اخر الروايات

رواية وكانت للقلوب رحمة الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم مروة حمدي

رواية وكانت للقلوب رحمة الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم مروة حمدي


وكانت للقلوب رحمة
بقلم مروه حمدى
الفصل ٢٤
بالبداية الفصل كان من المفترض ينزل إمبارح بس التفاعل وابنى سراج مريض للمرة إلى مش عارفة عددها الشتا ده ، ربنا يشفى عن أولادنا جميعا.

أقسى شعور يجتاح الروح هو الشعور بالندم على شئ اقترفته بحق أحدهم، لا تستطيع أن تظهر ذلك الشعور خوفا من الانتقاد والتجريح، والأقسى عندما يصل خطأك إلى جعل أحدهم يفقد حياته جراء خطأك هذا.

كيف وقتها ستعتذر لترتاح؟ على من تلقى اللوم؟ لم يجبرك أحدهم على فعل ما فعلت، فالإنسان مخير، وهب العقل حتى يستطيع التفكير والتمعن فى الأمور.

هكذا كان شعور عزيزة بتلك اللحظة" الندم" وفقط الندم هى رأتها جيدا، رأت كيف كانت حائرة، وقد خطت ملامح التفكير على وجهها بوضوح، وقفت خلف الباب تتشبث به، متأملة أن تخيب حدسها وتأتى لها تسأل على الأقل على حالها ولو من باب القرابة التى تربطها بها متغاضية عن الجزء الخاص بأنها كانت زوجة لولديها الأثتين.

أغمضت عينيها وهى تتنهد بحزن. عقب سماعها لصوت أقدامها تهبط على الدرج، لتعرف انها رحلت، لم تكلف نفسها عناء إلقاء السلام حتى، أغلقت بابها بحزن ، كانت تتمنى أن ترى ابنها، فهى لا تعلم بعد بتغييره ليوم الإجازة.

رؤية إنتصار وأملها الذى خاب، جعلها تتقهقر عائدة إلى داخل شقتها صامته إلى حد بعيد، جلست على المائدة بمنتصف الشقة بهدوء، وضعت رأسها بين يديها، لبعض الوقت وشريط ما حدث منذ ثلاثة أشهر يعاد فى مخيلتها بأدق تفاصيله كأنه البارحة.

ضربت على رأسها بيدها ضربات خفيفة، وهى تستعيد تلك الأحداث مرة تلو الأخرى، كيف كانت تظن نفسها هى المسيطرة المتحكمة بالأمر وهى بالأساس ما هى إلا وسيلة حتى تصل تلك التى إختارتها بنفسها لولدها فتحى ومن بعده لعبدالله إلى هدفها.

كيف لم تنتبه لكل هذا؟ أيعقل انها كانت معمية إلى هذا الحد؟! صمتت لبعض الوقت، لتتمتم بقهر داخلى.
_وانا اعتب على الغريب ليه وال من لحمى ودمى نسيونى.
صمتت وهى تتوجع بحزن ، تكمل بألم عند ذكره:
واحد بيعاقبنى بسكوته وما يعرفش عنى حاجه نسى أن فى النهاية انا أمه وال حصل ما كان فى نيتى، ما كتير رجاله بتجوز على حريمهم ، ايه ال حصلهم ماتوا! ولو كده أنا مامتش ليه قبلها ،شافت ايه ناهد ولا عاشت ايه من ال عشته؟! وهو بس عمرها لا اكتر ولا أقل بس حظى الهباب اتعلق فى رقبتى لأخر العمر واتوصمت فى عين ابنى بذنبها، قولتها مرة وكان عندى حق " ناهد هتاخدك منى يا عبدالله " معملتهاش وهى عايشة بس عملتها وهى ميته.

طاوعك قلبك يا عبدالله! طب لو كانت روحى راحت للى خالقها وانا مرمية هنا على الأرض كنت هتحس بيا وقتها يابنى؟ عارفة انك زعلان والبعد ده علشان ماتقفش فى وشى وتطلع غلبك وضيقتك وقهرتك عليا، انا مسمحاك يا بنى مسامحك يا حته من كبدى، يا ظهرى وسندى فى الدنيا.
_ رفعت رأسها عن المائدة تتمتم بشرود وهى تنظر إلى الأمام بخيبة أمل: اه يا كريمة ياللى ساكنة معايا فى نفس البيت ولا خطر على بالك تسألى عليا، ايه مخطرتش على بالك مرة تنزلى تطمئنى عليا تشقرى تشوفينى محتاجة حاجة عايزة حاجه!

_ابتسمت بمرارة وهى تتابع: دلعتك عن إخواتك، وال يلومني اقوله دى بنتى وصحبتى، هى ال باقيلى، دى ال هتشاركنى عمرى، دى بنت على ولدين يحق ليها الدلع وتقلت فيه لحد اخواتك نفسهم ما عابوا عليا.

الله يرحمك يا فتحى، ياما قولتى دلعك ده هيفسدها وساعتها مش هنعرف نمسك لجامها بتك عنيدة زى الطور ال بتأخده فى الأول بالرضا بعد كده بيبقى واجب وفرض علينا.
بس انت يا عبده كنت تقولى" يحقلها تتدلع طول ما انا عايش بس الكثير منه ياما هيضرها مش هينفعها، علشان خاطرى وازنى الأمور"

اه عليك يازمن مالكش أمان، اه منك يا كريمة يا بنتى، ده ال بينى وبينك دور واحد اومال لو ساكنة بعيد فى منطقة تانى ماكنتش هشوف وشك نهائى وقتها.

صمتت وطال صمتها لتتحدث بعد وقت بكلمات تصف مقدار جرحها من أبناءها: اه يا عبدالله يا ابن بطنى ، اه منك يا كريمة يا بنت عمرى، الرحمة والغفران من عندك يارب.

رفعت رأسها لأعلى مغمضة العين متضرعة بخشوع وهى تعيد دعاءها مرة أخرى: الرحمة والمغفرة من عندك يارب.

خرجت من شرودها على صوت فتح الباب، لتبتسم ابتسامة صغيرة وهى تعلم هوية من القادم لزيارتها، فأما عماد نسخة عبدالله المصغرة أو عبير لتكمل بداخلها " ناهد الأخرى" أنزلت رأسها ونظرت باتجاه الباب، ترى من القادم منهما، ابتسمت لبتسامتها، وهى تشعر بأن الله يجيب دعاءها ويربط على قلبها بأحفادها.

فتحت تلك العبير الباب، فنشر عبقها بالمكان، تتهادئ بدلال فطرى يليق بها وهى تتجه لها بابتسامة نابعة من القلب، لا تخفى وراءها مأراءب أخرى، كغيرها من قانطى هذا المنزل.
أخذت تهمس وتكبر وهى تراها قادمة باتجاهها، تخاف عليها من أن تصيبيها بالعين.

_عبير: صباح الخير على عيونك يا ستى.
_عزيزة بحب: صباح الخير على أجمل الصبايا وأحلاهم.

تهم الجدة بالحديث، يقطعه ويلفت نظرها ذلك الجسد الصغير العابر من الباب، ضيقت حاجبيها قليلا، لتتسع أعينها وهى ترى غادة ، تقف عاقدة لذراعيها، بتذمرها الطفولى المعتاد منها دائما وابدا، تنظر إلى الجهة الأخرى، تلقى على جدتها تحية الصباح بإقتضاب.
_غادة: صباح الخير يا ستى.
_الجدة وهى تجيبها بإستغراب: صباح الخير عليكى حبيبتى.
_نظرت باتجاه عبير تسألها بهمس: مالها؟
_عببر بنفس الهمس وهى تشير عليها: غادة ايه الجديد؟
_الجدة وهى تحرك رأسها بإقتناع: عندك حق.
_تقترب منهم تلك الغادة وهى مضيقة لعيناها بشك ، تشير عليهما الاثنين بيدها وهى تسألهم بتوعد: بتتكلموا عليا؟

_تنظر كلا من الجدة وعبير لبعضهما البعض ثم لها، يشيرا برأسهما بالنفى، لتنطلق بعدها ضحاتهم عليها وعلى هيئتها الطفولية المتذمرة دائما.
تجلس على المائدة فى مقابل جدتها، تحرك كتفيها بلا إهتمام وهى تقول.
_انا عارفة كله بيغير منى علشان كده مش فى دماغى.
_عبير: تبا لتواضعك يابنتى.
_غادة وهى تتحدث بدرامية مبالغ بها: طيبة قلبى هى سر عذابى.
عبير تنظر لها بتشنج، تتحدث بإستنكار.
_طيبة قلبك! من أمتى؟
والجدة أطلقت ضحكة عالية على تلك العفريتة الصغيرة، تتمتم من بين ضحكاتها وهى تنظر لعبير.
_البنت دى فاكهة البيت يا عبير، طلعتنينى من ال انا فيه ربنا يرزقك يارب.

_ابتسامة شقت وجهة تلك الصغيرة بسعادة لحديث جدتها عنها، هبطت من مقعدها بسرعة، ارتمت بأحضان جدتها، التى حاوطتها بيديها، تربط على ظهرها بحنان.
_رفعت غادة رأسها لجدتها: انهاردة اجازة فقلت اقضى اليوم مع ستى حبيبتى، مش كده يا عبير؟
_حركت رأسها وهى تكاد تصاب بذبحة صدرية من أختها، التى كانت تجرها جرا على السلالم وهى تتمسك بالدرج، لا تريد النزول كمن يساق الى المصقلة: حصل حصل وانا أشهد.

_غادة لجدتها: صدقتى.
قامت الجدة بقرص وجنتيها وهى تعلم داخلها أنها كاذبة، فغادة. معروف عنها لا تحب أن تذهب إلى منزل أحد، وبالأخص لديها ولا تعلم حتى الآن لما.

_أكملت غادة بدرامية لجدتها: فطرتى؟
_الجدة بضحكة صغيرة: لسه.
_غادة: ايه رايك نفطر سوا، اصلى جعانة اوى.
_عبير بتشنج وهى تشعر بانها على وشك الإصابة بالشلل: جعانة اوى، والسفرة ال فوق ده انا شيلتك من عليها قبل ما تأكلى خشبها.

غادة وهى تجزرها بعينيها، ترفع يدها بوجهها بعلامة خمسة: كان عندنا كتكوت وكبر.

عبير: والنهارده خمسة يوم الخميس مش كده؟!
حركت غادة رأسها بالإيجاب بابتسامة مستفزة لتلك العبير الواقفة بصدمة من أفعال أختها الصغيرة.
_الجدة بضحك عليهما فهما دائما هكذا: ده انا حظى حلو بقا، غادة ال ما فيش منها هتفرق معايا، ازاى اقول لا.

رمت نفسها من جديد فى أحضان جدتها، التى أرضتها كثيرا، تتمتم: انتى الوحيدة ال بتقدر ال بعمله لأجل الاخرين، بحبك.

_الجدة بصدق: وانا كمان، يالا يا عبير نحضر الفطار سوا يا بنتى، يالا يا غادة.
_غادة بصرخة أرجفتهم وهى تمسك يد جدتها تعترض مسرعة: لاااا يا ستى.
_الجدة وهى تضع يدها على قلبها: مالك يا بنتى خضتينى؟
_غادة مسرعة: انتى محتاجة لراحة والاكل يجيلك لحد عندك وانتى قاعدة، ما ينفعش وانتى تعبانه تقفى فى المطبخ.

رفعت عبير انظارها لأختها بحاجب مرفوع، تنتظر إلى أين سينتهى بها المطاف بحنية قلبها المفأجأة تلك، ولم تخيب أختها ظنها وهى تكمل بتمثيل أجادته حقا ولكنه لم يخيل على جدتها والتى على الرغم من معرفتها بطباعها، إلا أنها كانت جد سعيدة بها.

غادة وهى تضع رأسها على قدم جدتها: حبيبتى ارتاحى، وانا هفضل جنبك اخد بالى منم لحد ما عبير تخلص الاكل وتجبلنا كوبايه شاى بلبن بتلات معالق سكر.
ارتفعت ضحكات الجدة بصدق من تلك الشقية وهى تدعى داخلها بأن يلهم عبير الصبر على تصرفاتها التى تخرج الفرد عن شعوره بأوقات كثيرة.
_عبير وهى تجز على أسنانها: كل الدراما دى علشان ماتساعدنيش، والكوباية ال شربتيها فوق ايه هووو؟!
_غادة: شايفة يا ستى بتضطهدنى ازاى.
_الجدة: ما تزعليش يا حبيبتى، علشان خاطرى يا عبير اعمليلها كوبايه تانيه.

_غادة : وتزود كمان الفول ال بالسمن البلدى، مش المعلقتين ال كانت حطاهم فى الطبق فوق الواحد كلهم وجاع واتحسبوا عليه فطار.

_الجدة وهى تضع يدها على فمها تجاهد فى كتم ضحكاتها على هيئة عبير المتشنجة، لتتحدث بصوت مكتوم بحروف متقطعة
" فو ل ل "
_همشى من قدامك بدل ما ارتكب جناية.
_عبير.
كان هذا صوت غادة وهى تنادى عليها، لتتوقف عبير بمكانها تعد من واحد لعشرة حتى لا تنقض عليها تقتلها، تجيبها من أسفل أسنانها بغضب مكبوت ولم تدر رأسها لها بعد حتى لا تعود إليها تجذبها من خصلات شعرها هذا.
_" عايزة ايه يا عملى الاسود؟"
_غادة بتلقائية غير مهتمة بغضب أختها كالعادة
" ما تكتريش من الفلفل الاخضرمع البيض المقلي ".
_"الررررررحمة يا رب "
هكذا صرخت عبير وهى تتوجه إلى المطبخ قبل أن تقتلها.
لتشير عبير فى أثرها، تنظر إلى جدتها متسائلة بجدية.
_مالها دى؟!
_الجدة بضحكات: هتجلطيها مش اكتر.
_غادة ببرائة وعيون تشبه عيون القطط مدعية الحزن ببراعة: انا!
_الجدة وهى تحتضنها من جديد: لا انا يا حبيبتى.
_غادة وهى تغمض عينيها يروقها هذا الدفء كثيرا بين احضان جدتها، تعلق على حديث جدتها: بعد الشر عليها يا ستى، لو اتجلطت مين هياكلنى انا وانتى؟!
_تهم الجدة بالرد ليوقفهم صوت أتى لهم مرة أخرى، لينظروا إلى صاحبته.
_هو ده ال همك!
كان هذا صوت عبير التى أتت فجاءة تسأل جدتها عن شئ ما، تستمع إلى حديث أختها.
_لتكمل عبير بإستسلام للأمر وقد أعتادته، لتوجه حديثها إلى جدتها: اخدتى دواءكى يا ستى ولا نستنى عماد؟
_اخدته، كل مرة يدينى الدواء ينبه عليا لحد ما حفظتهم، انهاردة اجازة خليه يرتاح.
_بس انا راحتى معاكى يا جميلة الجميلات.

صوت وقد أرتجف له قلب صاحبتنا تلك،أخذت تهمس بداخلها بالثبات حتى لا يفتضح أمرها بشأنه، قاومت عيناها بألا ترفعها بإتجاه؛ حتى لا يعلم الى أى مدى تشتاقه على الرغم من رؤيتها له بالأمس.

وهو ليس حاله بأفضل ولكنه أقتنص لها نظرات خاطفة،عابرة،أشبع بها رغبته برؤيتها، وهو يقف على الباب مارا بعينيه على الجميع حتى وقعت على تلك الزهرة الواقفة بالزاوية.
دلف ف من الباب ساحبا بيده يد أخاه هانى، وهو شبه نائم لم يفق بعد، يترك يد أخاه ويسير بتخبط يفتح أحدى عينيه ويغمض الأخرى حتى وصل إلى المائدة، جلس على أول مقعد قابله، وضع رأسه عليها مكملا نومه.

تحت أنظار اربعتهم المتابعة له، لتنطق غادة بتأثر مصطنع وهى تشير له، خارجة من احضان جدتها وعيناها تلمع بمكر.
_لا، لا، لا، يا حرام، لسه نايم لحد دلوقت، واجب نساعده يصحى.

ختمت حديثها وهى تمسك بكوب من الماء الموضوع جوار جدتها تهم بالحركه اتجاهه، لتجد يدين تمسك بالكوب الذى بين يديها ولم تكن تلك سوا يدين عماد وعبير اللذان توجها لها مسرعين عقب فهمها لما يدور بعقلها واليد الثالثة يد جدتها التى أمسكتها من أكتافها؛ تمنعها من الحركة، لينطق الثلاثة بصوت واحد.
"المرة دى هيقتلك"
_غادة وهى تذم شفتيها بحنق، تتمتم بغير رضى عنهم وعن ظلمهم لنيتها الصافية: أنا بس كنت حابة اساعد.
"شكرا لخدماتك ما تتعبيش نفسك"

سحبت عبير الكوب من يد أختها، فقلد وصلت لها اولا، لتحتك بيد عماد وقد أنتبهت أن يده وضعت فوق يدها، بينما هو حركتها تلك جعلته يدرك أن ذلك الشئ الناعم أسفله هى يد تلك العبير،شغله وشاغله هذة الفترة، لينظر لها بأعين لامعة محكما قبضته على الكوب وهى هبطت بنظراتها خجلا منه، تحرك يدها فى محاولة للهروب، ليشفق عليها أخيرا تاركا حصار يدها بتركه للكوب، لتمسك به غير واعية على حالها وهى تقربه إلى صدرها بيدها الاثنتين، تنظر إلى أسفل بنظرات خجلة وضحكات صغيرة صافية، وأعين تتابعها بشغف وتفحص أنتقلت لها رسمتها تلك لترسم على وجه هو، كل هذا لم يغب عن أعين الجدة المتفحصة لكلاهما، وقد تابعت ما يحدث لتمتم بدعاءها أن ما تشاهده حقيقى، ويجتمع حفيديها الأقرب إلى قلبها سويا.
اخرج الجميع من شروده كالعادة غادة وهى
تجلس على المائدة جوار هانى النائم وهى تربع يدها بضيق طفولى، لتضربه أسفل الطاولة بقدمها فى قدمه بغيظ، ليحرك هو يده يحك مكان الضربة، عائدا إلى نومه وكأنه لم يكن.
ينادى عليه عماد حتى يفيق قليلا على حاله، بعدما دخلت عبير إلى المطبخ سريعا بخجل.
_هانى ، اصحى كفايتك كده.
رفع الاخير رأسه من على المائدة وهو يتثاءب ، قام بفرد ذراعه فجاءة، يمدهما على وسعيهما، لتضرب يده بوجه غادة الجالسة جواره التى عادت بجذعها إلى الخلف وهى تمسك أنفها بألم ، يختل توازنها، لتسقط هى ومقعدها إلى الخلف على ظهرها.

توجه لها عماد مسرعا، والجدة انحنت لها وأتت عبير مسرعة تهرول من المطبخ على صوت صرخاتها، لتسألها بقلق.
_عبير لغادة" حصل ايه انتى كويسة"
_غادة بغضب وهى تشير إلى هانى الجالس بمكانه متابع لها بتشفى ولم يتحرك من موضعه قيد أنمله:
"أعمى، ضربنى فى وشى خلانى وقعت"
_هانى بلا مبالاة واستفزاز لها وهو الوحيد القادر على جعلها تغضب وتثور بمجرد فتح فاهه: وايه ال خلاكى قعدت جنب الأعمى يا مفتحة والاعمى يشوف الكراسى كتيره وفاضية؟!

لم تستطع الرد وقد أفحمها جوابه لتنظر له بغضب متوعده له، بينما هو رفع حاجبيها لها يراقصهما بمشاكسة ، يمسك أنفه بيده ثم يشير على كبرها وهو يفتح عينيه، يجعلها سريعا تتحس أنفها وحجمها، بيضحك عليها بشماته، وعبير وعماد يتابعان ببلاهه ما يحدث والجدة سعيدة بذلك التجمع حولها ، تلك الجمعة التى أفتقدتها هذا الفترة، لتدب الروح بمنزلها من جديد.
فرغت عبير من تحضير الطعام ولقد أبدعت حقا فى تزيينه وترتيبه على المائدة ليبدو كما لو كان مقدم من أفخم المناطق.
التفوا جميعهم حول المائدة، لتناوله ولم تخفى نظرات الانبهار عن أعينهم وهم يبصرون ما أعدته بمحبة خالصة، كان المشهد وقتها كالتالى؛ حيث حرست عزيزة على تجمعهم حولها، أقنعت عبير بصعوبة بالغة فى تناول الإفطار معهم أو على الأقل الجلوس إلى جوارهم، بينما غادة لم تحتاج إلى اى دعوة فلقد سبقت الجميع بالجلوس.

يجلس عماد يترأس المائدة، وعلى الجانب الايمن، تجلس عبير بجانب جدتها المبتسمة وبالمقابل يجلس كلا من هانى وإلى جواره غادة، هناك ثلاث أفواه مفتوحة على وسعهما وهما يرون التالى.

ينفض هانى رغيف خبز من الردة الزائدة ثم يقسمه نصفين، يضع إحداهما أمامه والآخر أمام غادة التى ألتقطته بدون أى تعليق، تقطتم منه وتضعه بالفول ثم إلى فمها.

أشار بطرف إصبعه على طبق البيض المسلوق جانبها والبعيد عنه الى حد ما، لتنتناول بيضه، تضعها فى فمه دفعه واحدة، يقطع نصفها بفمه ثم يخرج النصف الآخر بيده، يتناوله على مهل.

أشارت هى إلى طبق موضوع عليه شرائح من الجبن التركى القريب منه، ليمرر يده وكأنه ينتقى إحدى الشرائح، لتقف أصابعه بحيرة بين شريحتين، لتنطق له بصعوبة من فمها المملوء بالطعام "التانية"

ليضع فى طبقها ما طلبت، كل هذا أمام أعين عماد، عزيزة، عبير وقد تركوا طعامهم، ليشاهدوا ذلك العرض أمامهم الخاص بهذا الثنائى المجنون، ليستقز عماد ما حدث متحدثا بإستنكار لهما.
_عماد ناظرا لغادة وهانى: وإنشاء الله فرقت ايه دى عن دى ؟
_هانى وغادة فى نفس الوقت: لا.
_يكمل هانى مبررا: هى بتحبها رفيعة.
_تؤمم غادة على حديثه: زى ما قالك.

قالتها وهى تقف من مقعدها نصف وقفه، تتناول طبق موضوع به حلاوة طحينية قريب من جدتهت، عاودت الجلوس مرة أخرى، وهى تصنع شطيرتين منه، تهم عبير بالسخرية منها قائلة
" مش شايفه ان واحد كفاية وبالذات وانتى بتفطرىللمرة الثانية"
_إجابتها هنا الجدة ولم يعجبها سخرية عبير من أختها:
سبيها يا عبير تاكل ال نفسها فيه.

توقفت عن الحديث فجاءة وهى ترى غادة تضع إحدى الشطائر بطبق هانى، وقد أمتدت يده له يتناوله على الفور، لتعلق مستنكرة ولا تستوعب هى الأخرى، ناظره لعبير وعماد بالتبادل تشير لذلك الصغيرين بيدها قائلة.
_ايه ده؟

_إجابتها غادة وهى تلك الطعام بفمها: ايه مالكم؟ بتبصولنا زى ما يكون طلعنا قرون، الحكاية انه زى بيحب ساندوتشات الحلاوة وماينفعش اعمل لنفسى واحد وهو لا.

_نعععععم.
_كان ذلك الإجابة التى تلقتها غادة من الباقيين على حديثها الغير مقنع بالمرة بالنسبة لهم وبالأخص بسبب طبيعة علاقة القط والفأر التى تجمعها بهانى.

_ليتحدث هانى بعدما قلت كمية الطعام فى فمه وقد فهم سبب تلك الحيرة والاندهاش المرسوم ببراعة على وجوهم:
الحاجة الوحيدة ال مش بنختلف عليها انا وغادة هى الاكل، علشان ده نعمه ولازم نقدرها ومايصحش تتفرش سفرةعليها أشكال والوان ومافيش ايد تتمد ليها..

_مكملا حديثه وهو يسأل غادة عن صحة ما قال رافعا. راحة يده لأعلى قربها: ولا ايه ؟
_غادة من دون نظر اليه، تضرب راحتها براحته: مؤيده: هو ده.
يكمل حديثه ناظرا لعبير بإعجاب واضح بطعامها معلقا:
بس تسلم ايدك ياقمر ال الجمال.
أعقب مغازلته لعبير بغمزة، أجبرتها على طلق العنان لتلك الضحكة التى كانت تحاول كتبتها منذ بداية حديثه وشاركتها الضحك جدتها أيضا على هذا الفتى المشاكس الصغير، فهانى وجع وصداع للرأس، قريب ومحبب من القلب.

غير مدركين بذلك الجالس على رأس المائدة وهو منذ بداية حديث أخيه، رفع حاجبه له بتشنج، أتت تلك المغازلة الطفولية، لتوقد به نارا داخلية وهو يراه يتغزل بفتاته، متمتا داخله.

_عماد لنفسه: حسنا يا شقى، أدعك تفعل ما تريد لتأتى بالأخير وتتغزل على فتاتى.
"فتاتى" كررها عماد مرة أخرى، يتلذذ طعهما من بين شفتيه وهو ينظر خلسة لتلك المستمع الجيدة لأخاه وهى تنظر له بابتسامة صافية تستند بوجنتيها على يدها ناصته له بإهتمام.

" انت ال جبته لنفسك، ماتزعلش لما العب فى وشك البخت

خرج من شروده على صوت نغمات إهتز لها قلبه هزا، رقص لها سعادة، تحول بعينيه من اخاه، لتلك الضاحكة الباسمة، لأول مرة يستمع إلى صوت ضحكاتها بتلك الطريقة، بمعنى أدق لأول مرة يهتم لأن يستمع، وكم راقه ما وصل لأذنه من أنغام عذبه.

قبض على يديه ونفرت عروقها وهو يستمع ويرى أخاه يكمل ما بدأه، بوضع يده على قلبه بدرامية، يتحدث بحالمية مطنعه وصوت رقيق، كاد يصيب عماد بإنفجار بالشرايين من كثرة الغضب وذلك العفريت غير مدرك بأى باب من أبواب الجحيم يفتح على نفسه.

_هانى لعبير: ياالله، ايه الجمال ده يا بنت خالى، تدخلى على المعدة بالأكل وعلى القلب بأحلى ضحكة وارق كلام انا لسه صغير على ده كله.
" انا ال جنبك برضع يا جدى."
همس بها عماد ولم يستمع لها أحدهم فيما عدا جدته التى شاركت عبير ضحكاتها للمرة الثانية على حديث هانى، وهوجالس يشعر بأن قلبه بين شقى رحى، يتستمتع بضحكاتها ولا يرغب أن تنتهى منها، يريدها دائما ضاحكة، ومن الجهة الاخرى، يريدها أن تتوقف والان فهى ملكية له وحده ولا يحق لأحدهم سماع صوتها عداه حتى لو كان ذلك أخاه الصغير.

يستشعر بأن أخاه لن يتوقف هنا وسيكمل تلك الوصلة الغزلية الخاصة، ليمر خاطر ماكر بعقله، وسيتأكد وقتها إذا أصاب فيما يفكر أم لا، فهانى له كتاب مفتوح وهو الوحيد القادر على قراءة دواخله بعناية حتى لو يستطع هو فهم نفسه، فهو يفهمه وحيدا.

أوقف حديث أخاه مع عبير موجها هو حديثه إلى غادة مداعباً.
_عماد لغادة: طب وغادة قمر بيتنا المنور.
_نظرت له عبير ببلاهه تبتسم عليه وعلى علاقته بأختها صعبة المراس، وكذلك الجدة التى تجاهد فى كتم ضحكااتها، واضعة يدها على فمها، حتى لا تصدر صوتا ولكن فضحتها عينيها التى أمتلئت بالدموع من كثرة الضحك.

ابتسم عماد بمكر وهو يدرك أنه أصاب الهدف ببراعة، حيث توقف الكلام على لسان أخيه، بل تسمر فى مكانه كتمثال من شمع لا حراك به، بينما تلك الشقية الصغيرة فقدت أدت دورها على أكمل وجه وهى تجاريه بأحاديثه كعادتها معه.

ففى البداية تركت الطعام من بين يديها، تراجعت على كرسيها للخلف برقه وهى ترجع خصلة من شعرها وهمية من شعرها المعقود بإحكام خلف أذنها، رفرفت برموشها، ضمت يداها لبعضهما بخجل مبالغ به، تتحدث بصوت هامس ولكن مسموع.
" ما تكسفنيش يا عماد"
"وشهادة حق البت وش كسوف اوى"
كان هذا صوت هانى الساخر منها.
لترفع عينيها له وقد تبدد الخجل والرقة وكأنها لم تكن، نجيبه كما يليق به من وجهه نظرها.
" مش هنولهالك واخليك تعكر مزاجى، بس خدها نصيحه منى ، صفى النية علشان ما نصحاش فى يوم ونلاقيك مولع بنارك"
_طب بس ابعدي جنحاتك يا ملاك لحسن عينى اطرفت يا صافية.
_ههه، أعداء النجاح.
همس لها بالقرب من أذنها وهو يميل عليها: اقصدك السقوط يا حياتى.
_وقفت القضمة بحلقها، لتسعل بحده، يلتقط لها كوبا من الماء بسرعة يساعدها على الارتشاف منه، تهم بالسؤال، يوقفها بإشارة بإن تتمهل حتى تهدئ سعلتها.
_همست له بعدما تحسنت: عرفت أزاى؟
_هانى وهو يدعى عدم الفهم: بايه؟
_غادة بنفاذ صبر وصوت محتد منخفض: هاانى.
_اه، قصدك سقوطك فى امتحان الشهر مع انك جيتى وقولتى للكل انك نجحتى وان ورقة الامتحان ال ادتهالك الابلة تمضيها من ولى الامر، مضتيها انتى.
_بتراقبنى؟
_بصراحة، لا مش محتاج منين ما أمشى اخبط فى حاجه تخصك شكلى قدرك يا نصيبة.
_هتقولهم؟
_مكنتش استنيت لدلوقت وبالذات لما شفاك واقفة فى الملعب المهجور عند الزاوية بتقلدى امضاء امك، توتو مالكيش امان ايه الشغل ال على مياة بيضا ده تنفع تكونى نصابه وعن جداره.
_اومال انت تبقى ايه؟
_مش هبعد كتير ما تقلقيش، اسمعى من الاستاذ بقا، دورة المياة هى المكان ال محدش يشوفك فيه ادخلى واعملي ال عايزاه مش مكان مفتوح يا ام العريف.

_أمسكت ذقنها بيدها وهى تفكر بجدية بحديثه تديره داخل عقلها الصغير، لتأمم عليه قائلة:
عندك حق، فاتت عليا ازاى دى؟
كعادتهم عندما يتجاذبا أطراف الحديث يتفصلون عن ما يحيط بهم، يتحدث فتسمع، تسأل فيجيبها، غير وأعين واعين بثلاث أزواج من العيون وهى تناظرهم، تتابعهم، تحاول فهم ما يتهامسون به بلا جدوى، وكلا منها لديه نظريه فيما يراه.

فعماد: يبتسم بسخرية، يبدو أن أخاه الصغير قد وقع باكرا جدا جدا جدا وهو لا يعلم بعد او لا يزال لم يفهم، أو ربما هو سوء فهم منه وإن ما يراه علاقة اخوية بين أخوين متقاربين فى السن يعاند بعضهما البعض، ليهمس عماد فى نفسه بتشفى.
"فى كلا الأحوال، غادة خير عقاب لك يا هانى"

وهناك أعين تتابعها بإستمتاع وايتسامة، لا تجد وصف لما تراه، سوا ان تلك العلاقة أعجبتها كثيرا وللغاية، كم تمنت لو جمعتها واحدة بعماد وهى صغيرة، ابتسمت ابتسامة صغيرة وهى تتذكر كيف كانت تخاف أن تقف أمامه حتى ولا زالت وهى كبيرة إلا من وقت قريب، نظرت له نظرة جانبية بعينيها، لتراه عيناه مسلطه عليها بابتسامة، الخجل وهى تعيد نظرها إلى الطبق أمامها.

وأعين أخرى تتابع كلا على حدا، فتارة تتسلط نظرها على عماد وهو يختطف النظرات خلسة لعبير دون أن تنتبه، ثم ترى تلك النظرات من جانب تلك التى تجاورها له دون أن يشعر، ليتأكد حدسها، لتدعو داخلها بان ما تفكر به صحيح، وان يكلل الأمر بالزواج.

تلك الهمسات والأحاديث الجانبية بين هانى وغادة جعلت رغبة أخرى تشتعل بصدرها بسعادة، فرحة لهم ومن أجلهم، تنهدت بإرتياح متمته.
"أغلى من الأبن إبنه"

فلقد كانت ذابلة حتى طرقوا باب منزلها، جمعتهم حولها أعطت روح لهذا المكان من جديد، لتتساءل بينها وبين نفسها لأول مرة عن تلك الحفيدة الاخرى، نظرت للوجوه أمامها وهى ترى مستقبلا كل منهما، لتهمس.
_ياترى حالك هيكون ازاى يا نورهان يا بنتى؟
لأول مرة نغزها قلبها على حفيدتها الأخرى: لتتساءل من جديد باهتمام:
وياترى ايه ال مستنيكى يا رحمة؟

لم تدرك أن صوتها كان مرتفع كفاية ليصل إلى مسامعهم أسم رحمة، ليلتفوا الأربعة لها وكلا منهم وادى يشغله بخصوصها.
تساءل كلا من عبير وعماد بإهتمام حقيقى بشأنها.
_الأثنين بنفس التوقيت: ما لها رحمة ، هى كويسة؟

رفع كلا من هانى وغادة حاجبيها ناظران لبعضهما البعض بإستغراب.
_غادة بحده خفيفة: مالها رحمة يا ستى وايه ال فكرك بيها دلوقت؟
_ايه؟
هكذا تساءلت عزيزة داخلها وهى تستمع إلى سؤال غادة، أمعقول انها تستعجب سؤالها لهذة الدرجة ولا هى تلك الغيرة التى لطالما شعرت بها من غادة اتجاهها.

دارت عيناها على الوجوه أمامها وهى تجد اجابه سؤالها واضحة على معالم وجهم جميعا، بلا استثناء جميعهم مندهشون، أغمضت عينيها بحسرة، ألهذة الدرجة هى بعيدة عنها؟! حتى يصبح سؤالها عنها درب من المستحيل!

لديك الحق وكل الحق بالغضب منى يا بنى، حتى ابنتك لم أعاملها جيدا، فرقت بينها وبينهم، نسيت انك بالأخير أباها وهى ابنتك، وضعت فوقيه صوب عيناى وظلمتك وظلمت زوجتك وظلمت نفسى يا ولدى.

حاولت ايجاد حل سريع تلقيه بوجههم حتى تختفى تلك الملامح التى تشعرها بالذنب من على وجوهمم، لتقول متهربة.
_هى برضه انهاردة نزلت الورشة فى يوم اجازتها ولا هى فوق عند امك يا عبير ولا عندكم يا عماد وما جبتهاش معاكم ليه طيب، حد يطلع ينادى عليها تنزل تقعد معانا.

قالت أخر جملة برغبة حقيقية منها لوجودها، جوار أحفادها وأبناء عمها وعمتها، صمتت السنه كلا من عبير وعماد لينظرا لبعضهما بحسرة وعينهما يدور بها حديث صامت يفهمانه جيدا، لا ينطق به لسانهما حتى لا تنجرح تلك العجوز المريضة.

_عماد لعبير بصمت: شفتى معداش أسبوع وحست بالندم وتقصيرها ناحية حفيدتها.
_عبير بإماءة من عينيها بنظرة فيما معناها: شايفة وسامعه بس ما ينفعش نزيد عليها المفروض نساعدها.
_ازاى؟
_عمى عبدالله محتاجها هو وبنته لوحدهم وهو خايف عليها من الكل خليها تعرف ده علشان تتقرب هى منها ومع الوقت يسامحها عمى قلبه من دهب.

لتخفض رأسها لأسفل حتى لا يستطيع فهم جملتها التالية وهى تقول: إلا مع أمى، عمره ما هيسامحها.
رفعت رأسها تشجعه بعيناها بأن يخبرها، فهم عليها بسرعة ليجيب بإماءه من عينيه بأنه سيفعل، قطع حديث النظرات تلك صوت ساخر من أحد مقاعد المشاغبين القط والفأر.

_هانى بسخرية لاذعة: ما تخافيش على دودة الكتب دى زى الاله تقريبا زيها زى خالى عبدالله، اقطع دراعى لو ماكنتش فرحانه بعدتها وسط المسامير والخشب.
"لا وبترقص كمان اسالنى انا شفت بنفسى"
"بل وترقص أيضا، أسالنى أنا فلقد رأيت بنفسى"
لم يكن هذا سوا صوت غادة التى أمنت على حديثه كالعادة وبتأكيد هذة المرة، لتكمل هى بعدما أشار لها هانى بإستلام دفة الحديث.

_غادة لجدتها: عمى مش بيسبها لحد من ال فى البيت علشام السنيورة عايزة تروح معاه ، اه لو شفتيها واقفة وسط العمال وفرحتها وهما بيعملوها ازاى تدق صح من غير ما تتعور لكنتي قولتى أن ال فى ايدها ورقة يانصيب بريمو مش لوح خشب.
"ماتضايقيش نفسك يا غادة، هو كده فى ناس فى الدنيا دى مهمتهم بس فقع مرارة غيرهم ورحمة واحدة منهم"
"على رأس القايمة يا هانى على راسها"

نظ. لهم عماد بشفاة ممدودة ساخرا: يا حلاوتكم، واحد يتكلم والتانى يأمم حقيقى ثنائي عقاب البشرية اجمع على حق.

بينما الجدة بعيدة عن كل هذا،شاردة فى تلك الجملة التى وصفت بها حب رحمة للعمل بالنجارة، عادتها تلك الكلمات لذكريات من سنين طوال مضت، لهفة ابنها البكرى عبد الله وهو صغير حتى يذهب للعمل بورشة والده وكيف اعترض عمه وقتها وبشدة خوفا عليه لصغر سنه، بينما أباه رحب بصدر رحب حتى يبعده عن تعلقه بها على حد قوله، ليصبح رجلا وليس ابن لأمه.

لم يكن يعلم أن ذاك العمل جعلها اقرب اليه، كيف كانت تيقظه بسعادة حتى يذهب وهى ترى تلك اللمعة الشاغفة بعينه، تنتظره بالنساء حين يعود، يقص عليها يومه بأدق أدق تفاصيله وهى لا تمل منه ابدا، بل كانت تسعد بأحاديثه، مواقفه التى يسردها لها وهو يهب من مجلسه واصفا لها إياه بحركات تعبيريه، أحيانا تضحك من قلبها على ابتسامته واحيانا تندمج معه لتقم من مجلسها و تشاركه.

ابتسمت بسعادة وهى تتذكر رؤيته لها راكضا لاحضانه بسعادة: بقص تفاصيل اول يوم وما تعلمه، وان عمه سيد هو المسئول عن تعليمه وقد أخبره هو بذلك بنفسه، ليسعد قلبها كثيرا؛ فسيد حنون عليه يحبه كأبنه البكرى، كما أنه الأشطر والأمهر بين الجميع فى هذا المجال.

أغمضت عينيها تتذكر مجيئة لها واضعا رأسه على قدمها بصمت، لتعلم أن أباه قد قسى عليه الان، ضيق أحتل قلبها وكان الأمر حدث البارحة، جاء لها دالفا من الخارج من باب الشقة إلى باب غرفتها مباشرة دون أى حديث، صامت بملامح متهجمة و ووجهه شاحب، كانت ذلك اليوم تقف أمام الخزانة ترتب من وضع الملابس داخلها وكان هو فى الخامسة عشر من عمره.

دلف على حين غرة، تتفأجا هى بدخوله من الباب الغرفة.
_عزيزة لعبدالله: انت جيت يا حبيبى؟ بدرى يعنى؟
لم يجيبها، بل توجه لها يسحبها من يدها، حتى جلسها على الأريكة، ليجثو على ركبتيه أمامها، يضع رأسه بين قدميها لتشعر نغزة بقلبها، لتمرر يدها على شعره بخوف على حاله وهى تسأله.
_عبدالله، مالك يا بنى؟ انت كويس؟

وكأنه كان بحاجة لسؤالها، لتصدر منه شهقة عاليه، تردد صداها لصدرها لتشهق هى أيضا وهى تسمع صوت شهقاته وقد ملئت الغرفة مختلطة بصوت بكاءه.

نعم بكاءه، عند تلك الكلمة توقف يدها على رأسه وأعينها متسعة على الاخير، لم ترى إبنها يبكى منذ أن كان فى العاشرة من عمره، فلما فعلها الآن وهو يخطو أولى خطواته بطريق الشباب، لقد نبت الشعر بلحيته، ليسعد قلبها بأن بكرها سندها يخطو خطواته بطريق الرجولة.

ماذا حدث ليبكى بتلك الطريقة التى تقطع القلب، يبكى بقهر ودموع لا تتوقف بل تزداد وكأن هناك شئ ما يعاد داخله يحزنه كلما تذكره، هبطت دموعها عليه، لتعود يدها لرأسه من جديد ولكن رفعتها لها، لترى عيناه وقد غامت بها الدموع، ووجهه احمر، لتزداد نوبها بكاؤها عليه، ليلتقط هو أنفاسه بشهقات وهو يزيح دموعه عينيها بيديه، يهز رأسه لها بألا تفعل وهو غير قادر على إخراج صوته حتى.

تهز رأسها له بالايجاب وهى تزيح دموع عينيه بيدها هى الاخرى، لتتلاقى أعين الولد وامه، لترى بعينيه الشامخة، نظرات منكسرة، شئ ما هز ابنها من الداخل، شئ ليس بالهين يجعله وهو الحليم الهادئ الصابر؛ ينفجر بهذا الشكل.

قربت رأسه من صدرها تحتضنه بحب أموى خالص، وتشبث هو بها يضمها بيده، يعاود البكاء من جديد لتبكى هى مرة أخرى عليه.

تنهدت بحزن ودمعة فأرة أزاحتها سريعا حتى لا يراها أحفادها ولكنها لم تخفى على كلا من " عماد و عبير" وهى تكمل تلك الذكرى الأليمة على قلبها حتى الآن.

صوت اخ زوجها بمنتصف بهو الشقة المفتوحة على مصراعيها، بعدما تركه عبدالله مفتوح عقب دخوله، ينادى على ولدها، قامت من جلستها لتزيح دموعه بحجاب شعرها الموضوع بعشوائية على رأسها، تربط على كتفه،ليهز رأسه بنعم وهو يحاول تنظيم أنفاسه، تسبقه هى بالخروج من الباب، يوقفها وهو يمسكها من كف يدها.

نظرت له لتعلم ماذا هنالك؟ تقدم منها وبطرف نفس الحجاب قام يزيح دموع عينيها هى الاخرى، ثم أخذ الحجاب من على رأسها وعدل مو وضعه عليها وأحكم رباطه، يشير لها بالرأسه وكفه لا يزال يختص كفها بالخروج،وهى تنظر فى ظهره، بحب ودعاء من قلب راض عنه كل الرضا.

خرجا إلى بهو الشقة،لتجد أخ زوجها يقف بإنتظارهم،وملامح وجهه حزينة هو الاخر، نظر لابنها نظرة طويلة، قطعها عبدالله بإخفاض بصره إلى أسفل بخجل، وقد شعر أنه إذا اطال النظر، ستخونه عيناه وتطلق سراح تلك الدموع الحبيسة بداخلها.

_عمه بحب أبوى خالص له، ينهره بحده عندما رأى فعلته تلك ليحدثه بنبرة اتسمت بالأمر و الرجاء مع بعضهما البعض: لا اوعى تتأطى راسك يا بنى مهما حصل.
أكمل حديثه له بحزن وعزيزة تستمع بإنصات تام؛ لعلها تعلم مالذى أوصل إبنها الى تلك الحالة التى تراها عليها لأول مرة.

_عمه والد ناهد: عارف انك مضايق وزعلان ولك حق بس ده ابوك وله حق فى ال عمله.

نظرت له عزيزة نظرة متسائلة متعجبه هامسه لنفسها: إذا أخاك هو من أوصل ابنه لهذة الحالة!
تهرب من نظرتها فهو لا يعلم ماذا يقول، ليتحدث عبدالله بصوت مبحوح من كثرة البكا، تألم من سماع نبرته تلك كلا من والدته وعمه التى ضمته من كتفه وهو يقف أمامها فى مواجهة عمه، يفصله عنه بضع خطوات.

_عبدالله لعمه: بس انا مش صغير علشان يضربنى بالقلم كده يا عمى.
شهقة كتمتها بسرعه حتى لا يسمعها ولدها وهى تنظر باتجاه اخ زوجها بنظرة نارية والآخر يتحاشى النظر اليها، ليتهرب منها بحديثه مع ابن أخاه.
_هو ابوك يا عبدالله وحتى لو بقيت رجل وزوج وأب وضربك بالجزمة تقلع الفردة التانية تدهاله يكمل ضرب.

_عبدالله بصدق: كنت عملتها لو غلطت يا عمى.
_عمه بخيبة أمل فى أخيه وتصرفاته تلك يحاول تخفيف عن ابنه و تفسير ما حدث بأقل الخسائر: عملها علشان ما تغلطش هو عايزلك الصالح علشان تتعلم.
_بالقلم على الوش!
_عمك كان بيضرب بالجزمة على دماغه علشان يتعلم يا عبده.
_بس.
_من غير بس، هو بعتنى علشان اراضيك بعد ما مشيت من غير ما تقول لحد رايح فين وتقلقنا عليك ولولا الدفعة ال هتتسلم كان جه هو ورضاك بس قالى اجى انا مكانه، وايه رايك هنتمشى سوا يا عم الشباب ونلعب دور طاولة سوا بعد ما نصلى العشاء فى الحسين.
_بجد يا عمى هو قالك تراضينى.
_عمه وهو يحاول التحلى بنبرة ثابته، حتى لا تنكشف كذبته: اومال ده حتى سابلك معايا رسالة.
_عبدالله بفضول: ايه هى؟
_عمه ببعض الصدق فى حديثه:مش هتكون اخر مرة يضربك علشان تتعلم بس هتكون اخر مرة قدام الناس.
قبضت يدها بقهر على كتف ابنها وهى تغمض عينيها بحسرة وقد اجتمعت الخيوط بعقلها، زوجها صفع ابنه على وجهه أمام الجميع، أتى صوت عمه ممازحا.
_ها يالا؟

رفع نظره لوالدته، التى أؤمات برأسها له بالايجاب وهى تسرق ابتسامة صغيرة، تشير له على غرفته قائلة.
_غير هدومك الاول يا حبيبى.
هز رأسه مسرعاً يتوجه إلى غرفته، ليعلق عمه بخفة فى محاولة لتلطيف الأجواء.
_بلاش الدلع ده عبدالله كبر وبقا رجل دلوقت.

حادت بنظرها عن أثر ابنها لتلتف إلى اخ زوجها، تقترب منه حتى وقفت على بعد خطوتين، تكلمه بصوت هامس حتى لا يصل إلى ابنها ولكنه كان حاد بما كفاية وهى ترد على كلمته تلك.
_ويصح رجل يضرب بالقلم على وشه قدام الناس يا ابن عمى؟
اطرق رأسه لأسفل لا يجيب وهو يعلم بأنها محقة فيما تقول وما ستقول.
_تعرف حتى وهو صغير عمرى ما ضربته، بالله عليك ابنى عمل ايه علشان اخوك يعمل فيه كده ويكسر نفسه ويذله كده.
_عمه سيد بتهرب: انسى يا عزيزة عدى وفات ووعد مش هيتكرر.
_كرامة لمعزة ناهد ابنتك بقلبك لتقولى، اخوك عمل كده ليه؟ مش عايزة اسال ابنى علشان مفتحش جرحه انت مشفتش شكله كان عامل أزاى؟

صمت يطرق رأسه لأسفل، يعلم أنه لا مفر من إخبارها، وان تعلم منه أفضل من عبدالله لذا حاول إيصال ما حدث مع حذف بعض التفاصيل.
_سيد: وقع كرسى من طقم انترى مدهب وهو بيتحمل على عربية النقل فاتكسرت اليد والزبون اتخانق ورجع فى البيعة.

_عزيزة: بدون فهم، وايه دخل عبدالله ؟
_سيد وهو يبلع ريقه: عبدالله هوال كان شايل الكرسى.

_اتسعت عيناها تناظره: عبدالله الذى اللى يدوب مكمل خمستاشر سنة يشيل كرسى مدهب لوحده، عقل اخوك كان فين؟ ايه هو مخفش على ابنه مخفش يتكسر ظهره؟

سيد بتهرب: مكنش تقيل اوى كده ده كان سواقى بدليل أنه اوى ما وقع اتكسر ايده.
هو يكذب وهى تعلم أنه يكذب، فسيد عندما يتحدث ينظر بعين من يقف أمامه مباشرة، بينما هو يتهرب من نظراتها التى تحاصره ولا تحيد عنه.
بينما هو يلعن داخله أخاه الف مرة، لقد أخبره بالا يجعله يحمله وأن الأمر يحتاج إلى اثنين من العمال الاصحاء الشداد وليس فتى مراهق فى الخامسة عشر، ولكنه كالعادة تمسك برأيه، ليجبره على حمله، فيفعل الولد أمر بيه بطاعة، وجد صعوبه شديده فى حمله، حتى هو أشفق عليه وخشى أن تكسر فقرات ظهره وخاصة وهو يستمع لصوت طقطقه ذراعيه.

استطاع حمله ولكنه ما كاد يخطو خطوة واحده حتى اختل توازنه ووقع به والحمدلله وقع الكرسى باتجاه وهو رمى كالقماشة البالية بالاتجاه الاخر، وقد وصل صوت كسر يد الكرسى التى سقط عليها للجميع.

توجه وقتها خليل لابنه الملقى على الارض، فظن سيد أنه سيساعده على الوقوف، والاطمئنان عليه، ليخلف الآخر توقعاته وهو يمسكه من تلابيب ملابسه وبدون اى مقدمات هبط بكف يده على وجهه بصفعه تردد صداها فى المكان لثوانى والكل واقف بذهول لم يتحرك أحدهم من مكانه قيد أنمله وكأن على رؤوسهم الطير، بينما عبدالله نظر للجميع حوله وقد توقف بعض المارة للمشاهدة ثم لاباه وهو يضع يده على خده لثوانى والآخر ينظر له بتحدى سافر، ليرحل عبدالله من أمام أبيه دون أى حديث، يتذكر كيف الجمته الصدمة هو الآخر وقتها ولم يستطع التحرك كمن أصيب بالشلل، ليعى على حاله وهو يرى عبدالله راحلا، أخذ ينادى عليه والآخر بواد بعيد لا يسمع ولا يجيب، يتذكر كيف دخل خلف اخاه إلى المكتب ولأول مرة يتشاجر معه، يقف بوجهه يقولها له صريحه بأنه هو الأكبر وان له الثلثين فى رأس المال، وهو يعد ذلك لابنته وعبدالله من بعده، وان فعلها مرة اخرى، سينفصل كلا فى حال سبيله.

رجعت من شرودها وهى تلمس على ذراعها تستشعر ذلك الألم وكأنه جديد، حيث أنها فى هذا اليوم، انتظرت زوجها بتحفز، عندما عاد وجدها على هذة الحال، ليتحدث ساخرا.
_اممم قالبه بوذك على المسا، مين قالك ابن أمه ولا الحنين التانى؟ فى كل الأحوال مش مهم اعرف ضربته وهضربه تانى هى فى حاجة تانى؟ يالا حضريلى الحمام؟ مش ناقصة هم
وقفت أمامه لأول مرة وقتها،صرخت بوجهه، إذا كانت هى تتحمل ذله واهانته لها، فلا تقبلها على ابنها بأى شكل من الأشكال وخاصة أنه لم يخطئ والخطأ خطاه هو من الأساس ولكنه وضعه على عاتق صغيرها بدون شفقة أو رحمة، أذله واهانه.

صرخت بوجهه بألم وهى تتذكر دموع ابنها الغالى وشهقاته كطفل صغير، صرخت بوجهه وهى تتصور هيئته وهو يضرب وبالتأكيد شاهده أحدهم وقتها، صرخت بقهر وحسرة على حالها وحال ابنها.

لتتحول الصرخات المقهورة الى اخر عالية من الألم وهو يجذبها من خصلات شعرها من تحت الحجاب، يحدثها بوعيد وفحيح أفعى.
_حلو اوى، بتعلى صوتك عليا يا ح*ق*ي*رة مين انتى علشان تحاسبينى اعمل ايه ومعملش ايه؟ انتى هنا زيك زى الكرسى لا ده كمان الكرسى ليه نفع، زيك زى الجزمة ال فى رجلى فهمتى؟

تابع بوعيد وهو ينزع حذائه عن قدمه: وانا ال هفهمك ده.
سحبها من يدها إلى داخل الغرفة، يغلق الباب عليها وعليه وصوت صرخاتها تملئ المكان وهو يهبط بها بحذائه عليها بكل مكان تطوله يده.
نظر إلى يدها التى كانت ترفعها بوجهه صارخه به، ليشير عليها بالحذاء وهو يحدثها بهيستريا كمن فقد عقله وجن على الاخير.
_خليل وهو يتذكر كلمات سيد: هى دى اليد ال اترفعت فى وشى.
قالها وهو يهبط عليها بالحذاء، مرة تلو الاخرى...
"كلكم انهاردة اتعلتموا تقفوا فى وشى لاجل المبتون ابن امه تربيتك ، انا هعرفك حجمك ومقامك هنا كويس.

قالها تزامنا مع جذبه لرداءها قام بشقه إلى نصفين تحت صرخاتها من ألم جسدها وألم ذراعها التى لا تقوى على تحريكها، ليضيف عليها ألم روحها وهو يهين كرامتها واعتزازها بنفسها كأنثى داعسا بهم تحت قدميه، وعندما انتهى اشار لها بإصبعه.
_نظفى ال*ق*رف ده هدخل الحمام الاقى هدومى جاهزة وعلى الله تتاخرى...
قالها تاركا إياها ملقاة على طرف السرير بألم تنظر إلى سقف الغرفة بدموع، لا تعرف سببا محددا لها.
يتبع.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close