رواية وكانت للقلوب رحمة الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم مروة حمدي
وكانت للقلوب رحمه
بقلم مروة حمدى
_٢١_
احب اعرف آراءكم يا حلوين لايك وكومنت بقا يا احلى بنات
مر الوقت سريعا على أبطالنا، عاد ممدوح إلى الورشة بعد تناول افطاره مع تلك الوردة الجورية، مبتسم، سعيد والأدهى يدندن، أستغرب على حاله الجميع بداية من رب العمل عبدالله حتى أصغر عامل موجود معهم.
حتى عبدالله يبتسم بنصر وهو يقرأ تلك الرسائل التى أرضت نزعة الانتقام بقلبه، ألمها حقيقى، هى تعانى وليس هناك من هو أفضل منه يعرف معاناة عاشق مثله، ولكن العشق لم يكن أبدا سبب للخيانة، العشق بعيد عن كل تلك المحرمات التى تتم تحت مسماه.
الحب عذرى نقى وطاهر، فإذا لم يكن عشقك هكذا، فهو ليس بعشق اى شىء آخر سواه، تمعن القراءة وهو يقرأ أعترافها الصريح له عن حبها، يذمها بعينيه وهو يقرأ رسائلها معلقا
" ال بيحب حد بيتمناله السعادة حتى لو مش هيكون معاه، بس ال أنتى عملتيه معايا ميعملهوش الد أعدائى وعلشان كده مالكيش عندى شفاعة "
تركها تتعذب كمن تقلى بزيت ساخن فى إنتظار جوابه الذى تدلل عليها بالرد به، حتى ارسل لها تلك الرسالة بعها أستند على كرسيه وهو يرجع بظهره إلى الخلف واضعا يده أسفل رأسه واليد الأخرى يمسك بالهاتف وهو يطلق صفيرا جذب أعين العمال له، لينظر أحدهم إلى الآخر بإندهاش.
فتارة ينظرون إلى ممدوح وحالة وندندنته والأخرى إلى عبدالله وسعادته وصفيره المرح.
حالتنان تبدوان من الوهلة الاولى متشابهتان ولكن تشابهت الوجوه واختلفت النوايا والروح يا سادة، فلكلا منهما أسبابه التى أختلف بها عن الاخر.
بينما بشقة تلك الوردة، تقم بالتنظيف بهمة ونشاط بعد رحيله وقلبها يتقاذف بداخلها بسعادة وهى تدندن" هاقبله بكرة وبعد بكرة" حتى آخر الأغنية بسعادة، تنظر إلى شقتها برضى تام عنها، قائلة لنفسها
"بس كده بقت فله وتليق بسى ممدوح لما يجئ فى اى وقت"
بينما بمكان اخر هناك لدى تلك المدرسة الثانوى، قعقب رحيل عماد بعد توصيله لعبير، يمر من أمام منزل زميله ولم يلحظ باب شرفته الموارب جزيئا فى مواجهة المدرسة على بعد مسافة ليست كبيرة.
بينما من يقف خلفها عقب رؤيته له وهو يعود أدراجه للداخل، يختفى بعيد عن الشرفة بأكملها حتى رحل، ليعود إلى مكانه مرة أخرى يطلق زفرة إرتياح، يتحدث بتفاخر" فكرة الشباك دى احسن ميه مرة من الوقوف فى الشارع، بدل ما أقع تحت ايد عماد وقتها هتفضح قدامه وقتى ومش هيبلعلى اى عذر وده مش هينفع دلوقتى خالص مش قبل ما أتأكد انا الأول باللى انا حاسه"
تنهد بثقل عقب رؤيته لباب المدرسة وهو يغلق، يولى للخلف عائدا إلى غرفته، يجلس على الفراش وهو يستند بوجنتيه على يده المسنودة على قدمه، يتحدث بتذمر
"بس انا انهاردة معرفتش اشوف ملامح وشها القمر كويس"
صوت تنبيه صدح جواره، ليتلفت برأسه إلى المنبه الموضوع على الكومود جواره، ليفتح عينيه على وسعهما وهو يتمتم بصوت هامس تحول إلى صراخ وهو يقفز من مكانه كالملدوغ
" المحاضرة العملى الأولى بالجراحة، هتاخر يا نصيبتى"
يخرج من الغرفة إلى باب الشقة الى الباب الرئيسى للمنزل بوقت قياسى استطاع الوصول إلى الجامعة بعد صعوده بسيارة أجره ودفعه اجر مضاعف للسائق حتى يوصله على الوقت، ليقف أمام باب المعمل وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة عقب جريه للوصول إلى هنا.
ضربة خفيفة على كتفه تلقاها من أحد زملائه وهو يعتدل فى وقفته، لينظر له يسأله
" أتاخرت"
ليجيبه الآخر: لا، حظك حلو الدكتور لغى المحاضرة النهاردة.
_محمد وهو يزفر براحه: حمد لله، بس الفلوس ا اخدها التاكسي اهيهى
_زميله: بس غريبة اول مرة تتأخر ولنص ساعة خير!
_محمد بحالمية: الحب يا صحبى.
_زميله: ايه، ايه؟!
_محمد وهو يتحمحم: يالا بينا على الكافية، انا لسه مفكرتك يدوب قبل المحاضرة ال وراءها.
_زميله: والحساب عليك.
_أنسى يا رفيق ؛ انا التاكسي واخد منة مبلغ وقدره وياريته جه بفايده.
_عماد كان عنده حق لما قال عنك بخيل.
_هاا، هو انت اول مرة تعرف الموضوع ده؟
_طب يالا يالا وربنا يعين عماد عليك.
محمد وهو يسير أمامه يهمس لنفسه: قول يعينى انا عليه هو وبنت خاله.
بينما بمكان اخر، بتلك المدرسة التى يدرس بها كلا من غادة ورحمة وهانى، بدورة المياة والتى أصبحت المقر التى يجتمع بها هانى وعلى، بأحد غرفها الصغيرة المغلقة، يقبع خلف بابها هانى بصحبه على وهو يتناوب على شرب عقب سيجار.
على وهو يسحب نفس طويل منها ثم أعطاها إلى هانى، يسأله بلؤم: بس انا استنيتك كتير على اول الشارع ومجتش على اتفاقنا يعنى؟
_هانى: خالى عبدالله كان معايا وممكنتش عايزه يشوفها.
_ليه يعنى ؟ هو انا مش صاحبك يبقى دخله هو ايه بينا؟!
_هانى ويزفر دخان تلك السيجار التى يضعها بين إصبعيه يتحدث بلا إهتمام لمشاعر من أمامه، وكإن الحديث لا يعنيه: هو مش عايز اى صحوبيه تكون بينى وبينك.
_يعتدل الآخر بوقفته ينظر أمامه وقلبه هاوى بين قدميه، ليتحطم إلى إشلاء وذاك الذى يجاوره لم يستمع إلى صوت تحطيمه حتى، ليسأله لما على الرغم من معرفته بعده اسباب تدفع اى احد للابتعاد عنه ولكنه أراد سماع ذلك من فم ذلك الهانى، حتى يبرأ نفسه مما هو قادم عليه: وليه بقا؟
_هانى وهو لا يزال على عدم مبالاته بمشاعر رفيقه، لم يكلف نفسه حتى عناء النظر إلى وجهه، فلربما لو نظر له لبرهه، ليرى شحوب وجهه، ذبول عينيه وأنقباض ملامحه؛ لرحمه قليلا وابقى الأمر بقلبه حفاظا على خاطره وليلتزم الصمت إشفاقا على حاله طالما هو بالأخير لن يلتزم بحديث خاله فلما كسر القلوب؟! ولكنه كالعادة لا يبالي ليتابع بجلده دون أن يرف له جفن.
_علشان انت بأى شكل من الأشكال ما تناسبنيش، ولا ينقع تكون صحبى.
قالها وأخذ نفس عميقا من تلك السيجار مرة أخرى، والآخر ينظر له مشدوها من حديثه الوقح الجرئ المهين له ولكرامته وبشده، لتتحول نظراته المشدوهه إلى أخرى متوعده بالرد هامسا لنفسه وهو يراقبه بتدقيق:
وحياتك ما هخليك تناسب اى حد طول ما واحد فينا عايش يا هانى.
وهناك قلوب تخطو أولى خطواتها بطريق العشق، تأمل ألا تتعثر خطاها وهى تسير، فالحب ما هو إلا قدر مهما حاولت الاختباء سيصل لك، مهما حصنت قلبك، يخترق كل الحصون واصلا إلى تلك النقطة بمنتصفه يصيبها ببراعه، مهما حكمت عقلك، يضرب بكل قراراته عرض الحائط ليصنع قرارات جديدة تتماشى مع تلك القرارات التى أتخذها القلب وأذعن لها الجسد.
يجوب بسيارته المكان للمرة التى لا يعلم عددها، وهو يسير بالطرقات بسيارته يدخل من هذة الحارة دالفا إلى هذا الزقاق، يخرج من ذلك المنفذ ليدلف إلى ذلك المعبر وعينه تجوب على الوجوه، لا يعلم لما ولكنه أراد رؤيتها وبشده.
ليستقل سيارته متوجها حيث المكان الذى راءها به أول مرة، مارا بالطريق الذى شاهدها وهى تسير عليه كغزال مغتر بنفسه على جانبه، هو هو نفس التوقيت وها هو المكان، فلما ليست موجودة إذن؟
وقف بسيارته فى مواجهة ملتقى الطرق لهذا المكان، حيث أنها لن تستطيع من اى طريق أتت ان تذهب إلى طريق أخر الا من خلاله ووقتها سيستطيع رؤيتها وإشباع عينيه من تفاصيلها، مر الوقت حتى وصل إلى ساعة كاملة، ليذم شفتيه بضيق، يضرب على مقود سيارته بغضب، ليميل بجزعه إلى الخلف وهو ينظر إلى الطريق أثناء خروجه بسيارته من هذا المكان.
وسؤال واحد فقط يردده" يا ترى ما جتيش ليه؟"
هز رأسه بيأس على حاله ينهرها برفق وهو لا يزال يتحدث داخله:
_مالك؟ اتجننت؟ هى كانت اديتك معاد وخلفته؟!!
_بس ده عايز يشوفها.
قالها وهو يشير على قلبه، لينهره عقله بسرعة.
_ليه، ايه ال فيها مختلف! دى حتى عكس كل بتحبه فى الستات.
_هى دى الغزال ال على حق.
_بس دى صغيرة.
_مش قوى.
_على الاقل ١٣ سنة.
_وحتى لو عشرين دى حاجة متعبنيش.
_ال يسمعك بتتكلم كده يقول بتحبها.
_لا انا محصن نفسى من الحاجات دى.
_وكلامك ده!
_انا بس بجاوبك.
_طب خلى بالك بنت فى سنها وبعدها اكيد ليها معجب أو حبيب قريب ليها بالسن.
وعند هذة الخاطرة توقف بسيارته فجاءة حتى أنها أطلقت صوت عالى جذب انتباه المارة نتيجة لإحتكاك إطاراتها بالإسفلت أسفلها.
ليشرد قليلا بها متذكرا لقائهم اول مرة، هيئتها عيناها الأسرة، جراءتها وقوتها.
ليجز على أسنانه بغضب وهويتوعد: ده تبقى أمه داعيه عليه ال بس يفكر فيها.
_طب وهى؟
_مالها؟
_لو فكرت فى حد كحبيب او حتى كان حد عاجبها.
_كان المفروض تفكر فى ده قبل ما تقف فى وشى بتتحدانى بعيونها.
_يعنى بتعترف.
_بايه؟
_خلينا نقول بإعجابك طالما كلمة حب مش عجباك.
_لا ده بس بتفكرني بنفسى وأنا فى سنها.
_بجد.
_ اه هو ده كل الموضوع.
ختم حديثه مع نفسه بخروجه من تلك المنطقة، بعدما تأكد بأنه لن يراها اليوم.
بينما هى استيقظت من نومها بوجتتين تشتعل خجلا من تلك الأحلام الوردية التى لم تراودها مثلها قبلا، ليكن هو بطلها الخيالى كما كان فى الواقع، تناولت إفطارها بسرعة، لم تبالى بأيا من تعليقات والدتها العنيفة بخصوصها، لتعود إلى غرفتها تخرج تلك الرسمة التى أخفتها عن أعين الجميع.
مستلقية على الفراش ترفعها بيديها الاثنين، تنظر لعينى الصقر هاتين بتمعن وهى تتذكر تلك النظرة اللعوب التى رمقها إياها بالأمس، وقد راقها هذا كثيرا، فهو لم يكلف نفسه عناء التصنع على غير طبيعته،نظرته ولمعتها جعلتها توقن أنه يفكر بها هو الآخر.
كان يبحث عنها بين الوجوه كما كانت تفعل هى، لذا قررت عدم الذهاب اليوم، بعد هيئة الأمس أصبحت ميقنة أنه سيمر من جديد باحثا عنها، لتتركه حتى يتقلى بنفس ناره التى أدرمها داخلها، حتى يحين موعد اللقاء ولتعلم وقتها كيف سيكون رد فعله عند إبصاره إياها.
عضت على شفتيها السفلى بتلاعب وهى تميل بجزعها لتستلقى على معدتها وهو تمسك بقلم تلوين تزين بعض الخصلات الصغيرة بمقدمة رأسه بالجانب الأيمن باللون الأبيض، لتنظر إلى الصورة بأمل عقب إنتهاءها تتغزل به وهى تمتمت.
" منور ولا القمر يااا....
ضحكت ضحكة عاليه، تكمل بعدها جملتها
"ياعموو"
بينما بالشقة بالدور العلوى، ابتسامة افتقرت لها منذ ليلة أمس، عادت مرة أخرى ترتسم على محياها وقد أرتاح قلبها على أنه لن يقطع الحبل الواصل بينهما ولن يكون مصير تلك المحادثة كمسير باب النافذة التى تغلق بوجهها.
أخذت بعضا من الملابس النظيفة واتجهت إلى دورة المياة، جلست بحوض الاستحمام بعدما أغدقت عليه بالصابون السائل ليمتلئ بالفقاقيع، لتسقط هى به وهى تجلس بجسدها بإريحيه، تدتدن بسعادة
"الوصل جميل حلو يا محلاه"
حدثت تفسها بعتاب: ازاى سبت نفسى لحد ما ده بقا حالى، للزم دايما يشوفني على احسن هيئة أومال هخليه يميل ناحيتي أزاى "
حل الليل بستائره على الجميع، يرحل جميع العاملين
تباعا، ليبقى عبدالله وابنته التى غلب عليها النعاس باكرا هذا اليوم ليضعها على كتفه، يحملها يسير بها عائدا إلى منزله.
وهناك اخر مشغول الفكر، منزوى على جانب الطريق،يفتح هاتفه وهو يطلب رقما ما، ينتظر إجابه من الطرف الآخر بفارغ الصبر، بعد وقت أتى إلى مسامعة صوت، تشوق لسماعه منذ أن تركه صباحا، لتتقافز تلك الدقات بداخله بصخب وقد طربت أذنيه من جوابها.
وردة من على الجهة الأخرى: الووو.
لم تتلقى جوابا وعندما طال الصمت نادت عليه برقة وهى تعلم أنه لا يزال على الهاتف:
سي ممدوح.
ممدوح وهو بعالم أخر حيرة من الخجل والجراءة الجديدة عليه وعلى طباعه، تلك اللهفة لسماع صوتها وطيب حديثها لا يعلم من اين اتت وكيف تشتعل هكذا؟ لا يعلم.
لكنه على يقين أنه فى هذة اللحظة لا يرغب بأى حديث سوا فقط سماعها والغرق بمعسول حديثها مرة تلو الأخرى لعله يروى من ظمأ سنين عجاف عاشها بمرارة مع أرض قاحلة جرداء؛ مهما أغدق عليها يسقيها بماء حبه، ينثر عليها بذور عشقه؛ لا ينبت بها زرع.
_معاكى.
الأخرى على الجانب الأخر وهى تستند على حافة نافذتها بدلال تضع الهاتف على أذنها تجيبه بلؤم أنثوى أتقنته من واقع ما عاشته، هامسه له بدفء: وما ردتش عليا ليه بقا؟
_الأخر بهيام وقدماه تسحبه سحبا كأمواج بحر ترتد عن الشاطئ لا يعلم الى اين المسير، هائم بها وبصورتها الحاضرة بذهنه الان يجيب بصدق وبقلب رجل لم يتعامل كثيرا مع النساء قبلا سوى زوجته:
يمكن علشان كنت عايز اسمع صوتك وهو بينادى عليا بطريقتك دى.
_وردة بإشفاق على حالة هذا الرجل تسأله بإستغراب ونبرة تغلفها الدهشة، التى لم تستطع إخفائها:
معقول، للدرجة دى؟!
_ممدوح وهو مغيب عن كل ما يحيط به، لم ينتبه لسؤالها ولا لتلك الدهشة المسيطرة عليه، ليغمض عينيه وهو يأمرها بلهفة مبطنه برجاء مغلفة بالحرمان، تخفى وراءها بصيص أمل لها:
_كرريه.
_وردة وهى تعقد حاجبيها بدون فهم:
ايه هو؟
_يتنهد بحرارة وهو يمسك بالهاتف يعصره بيده وهو على أذنه:
أسمى.
_تبسمت بمحبة صافية بدأت تنمو داخلها لهذا الرجل، فبعدما عاملته وفهمت طباعه، أدركت اى حال عليها هو وبنظرتها بالرجال فهو الطيب الخاضع الخنوع العاشق، هنيئا لمن ملكت قلبه وأمسكت بلجامه وتقلدت زمام أموره.
لفت نظرها شئ ما وهى تنظر من نافذتها المطلة على الطريق، تستشعر نسمات الهواء الليلية الباردة، المختلطة ببعض الهدوء وقد خلت الطرق الا من قليل، تحولت ابتسامتها الصغيرة إلى أخرى تتسع تدريجيا حتى ملئت وجهها وهى تمتد من أحدى أذنيها إلى الأخرى: تنطقه بدلال ورقة أذابت قلبها قبل قلبه، وهى تقول اسمه كأنما تتغزل به كأنشودة تطرب لها الأذان عند سماعها:
"ممدوح."
توقف فى مكانه مغمض عينيه وقد أخترق أسمه قلبه؛ كسهم نافذ أصاب هدفه، علا صدره وهو يعبأه بالهواء وكأنه سينفذ من حوله، ليطلقه براحه ترسخت بخلاياه؛ فلانت، راحة هدأ بها صراع عقله؛ فأستكانت أعصابه المشدودة منذ الصباح فتراخت، راحة عانقت قلبه فهدأت دقاته المتضاربة، لتسيرعلى وتيرة واحدة؛ تنطق بين كل دقة وأخرى بأسمها "وردة، وردة"
_وهى تتابعه لا تحيد بلؤلؤة عيناها عنه، مشاعر جديدة عليها، لم تألفها قبلا مع أحدهم، أصبحت تكتشف وجودها بداخلها منذ دلوف ذاك الرجل إلى حياتها أو بمعنى أدق منذ دلوفها هى إلى حياته.
أخرجها من تأملاتها وأخرجه من ثوره مشاعره،أمر قلبه الذى خرج منه دون وعى، ليعاود لسانه النطق به من جديد:
كررريه.
صمتت وهى تستمع له ولطلبه وقد مستها هيىئته التى تراه عليه كثيرا، تهم بالحديث، ليقاطعها هو بنفاذ صبر بعدما أطالت فى الإجابة على نداء قلبه لها.
_انتى فين عنى؟
_انا معاك.
_ما جاوبتنيش يعنى.
_بفكر أجاوب بطريقة احسن.
_عقد حاجبيه وهو لا يزال مغمض لعينيه متلهفا: ايه هى؟
_ ايه رايك لوفتحت عنيك الاول.
تسمر بمكانه وقد أفاق عقله الان فقط، متسائلا داخله " كيف عرفت هذا؟!"
لم يتأخر فى فهم الإجابة عقب فتحه لعينيه،التى أتسعت بالتدريج عقب إبصاره ما يحيط حوله؛ فبغمرة إشتياقه ولهفته ساقته قدماه لها من جديد، ليجد نفسه يقف أمام بنايتها ولم يشعر على حاله.
رفع رأسه ببطئ لأعلى، حتى استقرت عيناه عليها، أبتلع ريقه بصعوبه وهو يرى تلك النظرات المصحوبة بلمعة أضاءت عتمة قلبه، تراخت يده وهو ممسك بالهاتف لتستقر بجانبه وعينه لا تحيد عنها، تنهد بصمت يشكو لها إرهاق قلبه.
"القلب للقلب رسول" الجملة الوحيدة التى تصلح لوصف ما يشعرا به قلبهما الان، لتشير له بالهاتف أن يعيد وضعه على أذنه من جديد، ليفعل كما قالت دون أن يفقد اتصاله البصرى معها.
_ابتسمت ابتسامة صغيرة عقبها ضغطة صغيرة على شفاها السفلى بإغراء، هامسة له: مش شايف ان كده احسن.
_ممدوح بغباء وقد أنسته رؤيته لها كل شئ: احسن ايه؟!!
ضحكة مجلة ولكنها حرصت على خفض صوتها؛ حتى لا تجذب لها الأنظار،ولكنها وصلت له عالية رنانه، أخترقت أذناه من الهاتف، ليرقص عليها قلبه داخل أضلعه طربا.
_شكلك بتنسى بسرعة يا ممدوح.
هكذا علقت عليه وهى تتكأ على حروف أسمه ببطء، ليعاود أغماض عينيه وصوت تنهيداته الحائرة يخترق الهاتف وصولا لها، يتمتم بعدها بصدق.
_عمرى ما كنت كده.
_وايه ال جد؟
_أنتى.
_وهو انا وحشة اوى كده؟
_حلوة اوى
_بجد
يكتفى بأماءة من رأسه، مؤكدا لها صدق حديثه، ليسألها برجاء بعدها.
"أطلع"
_"تو تو، لا، لا"
هكذا أجابته، ليفتح عيناه ناظرا لها وعيناه تتساءل
_ليه؟
تغمض هى عينيها بحزن تخبره
_يا سى ممدوح انا عايشة لوحدى وفى الحته هنا زى ما انت عارف كله معين نفسه غفير على التانى، هفتح على نفسى باب شوشرة لو حد شافك انت وطالع ولا انت وخارج ،مين ده وتعرفيه منين ويقربلى ايه؟ "
يرضيك يحصل معايا كده؟
_يهز رأسه وهو يتمتم بخيبة وحسرة على الرغم من يقينه بصدق حديثها، يخبرها: لا، بس.
_ايه؟
هكذا قاطعته هى بلهفة فى إنتظار جوابه، ليطأطأ رأسه لأسفل يتنهد بقلة حيلة ولا يزال يضع الهاتف على أذنه، يولى لها ظهره دون أن يرفع رأسه متمتا: ولو حد شافني وانا واقف كده مش هتخلصى منهم برضه، علشان كده تصبحي على خير.
_طب هو مش المفروض تقولها وانت بتبصلى ولا انت زعلت من كلامى؟!
_ازعل ازاى وانا عارف انه صح.
_اومال!
_خايف.
_من ايه؟
_مقدرش اسيطر على نفسى واضرب كلامك واسئلتهم بالحيطه.
صدمة ألجمتها من كلماته التى خرجت منه بعفوية، لتتساءل بدون فهم وهى للمرة الأولى لا تعلم إلما يرمى حديث أحدهم معها أو مالغرض منه وما يحاول الوصول إليه، لتسائله بهتهته.
_ايه؟
ليتسمر هو فى مكانه بعدما خرج من فاهه من تصريح لا يعلم من أين جاء، ليخرجه سؤالها من صدمته يوقفه أمام قلبه وعقله، ليجيبها بسرعة وهو يفر هاربا من أمامها بسرعة.
_مش عارف.
قالها وأغلق الاتصال معها وكأنه هكذا أغلق باب تساؤلاتها، التى لا يمتلك لها أى إجابة، على الأقل بالوقت الحالى،لا يعلم أن هناك بابين أخرين وقد فتحا على مصراعيهما.
بينما بمنزل آل الجمال، تقف قلقة تجوب الغرفة ذهابا وإيابا، فلقد تأخر زوجها فى الرجوع عن ميعاده، بل إن أخاها قد عاد وهو لم يفعل، فى الحقيقة لا يقلقها تأخره بقدر ما يقلقها ما إذا نفذ ما طلبته منه صباحا أم لا.
همست لنفسها: اكيد نفذ وهو من امتى بيعصالى أمر وبالذات بعد الطريقة ال عمرها ما خيبت معاه زمان زودتله جرعة الدلع اكيد نفذ.
ليعاود عقلها تذكيرها بما بدر منه صباحا وعدم تناوله وجبة الإفطار معها، لتبرير لنفسها بغرور لم ولن يفارقها:
_يمكن كان عنده مصالح متعلقه ومستنياه فى الورشة، ما هو اتأخر عن ميعاده فى الصبح برضه.
لتكمل وهى تشيح بيدها فى الهواء.
"ممدوح لا ضرر منه ولا قلق، ال يقلق على حق هو رد عبدالله، يا ترى هيوافق ؟ بالذات واحنا مع بعض مش قد كده فى الفترة الاخيرة! ممكن يستغل الفرصة علشان ينتقم مننا ويذلنا.
تكمل وهى تحك رأسها بيدها" حتى ولو عمل كده ال هيتهان هو ممدوح مش انا، بعدين أصلح ال ابوظه موت ناهد، لازم ارجع أقرب منه من جديد لحد ما يرضى، الوضع ده خانقنى ومضيق عليا اوى واكيد ممدوح هيلاحظ ان الفلوس بتخلص بسرعة ساعتها مش هقدر استخدم نفس الحجة مرتين ورا بعض.
أعادت النظر إلى ساعة يدها وهى لا تستطيع الإستلقاء أو حتى الجلوس لتمتم بسخط: اخ من الرجل ده، ما بينقعش لحاجة ابدا، نصيب ايه ده ال وقعنى فيك، ارن عليه واشوفه اتأخر فين كل ده؟!
تجلب هاتفها من على الكومود بجانب الفراش، تبحث عن رقمه من بين الأسماء تهم بطلبه، تتوقف عما تفعله وهى تنظر باتجاه الباب الذى فتح فجاءة دون إذن، تهم بالتعنيف ظانة أنه لربما أحد أبناءها، تقف الكلمات على لسانها وهى تراه يدلف من الباب بوجهه لا تستطيع تفسير معالمه، لتعقد يدها بجانب صدرها، ترفع أحدى حاجبيه، تنظر له بضيق تسأله بنبرة حادة غاضبة.
_كريمة كمن يتحدث إلى طفل صغير مشاغب: ايه التأخير ده كله؟ كنت فين لحد دلوقتى؟
حسنا صفعة هو فقط صفعة هى ما تشعر به الآن وهو يتجاهلها للمرة الثانية، يحمل ملابسه متوجهاً إلى دورة المياة وكأنها هواء لا يبصره، لتجلس على السرير بإهمال وهى تنظر فى أثره بصدمه.
بينما فى غرفة هانى، يجلس شاردا فيما رآه اليوم من تصرفات هؤلاء الشباب، يحاول فهم تلك الطريقة التى يعملون بها ولم يفلح راجعا بذاكرته إلى إحداث بعد الظهيرة اليوم.
يتحدث هو ورفيقه علي مع أحد هؤلاء الشباب، ليتوقف الآخر فجاءه عن الحديث وهو ينظر إلى بقعه ما، ليتحرك تاركا إياهم دون تعقيب وهو يسير باتجاه أحد رفقائه الواقف عند الزاوية مستند على الجدار بإحدى قدميه، يميل عليه بهمس له بكلمات لم تصل له.
يتحرك بعدها عائدا لهم مرة أخرى، ينظر باتجاه نفس البقعة والتى أتضح أنها شخصا ما يقف بغير أتزان؛ يمرر كم قميصه على أنفه يزيح به سيلانه بشعر مشعس وأعين تشبه الباندا بجسد هزيل، يشير له برأسه بخفة دون أن يلاحظ أحدهم ولكنها لم تمر على هذا المتابع والذى لم يكن سواه وهو يشعر بأن هناك الكثير من الأشياء التى لا يعلمها بشأن هؤلاء الفتية.
انطلق ذلك الرجل بسرعة باتجاه الواقف من الزاوية الذى بمجرد تحركه تحرك هو الآخر إلى إلى داخل الزقاق واضعا يديه داخل بنطاله بخطوات عريضة، يدلف خلفه الآخر بهرولة، يغيبا بعد الوقت، يخرج ذلك الشخص بابتسامة وهو يضع يده فوق جيب بنطاله يمررها عليه بسعادة، يطلق بعدها ساقيه الريح مبتعدا عن المكان.
بعد مرور دقائق على خروج هذا الشخص، يعود ذلك الشاب إلى مكانه مرة أخرى، يتذكر كيف سأل صديقة على عندما غادرهم ذلك الفتى متوجها للشاب: علي ايه ال بيحصل هناك ده؟
علي: مالناش دعوة يا هانى، على الأقل دلوقت وعلاقتنا معاه مش قد كده.
يتذكر المرة الثانية التى أشار له بها على ما يحدث ودخول الرجل خلف ذلك الشاب، ليتنهد علي بقله حيلة يميل عليه،يجيبه متعمدا إشعال فضوله هذا: بيشوفوا شغلهم فهمت دلوقت؟
هانى:شغل ايه ده يا جدع؟!!
"مع ان ده مايخصكش بس هقولك علشان تسكت ولاتفتحش الموضوع ده تانى، شغل بناخد من وراءه فلوس كتير نصرف زى ما إحنا عايزين"
هنا فقط تأكد هانى بأن صديقه يعلم، بعدما تحول بنظراته لهم يحاول أن يفهم طبيعة هذا العمل، ليدير الأخر وجهه إلى الجهة الأخرى، يخرج من شروده يتمتم وهو يدثر نفسه جيدا بالفراش" لحد أمتى هتخبئ عليا يا على، كالت قصرت هعرف ومش هعتقك غير لما تقولى.
بينما عماد يجلس على مكتبه يراجع محاضراته، يتوقف قلمه عن النقر على طاولته وهو يتذكر حديثها معه على الدرج عقب عودتهم من المدرسة،أغمض عينيه وهو يستعيد تلك الكلمة التى قالتها لها
'تَبسم،"
لتتسع إبتسامته عليها وهو يعلق على حديثه بعدما رجع بظهره إلى الوراء، يعقد ذراعيه خلف رأسه وهو يفكر بتلك المجنونة
" كنتى فين من زمان يا عبير؟!"
بينما بالغرفة القابعة بها تلك النورهان، تذهب إلى باب غرفتها تفتحه بخفة تطرق برأسها منه وهى تنظر بالاتجاهين، تتأكد من خلو المكان وان كلا فرد منهم داخل غرفته، تغلق الباب من جديد بروية.
تجلس على الفراش تفتح درج الكومود بجانبها،تخرج تلك الورقة المطوية بالراحة، تفتحها وهى تمسكها بيديها ترفعها أمام وجها، عيناها تتأمل ملامحه التى خطتها بنفسها على تلك الورقة بعدما حفرت بداخلها بالأعماق.
اعتدلت بجلستها على الفراش لتتمدد عليه وهى تستند يظهرها عليه ولا تزال تمسك بالورقة، تحدثها كأن شخصا ما أمامها:
_ياترى دورت عليا انهاردة زى ما انا دورت عليك إمبارح؟
فى سؤال محيرني وانا عارفه أن اجابته عندك انت بالذات، تقدر تقولى انت ليه بتوحشنى؟
طيب هو انا اتجننت علشان ده كله يحصلى من مقابلة واحدة؟! انا محتارة علشان كده هقولك على سر والمفروض تفرح بده علشان عمرى ما عملتها مع حد قبل كده، طول عمرى مقتنعة أن نفسى هى بير اسرارى، والباقين مالهمش امان، بس انت غيرهم صح؟!
صمتت وهى تنظر لعيناه أمامها، لتتحدث بعد لحظات قائلة: تعرف ان انا ال غبت بمزاجى انهاردة عن الدورة التدريبة؟!
تهز رأسها للورقة بإيجاب مكملة : ايوه.
تتابع وهى تحاول التبرير والشرح لنفسها قبل أى أحد أخر: وحشتنى اوى وتمنيت اشوفك انهاردة، فقلت لو عدى يوم من غير ما اشوفك يمكن اللهفة دى تهدأ وبكرة كمان مش هروح.
انا محتارة مش فاهمة ولا اعرف احدد انا حاسة بايه، اول مرة أعيش حاجة زى كده، يمكن لو بعدت اقدر احكم عقلى زى عادتى، بس عارف حاسة انى مش هقدر.
تهز رأسها من جديد وهى تتابع بحسرة تضم الورقة إلى صدرها هامسة بهيام: شوقى ليك زاد الضعف يا منقذى المجهول.
قالتها وهى تغمض عينيها ببطء، ذاهبة إلى نوم عميق تريح به قلبها من التفكير، تاركه قلبا ما بمكان أخر لا يزال يقظا يشتعل هو الآخر لرؤيتها.
يجلس على مقعد خشبى عالى بركن المشروبات الروحية الخاصة به: يمسك بالكأس الذى بيده وهو ينظر أمامه بشرود متسائلا " مجتيش ليه"
شرب ما بالكأس دفعة واحدة بفمه يزيح بعدها أثاره من على فاهه بيده وهو يقم من مجلسه، يسير حتى تلك النافذة، ينظر منها إلى المكان من حوله وهناك صراع قد قام ما بين قلبه وعقله.
العقل : فى ايه تانى؟
القلب: مش عارف .
_بجد.
_اه.
_مش هنختلف بالاخص انا عارف انك كداب.
_عايز ايه؟
_ اشمعنا هى بالذات؟
_ عاملة زى المغناطيس بتشدنى ليها من غير ما تتكلم.
_دى عيلة!
_عارف.
_والعمل؟
_مش هروح هناك تانى وكويس أنها مجتش انهاردة.
_متأكد.
_ايوه متأكد.
_أتمنى، علشان ال بيحصل دخ لازم ينتهى دلوقتى وللابد، ال انت فيه وال عايز توصله مينفعش حاجة تشغلك عنه.
_القلب بتنهيدة حزينة: عارف.
يتبع.
بقلم مروة حمدى
_٢١_
احب اعرف آراءكم يا حلوين لايك وكومنت بقا يا احلى بنات
مر الوقت سريعا على أبطالنا، عاد ممدوح إلى الورشة بعد تناول افطاره مع تلك الوردة الجورية، مبتسم، سعيد والأدهى يدندن، أستغرب على حاله الجميع بداية من رب العمل عبدالله حتى أصغر عامل موجود معهم.
حتى عبدالله يبتسم بنصر وهو يقرأ تلك الرسائل التى أرضت نزعة الانتقام بقلبه، ألمها حقيقى، هى تعانى وليس هناك من هو أفضل منه يعرف معاناة عاشق مثله، ولكن العشق لم يكن أبدا سبب للخيانة، العشق بعيد عن كل تلك المحرمات التى تتم تحت مسماه.
الحب عذرى نقى وطاهر، فإذا لم يكن عشقك هكذا، فهو ليس بعشق اى شىء آخر سواه، تمعن القراءة وهو يقرأ أعترافها الصريح له عن حبها، يذمها بعينيه وهو يقرأ رسائلها معلقا
" ال بيحب حد بيتمناله السعادة حتى لو مش هيكون معاه، بس ال أنتى عملتيه معايا ميعملهوش الد أعدائى وعلشان كده مالكيش عندى شفاعة "
تركها تتعذب كمن تقلى بزيت ساخن فى إنتظار جوابه الذى تدلل عليها بالرد به، حتى ارسل لها تلك الرسالة بعها أستند على كرسيه وهو يرجع بظهره إلى الخلف واضعا يده أسفل رأسه واليد الأخرى يمسك بالهاتف وهو يطلق صفيرا جذب أعين العمال له، لينظر أحدهم إلى الآخر بإندهاش.
فتارة ينظرون إلى ممدوح وحالة وندندنته والأخرى إلى عبدالله وسعادته وصفيره المرح.
حالتنان تبدوان من الوهلة الاولى متشابهتان ولكن تشابهت الوجوه واختلفت النوايا والروح يا سادة، فلكلا منهما أسبابه التى أختلف بها عن الاخر.
بينما بشقة تلك الوردة، تقم بالتنظيف بهمة ونشاط بعد رحيله وقلبها يتقاذف بداخلها بسعادة وهى تدندن" هاقبله بكرة وبعد بكرة" حتى آخر الأغنية بسعادة، تنظر إلى شقتها برضى تام عنها، قائلة لنفسها
"بس كده بقت فله وتليق بسى ممدوح لما يجئ فى اى وقت"
بينما بمكان اخر هناك لدى تلك المدرسة الثانوى، قعقب رحيل عماد بعد توصيله لعبير، يمر من أمام منزل زميله ولم يلحظ باب شرفته الموارب جزيئا فى مواجهة المدرسة على بعد مسافة ليست كبيرة.
بينما من يقف خلفها عقب رؤيته له وهو يعود أدراجه للداخل، يختفى بعيد عن الشرفة بأكملها حتى رحل، ليعود إلى مكانه مرة أخرى يطلق زفرة إرتياح، يتحدث بتفاخر" فكرة الشباك دى احسن ميه مرة من الوقوف فى الشارع، بدل ما أقع تحت ايد عماد وقتها هتفضح قدامه وقتى ومش هيبلعلى اى عذر وده مش هينفع دلوقتى خالص مش قبل ما أتأكد انا الأول باللى انا حاسه"
تنهد بثقل عقب رؤيته لباب المدرسة وهو يغلق، يولى للخلف عائدا إلى غرفته، يجلس على الفراش وهو يستند بوجنتيه على يده المسنودة على قدمه، يتحدث بتذمر
"بس انا انهاردة معرفتش اشوف ملامح وشها القمر كويس"
صوت تنبيه صدح جواره، ليتلفت برأسه إلى المنبه الموضوع على الكومود جواره، ليفتح عينيه على وسعهما وهو يتمتم بصوت هامس تحول إلى صراخ وهو يقفز من مكانه كالملدوغ
" المحاضرة العملى الأولى بالجراحة، هتاخر يا نصيبتى"
يخرج من الغرفة إلى باب الشقة الى الباب الرئيسى للمنزل بوقت قياسى استطاع الوصول إلى الجامعة بعد صعوده بسيارة أجره ودفعه اجر مضاعف للسائق حتى يوصله على الوقت، ليقف أمام باب المعمل وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة عقب جريه للوصول إلى هنا.
ضربة خفيفة على كتفه تلقاها من أحد زملائه وهو يعتدل فى وقفته، لينظر له يسأله
" أتاخرت"
ليجيبه الآخر: لا، حظك حلو الدكتور لغى المحاضرة النهاردة.
_محمد وهو يزفر براحه: حمد لله، بس الفلوس ا اخدها التاكسي اهيهى
_زميله: بس غريبة اول مرة تتأخر ولنص ساعة خير!
_محمد بحالمية: الحب يا صحبى.
_زميله: ايه، ايه؟!
_محمد وهو يتحمحم: يالا بينا على الكافية، انا لسه مفكرتك يدوب قبل المحاضرة ال وراءها.
_زميله: والحساب عليك.
_أنسى يا رفيق ؛ انا التاكسي واخد منة مبلغ وقدره وياريته جه بفايده.
_عماد كان عنده حق لما قال عنك بخيل.
_هاا، هو انت اول مرة تعرف الموضوع ده؟
_طب يالا يالا وربنا يعين عماد عليك.
محمد وهو يسير أمامه يهمس لنفسه: قول يعينى انا عليه هو وبنت خاله.
بينما بمكان اخر، بتلك المدرسة التى يدرس بها كلا من غادة ورحمة وهانى، بدورة المياة والتى أصبحت المقر التى يجتمع بها هانى وعلى، بأحد غرفها الصغيرة المغلقة، يقبع خلف بابها هانى بصحبه على وهو يتناوب على شرب عقب سيجار.
على وهو يسحب نفس طويل منها ثم أعطاها إلى هانى، يسأله بلؤم: بس انا استنيتك كتير على اول الشارع ومجتش على اتفاقنا يعنى؟
_هانى: خالى عبدالله كان معايا وممكنتش عايزه يشوفها.
_ليه يعنى ؟ هو انا مش صاحبك يبقى دخله هو ايه بينا؟!
_هانى ويزفر دخان تلك السيجار التى يضعها بين إصبعيه يتحدث بلا إهتمام لمشاعر من أمامه، وكإن الحديث لا يعنيه: هو مش عايز اى صحوبيه تكون بينى وبينك.
_يعتدل الآخر بوقفته ينظر أمامه وقلبه هاوى بين قدميه، ليتحطم إلى إشلاء وذاك الذى يجاوره لم يستمع إلى صوت تحطيمه حتى، ليسأله لما على الرغم من معرفته بعده اسباب تدفع اى احد للابتعاد عنه ولكنه أراد سماع ذلك من فم ذلك الهانى، حتى يبرأ نفسه مما هو قادم عليه: وليه بقا؟
_هانى وهو لا يزال على عدم مبالاته بمشاعر رفيقه، لم يكلف نفسه حتى عناء النظر إلى وجهه، فلربما لو نظر له لبرهه، ليرى شحوب وجهه، ذبول عينيه وأنقباض ملامحه؛ لرحمه قليلا وابقى الأمر بقلبه حفاظا على خاطره وليلتزم الصمت إشفاقا على حاله طالما هو بالأخير لن يلتزم بحديث خاله فلما كسر القلوب؟! ولكنه كالعادة لا يبالي ليتابع بجلده دون أن يرف له جفن.
_علشان انت بأى شكل من الأشكال ما تناسبنيش، ولا ينقع تكون صحبى.
قالها وأخذ نفس عميقا من تلك السيجار مرة أخرى، والآخر ينظر له مشدوها من حديثه الوقح الجرئ المهين له ولكرامته وبشده، لتتحول نظراته المشدوهه إلى أخرى متوعده بالرد هامسا لنفسه وهو يراقبه بتدقيق:
وحياتك ما هخليك تناسب اى حد طول ما واحد فينا عايش يا هانى.
وهناك قلوب تخطو أولى خطواتها بطريق العشق، تأمل ألا تتعثر خطاها وهى تسير، فالحب ما هو إلا قدر مهما حاولت الاختباء سيصل لك، مهما حصنت قلبك، يخترق كل الحصون واصلا إلى تلك النقطة بمنتصفه يصيبها ببراعه، مهما حكمت عقلك، يضرب بكل قراراته عرض الحائط ليصنع قرارات جديدة تتماشى مع تلك القرارات التى أتخذها القلب وأذعن لها الجسد.
يجوب بسيارته المكان للمرة التى لا يعلم عددها، وهو يسير بالطرقات بسيارته يدخل من هذة الحارة دالفا إلى هذا الزقاق، يخرج من ذلك المنفذ ليدلف إلى ذلك المعبر وعينه تجوب على الوجوه، لا يعلم لما ولكنه أراد رؤيتها وبشده.
ليستقل سيارته متوجها حيث المكان الذى راءها به أول مرة، مارا بالطريق الذى شاهدها وهى تسير عليه كغزال مغتر بنفسه على جانبه، هو هو نفس التوقيت وها هو المكان، فلما ليست موجودة إذن؟
وقف بسيارته فى مواجهة ملتقى الطرق لهذا المكان، حيث أنها لن تستطيع من اى طريق أتت ان تذهب إلى طريق أخر الا من خلاله ووقتها سيستطيع رؤيتها وإشباع عينيه من تفاصيلها، مر الوقت حتى وصل إلى ساعة كاملة، ليذم شفتيه بضيق، يضرب على مقود سيارته بغضب، ليميل بجزعه إلى الخلف وهو ينظر إلى الطريق أثناء خروجه بسيارته من هذا المكان.
وسؤال واحد فقط يردده" يا ترى ما جتيش ليه؟"
هز رأسه بيأس على حاله ينهرها برفق وهو لا يزال يتحدث داخله:
_مالك؟ اتجننت؟ هى كانت اديتك معاد وخلفته؟!!
_بس ده عايز يشوفها.
قالها وهو يشير على قلبه، لينهره عقله بسرعة.
_ليه، ايه ال فيها مختلف! دى حتى عكس كل بتحبه فى الستات.
_هى دى الغزال ال على حق.
_بس دى صغيرة.
_مش قوى.
_على الاقل ١٣ سنة.
_وحتى لو عشرين دى حاجة متعبنيش.
_ال يسمعك بتتكلم كده يقول بتحبها.
_لا انا محصن نفسى من الحاجات دى.
_وكلامك ده!
_انا بس بجاوبك.
_طب خلى بالك بنت فى سنها وبعدها اكيد ليها معجب أو حبيب قريب ليها بالسن.
وعند هذة الخاطرة توقف بسيارته فجاءة حتى أنها أطلقت صوت عالى جذب انتباه المارة نتيجة لإحتكاك إطاراتها بالإسفلت أسفلها.
ليشرد قليلا بها متذكرا لقائهم اول مرة، هيئتها عيناها الأسرة، جراءتها وقوتها.
ليجز على أسنانه بغضب وهويتوعد: ده تبقى أمه داعيه عليه ال بس يفكر فيها.
_طب وهى؟
_مالها؟
_لو فكرت فى حد كحبيب او حتى كان حد عاجبها.
_كان المفروض تفكر فى ده قبل ما تقف فى وشى بتتحدانى بعيونها.
_يعنى بتعترف.
_بايه؟
_خلينا نقول بإعجابك طالما كلمة حب مش عجباك.
_لا ده بس بتفكرني بنفسى وأنا فى سنها.
_بجد.
_ اه هو ده كل الموضوع.
ختم حديثه مع نفسه بخروجه من تلك المنطقة، بعدما تأكد بأنه لن يراها اليوم.
بينما هى استيقظت من نومها بوجتتين تشتعل خجلا من تلك الأحلام الوردية التى لم تراودها مثلها قبلا، ليكن هو بطلها الخيالى كما كان فى الواقع، تناولت إفطارها بسرعة، لم تبالى بأيا من تعليقات والدتها العنيفة بخصوصها، لتعود إلى غرفتها تخرج تلك الرسمة التى أخفتها عن أعين الجميع.
مستلقية على الفراش ترفعها بيديها الاثنين، تنظر لعينى الصقر هاتين بتمعن وهى تتذكر تلك النظرة اللعوب التى رمقها إياها بالأمس، وقد راقها هذا كثيرا، فهو لم يكلف نفسه عناء التصنع على غير طبيعته،نظرته ولمعتها جعلتها توقن أنه يفكر بها هو الآخر.
كان يبحث عنها بين الوجوه كما كانت تفعل هى، لذا قررت عدم الذهاب اليوم، بعد هيئة الأمس أصبحت ميقنة أنه سيمر من جديد باحثا عنها، لتتركه حتى يتقلى بنفس ناره التى أدرمها داخلها، حتى يحين موعد اللقاء ولتعلم وقتها كيف سيكون رد فعله عند إبصاره إياها.
عضت على شفتيها السفلى بتلاعب وهى تميل بجزعها لتستلقى على معدتها وهو تمسك بقلم تلوين تزين بعض الخصلات الصغيرة بمقدمة رأسه بالجانب الأيمن باللون الأبيض، لتنظر إلى الصورة بأمل عقب إنتهاءها تتغزل به وهى تمتمت.
" منور ولا القمر يااا....
ضحكت ضحكة عاليه، تكمل بعدها جملتها
"ياعموو"
بينما بالشقة بالدور العلوى، ابتسامة افتقرت لها منذ ليلة أمس، عادت مرة أخرى ترتسم على محياها وقد أرتاح قلبها على أنه لن يقطع الحبل الواصل بينهما ولن يكون مصير تلك المحادثة كمسير باب النافذة التى تغلق بوجهها.
أخذت بعضا من الملابس النظيفة واتجهت إلى دورة المياة، جلست بحوض الاستحمام بعدما أغدقت عليه بالصابون السائل ليمتلئ بالفقاقيع، لتسقط هى به وهى تجلس بجسدها بإريحيه، تدتدن بسعادة
"الوصل جميل حلو يا محلاه"
حدثت تفسها بعتاب: ازاى سبت نفسى لحد ما ده بقا حالى، للزم دايما يشوفني على احسن هيئة أومال هخليه يميل ناحيتي أزاى "
حل الليل بستائره على الجميع، يرحل جميع العاملين
تباعا، ليبقى عبدالله وابنته التى غلب عليها النعاس باكرا هذا اليوم ليضعها على كتفه، يحملها يسير بها عائدا إلى منزله.
وهناك اخر مشغول الفكر، منزوى على جانب الطريق،يفتح هاتفه وهو يطلب رقما ما، ينتظر إجابه من الطرف الآخر بفارغ الصبر، بعد وقت أتى إلى مسامعة صوت، تشوق لسماعه منذ أن تركه صباحا، لتتقافز تلك الدقات بداخله بصخب وقد طربت أذنيه من جوابها.
وردة من على الجهة الأخرى: الووو.
لم تتلقى جوابا وعندما طال الصمت نادت عليه برقة وهى تعلم أنه لا يزال على الهاتف:
سي ممدوح.
ممدوح وهو بعالم أخر حيرة من الخجل والجراءة الجديدة عليه وعلى طباعه، تلك اللهفة لسماع صوتها وطيب حديثها لا يعلم من اين اتت وكيف تشتعل هكذا؟ لا يعلم.
لكنه على يقين أنه فى هذة اللحظة لا يرغب بأى حديث سوا فقط سماعها والغرق بمعسول حديثها مرة تلو الأخرى لعله يروى من ظمأ سنين عجاف عاشها بمرارة مع أرض قاحلة جرداء؛ مهما أغدق عليها يسقيها بماء حبه، ينثر عليها بذور عشقه؛ لا ينبت بها زرع.
_معاكى.
الأخرى على الجانب الأخر وهى تستند على حافة نافذتها بدلال تضع الهاتف على أذنها تجيبه بلؤم أنثوى أتقنته من واقع ما عاشته، هامسه له بدفء: وما ردتش عليا ليه بقا؟
_الأخر بهيام وقدماه تسحبه سحبا كأمواج بحر ترتد عن الشاطئ لا يعلم الى اين المسير، هائم بها وبصورتها الحاضرة بذهنه الان يجيب بصدق وبقلب رجل لم يتعامل كثيرا مع النساء قبلا سوى زوجته:
يمكن علشان كنت عايز اسمع صوتك وهو بينادى عليا بطريقتك دى.
_وردة بإشفاق على حالة هذا الرجل تسأله بإستغراب ونبرة تغلفها الدهشة، التى لم تستطع إخفائها:
معقول، للدرجة دى؟!
_ممدوح وهو مغيب عن كل ما يحيط به، لم ينتبه لسؤالها ولا لتلك الدهشة المسيطرة عليه، ليغمض عينيه وهو يأمرها بلهفة مبطنه برجاء مغلفة بالحرمان، تخفى وراءها بصيص أمل لها:
_كرريه.
_وردة وهى تعقد حاجبيها بدون فهم:
ايه هو؟
_يتنهد بحرارة وهو يمسك بالهاتف يعصره بيده وهو على أذنه:
أسمى.
_تبسمت بمحبة صافية بدأت تنمو داخلها لهذا الرجل، فبعدما عاملته وفهمت طباعه، أدركت اى حال عليها هو وبنظرتها بالرجال فهو الطيب الخاضع الخنوع العاشق، هنيئا لمن ملكت قلبه وأمسكت بلجامه وتقلدت زمام أموره.
لفت نظرها شئ ما وهى تنظر من نافذتها المطلة على الطريق، تستشعر نسمات الهواء الليلية الباردة، المختلطة ببعض الهدوء وقد خلت الطرق الا من قليل، تحولت ابتسامتها الصغيرة إلى أخرى تتسع تدريجيا حتى ملئت وجهها وهى تمتد من أحدى أذنيها إلى الأخرى: تنطقه بدلال ورقة أذابت قلبها قبل قلبه، وهى تقول اسمه كأنما تتغزل به كأنشودة تطرب لها الأذان عند سماعها:
"ممدوح."
توقف فى مكانه مغمض عينيه وقد أخترق أسمه قلبه؛ كسهم نافذ أصاب هدفه، علا صدره وهو يعبأه بالهواء وكأنه سينفذ من حوله، ليطلقه براحه ترسخت بخلاياه؛ فلانت، راحة هدأ بها صراع عقله؛ فأستكانت أعصابه المشدودة منذ الصباح فتراخت، راحة عانقت قلبه فهدأت دقاته المتضاربة، لتسيرعلى وتيرة واحدة؛ تنطق بين كل دقة وأخرى بأسمها "وردة، وردة"
_وهى تتابعه لا تحيد بلؤلؤة عيناها عنه، مشاعر جديدة عليها، لم تألفها قبلا مع أحدهم، أصبحت تكتشف وجودها بداخلها منذ دلوف ذاك الرجل إلى حياتها أو بمعنى أدق منذ دلوفها هى إلى حياته.
أخرجها من تأملاتها وأخرجه من ثوره مشاعره،أمر قلبه الذى خرج منه دون وعى، ليعاود لسانه النطق به من جديد:
كررريه.
صمتت وهى تستمع له ولطلبه وقد مستها هيىئته التى تراه عليه كثيرا، تهم بالحديث، ليقاطعها هو بنفاذ صبر بعدما أطالت فى الإجابة على نداء قلبه لها.
_انتى فين عنى؟
_انا معاك.
_ما جاوبتنيش يعنى.
_بفكر أجاوب بطريقة احسن.
_عقد حاجبيه وهو لا يزال مغمض لعينيه متلهفا: ايه هى؟
_ ايه رايك لوفتحت عنيك الاول.
تسمر بمكانه وقد أفاق عقله الان فقط، متسائلا داخله " كيف عرفت هذا؟!"
لم يتأخر فى فهم الإجابة عقب فتحه لعينيه،التى أتسعت بالتدريج عقب إبصاره ما يحيط حوله؛ فبغمرة إشتياقه ولهفته ساقته قدماه لها من جديد، ليجد نفسه يقف أمام بنايتها ولم يشعر على حاله.
رفع رأسه ببطئ لأعلى، حتى استقرت عيناه عليها، أبتلع ريقه بصعوبه وهو يرى تلك النظرات المصحوبة بلمعة أضاءت عتمة قلبه، تراخت يده وهو ممسك بالهاتف لتستقر بجانبه وعينه لا تحيد عنها، تنهد بصمت يشكو لها إرهاق قلبه.
"القلب للقلب رسول" الجملة الوحيدة التى تصلح لوصف ما يشعرا به قلبهما الان، لتشير له بالهاتف أن يعيد وضعه على أذنه من جديد، ليفعل كما قالت دون أن يفقد اتصاله البصرى معها.
_ابتسمت ابتسامة صغيرة عقبها ضغطة صغيرة على شفاها السفلى بإغراء، هامسة له: مش شايف ان كده احسن.
_ممدوح بغباء وقد أنسته رؤيته لها كل شئ: احسن ايه؟!!
ضحكة مجلة ولكنها حرصت على خفض صوتها؛ حتى لا تجذب لها الأنظار،ولكنها وصلت له عالية رنانه، أخترقت أذناه من الهاتف، ليرقص عليها قلبه داخل أضلعه طربا.
_شكلك بتنسى بسرعة يا ممدوح.
هكذا علقت عليه وهى تتكأ على حروف أسمه ببطء، ليعاود أغماض عينيه وصوت تنهيداته الحائرة يخترق الهاتف وصولا لها، يتمتم بعدها بصدق.
_عمرى ما كنت كده.
_وايه ال جد؟
_أنتى.
_وهو انا وحشة اوى كده؟
_حلوة اوى
_بجد
يكتفى بأماءة من رأسه، مؤكدا لها صدق حديثه، ليسألها برجاء بعدها.
"أطلع"
_"تو تو، لا، لا"
هكذا أجابته، ليفتح عيناه ناظرا لها وعيناه تتساءل
_ليه؟
تغمض هى عينيها بحزن تخبره
_يا سى ممدوح انا عايشة لوحدى وفى الحته هنا زى ما انت عارف كله معين نفسه غفير على التانى، هفتح على نفسى باب شوشرة لو حد شافك انت وطالع ولا انت وخارج ،مين ده وتعرفيه منين ويقربلى ايه؟ "
يرضيك يحصل معايا كده؟
_يهز رأسه وهو يتمتم بخيبة وحسرة على الرغم من يقينه بصدق حديثها، يخبرها: لا، بس.
_ايه؟
هكذا قاطعته هى بلهفة فى إنتظار جوابه، ليطأطأ رأسه لأسفل يتنهد بقلة حيلة ولا يزال يضع الهاتف على أذنه، يولى لها ظهره دون أن يرفع رأسه متمتا: ولو حد شافني وانا واقف كده مش هتخلصى منهم برضه، علشان كده تصبحي على خير.
_طب هو مش المفروض تقولها وانت بتبصلى ولا انت زعلت من كلامى؟!
_ازعل ازاى وانا عارف انه صح.
_اومال!
_خايف.
_من ايه؟
_مقدرش اسيطر على نفسى واضرب كلامك واسئلتهم بالحيطه.
صدمة ألجمتها من كلماته التى خرجت منه بعفوية، لتتساءل بدون فهم وهى للمرة الأولى لا تعلم إلما يرمى حديث أحدهم معها أو مالغرض منه وما يحاول الوصول إليه، لتسائله بهتهته.
_ايه؟
ليتسمر هو فى مكانه بعدما خرج من فاهه من تصريح لا يعلم من أين جاء، ليخرجه سؤالها من صدمته يوقفه أمام قلبه وعقله، ليجيبها بسرعة وهو يفر هاربا من أمامها بسرعة.
_مش عارف.
قالها وأغلق الاتصال معها وكأنه هكذا أغلق باب تساؤلاتها، التى لا يمتلك لها أى إجابة، على الأقل بالوقت الحالى،لا يعلم أن هناك بابين أخرين وقد فتحا على مصراعيهما.
بينما بمنزل آل الجمال، تقف قلقة تجوب الغرفة ذهابا وإيابا، فلقد تأخر زوجها فى الرجوع عن ميعاده، بل إن أخاها قد عاد وهو لم يفعل، فى الحقيقة لا يقلقها تأخره بقدر ما يقلقها ما إذا نفذ ما طلبته منه صباحا أم لا.
همست لنفسها: اكيد نفذ وهو من امتى بيعصالى أمر وبالذات بعد الطريقة ال عمرها ما خيبت معاه زمان زودتله جرعة الدلع اكيد نفذ.
ليعاود عقلها تذكيرها بما بدر منه صباحا وعدم تناوله وجبة الإفطار معها، لتبرير لنفسها بغرور لم ولن يفارقها:
_يمكن كان عنده مصالح متعلقه ومستنياه فى الورشة، ما هو اتأخر عن ميعاده فى الصبح برضه.
لتكمل وهى تشيح بيدها فى الهواء.
"ممدوح لا ضرر منه ولا قلق، ال يقلق على حق هو رد عبدالله، يا ترى هيوافق ؟ بالذات واحنا مع بعض مش قد كده فى الفترة الاخيرة! ممكن يستغل الفرصة علشان ينتقم مننا ويذلنا.
تكمل وهى تحك رأسها بيدها" حتى ولو عمل كده ال هيتهان هو ممدوح مش انا، بعدين أصلح ال ابوظه موت ناهد، لازم ارجع أقرب منه من جديد لحد ما يرضى، الوضع ده خانقنى ومضيق عليا اوى واكيد ممدوح هيلاحظ ان الفلوس بتخلص بسرعة ساعتها مش هقدر استخدم نفس الحجة مرتين ورا بعض.
أعادت النظر إلى ساعة يدها وهى لا تستطيع الإستلقاء أو حتى الجلوس لتمتم بسخط: اخ من الرجل ده، ما بينقعش لحاجة ابدا، نصيب ايه ده ال وقعنى فيك، ارن عليه واشوفه اتأخر فين كل ده؟!
تجلب هاتفها من على الكومود بجانب الفراش، تبحث عن رقمه من بين الأسماء تهم بطلبه، تتوقف عما تفعله وهى تنظر باتجاه الباب الذى فتح فجاءة دون إذن، تهم بالتعنيف ظانة أنه لربما أحد أبناءها، تقف الكلمات على لسانها وهى تراه يدلف من الباب بوجهه لا تستطيع تفسير معالمه، لتعقد يدها بجانب صدرها، ترفع أحدى حاجبيه، تنظر له بضيق تسأله بنبرة حادة غاضبة.
_كريمة كمن يتحدث إلى طفل صغير مشاغب: ايه التأخير ده كله؟ كنت فين لحد دلوقتى؟
حسنا صفعة هو فقط صفعة هى ما تشعر به الآن وهو يتجاهلها للمرة الثانية، يحمل ملابسه متوجهاً إلى دورة المياة وكأنها هواء لا يبصره، لتجلس على السرير بإهمال وهى تنظر فى أثره بصدمه.
بينما فى غرفة هانى، يجلس شاردا فيما رآه اليوم من تصرفات هؤلاء الشباب، يحاول فهم تلك الطريقة التى يعملون بها ولم يفلح راجعا بذاكرته إلى إحداث بعد الظهيرة اليوم.
يتحدث هو ورفيقه علي مع أحد هؤلاء الشباب، ليتوقف الآخر فجاءه عن الحديث وهو ينظر إلى بقعه ما، ليتحرك تاركا إياهم دون تعقيب وهو يسير باتجاه أحد رفقائه الواقف عند الزاوية مستند على الجدار بإحدى قدميه، يميل عليه بهمس له بكلمات لم تصل له.
يتحرك بعدها عائدا لهم مرة أخرى، ينظر باتجاه نفس البقعة والتى أتضح أنها شخصا ما يقف بغير أتزان؛ يمرر كم قميصه على أنفه يزيح به سيلانه بشعر مشعس وأعين تشبه الباندا بجسد هزيل، يشير له برأسه بخفة دون أن يلاحظ أحدهم ولكنها لم تمر على هذا المتابع والذى لم يكن سواه وهو يشعر بأن هناك الكثير من الأشياء التى لا يعلمها بشأن هؤلاء الفتية.
انطلق ذلك الرجل بسرعة باتجاه الواقف من الزاوية الذى بمجرد تحركه تحرك هو الآخر إلى إلى داخل الزقاق واضعا يديه داخل بنطاله بخطوات عريضة، يدلف خلفه الآخر بهرولة، يغيبا بعد الوقت، يخرج ذلك الشخص بابتسامة وهو يضع يده فوق جيب بنطاله يمررها عليه بسعادة، يطلق بعدها ساقيه الريح مبتعدا عن المكان.
بعد مرور دقائق على خروج هذا الشخص، يعود ذلك الشاب إلى مكانه مرة أخرى، يتذكر كيف سأل صديقة على عندما غادرهم ذلك الفتى متوجها للشاب: علي ايه ال بيحصل هناك ده؟
علي: مالناش دعوة يا هانى، على الأقل دلوقت وعلاقتنا معاه مش قد كده.
يتذكر المرة الثانية التى أشار له بها على ما يحدث ودخول الرجل خلف ذلك الشاب، ليتنهد علي بقله حيلة يميل عليه،يجيبه متعمدا إشعال فضوله هذا: بيشوفوا شغلهم فهمت دلوقت؟
هانى:شغل ايه ده يا جدع؟!!
"مع ان ده مايخصكش بس هقولك علشان تسكت ولاتفتحش الموضوع ده تانى، شغل بناخد من وراءه فلوس كتير نصرف زى ما إحنا عايزين"
هنا فقط تأكد هانى بأن صديقه يعلم، بعدما تحول بنظراته لهم يحاول أن يفهم طبيعة هذا العمل، ليدير الأخر وجهه إلى الجهة الأخرى، يخرج من شروده يتمتم وهو يدثر نفسه جيدا بالفراش" لحد أمتى هتخبئ عليا يا على، كالت قصرت هعرف ومش هعتقك غير لما تقولى.
بينما عماد يجلس على مكتبه يراجع محاضراته، يتوقف قلمه عن النقر على طاولته وهو يتذكر حديثها معه على الدرج عقب عودتهم من المدرسة،أغمض عينيه وهو يستعيد تلك الكلمة التى قالتها لها
'تَبسم،"
لتتسع إبتسامته عليها وهو يعلق على حديثه بعدما رجع بظهره إلى الوراء، يعقد ذراعيه خلف رأسه وهو يفكر بتلك المجنونة
" كنتى فين من زمان يا عبير؟!"
بينما بالغرفة القابعة بها تلك النورهان، تذهب إلى باب غرفتها تفتحه بخفة تطرق برأسها منه وهى تنظر بالاتجاهين، تتأكد من خلو المكان وان كلا فرد منهم داخل غرفته، تغلق الباب من جديد بروية.
تجلس على الفراش تفتح درج الكومود بجانبها،تخرج تلك الورقة المطوية بالراحة، تفتحها وهى تمسكها بيديها ترفعها أمام وجها، عيناها تتأمل ملامحه التى خطتها بنفسها على تلك الورقة بعدما حفرت بداخلها بالأعماق.
اعتدلت بجلستها على الفراش لتتمدد عليه وهى تستند يظهرها عليه ولا تزال تمسك بالورقة، تحدثها كأن شخصا ما أمامها:
_ياترى دورت عليا انهاردة زى ما انا دورت عليك إمبارح؟
فى سؤال محيرني وانا عارفه أن اجابته عندك انت بالذات، تقدر تقولى انت ليه بتوحشنى؟
طيب هو انا اتجننت علشان ده كله يحصلى من مقابلة واحدة؟! انا محتارة علشان كده هقولك على سر والمفروض تفرح بده علشان عمرى ما عملتها مع حد قبل كده، طول عمرى مقتنعة أن نفسى هى بير اسرارى، والباقين مالهمش امان، بس انت غيرهم صح؟!
صمتت وهى تنظر لعيناه أمامها، لتتحدث بعد لحظات قائلة: تعرف ان انا ال غبت بمزاجى انهاردة عن الدورة التدريبة؟!
تهز رأسها للورقة بإيجاب مكملة : ايوه.
تتابع وهى تحاول التبرير والشرح لنفسها قبل أى أحد أخر: وحشتنى اوى وتمنيت اشوفك انهاردة، فقلت لو عدى يوم من غير ما اشوفك يمكن اللهفة دى تهدأ وبكرة كمان مش هروح.
انا محتارة مش فاهمة ولا اعرف احدد انا حاسة بايه، اول مرة أعيش حاجة زى كده، يمكن لو بعدت اقدر احكم عقلى زى عادتى، بس عارف حاسة انى مش هقدر.
تهز رأسها من جديد وهى تتابع بحسرة تضم الورقة إلى صدرها هامسة بهيام: شوقى ليك زاد الضعف يا منقذى المجهول.
قالتها وهى تغمض عينيها ببطء، ذاهبة إلى نوم عميق تريح به قلبها من التفكير، تاركه قلبا ما بمكان أخر لا يزال يقظا يشتعل هو الآخر لرؤيتها.
يجلس على مقعد خشبى عالى بركن المشروبات الروحية الخاصة به: يمسك بالكأس الذى بيده وهو ينظر أمامه بشرود متسائلا " مجتيش ليه"
شرب ما بالكأس دفعة واحدة بفمه يزيح بعدها أثاره من على فاهه بيده وهو يقم من مجلسه، يسير حتى تلك النافذة، ينظر منها إلى المكان من حوله وهناك صراع قد قام ما بين قلبه وعقله.
العقل : فى ايه تانى؟
القلب: مش عارف .
_بجد.
_اه.
_مش هنختلف بالاخص انا عارف انك كداب.
_عايز ايه؟
_ اشمعنا هى بالذات؟
_ عاملة زى المغناطيس بتشدنى ليها من غير ما تتكلم.
_دى عيلة!
_عارف.
_والعمل؟
_مش هروح هناك تانى وكويس أنها مجتش انهاردة.
_متأكد.
_ايوه متأكد.
_أتمنى، علشان ال بيحصل دخ لازم ينتهى دلوقتى وللابد، ال انت فيه وال عايز توصله مينفعش حاجة تشغلك عنه.
_القلب بتنهيدة حزينة: عارف.
يتبع.
