رواية الحب بيجمع ناسه الفصل التاسع عشر 19 بقلم هند سعد الدين
ـــ هندا؟ أنا بفكر أنزل مصر، شهر العسل خلص وشغلي مستنيني..
ـــ ننزلوا سوا يا حبيبي..
— أومال إنتي فاكرة إني ممكن أسيبك هنا وأنزل مصر لوحدي؟ أنا بس شايف إنك حابة تقعدي مع ماما ومش حابب أحرمك من ده..
— أنا بحب ماما إلفان أوي بس برضه مقدرش استحمل فكرة بعدك عني!
ـــ اللي إنتي هتقوله هعمله، كله فدى راحتك.
قالها وهو نايم على ضهره، باصص للسقف كإنه بيحسب المسافة بينه وبين القاهرة.
كنت نايمة على جنبي، برسم دايرة صغيرة على صدره بصوابعي.
— الشغل هناك أكبر.. أنا بحب مصر، فرصتي مش بتتكرر.
— طب ننزل سوا.
لف وشه ناحيتي، عينه فيها تردد راجل عايز يكبر.. ومش عايز يخسر.
— وماما؟
— مالها مامتك؟
— امبارح كانت بتقول ننقل الشركة بتاعتها هنا، وهتفتح لك شغل، السوق بيتطور، والاسم هيكبر بسرعة
ضحكت بخفة.
— مامتك بتحب تكون شايفة كل حاجة تحت عينها، إنتي رأيك إيه، أنا مستعدة أعمل ده عشانك؟
— أنا أحب أكون تحت عينك إنت، في أي مكان.
ابتسم، قربني منه أكتر.
— يعني مصر؟
— يعني مع بعض، في أي حتة.
سكت ثانية، صوته بقى أهدى:
— هتبقي لوحدك معظم الوقت، لو تعبتي وأنا مش موجود..
— مش هيحصل حاجة، ويا سيدي أنا أحب أتعب بس في حضنك.
باس راسي، وقالها كإنه بياخد قرار عمره:
— خلاص.. ننزل.
ـــ إيه مش جعانة كالعادة؟
ـــ لأ، بطني وجعاني..
ـــ ده بس بسبب التنشنة والأجواء المتغيرة..
نزلنا تحت، السفرة كانت مليانة أصناف وألوان، بس بطني فجأة قلبت.
ريحة البيض بالسجق اللي بحبها، خبطت في دماغي.
بلعت ريقي، حاولت أتماسك.
طنط إلفان بتحط في طبقي كعادتها.
— كُلي يا بنتي، شكلك محتاجة تغذية اليومين دول.
كنت هرد، بس الدنيا لفت بيا.
المعلقة وقعت من إيدي.
قومت فجأة وجريت على الحمام.
صوت القيء كان عالي كفاية يخلي السكوت يتكسر.
عابد خبط على الباب.
— هند؟ افتحي.
فتحت بعد دقيقة، وشي أصفر، عيني بتدمع.
طنط إلفان بصت لي نظرة واحدة.. الستات القديمة ما بتغلطش. في توقعاتها.
— استني هنا.
رجعت بعد ربع ساعة، في إيدها علبة صغيرة.
قلبي خبط.
— لأ، مش للدرجة دي..
بصت لي بابتسامة فيها سر.
— اعمليه.. ونشوف.
الدقيقة كانت أطول من سنة.
قعدة على طرف البانيو، العلبة الصغيرة في إيدي..
خط واحد ظهر.
اتنهدت.
حطيت إيدي على قلبي.
ظهر خط تاني.. الدنيا سكتت.
— هند؟
صوت عابد من بره.
فتحت الباب إيدي بترتعش، مديت له الاختبار.
قراه.. رفع عينه ناحيتي..
وبدأ يضحك. ضحكة مش طبيعية، ضحكة طفل كسب الدنيا.
— بجد؟
هزيت راسي.
ـــ تقريبًا أه!
شدني لحضنه، لف بيا.
— أنا هبقى أب! ربنا محاوطنا بالفرحة من كل حتة.
طنط إلفان كانت واقفة ورا الباب، دموعها سبقت كلامها.
— كنت حاسة، والله كنت حاسة.
على السفرة..
الخبر نزل زي قنبلة.
— حامل.
أمي حطت الكوباية بقوة.
— إيه؟
— حامل يا ماما.
قامت واقفة.
— لأ، ينزل..
قالتها بحسم..
مسكت بطني كإني بحميها من المجهول.
— لأ يا هند.
— لأ إيه؟
— لأ يعني لأ! إنتي لسه صغيرة، ولسه قدامك شغل، ولسه، ولسه حاجات كتير.
قربت مني خطوة، صوتها بدأ يعلى.
— إنتي بتضيعي نفسك!
— ده ابني أو بنتي.
صوتي كان ثابت لأول مرة.
ضربتني بالقلم..
الصفعة جات أسرع من التفكير.
صوتها رنّ في ودني.
وقعت على الكرسي..
عابد وقف قصادها..
ـــ تكرمي لأجلها، لكن متفكريش هسيبك تتجرئي عليها تاني.
بصت لي بغيظ..
— إنتي خيبتي أملي.
سكتت لحظة.. وبعدين قالتها ببرود:
— من النهارده، كل واحدة مسؤولة عن حياتها، أنا ماليش بنت ترمي نفسها كده، علاقتنا اتقطعت يا هند.
الكلمة كانت أقسى من القلم.
طنط إلفان قامت، وقفت بينا.
— كفاية!
شدتني لحضنها.
— اللي يسيب بنت حامل في لحظة زي دي، يبقى هو اللي محتاج يتربى من جديد.
بصت لي ومسحت على شعري.
— إنتي مش لوحدك، البيت ده بيتك، وأنا أمك لو التانية مش عايزة.
كنت بعيط بصمت، عياط المقهورين، مش عشان القلم.. عشان الجملة.
مش أول مرة تمد إيدها عليا، رجع شريط الذكريات يمر قصاد عيني..
قلم لما أجيب درجة مش عجباها، وقلم لما اتكلم براحتي، وعقاب بمنع الأكل لما دخلت جامعة مش على هواها..
جسمي اترعش فجأة، عابد جري يشغل الدفاية، وطنط إلفان خبتني جوا حضنها..
ـــ ليه بتعمل معايا كده، هل أنا مستحقش..
كنت بتكلم وأنا بشهق كإن الكلام رافض يطلع..
عيطت عليا طنط إلفان، وعابد كان بيضرب إيده على الحيطة وهو شايف ماما بتجر شنطتها وماشية من غير سلام.
وفي عز اللحظة دي..
دخلت سيلين ماسكة شنطة صغيرة، وبحر جنبها.
— إيه التجمع الحلو ده؟
ابتسامتها مستفزة كعادتها.
بحر بص لي وأخد باله من تيست الحمل اللي جمبي..
ابتسم نص ابتسامة.
— ألف مبروك.
صوته كان فيه حاجة مستفزة، كإنه عارف أكتر من اللازم.
قرب أكتر.
— الحمل مسؤولية كبيرة، يا ترى إنتي قدّها؟
عابد اتحرك خطوة قدامه.
— كلمة كمان.. وهتطلع بره.
بحر رفع إيده باستسلام مزيف.
— أنا بس قلقان عليها، أصل هند بسكويتة خالص.
الكلمة قطعتني نصين.
سيلين مسكت دراعه.
— يلا يا بحر، واضح إننا جينا في وقت مش مناسب.
بس قبل ما يمشوا، همست لي:
— مبروك، بس خلي بالك، مش كل الحمل بيكمل للأخر.
الجملة دخلت تحت جلدي زي إبرة.
عابد سمع آخر كلمة.
— سيلين!
طنط إلفان صرخت:
— بره!
الباب اتقفل وراهم بعنف.
رجعت أوضتي.
قعدت على السرير، إيدي على بطني.
لسه نقطة، لسه سر صغير.
دخل عابد، قعد قدامي، مسك إيدي وحطها على قلبه.
— ده بينبض عشانكم إنتوا الاتنين دلوقتي.
بصيت له، دموعي نازلة بس المرة دي مش ضعف.
— أنا خايفة.
— وأنا معاكي.
— أمي سابتني.
— وأنا اخترتك.
ميل على بطني، همس:
— أهلاً بيك، أنا مستنيك من بدري.
ـــ ما يمكن تكون بنت!
حط إيده على بطني..
ـــ برنسيسة باباها مستنيكي.
ضحكت وسط دموعي.
برا، طنط إلفان كانت بتكلم حد في التليفون بصوت واطي، بتخطط لنقل دكتور، ومتابعة، وبيت أوسع…
ست قررت تحارب عشان حفيد لسه ما اكتملش.
وأنا؟ حطيت إيدي على بطني تاني.
يمكن أمي شافت في الحمل نهاية.
بس أنا شوفته بداية.
بس وجود بحر وسيلين حواليا..
كان زي غيمة سودا واقفة فوق شمس لسه طالعة.
واللي جاي، مش هيبقى سهل.
لكن لأول مرة، أنا مش لوحدي، أنا وسط عيلة تقوم حرب عشاني.
