رواية حين تكذب الملائكة الفصل العاشر 10 والاخير بقلم الكاتبة كوين اسمهان
١٠|صلاة في معبد الحنين!
عادت ليسا إلى منزلها حاملة في صدرها ألف انكسار، كان وجهها شاحبًا، و ملامحها تائهة كأنها فقدت بوصلتها في هذا العالم. بالكاد فتحت الباب، و ترنّحت قليلًا قبل أن ترتمي على الأريكة، ثم أطلقت تنهيدة ثقيلة، تلفظ ما تبقّى من صبرها!
+
قرأت ملاحظة من ديان تخبرها فيها أنها عادت إلى مدينتها و ممتنة للأيام الجميلة التي قضتها قربها، فإبتسمت و بكت في آن، حتى صديقتها التي كانت تود الشكوى لها رحلت، لم يبقَ لديها سوى سموكي التي تكورت فوق حجرها كأنها تشعر بمصاب قلبها، فضمتها ليسا و همست لها بصوت مكسور:
1
«ليت للقلوب أقنعة أيضا!».
+
مرّت الأيام ببطء قاتل، ثم تبعها أسبوع، ثم شهر كامل، و ليسا محتجزة في المنزل، حتى أنها لم تكن تفتح الستائر. أبقت هاتفها مغلقًا، و فقدت طعم الحياة، لم يكن يطرق معدتها سوى الكافيين و ما خفَّ من طعام...
1
و بسبب ذلك خسرت بعضًا من وزنها، و هزل وجهها، و تراكمت طبقات سوداء تحت عينيها الجميلتين. جسدها حفر علاماته على الأريكة من كثرة جلوسها عليها، و كل مشهد رومانسي في التلفاز كان يذكّرها براينر، حتى مربى التوت، الذي كانت تعشقه، تخلّت عنه، كما تخلت عن حلم رؤيته مجددًا!
1
بعد شهرين من تركها العمل، جلست على مقعد في مطبخها تنتظر متى تجهز آلة الإسبريسو قهوتها السوداء، كانت الساعة الخامسة عصرًا حين رنّ جرس الباب...
+
تثاقلت متسائلة من عساه يكون، فكرت أنه ساعي البريد يريد توقيعها على شيء ما، أو لعله شخصٌ أخطأ العنوان. فتحت الباب متأففة، لتُفاجأ بفيكتوريا هادلي، تقف على العتبة بوجه متجهم، و عينين ناقمتين:
+
"يا لكِ من فاشلة حقا، تختبئين هنا بعدما تسببتِ فيه!".
+
لم تكن ليسا في حال مناسبة للتحادل مع امرأة سخيفة، لذا تحركت لتغلق الباب في وجهها، لولا يد فيكتوريا التي منعت ذلك، و صوتها الذي إنطلق من جديد بعنف:
+
"لن أسمح لكِ بالنفاذ هذه المرة، ليس قبل أن أعرف ماذا فعلتِ براينر؟".
1
ارتجف قلب ليسا لدى سماع إسمه، بل جسدها بأكمله، و عاودت فتح الباب متسائلة بقلق:
+
"ماذا تعنين؟ ما به رايـ... السيد غرانت؟".
+
"لو كان هذا من قبيل إهتماماتكِ، لوجدتِ طريقكِ إلى الشركة لتعرفي آخر التطورات، و لتدركي أننا لم نعد نرى راينر في مكتبه منذ رحيلكِ، لكنكِ أنانية و منافقة كما توقعت!".
10
دنت منها مضيقة عينيها و أضافت:
+
"إنه يرفض مزاولة العمل أو اللقاء بأحد مُذ أصبح مكتب سكرتيرته شاغرًا، لماذا سيفعل رجلٌ نافذٌ و قويٌ بنفسه هذا إن لم يكن قد طاله ضرٌّ كبيرٌ منكِ؟!".
2
فغر فم ليسا غير مصدقة ما تسمعه، راينر لم يعد يقصد الشركة! و لم يوظف سكرتيرة بديلة لها! ما الذي يحدث في العالم بحق السماء؟ تراجعت نحو الطاولة الصغيرة التي تعلوها مرآة الردهة، لكن فيكتوريا لم تنهِ سمها بعد، لاحقتها بصوتها الحاقد و كلماتها الحادة:
+
"ليتني حبستكِ في قبر بدل قسم الأرشيف!".
+
شهقت ليسا مصعوقة، و إلتفتت نحوها معلقة:
+
"كنتِ أنتِ من أغلق الباب؟!".
+
سرت شرارة غضب باردة في عروقها، اقتربت منها، وصرخت بها:
+
"أنتِ الفاعلة؟! هل فقدتِ صوابكِ؟ راينر الذي تجادلينني من أجله الآن... حُبِسَ معِي هناك بسببكِ!".
+
تلعثمت فيكتوريا للحظة، ثم رفعت ذقنها بتحدٍّ، محاولة تبرير ما لا يمكن تبريره. لكن ليسا كانت غاضبة، غاضبة حقًا، و لأول مرة منذ أشهر، سمحت لنفسها بأن تثور:
+
"اخرجي من بيتي... قبل أن أفقد مَن تبقى مني!".
+
تسمرت فيكتوريا في مكانها، و لم تتزحزح حتى نالت صرخة مخيفة من ليسا:
+
"ٱخرجي!".
+
راقبتها ترحل دون أن تنطق بكلمة، لكنها كانت مذهولة... لم تكن تتوقع فيكتوريا أن ترى في تلك المرأة الشاحبة و المكسورة كل هذا الجمال و القوة والوضوح! كانت ليـسا أكثر رقة مما ظنّت، لكنها أيضًا أشد شراسة مما تخيلت!
+
ظلت ليسا عند الباب، متكورة على العتبات التي تفصل بين المنزل و الحديقة، تذرف دموعًا صامتة، تفكر في كل ما قالته فيكتوريا، ماذا لو كانت تخدعها عمدًا؟ فتدفعها للذهاب إليه، و هناك تتلقى كرامتها طعنة ٱخرى و تتدمر للأبد!
+
أسندت جبينها إلى ركبتيها ممزقة بين أفكارها، حتى تناهى إلى سمعها وقع خطوات ثقيلة، كأنها تعود لشخص متوتر أو بطيء في السير. ماذا الآن؟ هل هذه عودة ٱخرى من فيكتوريا لترجج نارها؟ أحسَّت بيد تلمس شعرها، فنظرت لأعلى، و فوجئت بجارها المسن، يمنحها نظرة قلقة و إبتسامة مطمئنة، كأن العالم لا يمكن أن يبدو إلا جميلاً بعينيه!
+
"ماذا يجري مع هذه الصغيرة هنا؟".
+
أجابته ببساطة:
+
"لعل هذه الصغيرة تشهد على نهاية الحياة!".
+
جلس بهدوء إلى جوارها ممددا عصاه عن يمينه، و علق بحكمة:
+
"أتعلمين يا بنيتي؟ حتى و أنا في معترك الحروب الدامية، لم أستطع النطق بهذه العبارة، و حتى و أنا عجوز منته الصلاحية لا يستطيع التوازن دون عصاه، لم أفكر أنني فارغٌ من الحياة، الحياة لا تنتهي إلا إذا إنتهينا! لكن طالما نتنفس، فيمكننا المضي قدمًا نحو ما نريده!".
4
فكرت مليا في كلامه الذهبي، و تمتمت بعجز:
+
"و ماذا لو كانت الحياة التي نريدها تتصدى لنا؟ ماذا لو كثرت الحواجز بيننا و بين من يجسدون الحياة في نظرنا؟!".
+
عندئذٍ رمقها السيد هانت بنظرة خبيرة، و إبتسم ببطء مردفًا:
+
"أحيانا نحن من نضع تلك الحواجز بتسرعنا و كبريائنا و عدم تصحيح أخطائنا في الوقت المناسب، فيضيع العمر و نحن نعتقد أن القدر ظالم!".
+
صمت قليلاً، ثم تابع و على طرف فمه المحاط بالتجاعيد بسمة صغيرة ذات معنى:
+
"لا أريدُ أن أكون متطفلاً، لكن يبدو أن مأساتكِ الصغيرة تتعلق بذلك الرجل الذي يقفُ أمام منزلكِ كل ليلة!".
38
علق قلبها في حلقها، رمشت عدة مرات تكاد تقع من شدة الصدمة، و قالت بصوت رخو:
+
"رجل أمام منزلي! أي رجل تقصد؟".
4
"أقصد ذلك الأشقر الذي يأتي كل ليلة إلى الحي، ينزل من سيارته كسير الخاطر، يتأمل منزلكِ كمن يتأمل جنة محرّمة، يجتاز الحديقة، و يتسلق هذه الدرجات بتثاقل، ثم يرفع يده ليرن الجرس، لكنه آخر الأمر يسند جبينه إلى بابكِ لدقائق، قبل أن ينسحب عائدًا من حيث أقبل!".
25
كانت ليسا تصغي إلى ذلك بذهول، دموعها تتساقط، و شفتاها منفرجتان. إرتكز لوثر هانت على عصاه ليقف، و قال قبل ذهابه:
+
"أنا و زوجتي نقيم غدا حفل إستقبال لإبنتها فيري، تخرجت من جامعة ٱسترالية بتفوق، و تريد مشاركتنا نجاحها، بإمكانكِ الإنضمام إلينا، و إذا أردتِ نصيحتي بخصوص الرجل الأشقر، فإعلمي أنكما على القدر نفسه من طيش الشباب و غضبه الآني، أنتما مغلفان بالغرور و الكبرياء، كل منكما يتمزق في جهة، و يرفض أن ينحني للآخر، لكن... يومًا ما حين تزول غمامة الغضب، و يحل مكانها الندم، لن تكونا قادرين على إنقاذ أي شيء يذكر!".
3
كانت رسالة السيد هانت واضحة، إما الآن و إما فلا! جففت دموعها، أغلقت الباب، و ركضت نحو سيارتها، دون أن تتكبد عناء تغيير بيجامتها فستقية اللون بثوب لائق، أو تصفيف شعرها حتى! كأن تلك الدردشة القصيرة التي خاضتها مع العجوز... أعادت شيئًا بداخلها إلى الحياة، لم يكن بإمكانها أن تظل مختبئة إلى الأبد، و لم يكن من المعقول أيضا أن تخسر هذا الحب، خاصة إذا ثبت أنه متبادل!
+
استجمعت شجاعتها و قادت السيارة بقلب خافق نحو منهاتن، كانت تعرف عنوان إقامته بحكم عملها معه، لذا لم تواجه صعوبة في الوصول إلى منزله الذي يبعد عن الشركة مسافة عشر دقائق بالسيارة و نصف ساعة سيرًا على الأقدام!
+
صفت سيارتها في الشارع الأمامي، و ضغطت على صدرها و هي تترجل متضرعة للسماء أن يكون هناك، ألفت بوابة الباحة الخارجية مفتوحة و الحارس غائب عن محرسه. دلفت مستغربة، و مضت تحث خطاها نحو المنزل الكبير الذي كان عبارة عن فيلا بديعة التصميم من طابقين، و رغم الأضواء التي أنارت الممر، و ألقت بظلال الأشجار على الطريق المفضي إلى المدخل، إلا أنها بدت مكانًا موحشًا و كئيبًا!
1
وقفت ليسا أمام الباب الخشبي الثقيل، لمسته مزدردة ريقها، فإنفتح من تلقاء نفسه، أغمضت عينيها تتذكر كلمات السيد هانت: «يرفع يده ليرن الجرس، لكنه... ينسحب!» كلا! لن تنسحب هذه المرة! لم تصل إلى هنا لتتراجع!
+
أخذت نفسًا عميقًا، و طرقت الباب برفق... لكن أحدًا لم يُجب! طرقت مجددًا متوقعة أن تأتي المدبرة لإستقبالها، و مع ذلك لم يظهر شبح شخص، و لم تسمع ليسا أي صوت يدل على وجود بشري هناك!
+
قررت أن تشق طريقها بنفسها متجاهلة الآداب، دلقت الباب و سارت كعمياء وسط الظلام الذي سربل المنزل، تجاوزت الردهة محاذرة الإصطدام بأي غرض أمامها، بدا لها أنها تلتقط رائحة تبغ محترق... و كحول أيضا!
+
بلغت الصالون، لكن العتمة كانت أشد من أن تلمح أي شيء، فهمست برعب غير مطيقة ذلك الظلام أكثر:
+
"راينر؟!".
+
ٱضيئت الأنوار فجأة، و ظهر راينر على بعد خطوات منها، عابس الوجه، يحمل في عينيه شوقًا مكبوتًا و غضبًا لا يزال مشتعلاً، لكنه لم يكن غضبًا منها فقط، بل من نفسه أيضا!
1
"لماذا أنتِ هنا؟".
+
سأل ببرود قاتل، فتقدّمت خطوة، و هالها أن تراه نحيل الوجه، محمر العينين، مشعثًا، غارقًا وسط جبال من أعقاب السجائر المحترقة، و زجاجات الكحول الخاوية! جثت أمامه تطالعه بنظرة حزينة، و قالت:
+
"لأنه مكاني الصحيح! لأنك تريدني بكل جوارحك! لا تكذب على نفسك راينر!".
+
لاحظت أنه أجفل و إزدرد ريقه، ثم قطب حاجبيه و إدعى القسوة مردفًا:
+
"إن كنتِ تبحثين عن تعاطف، فقد أخطأتِ العنوان!".
1
أغمضت عينيها للحظة، ثم سألت ناظرة نحو نصف سيجارة تتآكل بين إصبعيه:
+
"بهذه تحاول نسياني؟!".
+
جز أسنانه، و رد بسخط:
+
"لا ٱحاول نسيانكِ على الإطلاق! أنتِ لستِ جزءً من ذاكرتي أليسيا!".
+
"أعرف!".
+
أضافت و هي تبتسم بألم:
+
"أنا ذاكرتكَ كلها!".
21
نظرت إليه بثبات، و قررت أن تفتح ذلك الصندوق المغلق منذ زمن:
+
"أنا لم أتنكر و أخترع تلك الأكاذيب لأؤذيك يا راينر، لقد فعلت ما فعلتُه لأحمي نفسي من مجتمع ذكوري قذر، لستُ تلك المرأة الوصولية التي تخيلتَها أبدًا، لو عرفتَ حقا قصة أليسيا كولمان الكاملة، لكنتَ في صفي دون أن أطلب حتى، لكنكَ وقفتَ ضدي دون أن تسمع مني حرفًا، فعلتَ ما فعله الجميع، ظلمتني، قهرت قلبي... و كسرته لآلاف القطع، و حين أدرتَ ظهركَ لي أيقظت الأنين الذي زرعه لورانس بأعماق روحي!".
4
نهضت مبتعدة عن عينيه اللتين إلتهمتا تفاصيلها، و تابعت سرد قصة كتمتها طيلة أشهر:
+
"كنت سكرتيرة لورانس شيلدون، قبل أن ألجأ إلى التنكر و الهرب من ذاتي، كان يدعي اللطف و الوداعة في البداية، ثم أخذ يطري علي، و يصطاد ثقتي شيئًا فشيئًا، بعدها تطورت الأمور بشكل سريع، و بلغ اللطف الغريب طابعًا جسديًّا غير مريح!".
+
إنهارت دموعها و هي تسترسل في الحديث بصوت متهدج:
+
"إلى أن أتت تلك الليلة التي صحبني فيها ليخته، أقنعني بأنه سيعقد لقاء مع رجال أعمال مهمين هناك، لكنني فوجئت بيخت شاغر تسكنه الأشباح، بدأت أستشعر الخطر، و حاولت الهرب قبل أن يتمكن مني، ظن أن كل شيء مباح له، كل امرأة يمكنه امتلاكها بكلمة وابتسامة زائفة، لهذا لم يتقبل أن ترفضه امرأة بسيطة مثلي، جن جنونه، و بات متوحشًا! خضنا صراعًا طويلاً، إنتهى به يمزق أجزاء من ثيابي، لكنني و الحمد لله ضربته بزجاجة مشروب أفقدته وعيه، و هكذا فقط نجوت بنفسي!".
4
إستمرت الدموع تتساقط من عينيها، بينما راح جسدها يرتجف و يهتز من بشاعة الذكرى،
+
شَهق راينر، لكنه لم يقاطعها.
+
"قفزت من اليخت، ركضت على الرصيف دون وجهة واضحة، و بعد تلك الليلة لم أعد أثق بأي رجل، فلورانس لم يكتفِ بالتحرش بي و محاولة أخذي غصبًا، شوه سمعتي، و تسبب في خسارتي لأي فرصة عمل كانت سانحة أمامي، أخذ الأمر شهورًا طويلة من العلاج النفسي لأستطيع مواجهة العالم، لكنني لم أملك الجرأة لأعمل بنفس الوجه و الجسد و الإسم، فكرة التواجد مع رجل في مكتب مغلق كانت ترعبني، كنتُ بحاجة لأكون شفافة أو قبيحة! و هكذا تلاشت أليسيا كولمان و حلت مكانها... ليسا كولنز!".
3
حضر الصمت ضيفًا ثقيلاً على الصالون، و عندما إلتفتت ليسا لتضيف شيئًا، و تتأكد أنه سمع كل ما روته، صدمت بما رأته، كان راينر مشدود القسمات، حانق النظرات، عيناه تحترقان، و فكّه متصلب لفرط كزه على أسنانه!
+
"إنتظريني هنا، إياكِ أن تبرحي المنزل حتى عودتي!".
24
جحظت مدركة أين سيذهب، و حاولت ثنيه، لكنها أغلق الباب بينهما مديرًا المفتاح في القفل، و لم تسمع بعد ذلك سوى عنف عجلات سيارته و هي تغادر الباحة، و تشق طريقها نحو وجهة واحدة متوقعة!
1
في تلك الليلة، كان لورانس شيلدون يحتسي النبيذ على يخته محاطًا بالوجوه المتملقة المعتادة، حين داهمه راينر غرانت دون سابق إنذار.
+
"غرانت؟! ما الذي تفعله هنا؟".
+
لم يجب راينر، بل أمسكه من ياقة سترته بقوة وصفعه أمام الجميع، ثم وجه له لكمتين، قبل أن يرفعه ثانية و يسأله وسط صدمة المقربين منه:
4
"اعترف الآن! اعترف بما فعلته بأليسيا كولمان!".
+
"أي هراء تهذي به؟".
+
صرخ راينر:
+
"قل الحقيقة! لقد حاولت الاعتداء عليها مستغلاًّ براءتها، ثم شوهت سمعتها لتبرر الفراغ الذي تركته في شركتك، جعلت منها رخيصة و خائنة في أذهان الجميع لتواري قذارتك، أنتَ وصمة عار على جنس الرجال!".
9
أدرك لورانس أنه محاصر، و أن الإنكار لم يعد ممكنًا، فجهر مستسلمًا:
+
"ربما... بالغت قليلًا، لكنها كانت مغرية و بعيدة المنال...!".
+
صرخ راينر و هو يعاود لكمه حتى أرداه أرضًا:
+
"و أنتَ كنتَ النذل المناسب مع المرأة الخطأ!".
+
تبادل المتجمهرون حولهما نظرات الإشمئزاز من لورانس، و همسات الأسف و الأسى على أليسيا المظامة! في حين تراجع راينر عنه و أضاف غير قادر على تحمل النظر نحوه في ظل حقيقته المكشوفة:
+
"الصداقة التي بيننا إمَّحت! و إن دنوت من أليسيا بعد الآن، أقسم أنك لن ترى ضوء الشمس ثانيةً!".
6
تفرق الحاضرون ليسمحوا له بالمرور عبرهم و يغادر اليخت كالإعصار، تاركًا ليلة خالدة في عقولهم، و سمعة لورانس مدمرة كما تدمرت من قبل سمعة سكرتيرته و أسوء! فبعضهم بدأ بالفعل يفكر في التراجع عن عقد شراكات معه!
+
عندما عاد راينر إلى منزله، فتح الباب و وجد ليـسا جالسة حيث كان هو قبلاً، ضامة ركبتيها، في انتظار يشبه الصلاة! مرر عينيه على خصلاتها الذهبية، ثم قال:
+
"هل أطلتُ الغياب كثيرًا؟".
+
رفعت رأسها ببطء، و ارتجفت شفتاها بينما تستقيم واقفة لمواجهته:
+
"لا يهم هذا الآن، هل... هل ضربته؟".
+
اقترب منها، و عيناه تتألقان بنار و عاطفة لم ترهما من قبل!
+
"أيًّا كان ما فعلته بذلك الحثالة، فأعدتُ الأمور إلى نصابها، و بعد الآن... أنتِ حُرَّة من ذلك الماضي!".
+
"ماذا تعني؟".
+
سحب نفسًا هادئًا يجيبها:
+
"لورانس إعترف أمام الجميع أنه الوغد في هذه القصة، و أن لا ذنب يقع على عاتقكِ!".
2
تأملته ليسا بحنان و امتنان دافقين، لمست ذقنه شاكرة، لقد أنقذها، ليس من دمار سمعتها وحسب، بل من خسارة سلامها النفسي تحت وطأة عذاب الضمير، كانت طوال الأشهر الأخيرة ضحية الندم لأنها خدعت رجلاً لا يستحق الخديعة، لكنها الآن مغمورة بالإطمئنان و الغبطة، على الأقل... أدرك راينر دوافعها، و رأى الجانب المظلم من قصتها، و أيًّا كانت مشاعره تجاهها، فإنها ستحتفظ بحبه في قلبها للأبد!
+
خلال صمته و نظره المعلق على طرف وجهها، ظنت أنه لن يكون في مزاج جيد لمتابعة الحديث، فكرت أن تختلق أي عذر و تنصرف بأدب من ليلته الدرامية!
+
لكن راينر... و دون سابق إنذار، جذبها لأحضانه، و إحتواها بعناق طويل، عناق هشّ، صادق، أذاب جليد أشهر، قبل أن يبعد شفتيه عن فمها الغض ليتنفس و هو يتمتم مسحورًا:
1
"تزوجيني ليـسا، أو أليسيا... أو أي اسم تختارينه، لا يهم، فقط لا تغادري حياتي، لن تكون لي أية حياة بعيدًا عن هاته الشفاه، و هاته العيون، و تلك الروح التي جذلتني حتى و هي خلف قشرة مراوغة! و جعلتني أكتشف نيراني الصديقة... نيران الحب!".
39
تعلّقت ليسا بعنقه مذهولة من عرضه المفاجئ، إمتزجت على وجهها الدموع و الضحكات الخافتة، و همست:
+
"آه ٱحبكَ راينر، كم تعذبتُ و أنا أكتم هذا الحب بصدري! و... آه! نعم... نعم... ٱوافق على الزواج منكَ بكل سرور، لكن أخبرني أولاً! هل... هذا حلم؟!".
+
"إن كان كذلك، فلا توقظيني منه يا حبيبتي!".
+
صمت لبعض الوقت، ثم إستطرد مغازلاً:
+
”هل أخبرتكِ أنكِ تبدين مثيرة في البيجاما؟“.
12
”أذكر أنكَ قلتَ شيئًا عن إنسجام البيجاما الزهرية معي!“.
+
”ذلك صحيح، لكن يبدو أن بيجاما الفستق هذه تبدو أجمل عليكِ!“.
+
تسمرت نظراتها في عينيه، و عيناها المتعبتان من الدموع لم تعودا تريان سوى وجهه، ذلك الوجه الذي أحبّته رغم كل الجراح. ابتسمت، رغم أن شفتيها كانتا ترتجفان، بينما امتدت يداه برفق نحو وجهها، تمسحان آخر أثر للدموع، و تعيدان كتابة حكاية جديدة بلا ألم، بلا أسرار أو أكاذيب، حكاية لا يعلو فيها سوى الحب و الحقيقة!
2
وفي لحظة صمتٍ معلّق بين وعد و قبلة، ظهرت مدبرة المنزل التي قطعت إجازتها قلقًا على السيد غرانت، و تنحنحت عند الباب معلقة كٱم ضبطت إبنها الصغير يواعد فتاةً في السر:
+
"قلقتُ من بقائكَ وحيدًا بعدما منحت جميع الخدم إجازة طويلة، لكن يبدو أنكَ تحظى برفقة ممتازة هنا!".
4
كانت السيد هيفي بمقام والدته المتوفاة، لذلك حدثها راينر بود دافئ و هو يبقي خصر ليسا المحمرة خجلاً قيد ذراعه و يردف:
+
"أريد هذه الرفقة لبقية العمر يا سيدة هيفي، لذا حضري كل ما يلزم من أجل زفاف قريب!".
7
إبتسمت المدبرة اللطيفة دون رد، و خطت نحو المطبخ معددة في خيالها المستلزمات الأولية، بينما لمعت عيون العاشقين ببريق جديد... بريق الوداعة بعد العاصفة، والإيمان بعد الشك!
+
اقترب ثانية ببطء، و عندما تلاقت الشفاه مجددًا، انكمش العالم حولهما في قبلةٍ خارج الواقع و المعقول، قبلةٌ جنونيةٌ لم تشبه شيئًا سوى الإنصهار و التشكل مرارا و تكرارا!
+
و خارج النوافذ العريضة، كان القمر الصيفي ينزلق، و يذوب كذهب فضي سائل ينساب بين خطوط المدينة الهادئة، كأن الزمن نفسه أراد أن يحتفظ بتلك اللحظة لنفسه، كأنها لم تكن مجرد نهاية سعيدة، بل صلاة مستجابة... في معبد الحنين!
21
𓇼
+
النهاية
64
......................................................
