اخر الروايات

رواية للقدر طرقه الغامضة الفصل الثامن عشر 18 والاخير بقلم حنين احمد

رواية للقدر طرقه الغامضة الفصل الثامن عشر 18 والاخير بقلم حنين احمد



(الفصل الثامن عشر والأخير)
لم يعلم أحدا بما حدث بين وجد وغيث,هي لم تفصح عن سبب هروبها وهو لم
يفصح عن سبب تركها وعدم بحثه عنها,ورغم ذلك تغيرت معاملة الجميع له
فرمزى تحاشاه ولم يعد يعامله بمودة مثل الأول,وعبد الرحمن كان يعامله ببرود
وكأنه غريبا يعرفه لأول مرة, أما جيهان فعلمت كم الضغط الذي يتعرض له
فحاولت التخفيف عنه ودعمه حتى يستعيد رونقه الذي فقده مع خسارة وجد.
وجد التي لم يعلم أحد عنها شيئا سوى بعد شهر كامل عندما بدأت بالتواصل معهم
مرة أخرى على مواقع التواصل الاجتماعي..
لم تسأل عنه قط ولم يكن أحد يذكره لها ولكنهم ظلوا يسألونها عن مكانها وهي
تتهرب من الإجابة وتخبرهم ألا يسألوها حتى تظل على اتصال بهم.
أما غيث فعزم على عدم البحث عنها إلا عندما يشعر أنه أصبح شخصا جديرا بها,
فهو قد خذل نفسه واستسلم لشهوته قبل أن يخذل حبيبته وزوجته, هو لم يفِ بوعده
لها بأنه لن يخذلها ولن يضنيها أبدا,بل نقض كل ذلك وفوقه قد شاهدته بمشهد
تمنى لو وافته المنيّة قبل أن تراه حبيبته بمشهد كذاك.
أول خطوة قام بها هي أن ذهب ليعتمر كما كان ليفعل بعد زواجه بوجد وهناك دعا
الله أن يتوب عليه وأن يقربه منه ويغفر له ما قام به من زلّات وأخطاء ندم عليها
كثيرا وسيظل طوال حياته يندم عليها.
ثم بعد عودته قام بالإستقالة من عمله بالجامعة وبدأ بالمشروع الذي حَلِمَ به منذ
دخوله كلية الطب البيطري والذي طالما تحدّث مع وجد عنه, وساعده عبد الله الذي
لم يحكم عليه ولم يتغير معه من البداية فقد أخبره أن جميع الناس يخطئون ولكن
الذكي فقط هو من يدرك خطأه ولا يكرره والأذكى هو من يتعلم من أخطاء الأخرين.
لذا لجأ له عندما أراد أن يبدأ بمشروعه لما لعبد الله من صلات واسعة وخبرة في
مجال المقاولات..
فبدأ بإقامة المزرعة كما تخيلها في الأرض التي تركها له والده,ثم أقام فيلا صغيرة
لإقامته ووجد عندما تعود إليه,كانت المزرعة تحتوي على جزء للدواجن وجزء
للماشية, وأقام جزءا خاصا بالخضراوات والفاكهة كما تخيلته وجد.
كان كل خطوة يقوم بها يقوم بتسجيلها حتى يريها لوجد عندما تعود إليه, رغم أنه
يعلم أن الطريق إليها طويل ومليء بالصعوبات ولكنه لم يفقد الأمل أن تعود إليه
بيوم ما عندما تكون مستعدة للعودة وهو سيكون بانتظارها متى ما عادت.
منذ خمس سنوات وهو يسعى للتغيير حتى نجح به,تغيرت حياته تماما منذ تلك
الليلة التي ارتكب بها كبيرة من الكبائر وخسر بها نفسه وزوجته التي يعشقها,
فعاقب نفسه تلك السنوات أنه لن يبحث عنها أو يطلب منها السماح إلا عندما يشعر
أنه قد كفّر عن ذنبه تماما..
وها هو بعد مرور خمس سنوات قام فيها بتغييرات جذرية بحياته وشخصيته
ذهب إلى عبد الرحمن يتوسله أن يعرف مكانها,ولكنه لم يوافق سوى على منحه
بريدها الخاص الذي لا يعلمه سواه وعبد الله, ويومها لم يعرف ماذا يقول لها
وكيف يطلب سماحها, فلم يجد سوى كلمات تلك الأغنية ليرسلها لها,
وجاءت إجابتها لتحطم قلبه:
" أحببتك..
أدمنتك..
عشقتك..
خفت عليك..
غرت عليك..
وأنت لم تفعل شيئا سوى
أن تجعلني أشعر بغبائي
على ما فعلت.. (طلقني غيث)"
احتبست أنفاسه عندما شاهد تلك الكلمة ردا على رسالته, كاد يجن وهو يهاتف
عبد الرحمن ويتوسله أن يخبره عن مكانها لأنه تعلم درسه جيدا,تعذب طوال
خمس سنوات وكبح نفسه حتى لا يبحث عنها فقط من أجلها.. من أجل أن يبدآ
حياة جديدة معا تاركين كل الآلام للماضي, وبعد إلحاح كبير عرف مكانها
وعزم على السفر إليها لينتزع منها السماح الذي يريده حتى يقام الزفاف الذي
تأجل كثيرا.
----------------
طوال خمس سنوات انتظرته أن يحضر إليها,يطلب منها السماح, يخبرها أن ما
رأته ذلك اليوم ماهو إلا من وحي خيال قاس ذبحها,إلا أنه لم يأتِ ولم يطلب سماحها
,ولم يخبرها أن كل ذلك وهما بل أكّد لها بعدم مجيئه أن كل ما رأته ذلك اليوم
هو ما حدث بالفعل.
استقرّت باقامتها مع أسرة صديق عبد الرحمن,تعودت عليهم بداية من الأب إلى
الطفلة الصغيرة التي كانت تقضي معها كل أوقات فراغها,كانت تبوح لها
بمشاعرها وهي تعلم أنها لن تستطيع أن تفشي سرّها لأحد..
كانت تخبرها عن مدى اشتياقها له ولرؤيته ولكل تفاصيله التي عشقتها رغم أنها لم
تقترب منه فعليا إلا لأسبوع واحد إلا أنها كانت أقرب إليه من نفسه بهذا الأسبوع..
تحدّثا عن أحلامهما ووجدا الكثير من الأمور المشتركة بينهما, ومن بينهما مشروع المزرعة, أخبرها أن والده قد ترك له أرضا بموقع ممتاز وأنه سيحولها لمزرعة
خاصة بهما, أنهما سيفعلان كل شيء معا,سيكونان معا في العمل وفي المنزل..
أخبرها عن أمنيته بطفل منها يشبهها بكل شيء,أخبرته أنها عشقته منذ النظرة
الأولى رغم أنها لم تعترف لنفسها بذلك إلا يوم أن شاهدته مع خطيبته في الجامعة
وأخبرها أنه عشقها قبل أن يراها ولا يعلم كيف!!
عشق تلك الفتاة التي يشاهدها دوما في المقابر تفترش الأرض ودموعها تنساب على
وجنتيها بهدوء, عشق الحزن الكامن في أعماق عينيها وتمنّى لو يزيله ويسكن
الفرح والسعادة بدلا منه..
كلما استعادت ذكرى ذلك الأسبوع الاستثنائي كلما فاضت دموعها وشعرت
بالاشتياق له..
حتى بعث لها تلك الرسالة بعد خمس سنوات,خمس سنوات غيث وتكتفي برسالة؟!
لِمَ لم تحضر وتراضيني رغما عني؟!
لِمَ لم تخطفني وتحاصرني وترغمني على الرجوع إليك؟!
لِمَ تخليت عني بسهولة؟! لِمَ لم تقتحم حياتي هذه المرة كما اقتحمتها منذ خمس
سنوات وجعلتني أتعلق بك وأعشقك رغما عن أنفي؟!
طوال خمس سنوات وهي تجتهد في الدراسة علّها تنسى حبه دون جدوى,
حصلت على الماجستير وبعده الدكتوراة وهي تنتظره أن يحضر ليعيدها إليه
ولكنه لم يحضر قط.
أخرجها من ذكرياتها صوت هاتفها لتجده عبد الرحمن يخبرها أنه سيقابلها في اليوم
التالي بمكانها المفضّل قريبا من المنزل.
وباليوم التالي كانت تجلس بمكانها المفضل بانتظار حضور والدها,تفكر بحياتها
الآتية..ماذا ستفعل بعد ذلك؟
هل تعود إلى الوطن؟ أم تظل هاربة في انتظار غيث أن يتّخذ الخطوة الأولى؟
طوال خمس سنوات كانت حياتها هادئة, لا بل جامدة إذا صحّ التعبير وقد حكمت
على نفسها بالنفي فقط حتى تعيد حساباتها وتتأكد من مشاعرها..
هل ستريد أن تكمل حياتها مع غيث وتسامحه وتنسى كل ما حدث؟
أم تحصل على الطلاق وتتزوج رجلا كعمر أو كحسن زميلها في الجامعة!
ولكنها علمت أنها رغم جرحها البالغ منه إلا أنها كانت ستوافق على العودة إليه
ما إن يطلب منها السماح..
لذا آثرت الهرب من مشاعرها قبل الهرب منه, عاشت خمس سنوات والجليد
يسكن قلبها حتى ذاب فقط منذ أسبوعا واحدا عندما استلمت رسالته..
هي لم تبعث له بتلك الكلمة في نهاية الرسالة سوى لتشعره بالقهر,خمس سنوات
تركها تهرب منه ولم يحاول مرة أن يرجعها إليه وكأنه فرح بسفرها وعدم رؤيتها
مرة أخرى..
لم يأتِ أحدا على ذكره سوى غادة التي كانت تمرر لها معلومة عنه بين الفينة
والأخرى, كما لم تخبر أحدا قط بما فعله, فهي في قرارة نفسها تعلم أنها
ستعود إليه يوما ما, لذلك لم تطلب من والدها أن يطلقها منه.
كانت ستعود إليه لكن بعد أن تعاقبه على ما فعله أمر العقاب,فهي لن تستطيع أن
تحيا بدون, وها هي بعد خمس سنوات في نصف الكرة الآخر وحيدة وهو لم
يحاول أن يسترضيها ولو مرة واحدة..
لماذا لم يفعل؟ لماذا لم يحضر و يتوسل إليها حتى تجرحه وتؤلمه ثم توافق
على العودة إليه؟
لماذا لم يعطها الحق في أن تؤلمه كما آلمها؟
شعرت بأحد يحيطها بذراعيه فنظرت إلى والدها بابتسامة لتتجمد الابتسامة على
شفتيها وهي تراه أمامها بعد خمس سنوات قاتلة,خمس سنوات تركت بصمتها
على كل منهما, نضجت ملامحها وازدادت جمالا وبهاءا..
تغيّرت نظرتها البريئة الحزينة لأخرى مجروحة وأكثر حزنا!
فكّر هل هذا ما فعلته لها أنا؟!
هل جعلتها حزينة وتبدلت الحيوية والشقاوة إلى حزن وجرح؟!
ماذا أفعل حبيبتي حتى أعيد إليكِ بسمتك؟
ماذا أفعل حبيبتي حتى أعيد وجد التي جعلتني أشاركها أحلامها وطموحاتها؟
وكما تفحصها تفحصته..لترى نظرة الثقة والعبث التي كانت تسكن عينيه تحولت
إلى نظرة هادئة خائفة مترددة..
نظرة تسألها هل ستسامحه أم لا!
نظرت لظلال لحيته التي تزين وجهه وبركتي العسل خاصته التي تسمى عينين
لتهمس باسمه بخفوت التقطته أذنه باشتياق ليضمّها إليه وهو يهتف:
"افتقدك كثيرا وجد..سامحيني حبيبتي"
تباينت ردات الفعل داخلها, هل تبتعد عنه أم تقترب منه؟ أم تهرب منه إليه؟
وكان الاختيار الأخير,فاستكانت بين ذراعيه ودموعها تنهمر لتبلل قميصه لتشعر
بعد لحظات بدموعه على وجهها لتنظر إليه مستنكرة لتراه يبكي بالفعل!
لا..لا..هي لا تريد كسره, هي تريده بكل عنفوانه ورجولته التي أسرتها,
تريده بكل شقاوته التي عشقتها.
أمسكت بوجهه بين أناملها وهي تهمس له:"لا تبكي"
"وجد..أنا..."
قاطعته برقة:"لا تقل شيئا, لقد سامحتك منذ فترة طويلة حبيبي,وأنت أحمق لو
تخيلت أنني من الممكن أن أتركك,ما رحلت إلا لتعيدني إليك"
ثم تذمرت بشقاوة وهي تهتف:"ولكنك تأخرت كثيرا غيث"
ابتسم لها من بين دموعه وهو يهتف:"من أجلك انتظرت طوال تلك السنوات,من أجلك
فقط أعدت ترتيب حياتي وأولوياتي وجد,خمس سنوات أحيا على ذكرى حبك,على
ذكرى كلماتك وأحلامك التي شاركتيني بها, خمس سنوات أجهز لحياتي معك,
آمل أن نبدأ من جديد لتكون بداية ليس بها خداع أو غش أو ألم"
ابتسمت وجد بحب وهي تهمس بأذنه:"وأنا انتظرتك غيث لأنني أعلم أنك ستأتي
عندما تكون مستعدا,وسامحتك منذ زرتني بأحلامي تصلي بجواري في الحرم المكّي
وأنا أنتظرك لتأتي إليّ حتى نذهب معا"
نظر لها بدهشة هاتفا:"كيف.. كيف هذا؟لقد حلمت نفس الحلم؟"
ابتسمت بفرح وقالت:"لم يكن حلما حبيبي بل كانت بشارة من الله لتجمعنا معا مرة
أخرى لنبدأ حياتنا هذه المرة بحبه وطاعته بعيدا عن أخطاء وهفوات الماضي"

(الخاتمة)
بعد سنة من زواج غيث ووجد ذهبا معا إلى المكان الذي جمعهما للمرة الأولى
والذي كان سببا في لقائهما..
وقفت وجد أمام قبر والدتها بعدما قرأت لها الفاتحة ودعت لها بدأت حديثها المعتاد
معها:" أمي, افتقدك كثيرا حبيبتي, لقد حققت حلمي أمي, أكملت دراستي ولكني
أبدلت حلما بآخر أكثر روعة,فقد امتنعت عن التدريس بالجامعة حتى أعمل مع
غيث في المزرعة,وأهم حلم أمي كان أن أتزوج بغيث وقد تحقق أخيرا بعد سنوات
من الفراق والعذاب بعيدا عنه,هل تعلمين أمي لقد علمت الآن بما شعرتِ به وأنتِ
تحملينني بين أحشائك,نعم أمي, أنا أحمل طفلين بداخلي, طفلين من حبيبي غيث,
غيث الذي بعثه الله لي لتكتمل سعادتي بعدما ظننت أنني سأظل وحيدة ويتيمة طوال
حياتي.. أنعم الله عليّ بوجود غيث في حياتي بعدما ظننت أنني فقدته للأبد,
رغم أنني لم أتخيل يوما أنني سأتزوج به رغم أنني تمنيت ذلك منذ المرة الأولى
التي أدركت بها مشاعري تجاهه..هل تعلمين أمي أنا اشعر أن كل السعادة التي
أشعر بها الآن هي من دعائك لي ورضائك عليّ, هل تعلمين أمي أن غيث
يحبني بجنون؟لم أتخيل يوما أن يكون يحبني بتلك الطريقة رغم تأكدي أنه
يحبني, ففي أشد الأوقات صعوبة عليّ لم أشك بحبه أبدا..
أحمد الله أن تلك الاوقات انتهت وانتهى عذابي بفراقه وأن الله جمعنا معا مرة أخرى
غيث هو حياتي, إنه الأمل الذي أحيا به, إنه الهواء الذي أتنفسه,ادعي لي أمي أن
أستطيع إسعاده كما يسعدني,وادعي لي أيضا أن تكون ولادتي متيسرة فأنا أخشاها
كثيرا وكل ما أتمناه أن يحضر وفاء وسيف الدين إلى الحياة بسلام وصحة جيدة..
أجل أمي لقد اتفقت وغيث أننا سنطلق على أطفالنا اسمك واسم والده, ألم تكونا أنتما
من جمعتمانا للمرة الأولى هنا؟
أحبك كثيرا أمي ولن انساكِ أبدا, وأعلم أنني بقلبك دائما".
قرأت لها الفاتحة مرة أخرى لتشعر بغيث يحيطها بذراعيه من الخلف مسندا ظهرها
لصدره وهو يتلمس بطنها حيث يوجد طفليه ويوجه حديثه لوالدتها:
"أشكرك كثيرا أمي أنكِ أتيتِ بوجد لتنير حياتي, أعلم أن الذكرى كانت لعمي
عبد الرحمن في الأساس ولكن الله كتبها لي أنا,كتب لي أن أرى السعادة والحب
مع وجد ابنتك الحبيبة والتي كانت لي نِعمَ الزوجة والأم والابنة والصديقة والحبيبة,
وجد هي حياتي ولا أعلم كيف كنت أحيا قبل وجودها بحياتي, أشكرك مرة أخرى
على هديتك الغالية لي والتي سأقدرها وأحيطها بعيوني لآخر نفس يتردد بصدرى".
ثم نظر إلى وجد التي تنظر إليه بحب وعينيها دامعتين وقال:
"أشكرك حبيبتي أنكِ موجودة بحياتي, أشكرك لأنكِ أنتِ حياتي, أشكرك يا أجمل
ما حدث لي في الحياة,أشكرك يا من جعلتِ لحياتي معنى بوجودك فيها,
أتمنى من الله أن أستطيع إسعادك كما تسعدينني بوجودك بقلبي وبحياتي وأتمنى
أن يظل حبك لي طوال العمر وأن أظل طفلك المدلل مهما مرت علينا السنون".

تمت بحمد الله
مع تحياتي حنين أحمد
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close