اخر الروايات

رواية وكانت للقلوب رحمة الفصل التاسع عشر 19 بقلم مروة حمدي

رواية وكانت للقلوب رحمة الفصل التاسع عشر 19 بقلم مروة حمدي


وكانت للقلوب رحمة
بقلم مروة حمدي
_١٩_
تقسى النفس على من يهواها؛ ظناً منها أنها قد ملكته وأنتهى الأمر، تقسو النفس على من يهتم لأمرها، يراعى خواطرها، ضامنة لوجوده كخاتم الأصبع بيدها، غير مدركة أن للقلب طاقة وقتما تفنى؛ يذهب كل شئ تحت رداء الكرامة وعزة النفس.
هكذا هى تلك الكريمة التى لم تلق لمشاعر زوجها وطلباته بالا، دائما تطلب وهو المطيع، تشير ليجلب، تأخذ لتقترب، متناسيه أنه باللأخير حقه وواجب عليها.
انتظرته على العشاء فى نادرة من النوادر، ذلك العشاء الذى لم يقربه أو حتى يمتد إلى فمه، تاركاً إياها تجلس على المائدة وحيدة ؛ ليدلف هو إلى غرفة نومه غير مبالى بها ولا بما يحيط به.
نظرت فى أثره بحاجب مرفوع ، متسائلة"
هو فى ايه؟ مش بعادة يعنى ، لا كل ولا قعد أتكلم معايا! ده حتى ما سلمش وهو داخل!
معقول يكون لسه زعلان من ال حصل الصبح، لا ده جديد على طباعك يا ممدوح، فى الاول تعلى صوتك وتزعقلى وتشدنى من دراعى يال عمرك ما عملتها من اول ما أتجوزنا وددلوقتى جاى من شغلك ومش بتكلمنى علشان خناقة صغيرة! يال كنت بمجرد ما بتطلع من باب الأوضة بتنسى كل حاجة وكأنه مكنش، ده انت كنت بتحفى علشان تصالحنى لما ترجع بالليل، ايه ال جرالك يا جوزى؟!!

أطلقت زفير وهى تذم شفتيها تطرق على المائدة بإصبعها تفكر جديا بأمره، لتهتدى بعد لحظات متابعة حديث نفسها.
_هنقول لما زعقلى امبارح علشان كان قلقان على الواد هانى، حتى انا قلقت عليه، فهنا ليه عذر وعديتها ومحبتش اعمل مشكلة وبالأخص بعد ال حصل مع المزغود هانى.
وال حصل انهاردة الصبح ، هضحك على مين هو كان عنده حق، ازاى اطلب منه مصروف البيت وانا لسه واخده كل ال معاه من يومين، تقريبا خدت معظم ال طلعله من شغل الورشة.

اووووووف، يظهر انى اخترت طريق غلط فى الطلب، صحيح فى الاول ما كنتش يهتم وانا باخد بس دلوقت عبدالله ضيقها علينا ربنا يضيقها عليه هو وبنته، ماسبش خرم أتنفس منه، حتى امى ال كنت باخد منها نقص منها كتير بالعافية تقضى مصاريفها وعلاجها زى ما يكون حالف يربط حبل حوالين رقبتى،
صمتت تفكر لتشيح بيدها مكملة لحديثها: اعمل ايه، مش معايا فلوس، وهو ما بعرفش حاجة عن الشقة ومش لازم يعرف، وانا مش معايا ال يخلينا نكمل اسبوع حتى، خلاص ما فيش قدامه غير أنه يستلف.
تضرب كف بالآخر وهى تتنهد بضيق مكملة لحديث نفسها: بلا خيبة ياللى عمره ما عملها ولا مد أيده لحد، الا إذا......
صمتت لتلمع عيناها تقف بفرحة من مجلسها وهى تكمل:
إلا إذا كان الحد ده اخويا عبد الله ،هو الوحيد ال مش بيتكسف منه ومش بيحس بحرج لما بيطلب منه حاجة.

عادت إلى موضعها من جديد وهى تكمل: كده هيبقى فى مشكلتين مربوطين ببعض علشان موضوعى يتم، أولهم اقنع ممدوح أنه يستلف والثانية أن يروح لعبدالله يستلف منه، فالموضوع مابقاش زى الاول وبالأخص بعد التحركات والتشديدات ال عملها عبد الله الجديدة عليه وعلينا دى.

أحذت تطرق على المائدة متمته" اعمل ايه ؟ اعمل ايه؟"

إبتسامة ماكرة احتلت وجهها وهى تفرقع بإصبعها فى الهواء وهى تهمس بفخر لنفسها:
ايوه،هو ده الحل ال عمره مخيب مع ممدوح، مع انى بكره الموضوع ده بس ما فيش قدامى حل غيره، فلما طلبت منه صريحة خلصت بخناق وزعيق على الصبح ...تكمل ساخرة" وختمت بخصام بالليل، لما نشوف هيفضل لابس وش الخشب ده لحد إمتى؟! "

قامت من مجلسها وقد عقدت عزمها على ما تنوى فعله، دلفت إلى غرفتها، لتجده متسطح على الفراش، شاردا بسقف الغرفة واضعا يده أسفل رأسه، لم ينتبه لدخولها حتى الان، أتجهت إلى خزانة ملابسها، فتشت بين أغراضها، لترفع شفتها العليا بسخرية وهى تتناول تلك القطعة السوداء بيديها، لتأخذها وتتجه إلى الحمام الملحق بغرفتها.

بعدما أنتهت من أرتداء ذلك القميص الاسود، نظرت إلى نفسها برضا، تمرر يدها على جسدها وهى تسترجع ذلك اليوم الذى أحضره لها، طالبا منها أن ترتديه لأجله، كيف أؤمات برأسها لمسايرته حتى بكف عن الإلحاح وألقت به إلى جانب أخوته لحين يجد بأمرهم جديد، وها هو قد جاء أوان أرتداءه.

نظرت له بتقييم عليها لتهمس بصوت مسموع
_اصراحة فى الحاجات دى، زوقه يجنن ابن الايه.
خرجت من الحمام وهو لا يزال على نفسه جلسته ولكن ما أختلف هو تلك الابتسامة الحالمة المرسومة على شفتيه المغلقة، اللمعة بعينيه التى نغزت قلبها ولا تعلم لما، عقدت حاجبها بعدم فهم لما يجرى؛ فهى تقف منذ دقائق ولم يلحظها بعد!

نظرت له بغيظ وهى تضم شفتيها بحنق، تظن أنه يفعل ذلك لإغاظتها، يتعمد تجاهلها متشبثا بقناع الغضب منها، حسنا كما تريد، لنرى إلى متى سيمكنك الصمود؟ هكذا همست لنفسها بغرور، لتزيح ملامح وجهها الخانقة بأخرى جاهدت لجعلها متلهفة، نادت عليه بصوت رقيق:
_ممدوح، ممدوح ، ممدوح.

تطلب الأمر عده مرات حتى ينتبه لها، فلقد كانت ناب قوسين أو أدنى من أن تفقد أخر ذرات ثباتها لتريه كيف يتجاهلها على حق.
نظر لها عاقدا لحاجبيه متسائلاً: فى حاجة يا كريمة؟!
سارت بإتجاهه ببطئ ودلال مبالغ به، لينتبه إلى ما ترتديه، ينظر لها من أعلى رأسها لأسفل قدميها، وهى متابعة لها ولنظراته وشعور الثقة بداخلها يتضخم، شفت ابتسامة ولهة على وجهه أنعكست عليها لتبتسم عليه بسخرية داخليه متمته داخلها.
_هههه اديك خسرت وانا لسه ما بدأتش،يظهر انى اديت الموضوع أكبر من حجمه

بينما الآخر ينظر لها بدقات قلب عاليه، أعين متلهفة تلك الطريقة التى تسير بها له ذكرته بتلك الوردة الجويرية متذكرا إياها وهى تسير أمامه بنفس الطريقة، جالت عينيه على وجهها الذى بهتت معالمه بحاجب مرفوع وأعين منقبضه يحاول رؤية وجهها بوضوح، لتتسع الاعين بعد برهة ويعود الحاجب إلى مكانه وهو يرى تلك الملامح وقد عادت الوضوح مرة أخرى ولكنها ملامح تلك الجورية المغوية.

نزل ببصره على جسدها الذى أبدع ذاك القميص بوصفه ليسيل لعابه وهى تقترب حتى أصبحت أمامه وضعت يدها على رقبته بدلال اقتربت بأنفاسها منه، تضرب عنقه لتسرى بجسده القشعريرة مغمضا عينيه بلذة ونشوة، والأخرى تتابعه بطرف عينيها تتحول سخريتيها منه الى ضحكات عالية تصدح بداخلها ناعته إياه بالأبله.
أعماها الغرور فنست أن من يضحك اخيرا، يضحك كثيرا، اقتربت بشفاها من أذنه متعمده ملامسته، تهمس بصوت هامس رقيق أشعل النيران به.
_لسه زعلان منى؟
اتاها الرد سريعا وهو يحاوط خصرها بيده مقربها منه وهو لا يزال مغمض العينين، يدفن رأسه بين عنقها وخصلات شعرها المنسدلة، يأخذ نفس طويل يستنشق به رائحتها التى سلبت منه الراحة طوال نهاره.
فتح عينيه بعد برهه، الرائحة مختلفة ، ليست ذاتها، تلك الخصلات الشقراء التى تقابل عينيه لا تعود لتلك الوردة الجويرية بشعرها الذى أشعل النار بقلبه تناغما مع لونه النارى، تراخت يده عن خصرها وقد نبه عقله قلبه إلى الوضع وان التى تتوسط ذراعيه ليست سوى كريمة.
عاد ذراعيه إلى جانبه مبتعدا برأسه عنها، يولى وجهه الجهة الاخرى، متمتا لها وهو يتسطح على الفراش من جديد بصمت " تصبحى على خير يا كريمة،"
وهى كمن سكب عليها دلو ماء مثلج فى أحدى ليالى الشتاء الباردة، بهت وجهها اختفت بسماها السخرية، تبدلت ضربات قلبها الواثقة إلى أخرى متزعزعة مضطربة، وقفت فى مكانها كتمثال من شمع، كادت تقسم منذ لحظات أنه كان يشتعل بها رغبة، سخونه جسده التى لمستها تحت يدها المحاوطة لرقبته.
دقات قلبه العالية التى أستشعرتها تحت يدها الموضوعة على صدره، تلك التى يمكن أن ترقص عليها من وقعها السريع العالى، انفاسه المخدرة بإنتشاء وهى تضرب عنقها، يده التى حاطتها بتملك، كيف انطفأت نيرانه التى أشعلتها هكذا دون سابق إنذار ليفك حصارها مبتعدا عنها.

وما زاد من صدمتها هو جملته الأخيرة تلك، لتتساءل عنها من جديد، حتى يعيد على مسامعها ما قال فلربما أخطأت السمع، ويقصد أن يطلب منها أن تتسطح الى جانبه تكمل مراضاته حتى ترضى كبرياءه الذى لم تعهده قبلا، ليخرج سؤالها بصوت منكسر مندهش : ايه؟
_بقولك تصبحى على خير.
قالها لينزل بجسده على الفراش إلى أسفل قليلا متدثرا بالغطاء، لتحاول التقاط أنفاسها وهى تعدئ من روعه تهمس لنفسها بعقلانية نادرة من نوادرها:" أهدئ هو بس زعلان وعامل زى العيل ال بيدلع على أمه ، طاوعيه خلى الليلة دى تخلص وتعمل ال انتى عايزاه.
ذهبت إلى جانبها إلى الفراش، لتقترب منه من جهتها من جديد تضع يدها على كتفه تهمس.
_ممدوح.
_اممم.
_ نمت؟
_ده ال انا عايزه؟
_لا خليك معايا نسهر شويه.
_من امتى؟ على العموم مش عايز.
_ليه؟
_كده.
_كريمة بتذمر: ممدوح.
_عندى شغل الصبح بدرى فسيبينى نايم، تصبحى على خير.
قالها وتدثر بالغطاء حتى أعلى رأسه، يهمس " هادمة الملذات ، احنا كنا فين؟"
يغمض عينيه تحت عطاءه متذكرا كيف كان يقف على حوض المياة يغسل يديه عقب إنتهاءه من طعامه والأخرى تقف وهى تستند على قدمها السليمة تمسك بالفوطة حتى يجفف بها يده، هامسا بصوت لم تتنبه له تلك المصعوقة منه جواره" ماذا فعلت بى يا جوريتى؟!"

بينما الأخرى تقهقهرت على الفراش بصدمة لا تستوعب، ممدوح ابتعد عنها بإرادته، وهى التى بادرته بالبداية، ينفر بحديثها معها، نظرت له وهو يوليه ظهرها متسائلة بقلق حقيقى:
فى ايه؟!!!!!
$$$$$$$$$$$$$$$$$
هل يمكن لبصيص نور أن يشق قلب غلفه السواد منتصرا على ظلامه الدامس؟! ساحبا إياه من قوقتعه لعالم أخرى تنيره شمس الحب بالليل والنهار!

بمكان ما فى أحد أطراف المدينة بعيد نسبيا عن العمار، هيئته من الخارج تدفعك الخوف وهو يشبه أحد المخازن القديمة المهجورة من السكان المعمورة بالأشباح، وبالداخل إضاءة خافته بالكاد تضئ تلك الغرفة المقبضة للروح من ضيقها وهواءها المعبئ بالأدخنة، لولا فعل تلك الإضاءة لما رأى أحد من الموجودين وجه زميله.
يقف جمع من الرجال بإنتباهه حول تلك المائده التى يترأسها شخص واحد فقط ولا يجرؤ أحدهم على الجلوس بمقابلته حتى ذلك الواقف من جهة اليمنى وهو المساعد الشخصي والأهم لديه.
يميل برأسه قليلا نحوه وهو يطرقع بإصبعه يحدثه بكلمات مقتضبة ولكنها كانت كافية ووافيه حتى يفهم الآخر ما يريده رب عمله.
_وزع يا محسن.
_ ليميل الآخر بسرعة، يمد يده إلى حقيبة الأموال المفتوحة أمامهم على الطاولة، يتناول رزمه يلقيها على كل رجل من الموجودين يالترتيب، حتى استلم جميعهم حصتهم ما عداه ليعود ذلك المحسن إلى مكان وقوفه مرة أخرى.
ليرفع ذلك الزعيم رأسه وهو يشعل تلك السيجار الفاخر بفمه، ليلقى بعود الثقاب أسفل قدمه، يلتقط منها نفسا عميق، يخرج بعده دكان كثيف من فمه وهو يزفر ببطء، ليتحدث لهم أخيرا بعد لحظات.
_كل واحد خد حقه؟

أشاروا له برأسهم ولم يجروا على الحديث طالما لم يأذن.
_فى حد عايز يقول حاجة،؟ زى ما انتوا عارفين صدرة واسع للكل.
يؤمى الجميع رأسه بلا استثناء.
_يالا أخفوا من قدامى
بمجرد إنتهاء كلمته، أسرع الجميع إلى الخارج، راحلين عن المكان بطريقتهم الخاصة والمعتمدة حتى لا يجذبوا لهم الإنتباه.
بينما بالداخل، لا يزال الزعيم يجلس على المائدة وبجواره مساعده محسن الذى لم يغادر بناء على إشاره رئيسه له بالأ يفعل.
_الزعيم وهو يزفر دخان تلك السيجارة: ايه يا محسن؟ كنت عايز تمشى من غير ما تاخد حقك زيهم؟!

_محسن بتملق: كفاية عليا وقوفى جنبك يا زعيم ده لوحده ما يتقدرش بفلوس والكل بيحسدنى عليه.
_ضحكة صغيرة ساخرة من ذلك الحديث العقيم بالنسبة له يتبعها رده المتهكم واللاذع: محسن، أظن أن بعد السنين ال اشتغلتها معايا دى كلها عرفت أن الكلام المعسل ده ما بيأكلش معايا، الشويتين دول اعملهم مع غيرى، ما بيمشوش معايا.
حمحم بحرج وهو يعدل من لياقة قميصه مبرراً: ال عندك مش بيضيع يا زعيم ده بيزبد مش بينقص.

_هز الآخر رأسه بيأس منه متمتما لنفسه يبدو أنك لن تستسلم بسهولة أم أنه طبع ورسخ بك حتى أصبح صعب الإنسلاخ منه،
يعلى صوته قائلا: على العموم خد.
مد يده الى تلك الحقيبة ليمسك برزمتين من النقود، يلقيها بوجهه ويقم بعدها من مجلسه إلى منصة الشراب المتداعية خلفه، يجلس على مقعد عالى أمامها، يلتقط كأس صغيره يملى من تلك الزجاجة الممتلئة بالسائل البنى، يتجرعة رشفة واحدة وهو ينظر إلى الآخر بطرف عينه، تاركا الحقيبة كما هى مفتوحه على المائدة تمتلئ بالرزم الورقية أمامه.

والآخر يمسك أحدى الرزم بسعادة وينحنى بسرعة حتى يجلب الأخرى التى وقعت على الارض، ليرفع رأسه لتقع عيناه على الحقيبة ليبتلع ريقه مبعدا نظره عنها بسرعة، مذكرا حاله بأنه فى حضرة من لا يرحم.

يهم بالاستئذان للرحيل ليشير له رئيسه بكأس مملوء بالشراب، ليلبى الدعوة سريعا جالسا على المقعد المجاور على بعد، فكيف يمكن رفض مثل تلك الدعوة وبالأخص فى وجود شراب من النوع الفاخر كهذا.

صمت مخيم عليهما للحظات وكلا منهما يتجرع مافي كأسه ليقطعه الزعيم متحدثا وهو ينظر أمامه: فى خاين وسطينا.
التفت له محسن سريعا: مين؟
_واحد من رجالتى.
_مين الخائن ده؟
_ده ال عايزك تعرفه.
_هز رأسه بطواعيه: هجيبه تحت رجليك جته.
_لا حى ، هخليه عبره لغيره وهما بيشوفوا أن موته رحمة من ال هعمل فيه.
أبتلع ريقه بخوف وهو يشفق على هذا الاحمق الغير الذى فكر بالغدر برجل مثل هذا، لينظر إلى الأمام بشرود، يحاول التركيز فى أى علامه تشير إلى الخائن، مستعيدا الأحداث الماضية حتى رجوعهم بعد الأنتهاء من تلك الشحنة.

والاخر مراقبا جيد جدا له، نظرات ماكرة خفية يلقيها عليه، يبتسم بسخرية داخلية على تلك الكذبة التى ألقى بها بوجه رجاله كلا على حدا، فلقد جعل كلا منهم رقيب على الآخر دون أن يدرى ولأجل رفع التهمة عنه سيتصيد للأخرين الأخطاء وبهذا سيسير عمله كما يقال بالميزان ولن يجرؤ أحد على الخداع أو الإستهتار.

بقيا هكذا شاردان لبعض الوقت، لتتحول أفكارهم تدريجيا من العمل ومشكلاته إلى حياتهم وأمورهم الخاصة، فالهدوء يسيطر على المكان من حولهم والشراب المسكر يفتح دواخل القلب بدون إستئذان.
يرفع الكأس ليتجرع ما به، ليقف قليلا ناظرا للون السائل داخله وقد جذبه مدغدغا ذاكرته بنعومة، مبتسما إبتسامة صغيرة وقد ذكره بتلك العينان التى تشبه عينا الغزال برسمتها وكحلها الأسود الخلاب، ارتشفة دفعة واحدة يتذكر تلك النظرة اللامعة بعينيها وهى تحدق له بجراءة وقوة تستفز رجولته كثيرا، قبض على يده وهو يتذكر صوت التصفيق والغزل الذى ألقاه من يجاوره عند إبصاره لها، ضرب ضربة صغيرة على الطاوإستئذ
معنفا نفسه بأنه ما كان يجدر به المرور من هناك، هو نفسه لا يعرف لما فعلها رغم أنها ليست طريقه، لا يعلم سبب لتلك النيران وهو يستمع إلى رفيقة يتغزل بها على الرغم من تغزله هو بها بنفس الوصف ليله أمس، ليفرك جبهته بيده متمتا بصوت وصل إلى مسامع الآخر ولحسن حظ الآخر وسوء حظه فى نفس الوقت ؛ لم يفهم منه كلمه ولكن جذب إنتباه وهو يتمتم" بتلك العينان والجسد المهلك تجذبين لك الجميع يا غزال.
عقد حاجبيه يهم بالحديث يسأل عن من يتحدث أو ماذا يقصد، يصدح صوت رنات هاتف تعكر صفو الهدوء بالمكان حولهم، يخرج محسن الهاتف من جيبه بسرعة والزعيم يخبره بضيق أن يسرع بالرد فلقد أصابته تلك الرنات بالصداع ولا رغبة له لتعطير صفو مزاجه الان.

يضع الهاتف على أذنه، يستمع بإنتباه إلى الجانب الاخر، تتسع ابتسامته تدريجياً ليغلق الهاتف برضا عما توصل اليه، لتلتمع برأسه فكرة ما لينظر لرئيسه الشارد وهو يعيد ملئ كأسه الفارغ، طارحا عليه فكرته بثوب السؤال مستفسرا بمكر ثعلب : ايه رايك يا زعيم لو ننزل دم جديد للشارع؟!
توقف الآخر عما يفعله ناظرا له وهو مضيق بعينيه والآخر يبتسم بدهاء وهو يرى علامات الفضول المرسومة على وجهه رئيسه وقد نجح فى جذب فضول هذا البارد.

بينما بمكان اخر لا يقل بقذارته عن هذا المكان، يصفع رجاله بغضب وهو يصيح بأعلى صوته، يطلق عليهم أبشع السباب والنعوت متحدثا بفحيح: أزاى مش لاقين للزعيم ده أثر؟! انتوا رجاله أنتوا؟ وانا ال مختاركم بنفسى من وسط ميات؟!!

_أحد الرجال الواقفون كالمذنبين: يا رئيس، ما سبناش شبر ولا حفرة فى الارض من غير ما ندور فيها، الزعيم معروف بمكره، وأنه بعد كل صفقة بيختفى لحد معاد الصفقة ال وراءها هو ورجالته.
إذا كان يظن أنه يرفع عن نفسه غضبه بهكذا حديث فهو مخطئ، فلقد أتت لكمة لفكه اسقطته على الأرض من شدتها، أعقبها بصقه من فم رئيسه، معلقا عليه بسخرية: وانتوا ايه؟ حرريم!!!!
حرك أصبعيه حول فكه بعصبيه يذهب ويجئ أمام رجاله المرعوبين من هيئة رب عمله، ف إنتظار رد فعله وعقابه لهم، بينما يعتدل من على الأرض يزيح الدم من فمه وهو يعود للوقوف جوار زملائه ولم يكلف أحدهم نفسه، مساعدته خوفا من الرئيس، ناظرا له بحقد يتمتم داخله: مش قادر على الحمار، بتتشطر علينا احنا.

وقف الآخر فجاءة ناظرا بغل ناطقا بما أهتدئ له فكره: محسن.
ساد الصمت والرجال فى انتظار تفسير من رئيسهم الذى نطق بعد لحظات مرت عليهم صعيبه: عايز محسن قدامى وقبلها كل حاجة خاصة بيه فااهمين.
_هز الجميع رأسهم بإيماء وهل يقدر أحدهم على الأعتراض.
$$$$$$$$$$$$$$$$
إشارات ودلائل تلقى بها الحياة بوجهنا حتى نفيق مما نحن فيه، حتى ننتبه لما يدور من حولنا؛ بمحاولة أخيرة لرفع الذنب عنها والكف عن تعليق كل ما يواجهنا من أزمات ومصائب على رداء الزمن.
الإنسان الذكى هو من يفهم تلك الدلائل ويفك طلاسمها، العاقل الذى يتخذ العبرة فيما يحدث ويربطه بأحداثه وما يدار حول مداره لينجو بنفسه إلى بر الأمان.
$$$$$$$$$$$$
بمنزل العائلة الفريدة عائلة" آل الجمال" بالطابق الخاص بكريمة، تجلس حائرة على فراشها الذى بدأ لها كشوك ينغز بجسدها بضراوة، أخذت تتقلب طوال الليل ذات اليمين وذات اليسار، لتعتدل أخيرا بنومتها، تجلس وهى تتكأ بظهرها إلى الخلف، هناك غضب يملى صدرها، لأول مرة ممدوح يرفضها، لأول مرة!
عقلها لم يستطع تقبل هذا الفكرة، سالبا منها رفاهية النوم، ليشغل ممدوح زوجها فكرها حتى تمحورت سائر أفكارها حوله، لأول مرة، يا للعجب!
أحذت تسأل نفسها: ماذا حدث؟ كيف؟ ولما؟ ممدوح! كيف أمكنه قول لا لى هكذا؟ من اين امتلك هذا القدر من الجراءة؟ كيف وهو الذلول للحظة تقرب منى له و قلما أستجبت؛ لتكن تلك اللحظات التى نقضيها سويا، أيام عيد بالنسبة له!
لقد كان يشتعل رغبةً، كيف أنطفأت هكذا؟
صمتت قليلا ليذهب تفكيرها بإتجاه أخر، لتلتفت بسرعة ناظره له، ليقابلها ظهره وهو مدثر بالغطاء، لتكمل لنفسها بشك.
"إلا إذا كانت هذا الرغبة لم تكن لى أنا"
عقدت حاجبيه ونفرت عروقها بغضب و أزدات النار بقلبها حتى أكلته وهى تبصر تلك الابتسامة المراسم على وجهه وهو نائم عقب تقلبه إلى الجهة الأخرى، لتظل جالسة لا تحيد بنظرها عنه وعقلها يحيك ألاف السيناريوهات التى ممكن أن يقع بزوجها مع إحداهن.
ليعيد عقلها المتكبر تهدئة روعها؛متمتا بحديث أرعن أرضت به غرورها منذ زمن بعيد، حتى تقبله عقلها وتطبع عليه قلبها وأصبحت موشومه به جميع خلايا جسدها" من تلك الحمقاء التى يمكن أن تنظر لرجل كممدوح؟!

ومع ذلك،فأن الانثى تبقى أنثى فهى وان لم تعشقه يوما، لن تدعه لأخرى تنتصر عليها ابدا تنظر له بوعيد إذا ما صدق حدسها، لم تدرى على حالها وهى بجلستها تلك على مرور الوقت حتى أشرقت شمس الصباح، فبدأ يتململ ذلك النائم بجوارها، يحرك يده بعشوائيعه يستعد للاستيقاظ.
لتهبط بجسدها سريعا مدعيه النوم، تهبط أحدى حمالات قميصها وقد أزاحت غطاء الفراش عنها، تنام جواره بشكل فوضوي ولكنه حقا مثير لأى رجل، تنتظر رد فعله وما سيبدر عنه.
أعتدل من مكانه مغمض العينين يتثاءب بشده، يحرك عضلات رقبته المتشجنة من أثر النوم، يفتح عينيه وهو يقم من جلسته يفرد ذراعيه بالهواء ما كاد يخطو حول الفراش، ليقف بمكانه من هيئة تلك النائمة بهذا الشكل جواره، أقترب منها ببطء.

وقف أمامها وعيناه تتأمل جسدها بجوع رجل إلى إمراءة، أغمض يتذكر عدد المرات التى طالبها بإرتداء هذا القميص، أن تنام إلى جواره وهى ترتدي مثل هذا النوع من الملابس، غصه أصابت قلبه الذى كان يفيض بها عشقا حتى تبخر من نار الشوق واللهفة التى لم يقابلها سوا دلو من الماء البارد حد التجمد فأنطفأت بمهدها.
أطلق زفير مثقل وهو يولى ظهره لها للمرة الثانية، لتعقد هى حاجبيها وهى تنظر لظهره الموالى لها، للمرة الثانية تنطفئ الرغبه بها بعدما أشعلتها من جديد، فقلد كانت تراقبه منذ البداية، لتندلع النار بداخلها، وهى تشعر بأن كرامتها تدعس تحت أقدامه، لتقرر رد الصاع له بطريقتها هى ولتعيده راكعا لها بالبداية وبعدها ستذيقه من عذاب الأشتياق ألوان.
يد أمسكت بذراعه وهو يولى مبتعدا، جعلته يلتفت بجزعه لصاحبتها التى لم تمهله فرصة للإستيعاب، لتجذبه من يده ليفقد توازنه ساقطا على الفراش، يهم بالاعتدال وسؤالها عما تفعله، لتعيده بيدها وهى تضغط على جزعة العلوى تعيده ظهره إلى الفراش وهى تتحرك له تستند على ركبتيها.
لينظر لها مشدوها ينطق بصوت متقطع : ك ك ر ي.
لم يكمل بسبب تلك القبلة العميقة التى أسكتته عن مواصله الحديث لتتسع عينيه بصدمة وهى لا تدع له حتى فرصة للتنفس تغرق وجهه بقبلات صغيرة رقيقة حتى عنقه ليحاوط خصرها بذراعه يبادلها القبلة بأخرى يهم بإلاعتدال وهو لايزال متمسكا بها، لتنظر له بظفر وهى تمنعه وهى تهمس بأذنه بكلمات جعلته يفقد النطق من الصدمة، فلم يكن فى أقسى أحلامه جموحا أن تقول أو تفعل كريمة مثل هذا!

ليرى تلك الابتسامة اللعوب المرسومة على وجهها وقد بدأت بتنفيذ ما قالت، ليمر الوقت بهما، ليجلس على الفراش بدقات قلب متسارعة من فرط ما عاشه منذ دقائق، سعادة أنارت وجهها وقد أنسته كل شئ أخر، ينظر لها بحب بدأت تنير لمعته بعينه من جديد، يقربها إلى أحضانه بمحبه.

لتتململ هى من نومتها، تخرج من بين ذراعيه كالملدوغة وكأنها ليست هى من كانت تتقرب منه كما القطة منذ قليل، لتمسك بمئزرها الملقى جوار الفراش ترتديه، تهبط من على الفراش تحدثه دون أن تنظر له: أنا بقول تروح تطلب دين من عبدالله علشان نعرف نكمل الشهر ده وهو مش هيمانع.
ألقت بحديثها راحله عنه إلى دورة المياة الملحقة بالغرفة، تاركا قلبا هوى أرضا حتى تحطم بعدما كان يسبح بالسماء كطير منذ لحظات، هامس لنفسه بقهر" لن تتغير"
$$$$$$$$$
بينما بالدور العلوى تستيقظ من نومها وهى تشعر بالألم ينخر بجسدها؛ جراء نومها على الأرضية بهذة الطريقة، هى فقط لم تعى على حالها، أخر ما تتذكره هو دخولها إلى الغرفة وهى تتخبط فى الأثاث من حولها وبعدها لا شئ لا تتذكر شئ.
زحفت على الأرض حتى استندت على ظهر الفراش خلفها تمد قدميها المجروحة منذ ليلة أمس، تحاول تذكر ما مر عليها البارحة، لتشهق فزعة بأعين منسعة، لطمت على وجنتيها بأيديها وهى تتمتم" أنا ما شفتش عبدالله لما رجع إمبإمبارح
صرخة عالية كتمتها بيدها حتى لا يستمع لها أحد عندما تذكرت امر أخر رسالة أرسلها لها يطلب منها أن تنتظره حتى يسهرا سويا على الهاتف تراسله.
قامت من مكانها بتوتر، وهى تبحث عن هاتفها كالمجذوبة، لتجده على الارضيه ملقى، تلتقطه بسرعه، تجلس على الفراش وتعالت دقات قلبها بخوف وهى ترى كم الرسائل المرسلة لها من حلم عمرى.
فتحت الهاتف بأيد مرتعشة ؛ أخذت تقرأ ما كتب بندم على استسلامها للنوم وحسرة على تلك الرسائل التى تمنت بيوم ما أن يقول لها أحداها وهو يقف بوجهها يخصها هى دون عن الأخريات كما كان يفعل مع ناهد.
اخذت بالقراءة: حبيبتى، أنتى فين؟
الرسالة الأخرى: انتى مش بتردى ليه ؟ زعلتى علشان قولتلك حبيبتى؟
أغمضت عينيها وهى تطلق العنان لتلك الدموع التى انفجرت على وجنتيها وهى تطلق اه موجوعه هامسه بألم: أتضايق وانا ال عشت عمرى أتمنى اسمع حرف واحد من حروف الكلمة دى من بين شفايفك يا عذابي.
هبطت إلى الرسالة التى تليها: طيب أسف، بس ردى.

خطت على الرسالة التالية والتى كان فحواها" احنا اتفقنا هنسهر سوا، انتى فين بقا عنى دلوقتى؟ زهقتى منى بالسرعة دى؟
اااااه، حارقه بصرخة بسيطة خرجت من قلبها المجروح وهى تحدث هاتفها بصوت عالى نسبيا: زهقت!!! ازاى وانت الهواء ال عائشة عليه!

جابت عينيها المغروة بالدموع على الرسالة التى تليها وقد كان فحواها" انتى حزنتى قلبى لما خلفتى معادك معايا؟!
اااااه عالية خرجت بدون وعى منها وهى تتحدث بهيستريا، تشير إلى قلبها وهى تتمتم ليت قلبى يحزن ويحمل كل الحزن عنك يا عبدالله.
فتحت أخر رسالة منه" واضح أن النوم سرقك منى، ورغبتك انك تتواصلى معايا مش قد رغبتى ، اه لو تعرفى فكرت فيكى إنهادة كم مرة ؟ اد ايه ملهوف للحظات ال بسرقها من الزمن معاكى ، ما كنتيش سبتينى كده، اتمنالك نوم الهنا، طمئنينى عليكى لما تصحى، علشان يومى يبقاله طعم ولون، ولما ما بعتليش هعرف انك مش حابه تتواصلى معايا تانى، ووقتها مش هتقل عليكى وهنسحب بهدوء.

اخذت تضرب بالهاتف على رأسها؛ لاعنه نفسها واستسلامها للنوم بهذا الطريقة، وكيف لم تستيقظ بعد هذا الكم من. الرسائل التى بالتأكيد أصدرت صوت رنات.
تذكرت امر الرسالة التى طلب منها إرسالها بتهم بفعل ذلك، وما همت بكتابه اول كلمة ليغلق الهاتف نهائيا بعدما فرغت بطاريته، لتلقى به وهى تصرخ صرخات عالية خائفة إذا نفذ حديثه ولم يراسلها أخذت تصرخ وهى تهذى حتى وصل صوتها إلى مسامعه وهو بالاسفل بغرفته يعقد رباط حذاءه، لتنفض ابنته برعب تسأله: هى دى مش مرات عمى انتصار؟!

عبدالله بابتسامة: لا يا حبيبة قلب أبوكى، دى وحدة مجنونة بتصرخ فى التلفزيون فوق
أمسك بكفها وخرج من الغرفة يتمم: وأنتظرى القادم.
$$$$$$$$$$$$
استغفروا.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close