رواية في شباك العنكبوت الفصل العشرين 20 بقلم رحاب حلمي
الفصل العشرون
القط والفأر
رنت مرام جرس الباب ثم انتظرت أن يفتح لها أحدهم وهناك صوت بداخلها يدعوها أن تعود أدراجها ولكنها تحاول أن تقنع نفسها بأنها لا ترتكب أي خطأ. فما الخطأ من زيارتها لشخص مريض بالإضافة لكونه زوجها؟!
فتح لها شاب الباب فاستنتجت أن يكون صديقه الذي يقيم معه في الوقت الحالي, تبسم لها الشاب وهو يسألها: نعم! حضرتك عاوزة مين؟
فارتبكت مرام وهي تقول: مش دي شقة تيم؟!
الشاب بنفس الابتسامة: أيوة هي, حضرتك مين؟
مرام: أنا مرام مصطفى.
اتسعت ابتسامة الشاب وهو يفتح الباب على آخره ويقول لها مرحبا ومشيرا بيده إلى الداخل: اهلا وسهلا, اتفضلي,تيم مستنيكي من بدري.
دخلت مرام وأغلق الشاب الباب لتزداد مرام ارتباكا وهي تسأله: هو عامل ايه دلوقت؟
فأجاب الشاب وهو يتجه إلى احدى الحجرات: تقدري تقولي ان حالته اتحسنت من ساعة ما سمع صوتك في التليفون وعرف إنك جاية.
وبعد أن طرق باب الحجرة مرتين برفق, فتح الباب وهو يشير إليها: اتفضلي يا آنسة.
اتجهت مرام إلى حيث يشير, وما ان وطئت قدماها باب مدخل الحجرة حتى لاحظت ذلك الجسد الممدد على السرير بإعياء, فتقدمت نحوه وهي تنادي اسمه بما يشبه الهمس: تيم!
فتح عينينه بوهن, وما ان رآها حتى انشرحت أساريره: مرام! أنا مش مصدق عينيا.
ثم ارتكز على كوعيه وهو يحاول الاعتدال ليستطيع الجلوس, ولكن بدا الأمر شاقا, فأسرعت مرام نحوه تمنعه: خليك راقد زي ما انت.
فأمسك بكفيها وأجلسها على حافة السرير بجواره, بينما تنحنح صديقه بإحراج ليقول: طب أنا هروح أعملكم حاجة تشربوها.
ثم غادر المكان لتسأل مرام مستفهمة: أمال باباك فين؟
فأجاب تيم: مسافر, هو لسة ما يعرفش حاجة عن موضوع الحادثة دة, وأنا كمان ما حبتش أتصل بيه عشان ما يقلقش, وأهو حسام أهو معايا بيخدمني ال24 ساعة.
مرام باهتمام: طب الدكاترة قالولك ايه؟فيه حاجة خطيرة.
فقال تيم وهو يشير إلى تلك البقع الزرقاء على وجهه: يعني الحمد لله, مفيش غير شوية كدمات وكسر في رجلي اليمين.
ثم غير دفة الحديث فجأة وهو يقول ممسكا بكفها الأيمن مقربا إياه من فمه: بس انتي ما تتصوريش سعادتي دلوقت أد ايه أول ما شفتك هنا, أنا لحد النهاردة كنت شاكك في حبك ليا وكنت مراهن نفسي انك مش هتيجي, لكن دلوقت انا ما بقاش عندي أي شك.
فقالت مرام معاتبة: شاكك! بعد كل دة؟
فأجاب تيم مبررا: بصراحة كان فيه أوقات كنت بحس فيها انك مش واثقة فيا وكان الاحساس دة بيموتني.
فأسرعت مرام تقول: حبيبي! بعد الشر عليك.
فابتسم لها تيم بحب لتجيبه مرام بابتسامة خجلى, فقال لها تيم وهو يرفع رأسه عن الوسادة قليلا: مرام! معلش ممكن تعليلي المخدة عشان عاوز أقعد شوية, أصلي زهقت من الرقدة.
وبالفعل قامت مرام لتفعل ما طلبه منها ثم ساعدته في أن يرفع جسده قليلا ليعتدل في جلسته وكعرفان بالجميل, قبل يدها شاكرا وهو يقول: ربنا ما يحرمني منك.
فسحبت مرام يدها سريعا وهي تشعر بقشعريرة خفيفة تسري بداخلها, فلاحظ تيم ذلك ليعلق وهو يظهر تبرمه: مرام! هو أنا ليه كل ما بحاول أقربلك بحس انك بتبعدي؟
ثم أضاف بنبرة رقيقة أشد اقناعا: يا مرام, انتي مراتي, عارفة يعني ايه مراتي؟ يعني أنا ليا حقوق كتيرة عليكي, وأنا مش بطلب غير أبسطها.
مرام معتذرة: أنا آسفة.
فقال تيم بخبث: آسفة كدة حاف؟
نظرت مرام إليه ببراءة وهي تسأل: قصدك ايه؟
فأشار لها تيم بإصبعه أن تقترب منه, وقد فعلت دون أن تدري ما يرمي إليه, وفجأة وجدت نفسها بين ذراعيه وشفتاه تطبقان على شفتيها دون أن يتيح لها فرصة للمقاومة إلى أن نجحت أخيرا في الابتعاد عنه وهي تتذمر قائلة: تيم! إيه اللي انت عملته دة؟
فقال تيم بنظرة متسلية: مش قولتلك؟ أبسط حقوقي.
مرام محذرة: ياريت دة ما يتكررش تاني.
فمط تيم شفتيه وهو يقول بمرح: دي الحاجة الوحيدة اللي مش ممكن أوعدك بيها.
فقالت مرام برجاء: طب ع الأقل لحد ما نعلن جوازنا.
فوافق تيم على طلبها بمضض: هحاول.
ثم نهضت مرام استعدادا للذهاب وهي تقول: طب أنا همشي دلوقت بقا, وهبقا اتصل أطمن عليك.
فعلق تيم بابتسامة ماكرة: دة معناه انك مش هتيجي هنا تاني؟
فقالت مرام وهي تصافحه: مفتكرش اني هقدر, حمدالله على سلامتك.
ثم رحلت دون محاولة منه ليستوقفها أو أن يجادلها في الأمر وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة منتصرة.
*******************************
جلس زياد أمام مكتب عمر الذي قال له وبدا على لهجته الضجر: يابني خلاص, ما قولتلك اننا هنيجي, أبوس ايدك حل عن دماغي بقا, انا ورايا شغل كتير ومش فاضيلك.
وبدأ يطالع بعض الأوراق أمامه مؤكدا على كلامه, ولكن ذلك لم يكن دافعا قويا لزياد كي يرحل أو يبدي ولو استعدادا لذلك, بل انه قال لعمر: كنت عاوز أطلب منك طلب يا عمر.
فترك عمر ما بيده,ثم ركز عينيه على صديقه وهو يخمن قائلا: والطلب دة هو سبب مجيك النهاردة, مش كدة؟
فابتسم زياد بصدق وهو يجيب: طول عمرك بتفهمها وهي طايرة يا عمر.
لم يجب عمر على مزاحه, بل قال بصرامة: لخص وقول عاوز ايه؟
زياد: كنت عاوزك تعزم مدام صفية ع الحفلة بالنيابة عني.
جعلته نظرة عمر المتشككة في أن يستطرد سريعا وهو يقول: يعني, اصلي كنت سخيف أوي معاها المرة اللي فاتت, وقولت دي فرصة مناسبة عشان أقدر أعتذرلها.
بدا أن عمر لم يقتنع بكلامه, لذا كان سؤاله: وانت يهمك زعلها في ايه؟
حاول زياد أن يخفي ارتباكه بمرحه الزائف: الله, مانت عارف يا سيدي اني طول عمري جنتل وما بحبش حد يزعل مني.
فقال له عمر فيما يشبه التحذير: بقولك ايه يا زياد, ما تسيبك من الموضوع دة أحسن.
علم زياد أن المراوغة أكثر من ذلك لن تجدي نفعا, لذا كانت صراحته ليقول لعمر متهما: فيه ايه يا عمر؟ مالك كدة محاوط عليها من كل جهة؟ انت ناوي تكوش على كل الستات ولا ايه؟ ما تسيب حاجة لحبيبك بقا.
لم يجادل عمر أكثر, بل عاد لأوراقه وهو يقول بحزم: اوك يا زياد, بس طلعني أنا برة الموضوع دة.
زياد موافقا وهو ينهض من مكانه عازما على الرحيل: ماشي يا عمر, سلام بقا, وأشوفك في الحفلة.
**************************************
في منزل صفوت الصياد, كان حازم قد ارتدى ثيابه واستعد للذهاب إلى الحفل الذي دعاه إليه زياد, وقف حازم في قاعة الاستقبال الخاصة بالفيللا, وهو ينظر إلى ساعته بين لحظة وأخرى ليقول بضيق: أنا مش عارف كل دة الهانم بتعمل ايه فوق؟
فقالت له والدته التي كانت تجلس على كرسي بالقرب منه: بالراحة يا حازم, زمانها جاية.
لم يهدىء كلامها من ثورته بل ازداد حنقا وهو يقول: وهي تيجي ليه أصلا؟ طالما انتي مش هتيجي معانا, ما كنت أنا روحت لوحدي وخلاص.
فيريال: وفيها ايه يعني لما تروح معاك؟ خليها تشم نفسها شوية. دي من ساعة ما اشتغلت مع ابن عمك وهي يا عيني عليها كل يوم من البيت للشركة ومن الشركة للبيت.
حازم: وهو كان فيه حد غصبها ؟ أنا لحد دلوقت مش عارف ايه اللي طلعها في دماغها وخلاها تفكر في موضوع الشغل دة؟ ما خلاص اللي كنتم بتخططوله كله راح, وعمر اتجوز ملك.
فهتفت فيريال تقول مشمئزة: بس, ما تجبش سيرة البتاعة دي أدامي تاني مرة, أنا مش عرفة هي كانت عاملة لولاد عمك عمل ولا ايه؟ دي وقعت الاتنين ورا بعض ولا اللي تكون ساحرالهم.
وهنا كانت ميار قد وصلت إليهم لتقول لحازم: ياللا, أنا جاهزة.
فتفحصها حازم باستهجان, فقد كانت ترتدي فستانا قصيرا يكاد يصل للركبة ملتصقا بجسدها كما لو كان جزءا من جلدها بالإضافة إلى أنه بدون أكمام, فقال حازم باستنكار: انتي هتروحي باللبس دة؟
فأجابت ميار ببساطة: sure ! ايه المشكلة؟
حازم وقد بدأت نبرة صوته ترتفع تدريجيا: فيها انك رايحة مع راجل, والراجل دة مش ممكن يقبل انه يبقا ماشي جنب أخته وكل الرجالة بتبص عليها, اتفضلي اطلعي غيري الهباب اللي انتي لابساه دة.
فاحتجت ميار بطريقة طفولية مستعينة بوالدتها: لا مش هطلع, يا مامي اتكلمي بقا.
فقال فيريال لابنها محاولة استرضائه: وفيها ايه بس يا حازم, ما كل البنات اللي في سنها بيلبسوا كدة.
حازم بصرامة: أنا مليش دعوة بالبنات التانية يا ماما, انا اللي يهمني أختي وبس.
فسألته ميار بهدف إغاظته: ويا ترى ست الحسن والجمال, الحاجة مرام هتبقا لابسة ايه بقا؟
لم يجد حازم ما يرد به على أخته,فلم يخبر أحدا أن أمر خطبته بابنة عمه قد تم إلغائه, لذا عمد إلى تجاهل سخريتها, وقال وهو يتجه خارج الفيللا: هستناكي ربع ساعة في العربية تكوني غيرتي اللبس دة أكتر من كدة هسيبك وأمشي.
***************************
أما في قصر مصطفى نصار, فقد استعد الجميع للذهاب إلى الحفل, وعندما نقول الجميع فإننا نقصد نجوان هانم و عمر ومرام, أما عن ملك فيبدو أنها كان لها رأي آخر, فبعد ارتدى عمر ثيابه الأنيقة ووقف أمام المرآة يصفف شعره ويعدل ربطة العنق وجدها تخرج من الحمام بثياب النوم فنظر إليها باستنكار: انتي لسة ما لبستيش؟
فقالت ملك ببساطة وهي تشير إلى الثياب التي ترتديها: مانا لابسة أهو.
ضاقت عيناه بقليل من الغضب وهو يسألها: هتروحي الحفلة بالهدوم دي؟
فأجابت ملك وهي تجلس على الأريكة تعدل من وضع الوسادة التي تنام عليها: ومين قال اني هروح الحفلة؟
فاحتد صوته وهو يدير وجهه إليها: نعم! يعني ايه؟ أنا قلت لزياد اننا هنحضر الحفلة.
فنظرت إليه ملك بتحدي وهي تقول: انت اللي قولتله مش أنا, يعني تقدر تروح لوحدك من غيري.
بدا أنه يتحكم في السيطرة على نفسه بصعوبة وهو يصر على أسنانه ويقول: ملك! انتي أعقل من انك تتحداني.
ملك بمزيد من التحدي: والله لو كان العقل هو اللي هيخليني ألغي شخصيتي وكياني وأبقى مجرد تابع ليك يبقا الله الغني عنه, دة انت حتى ما فكرتش تاخد رأيي قبل ما توافق.
كان بصدد أن يرد عليها بقوة وأن يطلق لغضبه العنان, لولا أن أنقذها تلك الطرقات الخفيفة على الباب وصوت الخادمة تقول: عمر بيه! نجوان هانم بتقول لحضرتك ان هي و آنسة مرام مستنيينك من بدري وانكم كدة هتتأخروا عن الحفلة.
فأجابها عمر دون أن يكلف نفسه عناء أن يفتح لها الباب: قوليلها اني نازل حالا.
وما ان سمع صوت خطوات الخادمة تبتعد عن الغرفة, اقترب من ملك على نحو خطير, وعيناه تلمعان من الغضب بينما ظلت ملك تقف مكانها عاقصة ذراعيها أمام صدرها لا تحيد بنظرها عنه رافضة أن يتحكم بها الخوف فتنصاع مجددا لأوامره, وفجأة أمسكها من ذراعها بقوة حتى كادت أصابعه تنغرز في لحمها وقد خرجت منها صرخة مكتومة, ثم سمعت صوته الذي خرج كالفحيح وهو يقول لها: حسابنا لما أرجع.
ثم ترك ذراعها فجأة كما أمسكه فجأة, ورحل تاركا إياها تدلك ذراعها مكان تلك العلامات التي خلفتها أصابعه عليه.
***********************************
كان حفلا كبيرا ذلك الذي أقامه زياد وقد اجتمع فيه كبار رجال الأعمال كما أراد لتكون بداية قوية لشركته الجديدة, وبالطبع فقد سعى إلى إرضاء جميع الحاضرين فيتجول من تلك المجموعة للأخر يتحدث مع هذا ويضاحك ذاك, ثم وقف مع صديقيه أخيرا, حيث قال حازم مشيدا بالحفل: لا بصراحة, حاجة على مستوى يا زياد, ربنا يرفقك ويباركلك.
فشكره زياد مبتسما: تعيش يا صاحبي.
ثم نظر إلى عمر يقول له بجدية: عمر, معلش عاوزك دقيقة.
وأضاف معتذرا لحازم: عن اذنك يا حازم.
فقال حازم وهو يهم بالابتعاد: خدوا راحتكم, انا اصلا هروح أشوف ميار فين, أصلها مش باينة.
وبعد ان ابتعد عنهما, سأله عمر باهتمام: خير يا زياد؟ كنت عاوزني في ايه.
فكان سؤال زياد المباشر: هي المدام ليه ما جاتش الحفلة النهاردة؟
وقبل أن يدع مجالا لسوء الفهم, أضاف سريعا: لو كان السبب الموضوع القديم, اني يعني كنت عاوز ارتبط بيها, فصدقني انا خلاص دلوقت نسيت الموضوع دة تماما, ومداد ملك بالنسبالي مش أكتر من انها مراة صاحبي وبس, ولو ما كنتش مصدقني........
أكمل وهو يشير بعينيه ناحية المدخل وقد لاحت على شفتيه ابتسامة يعرفها عمر جيدا: بص وراك.
فأدار عمر وجهه ليجد آخر شخص كان يتوقع حضوره الحفل, نعم هي صفية.
*******************
