رواية بين مخالب الشيطان الفصل العاشر 10 بقلم حنين احمد
(الفصل العاشر)
لم يصدّق كريم أذنه عندما سمع ما حدث.. انتابه الغضب
وهو يفكر.. كيف يحدث كل ذلك لأخته وهو لا يعلم؟!
ما الذي حدث لها جعلها تُصدَم بشدة وتدخل بتلك الحالة
مجددا؟؟
أكل مرة ستتأذى لن يكون بجانبها؟!
لقد فشل في حماية أخته طوال تلك السنوات, فشل في
جعلها تشعر بالأمان الذي فقدته بفقدانها والديها رغم أنه
أيضا كان يتيما إلا أنه لم يشعر أبدا باليتم فقد عوّضته
خالته وزوجها عن يتمه وكانا له نِعْمَ الوالدين..
أما حنين.. فقد كان من نصيبها الدلال الكثير من الجميع
وهو أكثرهم فقد كان يريد أخا أو أختا أصغر منه مثل باقي
زملائه لذلك فرح فرحا شديدا بولادتها ولم يفارقها أبدا
حتى وفاة والديها وانتقالهما للعيش مع خالهم وجدي وزوجته
وأطفاله.. بدأت حينها في الابتعاد عنه والتعلق بحسام وخشي
عليها كثيرا من تعلقها به خاصة أنها كانت على أعتاب
المراهقة وقد حدث ما خشي منه..
وقعت بحب حسام وتوهمت الزواج به ومن وقتها بدأ بقراءة
مذكراتها خفية منها حتى يعلم ما يدور بذهنها وما يحدث
معها فهو لم يكن يثق بحسام كثيرا بالرغم من صداقتهما
إلا أنه علم أن حسام ليس مناسبا ل حنين.. فهو أكثر أنانية
من أن يعتني بشخص آخر خاصة لو كان شخص رقيق ويحتاج
الكثير من الاهتمام والاحتواء ك حنين .
وقد حدث ما توقعه ..
حسام لم ينظر إليها سوى كطفلة صغيرة تتعلق بأذياله ولم
تلفت نظره أبدا.. ووقتها سقط بشباك سمر والتي كانت قد
وضعته نصب عينيها وبوضوح .
لم يهتم بما حدث سوى بتأثيره على حنين وقد كان تأثيره
أكبر مما توقع ففي غمرة فوضى مشاعرها وافقت على عماد
سريعا بل وافقت على الزواج سريعا منه ولم تسمع لنصيحته
أن تتريث حتى تتعرف عليه أكثر...
ووقتها قرأ بمذكراتها حديث حسام لها كما أنه عرف ما
أخبرتها به سمر عن رفض حسام الزواج بها وأنه يضيق بها.
ورغم أنه شكّ أن حديث سمر ليس صحيحا إلا أنه لم يستطع
إلا أن يحاول إثناء حنين عمّا تريد فعله ولكنه لم يستطع
والأدهى من ذلك أنه تركها فريسة سهلة لذلك الوغد
فقد سافر بعد زواجها مباشرة وانقطعت أخبارها عنه جزئيا
ولم يعد سوى من فترة قصيرة .. وحتى عندما عاد نأت بنفسها
عنه بل وعن أسرتها بأكملها .
الذنب يجتاحه بشدة ولا يعلم ماذا يفعل؟!
أخته البريئة تعرضت لشيء أدّى إلى فقدانها النطق ولا أحد
يستطيع معرفة ما حدث معها فهي لا تنطق ولا تستجيب
لمحاولات الطبيبة النفسية أبدا .
لم يكن بيده شيء سوى أن يحاول الذهاب إليها والتحدث معها
يوميا عسى أن يحوز على ثقتها من جديد ويستطيع سبر
أغوارها ومعرفة ما حدث معها من قبل وما حدث معها قبل عدة
أيام .
***
يحضر إليها من أسبوعين يوميا للتحدث معها ولكنها لا
تستجيب له ولا لأحد من أفراد عائلتها .
مكث معها قليلا يحاول تجاذب أطراف الحديث ولكن لا رد!
زمّ شفتيه بقوة ثم قال:"لن أمل حنين.. سأتِ يوميا حتى تسأمي
مني فتتحدثين أو تطرديني.. بكل الحالات لن أستسلم قبل
أن أحصل على ردة فعل منكِ" .
عاد إلى المنزل وهو يشعر بنار تحرقه يتمنى لو يرى ذاك
ال عماد حتى ينتقم منه شر انتقام على ما فعله بها..
كان قد حكى لوالدته عنها وعمّا تعرّضت له دون الدخول
بتفاصيل قد تجرح حنين وقد تعاطفت معها كثيرا ولكنها
صدمته بسؤالها..
"أصدقني القول شريف, هل لظروفها علاقة برغبتك في
الزواج بها؟!"
رمقها بعدم فهم لتوضّح أكثر:"هل تريدها طُعْمَا لتصل
لزوجها؟!"
صدمته البادية على ملامحه جعلتها تشعر ببعض الراحة
على الرغم أنها تشعر بالدهشة من تمسكه بها على الرغم
من معرفتها عن غيرته الحارقة فكيف سيتزوج بمن سبق
لها الزواج؟!
هل سيستطيع التحكم بغيرته معها؟!
"يا إلهي أمي كيف تفكرين أنني من الممكن أن أفعل
ذلك؟! حتى لو لم أكن أحبها وأريد الزواج بها.. أنا لن أستغل
أي امرأة أخرى فهل أفعل ذلك مع من ملكت قلبي؟!"
ابتسمت له بحنو والفضول يتآكلها لرؤية من ملكت قلب
صغيرها الذي تجاوز الثلاثين من عمره ولم يخفق قلبه لامرأة
قط ! ما المميز بهذه الفتاة بل المرأة حتى يعشقها كما هو
ظاهر على محياه؟!
"ما رأيك أن أذهب معك للمشفى وأحاول التحدث معها؟!
ربما هي تحتاج لشخص غريب تتحدث معه بحرية عمّا بها!"
قالت حنان مقترحة ليرمقها شريف بامتنان وهو يقول:
"هل ستفعلين ذلك حقا أمي؟! أستطيع أن أجزم أنكِ
ستعشقينها ما إن يقع بصرك عليها"
ابتسمت لتقول مشاكسة:"من يشهد للعروس!"
ابتسم لها بحب وهو يقول:"غدا باكرا سنذهب إليها"
بادلته الابتسامة وهي تدعو أن يريح قلبه ويلطف بفتاته .
دلف إلى غرفتها بعدما أخبر الممرضة أن تدخل لتساعدها
على ارتداء الحجاب وتنبهها لوجوده ..
لم تنظر له كعادتها بل ظلّت جالسة تنظر من نافذة الغرفة
وكأنه لم يدخل قط ..
ولكن هذه المرة حصل على ردة فعل أفضل كثيرا مما توقّع..
سمعته يعرّفها على والدته.. اتسعت عيناها
من المفاجأة هل أحضر والدته لتراها؟!
هذا الرجل لا يُصَدّق حقا !!
التفتت إليهما ببطء وترقب حتى وقعت عيناها على والدته..
لا تعرف لِمَ شعرت بالحنان يغمرها عندما التقت عيناهما؟!
رأت فيها نظرات والدتها رحمها الله عندما كانت تشعر بالحزن
فتراضيها, رأت بها ذاك الحنان الذي افتقدته منذ سنوات ولم
تجده قط !
أما حنان فقد رأت فيها الابنة التي تمنتها طوال حياتها ولم
ترزق بها ..
ابتسمت لها والدته بحنان وهي تفتح لها ذراعيها ودون أدنى
تردد ألقت بنفسها بين ذراعيها ليغمرها حنانا افتقدته منذ
فترة طويلة.. ضمتها حنان (والدته) إليها بحب وهي تربت على
رأسها بحنو تهمس بأذنها أنها معها ولن تتركها أبدا .
وقف شريف مذهولا مما يحدث أمامه!
كيف لوالدته والتي تقابلها للمرة الأولى أن تنجح فيما فشلوا
به جميعا؟!
أما حنان وحنين فلم يشعرا بشيء سوا بعضهما.. وكأن الاثنين
كانا ينتظران تلك المقابلة منذ فترة بعيدة,
وكأنهما انتظرا الارتواء الذي لم يكتمل إلا بتلاقيهما,
وكأن الزمن توقف لديهما عند هذا اللقاء فلم يعد يهم ما
حدث قبله ولن يهم ما سيأتي بعده .
كانت حنين هي من قطع الصمت وهي تنشج ببكاء حار
وتتكلم للمرة الأولى منذ أن فقدت النطق !
تحدثت عن كل ما آلمها بحياتها..
تحدثت عن اليتم الذي فقدت معه كل حق بالحب والأمان
وكأن أمانها قد دُفِنَ مع من دُفِنوا, وكأنها أصبحت مجرد عبء
يثقل كاهلهم فأرادوا التخلص منها بأسرع وقت.. إنهم حتى لم
يتحرّوا عن عماد وعن عائلته واكتفوا بالمعلومات
التي قدمها لهم.
تحدثت عن وقوعها في قبضة الشيطان الذي حوّل حياتها إلى
جحيم, الشيطان الذي تحوّل من اللامبالاة إلى الوحشية
عندما عرفت ما يهدد أمنه وسلامه .
تحدثت عن عرضها على حسام كأي بضاعة تالفة يريدون
التخلص منها ورفضه لتلك البضاعة فهي كما أخبرتها سمر
وكما أخبرها زوجها العزيز ليس بها شيء يجذب الرجال.
تحدثت عن إهمال عائلتها لها بعدما ألقوا بها إلى ذلك الرجل
والذي استغل ضعفها وقلة حيلتها.
تحدثت عن الطفلة التي كانت السبب في وفاة والديها
بإصرارها على الذهاب لتلك العطلة اللعينة.
تحدثت عن اللقب الذي حملته بطيب خاطر وعن رد فعل من
حولها عن انعزالها في غرفتها وخوفها من مواجهة مجتمع
يدينها فقط لأنها تطلقت دون العودة إلى أسباب طلاقها وكأنها
تحولت إلى آثمة بطلاقها وعن مصمصة الشفاة التي تسمعها
على حالها من الجميع وكأنها فقدت الحق في الحياة فقط
لأنها تطلّقت !
تحدثت عن خوف النساء على أزواجهم منها وكأنها تحولت
إلى سارقة للرجال فقط لأنها مطلقة!
تحدثت عن النظرة التي تراها بعيون من حولها وكأنها تحولت
لأخرى لا يعرفونها فقط لأنها مطلقة!
تحدثت عن عدم سؤالهم لما كان يحدث لها من زوجها وعدم
اهتمامهم بمعرفة الأسباب التي أدّت إلى حالتها التي رأوها
عليها.
ظلت تتحدث بدون ترتيب أو تفكير فيما تقوله وكأنها
كانت تنتظر تلك الفرصة التي تبوح فيها بكل ما يعتمل
بداخلها وكأنها لم تتحدث منذ سنوات طويلة.
تحدثت وتحدثت حتى سقطت فاقدة الوعي أمامهما فأسرع
شريف يحملها ويضعها على الفراش ثم استدعى الطبيبة
وانتظر خارجا مع والدته التي كانت تبكي بحرقة.
****
انتهى من عمله فذهب إلى شقته ليجد سمر قد عادت من زيارة
والديها.. لم ينتابه الفرح أو حتى الشوق إليها كما من
المفترض أن يشعر تجاه زوجته الغائبة لأسبوع .
رحبت به بحرارة غريبة عليها فاستجاب لها كعادته متناسيا
كل تعبه وإرهاقه من العمل..
متناسيا حتى مشاعره السلبية تجاهها.. لا يعلم ماذا يحدث له
عندما تتقرب منه بتلك الطريقة المغوية؟!
يتحول إلى طفل مدلل يطمح إلى ما تهديه إليه بشغف لا
يفهمه!
ابتسمت بداخلها فهي تعرف ضعفه أمامها وتحسن استغلاله
جيدا.. وكعادتها علمت منه كل شيء حدث بغيابها بداية
بولادة عبير وحتى انهيار حنين ومكوثها بالمشفى .
انتابتها الغيرة عندما علمت برغبة شريف بالزواج من حنين..
تساءلت لماذا يرغبها هؤلاء الرجال؟!
ما المميز بها حتى يطلبوها للزواج؟!
ولِمَ لم يطلبها أحد قبل أن توقع حسام بشباكها؟!
حنين تلك الساذجة التي لا تعرف كيف تجذب رجلا
يتهافت عليها أكثر الرجال وسامة وجاذبية !
بداية من حسام.. نعم فهي علمت بانجذاب حسام لقريبته
الصغيرة ولكنها استطاعت أن تجذبه إليها بحنكتها وضعفه
الذي تدركه جيدا.. مرورا بعماد والذي لم تفهم ما رآه بها
حتى يطلبها للزواج..
ثم شريف.. الرجل الذي خطف أنفاسها بوسامته وملامحه
الرجولية الجذابة ومركزه الكبير كما علمت فيما بعد
والذي لم ينظر إليها مرتين في المرة الوحيدة التي قابلته بها
وهي لم تعتد الإهمال من الرجال.. فقد حباها الله بجسد
يغوي قديسا! فكيف لذلك ال.. شريف ألّا يعجب بها هي
ليرغب في تلك الفتاة الصغيرة؟!
تلك الفتاة المملة التي أحاطها الكل برعاية لم تحظَ بها
هي أبدا..
أخرجها من أفكارها رنين هاتف حسام وكانت عبير ..
فأجابتها سمر بدلال:"حمدا لله على سلامتك عبير وعذرا
على التأخير فلم يخبرني حسام قبل الآن"
أجابتها عبير بملل:"شكرا لكِ سمر.. أين حسام؟"
ضحكت سمر بغنج قبل أن تقول بوقاحة:"حسام يغتسل,
أنتِ تعلمين بالتأكيد أنه كان مشتاقا لي كثيرا فلم
يستطع أن....."
قاطعتها عبير بفظاظة:"اعفيني من التفاصيل من فضلك
سمر.. وأخبريه أن يهاتفني عندما ينهي حمامه"
ثم أغلقت الهاتف دون أن تنتظر ردا منها..
نظرت سمر للهاتف بغيظ وهي تهتف:"غليظة!"
ثم ألقته جانبا وهي تبتسم بخبث .
لم يصدّق كريم أذنه عندما سمع ما حدث.. انتابه الغضب
وهو يفكر.. كيف يحدث كل ذلك لأخته وهو لا يعلم؟!
ما الذي حدث لها جعلها تُصدَم بشدة وتدخل بتلك الحالة
مجددا؟؟
أكل مرة ستتأذى لن يكون بجانبها؟!
لقد فشل في حماية أخته طوال تلك السنوات, فشل في
جعلها تشعر بالأمان الذي فقدته بفقدانها والديها رغم أنه
أيضا كان يتيما إلا أنه لم يشعر أبدا باليتم فقد عوّضته
خالته وزوجها عن يتمه وكانا له نِعْمَ الوالدين..
أما حنين.. فقد كان من نصيبها الدلال الكثير من الجميع
وهو أكثرهم فقد كان يريد أخا أو أختا أصغر منه مثل باقي
زملائه لذلك فرح فرحا شديدا بولادتها ولم يفارقها أبدا
حتى وفاة والديها وانتقالهما للعيش مع خالهم وجدي وزوجته
وأطفاله.. بدأت حينها في الابتعاد عنه والتعلق بحسام وخشي
عليها كثيرا من تعلقها به خاصة أنها كانت على أعتاب
المراهقة وقد حدث ما خشي منه..
وقعت بحب حسام وتوهمت الزواج به ومن وقتها بدأ بقراءة
مذكراتها خفية منها حتى يعلم ما يدور بذهنها وما يحدث
معها فهو لم يكن يثق بحسام كثيرا بالرغم من صداقتهما
إلا أنه علم أن حسام ليس مناسبا ل حنين.. فهو أكثر أنانية
من أن يعتني بشخص آخر خاصة لو كان شخص رقيق ويحتاج
الكثير من الاهتمام والاحتواء ك حنين .
وقد حدث ما توقعه ..
حسام لم ينظر إليها سوى كطفلة صغيرة تتعلق بأذياله ولم
تلفت نظره أبدا.. ووقتها سقط بشباك سمر والتي كانت قد
وضعته نصب عينيها وبوضوح .
لم يهتم بما حدث سوى بتأثيره على حنين وقد كان تأثيره
أكبر مما توقع ففي غمرة فوضى مشاعرها وافقت على عماد
سريعا بل وافقت على الزواج سريعا منه ولم تسمع لنصيحته
أن تتريث حتى تتعرف عليه أكثر...
ووقتها قرأ بمذكراتها حديث حسام لها كما أنه عرف ما
أخبرتها به سمر عن رفض حسام الزواج بها وأنه يضيق بها.
ورغم أنه شكّ أن حديث سمر ليس صحيحا إلا أنه لم يستطع
إلا أن يحاول إثناء حنين عمّا تريد فعله ولكنه لم يستطع
والأدهى من ذلك أنه تركها فريسة سهلة لذلك الوغد
فقد سافر بعد زواجها مباشرة وانقطعت أخبارها عنه جزئيا
ولم يعد سوى من فترة قصيرة .. وحتى عندما عاد نأت بنفسها
عنه بل وعن أسرتها بأكملها .
الذنب يجتاحه بشدة ولا يعلم ماذا يفعل؟!
أخته البريئة تعرضت لشيء أدّى إلى فقدانها النطق ولا أحد
يستطيع معرفة ما حدث معها فهي لا تنطق ولا تستجيب
لمحاولات الطبيبة النفسية أبدا .
لم يكن بيده شيء سوى أن يحاول الذهاب إليها والتحدث معها
يوميا عسى أن يحوز على ثقتها من جديد ويستطيع سبر
أغوارها ومعرفة ما حدث معها من قبل وما حدث معها قبل عدة
أيام .
***
يحضر إليها من أسبوعين يوميا للتحدث معها ولكنها لا
تستجيب له ولا لأحد من أفراد عائلتها .
مكث معها قليلا يحاول تجاذب أطراف الحديث ولكن لا رد!
زمّ شفتيه بقوة ثم قال:"لن أمل حنين.. سأتِ يوميا حتى تسأمي
مني فتتحدثين أو تطرديني.. بكل الحالات لن أستسلم قبل
أن أحصل على ردة فعل منكِ" .
عاد إلى المنزل وهو يشعر بنار تحرقه يتمنى لو يرى ذاك
ال عماد حتى ينتقم منه شر انتقام على ما فعله بها..
كان قد حكى لوالدته عنها وعمّا تعرّضت له دون الدخول
بتفاصيل قد تجرح حنين وقد تعاطفت معها كثيرا ولكنها
صدمته بسؤالها..
"أصدقني القول شريف, هل لظروفها علاقة برغبتك في
الزواج بها؟!"
رمقها بعدم فهم لتوضّح أكثر:"هل تريدها طُعْمَا لتصل
لزوجها؟!"
صدمته البادية على ملامحه جعلتها تشعر ببعض الراحة
على الرغم أنها تشعر بالدهشة من تمسكه بها على الرغم
من معرفتها عن غيرته الحارقة فكيف سيتزوج بمن سبق
لها الزواج؟!
هل سيستطيع التحكم بغيرته معها؟!
"يا إلهي أمي كيف تفكرين أنني من الممكن أن أفعل
ذلك؟! حتى لو لم أكن أحبها وأريد الزواج بها.. أنا لن أستغل
أي امرأة أخرى فهل أفعل ذلك مع من ملكت قلبي؟!"
ابتسمت له بحنو والفضول يتآكلها لرؤية من ملكت قلب
صغيرها الذي تجاوز الثلاثين من عمره ولم يخفق قلبه لامرأة
قط ! ما المميز بهذه الفتاة بل المرأة حتى يعشقها كما هو
ظاهر على محياه؟!
"ما رأيك أن أذهب معك للمشفى وأحاول التحدث معها؟!
ربما هي تحتاج لشخص غريب تتحدث معه بحرية عمّا بها!"
قالت حنان مقترحة ليرمقها شريف بامتنان وهو يقول:
"هل ستفعلين ذلك حقا أمي؟! أستطيع أن أجزم أنكِ
ستعشقينها ما إن يقع بصرك عليها"
ابتسمت لتقول مشاكسة:"من يشهد للعروس!"
ابتسم لها بحب وهو يقول:"غدا باكرا سنذهب إليها"
بادلته الابتسامة وهي تدعو أن يريح قلبه ويلطف بفتاته .
دلف إلى غرفتها بعدما أخبر الممرضة أن تدخل لتساعدها
على ارتداء الحجاب وتنبهها لوجوده ..
لم تنظر له كعادتها بل ظلّت جالسة تنظر من نافذة الغرفة
وكأنه لم يدخل قط ..
ولكن هذه المرة حصل على ردة فعل أفضل كثيرا مما توقّع..
سمعته يعرّفها على والدته.. اتسعت عيناها
من المفاجأة هل أحضر والدته لتراها؟!
هذا الرجل لا يُصَدّق حقا !!
التفتت إليهما ببطء وترقب حتى وقعت عيناها على والدته..
لا تعرف لِمَ شعرت بالحنان يغمرها عندما التقت عيناهما؟!
رأت فيها نظرات والدتها رحمها الله عندما كانت تشعر بالحزن
فتراضيها, رأت بها ذاك الحنان الذي افتقدته منذ سنوات ولم
تجده قط !
أما حنان فقد رأت فيها الابنة التي تمنتها طوال حياتها ولم
ترزق بها ..
ابتسمت لها والدته بحنان وهي تفتح لها ذراعيها ودون أدنى
تردد ألقت بنفسها بين ذراعيها ليغمرها حنانا افتقدته منذ
فترة طويلة.. ضمتها حنان (والدته) إليها بحب وهي تربت على
رأسها بحنو تهمس بأذنها أنها معها ولن تتركها أبدا .
وقف شريف مذهولا مما يحدث أمامه!
كيف لوالدته والتي تقابلها للمرة الأولى أن تنجح فيما فشلوا
به جميعا؟!
أما حنان وحنين فلم يشعرا بشيء سوا بعضهما.. وكأن الاثنين
كانا ينتظران تلك المقابلة منذ فترة بعيدة,
وكأنهما انتظرا الارتواء الذي لم يكتمل إلا بتلاقيهما,
وكأن الزمن توقف لديهما عند هذا اللقاء فلم يعد يهم ما
حدث قبله ولن يهم ما سيأتي بعده .
كانت حنين هي من قطع الصمت وهي تنشج ببكاء حار
وتتكلم للمرة الأولى منذ أن فقدت النطق !
تحدثت عن كل ما آلمها بحياتها..
تحدثت عن اليتم الذي فقدت معه كل حق بالحب والأمان
وكأن أمانها قد دُفِنَ مع من دُفِنوا, وكأنها أصبحت مجرد عبء
يثقل كاهلهم فأرادوا التخلص منها بأسرع وقت.. إنهم حتى لم
يتحرّوا عن عماد وعن عائلته واكتفوا بالمعلومات
التي قدمها لهم.
تحدثت عن وقوعها في قبضة الشيطان الذي حوّل حياتها إلى
جحيم, الشيطان الذي تحوّل من اللامبالاة إلى الوحشية
عندما عرفت ما يهدد أمنه وسلامه .
تحدثت عن عرضها على حسام كأي بضاعة تالفة يريدون
التخلص منها ورفضه لتلك البضاعة فهي كما أخبرتها سمر
وكما أخبرها زوجها العزيز ليس بها شيء يجذب الرجال.
تحدثت عن إهمال عائلتها لها بعدما ألقوا بها إلى ذلك الرجل
والذي استغل ضعفها وقلة حيلتها.
تحدثت عن الطفلة التي كانت السبب في وفاة والديها
بإصرارها على الذهاب لتلك العطلة اللعينة.
تحدثت عن اللقب الذي حملته بطيب خاطر وعن رد فعل من
حولها عن انعزالها في غرفتها وخوفها من مواجهة مجتمع
يدينها فقط لأنها تطلقت دون العودة إلى أسباب طلاقها وكأنها
تحولت إلى آثمة بطلاقها وعن مصمصة الشفاة التي تسمعها
على حالها من الجميع وكأنها فقدت الحق في الحياة فقط
لأنها تطلّقت !
تحدثت عن خوف النساء على أزواجهم منها وكأنها تحولت
إلى سارقة للرجال فقط لأنها مطلقة!
تحدثت عن النظرة التي تراها بعيون من حولها وكأنها تحولت
لأخرى لا يعرفونها فقط لأنها مطلقة!
تحدثت عن عدم سؤالهم لما كان يحدث لها من زوجها وعدم
اهتمامهم بمعرفة الأسباب التي أدّت إلى حالتها التي رأوها
عليها.
ظلت تتحدث بدون ترتيب أو تفكير فيما تقوله وكأنها
كانت تنتظر تلك الفرصة التي تبوح فيها بكل ما يعتمل
بداخلها وكأنها لم تتحدث منذ سنوات طويلة.
تحدثت وتحدثت حتى سقطت فاقدة الوعي أمامهما فأسرع
شريف يحملها ويضعها على الفراش ثم استدعى الطبيبة
وانتظر خارجا مع والدته التي كانت تبكي بحرقة.
****
انتهى من عمله فذهب إلى شقته ليجد سمر قد عادت من زيارة
والديها.. لم ينتابه الفرح أو حتى الشوق إليها كما من
المفترض أن يشعر تجاه زوجته الغائبة لأسبوع .
رحبت به بحرارة غريبة عليها فاستجاب لها كعادته متناسيا
كل تعبه وإرهاقه من العمل..
متناسيا حتى مشاعره السلبية تجاهها.. لا يعلم ماذا يحدث له
عندما تتقرب منه بتلك الطريقة المغوية؟!
يتحول إلى طفل مدلل يطمح إلى ما تهديه إليه بشغف لا
يفهمه!
ابتسمت بداخلها فهي تعرف ضعفه أمامها وتحسن استغلاله
جيدا.. وكعادتها علمت منه كل شيء حدث بغيابها بداية
بولادة عبير وحتى انهيار حنين ومكوثها بالمشفى .
انتابتها الغيرة عندما علمت برغبة شريف بالزواج من حنين..
تساءلت لماذا يرغبها هؤلاء الرجال؟!
ما المميز بها حتى يطلبوها للزواج؟!
ولِمَ لم يطلبها أحد قبل أن توقع حسام بشباكها؟!
حنين تلك الساذجة التي لا تعرف كيف تجذب رجلا
يتهافت عليها أكثر الرجال وسامة وجاذبية !
بداية من حسام.. نعم فهي علمت بانجذاب حسام لقريبته
الصغيرة ولكنها استطاعت أن تجذبه إليها بحنكتها وضعفه
الذي تدركه جيدا.. مرورا بعماد والذي لم تفهم ما رآه بها
حتى يطلبها للزواج..
ثم شريف.. الرجل الذي خطف أنفاسها بوسامته وملامحه
الرجولية الجذابة ومركزه الكبير كما علمت فيما بعد
والذي لم ينظر إليها مرتين في المرة الوحيدة التي قابلته بها
وهي لم تعتد الإهمال من الرجال.. فقد حباها الله بجسد
يغوي قديسا! فكيف لذلك ال.. شريف ألّا يعجب بها هي
ليرغب في تلك الفتاة الصغيرة؟!
تلك الفتاة المملة التي أحاطها الكل برعاية لم تحظَ بها
هي أبدا..
أخرجها من أفكارها رنين هاتف حسام وكانت عبير ..
فأجابتها سمر بدلال:"حمدا لله على سلامتك عبير وعذرا
على التأخير فلم يخبرني حسام قبل الآن"
أجابتها عبير بملل:"شكرا لكِ سمر.. أين حسام؟"
ضحكت سمر بغنج قبل أن تقول بوقاحة:"حسام يغتسل,
أنتِ تعلمين بالتأكيد أنه كان مشتاقا لي كثيرا فلم
يستطع أن....."
قاطعتها عبير بفظاظة:"اعفيني من التفاصيل من فضلك
سمر.. وأخبريه أن يهاتفني عندما ينهي حمامه"
ثم أغلقت الهاتف دون أن تنتظر ردا منها..
نظرت سمر للهاتف بغيظ وهي تهتف:"غليظة!"
ثم ألقته جانبا وهي تبتسم بخبث .
