحبك لوحدي، وبس.
رفعت يدها، وازالت بعض دموعها، التي أبت أن تمتنع، وهتفت بحيرة، وفرحة في آن واحد: ووعدك لميرفت؟!
سحب شهيق كبير؛ ثم أخرجه ببطئ، وهتف: فعلاً وعدتها، ولازم أوفى بوعدي.
نظرت له بتعجب، وقبل أن تتحدث هتف هو: وعدتها أساعدها، وأقنع أهلها بالإنسان اللي بتحبه، أهلها رفضينه لأنه فقير، ولسه خريج تجارة جديد، وواقف في محل لأن مش لاقي شغل؛ بس هو إنسان محترم، وأنا سألت عليه كويس، وفعلاً بيحبها.
ابتسمت عاليا لا إرادياً، وهتفت: يعني هى بتحب حد غيرك، وانت كنت بتقولها دلوقتي الخطوبة هتم عليه هو؟
هز رأسه بنعم، وهتف بابتسامة: أيوه ده كان معنى كلامي،ودلوقتي أنا هروح اتكلم مع والدها أنا اللي حابب يتقدم لها، وكأننا أصدقاء، وطلب مني أروح معاه، ووقتها هقول اني شغلته معانا في الشركة، وبراتب كويس جداً، وهو عنده شقة يعني هيحافظ عليها، وهقوله كمان إن ميرفت أختي، وأتمنى فرحها يكون قبل فرحي لأني هتجوز بنت عمي اللي جننتني.
ابتسمت عاليا، وهتفت بفرح: وانا بنفسي هنزل معاها تختار فستان الفرح بتاعها.
نظر في عينيها مباشرة، وهتف: لو ده حلم بتمنى مصحاش أبداً.
عاليا وهى تبادله نظراته: دي حقيقة يا حب عمري.
اتسعت ابتسامة بدر، وهتف: قولتي إيه؟!
عاليا بهيام: زي ما قولتي واحنا في الصعيد انت كمان حب عمري كله.
استمتعوا لصوت يأتي من خلفهم لم ينتبهوا بوجوده معهم؛ فهم كانوا كأنهم في عالم بمفردهم.
كامل بغضب: الله الله قاعدين زي جوز الكناري تغازلوا في بعض، واتفقوا على جواز، وفساتين فرح وكأنك عايشين وحديكم ملكمش كبير تاخدوا رأيه.
نهض الاثنين مسرعين ووقفا بجانب بعضهم أمام كامل، وضعت عاليا وجهها أرضاً تتمنى أن تختفي في هذه اللحظة من شدة خجلها، وتوترها.
أما بدر فقد توتر هو الآخر؛ لكنه لم يهتم لنفسه؛ بل ما شغل تفكيره هو أنه لا يريد أن يتسبب أن عاليا تستمع لتوبيخ من والده؛ فأسرع قائلاً: يابابا حضرتك فهمت الموضوع غلط انا أسف مني، وبالنيابة عن عاليا كمان؛ بس والله ما قصدنا نقلل من حضرتك أبداً، كل ما في الموضوع إن ميرفت متقدملها شاب محترم، ويشتغل محاسب في شركتي، بس والد ميرفت مش عايز يوافق، وهى يعني بتقول انه أخو صديقتها وتعرفه من بعيد، وشايفاه مناسب، وطلبت مني اساعدها، ولما قولتلها هحاول مع عمي انه يوافق على الخطوبة عاليا افتكرت إني بتكلم عن نفسي.
بس ده كل الموضوع.
ضيق عينيه، ونظر لعاليا، وهتف: وانتي ايه يزعلك في إكده حتى لو كان اللي فهمتيه صوح؛ مش انتي رفضتي بدر؟
لم ترفع نظرها، وظلت تفكر في كلمات مناسبة تقلل من خجلها؛ فخرج صوتها مرتعش: أصل يا عمي يعني هوااا......
صرخ كامل بنفاذ صبر: هو إيه انطوجي.
تحدثت مسرعة: موافقة على بدر أنا كنت غلطانة في فكرتي، ودلوقتي أنابعد إذن حضرتك يعني لو بدر لسة عند كلامه، وحضرتك، وطنط إيمان معندكمش مانع أنا موافقة.
ابتسم كامل، وفتح ذراعيه لهما، فتوجها نحوه مسرعين؛ ربت على كتفيهما بحنان، وهتف: مانع! ده يوم المنى يابنتي، دي كانت أمنيتي اني أشوفكم لبعض؛ بس عمري ما كنت هطلبها منيكي، ولا أغصب عليكي أبداً، انتي مش بنت اخوي بس، لا انتي واختك بناتي اللي كان نفسي فيهم، وفي أي يوم بدر يزعلك أني أبوكي انتي، مش أبوه هو.
بدر بمزاح: اتبريت مني يا حجوج بسرعة كدة علشان البرنسيسة عاليا.
هز كامل رأسه بنعم وقال: واتبرى من ابوك كمان علشانها.
ضحك الجميع، واقترب منهم فاطمه تدفع كرسيها من العجلات، وهتفت بسعادة: ألف مبروك يا حبايبي.
جثى الاثنان أمامها، وتقبلوا يديها، وهتفوا اللي يبارك فيكي ياستي.
كامل بجدية: سالم اتحدت معاي، وزمناتهم على وصول، لازمن نفاتحه في الموضوع يابدر، صوح اني عمها، وولي أمرها؛ بس هو كومان ولد خالها، وجوز أختها، وليه الحق بردك.
نهض بدر، وهتف مبتسماً: تمام يا بابا ربنا يخليك لينا؛ بس دلوقتي ممكن حضرتك تنزل معايا نتكلم سوا مع والد ميرفت، ونعرفه اني هخطب عاليا علشان يشيلني من تفكيره، ويفكر في اللي متقدم لبنته؟
كامل بهدوء: حاضر ياولدي هغير خلجاتي، ونروح نتحدت معاه، هى أمك لساتها مرجعتش من عندهم.
قبل أن يتحدث أحد سمعوا صوت الباب يُفتح، ودلفت منه إيمان بوجه عابس، نظرت لهم جميعاً، وتعجبت من تجمعهم جميعاً يقفون هكذا؛ لكن لم تعلق، وهتفت بنبرة يشربها الحزن بعض الشيء: السلام عليكم.
كامل بتعجب: خير يا إيمان فيكي حاجة؟ مالك مضايقة إكده.
توجهت نحو أريكة موضوعه في ردهة المنزل، وجلست بتعب، وهتفت: كنت عند أم ميرفت، وشوفت اللي عمري ما فكرت فيه واصل.
فاطمة مسرعة: خير يابنتي إيه اللي حوصل.
إيمان بنبرة حزينة: ميرفت جالها عريس، وعايز يتقدم النهاردة، والبت مصممة انها لو متجوزتهوش عمرها ماهتتجوز في حياتها، أمها كلمتني أروح أعقلها؛ بس مقدرتش عليها، بجد بنتة البندر إهنه دماغم ناشفة كيف الحجر الصوات، دي لو عندنا في الصعيد مكانتش تجرأ تقول إكده مع أمها، وتقول بعين جامدة، ياده يابلاش، هه عشنا، وشوفنا
بنتة أخر زمن.
قال وأني اللي كان نفسي أجوزها ولدي؛ بس خلاص بقى بعد اللي سمعته النهاردة مش ممكن ابداً تبقى مرت ولدي، بس متقلقش يابدر ياولدي هشوف لك ست ستها ولااازمن أفرح بيك بقى قريب.
كامل بضحك: متتعبيش نفسك، وتدوري يا أم بدر خلاص، عروسة ولدك عندي، وهو موافق وباصم بالعشرة كومان.
نظرت له بفرحة؛ كأنها لم تكن حزينة منذ ثواني، وهتفت: بتتحدت جد يا حاج كامل؟! مين دي واني هشيلها في عيوني شيل، والله هتبقى كيف بتي اللي ماشلتهاش بطني.
جلس هو الأخر، وأشار لعاليا تقترب منه؛ وأمسك يدها يجلسها على قدمه، تحت نظرات إيمان المتعجبة وهتف بابتسامة: عروسة ولدك هى الدكتورة عاليا القناوي.
رفعت حاجبيها عالياً؛ ثم نظرت لهم بضيق، وهتفت: إكده يا حاج بتتمسخر عليا، ليه؟!
طيب لو مهماكش أني فكر في ولدك، وكيف هتجرحه بحديتك ده.
ابتسم الجميع، بهدوء أما كامل فقد ضحك عالياً على عدم تصديق زوجته؛ فهتفت فيه بضيق: بتضحك على إيه دلوك، يكونش قولت مُزحة إياك؟!
هدأ كامل من ضحكاته، وهتف بهدوء: بضحك على شكلك وانتي ممصدقاش، بس معاكي حق فعلاً سبحان مغير الاحوال، ولو الإنسان نصيبه في حاجة مكتوباله هينولها مهما حاول يبعد، أو مهما حاول يستناه.
بدر استنى كتير، وميأسش، وعاليا حاولت تهرب بس نصيبها مكتوب مفيش، منه هروب، وأخيراً فاقت لنفسها، وعرفت مين هيص نها، ويقدرها، وموافقة تكون لبدر ولدك اللي نفسك تفرحي بيه، واهو ولدك، وبتك بردك.
نظرت إيمان لعاليا باستفسار، وقلبها يدق بسعادة؛ لأنها أكثر من يعلم أن قلب ولدها يعشق عاليا، وهى تتمنى له السعادة، وهتفت: صوح الحديت ده يا عاليا يابنتي؟
هزت رأسها بنعم، وخرج صوتها منخفض بسبب خجلها: أيوه يا طنط صح.
اتسعت ابتسامة إيمان، ووضعت كفها فوق فمها وقامت بفتح فمها، وتحريك لسانها للأعلى مصدرة صوت يدل على سعادتها( من الأخر ذغرودة
لولو وولي)
ونهضت من مكانها، وجذبت عاليا توقفها، واحتضنتها بشدة، وكأنها تريد أن تدخلها بين أضلعها، وهى تردد: ألف مبروووك ياعاليا فرحتي قلبي يابتي، ده يوم المنى.
عاليا بسعادة: الله يبارك فيكي يا طنط، وانا اسفة لو زعلتك في اي يوم بس صدقيني كان مش بأيدي.
هزت رأسها بالنفس، وهتفت: مفيش كلام في الزعل، ومن الأساس مفيش زعل بين البت، وامها، ربنا يتم فرحتي بيكم على خير.
نظرت لبدر، وفتحت ذراعيها؛ فاقترب منها، وضمته بسعادة بالغة، وهى تردد: ألف مليون مبروك يا ولدي، ربنا يسعد قلبك، وقلبها.
بدر بمزاح: الله يبارك فيكي يا أمونه يا قمر، ها كده خلاص ارتاحي وتحققي حلمك اللي محصراني بيه؟
ضربته بخفة على كتفه، وهتفت: مبقاش حلمي لوحدي إكده كان حلمي، وحلمك ياواد.
فاطمة بفرحة: إكده مفاضلش غير سالم يوصل بالسلامة، ونخبره وان شاء الله مهيعترضش.
بدر بغضب مصطنع: يعترض ده إيه، ده يبقى جنى على روحه دا انا ما صدقت.
قالها، وهو ينظر لعاليا بهيام؛ فخجلت بشدة، وفرت من أمامهم بعد أن استأذنت منهم.
إيمان بضحك: اتكسفت ياحبة عيني، بس أتى فرحتي متقدرش النهارده، ميتى هنعمل فرحهم ياحاج.
كامل بابتسامه : لما نتفق مع سالم، وأن شاء الله هيبقى بعد امتحانات عاليا.
نظر بدر لساعة يده، وهتف: بابا الجماعة مش هيوصلوا إلا على المغرب ممكن حضرتك تنزل معايا دلوقتي ياله لعمي علشان نكلمه في موضوع شريف، وميرفت.
إيمان بتعجب: هو انت كنت تعرف يا بدر؟
نهض كامل وهتف: كده الأسئلة هتكتر، واحنا معندناش وقت لما يرجع يبقى يفهك كل اللي انتي عايزاه، ياله ياولدي.
استفاقت من شرودها على دقات باب غرفتها، وصوت والدها يستأذن في الدخول.
مسحت على وجهها بكفيها وأخذت شهيق كبير ثم أخرجته بهدوء؛ محاولة منها أن تظهر طبيعية، نهضت من مكانها، وهتفت: اتفضل يابابا.
دلف حلمي للداخل، وعندما نظر لها، وجد وجهها شاحب اللون؛ لكنه لم يعلق، واقترب منها، وهتف مبتسماً: دكتورتنا عامله ايه في المذاكرة؟
حسناء بنصف ابتسامة: الحمد لله يابابا اطمن.
أمسك يدها، وجذبها نحو الفراش، وجلسوا معاً، وهتف بهدوء: الصراحة نظرة الحيرة اللي في عنيكي، وعدم تركيزك من وقت ما رجعتي من الكلية، وبتقولي عاليا تعبت شوية هناك ميطمنوش خالص، هتركزي ازاي في مستقبلك، وانتي شايلة كل حاجة لوحدك، ودايماً سرحانه، ومش عايزة حتى تشاركيني؟
حاولت الهروب بنظراتها، وهتفت بارتباك: أشاركك ايه بس يا بابا، وبعدين شايلة ايه انا الحمد لله بخير.
تنهد ببطئ، ثم هتف متسائلاً: ماما قالت انك روحتي تزوري عاليا الصبح في بيتهم، هى كويسة؟ ولا فيه حاجه بينكم مزعلاكي؟
سحبت حسناء شهيق كبير، ثم أخرجته ببطئ، وهتفت بدون النظر لوالدها: بص يابابا انا هقولك كل حاجة لأني فعلاً محتارة زي ما قولتلي ، ومحتاجة رأي حضرتك جداً، يمكن لو كنت سمعت كلامك زمان ومسبتش عمر مكنش، مر عليا عذابي مع حازم؛ لكن المرة دي أنا هسمع كلامك؛ لأنك أكيد دايماً بتتمنى الخير ليا.
روت له حسناء عن مشاعر كريم تجاهها، ومصارحته لها، وأنه ينوي الارتباط بها، وروت أيضاً عن ترددها في بادئ الأمر بسبب عاليا، وعن ما حدث مع عاليا حتى زيارتها لها في الصباح، ثم استرسلت تروى عن خوفها من المستقبل معه منذ أن قص عليها ما فعله مع أم ساجد، وأخبرت أن هناك صراع كبير بين قلبها، وعقلها، وأنها لا تستطيع التحيز لأحدهم.
أخذ كفها بين يديه، وتحدث بهدوء: كل ده، وقوليلي اطمن مفيش حاجة، ومش حابة تحكيلي؟!
المهم شوفي يابنتي كريم جه صلى الجمعة معايا في المسجد النهاردة، وبعد الصلاة طلب مني يقعد معايا شوية، برة البيت فقعدنا في الجنينة اللي جمب المسجد وحكالي كل حاجة هو كمان.
وعرفت منه إنك مبترديش على مكالمات، ولا مكالمات ليلى من يومها، وكده فهمت انتي بتذاكري في البيت بس ليه، ومش بتروحي الكلية.
رفعت حاجبيها بذهول؛ فأكمل حديثه هو قبل أن تتكلم: متستغربيش كدة؛ أيوه كنت عارف كل حاجة؛ بس كنت عايز بنتي حبيبتي تحكي وتفضفض ليا بنفسها، ودلوقتي قبل ما أقولك رأيي، عاليا استقبتلك إزاي، وهى فعلاً متعلقة بكريم، ولا طلع وهم زي ما كريم قال.
تحدثت حسناء بهدوء: لأ عاليا فاقت، وعرفت إن تعلقها بكريم ما هو إلا تكملة لصورة بدر ابن عمها اللي كانت بتتمنى تشوفه فيها، لأن الشبه بين كريم، وبدر كبير مع إختلاف الجسم، واللي ساعدتها تواجه نفسها هى دكتورة ليلى أخت كريم، وأنا كنت رايحة ليها النهاردة البيت، وأنا متوترة، وخايفة تكون كرهتني، وتفتكر إني خونت مشاعرها؛ بس، والله يابابا أبداً كان سبب عذابي الفترة اللي فاتت هى إني مش قادرة اتحكم في قلبي؛ لأني كنت متخيلة زيها إنها بتحب كريم بجد، أما دلوقتي بعد ما هى بنفسها قالتلي انها اتأكد من مواقف كتير إن تفكيرها، وقلبها طول الوقت كانوا ملك لبدر؛ بس هى كانت بتقاوم ده؛ لعند ما دخلت في وهم حب كريم؛ خلاص مبقاش سبب عذابي شعوري تجاه عاليا.
حلمي بهدوء: طيب قوليلي سبب توترك، وقلقك ده إيه بقى؟ الماضي بتاع كريم؟
اتسعت عيناها بذهول؛ فهى لم تتوقع من كريم أن يتعرض في حديثه مع والدها لهذا الموضوع؛ فهتفت بتعجب: هو قالك كمان عن ده معقول؟!
هز رأسه بتأكيد، وهتف: ولعلمك ده كبره في نظري تعرفي ليه؟
ضيقت عيناها، ونظرت له في ترقب؛ فأكمل كلامه: لأنه كان ممكن ببساطة يقول انه عايز يتجوزك، بدون ما يحكي الحقيقة، وأهو جوازه كان حوله رسمي، والولد باسمه عادي ممكن جداً مكناش نعرف الحقيقة؛ بس هو حب يكون واضح، ويحكي كل حاجة، وهو قالي انه اتأخر في انه يحكيلك؛ لأنه كان منتظر الوقت اللي يحكيلك فيه، وفي نفس الوقت عاليا تسمعه علشان يحصلها صدمة، وتقدر تواجه نفسها، وده كان بتخطيط مع ليلى أخته، من أول ما اتقابلتوا مع بدر في المشفى.
تحدثت حسناء وهى مازالت مذهولة: ده حكى ليك كل حاجة، بالتفصيل!
أكد على حديثه حين قال: أيوه هو أصر اني اكون عارف كل حاجة لأنه حابب يكون صريح معانا، ولو حصل نصيب ليكم فيما بعد حابب يلغي الفترة دي من حياته، ويبدأ من جديد، هو عارف انه ظلم والدة ساجد بس قبل وفاتها حاول بكل جهده يصلح غلطته، وده اكبر دليل إنه تاب، وربنا يابنتي بيقبل توبة عبده؛ مش معقول إحنا كبشر نقف بالمرصاد، ونحاسب على أخطاء فاتت، لازم ندى فرصة لأي انسان حابب يصلح من نفسه، ونقف معاه مش نفضل معلقين ليه مشنقة على خطأ في الماضي.
حسناء بشرود: بس ده ظلمه للإنسانة دي كان صعب أوي، خايفة يكون معجب بس ولما يمل يسبني، أو يكون بيحارب علشان يوصل انه يحقق هدفه انه يمتلكني زي حازم، وزي ما هو نفسه عمل مع ام ابنه.
حلمي بهدوء: شوفي يابنتي انا مش هفتح في قديم، ولا بحاسبك على اللي فات بس حابب اثبتلك إن كل إنسان ممكن يغلط.
بعني انتي نفسك ظلمتي عمر بارتباطك بيه، وانتي مبتحبيهوش، وضحكتي عليه لما قولتي ليه انك بتحبيه، ومع ذلك سبتيه، وقتها جرحتيه جداً، وكمان غلطي في حق نفسك لما بعتيها لإنسان زي حازم علشان الفلوس، واتعاقبتي على غلطتك، ومع ذلك مش معنى كده تفضلي عايشة طول العمر تتعاقبي على أخطاء ممكن تحصل مع أي حد.
المهم انك اتعلمتي من غلطك، وليكي كل الحق تعيشي سعيدة باقي حياتك.
ابتسمت حسناء، ونظرت لوالدها بامتنان، وهتفت: صدقني يابابا حضرتك جيت، واتكلمت في الوقت المناسب، أنا كنت تايهة، ومش قادرة أواجه نفسي؛ بس حضرتك عندك حق في كل كلمة، وبعدين أنا متعلقة أوي ب ساجد، وحاسة إن صعب اعيش من غيره.
ابتسم حلمي، وضمها، وهتف: ربنا يسعد قلبك يا حبيبة قلبي، ويقدملك اللي فيه الخير،كريم قالي انه مش هيقدر يعيش من غيرك، وكان حابب لو وافقتي يخطبك؛ انا قولتله، لو وافقتي هنأجل الخطوبة فترة علشان انتي في فترة العدة، ومينفعش فيها خطوبة.
عقدت حاجبيها، وهتفت: بس انا كنت عند عاليا، وقالتلي إن عمر خطب والبنت اللي خطبها تبقى ملك بنت خالها، ولما قولتلها انها كانت متجوزة قالتلي انها اتطلقت جديد، وقت ما كانت عاليا لسه في الصعيد.
هتف بهدوء: فيه ناس كتير متعرفش الحكم الصح، وانا كنت من الناس دي، بس روحت لشيخ النهاردة، وسألته ينفع الخطوبة في العدة، وقالي لأ لأ يجوز.
هزت رأسها بمعنى نعم، وقالت: خلاص ان شاء الله هبقى اقول ل عاليا ممكن ميعرفوش.
حلمي بابتسامة: يعني خلاص افهم من كلامك انك موافقة ان شاء الله بعد العدة تكملي حياتك مع كريم، وهتتحملي الأمانة اللي مراته الأولى سابتها وهى ساجد؟
ابتسمت، وهزت رأسها بالإيجاب دون كلام.
ربت على كتفها، وهتف: طيب ياله اجهزي، وتعالي برة كريم منتظر برة على أحر من الجمر عايز بس أهم حاجة انك تسامحي، بس انا دخلته أوضة الصالون، وطلبت منه ينتظر شوية.
وقفت بتوتر، وابتسامه، وهتفت: بتقول بره؟!
إحم طيب ما قولتش ليه أااا أقصد يعني يابابا أصل.
ضحك حلمي على حال ابنته الذي تبدل في لحظة، ووجهها الذي تحول للأحمر بدلاً من شحوبه منذ قليل.
هتف مبتسماً: خلاص خلاص، أنا هخرج، وانتي خدي وقتك، واخرجي.
بعد وقت ليس بقصير، ارتدت فيه حسناء فستان باللون الأبيض المطعم بزهور صغيرة باللون الوردي، وارتدت حجاب باللون الوردي، وحذاء أبيض، وخرجت من غرفتها، واتجهت نحو الغرفة التي بها والدها، وحبيبها الذي سرق قلبها من أول نظرة دون أن تشعر.
تركهم حلمي، وترك الباب مفتوح؛ لكن هتف قبل أن يخرج: معاكم نص ساعة تصفوا أموركم، وتبلغوني قراركم الأخير، لأن الحياة مفيش فيها وقت كتير نضيعه في كلام، وبس، أنا بره في الصالة قدامكم.
بعد خروجه، نظر كريم لها بلهفه، وإعجاب في أن واحد، وجدها لا تنظر له؛ فهتف بهدوء: وحشتيني أوي، حتى لو مش هتبادليني نفس شعوري ده كفاية عليا انك وافقتي تقعدي معايا، وتسمعني.
أنا روحت لباباكي وحكيت ليه كل حاجة؛ لأني بتمنى انك توافقي تكملي نص ديني، وتشاركيني حياتي، وكنت حابب اكون صريح معاه؛ بس لو مش موافقة أكيد هنسحب بهدوء، بس اتمنى انك تسامحيني.
حسناء بهدوء، وخجل: انت مغلطتش في حقي علشان اسامحك يا كريم؛ انا بس كنت خايفة أكون بالنسبة ليك زي اللي قبلي.
كريم مسرعاً: ابداً والله انتي كنتي سبب ربنا بعته ليا علشان قلبي يفوق من غفلته، وطلبت منك السماح دلوقتي علشان حطيتك قدام الأمر الواقع لما حكيت كل حاجه وانا عارف بوجود عاليا؛ بس صدقيني ده كان الحل الأمثل علشان هى تفوق، وتتأكد اني بحبك انتي وبس.
حسناء بابتسامة: والحمد لله هى فاقت، وحالياً بتدور على حبها الحقيقي اللي كانت هتضيعه.
شرد في ابتسامتها ودق قلبه بعنف عندما استشف أنها سامحته؛ فهتف: موافقة ننسى كل اللي فات من حياتنا، ونبدأ من جديد سوا انا وانتي.
هزت رأسها بالرفض؛ فعبس وجهه بحزن، وكاد أن يقف لينسحب؛ لكنه توقف، وغزت وجهه الابتسامة المشرقة عندما سمعها تقول: انا وانت، وساجد حبيبي.
____________________________
يجلس في غرفة جدته بجانبها على الفراش ، ينظر لهاتفه، وعلامات الحيرة تبدو على وجهه.
فاطمة بابتسامة: مالك ياولدي شكلك حيران في حاجة إكده، ياترى ده بسبب عاليا بردك؟
رفع نظره لها، وهز رأسه بنعم، ثم هتف: أيوة ياستي غيرتها، وتصرفاتها بتديني أمل إن قلبها ملكي، بس أنا خايف أتعلق بالأمل ده وأرجع تاني افوق على صدمة، لعند دلوقتي مسمعتهاش منها، وطول ما هى ماقلتهاش مش هصدق، وكلمت الدكتورة ليلى دلوقتي مافدتنيش بحاجة، قالتلي اني هتأكد من كل حاجة مع الوقت، وانها مينفعش تقول عاليا قالت ليها ايه بس بتأكدلي ان عاليا بقيت أحسن، وهتتحسن اكتر كمان.
تفتكري ياستي هايجي اليوم اللي قلبي ينول اللي بيحلم بيه، ولا انكتب عليه الحرمان طول العمر؟!
ابتسمت فاطمة، ومدت يدها تلتقط كفه لتربت عليه، وهتفت: هينول، وهيملك كمان قلب حبيبه، أني متوكدة من ده، بس إنت كومان يابدر عمرك ما قولتها ليها، ولا حتى حاولت صوح حديتي؟
تنهد بدر، وهتف بهدوء: عمري بقولها بس مش بلساني؛ بقولها بكل تصرف بعمله، وكل نظرة شوق أو لهفة، أو غيرة، بقولها باهتمامي بيها، وبكل تفاصيلها، مش كفاية ده؟
ابتسمت له، وهتفت: شوف ياولدي كل اللي قولته دلوك جميل، وممكن يكون كفاية قوي بس ده لو حد غير عاليا اللي متربية معاك تقريباً، واللي هى ممكن فسرت تصرفاتك دي كلها أخوة؛ لأن اي أخ بيحب اخته هيهتم بيها، ويشتاق ليها، ويخاف عليها، خصوصي إن عاليا كانت عايزة تفهم إكده لأنها كانت رفضاك؛ بس بعد اللي اني عرفته، واللي اني شوفته بعيني في المستشفى، لما اتضايقت، لما فاقت، ومشافتكش معانا، والغيرة اللي كست وشها كله لما شافت ميرفت، يبقى بتحبك وقوي كومان.
بدر بتمني: ياااريت ياستي، وانا مستعد اقولها، واقولها لعند ما تقولي هيا كفاية.
ضيقت عيناها، وأمسكت وجهها بإبهامها، وسبابتها، في حركة تدل على التفكير، ثم هتفت: أني عندي فكرة تخليك ترتاح، وتعرف عاليا بتفكر في إيه،
عقد حاجبيه، وهتف: طريقة إيه دي؟!
فاطمة بجدية : عاليا دلوك في أوضتها، وأمك دلوك خرجت راحت تزور أم ميرفت علشان كلمتها في التلفون معرفاش ليه بدري إكده بس زين انها خرجت، وأبوك رجع من بره، ونايم شوية صوح؟
هز رأسه بنعم، وهتف: ايوة بس ليه كل ده؟!
فاطمة بجدية: قرب الكرسي ده، وساعدني أقعد عليه.
فعل ما أمرته به، وهتف: رايحة فين طيب فهميني؟!
فاطمة بحزم: مش هسيب حفيدتي، ولا حفيدي في الحيرة، والقلق ده، هتحدت مع عاليا علشان أفهم هى عايزة إيه، وانت هتقف عند الباب بشويش تسمع هتقول إيه، ولو قالت اللي انت عايز تسمعه يبقى وقتها الدور عليك تصارحها باللي في قلبك.
بدر بتعجب: عايزانى اتنصت يا بطوط؟
نظرت له مع رفع حاجب، وخفض الأخر
بدر مسرعاً: خلاص.. خلاص يا بطوط مبقيش نرفوزة إكده
دفع جدته بهدوء خارج الغرفة؛ فأشارت له أن يتركها أمام غرفة عاليا، وبختبئ حتى تدلف للداخل.
دقت باب الغرفة، وهتفت: افتحي ياعاليا يا حبيبتي بقينا الظهر، وانتي لساتك في أوضتك.
فتحت عاليا باب الغرفة سريعاً، وهتفت مبتسمة: ستي اتفضلي، مين ساعدك تيجي هنا أنا كنت لسه هاجي عندك.
فاطمة بهدوء: أديني سبقتك، بدر اللي ساعدني، وصلني لهنا.
عاليا بلهفة: بدر! هو مخرجش راح الشغل؟
فاطمة بضحك: اللي واخد عقلك يا حبيبتي النهاردة الجمعة، وهما نزلوا صلوا ورجعوا عمك نام، وبدر كان قاعد معايا، ها هدخليني، ولا هنفضل على الباب إكده؟!
ابتسمت لها عاليا، ودفعتها للداخل، وقبل أن تغلق الباب هتفت فاطمة: متقفليش الباب على الأخر يابنتي الله يرضى عليكي أصلي مخنوقه شوية إكده.
فعلت عاليا ما طلبته منها جدتها، وهتفت مداعبة: والله يا ستي كنت برسم، واندمجت أوي لدرجة نسيت ان النهاردة الجمعة، بس قوليلي بقى إنتِ مخنوقة من إيه بس يا بطوط ياقمر بعد الشر عنك، دا احنا لسه في الربيع يعني الخنقة اللي بجد لسة مبدأتش.
أمسكت يدها، وأجلستها أمامها، وأشارت على قدمها، فأراحت عاليا رأسها عليهم كعادتها، وبدأت فاطمة تداعب خصلاتها الناعمة بحنان، وهتفت: حابسة نفسك ليه في الأوضة من وقت ما فطرنا، وحسناء جيتلك، وبعدها مشيت كل ده بترسمي؟!
تنهدت عاليا وهتفت بهدوء: يعني برسم شوية، وأفكر شوية، وحاولت أذاكر بس مش قادرة.
فاطمة بحنان: وإيه اللي شاغلك إكده بتداري عليا بردك يا عاليا؟! فضفضي يابني يمكن تلاقي اللي يريحك عند ستك العجوزة، هى حسناء ضايقتك في حاجة؟
رفعت رأسها، وعزته بالنفي، وهتفت: لا بالعكس، دي كانت جاية ترجع علاقتنا بعد فترة البعد، وتوضح أمور كانت مفهومة غلط؛ وانا قولتلها إني فعلا فهمت، وفوقت.
ابتسمت فاطمة، وهتفت، وهى تدقق النظر لعاليا لترى ردة فعلها : طيب الحمد لله يا حبيبتي إنك زينة، مع اني مفهماش بتتحدتي عن إيه، المهم هاتي تلفونك، وكلمي مرت عمك، وقوليلها تاجي بقى من عند أم ميرفت أصلي عاوز.....
قاطعتها عاليا مسرعة، وهتفت: هى طنط ايمان عند ميرفت؟ طيب ليه النهاردة الجمعة، ودي مش عادتها تخرج النهاردة بدري كدة؟
رفعت حواجبها واصطنعت اللا مبالاة، وهتفت: معرفاش؛ بس سمعتها بتقولها متقلقش وأنا هتحدت مع ميرفت؛ لأنها في مقام بتي، وانها مهتسبهاش واصل؛ غير لما تعمل اللي عايزينه.
فركت يداها بتوتر، وقالت: يعني مفهمتيش معنى الكلام ده إيه؟
فاطمة بهدوء: لا مسألتهاش؛ بس يمكن يعني يكونوا بيتحدتوا عن موضوع بدر، وميرفت.
نهضت مسرعة، وتحركت يميناً، ويساراً في الغرفة، وتحدثت بغضب مكتوم؛ جاهدت أن لا تظهره: تقصدي إيه ب بدر، وميرفت، هو فيه بينهم مواضيع.
نظرت لها بانتصار فقد بدأت تستدرجها لما تريده، وهتفت: مرت عمك حزينة بسبب ان بدر متجوزش لعند دلوك، وبصراحة عنديها حق، وحست إن أم ميرفت ميالة لبدر؛ ففاتحت بدر في الموضوع إنه يخطب ميرفت، وأهي، بنت زين...
قاطعها عاليا دون أن تشعر بنفسها: كفاية ياستي زينة إيه، ومش زينة إيه، هى بضاعة هيشتري ها، أكيد بدر مبيحبهاش أكييييد.
عقدت حاجبيها، وهتفت: ومين اللي قال إكده؟!
أني شايفاه معاها بيتحدت زين، وهى كمان.
تهاوت أرضاً، ونظرت لجدتها، وهتفت مسائلة، بعيون ممتلءة بالدموع: يعني هو وافق؟ قال لطنط إيمان انه خلاص موافق.
أمسكت وجهها بيديها في حنان، وهتفت: وانتِ إيه اللي يضايقك في ده يابتي بس، أكيد بتتمنى الخير لبدر أخوكي، وانتي قبل سابق قوليلي انك مش ممكن تكوني ليه علشان جسمه.
عاليا مسرعه، وقد انهمرت دموعها على وجنتيها بغزارة: كنت غبية؛ كنت فاهمة كل حاجة غلط.
كنت بقارنه ب أبويا اللي تخيلت ان جسمه منعه من إنقاذ ذياد.
كنت متخيلة إني لو وقعت في مشكلة، واحتاج ليه يتحرك مش هيقدر؛ بس اكتشفت إني ولا مشكلة بتحصلي إلا ويكون هو أول حد جنبي.
كنت بدور عليه في جسم حد تاني، وللأسف كنت سطحية، وحكمت بالمظهر، ولما اكتشفت الجوهر ندمت، بس بعد إيه خلاص جرحته كتير، وهو ميستاهلش، ودلوقتي مش قادرة حتى ابص لعنيه، ولا أقوله؛ بس مش قادرة برده ياستي أسيبه يضيع مني، هموت لو كان لغيري، اكتشفت إن قلبي طول عمره ملك ليه هو وبس؛ لكن أنا اللي كنت بكابر، واعاند نفسي.
بس أنا كمان معرفش إن كان هو بيحبني، ولا مجرد اهتمام لأنه بيعتبرني أخته، هو عمره ما قالي انه بيحبني.
فاطمة بابتسامة: بدر بيعشقك ياعاليا، بس لما شاف رفضك مقدرش يتحدت علشان ميخسركيش نهائي، وقال لو مش هكون حبيبها، أكون في حياتها بأي صفة، وبس، وبعدين الحب يابتي مش لازم نقوله باللسان، وبس؛ لأ ده بيبان في تفاصيل حياتنا اهتمامه بيكي، ولهفته عليكي، وانه مبيستحملش حزنك.
عاليا ببكاء: وكنت بقابل ده كله بإني بجرحه ببرود، وانا مبتسمة كمان، أنا مش عارفة أعمل إيه ياستي؟!
دق قلب بدر بعنف إثر سماعه لهذه الكلمات التي تمنى أن يسمعها طوال حياته، وكاد أن يدق باب الغرفة، ليقول لها أنها مالكة قلبه، وأنه من المستحيل أن يبتعد عنها؛ لكن قاطعه صوت هاتفه، فأفاقه مما أراد فعله؛ فهو لا يريدها أن تعلم بأنه كان يستمع لحديثها.
أعطى ظهره لباب الغرفه، وتقدم بعض الخطوات، ونظر للهاتف.
وجد المتصل هى ميرفت؛ فأجاب بابتسامة واسعة، وصوته يشع سعادة: السلام عليكم، إزيك يا وش السعد، عاملة إيه يا ميرفت؟
سمع صوت ميرفت الباكي، وهى تتحدث، فانصت إليها؛ كي يفهم ماذا تقول
لم يعي أن هناك خلفه من تنظر له نظرات حارقة؛ فعندما سمعت عاليا صوت الهاتف خارج غرفتها، مسحت دموعها، ونهضت مسرعة، وسحبت حجابها، وخرجت؛ لترى من يقف بالقرب من الغرفة.
هتف بدر مهدئاً، وبنبرة واثقة: ميرفت ممكن تسكتي، وتسمعيني.
الخطوبة دي هتم، وأنا لا يمكن أخلف بوعد وعدته ليكي، اطمني أنا هنزل دلوقتي أتكلم مع عمي، وإن شاء الله بالليل هانيجي عندكم.
أغلق الهاتف، وبمجرد أن دار بجسده، وجد عاليا تنظر له بصدمة، ودموعها تغرق وجنتيها، ولا تتحرك؛ فعلم أنها سمعت حديثه، وفهمته بالخطأ.
اقترب منها، وهتف بلهفة: عاليا مالك؛ فيكي إيه؟ تعبانة أتصل بدكتور؟
نظرت له بحزن، وهتفت: خلاص هتخطب النهاردة؟
أغمض عيونه لثواني يحاول التحكم في مشاعره، وهتف: مين قال كده؟
عاليا بضعف: سمعتك بتكلمها في التليفون.
بدر : وده يزعلك، ولا المفروض يفرحك، مش بتقولي اني أخوكي.
دفعته في كتفه، وردت بعصبية، وصوت مرتفع حتى أنها أيقظت عمها: لا مش أخويا يابدر، وعمرك ما كنت أخويا أنا اللي عمري بهرب من اعترافي ان قلبي بيحبك انت وبس.
جلست أرضاً مسندة جسدها على ساقيها ووضعت وجهها بين كفيها، واذداد بكاؤها؛ فجلس هو الأخر بجوارها، تكاد دقات قلبه تسمع من في المنزل جميعهم، وهتف بصوت مرتعش من فرط سعادته: اللي قولتيه ده كله حقيقة، ولا انا بحلم زي عادتي، وبعدها هفوق الاقي كل حاجة انتهت؟
رفعت وجهها، ونظرت له والتقت عيونهم بنظرات تتحدث أبلغ من الكلمات، ثم هتفت: تقصد إيه؟!
أمسك بدر كتفيها، وتناسى المكان، والعادات، وحتى الزمان، وهتف بمشاعر حبيسة منذ أعوام، وآن لها الخروج الآن : أقصد إن عمري ما حبيت، ولا هحب في حياتي غيرك، انتي يا عاليا حلمي اللي عشت عمري أتمنى يتحقق، انتي بالنسبة ليا حياة؛ فاهمة يعني إيه؟
يعني لو بعدت عنك أموت، مستحيل قلبي يدق لغيرك، ولو كنت هفضل طول العمر أحبك لوحدي، وبس.
رفعت يدها، وازالت بعض دموعها، التي أبت أن تمتنع، وهتفت بحيرة، وفرحة في آن واحد: ووعدك لميرفت؟!
سحب شهيق كبير؛ ثم أخرجه ببطئ، وهتف: فعلاً وعدتها، ولازم أوفى بوعدي.
نظرت له بتعجب، وقبل أن تتحدث هتف هو: وعدتها أساعدها، وأقنع أهلها بالإنسان اللي بتحبه، أهلها رفضينه لأنه فقير، ولسه خريج تجارة جديد، وواقف في محل لأن مش لاقي شغل؛ بس هو إنسان محترم، وأنا سألت عليه كويس، وفعلاً بيحبها.
ابتسمت عاليا لا إرادياً، وهتفت: يعني هى بتحب حد غيرك، وانت كنت بتقولها دلوقتي الخطوبة هتم عليه هو؟
هز رأسه بنعم، وهتف بابتسامة: أيوه ده كان معنى كلامي،ودلوقتي أنا هروح اتكلم مع والدها أنا اللي حابب يتقدم لها، وكأننا أصدقاء، وطلب مني أروح معاه، ووقتها هقول اني شغلته معانا في الشركة، وبراتب كويس جداً، وهو عنده شقة يعني هيحافظ عليها، وهقوله كمان إن ميرفت أختي، وأتمنى فرحها يكون قبل فرحي لأني هتجوز بنت عمي اللي جننتني.
ابتسمت عاليا، وهتفت بفرح: وانا بنفسي هنزل معاها تختار فستان الفرح بتاعها.
نظر في عينيها مباشرة، وهتف: لو ده حلم بتمنى مصحاش أبداً.
عاليا وهى تبادله نظراته: دي حقيقة يا حب عمري.
اتسعت ابتسامة بدر، وهتف: قولتي إيه؟!
عاليا بهيام: زي ما قولتي واحنا في الصعيد انت كمان حب عمري كله.
استمتعوا لصوت يأتي من خلفهم لم ينتبهوا بوجوده معهم؛ فهم كانوا كأنهم في عالم بمفردهم.
كامل بغضب: الله الله قاعدين زي جوز الكناري تغازلوا في بعض، واتفقوا على جواز، وفساتين فرح وكأنك عايشين وحديكم ملكمش كبير تاخدوا رأيه.
نهض الاثنين مسرعين ووقفا بجانب بعضهم أمام كامل، وضعت عاليا وجهها أرضاً تتمنى أن تختفي في هذه اللحظة من شدة خجلها، وتوترها.
أما بدر فقد توتر هو الآخر؛ لكنه لم يهتم لنفسه؛ بل ما شغل تفكيره هو أنه لا يريد أن يتسبب أن عاليا تستمع لتوبيخ من والده؛ فأسرع قائلاً: يابابا حضرتك فهمت الموضوع غلط انا أسف مني، وبالنيابة عن عاليا كمان؛ بس والله ما قصدنا نقلل من حضرتك أبداً، كل ما في الموضوع إن ميرفت متقدملها شاب محترم، ويشتغل محاسب في شركتي، بس والد ميرفت مش عايز يوافق، وهى يعني بتقول انه أخو صديقتها وتعرفه من بعيد، وشايفاه مناسب، وطلبت مني اساعدها، ولما قولتلها هحاول مع عمي انه يوافق على الخطوبة عاليا افتكرت إني بتكلم عن نفسي.
بس ده كل الموضوع.
ضيق عينيه، ونظر لعاليا، وهتف: وانتي ايه يزعلك في إكده حتى لو كان اللي فهمتيه صوح؛ مش انتي رفضتي بدر؟
لم ترفع نظرها، وظلت تفكر في كلمات مناسبة تقلل من خجلها؛ فخرج صوتها مرتعش: أصل يا عمي يعني هوااا......
صرخ كامل بنفاذ صبر: هو إيه انطوجي.
تحدثت مسرعة: موافقة على بدر أنا كنت غلطانة في فكرتي، ودلوقتي أنابعد إذن حضرتك يعني لو بدر لسة عند كلامه، وحضرتك، وطنط إيمان معندكمش مانع أنا موافقة.
ابتسم كامل، وفتح ذراعيه لهما، فتوجها نحوه مسرعين؛ ربت على كتفيهما بحنان، وهتف: مانع! ده يوم المنى يابنتي، دي كانت أمنيتي اني أشوفكم لبعض؛ بس عمري ما كنت هطلبها منيكي، ولا أغصب عليكي أبداً، انتي مش بنت اخوي بس، لا انتي واختك بناتي اللي كان نفسي فيهم، وفي أي يوم بدر يزعلك أني أبوكي انتي، مش أبوه هو.
بدر بمزاح: اتبريت مني يا حجوج بسرعة كدة علشان البرنسيسة عاليا.
هز كامل رأسه بنعم وقال: واتبرى من ابوك كمان علشانها.
ضحك الجميع، واقترب منهم فاطمه تدفع كرسيها من العجلات، وهتفت بسعادة: ألف مبروك يا حبايبي.
جثى الاثنان أمامها، وتقبلوا يديها، وهتفوا اللي يبارك فيكي ياستي.
كامل بجدية: سالم اتحدت معاي، وزمناتهم على وصول، لازمن نفاتحه في الموضوع يابدر، صوح اني عمها، وولي أمرها؛ بس هو كومان ولد خالها، وجوز أختها، وليه الحق بردك.
نهض بدر، وهتف مبتسماً: تمام يا بابا ربنا يخليك لينا؛ بس دلوقتي ممكن حضرتك تنزل معايا نتكلم سوا مع والد ميرفت، ونعرفه اني هخطب عاليا علشان يشيلني من تفكيره، ويفكر في اللي متقدم لبنته؟
كامل بهدوء: حاضر ياولدي هغير خلجاتي، ونروح نتحدت معاه، هى أمك لساتها مرجعتش من عندهم.
قبل أن يتحدث أحد سمعوا صوت الباب يُفتح، ودلفت منه إيمان بوجه عابس، نظرت لهم جميعاً، وتعجبت من تجمعهم جميعاً يقفون هكذا؛ لكن لم تعلق، وهتفت بنبرة يشربها الحزن بعض الشيء: السلام عليكم.
كامل بتعجب: خير يا إيمان فيكي حاجة؟ مالك مضايقة إكده.
توجهت نحو أريكة موضوعه في ردهة المنزل، وجلست بتعب، وهتفت: كنت عند أم ميرفت، وشوفت اللي عمري ما فكرت فيه واصل.
فاطمة مسرعة: خير يابنتي إيه اللي حوصل.
إيمان بنبرة حزينة: ميرفت جالها عريس، وعايز يتقدم النهاردة، والبت مصممة انها لو متجوزتهوش عمرها ماهتتجوز في حياتها، أمها كلمتني أروح أعقلها؛ بس مقدرتش عليها، بجد بنتة البندر إهنه دماغم ناشفة كيف الحجر الصوات، دي لو عندنا في الصعيد مكانتش تجرأ تقول إكده مع أمها، وتقول بعين جامدة، ياده يابلاش، هه عشنا، وشوفنا
بنتة أخر زمن.
قال وأني اللي كان نفسي أجوزها ولدي؛ بس خلاص بقى بعد اللي سمعته النهاردة مش ممكن ابداً تبقى مرت ولدي، بس متقلقش يابدر ياولدي هشوف لك ست ستها ولااازمن أفرح بيك بقى قريب.
كامل بضحك: متتعبيش نفسك، وتدوري يا أم بدر خلاص، عروسة ولدك عندي، وهو موافق وباصم بالعشرة كومان.
نظرت له بفرحة؛ كأنها لم تكن حزينة منذ ثواني، وهتفت: بتتحدت جد يا حاج كامل؟! مين دي واني هشيلها في عيوني شيل، والله هتبقى كيف بتي اللي ماشلتهاش بطني.
جلس هو الأخر، وأشار لعاليا تقترب منه؛ وأمسك يدها يجلسها على قدمه، تحت نظرات إيمان المتعجبة وهتف بابتسامة: عروسة ولدك هى الدكتورة عاليا القناوي.
رفعت حاجبيها عالياً؛ ثم نظرت لهم بضيق، وهتفت: إكده يا حاج بتتمسخر عليا، ليه؟!
طيب لو مهماكش أني فكر في ولدك، وكيف هتجرحه بحديتك ده.
ابتسم الجميع، بهدوء أما كامل فقد ضحك عالياً على عدم تصديق زوجته؛ فهتفت فيه بضيق: بتضحك على إيه دلوك، يكونش قولت مُزحة إياك؟!
هدأ كامل من ضحكاته، وهتف بهدوء: بضحك على شكلك وانتي ممصدقاش، بس معاكي حق فعلاً سبحان مغير الاحوال، ولو الإنسان نصيبه في حاجة مكتوباله هينولها مهما حاول يبعد، أو مهما حاول يستناه.
بدر استنى كتير، وميأسش، وعاليا حاولت تهرب بس نصيبها مكتوب مفيش، منه هروب، وأخيراً فاقت لنفسها، وعرفت مين هيص نها، ويقدرها، وموافقة تكون لبدر ولدك اللي نفسك تفرحي بيه، واهو ولدك، وبتك بردك.
نظرت إيمان لعاليا باستفسار، وقلبها يدق بسعادة؛ لأنها أكثر من يعلم أن قلب ولدها يعشق عاليا، وهى تتمنى له السعادة، وهتفت: صوح الحديت ده يا عاليا يابنتي؟
هزت رأسها بنعم، وخرج صوتها منخفض بسبب خجلها: أيوه يا طنط صح.
اتسعت ابتسامة إيمان، ووضعت كفها فوق فمها وقامت بفتح فمها، وتحريك لسانها للأعلى مصدرة صوت يدل على سعادتها( من الأخر ذغرودة
ونهضت من مكانها، وجذبت عاليا توقفها، واحتضنتها بشدة، وكأنها تريد أن تدخلها بين أضلعها، وهى تردد: ألف مبروووك ياعاليا فرحتي قلبي يابتي، ده يوم المنى.
عاليا بسعادة: الله يبارك فيكي يا طنط، وانا اسفة لو زعلتك في اي يوم بس صدقيني كان مش بأيدي.
هزت رأسها بالنفس، وهتفت: مفيش كلام في الزعل، ومن الأساس مفيش زعل بين البت، وامها، ربنا يتم فرحتي بيكم على خير.
نظرت لبدر، وفتحت ذراعيها؛ فاقترب منها، وضمته بسعادة بالغة، وهى تردد: ألف مليون مبروك يا ولدي، ربنا يسعد قلبك، وقلبها.
بدر بمزاح: الله يبارك فيكي يا أمونه يا قمر، ها كده خلاص ارتاحي وتحققي حلمك اللي محصراني بيه؟
ضربته بخفة على كتفه، وهتفت: مبقاش حلمي لوحدي إكده كان حلمي، وحلمك ياواد.
فاطمة بفرحة: إكده مفاضلش غير سالم يوصل بالسلامة، ونخبره وان شاء الله مهيعترضش.
بدر بغضب مصطنع: يعترض ده إيه، ده يبقى جنى على روحه دا انا ما صدقت.
قالها، وهو ينظر لعاليا بهيام؛ فخجلت بشدة، وفرت من أمامهم بعد أن استأذنت منهم.
إيمان بضحك: اتكسفت ياحبة عيني، بس أتى فرحتي متقدرش النهارده، ميتى هنعمل فرحهم ياحاج.
كامل بابتسامه : لما نتفق مع سالم، وأن شاء الله هيبقى بعد امتحانات عاليا.
نظر بدر لساعة يده، وهتف: بابا الجماعة مش هيوصلوا إلا على المغرب ممكن حضرتك تنزل معايا دلوقتي ياله لعمي علشان نكلمه في موضوع شريف، وميرفت.
إيمان بتعجب: هو انت كنت تعرف يا بدر؟
نهض كامل وهتف: كده الأسئلة هتكتر، واحنا معندناش وقت لما يرجع يبقى يفهك كل اللي انتي عايزاه، ياله ياولدي.
______________________________
كان في غرفته يمارس بعض التمارين الرياضية كما طلب منه طبيبه، ويضع الإسطوانة التي أهدته إيها ريم في مشغل الإسطوانات، ويستمتع بكلمات تلك الأغنية التي مست قلبه بشدة، وتجعله في كل مرة يعيدها يشعر، وكأنه مراهق في بداية حياته، تداعبه مشاعر جديدة على قلبه.
لقد اشتاق لها بالرغم من رؤيتها قريباً، لقد انتظر طويلا عمر بأكمله قبل أن يمس الحب قلبه، والأن ظهرت تلك الحبيبة لتخطف أنفاسه، عقله، وقلبه في آن واحد.
أوقف ممارسة الرياضة، واتجه لفراشه وجد يديه تمتد تلقائيا تحت الوسادة والتقط رسائلها، التي لا تفارقه نهائياً، فتح أول رساله، تجولت عينيه على كل كلمة بشوق وفجأة شعر برغبة ملحة لسماع صوتها.




وجدت ريم هاتفها يضيء؛ فنظرت للشاشة،وتسارعت دقات قلبها بسعادة كما اعتادت أن يحدث لها منذ أن هاتفها بعد إستماعه للأغنية التي أهدته إياها، وأعلن عن عشقه لها، وأنها فتاة أحلامه التي أنقذته؛ كما أنقذ الأمير الأميرة النائمة؛ لكن هذه المرة الأميرة هى من قامت بذلك الدور، وأنه مستعد لتقديم أي إثبات على مدى صدق كلامه؛ فطلبت منه أن يعطي نفسه فرصة لا يراها، ولا يهاتفها؛ كي يتأكد إن كان شعوره حب، أم تعود، أو امتنان فقط؛ فامتثل لرغبتها متيحاً لنفسه تلك الفرصة، وهذه هى المرة الأولى بعد هذه الفترة التي لم تتجاوز أيام قليلة.
ابتسمت، ثم تمتمت بخفوت، وتوتر : حازم ! ياترى سبب اتصاله هيكون ايه؟!
ياترى هيفرح قلبي، ولا هيكسره؟
إنت حب سنيني يا حازم، ياارب متخذلنيش.
بمجرد رؤيته أول ثانية معلنه عن قبولها الاتصال قال بشوق: وحشتيني أوي يا ريم،
اذدادت دقاتها أكثر حتى هيأ لها أنه سيستمعها، ولونت حمرة الخجل وجنتيها ولم تجد عون من صوتها أن يخرج.
ردد قائلا بتعجب: ريمو روحتي فين كده؟!
تحدثت بصوت مرتعش من شدة سعادتها: إحم موجودة
ابتسم عندما تخيل شكلها خجلة، وهتف مداعباً: طب ساكتة ليه؟
تمتمت بهدوء، وابتسامة: مش عارفة أقول إيه.
حازم بهدوء: تعرفي يا ريم، أنا مستغرب نفسي.
ريم بتعجب: ليه؟!
تنهد حازم، وهتف: لأني اتبدلت من إنسان عديم الفايدة، وقاسي، ومبيهتمش بحد غير نفسه لدرجة إني ظلمت الإنسانة اللي اتجوزتها بمنتهى الوحشيةبدون ما تأذيني؛ ربنا يسامحني على اللي عملته فيها. ودلوقتي بقيت إنسان قلبه مبهدله، وكل همي دلوقتي أثبت نفسي علشان أكون جدير بحبك، وكمان جدير بثقة والدك، بس تعرفي ان كان عندك حق في طلبك مني إني متصلش ابعد فترة أفكر.
توترت ريم مرة أخرى، وهتفت: بمعنى؟!
ابتسم، وهتف: بمعنى إني أنا نفسي كنت خايف أكون متعود على كلامك اللي بيشجع، أو أكون ممتن لوالدك علشان ساعدني؛ بس لما مكلمتكش، ولا شوفتك حسيت بحاجة عمري ما حسيتها.
ابتسمت، وتمتمت بخفوت: احساس إيه؟
حازم بصدق: حسيت إني ناقصني حاجة، وكمان صورتك مفرقتش خيالي ولو لحظة، سواء وانا في الصيدلية بحاول أرتب طلباتها، أو في البيت بعمل رياضة، أو حتى وانا نايم بحلم بيكي، وعلى فكرة حلمي بيكي مش جديد الجديد هو إن الملامح وضحت بس؛ لكن قبل كده كنت بحلم بيكي بصورتك واحنا صغيرين بس برده الملامح مكنتش واضحة أوي لأني كنت ناسي شكلك بسبب البعد.
ريم بصدق: وانا بقى عمري ما نسيتك ولا يوم، ولا لحظة حتى وانا بعيدة.
رد حازم بلهجة من عزم على شيء ما: ريم تتجوزيني؟
دق قلبها دقات سريعة متتالية، شعرت بقلبها سوف يخرج ويطير محلقًا من شدة سعادتها: انت بتقول ايه؟
زينت شفتيه الابتسامة هو يقول: هجي دلوقتي اطلب ايدك من عمي، هو اتصل عليا النهاردة الصبح، وقالي انه هينتظرني علشان عايزني في موضوع، وانا كنت مهدتله قبل كده، وقالي لو انتي موافقة هو معندوش مانع؛ فاضل بس يسمع موافقتك منك، ونحدد ميعاد للخطوبة.
ردت بنبرة خجولة خافتة: هتكلمه دلوقتي، بلاش جنان ياحازم، استنى بس.
حازم مسرعاً: أنا فعلاً مجنون بيكي ها استنى إيه تاني يامنقذتي؟
قالت برقة: منقذتك إيه بس، أنا كنت مجرد سبب ربنا حطه في طريقك؛ لكن انت من جواك كويس، وظهوري كان علشان أقولك أنت مبقتش لوحدك.
- وعشان انا مش عايز اعيش يوم لوحدي تاني، عايز الانسانة الوحيدة اللي آمنت ان جوايا لسه في بقايا انسان صالح، عايزها تبقا شريكة حياتي، تبقا ام أولادي، نعجز مع بعض.
دمعت عينيها وهي تسمعه، بح صوتها عندما تكلمت: وانا كمان، دي كانت امنيتي الوحيدة، ومن زمان والله.
_ وعشان كده بقول خلاص مفيش تفكير، ولا خوف، ولا تردد تاني،هاجي لبابا في ميعادي معاه بعد شوية،واشوف عايزني في إيه، وبعد كده هكلمه على طول تمام؟
ابتسمت، وهتفت: اللي تشوفه.
حازم بضحك: الله بقى على حبيبي المطيع.
عندما أغلق الهاتف معاها، اتجه خزانة ثيابه ثم فتحها على مصراعيها واختار منها ما سيرتديه، وبعد أن تمم على مظهره، توجه للخزانة مرة أخرى، وأخرج منها صندوق صغير من الخشب عليه قفل صغير، أخذه، وجلس على فراشه، وقام بفتحه بمفتاح لا يفارق سلسلة مفاتحيه.
وقعت عيناه على ورقة أمسكها بيد مرتعشة بعض الشئ، وقبل أن يفتحها تذكر والده، وهو يعطيه الصندوق بعد وفاة والدته، وقال له أنها من طلبت أن يكون لك، وأنها لا تريد أن يفتحه إلا عندما يدق قلبه بالحب يوماً ما.
فتحها بعيون تلمع بالدموع، وهو يتذكر صورة والدته، وحديثها معه دائماً قبل أن تتركه يكره هذه الحياة دونها؛ حتى ظهرت في حياته ريم.
تحركت عيناه على كلمات خطاها قلب والدته، قبل قلمها.
(حبيبي حازم
أنا طلبت من بابا يقولك إنك متفتحش الصندوق ده إلا يوم خطوبتك على اللي قلبك دق ليها، وده لسببين
أولهم إن لو بتفتحه لوحدك بدوني دلوقتي؛ يبقى ربنا أراد ليا إني مكنش موجودة وقتها في الحياة؛ فحبيت أكون جمبك حتى لو بكلامي، وأقولك ألف مبروك يا نور عيوني، كنت بتمنى أكون معاك، وأشوفك عريس زي ما كنت دايماً بحلم من وانت صغير؛ بس معلش بابا جمبك، واللي اختارها قلبك هتكون معاك بدعيلك من قلبي انها تبقى بنت كويسة تحبك من قلبها، وبوصيك عليها كمان.
ثاني سبب إني حبيت أسيب ليها ذكرى مني، وعارفة إن لسة بدري على اليوم ده والموضة بتختلف؛ بس اتمنى انها تقبلها كهدية، وتحتفظ بيها، مش لازم تلبسها هتلاقي في الصندوق علبة قدمها ليها، وقولها دي هديتي ليها، وربنا يسعدكم يا حبيبي، و هقولك لأخر مرة مع السلامة يا حزومة)
قام بتقريب الرسالة من فمه، وقبلها فتبللت من دموعه التي تجري على وجنتيه، ومد يده يمسك إطار موضوع على الكمود بجانب فراشه به صورة لوالديه وهو يتوسطهم، وقربها أمامه، وهتفت محدثاً إياهم: أنا أسف غلطت في حقكم كتييير أوي، وبالذات انت يا بابا حقك عليا، عارف إن ندمي متأخر بس أنا هحاول أكون زي ما اتمنيتوا، وهخلي كل أهلي يفتخروا إني ابنكم، كنت بتمنى تكونوا معايا.
قبل الصورة، وأعادها مكانها، ثم نظر للصندوق مرة أخرى، وأخرج منه العلبة، وقرر أن لا يفتحها إلا أمام ريم؛ فلتكن مفاجأة لهم معاً.
نهض من مكانه، ودلف المرحاض ليزيل أثار بكاؤه بالماء، ثم خرج من الغرفة متجهاً لسيارته؛ كي يفعل ما عزم عليه.
يجلس في مكتبه شارد الذهن، يمسك بين يديه مجموعة من الأوراق ينظر لهم، ويحدثهم كأنهم أشخاص أمامه.
مكنش قدامي حل غير إني أعمل كده؛ علشان قلبي يستريح من قلقه، دي بنتي يعني أه صديقي أمني أمانة، ووصاني على حاجة؛ بس لو إني أكسر الوصية في سبيل إني أطمن على ريم؛ يبقى كان لازم أعمل كدة.
سامحني يا أمين كان نفسي أنفذ وصيتك للأخر؛ بس دي ريم يا أمين، وأكيد لو كنت موجود معايا مكنتش هتزعل.
دق باب غرفة المكتب؛ فهتف أذناً لمن بالخارج بالدخول؛ فدلفت ريم والسعادة تشع من وجهها، وهتفت : حبيب قلبي قاعد لوحده ليه في المكتب، النهاردة الجمعة غريبة انت مش بتشتغل النهاردة.
ابتسم عزيز، ونظر لها بإعجاب، وهتف مداعباً لها: سيبك من قاعد ليه والكلام ده إيه الشياكة دي، انتي كدة هتغطي على جمال الورد اللي عندك.
ابتسمت ريم، وهتفت بدال، وتفاخر مصطنع: طول عمري قمر في عيونك الحلوين يا حبيبي.
ضيق عينيه، وهتف: بت يابكاشة انتي شكلك عندك طلب، وبما انك متشيكة أوي كدة يبقى عندك خروجة وعايزة فلوس صح.
قبل أن ترد دق باب الغرفة، وأذن عزيز لمن بالخارج بالدخول، وكانت الخادمة التي هتفت: عزيز بيه الأستاذ حازم برة وعايز يقابل حضرتك.
نظر لابنته بعينٍ ضيقة: اااه الشياكة دي كلها علشان عرفتي انه جاي صح؟ مش قولتي مش هكلمك الفترة دي.
ريم مسرعة: ما هو فكر يابابا، وحب يعرفني وصل لإيه؛ فكلمني، وعرفت انه جاي، أرجووك يا بابي لو سمحت بلاش تبين قلقك منه، وكمل بقى طريقك اللي بدأت معاه انك تديله الثقة، وصدقني قلبي بيقولي انه اتغير بجد.
هز رأسه بموافقة، وهتف: ربنا يقدم اللي فيه الخير يا حبيبتي، ممكن لما يدخل تستأذني لأني حابب نكون وحدنا؟
ريم بهدوء: حاضر يا أحن، وأحسن أب في الدنيا كلها.
نظر للخادمة، وهتف: خليه يتفضل هنا يا عديلة.
دق حازم باب المكتب، ودلف هاتفاً: السلام عليكم.
أشار له عزيز بابتسامة: وعليكم السلام تعالى يا حازم يابني اتفضل.
صافحه حازم، وعلى وجهه ترتسم ابتسامة واسعة، وعيونه تلمع بأمل لحياة جديدة يتمنى أن يبدأها.
أدار نظره قليلاً لريم التي خفق قلبه منذ المؤهلة الأولى لدخوله المكتب عندما رأها تقف بجوار والدها، وهتف بنبرة بها شوق، وإعجاب: إزيك يا ريم أخبارك.
ابتسمت ريم، ونظرت الأسفل، وردت بصوت منخفض: الحمد لله بخير، بعد إذنكم هروح أجبلكم حاجة تشربوها، حضرتك قهوة يا بابا أنا عارفة ميعادها، وانت يا حازم تحب تشرب إيه.
هتف بهيام، وكأنه تناسى وجود عزيز: أي حاجة من إيديكي أكيد هتبقى حلوة.
خجلت بشدة عندما سمعت صوت والدها: إحم طيب يا ريم اتفضلي حبيبتي.
توتر حازم، وحك جبينه بأصابعه، وهو يبعد نظره سريعاً بخجل.
خرجت ريم، وأشار عزيز لحازم بالجلوس، وأمسك الأوراق التي أمامه، والف حول المكتب ليجلس أمام حازم، وهتف: أكيد يا حازم بتقول أنا طلبت انك تجيني ليه؟
حازم بهدوء: قلقان بس أكون زعلت حضرتك في حاجة؛ لكن حضرتك تأمر وانا أجيلك في اي وقت، يمكن اقدر أعمل معاك اللي معملتوش مع والدي الله يرحمه.
نظر له عزيز يحاول أن يستشف صدق حديثه، فقلبه يصدق؛ لكن عقله يحذره؛ فربت على قدم حازم بحنان، وهتف: لا متقلقش؛ بالعكس كل كلامك، وكمان التزامك في الصيدلية اليومين اللي فاتوا مفرحني جداً؛ بس النهاردة جايبك علشان أرجعلك حقك، وكل فلوسك اللي كانت أمانة عندي، ومن هنا ورايح انت حر التصرف فيهم، واتمنى تفضل زي ما انت علشان خاطر حلم والدك الله يرحمه.
على عكس المتوقع من حازم؛ فمن المفترض أن يحلق قلبه من فرط سعادته الآن؛ لكنه شعر بوخزة حزن تجتاح كيانه؛ فقد فهم لما هذا التصرف؛ فهتف بهدوء، ونبرة منكسرة: ليه يا عمي كدة؟ أنا عارف إن ده علاقة بكلامي مع حضرتك عن ريم، وإنك خايف أكون بقرب ليها علشان أخد فلوسي.
حق حضرتك متثقش فيا، أنا مش زعلان من كدة؛ علشان كدة أنا أسف اني اتسرعت واتكلم مع حضرتك في الموضوع ده؛ بس أرجوك يا عمي بلاش موضوع إنك ترجعلي الأملاك دي دلوقتي، أنا ما صدقت إن ربنا فوقني، وخرجني من اللي كنت فيه، ياعمي ده لو كان بعد الشر حصل لحضرتك حاجة كان زماني اتعدمت؛ يعني كل أملاكي، وحياتي كمان ميسووش حاجة قصاد اللي حضرتك قدمته ليا، ولو حكاية حبي لريم هتزعلك مني، أنا مش هاجي هنا تاني، وأوعدك مش هحاول أشوفها، ولا أكلمها تاني، لعند ما اثبت نفسي، وأكون جدير بثقتك، وأكون جدير بإني اكون زوج ليها.
عزيز بهدوء: إهدى بس يا حازم، انت ابني وهفضل معاك دايماً؛ وبصراحة أنا مذهول من ردة فعلك، أنا تخيلت إنك هتفرح بإن فلوسك هترجع لك، وتتصرف فيها براحتك، أنا فعلاً تفكيري كان إني أفك عنك أي قيد علشان انا عايز لو ارتبطت ببنتي ميبقاش ارتباط لسبب سواء مادي، أو حتى شعور بامتنان، عايز ارتباطك بيها يكون حب، واهتمام علشان تصونها؛ لأني لايمكن هسمح إنها تتأذي.
بمعنى إنك ابني، وابن صديق عمري، وأخويا؛ بس أكيد مش هكون حابب قلب بنتي يتكسر.
حازم بهدوء: أوعدك ياعمي إن لو كانت ريم من نصيبي هصونها، وهسعدها بكل الطرق، وده والله مش امتنان، ولا شعور بالعود، لأ ده أقسملك يا عمي إنه شعور عمري ما عرفته إلا معاها، وهو الحب، وأسف على صراحتي الذايدة.
كنت بتمنى أبدأ طريقي وهى جمبي، ونمشيه سوا بس علشان قلق حضرتك خلاص إديني فرصة، وانا هثبتلك إني اتغيرت فعلا، وأرجوك خلي الفلوس زي ما هي معاك، ولو احتاجت حاجة هطلبهازمن حضرتك، زي ما كنت بعمل مع بابا الله يرحمه.
ابتسم عزيز، وأعاد الأوراق للمكتب، وهتف: وانا حالياً سعيد جداً بكلامك ده، وفلوسك في الحفظ، و مشوارك مش ريم بس اللي هتمشيه معاك، لا كلنا معاك وحواليك، هنعمل فترة خطوبة لعند ما تخلص علاجك، وتخلص امتحانك السنة الجاية، وبعد كدة الفرح إن شاء الله.
نهض حازم من مكانه، واحتضنه بقوة، ثم هتف بسعادة : حضرتك بتتكلم جد يا عمي؟ والله أنا مش عارف أقولك إيه، أنا أنا أسعد واحد في الدنيا.
ضحك عزيز، وهتف: إهدى يا مجنون هتخليني اغير رأيي.
رفع يده في حركة استسلام، وهتف : لااااا أرجوك أنا هسكت أهو.
عزيز بضحك: أيوه كدة شاطر،تعالى بقى نطلع برة نعرفهم أخر الأخبار، ونشوف المشروبات الجملي دي مجتش لعند دلوقتي ليه.
خرجا سوياً؛ فوجدا ريم، ووالدتها تجلسان في الردهة، وعلى وجه ريم علامات القلق؛ كمن ينتظر نتيجة اختبار الثانوية؛ أنا والدتها كانت تنظر لها بتعجب؛ فضحك عزيز، وهتف ممازحاً: عارفة ان ده ميعاد القهوة يابابا، وانت يا حازم تشرب إيه، فين ياست ريم؟
ضربت ريم جبينها بكفها بخفة، وهتفت: أوبس، والله يابابا نسيت أصلي... يعني...
ضحك والدها، وهتف: طيب انتي، وعقلك مش معاكي، ومامتك كمان فين؟
ضحكت والدتها، وهتفت: أنا لسه راجعة من برة حالاً، ولقيتها قاعدة هنا فسألتها فيه إيه قالت إن حازم معاك جوه، ويادوب هسألعا قدمت ضيافة انتوا خرجتوا.
عزيز بابتسامة: كويس انك نسيتي يا ريم علشان عايزين نشرب دلوقتي الشربات بدل القهوة
ارتسمت ابتسامة واسعة على فم ريم، وهتفت والدتها بتعجب: شربات!
عزيز بهدوء: حازم طالب إيد ريم إيه رأيك.
ابتسمت والدتها، وهتفت بسعادة: ودي محتاجة رأى أكيد موافقة، وهيبقى ابني زي ما بعتبر إيهاب جوز ميرنا بالضبط.
نظر عزيز لريم، وهتف: وانتي يا ريمو أنا عارف طبعاً رأيك؛ بس حابب اسمعها قدام حازم.
نظرت للاسفل بخجل، وهتفت: اللي تشوفه حضرتك يابابا.
عزيز بابتسامة: على خيرة الله، ألف مبروك يا حبايبي.
ضمتها والدتها بسعادة، وباركت لها؛ ثم تحدث حازم بسعادة: اسمحلي يا عمي أقدم لريم هدية ماما الله يرحمها، كانت معايا من يوم ما اتوفت، و النهاردة بس أول مرة افتح الصندوق على حسب رغبتها؛بس محبتش أشوف الهدية إلا معاكم هنا.
دمعت عين والدة ريم، وهتفت: الله يرحمها كانت روحها فيك يا حازم، وفضلت تحلم باليوم اللي تشوفك فيه عريس بس أمر الله.
عزيز بهدوء: اتفضل يا حبيبي.
أخرج حازم من سترته علبة طويلة من القطيفة الزرقاء، واقترب من ريم حتى أصبح مقابلاً لها، وفتح العلبة؛ فوجدوا بداخلها عقد رفيع من الألماظ، ينم شكله عن ذوق رفيع.
هتف حازم بحب: ماما كانت خايفة ذوقه ميعجبكيش أو إنه يكون موضته راحت؛ فقالتلي أنها بتتمنى تقبليه؛ حتى لو هتحتفظي بيه بس مش هتلبسيه.
ابتسمت ريم، ودمعت عيناها، ونظرت لوالديها، وهتفت: بعد إذنك يابابا ممكن ألبسه دلوقتي.
عزيز بابتسامه : لبسه لعروستك ياحازم، وكده يبقى ناقص الدبل وبس.
هز حازم رأسه برفض: لا طبعاً يا عمي بعد إذنك ريم تستحق تختار شبكتها بذوقها، وبعدين دي هدية ماما؛ لكن الشبكة هديتي أنا.
والدة ريم بدموع: طول عمرها مامتك ذوقها يجنن ربنا يرحمها لبسه ليها حبيبي.
ألبسه إياها، وهو يكاد يطير فرحاً كما هو حالها أيضاً، وهتف: أوعدك يا ريم قدام أهلك، اللي هما بقوا أهلي انا كمان إني هحاول قد ما أقدر أسعدك، واكون الزوج اللي حلمتي بيه، واني أكون قد ثقتكم فيا.
_____________________________
تجلس عبير، ومعها ملك في غرفة عاليا ينظرون لها نظرات مختلفة
فعبير تنظر لها بسعادة، ودموع الفرحة تملأ عيونها وهتفت: ألف مليون مبروووك ياختي، متعرفيش أني حاسة بإيه دلوك، والله كاني هطير من فرحتي.
احتضنتها عاليا وأدمعت عيناها: عارفة ياعبير انتي حاسة بإيه يا حبيبتي ربنا يباركلي فيكي، بس تعرفي كان نفسي أوي ماما، وبابا الله يرحمهم يكونوا معايا في التوقيت ده.
انسابت دموع عبير حتى عانقت ثغرها المبتسم، وهتفت: ربنا يرحمهم، هما أكيد حاسين بينا، وبتهايألي مكنوش هيطمنوا علينا قد دلوك أني مع ولد خالي حب سنيني، واللي دلوك شايلني في حباب عنيه، ومحتار يفرحني إزاي، وانتِ مع ولد عمك اللي عشقه كان باين عليه من وهو لساته صغير، أني متوكدة إنه هيجاهد علشان يسعدك زي ما بيعمل طوالي.
ابتسمت عاليا هى الأخرى، وهتفت: الظاهر كلكم كنتوا شايفين حب بدر ليا، واني الوحيدة اللي كنت غبية، وعايزة أهرب من الحب، والسعادة دي.
هتفت ملك بسعادة: ألف مبروك يا حبيبتي، مش قولتلك بدر بيحبك، وانتي كل كلامك وتصرفاتك كومان كانت بتقول إنك بتحبيه، بس بتكابري.
نظرت لها عاليا، وهتفت مبتسمة: الله يبارك فيكي ياقلبي، ومبروك ليكي انتي كمان عمر انسان محترم جداً، وهيشيلك في عنيه.
وقفت عبير، وهتفت: اسيبكم ترغوا مع بعض، واطلع علشان أمي نوارة متبقاش محروجة برة، وكومان اساعد مرت عمي اللي وحشتني في تحضير العشا.
عاليا، وملك في آن واحد: استنى هساعدكم.
ابتسمت عبير، وهتفت: لا العرايس ليهم تكريم عندينا خليكم عارفة انكم اتوحشتوا بعض، لما نخلص هنادم عليكم، وبعدين الجو برة جميل أوي كله فرحة إكدة، والله تعب الطريق راح كأنه مكنش، ولا مرت عمك إيمان حسيت كأنها هيطلع ليها جناحات ياعاليا.
ضحكت عاليا، وهتفت: أيوة صح هى حبيبتي فرحانة أوي علشان بدر، ومتقلقيش على طنط نوارة معاها زمانها اندمجت معاها، ومع ستي، ومقضيها دعاء لينا، وتهاني، وأفراح.
تركتهم عبير، وخرجت من الغرفة، والسعادة تداعب قلوبهن جميعاً.
التفتت عاليا لملك؛ فوجدت ها تنظر لها بتساؤل؛ فابتسمت، وهتفت: عارفة دماغك فيها إيه عايزة تعرفي إزاي وافقت على بدر، وازاي تفكيري اتغير، وكريم نسيته ليه صح؟
هزت رأسها بنعم، وهتفت بفضول: أيوه طبعاً، إيه اللي حوصل؟!
استلقت عاليا على الفراش، متكأة على ذراعها الأيمن واشارت لها أن تستلقي بجواره؛ ففعلت ذلك، متكأة على ذراعها الأيسر لتكون مواجهة لها، ونظرت لها باهتمام.
هتفت عاليا باختصار: كل اللي حصل إني عرفت فين الحب الحقيقي، وفين الحب الإفتراضي.
عقدت حاجبيها، وهتفت: عرفنا ان بدر الحقيقي، والتاني كان افتراضي زي ما بتقولي، بس بردك مش هسيبك غير لما تقولي كيف وصلتي لده؟!
روت لها عاليا ما حدث معها منذ أن وصلت من الصعيد حتى اكتشفت الوهم الذي عاشت فيه، واكتشفت ان حب بدر مُترسِخ في قلبها منذ الطفولة؛ لكنها ام تعي معنى هذا الحب الحقيقي إلا بعد صدمتها التي تعرضت لها.
نطقت ملك بذهول: معقووول كل ده حصلك، ومعقول كريم اللي كان في الصعيد كان من خيالك؟!
والحقيقي طلع بيحب حسناء مش انتي، لا وانتي كمان بعد صدمتك تفوقي، وتعرفي ان كلام الكل صح، وانك بتحبي بدر بس في صورة كريم، طيب الحمد لله إن الفكرة اللي في عقلك اتصلت، و فهمتي إن الحكم على الناس ميبقاش بالمظهر وبس.
بس تعرفي يا عاليا والله لو حد غيرك بيحكيلي الكلام ده يمكن مصدقوش. انا لما حكيتي ليا عن كريم ده معرفاش ليه مفرحتش إكده؛ لكن دلوك أني فرحتي بقيت فرحتين.
عاليا بضحك: أيوه ياستي هنياله فرحانة بينا، وفرحتك الكبيرة ب سي عمر؛ بس اكتر حاجة مفرحاني في موضوعك انتي وعمر هو انك هتبقى هنا معايا، وكمان جه نقل سالم هنا أجمل خبر فرحني علشان عبير، وأخيراً اتجمعنا.
ملك بهيام: عمر ده أجمل هدية من عليا ربنا بيها.
اعتدلت عاليا وحركت ذراعيها كأنها تعزف كمان
وصحبتها بصوت: تيراررااا إيه يا ست ملوكة الرومانسية دي كانت مستخبية فين؟! 
ملك بضحك: كنت بوفرها للي يستاهلها، وأهو جه والحمد لله، تعرفي خطوبتنا كانت ولا في الأحلام رغم إنها كانت في البيت، وعلى الضيق، بس كانت فرحتي متتوصفش، مكانش ناقصني غير وجودك معايا.
ضربت عاليا رأسها بكفها بخفة، وهتفت: أه صحيح من شوية حسناء كلمتني، وقالت إن كريم راح لباباها وحكاله كل حاجة تخصه، وبينله إنه بيتمني تكون حسناء من نصيبه، ولما باباها قالها انهم هيتجوزوا على طول بعد العدة لأن مينفعش خطوبة خلالها كلمتني علشان تعرف إزاي خطربتك تمت وانتي كمان لسه في فترة العدة؟
ملك بسعادة: أهم حاجة قولتيها قبل ما اجاوبك ان حسناء وكريم خلاص هيتجوزوا، وانتي مزعلتش لما عرفتي ده يبقى فعلا فوقتي بجد، وانا إكده أرتاح علشان مضايقش لو صدفت وعمر قابل حسناء.
عاليا بهدوء: وحتى لو مكنش ده حصل يا ملك أنا واثقة جداً في عمر، وحبه ليكي باين في كل تصرفاته، وأوعي تحطي في بالك انك مجرد مسكن أو أنك مكان جرح لأ لانه لو كان لسه بسحب حسناء كان حاول يرجعلها مجرد ما عرف انها اطلقت؛ بس ده محصلش، ها قولي بقى انتوا أكيد مكنتوش تعرفوا إن الخطوبة كده غلط صح؟
ملك بهدوء : لأ عارفين أكيد، وعمر بالخصوص لأنه محامي، وبيحب القراءة في كل المجالات وبالذات في الدين؛ بس سالم كلم عمر في يوم، ودخلوا المكتب، وغابوا جوه، وبعدين لما خرجوا عمر كان شكله زي العيل الصغير اللي جاله هدية بيحبها، وفرحان بيها، وفضل يومها يضحك، ويهزر مع الكل، ولما جيت أوصله عند الباب، وهو مروح، قالي إنه أسعد واحد
في الكون باللي عرفه، ومشي بسرعة من غير ما يفهمني.
روحت لسالم، وقولتله يفهمني اللي حوصل، وإيه سر الفرحة اللي عمر فيها دي من وقت ما اتخدت معاه.
قالي إنه كلم عمر إنه عايز يعمل لينا خطوبة علشان أهلنا هناك يعرفوا، واللي مش هيحب ياجي الفرح يبقى فرح معانا هناك، عمر قاله انه طبعاً هيكون سعيد بكدة، و يتمناه بس الشرع بيمنع حتى الخطوبة في فترة العدة.
سالم مكنش عايز يقوله الحقيقة، ويخليها مفاجأة ليه؛ بس في نفس الوقت انتي عارفه الناس عندنا بيهتموا ازاي بالتفاصيل، وحديت الناس بعد ما نسيب البلد كان لازم يكون زين مش يقولوا خد اخته المطلقة، ولزقها لحد في اسكندرية، أو أنه ساب البلد علشان اخته أطلقت وميعرفوش السبب كان لازم إشهار اني اتخطبت، وحكاية حكم الشرع مش مهم الناس هيقولوا إيه المهم اننا عارفين اننا بينا بنعمل الصح وبس؛ فقال لعمر إن جوازي متمش، وانه كان على الورق بس، وحكاله ظروف اللي خلت حامد يتجوزني من الأول.
سالم قالي إنه شاف عمر وقت ما سمع الحديت ده كان عقله هيطير من فرحته، وقام وفضل يحضن في سالم، ويبوس في رأسه، ويقوله انت أحسن ظابط، وأخ، وصديق في العالم كلاته.
ولما هدا شويه قاله إن إكده الخطوبة ممكن تتم عادي؛ لأن حكم الشرع انقسم في الحكاية دي لفريقين من العلماء
منهم من قال ان العدة تتوقف على إتمام الزواج، ومنهم اللي قال ان العدة تقع بمجرد حدوث خلوة فقط يعني يجمعنا مكان واحد حتى لو الجواز متمش، وأن مدام فيه اختلاف يجوز اننا نتبع أي رأي فيهم.
عاليا بسعادة: وانتي اساسا لا حصل إتمام جواز، ولا حتى خلوة لأنك قولتي انه كان بينام في اوضة تانية، أو بيسهر طول الليل بره ويرجع الصبح، وانتي برة الأوضه، وسواء ليكي عدة أو لا فهى مجرد خطوبة وبس صح كده؟
هزت رأسها بنعم، هتفت بضحك: صوح يا أذكى اخواتك،سالم قال خلينا في الأمان عقبال ما نستقر إهنه يكون باقي ال ثلاث شهور خلصوا، ويبقى احنا عملنا بالرأيين.
احتضنتها عاليا مرة أخرى، وهتف: مبروك علينا يا قلبي ربنا يسعدنا، واااو هنبقا جيران كمان يا ملوكة انا متخيلتش اني احس بكل السعادة دي في يوم.
ملك بسعادة: واني كومان ياعاليا، والله رغم كل الحزن اللي مريت بيه كنت حاسة ان ربنا هيريح قلبي في وقت ما، وأكتر حاجة مفرحاني اوي أمي اللي اتغيرت معايا للأحسن ٣٦٠ درجة، زي ما يكون لما حست اني هروح منيها فاقت، وغيرت معاملتها معانا اني، وعبير كومان.
عاليا بسعادة: الحمد لله يا قلبي.
ملك: هقوم بقى اقعد، معاهم شوية على ما سالم، وعمر يرجعوا مع بدر، وعمي من بره.
عاليا بضيق مصطنع: ايوه سي بدر ما صدق سالم يكلمه يقوله انكم وصلتوا، وجه بسرعه وصلكم فوق هنا، وخد سالم، وعمر وراحوا لعمي تاني عند والد ميرفت.
عقدت حاجبيها، وهتفت: وانتي ايه مضايقك إكده؟!
معقول انهم مع أبو ميرفت
هزت رأسها بالنفي، وهتفت بخجل: لا بس بدر البدور وحشني
ضحكت ملك بصوت عالي حتى وضعت يدها على فمها كي تخفض منه، وهتفت: والله ووقعتي ياعاليا، والله انتي عجيبة.
ضربتها عاليا بخفة، وهتفت: على فكرة بقى، ولا عجيبة، ولا حاجة، طول عمره بيوحشني، وطول عمري بخاف على زعله بس دماغي اللي كانت غبية، وياله بقى من هنا بطلي رخامة، هذاكر شوية صغيرين عقبال ما يوصلوا وعلشان نسهر سوا.
تركتها ملك، وخرجت، وجلست هى على مكتبها وأمسكت دفتر الرسم الخاص بها، ومزقت جميع الصور الخاصة بكريم، ولم تتخلص من الورق المقطع؛ فقد فضلت أن تتخلص منه أمام بدر، ثم تنهدت بارتياح، وشرعت في المذاكرة لفترة دامت ل الساعة، والنصف، ثم استمعت لصوت الباب يعلن عن وصول حبيب عمرها كما أطلقت عليه بينها، وبين نفسها؛ لأنه حبيبها منذ أن بدأ عمرها.
نهضت مسرعه، وقامت برفع ذراعياها للأعلى، و للجانب كحركه لاستعادة نشاطها، وتحركت مسرعة نحو خزانة ملابسها أخرجت فستان باللون الأزرق، ويتوسطه حزام أبيض، وارتدت حجاباً من اللونين معاً، ولم تضع أي من لمسات الزينة سوى الكحل فقط.
وقفت تطلع لنفسها في المرآة، وضعت يدها على قلبها في حركة تلقائية تريد بها تهدأة دقاته، وهتفت محدثة صورتها: مالك يا عاليا إيه الحالة اللي انتي عايشها دي، معقول كنتي عايزة تحرمي نفسك من كل الفرحة دي، معقول كل الحب ده جواكي وكنتي بغبائك عايزة تربطي نفسك بحد تاني.
أغمض عيناها، وتنهدت بارتياح، ثم فتحتهم وهتفت مبتسمة: الحمد لله إنك فوقتي قبل فوات الأوان.
ألقت لنفسها قبلة، وسمعت صوت جدتها تنادي، عليها؛ فخرجت والسعادة تعانق قلبها الصغير.
لا تعلم لما يداعبها شعور الخجل هكذا؛ فهذا البيت هو نفسه البيت الذي قضت به سنوات كثيرة منذ أن جاءت إليه من بلدها، وهؤلاء هم أهلها التي عاشت بينهم بكل حرية، وهذا هو بدر الذي كانت تطلق عليه منذ أيام قليلة لقب أخ؛ لكن منذ أن صرحت بمشاعره أمامه، وهى تشعر بأحاسيس غريبة، وجميلة في آن واحد.
خطت خطوات هادئة، وهى تتلاشى أن تقع عينيها عليه كي لا تفقد توازنها، ويسيطر عليها الخجل أكثر من ذلك.
ألقت التحية على الجميع، ورحبت بسالم، وعمر بابتسامة هادئة.
لم تعي لنظراته المعجبة بشدة بها، وكأنه يراها لأول مرة؛ بالفعل هى أول مرة يراها وهي حبيبته وملكه فقط، كم تمنى هذه اللحظات، وكتب في انتظارها الأشعار، ولم يتخيل أن تتحقق، وتتحول لواقع.
كاد كامل أن يتحدث؛ لكن صوت إيمان قاطعه هاتفة بسعادة: يا أهلاً وسهلاً بجوز بتي الكبيرة كيفك ياسالم معلهش كنت بجهز العشا مجيتش رحبت بيكم على طول.
سالم بابتسامه : أهلا بحضرتك يامرت عمي، بكفاية مقابلتكم الزينة، واستقبال عمي، وستي و تسلم يدك مقدماً ياست الكل.
إيمان: كيفك ياعمر ياولدي ألف مليون مبرووك ربنا يتمم فرحتكم على خير، ومعاك فرحة صاحبك.
وضع عمر يده على صدره كتحية، وهتف بابتسامه : الله يبارك في عمرك يا خالتي.
إيمان بهدوء : العشا جاهز على السفرة يا حاج كامل.
نهض كامل، وهتف : ياله ياجماعة اتفضلوا البيت بيتكم.
بعد فترة أنهوا طعامهم، وجلسوا في غرفة استقبال الضيوف، ونادت إيمان على عاليا فذهبت لها داخل المطبخ؛ كانت تعد القهوة.
عاليا بهدوء: بتنادي عليا يا طنط.
إيمان بفرحة: أيوه ياقلبي.
نظرت لها بعيون تملؤها السعادة، وهتفت: بسم الله تبارك الله طول عمرك قمر يا عاليا بس النهاردة جمالك مضاعف في عيني، شوفي من إهنه ورايح متقوليش ياطنط دي، أني قولتلك قبل سابق قوليلي ياما أول ما جيتي إهنه بس محبيتش اغصب عليكي لما مقولتيهاش؛ لكن دلوك انتي بتي بحق، وحقيق يعني بتمنى اسمعها منيكي.
ابتسمت عاليا بهدوء، وهتفت بخجل: حاضر ياماما.
اقتربت منها إيمان، وضمتها بحنان، وهتفت: يحضرلك الخير، والسعد يا حبيبتي.
حملت بين يديها صينية عليها أكواب القهوة، وناولتها ل عاليا، وهتفت بسعادة: خدي يا عروستنا يا قمر اية دخلي القهوة لعمك جوة، زمناته بيتحدت مع سالم في جوازكم.
اشتعلت وجنتيها بحمرة الخجل، وأخذت منها ، واتجهت نحو غرفة الضيوف بخطى هادئة للغاية، وعيون ناظرة للأسفل، عندما رأها كامل هتف: وأهي عروستنا جت أهي تعالي يابتي
تبعتها إيمان، وفاطمة، واجتمع أ جميعاً في الغرفة.
قدمت عاليا لهم القهوة، وكاد أن تخرج إلا أن عمها اوقفها بقوله: مفيش حد غريب يابتي تعالي.
نظر لسالم وجده متعجب بعض الشئ من كلامه؛ فهتف: شكلك مستغرب حديتي يا سالم ياولدي؛ بس هقولك عاليا بتي، واني في مقام ابوها الله يرحمه؛ وانا أخوها الكبير، وأي عريس جاي لعاليا لازم الموافقة تكون شورة بينا، واني أكيد موافق على العريس اللي متقدم ليها، لسه بس رأيك.
نظر سالم مسرعاً نحو بدر؛ فهو يعلم مدى حبه ل عاليا؛ فوجده مبتسم؛ ففهم ما يقصده كامل، وقبل أن يتحدث أكمل كامل حديثه: بدر ولدي رايد يتجوز عاليا ويكمل نص دينه.
اتسع فم سالم معلناً عن ابتسامة سعادة نابعة من قلبه، وهتف: شوف يا عمي حضرتك اللي مربي عاليا، ومن حقك لوحدك تقرر زواجها لأن أني واثق إن مفيش حد هيخاف عليها قدك، وأن كان حضرتك بتاخد رأيي باعتباري في مقام ولدك، واخوها الكبير؛ فأكيد مفيش حد هيصونها، وقدرها زي بدر، فلو هى موافقة يبقى ألف مليون مبروك يا عمي، ربنا يسعدهم.
كامل بهدوء: أني سألتها قبل ما اكلمك؛ بس هنقول تاني قدامكم
نظر لعاليا التي ظهر على فمها ابتسامة خفيفة، وختف: ها يا عاليا يابتي موافقة ومقتنعة، أوعى تفكري انه علشان ولدي ممكن أزعل لو غيرتي رأيك انتي بتي زي ما هو ولدي، واللي يهمني راحتك؛ فقولي رأيك من غير خوف.
ابتسمت عاليا، وهتفت بهدوء، وخجل: ربنا يبارك لي في عمرك يا بابا، اللي تشوفه حضرتك.
كامل بضحك: طالما فيها بابا يبقى زغردوا يابنات فرحونا بقى.
علت الزغارديد وهنأ الجميع بعضهم، ووقف بدر، وهتف: بعد إذنك يابابا، وانت كمان ياسالم أنا مش عايز خطوبة.
نظر له الجميع بذهول، وبالأخص عاليا؛ لكنه فاجأهم بأنه أخرج من سترته علبة من القطيفة، وهتف: عايز فرح على طول ويكون ده بعد شهر من أخر يوم في امتحانات عاليا ممكن؟
تنهد الجميع، وعادت الابتسامة لوجوههم، وهتف كامل : ماشي واني موافق وانت رايك ايه ياسالم.
سالم بابتسامة: إيه رأيكم يكون الفرح جماعي لعمر، وملك، وعاليا وبدر، ويكون تاني يوم من انتهاء عدة ملك.
وافق الجميع على هذا الرأي، وهتف بدر: طيب اسمحولي بعد إذنكم ليا طلبين حالياً.
ضحك سالم، وهتف بنزاح: أاااه طلباته كترت ياعمي بقول نفركش.
ضحك كامل، وهتف: بلاش ياولدي شوف وشه قلب إزاي خاف على روحك يا حضرة الضابط.
سالم يصطنع الخوف :عندك حق يا عني، دي عينه هطلع شرار، اتفضل يا بشمهندس بدر طلباتك أوامر.
ابتسم بدر، وفتح العلبة التي بيده، وهتف: اسمحولي أنا اشتريت دبلتين مؤقتاً، وحابب نلبسهم دلوقتي، وأن شاء الله اول ما عاليا تخلص امتحان نخرج كلنا، وتختار الشبكة اللي هي تحبها ممكن.
كامل بموافقة: طبعاً يا ولدي، حتى تبقى خطيبتك رسمي.
بدر بهدرء: طيب بعد إذنكم ممكن ننزل أنا، وعاليا نتمشى شوية؛ لأنها أكيد الأيام الجاية مش هتكون فاضية، وانا كمان مش هعطلها علشان الامتحانات، هى بتحب تروح على البحر، وانا بتمنى البسها الدبل دي هناك ممكن؟
كامل بهدوء: ماشي أني معنديش مانع؛ بس متعوقوش، ولو مفيش عندك مانع ياسالم يا ولدي خلي عمر، وملك يخرجوا يتهوا معاهم، وأديكم إكده، ولا إكده مبيتين إهنه معانا زي ما قولتلك عقبال ما تجهزوا شقتكم براحتكم.
حك سالم مقدمة رأسه فعادتهم لا تسمح لهم بخروج قبل الزواج؛ لكن عمه كامل من الواضح تأثر بعيادات أهل الإسكندرية؛ فهتف: طيب إذا كان إكده نخرج معاهم أني، وعبير كومان أهو نشم هوا نظيف على البحر.
هتفت نوارة بابتسامه : ومتشلوش هم مروان هو في حضني على ما ترجعوا بالسلامة.
قبل الخروج استأذنت عاليا، وأحضرت حقيبتها التي وضعت فيها شيئاً ما، وهتفت: انا جاهزة
خرج الجميع وسعادتهم عنوان نظراتهم، وصلوا عند الشاطئ، وكل منهم سار بجوار حبيبته، على مسافات ليست بالبعيدة، ولا بالقريبة من بعضهم
عندما شعر بدر أنه ابتعد قليلا عن البقية، أو بمعنى أدق سمحوا له بالابتعاد قليلأ؛ لكنهم مازالوا في مجال الرؤية.
أوقف عاليا، ووقف أمامها وأخرج من سترته العلبة التي كانت من القطيفة الحمراء، وفتحها أمامها، نظرت لها عاليا؛ فوجدت بداخلها الحلقتان واحدة من الذهب، والأخرى من الفضة.
ابتسمت، ونظرت لبدر بحب فوجدته يمسك الحلقة الذهبية، وهتف: الدبل دي معايا من سنين كتير، أوي يا عاليا، ومنقوش عليها اسامينا،وكنت بحلم باليوم اللي ممكن نلبسها لبعض، كنت بتمنى الحلم يبقى حقيقة علشان كدة اشتريتهم، وكنت كل يوم لازم أفضل أبص ليهم، واكلمهم، وكأني بعبر ليهم عن حبي ليكي.
جثى أمامها على ركبة، ومستند على قدمه الأخرى، ومد يده لها وهو يهتف: أميرتي تسمح لي أحقق حلمي؟
لم تتخيل أن يشعر قلبها بكل هذه السعادة؛ فابتسمت، ومدت يدها المرتعشة له؛ فأمسكها مسرعاً، و ألبسها الحلقة الذهبية، وقبل كفها برقة، ونهض يمد لها الحلقة الأخرى؛ فأمسكها، وألبسته إياها في إصبعه، وهتفت: بدر أنا مش قادرة أوصفلك أنا فرحانة إزاي في اللحظة دي؛ قد كده كنت عامية، ومش قادرة أشوف حبك؟!
قد كده بغبائي فسرت اهتمامك، ولهفتك أخوة؟!
أنا بجد أسفة على كل لحظة جرحتك فيها، وكل دقيقة فكرت في حد تا......
قاطعها بدر، بوضع يده على شفتيها، وهتف بهدوء: ياريت منتكلمش في اللي فات، خلينا نفكر في اللي جاي، وبقولك وانا متأكد إن مهما كانت فرحتك؛ مش هتكون قد فرحتي بيكي، وأوعدك إني أعمل المستحيل علشان أسعدك، وأول حاجة إني كنت كلمت دكتور علشان أعمل عملية تساعدني أنزل وزني علشان.......
قاطعته عاليا هذه المرة هاتفة: لا مفيش عمليات، مش، ممكن أوافقك على كدة.
بدر بتعجب: بس انتي كنتي نفسك اني أخس.
عاليا بصدق: ده قبل ما أفهم الحب صح، ده أيام ما كنت سطحية وبحكم بالمظاهر، وبس أنا كل اللي يهمني دلوقتي هو ده.
قالتها، وهى تشير بإصبعها إلى قلبه ثم هتفت مكملة حديثها الذي أطرب قلبه: أما تنزل وزنك أو لأ ده يرجع لك انت بس بدون عمليات، وكمان بأكد لك إنك علمتني معنى الحب الحقيقي يابدر، وانت اللي خرجتني من وهمي، أنا بحبك يا بدري.
فتح ذراعيه في الهواء وهتف بصوت عالي: يااااااااه أخيراً يا روح بدرك نطقتها، بحبك ياعالياااا بحباااااااك.
عاليا بضحك: صوتك عالي يامجنون استنىدبس عايزة أوريك حاجة، أخرجت من حقيبتها علبة وفتحتها؛ فنظر لها بدر وجد قطع من الأوراق ممزقة؛ فسألها بتعجب: إيه ده؟
عاليا بهدوء: ده حبي الافتراضي كل الصور اللي رسمتها لكريم قطعتها، و عايزاك انت تطيرهم في الهوا علشان يبقي ده نهاية الوهم.
اتسعت ابتسامة بدر، وأمسك العلبة منها، وأخرج قصاصات الورق وقام بنثرها في الهواء، وهو يهتف: بحبك بحبك بحبك يا عاليا ااا.
ثم وقف، ونظر لها في عينيها بحب؛ فأخرجت من الحقيبة ورقة أخرى مرسوم عليها رسمة؛ فنظر لها، و جدها قد رسمته هو، وهى بجواره بفستان زفاف، وكتبت فوقها الحب الحقيقي


أخرجهم من عالم الهيام الذي ذهبوا له سوياً صوت تصفيق سالم، وعبير، وملك و صافرات أطلقها عمر عندما اقتربوا منهم.
فنظروا لهم، وهم يضحكون، و اقتربت ملك، وعبير من عاليا يرون الحلقة الذهبية التي زينت إصبعها، واختضنوها مهنئين لهم، و متمنين حياة سعيدة تجمع قلوبهم جميعاً.
____________________
في نهاية رحلتي الطويلة مع أبطال روايتي اللي كل واحد منهم ليه حكايته المميزة، وكل واحد فيهم بطل أول للرواية أحب أقول حاجة صغيرة.
الحكم بالمظهر أكبر خطأ ممكن يرتكبه إنسان في حق نفسه؛ لأن الجوهر هو الباقي، و القشرة الخارجية مهما كانت براقة سيأتي عليها ميعاد، وتصدأ، أو تتساقط، وتظهر على حقيقتها.
أتمنى أكون وصلت فكرتي بسهولة، وتكون الرواية خفيفة على قلوبكم، وهادفة.
كان في غرفته يمارس بعض التمارين الرياضية كما طلب منه طبيبه، ويضع الإسطوانة التي أهدته إيها ريم في مشغل الإسطوانات، ويستمتع بكلمات تلك الأغنية التي مست قلبه بشدة، وتجعله في كل مرة يعيدها يشعر، وكأنه مراهق في بداية حياته، تداعبه مشاعر جديدة على قلبه.
لقد اشتاق لها بالرغم من رؤيتها قريباً، لقد انتظر طويلا عمر بأكمله قبل أن يمس الحب قلبه، والأن ظهرت تلك الحبيبة لتخطف أنفاسه، عقله، وقلبه في آن واحد.
أوقف ممارسة الرياضة، واتجه لفراشه وجد يديه تمتد تلقائيا تحت الوسادة والتقط رسائلها، التي لا تفارقه نهائياً، فتح أول رساله، تجولت عينيه على كل كلمة بشوق وفجأة شعر برغبة ملحة لسماع صوتها.
وجدت ريم هاتفها يضيء؛ فنظرت للشاشة،وتسارعت دقات قلبها بسعادة كما اعتادت أن يحدث لها منذ أن هاتفها بعد إستماعه للأغنية التي أهدته إياها، وأعلن عن عشقه لها، وأنها فتاة أحلامه التي أنقذته؛ كما أنقذ الأمير الأميرة النائمة؛ لكن هذه المرة الأميرة هى من قامت بذلك الدور، وأنه مستعد لتقديم أي إثبات على مدى صدق كلامه؛ فطلبت منه أن يعطي نفسه فرصة لا يراها، ولا يهاتفها؛ كي يتأكد إن كان شعوره حب، أم تعود، أو امتنان فقط؛ فامتثل لرغبتها متيحاً لنفسه تلك الفرصة، وهذه هى المرة الأولى بعد هذه الفترة التي لم تتجاوز أيام قليلة.
ابتسمت، ثم تمتمت بخفوت، وتوتر : حازم ! ياترى سبب اتصاله هيكون ايه؟!
ياترى هيفرح قلبي، ولا هيكسره؟
إنت حب سنيني يا حازم، ياارب متخذلنيش.
بمجرد رؤيته أول ثانية معلنه عن قبولها الاتصال قال بشوق: وحشتيني أوي يا ريم،
اذدادت دقاتها أكثر حتى هيأ لها أنه سيستمعها، ولونت حمرة الخجل وجنتيها ولم تجد عون من صوتها أن يخرج.
ردد قائلا بتعجب: ريمو روحتي فين كده؟!
تحدثت بصوت مرتعش من شدة سعادتها: إحم موجودة
ابتسم عندما تخيل شكلها خجلة، وهتف مداعباً: طب ساكتة ليه؟
تمتمت بهدوء، وابتسامة: مش عارفة أقول إيه.
حازم بهدوء: تعرفي يا ريم، أنا مستغرب نفسي.
ريم بتعجب: ليه؟!
تنهد حازم، وهتف: لأني اتبدلت من إنسان عديم الفايدة، وقاسي، ومبيهتمش بحد غير نفسه لدرجة إني ظلمت الإنسانة اللي اتجوزتها بمنتهى الوحشيةبدون ما تأذيني؛ ربنا يسامحني على اللي عملته فيها. ودلوقتي بقيت إنسان قلبه مبهدله، وكل همي دلوقتي أثبت نفسي علشان أكون جدير بحبك، وكمان جدير بثقة والدك، بس تعرفي ان كان عندك حق في طلبك مني إني متصلش ابعد فترة أفكر.
توترت ريم مرة أخرى، وهتفت: بمعنى؟!
ابتسم، وهتف: بمعنى إني أنا نفسي كنت خايف أكون متعود على كلامك اللي بيشجع، أو أكون ممتن لوالدك علشان ساعدني؛ بس لما مكلمتكش، ولا شوفتك حسيت بحاجة عمري ما حسيتها.
ابتسمت، وتمتمت بخفوت: احساس إيه؟
حازم بصدق: حسيت إني ناقصني حاجة، وكمان صورتك مفرقتش خيالي ولو لحظة، سواء وانا في الصيدلية بحاول أرتب طلباتها، أو في البيت بعمل رياضة، أو حتى وانا نايم بحلم بيكي، وعلى فكرة حلمي بيكي مش جديد الجديد هو إن الملامح وضحت بس؛ لكن قبل كده كنت بحلم بيكي بصورتك واحنا صغيرين بس برده الملامح مكنتش واضحة أوي لأني كنت ناسي شكلك بسبب البعد.
ريم بصدق: وانا بقى عمري ما نسيتك ولا يوم، ولا لحظة حتى وانا بعيدة.
رد حازم بلهجة من عزم على شيء ما: ريم تتجوزيني؟
دق قلبها دقات سريعة متتالية، شعرت بقلبها سوف يخرج ويطير محلقًا من شدة سعادتها: انت بتقول ايه؟
زينت شفتيه الابتسامة هو يقول: هجي دلوقتي اطلب ايدك من عمي، هو اتصل عليا النهاردة الصبح، وقالي انه هينتظرني علشان عايزني في موضوع، وانا كنت مهدتله قبل كده، وقالي لو انتي موافقة هو معندوش مانع؛ فاضل بس يسمع موافقتك منك، ونحدد ميعاد للخطوبة.
ردت بنبرة خجولة خافتة: هتكلمه دلوقتي، بلاش جنان ياحازم، استنى بس.
حازم مسرعاً: أنا فعلاً مجنون بيكي ها استنى إيه تاني يامنقذتي؟
قالت برقة: منقذتك إيه بس، أنا كنت مجرد سبب ربنا حطه في طريقك؛ لكن انت من جواك كويس، وظهوري كان علشان أقولك أنت مبقتش لوحدك.
- وعشان انا مش عايز اعيش يوم لوحدي تاني، عايز الانسانة الوحيدة اللي آمنت ان جوايا لسه في بقايا انسان صالح، عايزها تبقا شريكة حياتي، تبقا ام أولادي، نعجز مع بعض.
دمعت عينيها وهي تسمعه، بح صوتها عندما تكلمت: وانا كمان، دي كانت امنيتي الوحيدة، ومن زمان والله.
_ وعشان كده بقول خلاص مفيش تفكير، ولا خوف، ولا تردد تاني،هاجي لبابا في ميعادي معاه بعد شوية،واشوف عايزني في إيه، وبعد كده هكلمه على طول تمام؟
ابتسمت، وهتفت: اللي تشوفه.
حازم بضحك: الله بقى على حبيبي المطيع.
عندما أغلق الهاتف معاها، اتجه خزانة ثيابه ثم فتحها على مصراعيها واختار منها ما سيرتديه، وبعد أن تمم على مظهره، توجه للخزانة مرة أخرى، وأخرج منها صندوق صغير من الخشب عليه قفل صغير، أخذه، وجلس على فراشه، وقام بفتحه بمفتاح لا يفارق سلسلة مفاتحيه.
وقعت عيناه على ورقة أمسكها بيد مرتعشة بعض الشئ، وقبل أن يفتحها تذكر والده، وهو يعطيه الصندوق بعد وفاة والدته، وقال له أنها من طلبت أن يكون لك، وأنها لا تريد أن يفتحه إلا عندما يدق قلبه بالحب يوماً ما.
فتحها بعيون تلمع بالدموع، وهو يتذكر صورة والدته، وحديثها معه دائماً قبل أن تتركه يكره هذه الحياة دونها؛ حتى ظهرت في حياته ريم.
تحركت عيناه على كلمات خطاها قلب والدته، قبل قلمها.
(حبيبي حازم
أنا طلبت من بابا يقولك إنك متفتحش الصندوق ده إلا يوم خطوبتك على اللي قلبك دق ليها، وده لسببين
أولهم إن لو بتفتحه لوحدك بدوني دلوقتي؛ يبقى ربنا أراد ليا إني مكنش موجودة وقتها في الحياة؛ فحبيت أكون جمبك حتى لو بكلامي، وأقولك ألف مبروك يا نور عيوني، كنت بتمنى أكون معاك، وأشوفك عريس زي ما كنت دايماً بحلم من وانت صغير؛ بس معلش بابا جمبك، واللي اختارها قلبك هتكون معاك بدعيلك من قلبي انها تبقى بنت كويسة تحبك من قلبها، وبوصيك عليها كمان.
ثاني سبب إني حبيت أسيب ليها ذكرى مني، وعارفة إن لسة بدري على اليوم ده والموضة بتختلف؛ بس اتمنى انها تقبلها كهدية، وتحتفظ بيها، مش لازم تلبسها هتلاقي في الصندوق علبة قدمها ليها، وقولها دي هديتي ليها، وربنا يسعدكم يا حبيبي، و هقولك لأخر مرة مع السلامة يا حزومة)
قام بتقريب الرسالة من فمه، وقبلها فتبللت من دموعه التي تجري على وجنتيه، ومد يده يمسك إطار موضوع على الكمود بجانب فراشه به صورة لوالديه وهو يتوسطهم، وقربها أمامه، وهتفت محدثاً إياهم: أنا أسف غلطت في حقكم كتييير أوي، وبالذات انت يا بابا حقك عليا، عارف إن ندمي متأخر بس أنا هحاول أكون زي ما اتمنيتوا، وهخلي كل أهلي يفتخروا إني ابنكم، كنت بتمنى تكونوا معايا.
قبل الصورة، وأعادها مكانها، ثم نظر للصندوق مرة أخرى، وأخرج منه العلبة، وقرر أن لا يفتحها إلا أمام ريم؛ فلتكن مفاجأة لهم معاً.
نهض من مكانه، ودلف المرحاض ليزيل أثار بكاؤه بالماء، ثم خرج من الغرفة متجهاً لسيارته؛ كي يفعل ما عزم عليه.
يجلس في مكتبه شارد الذهن، يمسك بين يديه مجموعة من الأوراق ينظر لهم، ويحدثهم كأنهم أشخاص أمامه.
مكنش قدامي حل غير إني أعمل كده؛ علشان قلبي يستريح من قلقه، دي بنتي يعني أه صديقي أمني أمانة، ووصاني على حاجة؛ بس لو إني أكسر الوصية في سبيل إني أطمن على ريم؛ يبقى كان لازم أعمل كدة.
سامحني يا أمين كان نفسي أنفذ وصيتك للأخر؛ بس دي ريم يا أمين، وأكيد لو كنت موجود معايا مكنتش هتزعل.
دق باب غرفة المكتب؛ فهتف أذناً لمن بالخارج بالدخول؛ فدلفت ريم والسعادة تشع من وجهها، وهتفت : حبيب قلبي قاعد لوحده ليه في المكتب، النهاردة الجمعة غريبة انت مش بتشتغل النهاردة.
ابتسم عزيز، ونظر لها بإعجاب، وهتف مداعباً لها: سيبك من قاعد ليه والكلام ده إيه الشياكة دي، انتي كدة هتغطي على جمال الورد اللي عندك.
ابتسمت ريم، وهتفت بدال، وتفاخر مصطنع: طول عمري قمر في عيونك الحلوين يا حبيبي.
ضيق عينيه، وهتف: بت يابكاشة انتي شكلك عندك طلب، وبما انك متشيكة أوي كدة يبقى عندك خروجة وعايزة فلوس صح.
قبل أن ترد دق باب الغرفة، وأذن عزيز لمن بالخارج بالدخول، وكانت الخادمة التي هتفت: عزيز بيه الأستاذ حازم برة وعايز يقابل حضرتك.
نظر لابنته بعينٍ ضيقة: اااه الشياكة دي كلها علشان عرفتي انه جاي صح؟ مش قولتي مش هكلمك الفترة دي.
ريم مسرعة: ما هو فكر يابابا، وحب يعرفني وصل لإيه؛ فكلمني، وعرفت انه جاي، أرجووك يا بابي لو سمحت بلاش تبين قلقك منه، وكمل بقى طريقك اللي بدأت معاه انك تديله الثقة، وصدقني قلبي بيقولي انه اتغير بجد.
هز رأسه بموافقة، وهتف: ربنا يقدم اللي فيه الخير يا حبيبتي، ممكن لما يدخل تستأذني لأني حابب نكون وحدنا؟
ريم بهدوء: حاضر يا أحن، وأحسن أب في الدنيا كلها.
نظر للخادمة، وهتف: خليه يتفضل هنا يا عديلة.
دق حازم باب المكتب، ودلف هاتفاً: السلام عليكم.
أشار له عزيز بابتسامة: وعليكم السلام تعالى يا حازم يابني اتفضل.
صافحه حازم، وعلى وجهه ترتسم ابتسامة واسعة، وعيونه تلمع بأمل لحياة جديدة يتمنى أن يبدأها.
أدار نظره قليلاً لريم التي خفق قلبه منذ المؤهلة الأولى لدخوله المكتب عندما رأها تقف بجوار والدها، وهتف بنبرة بها شوق، وإعجاب: إزيك يا ريم أخبارك.
ابتسمت ريم، ونظرت الأسفل، وردت بصوت منخفض: الحمد لله بخير، بعد إذنكم هروح أجبلكم حاجة تشربوها، حضرتك قهوة يا بابا أنا عارفة ميعادها، وانت يا حازم تحب تشرب إيه.
هتف بهيام، وكأنه تناسى وجود عزيز: أي حاجة من إيديكي أكيد هتبقى حلوة.
خجلت بشدة عندما سمعت صوت والدها: إحم طيب يا ريم اتفضلي حبيبتي.
توتر حازم، وحك جبينه بأصابعه، وهو يبعد نظره سريعاً بخجل.
خرجت ريم، وأشار عزيز لحازم بالجلوس، وأمسك الأوراق التي أمامه، والف حول المكتب ليجلس أمام حازم، وهتف: أكيد يا حازم بتقول أنا طلبت انك تجيني ليه؟
حازم بهدوء: قلقان بس أكون زعلت حضرتك في حاجة؛ لكن حضرتك تأمر وانا أجيلك في اي وقت، يمكن اقدر أعمل معاك اللي معملتوش مع والدي الله يرحمه.
نظر له عزيز يحاول أن يستشف صدق حديثه، فقلبه يصدق؛ لكن عقله يحذره؛ فربت على قدم حازم بحنان، وهتف: لا متقلقش؛ بالعكس كل كلامك، وكمان التزامك في الصيدلية اليومين اللي فاتوا مفرحني جداً؛ بس النهاردة جايبك علشان أرجعلك حقك، وكل فلوسك اللي كانت أمانة عندي، ومن هنا ورايح انت حر التصرف فيهم، واتمنى تفضل زي ما انت علشان خاطر حلم والدك الله يرحمه.
على عكس المتوقع من حازم؛ فمن المفترض أن يحلق قلبه من فرط سعادته الآن؛ لكنه شعر بوخزة حزن تجتاح كيانه؛ فقد فهم لما هذا التصرف؛ فهتف بهدوء، ونبرة منكسرة: ليه يا عمي كدة؟ أنا عارف إن ده علاقة بكلامي مع حضرتك عن ريم، وإنك خايف أكون بقرب ليها علشان أخد فلوسي.
حق حضرتك متثقش فيا، أنا مش زعلان من كدة؛ علشان كدة أنا أسف اني اتسرعت واتكلم مع حضرتك في الموضوع ده؛ بس أرجوك يا عمي بلاش موضوع إنك ترجعلي الأملاك دي دلوقتي، أنا ما صدقت إن ربنا فوقني، وخرجني من اللي كنت فيه، ياعمي ده لو كان بعد الشر حصل لحضرتك حاجة كان زماني اتعدمت؛ يعني كل أملاكي، وحياتي كمان ميسووش حاجة قصاد اللي حضرتك قدمته ليا، ولو حكاية حبي لريم هتزعلك مني، أنا مش هاجي هنا تاني، وأوعدك مش هحاول أشوفها، ولا أكلمها تاني، لعند ما اثبت نفسي، وأكون جدير بثقتك، وأكون جدير بإني اكون زوج ليها.
عزيز بهدوء: إهدى بس يا حازم، انت ابني وهفضل معاك دايماً؛ وبصراحة أنا مذهول من ردة فعلك، أنا تخيلت إنك هتفرح بإن فلوسك هترجع لك، وتتصرف فيها براحتك، أنا فعلاً تفكيري كان إني أفك عنك أي قيد علشان انا عايز لو ارتبطت ببنتي ميبقاش ارتباط لسبب سواء مادي، أو حتى شعور بامتنان، عايز ارتباطك بيها يكون حب، واهتمام علشان تصونها؛ لأني لايمكن هسمح إنها تتأذي.
بمعنى إنك ابني، وابن صديق عمري، وأخويا؛ بس أكيد مش هكون حابب قلب بنتي يتكسر.
حازم بهدوء: أوعدك ياعمي إن لو كانت ريم من نصيبي هصونها، وهسعدها بكل الطرق، وده والله مش امتنان، ولا شعور بالعود، لأ ده أقسملك يا عمي إنه شعور عمري ما عرفته إلا معاها، وهو الحب، وأسف على صراحتي الذايدة.
كنت بتمنى أبدأ طريقي وهى جمبي، ونمشيه سوا بس علشان قلق حضرتك خلاص إديني فرصة، وانا هثبتلك إني اتغيرت فعلا، وأرجوك خلي الفلوس زي ما هي معاك، ولو احتاجت حاجة هطلبهازمن حضرتك، زي ما كنت بعمل مع بابا الله يرحمه.
ابتسم عزيز، وأعاد الأوراق للمكتب، وهتف: وانا حالياً سعيد جداً بكلامك ده، وفلوسك في الحفظ، و مشوارك مش ريم بس اللي هتمشيه معاك، لا كلنا معاك وحواليك، هنعمل فترة خطوبة لعند ما تخلص علاجك، وتخلص امتحانك السنة الجاية، وبعد كدة الفرح إن شاء الله.
نهض حازم من مكانه، واحتضنه بقوة، ثم هتف بسعادة : حضرتك بتتكلم جد يا عمي؟ والله أنا مش عارف أقولك إيه، أنا أنا أسعد واحد في الدنيا.
ضحك عزيز، وهتف: إهدى يا مجنون هتخليني اغير رأيي.
رفع يده في حركة استسلام، وهتف : لااااا أرجوك أنا هسكت أهو.
عزيز بضحك: أيوه كدة شاطر،تعالى بقى نطلع برة نعرفهم أخر الأخبار، ونشوف المشروبات الجملي دي مجتش لعند دلوقتي ليه.
خرجا سوياً؛ فوجدا ريم، ووالدتها تجلسان في الردهة، وعلى وجه ريم علامات القلق؛ كمن ينتظر نتيجة اختبار الثانوية؛ أنا والدتها كانت تنظر لها بتعجب؛ فضحك عزيز، وهتف ممازحاً: عارفة ان ده ميعاد القهوة يابابا، وانت يا حازم تشرب إيه، فين ياست ريم؟
ضربت ريم جبينها بكفها بخفة، وهتفت: أوبس، والله يابابا نسيت أصلي... يعني...
ضحك والدها، وهتف: طيب انتي، وعقلك مش معاكي، ومامتك كمان فين؟
ضحكت والدتها، وهتفت: أنا لسه راجعة من برة حالاً، ولقيتها قاعدة هنا فسألتها فيه إيه قالت إن حازم معاك جوه، ويادوب هسألعا قدمت ضيافة انتوا خرجتوا.
عزيز بابتسامة: كويس انك نسيتي يا ريم علشان عايزين نشرب دلوقتي الشربات بدل القهوة
ارتسمت ابتسامة واسعة على فم ريم، وهتفت والدتها بتعجب: شربات!
عزيز بهدوء: حازم طالب إيد ريم إيه رأيك.
ابتسمت والدتها، وهتفت بسعادة: ودي محتاجة رأى أكيد موافقة، وهيبقى ابني زي ما بعتبر إيهاب جوز ميرنا بالضبط.
نظر عزيز لريم، وهتف: وانتي يا ريمو أنا عارف طبعاً رأيك؛ بس حابب اسمعها قدام حازم.
نظرت للاسفل بخجل، وهتفت: اللي تشوفه حضرتك يابابا.
عزيز بابتسامة: على خيرة الله، ألف مبروك يا حبايبي.
ضمتها والدتها بسعادة، وباركت لها؛ ثم تحدث حازم بسعادة: اسمحلي يا عمي أقدم لريم هدية ماما الله يرحمها، كانت معايا من يوم ما اتوفت، و النهاردة بس أول مرة افتح الصندوق على حسب رغبتها؛بس محبتش أشوف الهدية إلا معاكم هنا.
دمعت عين والدة ريم، وهتفت: الله يرحمها كانت روحها فيك يا حازم، وفضلت تحلم باليوم اللي تشوفك فيه عريس بس أمر الله.
عزيز بهدوء: اتفضل يا حبيبي.
أخرج حازم من سترته علبة طويلة من القطيفة الزرقاء، واقترب من ريم حتى أصبح مقابلاً لها، وفتح العلبة؛ فوجدوا بداخلها عقد رفيع من الألماظ، ينم شكله عن ذوق رفيع.
هتف حازم بحب: ماما كانت خايفة ذوقه ميعجبكيش أو إنه يكون موضته راحت؛ فقالتلي أنها بتتمنى تقبليه؛ حتى لو هتحتفظي بيه بس مش هتلبسيه.
ابتسمت ريم، ودمعت عيناها، ونظرت لوالديها، وهتفت: بعد إذنك يابابا ممكن ألبسه دلوقتي.
عزيز بابتسامه : لبسه لعروستك ياحازم، وكده يبقى ناقص الدبل وبس.
هز حازم رأسه برفض: لا طبعاً يا عمي بعد إذنك ريم تستحق تختار شبكتها بذوقها، وبعدين دي هدية ماما؛ لكن الشبكة هديتي أنا.
والدة ريم بدموع: طول عمرها مامتك ذوقها يجنن ربنا يرحمها لبسه ليها حبيبي.
ألبسه إياها، وهو يكاد يطير فرحاً كما هو حالها أيضاً، وهتف: أوعدك يا ريم قدام أهلك، اللي هما بقوا أهلي انا كمان إني هحاول قد ما أقدر أسعدك، واكون الزوج اللي حلمتي بيه، واني أكون قد ثقتكم فيا.
_____________________________
تجلس عبير، ومعها ملك في غرفة عاليا ينظرون لها نظرات مختلفة
فعبير تنظر لها بسعادة، ودموع الفرحة تملأ عيونها وهتفت: ألف مليون مبروووك ياختي، متعرفيش أني حاسة بإيه دلوك، والله كاني هطير من فرحتي.
احتضنتها عاليا وأدمعت عيناها: عارفة ياعبير انتي حاسة بإيه يا حبيبتي ربنا يباركلي فيكي، بس تعرفي كان نفسي أوي ماما، وبابا الله يرحمهم يكونوا معايا في التوقيت ده.
انسابت دموع عبير حتى عانقت ثغرها المبتسم، وهتفت: ربنا يرحمهم، هما أكيد حاسين بينا، وبتهايألي مكنوش هيطمنوا علينا قد دلوك أني مع ولد خالي حب سنيني، واللي دلوك شايلني في حباب عنيه، ومحتار يفرحني إزاي، وانتِ مع ولد عمك اللي عشقه كان باين عليه من وهو لساته صغير، أني متوكدة إنه هيجاهد علشان يسعدك زي ما بيعمل طوالي.
ابتسمت عاليا هى الأخرى، وهتفت: الظاهر كلكم كنتوا شايفين حب بدر ليا، واني الوحيدة اللي كنت غبية، وعايزة أهرب من الحب، والسعادة دي.
هتفت ملك بسعادة: ألف مبروك يا حبيبتي، مش قولتلك بدر بيحبك، وانتي كل كلامك وتصرفاتك كومان كانت بتقول إنك بتحبيه، بس بتكابري.
نظرت لها عاليا، وهتفت مبتسمة: الله يبارك فيكي ياقلبي، ومبروك ليكي انتي كمان عمر انسان محترم جداً، وهيشيلك في عنيه.
وقفت عبير، وهتفت: اسيبكم ترغوا مع بعض، واطلع علشان أمي نوارة متبقاش محروجة برة، وكومان اساعد مرت عمي اللي وحشتني في تحضير العشا.
عاليا، وملك في آن واحد: استنى هساعدكم.
ابتسمت عبير، وهتفت: لا العرايس ليهم تكريم عندينا خليكم عارفة انكم اتوحشتوا بعض، لما نخلص هنادم عليكم، وبعدين الجو برة جميل أوي كله فرحة إكدة، والله تعب الطريق راح كأنه مكنش، ولا مرت عمك إيمان حسيت كأنها هيطلع ليها جناحات ياعاليا.
ضحكت عاليا، وهتفت: أيوة صح هى حبيبتي فرحانة أوي علشان بدر، ومتقلقيش على طنط نوارة معاها زمانها اندمجت معاها، ومع ستي، ومقضيها دعاء لينا، وتهاني، وأفراح.
تركتهم عبير، وخرجت من الغرفة، والسعادة تداعب قلوبهن جميعاً.
التفتت عاليا لملك؛ فوجدت ها تنظر لها بتساؤل؛ فابتسمت، وهتفت: عارفة دماغك فيها إيه عايزة تعرفي إزاي وافقت على بدر، وازاي تفكيري اتغير، وكريم نسيته ليه صح؟
هزت رأسها بنعم، وهتفت بفضول: أيوه طبعاً، إيه اللي حوصل؟!
استلقت عاليا على الفراش، متكأة على ذراعها الأيمن واشارت لها أن تستلقي بجواره؛ ففعلت ذلك، متكأة على ذراعها الأيسر لتكون مواجهة لها، ونظرت لها باهتمام.
هتفت عاليا باختصار: كل اللي حصل إني عرفت فين الحب الحقيقي، وفين الحب الإفتراضي.
عقدت حاجبيها، وهتفت: عرفنا ان بدر الحقيقي، والتاني كان افتراضي زي ما بتقولي، بس بردك مش هسيبك غير لما تقولي كيف وصلتي لده؟!
روت لها عاليا ما حدث معها منذ أن وصلت من الصعيد حتى اكتشفت الوهم الذي عاشت فيه، واكتشفت ان حب بدر مُترسِخ في قلبها منذ الطفولة؛ لكنها ام تعي معنى هذا الحب الحقيقي إلا بعد صدمتها التي تعرضت لها.
نطقت ملك بذهول: معقووول كل ده حصلك، ومعقول كريم اللي كان في الصعيد كان من خيالك؟!
والحقيقي طلع بيحب حسناء مش انتي، لا وانتي كمان بعد صدمتك تفوقي، وتعرفي ان كلام الكل صح، وانك بتحبي بدر بس في صورة كريم، طيب الحمد لله إن الفكرة اللي في عقلك اتصلت، و فهمتي إن الحكم على الناس ميبقاش بالمظهر وبس.
بس تعرفي يا عاليا والله لو حد غيرك بيحكيلي الكلام ده يمكن مصدقوش. انا لما حكيتي ليا عن كريم ده معرفاش ليه مفرحتش إكده؛ لكن دلوك أني فرحتي بقيت فرحتين.
عاليا بضحك: أيوه ياستي هنياله فرحانة بينا، وفرحتك الكبيرة ب سي عمر؛ بس اكتر حاجة مفرحاني في موضوعك انتي وعمر هو انك هتبقى هنا معايا، وكمان جه نقل سالم هنا أجمل خبر فرحني علشان عبير، وأخيراً اتجمعنا.
ملك بهيام: عمر ده أجمل هدية من عليا ربنا بيها.
اعتدلت عاليا وحركت ذراعيها كأنها تعزف كمان
ملك بضحك: كنت بوفرها للي يستاهلها، وأهو جه والحمد لله، تعرفي خطوبتنا كانت ولا في الأحلام رغم إنها كانت في البيت، وعلى الضيق، بس كانت فرحتي متتوصفش، مكانش ناقصني غير وجودك معايا.
ضربت عاليا رأسها بكفها بخفة، وهتفت: أه صحيح من شوية حسناء كلمتني، وقالت إن كريم راح لباباها وحكاله كل حاجة تخصه، وبينله إنه بيتمني تكون حسناء من نصيبه، ولما باباها قالها انهم هيتجوزوا على طول بعد العدة لأن مينفعش خطوبة خلالها كلمتني علشان تعرف إزاي خطربتك تمت وانتي كمان لسه في فترة العدة؟
ملك بسعادة: أهم حاجة قولتيها قبل ما اجاوبك ان حسناء وكريم خلاص هيتجوزوا، وانتي مزعلتش لما عرفتي ده يبقى فعلا فوقتي بجد، وانا إكده أرتاح علشان مضايقش لو صدفت وعمر قابل حسناء.
عاليا بهدوء: وحتى لو مكنش ده حصل يا ملك أنا واثقة جداً في عمر، وحبه ليكي باين في كل تصرفاته، وأوعي تحطي في بالك انك مجرد مسكن أو أنك مكان جرح لأ لانه لو كان لسه بسحب حسناء كان حاول يرجعلها مجرد ما عرف انها اطلقت؛ بس ده محصلش، ها قولي بقى انتوا أكيد مكنتوش تعرفوا إن الخطوبة كده غلط صح؟
ملك بهدوء : لأ عارفين أكيد، وعمر بالخصوص لأنه محامي، وبيحب القراءة في كل المجالات وبالذات في الدين؛ بس سالم كلم عمر في يوم، ودخلوا المكتب، وغابوا جوه، وبعدين لما خرجوا عمر كان شكله زي العيل الصغير اللي جاله هدية بيحبها، وفرحان بيها، وفضل يومها يضحك، ويهزر مع الكل، ولما جيت أوصله عند الباب، وهو مروح، قالي إنه أسعد واحد
في الكون باللي عرفه، ومشي بسرعة من غير ما يفهمني.
روحت لسالم، وقولتله يفهمني اللي حوصل، وإيه سر الفرحة اللي عمر فيها دي من وقت ما اتخدت معاه.
قالي إنه كلم عمر إنه عايز يعمل لينا خطوبة علشان أهلنا هناك يعرفوا، واللي مش هيحب ياجي الفرح يبقى فرح معانا هناك، عمر قاله انه طبعاً هيكون سعيد بكدة، و يتمناه بس الشرع بيمنع حتى الخطوبة في فترة العدة.
سالم مكنش عايز يقوله الحقيقة، ويخليها مفاجأة ليه؛ بس في نفس الوقت انتي عارفه الناس عندنا بيهتموا ازاي بالتفاصيل، وحديت الناس بعد ما نسيب البلد كان لازم يكون زين مش يقولوا خد اخته المطلقة، ولزقها لحد في اسكندرية، أو أنه ساب البلد علشان اخته أطلقت وميعرفوش السبب كان لازم إشهار اني اتخطبت، وحكاية حكم الشرع مش مهم الناس هيقولوا إيه المهم اننا عارفين اننا بينا بنعمل الصح وبس؛ فقال لعمر إن جوازي متمش، وانه كان على الورق بس، وحكاله ظروف اللي خلت حامد يتجوزني من الأول.
سالم قالي إنه شاف عمر وقت ما سمع الحديت ده كان عقله هيطير من فرحته، وقام وفضل يحضن في سالم، ويبوس في رأسه، ويقوله انت أحسن ظابط، وأخ، وصديق في العالم كلاته.
ولما هدا شويه قاله إن إكده الخطوبة ممكن تتم عادي؛ لأن حكم الشرع انقسم في الحكاية دي لفريقين من العلماء
منهم من قال ان العدة تتوقف على إتمام الزواج، ومنهم اللي قال ان العدة تقع بمجرد حدوث خلوة فقط يعني يجمعنا مكان واحد حتى لو الجواز متمش، وأن مدام فيه اختلاف يجوز اننا نتبع أي رأي فيهم.
عاليا بسعادة: وانتي اساسا لا حصل إتمام جواز، ولا حتى خلوة لأنك قولتي انه كان بينام في اوضة تانية، أو بيسهر طول الليل بره ويرجع الصبح، وانتي برة الأوضه، وسواء ليكي عدة أو لا فهى مجرد خطوبة وبس صح كده؟
هزت رأسها بنعم، هتفت بضحك: صوح يا أذكى اخواتك،سالم قال خلينا في الأمان عقبال ما نستقر إهنه يكون باقي ال ثلاث شهور خلصوا، ويبقى احنا عملنا بالرأيين.
احتضنتها عاليا مرة أخرى، وهتف: مبروك علينا يا قلبي ربنا يسعدنا، واااو هنبقا جيران كمان يا ملوكة انا متخيلتش اني احس بكل السعادة دي في يوم.
ملك بسعادة: واني كومان ياعاليا، والله رغم كل الحزن اللي مريت بيه كنت حاسة ان ربنا هيريح قلبي في وقت ما، وأكتر حاجة مفرحاني اوي أمي اللي اتغيرت معايا للأحسن ٣٦٠ درجة، زي ما يكون لما حست اني هروح منيها فاقت، وغيرت معاملتها معانا اني، وعبير كومان.
عاليا بسعادة: الحمد لله يا قلبي.
ملك: هقوم بقى اقعد، معاهم شوية على ما سالم، وعمر يرجعوا مع بدر، وعمي من بره.
عاليا بضيق مصطنع: ايوه سي بدر ما صدق سالم يكلمه يقوله انكم وصلتوا، وجه بسرعه وصلكم فوق هنا، وخد سالم، وعمر وراحوا لعمي تاني عند والد ميرفت.
عقدت حاجبيها، وهتفت: وانتي ايه مضايقك إكده؟!
معقول انهم مع أبو ميرفت
هزت رأسها بالنفي، وهتفت بخجل: لا بس بدر البدور وحشني
ضحكت ملك بصوت عالي حتى وضعت يدها على فمها كي تخفض منه، وهتفت: والله ووقعتي ياعاليا، والله انتي عجيبة.
ضربتها عاليا بخفة، وهتفت: على فكرة بقى، ولا عجيبة، ولا حاجة، طول عمره بيوحشني، وطول عمري بخاف على زعله بس دماغي اللي كانت غبية، وياله بقى من هنا بطلي رخامة، هذاكر شوية صغيرين عقبال ما يوصلوا وعلشان نسهر سوا.
تركتها ملك، وخرجت، وجلست هى على مكتبها وأمسكت دفتر الرسم الخاص بها، ومزقت جميع الصور الخاصة بكريم، ولم تتخلص من الورق المقطع؛ فقد فضلت أن تتخلص منه أمام بدر، ثم تنهدت بارتياح، وشرعت في المذاكرة لفترة دامت ل الساعة، والنصف، ثم استمعت لصوت الباب يعلن عن وصول حبيب عمرها كما أطلقت عليه بينها، وبين نفسها؛ لأنه حبيبها منذ أن بدأ عمرها.
نهضت مسرعه، وقامت برفع ذراعياها للأعلى، و للجانب كحركه لاستعادة نشاطها، وتحركت مسرعة نحو خزانة ملابسها أخرجت فستان باللون الأزرق، ويتوسطه حزام أبيض، وارتدت حجاباً من اللونين معاً، ولم تضع أي من لمسات الزينة سوى الكحل فقط.
وقفت تطلع لنفسها في المرآة، وضعت يدها على قلبها في حركة تلقائية تريد بها تهدأة دقاته، وهتفت محدثة صورتها: مالك يا عاليا إيه الحالة اللي انتي عايشها دي، معقول كنتي عايزة تحرمي نفسك من كل الفرحة دي، معقول كل الحب ده جواكي وكنتي بغبائك عايزة تربطي نفسك بحد تاني.
أغمض عيناها، وتنهدت بارتياح، ثم فتحتهم وهتفت مبتسمة: الحمد لله إنك فوقتي قبل فوات الأوان.
ألقت لنفسها قبلة، وسمعت صوت جدتها تنادي، عليها؛ فخرجت والسعادة تعانق قلبها الصغير.
لا تعلم لما يداعبها شعور الخجل هكذا؛ فهذا البيت هو نفسه البيت الذي قضت به سنوات كثيرة منذ أن جاءت إليه من بلدها، وهؤلاء هم أهلها التي عاشت بينهم بكل حرية، وهذا هو بدر الذي كانت تطلق عليه منذ أيام قليلة لقب أخ؛ لكن منذ أن صرحت بمشاعره أمامه، وهى تشعر بأحاسيس غريبة، وجميلة في آن واحد.
خطت خطوات هادئة، وهى تتلاشى أن تقع عينيها عليه كي لا تفقد توازنها، ويسيطر عليها الخجل أكثر من ذلك.
ألقت التحية على الجميع، ورحبت بسالم، وعمر بابتسامة هادئة.
لم تعي لنظراته المعجبة بشدة بها، وكأنه يراها لأول مرة؛ بالفعل هى أول مرة يراها وهي حبيبته وملكه فقط، كم تمنى هذه اللحظات، وكتب في انتظارها الأشعار، ولم يتخيل أن تتحقق، وتتحول لواقع.
كاد كامل أن يتحدث؛ لكن صوت إيمان قاطعه هاتفة بسعادة: يا أهلاً وسهلاً بجوز بتي الكبيرة كيفك ياسالم معلهش كنت بجهز العشا مجيتش رحبت بيكم على طول.
سالم بابتسامه : أهلا بحضرتك يامرت عمي، بكفاية مقابلتكم الزينة، واستقبال عمي، وستي و تسلم يدك مقدماً ياست الكل.
إيمان: كيفك ياعمر ياولدي ألف مليون مبرووك ربنا يتمم فرحتكم على خير، ومعاك فرحة صاحبك.
وضع عمر يده على صدره كتحية، وهتف بابتسامه : الله يبارك في عمرك يا خالتي.
إيمان بهدوء : العشا جاهز على السفرة يا حاج كامل.
نهض كامل، وهتف : ياله ياجماعة اتفضلوا البيت بيتكم.
بعد فترة أنهوا طعامهم، وجلسوا في غرفة استقبال الضيوف، ونادت إيمان على عاليا فذهبت لها داخل المطبخ؛ كانت تعد القهوة.
عاليا بهدوء: بتنادي عليا يا طنط.
إيمان بفرحة: أيوه ياقلبي.
نظرت لها بعيون تملؤها السعادة، وهتفت: بسم الله تبارك الله طول عمرك قمر يا عاليا بس النهاردة جمالك مضاعف في عيني، شوفي من إهنه ورايح متقوليش ياطنط دي، أني قولتلك قبل سابق قوليلي ياما أول ما جيتي إهنه بس محبيتش اغصب عليكي لما مقولتيهاش؛ لكن دلوك انتي بتي بحق، وحقيق يعني بتمنى اسمعها منيكي.
ابتسمت عاليا بهدوء، وهتفت بخجل: حاضر ياماما.
اقتربت منها إيمان، وضمتها بحنان، وهتفت: يحضرلك الخير، والسعد يا حبيبتي.
حملت بين يديها صينية عليها أكواب القهوة، وناولتها ل عاليا، وهتفت بسعادة: خدي يا عروستنا يا قمر اية دخلي القهوة لعمك جوة، زمناته بيتحدت مع سالم في جوازكم.
اشتعلت وجنتيها بحمرة الخجل، وأخذت منها ، واتجهت نحو غرفة الضيوف بخطى هادئة للغاية، وعيون ناظرة للأسفل، عندما رأها كامل هتف: وأهي عروستنا جت أهي تعالي يابتي
تبعتها إيمان، وفاطمة، واجتمع أ جميعاً في الغرفة.
قدمت عاليا لهم القهوة، وكاد أن تخرج إلا أن عمها اوقفها بقوله: مفيش حد غريب يابتي تعالي.
نظر لسالم وجده متعجب بعض الشئ من كلامه؛ فهتف: شكلك مستغرب حديتي يا سالم ياولدي؛ بس هقولك عاليا بتي، واني في مقام ابوها الله يرحمه؛ وانا أخوها الكبير، وأي عريس جاي لعاليا لازم الموافقة تكون شورة بينا، واني أكيد موافق على العريس اللي متقدم ليها، لسه بس رأيك.
نظر سالم مسرعاً نحو بدر؛ فهو يعلم مدى حبه ل عاليا؛ فوجده مبتسم؛ ففهم ما يقصده كامل، وقبل أن يتحدث أكمل كامل حديثه: بدر ولدي رايد يتجوز عاليا ويكمل نص دينه.
اتسع فم سالم معلناً عن ابتسامة سعادة نابعة من قلبه، وهتف: شوف يا عمي حضرتك اللي مربي عاليا، ومن حقك لوحدك تقرر زواجها لأن أني واثق إن مفيش حد هيخاف عليها قدك، وأن كان حضرتك بتاخد رأيي باعتباري في مقام ولدك، واخوها الكبير؛ فأكيد مفيش حد هيصونها، وقدرها زي بدر، فلو هى موافقة يبقى ألف مليون مبروك يا عمي، ربنا يسعدهم.
كامل بهدوء: أني سألتها قبل ما اكلمك؛ بس هنقول تاني قدامكم
نظر لعاليا التي ظهر على فمها ابتسامة خفيفة، وختف: ها يا عاليا يابتي موافقة ومقتنعة، أوعى تفكري انه علشان ولدي ممكن أزعل لو غيرتي رأيك انتي بتي زي ما هو ولدي، واللي يهمني راحتك؛ فقولي رأيك من غير خوف.
ابتسمت عاليا، وهتفت بهدوء، وخجل: ربنا يبارك لي في عمرك يا بابا، اللي تشوفه حضرتك.
كامل بضحك: طالما فيها بابا يبقى زغردوا يابنات فرحونا بقى.
علت الزغارديد وهنأ الجميع بعضهم، ووقف بدر، وهتف: بعد إذنك يابابا، وانت كمان ياسالم أنا مش عايز خطوبة.
نظر له الجميع بذهول، وبالأخص عاليا؛ لكنه فاجأهم بأنه أخرج من سترته علبة من القطيفة، وهتف: عايز فرح على طول ويكون ده بعد شهر من أخر يوم في امتحانات عاليا ممكن؟
تنهد الجميع، وعادت الابتسامة لوجوههم، وهتف كامل : ماشي واني موافق وانت رايك ايه ياسالم.
سالم بابتسامة: إيه رأيكم يكون الفرح جماعي لعمر، وملك، وعاليا وبدر، ويكون تاني يوم من انتهاء عدة ملك.
وافق الجميع على هذا الرأي، وهتف بدر: طيب اسمحولي بعد إذنكم ليا طلبين حالياً.
ضحك سالم، وهتف بنزاح: أاااه طلباته كترت ياعمي بقول نفركش.
ضحك كامل، وهتف: بلاش ياولدي شوف وشه قلب إزاي خاف على روحك يا حضرة الضابط.
سالم يصطنع الخوف :عندك حق يا عني، دي عينه هطلع شرار، اتفضل يا بشمهندس بدر طلباتك أوامر.
ابتسم بدر، وفتح العلبة التي بيده، وهتف: اسمحولي أنا اشتريت دبلتين مؤقتاً، وحابب نلبسهم دلوقتي، وأن شاء الله اول ما عاليا تخلص امتحان نخرج كلنا، وتختار الشبكة اللي هي تحبها ممكن.
كامل بموافقة: طبعاً يا ولدي، حتى تبقى خطيبتك رسمي.
بدر بهدرء: طيب بعد إذنكم ممكن ننزل أنا، وعاليا نتمشى شوية؛ لأنها أكيد الأيام الجاية مش هتكون فاضية، وانا كمان مش هعطلها علشان الامتحانات، هى بتحب تروح على البحر، وانا بتمنى البسها الدبل دي هناك ممكن؟
كامل بهدوء: ماشي أني معنديش مانع؛ بس متعوقوش، ولو مفيش عندك مانع ياسالم يا ولدي خلي عمر، وملك يخرجوا يتهوا معاهم، وأديكم إكده، ولا إكده مبيتين إهنه معانا زي ما قولتلك عقبال ما تجهزوا شقتكم براحتكم.
حك سالم مقدمة رأسه فعادتهم لا تسمح لهم بخروج قبل الزواج؛ لكن عمه كامل من الواضح تأثر بعيادات أهل الإسكندرية؛ فهتف: طيب إذا كان إكده نخرج معاهم أني، وعبير كومان أهو نشم هوا نظيف على البحر.
هتفت نوارة بابتسامه : ومتشلوش هم مروان هو في حضني على ما ترجعوا بالسلامة.
قبل الخروج استأذنت عاليا، وأحضرت حقيبتها التي وضعت فيها شيئاً ما، وهتفت: انا جاهزة
خرج الجميع وسعادتهم عنوان نظراتهم، وصلوا عند الشاطئ، وكل منهم سار بجوار حبيبته، على مسافات ليست بالبعيدة، ولا بالقريبة من بعضهم
عندما شعر بدر أنه ابتعد قليلا عن البقية، أو بمعنى أدق سمحوا له بالابتعاد قليلأ؛ لكنهم مازالوا في مجال الرؤية.
أوقف عاليا، ووقف أمامها وأخرج من سترته العلبة التي كانت من القطيفة الحمراء، وفتحها أمامها، نظرت لها عاليا؛ فوجدت بداخلها الحلقتان واحدة من الذهب، والأخرى من الفضة.
ابتسمت، ونظرت لبدر بحب فوجدته يمسك الحلقة الذهبية، وهتف: الدبل دي معايا من سنين كتير، أوي يا عاليا، ومنقوش عليها اسامينا،وكنت بحلم باليوم اللي ممكن نلبسها لبعض، كنت بتمنى الحلم يبقى حقيقة علشان كدة اشتريتهم، وكنت كل يوم لازم أفضل أبص ليهم، واكلمهم، وكأني بعبر ليهم عن حبي ليكي.
جثى أمامها على ركبة، ومستند على قدمه الأخرى، ومد يده لها وهو يهتف: أميرتي تسمح لي أحقق حلمي؟
لم تتخيل أن يشعر قلبها بكل هذه السعادة؛ فابتسمت، ومدت يدها المرتعشة له؛ فأمسكها مسرعاً، و ألبسها الحلقة الذهبية، وقبل كفها برقة، ونهض يمد لها الحلقة الأخرى؛ فأمسكها، وألبسته إياها في إصبعه، وهتفت: بدر أنا مش قادرة أوصفلك أنا فرحانة إزاي في اللحظة دي؛ قد كده كنت عامية، ومش قادرة أشوف حبك؟!
قد كده بغبائي فسرت اهتمامك، ولهفتك أخوة؟!
أنا بجد أسفة على كل لحظة جرحتك فيها، وكل دقيقة فكرت في حد تا......
قاطعها بدر، بوضع يده على شفتيها، وهتف بهدوء: ياريت منتكلمش في اللي فات، خلينا نفكر في اللي جاي، وبقولك وانا متأكد إن مهما كانت فرحتك؛ مش هتكون قد فرحتي بيكي، وأوعدك إني أعمل المستحيل علشان أسعدك، وأول حاجة إني كنت كلمت دكتور علشان أعمل عملية تساعدني أنزل وزني علشان.......
قاطعته عاليا هذه المرة هاتفة: لا مفيش عمليات، مش، ممكن أوافقك على كدة.
بدر بتعجب: بس انتي كنتي نفسك اني أخس.
عاليا بصدق: ده قبل ما أفهم الحب صح، ده أيام ما كنت سطحية وبحكم بالمظاهر، وبس أنا كل اللي يهمني دلوقتي هو ده.
قالتها، وهى تشير بإصبعها إلى قلبه ثم هتفت مكملة حديثها الذي أطرب قلبه: أما تنزل وزنك أو لأ ده يرجع لك انت بس بدون عمليات، وكمان بأكد لك إنك علمتني معنى الحب الحقيقي يابدر، وانت اللي خرجتني من وهمي، أنا بحبك يا بدري.
فتح ذراعيه في الهواء وهتف بصوت عالي: يااااااااه أخيراً يا روح بدرك نطقتها، بحبك ياعالياااا بحباااااااك.
عاليا بضحك: صوتك عالي يامجنون استنىدبس عايزة أوريك حاجة، أخرجت من حقيبتها علبة وفتحتها؛ فنظر لها بدر وجد قطع من الأوراق ممزقة؛ فسألها بتعجب: إيه ده؟
عاليا بهدوء: ده حبي الافتراضي كل الصور اللي رسمتها لكريم قطعتها، و عايزاك انت تطيرهم في الهوا علشان يبقي ده نهاية الوهم.
اتسعت ابتسامة بدر، وأمسك العلبة منها، وأخرج قصاصات الورق وقام بنثرها في الهواء، وهو يهتف: بحبك بحبك بحبك يا عاليا ااا.
ثم وقف، ونظر لها في عينيها بحب؛ فأخرجت من الحقيبة ورقة أخرى مرسوم عليها رسمة؛ فنظر لها، و جدها قد رسمته هو، وهى بجواره بفستان زفاف، وكتبت فوقها الحب الحقيقي
أخرجهم من عالم الهيام الذي ذهبوا له سوياً صوت تصفيق سالم، وعبير، وملك و صافرات أطلقها عمر عندما اقتربوا منهم.
فنظروا لهم، وهم يضحكون، و اقتربت ملك، وعبير من عاليا يرون الحلقة الذهبية التي زينت إصبعها، واختضنوها مهنئين لهم، و متمنين حياة سعيدة تجمع قلوبهم جميعاً.
____________________
في نهاية رحلتي الطويلة مع أبطال روايتي اللي كل واحد منهم ليه حكايته المميزة، وكل واحد فيهم بطل أول للرواية أحب أقول حاجة صغيرة.
الحكم بالمظهر أكبر خطأ ممكن يرتكبه إنسان في حق نفسه؛ لأن الجوهر هو الباقي، و القشرة الخارجية مهما كانت براقة سيأتي عليها ميعاد، وتصدأ، أو تتساقط، وتظهر على حقيقتها.
أتمنى أكون وصلت فكرتي بسهولة، وتكون الرواية خفيفة على قلوبكم، وهادفة.
