رواية واشرقت في القلب بسمة الفصل السابع 7 بقلم الكاتبة شموسة
الفصل السابع
قبل قليل
ركن كامل السيارة في الطريق الترابي بجانب بيت الجد صالح مغمغما بلهجة ماكرة "هنا أفضل مكان حتى لا يعبث بها المجانين والمختلين عقليا .."
وخرج يتمم عليها ويربت عليها باعتزاز متجاهلا تلك الاتصالات المستمرة من توأمه.
لم يستطع النوم طوال الليل .. كانت تحتل أفكاره .. تطارده .. وسيطر عليه شعور غريب بأنه قد ترك شيئا مهما خلفه حينما غادر ليلة أمس .. تركها هي ..
بسمة .
فقرر بما أنه كان ينوي العودة والمكوث لعدة أيام أخرى أن يضع نفسه في السيارة بعد صلاة الفجر ويعود .. وهذا ما أغضب شامل منه والذي يلح في الاتصال به ما أن شعر باختفائه .
دخل من باب دار الجد صالح وهو يجيب على الهاتف الذي سينفجر من الاتصالات قائلا بغيظ "يالسخافتك يا أخي !.. حين لا أرد لا تلح بهذا الشكل المستفز"
هتف شامل بغضب "عدت للقرية أليس كذلك !"
تحرك في بهو البيت يقول ببرود وابتسامة سعيدة تزين شفتيه "أجل ذهبت إلى هناك (وميز كيسا على المنضدة به بعض الروايات العربية والانجليزية كان مفرح قد أعادها لهما بعد أن قرأها فأضاف متحججا ) نسيت الكتب في البيت فخفت أن ينظفوه بعد رحيلنا مباشرة ويُضيّعونها "
هدر شامل وقد استفزه الرد" لا تستهبل يا كامل كان من الممكن أن تتصل بمفرح "
ترك كامل البهو ودخل إحدى الغرف الداخلية يفتح نافذتها التي تطل على الحقول الخضراء خلف البيت وهو يقول" أنا بالطبع الاسرع فلربما رد عليّ مفرح بعد أن ينظفوا البيت "
غمغم شامل بعصبية "كامل !"
صاح الأخير بغيظ " اهدأ يا شامل حتى لا يرتفع مستوى السكر لديك .. الأمر بسيط أردت أيضا أن أخبر مفرح بالخبر الأخر وجها لوجه"
قال شامل من بين أسنانه " ألا زلت ترى الأمر بسيطا يا كامل !.. ما دمت لست جديا وكل ما لديك هو مجرد فضول كما تدعي فلماذا تقرب البنزين من النار خاصة حينما يكون مفرح طرفا في الأمر .. فبالتأكيد إن علم الحقيقة لن يعجبه ما تفعل"
رد كامل بجدية" وماذا افعل أنا يا متخلف !.. البنزين والنار يخصوني وحدي ووجود مفرح يضمن لك ولي أني لن اتجاوز حدودي معها .. فأنت تعرف كيف أحترمه وأقدره .. أنا أعدك أن أحل الموضوع سريعا مع نفسي وأعود .. كل ما في الأمر أني غير قادر حاليا على التصرف بشكل أنت تعلم أنه لم يحدث لي مع فتاة أخرى من قبل .. صدقني يا شامل أنا غير قادر على التصرف أشعر وكأني ....."
صمت فأكمل شامل له العبارة " وقعت في فخ كبير "
ابتسم كامل وغمغم " أجل أيها المتلصص المتطفل على أفكاري "
قال شامل بقلق "أنا فقط وجود مفرح طرفا في الموضوع يشد أعصابي فلا أريد أن ..... "
صوت باب الدار يفتح جعل كامل يعقد حاجبيه ويقول لشامل مقاطعا" اغلق الآن أعتقد أن هناك شخصا بالخارج "
اقترب من باب الغرفة ببطء فلمحها أمامه .. ولوهلة خُيل إليه بأنه يهذي .. رآها تخلع الوشاح عن رأسها وتلقي به على أحد المقاعد .. فتسارعت ضربات قلبه وهو يتحرك ببطء ويخرج للبهو بخطوات هادئة ثم وقف يتأملها وهي مولية له ظهرها تقترب من طاولة السفرة وبالتحديد نحو كيس الكتب وتخرج منه واحدا ..
رفعت بسمة حاجبا وغمغمت " هل نسياه؟ .. تُرى من منهما يهوى القراءة ؟!.. لا أتوقع بأنه ذلك المتعجرف .. فهو لا يفقه إلا في التعالي والسخرية "
واهتزت تتمايل بجذعها تُرَقِّص كتفيها ساخرة وهي تقلده بصوت متهكم " هل تظنيننا قساة القلوب !.. يبدو أن بعضكم لديه هواية إلقاء التهم على الناس جزافا"
تراقصت الابتسامة على شفتيه وهي تهتز أمامه و تقلده بهذا الشكل .. فوضع يديه في جيبي بنطاله وتصنع الجدية يقول "وقلت أيضا بأنكم تحبون اقتحام الأماكن على الناس ومفاجأتهم"
انتفضت بسمة في رعب واستدارت بسرعة قبل أن تشهق بقوة ويسقط منها الكتاب أرضا مغمغمة وهي تضع يدها على صدرها "بسم الله الرحمن الرحيم .. بسم الله الرحمن الرحيم "
كررتها مرتين بصوت مبحوح مرتعب وهي تحاول استيعاب ذلك الماثل أمامها طويلا مخيفا ..يديه في جيبي بنطاله يطالعها وابتسامة تستفزها تزين زاوية شفتيه .
انتفاضتها وذعرها وعيناها المتسعتان البراقتان اشعروه بالندم أن أفزعها ..وفي الوقت نفسه تملكته لذة مجهولة المصدر لرؤيتها على هذه الحالة.
حاولت بسمة استيعاب حقيقة وجوده وغمغمت بعد ثوان بلجلجة وحرج شديد "ظننت .. مفرح .. مفرح قال أنكما غادرتما مساء أمس"
لماذا يشعر بذلك الشعور الغريب .. الحلو .. حينما تنظر إليه وتوجه له الكلام؟!
حافظ على جديته وحرك كتفيه قائلا ببساطة "غادرت مساء أمس وعدت صباح اليوم.. ألديك مانع ؟!"
لم تفهم بسمة ماذا يحدث .. ولم تفهم لمَ عاد؟ .. هل اتفق مفرح معهما على ذلك ولم يخبرها؟!.. لم تفهم أي شيء .. كل ما كان يسيطر عليها ذلك الحرج الشديد من أنها اقتحمت مكانا فيه رجل غريب وليس أي رجل بل هذا المتعجرف .. فأسرعت نحو وشاحها تلتقطه من فوق المقعد وهي تقول هاربة "يبدو أني قد فهمت بالخطأ وظننت أن البيت خاليا "
خرجت من الدار مهرولة ووجهها تأكله نيران الحرج الشديد متمنية لو تنشق الأرض وتبتلعها ..فأسرع كامل خلفها يناديها قائلا "ياااااااا أستاذة .. لو سمحتِ"
في ساحة بيت الجد صالح استدارت إليه متسائلة وهي تلف الوشاح حول رأسها بارتباك خلفته الصدمة فرأت شبح تلك الابتسامة المستفزة يلوح على زاوية شفتيه قبل أن يسألها" أين من الممكن أن أجد شخصا ليغير لي مفتاح البيت والبوابة؟"
رمشت بسمة عدة مرات تسارعت بسببها ضربات قلبه ثم سألته " لـ ..لماذا ؟"
وضع يديه في جيبي بنطاله ورد بلهجة متسلية "حتى لا أتفاجأ مرة أخرى بمن يقتحم عليّ بيتي"
قال بيتي !!!
بيته !!!!!
بين الاستهجان والغضب وعدم الاستيعاب وتصور خبيث قفز إلى رأسها يخص والدها كانت بسمة تحاول التحلي بأقصى درجات ضبط النفس .. فيكفيها ذلك الموقف السخيف الذي كانت فيه منذ دقيقة أمام هذا الكائن المستفز ولم ترغب بالتسرع في الاستنتاج فسألته بعدم فهم " أي بيت؟!!!"
أخرج كامل يده من جيبه وأشار لبيت الجد صالح خلفه قائلا" هذا .. بيتي هذا .."
ارتفعت الدماء إلى رأسها بينما أضاف كامل بلهجة تمثيلية" آآآه ... فهمت الآن ... يبدو أن الحاج سليمان لم يخبرك بعد "
تسارعت أنفاسها وشرست ملامحها صارخة "يخبرني بماذا ؟؟؟؟؟"
تفاجأ كامل بعصبيتها فرد وهو يحاول استيعاب سبب توترها " أنني قد استأجرت هذا البيت من الحاج سليمان "
صاحت باندفاع وهي تشيح بيدها " ما هذا الكلام الفارغ الذي تهذي به !!"
أظلمت ملامحه ورد بانزعاج "أنا لا أهذي يا ..... أستاذة ولن اسمح لك بإلقاء المزيد من التهم في وجهي"
ردت بتحدي "وبقاءك هنا سيكون على جثتي "
اتسعت عينا كامل بعدم فهم بينما استدارت بسمة تخرج من البوابة مهرولة وأخذت تبحث حولها على توكتوك يمر بالصدفة من هذه المنطقة الخالية من البيوت تقريبا.
كانت أنفاسها تتسارع والغضب يعميها عن رؤية أي شيء .. فرفعت الهاتف على أذنها لتتصل بوالدها فلم يرد فأسرعت بالاتصال بمفرح .. وحينما لم يرد ألحت في الاتصال حتى أجابها الأخير بصوت أجش من أثر النوم "ماذا هناك يا بسمة؟"
صرخت فيه" أ كنت تعرف؟ ..أكنت تعرف يا مفرح ولم تخبرني؟؟؟؟"
عقد حاجبيه متفاجئا من انفعالها وسألها بعدم فهم "أعرف بماذا؟"
صرخت تهذي بانفعال وهي تهرول في الطريق الترابي "لماذا كل شيء يسير ضدي .. لماذا كلكم ضدي ..حتى أنت يا مفرح !!.. حتى أنت !!"
هدر فيها مفرح " اهدئي يا بسمة واخبريني عم تتحدثين ؟؟"
قالت له وهي تقاوم البكاء" هل كنت تعرف بأن أبي قد أجر بيت الجد صالح لصاحبيك القادمين من العاصمة؟"
لاح الذهول على وجه مفرح واعتدل جالسا بحركة حادة يقول "نعم .. ماذا قلتِ !!!"
××××
بجوار نافذة إحدى الغرف كانت نصرة جالسة تتطلع من بين قضبانها الحديدية وتتأمل الشارع .
إنها المرة الأولى التي يتأخر فيها حتى صباح اليوم التالي .. فأقصى تأخير له أن يأتي قبيل الفجر .. لكن أن يبيت خارج البيت حتى شروق الشمس فهذا لم يحدث من قبل .
لم تتواصل معه منذ أن خرج غاضبا أمس لكن اسراء حاولت الاتصال بهاتفه وكان يغلق الخط في وجهها ..
إذن على الأقل هو بخير .. حتى لو كان مع هؤلاء العابثين الهلاسين فهو بخير ..هكذا غمغمت لنفسها .. لكنها عادت لتوبخ نفسها .. "كوني حازمة معه يا نصرة هذه المرة .. فتساهلك معه وشفقتك عليه هي ما جعلته يتمادى في الكسل .. دوما هو يغلبك بأسلوبه الماكر متخذا حبك له نقطة ضعف ليضغط عليكِ بها .. لكن هذه المرة مختلفة .. فمستقبل اسراء على المحك فلا تسمحي له بتدميره"
في الشارع العمومي كان هلال يسير شاردا..
لا يزال حائرا بعد ليلة طويلة من التفكير اجتر فيها ذكريات حياته كلها .. كيف أحب نصرة في سن صغير .. وحينما خُيّر بين السفر مع جابر أو الزواج بها .. قرر الزواج منها حتى لا يزوجونها لغيره .. وحتى بعد الزواج .. لم يستطع الابتعاد عنها والسفر لجابر .. كانا دوما هو ونصرة مرتبطان ببعضهما بشكل قوي.. حتى أنهما حينما حاولا مجرد المحاولة لطرح فكرة السفر بينهما كانا يجهشان بالبكاء بشكل عجيب ..
ورغم هذا .. ورغم يقينه بأنه لم يكن في استطاعته أبدا أن يسافر حتى لا يبتعد عنها .. لا يزال يلوم نفسه على اضاعته فرصة السفر مع جابر وتكوين مبلغا من المال كان من الممكن أن ينتشلهم مما يعانون منه الآن..
انعطف يمينا يدخل الشارع الذي يقع على أوله بيت جابر دبور .. فتطلع في البيت الحديث ذي الطابقين ولتلك الأراضي والبيوت حوله التي اشتراها جابر بعد عودته .. وتذكر بيت الحاج اسماعيل دبور القديم الذي كان على مساحة أقل من ربع البيت الحالي .. ذلك البيت الذي جمع طفولته مع جابر .. فهو يكبر الأخير بعامين فقط ..
تغيرت صورة البيت أمامه ليراه في صورة البيت الصغير القديم .. ورأى نفسه .. ورأى جابر وبدير ومصطفى والكثير من صبية الحي القديم يلعبون بالـ(بليّ) أمام البيت بعدما هربوا ذات مرة من كُتّاب الشيخ زكريا .. وتذكر كيف كان الغفر يكتشفون هروب مصطفى من حراستهم ويلفوا البلد بحثا عنه .. فقد كان العمدة والده يرسله للكتاب ليحضر مع أبناء البلدة بدلا من أن يحضر الشيخ خصيصا له في بيت العمدة حتى لا يشب مصطفى مدللا وبمنأى عن أهل البلدة خاصة وأنه الابن الوحيد بين الكثير من البنات..
ابتسم هلال وهو يتذكر كيف كانوا يضعون الخطط لتهريب مصطفى من حراسة الغفر دوما ..
كانوا .. وكانوا .. وكانوا ..
وكانت الحياة حينها أبسط ..
والتعامل مع الرفقاء أسهل ..
والأمنيات كثيرة تتساقط ببذخ فوق وجوههم كقطرات المطر .
على ذكر المطر تغيرت الصورة أمامه .. فرأى نفسه في هذا الشارع بشكله القديم .. قبل حتى أن تُبنى بعض البيوت هنا .. حين كانت هنا على يساره ترعة قديمة تم ردمها فيما بعد ..
رأى نفسه يدور ويدور حول نفسه.. رافعا وجهه للسماء ليستقبل المطر المتساقط على وجهه بسعادة كبيرة فاتحا ذراعيه في الهواء وكأنه يفتح ذراعيه للحياة..
كان يدور وكل الصبية من حوله يشمرون جلابيبهم وبناطيلهم ويفعلون مثله ..
يا ليتها تعود تلك الحياة البسيطة قبل أن يفرقهم الواقع بحواجز الحساسيات الاجتماعية والمادية والطبقية .
عاد بيت جابر أمام عينيه إلى شكله الفخم الحديث ليوقظه من خيالات الماضي .. فأطرق برأسه وواصل سيره إلى داخل الشارع متسائلا ..
أعليه أن يقبل بتلك الوظيفة التي يعرضها عليه جابر وهو أكيد بأنه يعرضها عليه شفقة وصدقة ؟ ..
إن الأمر يشعره بالإهانة .. يشعره بأن الزمن قد أذله ليعمل في النهاية عند جابر .. إنه لأمر يشق على نفسه ..وأخلاق جابر الطيبة لا تعطيه فرصة لأن يكرهه .. وهو يحتاج لأن يكرهه .. يحتاج لأن يجد شماعة يعلق عليها فشله وإحباطه وشعوره بالغبطة تجاهه.
سحب نفسا عميقا ثم زفره بقنوط مستمرا في شروده..
إنه لا يفهم سوى في الآلات و ميّكنات الغزل والنسيج .. لم يتعلم حرفة في حياته .. ولم يرث أرضا من أجداده .. لقد قضى عمره يعمل في مصنع الغزل والنسيج .. وترقى من عامل على ميكنة حتى صار رئيسا للعمال .. وتحمل خسارات المصنع على مدى سنوات بعد وفاة صاحبه وإدارة الورثة له على أمل تحسن أحواله .. حتى انهار المصنع وأفلس وأعلن مالكوه اغلاقه وبيعه .. فبيع لأحد الأثرياء ليهدمه ويقيم مكانه بناية حديثة ضخمة سعر الشقة فيها بمبلغ مخيف لأمثاله .
حين وصل للبيت الذي يقع في آخر الشارع وكأنه يسده .. بيت الشيخ زكريا قديما تذكر كيف كان هذا البيت قبل ثلاثين سنة وقبل أن يجدده أبناء الشيخ .. ورآه رحمه الله يجلس أمام ساحة البيت وهو يمسك بعصاه ويتوعد بها بدير الذي كان يتغيب كثيرا عن حضور حصص الكُتّاب ولا يحفظ ما يطلب منه من القرآن ..
ترحم على الشيخ زكريا وانعطف يمينا إلى ذلك الشارع الضيق يتساءل في حيرة ماذا سيفعل في حياته .. أعليه أن يقبل بوظيفة موظف كاشير أو ساعي في مكتب ! .. إنهم لا يعينون في الوظائف الأرقى إلا ذوي الشهادات العليا وهو لا يحمل سوى شهادة متوسطة .. ولا يوجد مصنع أخر للنسيج في كل المحافظة .
لمحته نصرة آتيا .. فأسرعت بإغلاق النافذة وهي ترفع يدها إلى فمها تقبل ظاهرها وباطنها تشكر ربها على عودته سالما .. قبل أن تسحب الغطاء فوقها على تلك الأريكة القديمة في غرفة المعيشة وتحشر فيها جسدها الممتلئ وتتصنع النوم .
حينما سمعت صوت الباب احمرت وجنتيها تلقائيا وهي ترى من بين رموشها خياله من بعيد على باب الغرفة يتطلع فيها .. لقد قررت أن تعاقبه وألا تنام معه اليوم في نفس الغرفة ..
بلع هلال غصة حين رآها تنام على الأريكة .. فاقترب بهدوء شبه متأكد بأنها مستيقظة .. فهي لا تنام إلا بعد أن يعود .. ووضع بجوارها على منضدة قريبة منديلا قماشيا ملفوفا واستدار مغادرا .. نحو الغرفة التي هجرتها .
حاولت نصرة التماسك على الأقل حتى ينام .. لكنها فقدت صبرها بعد دقائق وقد سيطر عليها فضول تلك المراهقة التي تسكن بداخلها فاعتدلت بجسدها البدين تمد يديها البيضاوين نحو منديله وتلتقطه .
بضربات قلب متراقصة نظرت بداخل المنديل وغامت عيناها وهي تتطلع في بضع وحدات من فاكهة الجِمّيز* والتوت الأسود ..فاتسعت ابتسامتها بسعادة كالأطفال وغمغمت " من أين حصل عليهم في هذا الوقت المبكر من الصباح؟!.."
مسحت واحدة من الجِمّيز في جلبابها المنزلي ثم قضمت نصفها وهي تقول في سرها بحبور "إنها طازجة .. قطفت من الشجر منذ قليل"
حانت منها نظرة مختلسة نحو باب الغرفة ثم عادت تنظر في المنديل بسعادة شديدة وتهمس لنفسها بتبرم أنثوي خرج من وسط ابتسامة متسعة "كان من الممكن الاكتفاء بالجميز يا هلال .. فالتوت بَقّعَ المنديل .. كيف سأغسله أنا الآن !"
××××
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــ
**الجِمّيز : نوع من الفاكهة تشبه شكلا وطعما ثمرة التين لكنها اصغر حجما وأفتح لونا .. وفي بعض الدول تسمى ( التين البري ) .
رفع كامل الهاتف على أذنه ليأتيه صوت مفرح غريبا وهو يسأله بدون تحية" أين أنت؟"
تعجب كامل ورد وهو يرفع حاجبا مستغربا "صباح النور يا عم مفرح .. أنا في بيت الجد صالح ما رأيك في هذه المفاجأة ؟!"
قال مفرح بجدية " أبق مكانك أنا آت إليك "
عقد كامل حاجبيه ونظر للهاتف وقد تأكد بأن هناك أمرا يخص استئجاره للبيت لكنه لا يفهمه ..فوضع الهاتف في جيبه وخرج يحضر شاحن الهاتف من السيارة التي ركنها في الطريق الجانبي الصغير بجوار البيت..
بمجرد خروجه من البوابة رفع حاجبه مندهشا وهو يرى فتاة تقف على بعد عدة أمتار ترسم بمقدمة حذائها الأخضر فوق الأرض الترابية .. لكنه لم يتوقف بل تحرك للناحية المقابلة إلى حيث ركن السيارة.
في منتصف الطريق توقف واستدار ينظر إليها من بعيد مدققا .. ثم انقلب وجهه وجز على أسنانه وقد أدرك من تكون .. و تذكر ما قاله شامل بأنها خرساء فكظم غيظه واستدار يكمل طريقه يضغط على قبضتيه بجوار جسده بقوة .
طالعت ونس ظهره بإحباط وهو يبتعد ثم نظرت لما تحمله بين يديها بحزن شديد ..
لقد عكفت على صنعه يوم أمس بشكل متواصل .. وبالرغم من أن ألوانه لم تجف تماما لكنها أسرعت به إليه كهدية .. لكنه تجاهلها وذهب...
تحركت خطوتين تفكر في اللحاق به ثم أصابها التردد لربما هو لا يريد أن يتحدث معها .. فهي أكيدة من أنه رآها .. ترى هل صدم حين علم بأنها لا تسمع ولا تتكلم فقرر تجاهلها ؟!
نظرت لما تحمله في يديها وقوست فمها للأسفل بحزن قبل أن تلمحه عائدا من جديد فبقيت مكانها بالقرب من البوابة.
ضيق كامل عينيه حين وجدها لا تزال تقف بجوار البوابة وخمن بأنها ربما تظنه شامل .. لكنه قرر أن يتجاهلها وهم بدخول البوابة.. فرفعت له ونس رأسها تصدر همهمة من حنجرتها أقرب للزمجرة .
أغمض كامل عينيه يقاوم شعورا بالشفقة بداخله لا يريده أن يظهر .. لكن الشعور غلبه .. فسحب نفسا عميقا وألصق أسنانه الأمامية فوق بعضهم يكشف عنهم وهو يستدير إليها يرسم ابتسامة على شفتيه جعلته يبدو كـ شامل وقال بلطف مستحضرا طريقة توأمه بالضبط " صباح الخير لماذا تقفين هكذا ؟"
ناولته ونس ما في يدها .. فأمسك به كامل يتفحصه بين يديه بقرف بينما أسرعت هي بإخراج الدفتر من جيبها وأخذت تكتب فيه .
بحاجب مرفوع وملامح ممتعضة دقق كامل في ذلك الشيء الفخاري بين يديه وهو يرى مصباحا كمصباح علاء الدين في القصص .. مصنوعا من الفخار ومطليا بالألوان الزاهية من الأزرق والأخضر .. وبمجرد أن رفعت ونس وجهها إليه عاد يرسم تلك الابتسامة البلاستيكية على وجهه من جديد ثم مال بجذعه قليلا ليقرأ من الدفتر الذي أشهرته في وجهه " صنعته كهدية من أجلك حتى أشكرك لأنك انقذتني ذلك اليوم "
اعتدل كامل وغمغم بطريقة شامل اللطيفة "رائع .. رائع جدا .. اشكرك بشدة على هذه الهدية "
ضيقت ونس حاجبيها تدقق فيه وانتابها الخوف فجأة وهي تشعر به .. مختلفا .
نفس الملامح .. نفس الشكل .. نفس الصوت ..
لكنه ليس هو !
اقتربت أكثر ترفع رأسها نحو ذلك الرجل طويل القامة الوسيم الملامح تتفحص ملامحه متعجبة .. لماذا تشعر به مختلفا .. إنه ليس هو ..
استشعر كامل بأنها لربما تستغربه .. وهذا أمر لا يحدث للكثيرين فهو وشامل يتقنان القيام بدور الأخر وخداع الأخرين بسهولة فقال بلطف مزيف متراجعا خطوتين للخلف ليدخل البوابة" شكرا لك مرة أخرى على هذه الهدية الجميلة "
عقدت حاجبيها أكثر .. فاستدار ليدخل .. لكنه تذكر سيارته وخشي أن يترك الفتاة أمام البوابة فتخربها مثل المرتين السابقتين .. فعاد للاستدارة إليها يقول بذلك اللطف الذي سيفقأ مرارته إن استمر على هذا النحو لوقت أطول "تفضلي أنتِ أولا فلا يصح أن أغلق الباب في وجهك "
بذلك التوجس الذي سيطر عليها تحركت خطوتين للخلف تهم بالمغادرة .. ثم نظرت للمصباح بين يديه وعادت لترفع أنظارها نحوه تدقق فيه مجددا فرسم الابتسامة العريضة يغمغم في سره بغيظ " خلصينا بالله عليك .. أشعر أن وجهي سيتشقق من كثرة الابتسام "
اندفعت ونس تعود إليه ومدت يدها تخطف المصباح من بين يديه ثم أسرعت بالهرولة تشيعها نظراته الذاهلة ...
فتطلع كامل في يديه الفارغتين مندهشا وغمغم وهو يدخل البوابة ويغلقها خلفه "قلت له إنها هبلاء لم يصدقني !"
××××
صاحب مفرح ؟!!"
ببرود علق سليمان الوديدي عباءته المفتوحة فوق كتفيه ورد "كما سمعتِ"
صرخت بسمة مذهولة و الغضب يكاد أن يفجر رأسها "وكيف وقعت معه عقدا ؟؟ .. بأي صفة؟؟!"
قال سليمان ببساطة وهو يستدير نحوها "بصفتي والدك "
طالعته بعينين متسعتين وقالت بغير تصديق" وهل هناك صفة قانونية اسمها والد صاحبة الشأن ؟؟؟ .. هذا تزوير .. أنت وقعت بصفتك مالك البيت وهذا تزوير"
كظم سليمان غيظه وقال من بين أسنانه "افهمي يا غبية .. هذه فرصة جيدة لنا .. هما معجبان بالبيت .. ووافق كامل بك على السعر الذي حددته بل ودفع الثلاثة أشهر مقدما وأنا قمت بتوقيع العقد معه بدلا منك .. أين المشكلة ؟!!"
قالت بسمة باستنكار " هكذا دون أخذ رأيي أو أخباري!!! .. هل أنا قاصر لتتصرف فيما أملك بالنيابة عني !!"
زفر الحاج سليمان بملل وأولاها ظهره يتناول هاتفه ومفاتيحه من فوق المنضدة الصغيرة في صحن الدار يستعد للمغادرة فتطلعت بسمة في ظهره شاعرة بإهانة شديدة لتجاهله واستخفافه بها فصاحت " بل أنا أدنى مكانة من القاصر .. على الأقل هي يتم اخبارها من باب الإحاطة .. أما أنا ففي مستوى بهيمة من بهائم المزرعة عندك "
استدار الحاج سليمان واندفع نحوها يصيح غاضبا "ارحمينا من هذه العبارات المتفزلكة التي بتِ تتشدقين بها منذ أن عدتِ لاستكمال دراستك .. قلت أجرت البيت للرجل لأنه استثمار جيد "
بملامح مرتعبة مررت الحاجة فاطمة أنظارها بين ابنتها وزوجها بينما نزل وليد من الطابق العلوي مفزوعا من الصوت العالي وخلفه مهجة.. في الوقت الذي صرخت فيه بسمة " ومشروعي؟ .. وتلك الأدوات التي اشتريتها والفتيات اللاتي وعدتهن بأني سأوفر لهن فرصا للعمل معي ؟!"
غمغم وليد "ماذا حدث يا جماعة .. لماذا تصرخين بهذا الشكل يا بسمة .. صوتك بالتأكيد مسموعا في الشارع "
رد الحاج سليمان بقلة صبر" أختك تحاسبني لأني استثمرت لها أملاكها وأجّرت بيت الجد صالح لصاحب مفرح "
لاحت المفاجأة على وجه وليد بينما نظر والده لبسمة وأضاف "أنا لست موافقا على ذلك المشروع وأنت تعرفين هذا .. ألا ترغبين في استثمار أموالك ؟.. ها أنا قد استثمرتها لك بمبلغ كبير سأعطيك إياه لا تقلقي"
قالت صارخة بإصرار " أنا لا أريد هذا الاستثمار.. أريد أن انفذ مشروعي"
تدخل وليد بينهما يقول في محاولة لتهدئة الأمر "اهدئي يا بسمة أرجوك فصوتك عال وسننفضح في الشارع "
رفعت رأسها لوليد بتحدي تقول بلهجة متوعدة " أنتم لم تروا فضائح بعد .. الفضائح هي ما سأفعلها حينما أقرر أن أبيع البيت وأختفي من حياتكم ولن تعرفوا طريقي أبدا .. أنتم مصرين على دفعي لفعل ذلك"
ضربت فاطمة على صدرها قائلة" ما هذا الذي تقولينه يا بسمة !!"
بينما هجم عليها الحاج سليمان يهم بضربها قائلا من بين أسنانه " ماذا تقولين يا بنت الــــــــــــ.."
اسرع وليد بالوقوف أمامه بسرعة ومنعه من الوصول إليها وهو يقول مهدئا "اهدأ يا حاج اهدأ أرجوك ما هذا الصباح يا جماعة !.. اصعدي يا بسمة لغرفتك الآن لو سمحت "
ازداد شعورها بالإهانة فصاحت في وليد" أنا لست طفلة ستصرفني إلى غرفتي معاقبة يا أستاذ وليد !!"
جز الأخير على أسنانه وقال بغيظ " أنت تريدينها حريقا إذن يا بسمة "
انفجرت صارخة بهيستيريا " أنا لا أريد أي شيء .. أنا أريد أن تتركوني في حالي .. أن يتركني الجميع في حالي ... لا أريد إلا أن أنفذ مشروعي لم أطلب منكم شيئا غيره "
اعتصر الألم قلب مهجة والحاجة فاطمة التي أسرعت بالتدخل قائلة بمهادنة" نفذيه يا حبيبتي بعد أن تنتهي مدة العقد "
استدارت إليها بسمة تقول بتحدي وجنون الغضب يختلط بالدموع في عينيها الزرقاوين " أنا لن أؤخر مشروعي دقيقة واحدة "
أمسكت مهجة بذراع بسمة تقول بلهجة دبلوماسية "تعالي معي إلى الطابق العلوي يا بسمة"
ناظرتها الأخيرة بعينين متألمتين وغمغمت بكرامة مجروحة" هل ستساعدينهم في حبسي بغرفتي كالمجنونة أنت أيضا يا مهجة!!"
تألمت مهجة بشدة .. فأسرعت بالقول" لا تقولي هذا يا بنت خالي.. بل تعالي إلى شقتي لتهدئي قليلا فلا تبدين بخير أبداً "
تحرك الحاج سليمان نحو باب الدار يقول بقرف" أنا سأغادر فلست متفرغا لتلك التفاهات"
نظر وليد لبسمة التي تسمرت تطالع أثر والدها بعينين يتراقص فيهما الجنون فقال متصنعا الهدوء " أعتقد بأن ما قام به الحاج مناسبا لجميع الأطراف يا بسمة .. أنتِ سيكون لكن دخلا إضافيا .. وفي نفس الوقت لن تخرجي للعمل وتعرضين نفسك للقيل والقال"
رفعت إليه أنظارها تقول بلهجة مستنكرة "أي قيل وقال !! .. هل سأعمل راقصة !!.. أنا سأفتح مشروعا لتقطيع وتجهيز الخضر وتغليفها .. ما هو القيل والقال الذي سأتعرض له؟؟!!"
عاد للصياح في وجهها وقد نفذ صبره " أنت تعرفين أني أنا وأبي معترضان على فكرة عملك من أساسها "
تدخلت مهجة تقول " لماذا يا وليد ؟.. ما به عملها؟؟"
استدار يقول لزوجته بغيظ " لأن لها وضعا خاصا ولو ألقى أحدهم عليها السلام صدفة سيتحدث عنها الناس وينسجون خيالاتهم المريضة "
ردت مهجة بغضب " أنت قلتها (خيالات مريضة ) أي أن عقولهم مريضة .. أنا أرى أنكم تضخمون الأمر"
صاح وليد فيها " اصمتي أنت يا مهجة أنت لا تعرفين شيئا"
امتقع وجهها بينما قالت بسمة صارخة "أجل اصمتي يا مهجة.. فهم وحدهم من يعرفون .. لأنهم رجال أما نحن فنساء لا نعي شيئا"
قال وليد بلهجة تحذيرية" بسمة .. أرجوك اهدئي أنت تتصرفين برعونة"
صاحت بسمة ترفع أنظارها وسبابتها إليه بتحدي " لن أهدأ ..ولن اسكت على ما حدث حتى لو اضطررت للذهاب لهذا الرجل بنفسي وطرده من بيتي "
ربتت فاطمة على ذراعها تقول " اهدئي يا بسمة .. ستمرضين بهذه الطريقة "
حالة بسمة الهستيرية أشعرت وليد بالشفقة عليها رغم عدم استساغته لموضوع المشروع .. ونظرة مهجة المحبطة له جعلته يجز على أسنانه بغضب فقال وهو يتحرك ناحية الباب " دعيني اتحدث مع الحاج في الموضوع ونرى إن كان هناك حلا"
قالها وخرج يلحق بوالده بينما وقفت بسمة تحضن نفسها وتحدق في الأرض وذلك الجنون لا يزال يسيطر على زرقة عينيها .. تفكر كيف ستتخلص من هذه المصيبة التي حلت فوق رأسها .
××××
إنه هو ..
لا أبدا ليس هو ..
نفس الشكل .. ونفس الوسامة .. لكنه بدا لها منذ قليل شخصا آخر ..
فما تشعر به نحوه يختلف عما شعرت به من قبل ..
أكان شعورها لحظيا وتغير ؟..
نظرت للمصباح الفخاري في يديها بإحباط ثم رفعت انظارها نحو الطريق أمامها .. فلمحت والدها يقف أمام الدار مع شخصا ما.
قال العم عيد بلهجة تحذيرية" قلت لك لن أبيع داري فلا تفتح هذا الأمر مجددا "
بلهجة باردة قال الرجل "لماذا يا عم عيد .. أنا أعرض عليك مبلغا كبيرا أكثر مما يستحقه بيتا ( وتطلع للبيت على يمينه بنظرة ساخرة وقال ) أكثر ما يستحقه بيتا قديما مثل هذا البيت "
رد العم عيد بانفعال" ومادام هو بيت قديم صغير لماذا ستدفع هذا المبلغ فيه؟!!"
وضع الرجل يديه في جيبي جلبابه ورد" قلت لك موقعه على الطريق سيسهل لي تخزين بضاعتي "
ضيق عيد عينيه وسأله "أي نوع من البضاعة هذه ؟.. ولماذا في قريتنا وأنت من قرية أخرى؟!!! "
رد الرجل بثقة" لي تجارة يا عمي في كل القرى"
سأله عيد بمكر "تجارة مع بدير؟؟!!"
صاح الرجل منفعلا "ما شأنك أنت إن كانت مع بدير أو غيره !"
بصلابة قال عيد" وأنا ليس عندي ما أبيعه لك "
قال الرجل محاولا اقناعه" إذن أجِّره لي وانتقل بمبلغ الايجار لمكان أوسع"
رد عيد بإصرار "قلت لا لن أترك بيت أبي وأجدادي إلا إلى قبري "
مرت ونس بجوارهما تحمد ربها أن والدها منشغلا مع هذا الرجل واسرعت بالدخول للبيت ..فخطف الرجل نظرة لونس ثم قال لعيد بلهجة تهديد مبطنة "سأترك لك وقتا إضافيا لتفكر يا عم عيد.. وانصحك بالقبول ..فالدنيا لم تعد أمانا مثل السابق .. ووجود هذا البيت وحده على الطريق عند مدخل القرية قد يعرضكم للخطر (وأضاف وهو يضغط على حروف كلماته) وأنت لديك فتاة"
لهجته لم تكن مريحة جعلت ريق عيد يجف فجأة لكنه هدر في الرجل بعصبية " اذهب من هنا بالحسنى هيا "
تطلع الرجل في عينيه لبضع ثوان قبل أن يعدل من ياقة جلبابه ويتحرك ببرود مبتعدا .. بينما ظل عيد لدقائق يفكر في هذه المصيبة التي حلت على رأسه ..
هل قصد الرجل أنهم قد يؤذون ونس ؟؟
لا .. لا يمكن أن يكون الأمر بهذه الخطورة أبدا .
تحرك يدخل البيت مهموما وخاطرة ما ضربت برأسه كمطرقة ثقيلة .
إن كان تخمينه صحيحا وبدير هو من خلف هذا الرجل .. فالأمر لن يكون سهلا .
لمح ابنته تقف شاردة تتطلع في ذلك الشيء الذي عكفت على صنعه من الفخار منذ البارحة وبقيت تراقبه طوال الوقت حتى جف ثم أخذت تلونه .. ورغم أنه معتادا على تلك النوبات التي تصيبها كل فترة بالانشغال بتشكيل شيئا ما بالفخار أو رسم لوحة على الورق أو الرسم على جدران غرفتها أو نحت أشكال من صفحات الجرائد بعد بلها بالماء .. لكنه يشعر بأن حالتها هذه المرة مختلفة و لا يعرف كيف .. هو فقط مجرد شعور ..
يعترف بأن لها تصرفات غريبة أحيانا لا يفهمها .. ليست غرابة مؤذية لكنها غير نمطية .. ابنته ليست على نمط باقي البنات وهذا يحزنه .. لأنه لا يعرف كيف سيتقبلها الناس من بعد موته .. كيف ستعيش؟ .. مع من؟ .. ومن سيقبلها بعيوبها قبل مميزاتها؟ .. إن الناس لا تقبل الغريب وغير المألوف بسهولة ..
هذا إن قبلته ..
وهذه الزيارة الصباحية زادت من همه ومن خوفه عليها .
أعليه أن يترك بيت والده حتى يحميها !.
سؤال صعب الإجابة عليه .
سألها ببعض الخشونة "ونس أين كنت كل هذا الوقت؟؟!"
رفعت إليه عينين بنيتين شاردتين وهزت كتفيها تدعي البراءة وهي تشير لكيس يحتوي على طعام الإفطار .
لا يزال وقع كلام ذلك الرجل يشعره بالقلق .. فانقض عليها يمسك بذراعها قائلا " ولماذا لم تخبريني قبل خروجك.. ولمَ تأخرتِ؟.. ولمَ أخذتِ ذلك الشيء الذي صنعتيه معك؟"
صرخت ونس متألمة من أصابعه التي تضغط على ذراعها بقوة.. لكن عيد كان قد وصل لذروة انفعاله وخوفه عليها فقال هادرا وهو يهزها "متى ستتعقلين وتتصرفين تصرفات مسئولة؟ .. متى ستسمعين كلامي ولا تخرجي دون أن تخبريني "
خلصت ونس يدها من ذراعه وأخرجت دفترها تكتب " أنا أخبرتك بأني سأذهب لإحضار طعام الافطار هل نسيت؟"
تذكر لحظتها بأنها بالفعل قد أخبرته فقال منفعلا وهو يشيح بيده "هيا اذهبي واعدي لنا الافطار هيا"
تطلعت فيه بعبوس وغضب وهي لا تفهم سببا لعصبيته .. ثم تحركت نحو المطبخ الصغير تجز على أسنانها و تقول في سرها وهي ترفع كمها لترى موضع أصابعه على ذراعها" ماذا أصابه اليوم ؟.. لماذا هو عصبي بهذا الشكل !"
شعر عيد بالذنب تجاهها وبأنه كان قاسيا معها فلحق بها في المطبخ ليراضيها بطريقته الغير مباشرة فغمغم بعبوس "دعيني أنا أعد الافطار اليوم .. سأريك كيف يُعد الفول يا خائبة"
بوجه مقلوب افسحت له ونس الطريق ليقترب من الموقد القديم وهي لا تزال تدلك ذراعها فقال "ستأكلين اليوم طبقا من الفول لم تأكليه في حياتك من قبل و…."
تجمد عيد ينظر للمنضدة بجوار الموقد فأسرعت ونس تنظر لما ينظر إليه وشهقت متسعة العينان في رعب ..
فهناك على المنضدة كانت قد وضعت دفترها وفوقه هاتفها .
قبل أن تندفع لالتقاط الهاتف كانت يد عيد الأسرع إليه .. فأمسك به يتفحصه بذهول.
قد يكون لا يفهم في تلك الهواتف الحديثة ذات الشاشات الكبيرة والتي يعرف بأنها تعمل باللمس ..لكنه يفهم بأن هذا الهاتف يبدو غالي الثمن .. وحتى لو كان رخيصا فمن أين حصلت عليه؟!
رفع إليها عينين خطرتين وهو يعتصر الهاتف في يده وسألها من بين أسنانه " من أين حصلت على هذا؟"
بلعت ونس ريقها بصعوبة وشعرت بالخوف فحركت أنظارها يمينا نحو باب المطبخ تفكر في الهرب بسرعة والاحتماء بغرفتها .. لكن عيد كان الأسرع بالانقضاض عليها حينما قبض على شعرها بعنف .. فمالت برأسها أمامه على الرغم من أنها أطول منه ليعيد سؤاله هادرا "من أين حصلت على هذا الهاتف الذي يبدو غاليا يا بنت عيد ؟!!"
همهمت من بين بكائها تصدر أصواتا من حنجرتها غير مفهومة .. فصاح عيد وهو يضغط على رأسها لتميل بجذعها أكثر أمامه " انطقي من ؟"
بلهجة باكية صرخت في وجهه تنطق بصعوبة شديدة "مييييييكا"
ضيق عينيه وسمح لها لتستقيم واقفة مغمغما بعدم استيعاب" تقصدين مليكة؟ ..مليكة صوالحة؟؟؟!"
أومأت برأسها متمنية أن تتخلص من يده التي لا تزال تقبض على شعرها وتؤلمها لكن غضبه قد ازداد فشدد من قبضته على شعرها يقول مغلولا " ولماذا قبلتيه منها يا بنت الـ*** ... ألم أنهك عن قبول أي شيء من أحد !!.. ألن تكفي عن عادة قبول الهدايا من الأخرين .. ألم أفهمك بأننا لا نملك ما نرد به هذه الهدايا .. متى ستتعلمين أن يكون لك كرامة وكبرياء !"
انفجرت ونس في البكاء متألمة .. فدفعها يحاول ابعادها عنه وعما يفور في رأسه من غضب شديد قد يدفعه لأذيتها .. فارتطمت بالباب قبل أن تفر هاربة إلى غرفتها وتغلق عليها بابها ..
افترشت ونس الأرض تبكي وقد أدركت .. بأن أيام البهجة قد انتهت .. وستعود بلا هاتف .. بلا انترنت .. بلا أفلام وحكايات وخيال .. ستعود للعالم الرمادي الكالح .
××××
قالت مهجة تحاول تهدئتها وهي تراها تتحرك جيئة وذهابا في صحن البيت بعصبية وغضب" اهدئي يا بسمة أرجوك أنت تلهثين بطريقة مقلقة ووجهك يبدو منتفخا .. اهدئي وأنا أكيدة بأن مفرح سيحلها ألم تخبريه ؟"
استدارت إليها بسمة وقالت وهي ترفع وشاحها من فوق كتفيها إلى رأسها وتغادر "وأنا لن أنتظر مفرح أو غيره ليحل لي مشكلتي .. إلى متى سأظل أنتظر رجلا لأتخفى خلفه!!"
نظرت مهجة لحماتها الحاجة فاطمة التي صاحت في ابنتها وهي تلحق بها عند باب البيت" إلى أين يا بسمة .. بالله عليك لا تزيدي الأمر تعقيدا .. بسمة.. بسمة "
أمسكت الحاجة فاطمة بقلبها فأسرعت مهجة إليها لتهدئها قائلة" تعالي يا خالتي .. سأتصل بمفرح وأخبره ليلحق بها "
غمغمت حماتها بعينين باكيتين" أجل اتصلي بمفرح ولا تخبري أخوها أو أبوها فلا تنقصنا المشاكل"
قالتها ونكست رأسها تغطي عينيها بطرف وشاحها وتبكي " اجعل العواقب سليمة يا رب "
××××
قال وليد للحاج سليمان معاتبا" لماذا يا أبي أجرت له البيت .. أنت تعلم بأنها باتت عصبية وقد يصدر عنها ما حدث قبل ثلاث سنوات فوق السطح وتفكر في أذية نفسها "
قال الحاج سليمان بقرف" إنها غبية ولا تفهم أين مصلحتها .. لقد استثمرت لها البيت لمدة ثلاثة أشهر بمبلغ لم تكن تحلم به .. ولربما أعجبهما الوضع وطلبا تجديد العقد.. أي أنها ستقبض مبلغا شهريا ليس بالهين دون أي عناء وبدون أن ترهق نفسها بمشاريع .. وبالطبع سترحمنا من القيل والقال الذي قد يطالها بسبب ذلك المشروع .. كما أنها فرصة جيدة لربط هذين الثريين بنا وتقديم كافة وسائل الراحة لهما ليستمرا في التعامل معنا "
قال وليد متفهما " أنا مثلك لست موافقا على هذا المشروع يا أبي لكني أخشى من انفلات أعصابها كالمرة الماضية أخشى من الضغط عليها .. أنت رأيت بنفسك كم كانت منفعلة .. وكيف ترفض مبدأ التأجير"
أشاح سليمان بيده قائلا " ما حدث قد حدث وتم تأجير البيت "
ركن مفرح سيارته بجوار مزرعة الوديدي للمواشي وترجل يسأل أحد العمال ليتأكد من أن الحاج سليمان بالداخل قبل أن يدخل المزرعة بخطوات عصبية ..
لقد فضل المرور على خاله أولا ليتأكد منه وجها لوجه صحة ما قالته بسمة قبل أن يحرج نفسه أمام صاحبه الذي تعامل معه رغما عنه على الهاتف منذ قليل بطريقة سخيفة.
حين لمح خاله وابنه يقفان أمام بعضهما أسرع إليهما يسأل " ما هذا الذي سمعته يا خال ؟"
قال الحاج سليمان بامتعاض" قل صباح الخير أولا يا ابن أختي .. ما الذي حدث؟ .. هل أسرعت الست هانم بإخبارك ؟؟"
سأله مفرح سؤالا مباشرا "هل أجرت بيت الجد صالح لصاحبي يا حاج سليمان ؟"
رد سليمان بغيظ" وأين المشكلة؟.. لقد أبديا اعجابهما بالبيت وطلب كامل بك مساعدته في العثور على مكان ليبيتا فيه كلما حضر لمباشرة أعمال الذبح والتقطيع التي سنوردها للمطعم في الفترة الأولى من التعاقد ..فعرضت عليهما البيت مرحبا .. لكنه أصر على مكان ليؤجره حتى يشعر بالراحة.. فعرضت عليه البيت للإيجار .. فيم أخطأت أنا ؟.. أفهمني! .. هذا بدلا من أن تشعر الست بسمة بالامتنان لما فعلت؟!!"
مشط مفرح شعره الأسود بأصابعه للخلف عدة مرات بعصبية مشيحا بوجهه عنهما يحاول التحكم في أعصابه ثم عاد إلى خاله يقول بلهجة مستنكرة " وقّعت العقد بصفتك المالك ؟؟.. وبدون أن تخبر بسمة أو تخبرني يا خال وأنت تعرف بصلتهم بي؟ .. لقد وضعتني في موقف محرج لأنني لا اتوقع أن بسمة سترضخ لهذا .. فأنا أعلم مدى تمسكها بهذا المشروع"
قال وليد غاضبا "المشروع الذي تساندها فيه يا ابن عمتي "
حرك مفرح مقلتيه نحوه قائلا بتقريع "لأعوض عدم مساندتك لها فيه يا ابن خالي"
امتقع وجه وليد بينما عاد مفرح ينظر لخاله ويقول بغيظ " الحقيقة لا أعرف كيف أحل هذا الموقف المحرج .. ولماذا وُضِعت فيه من أساسه أمام صاحبي"
هتف الحاج سليمان منفعلا " ليس هناك أي حرج إن شاء الله .. و أنا كفيل بمنع بسمة من الاقتراب من البيت حتى لو اضطررت لحبسها "
رفع وليد حاجبيه باستنكار ورفض بينما رد مفرح وهو يعود خطوتين للخلف ويهم بالمغادرة" وأنا أفضل الحرج أمام صاحبي على أن تتعرض لها بأي أذى يا خالي .. سأتحدث معه ليلغي العقد "
قالها واستدار يوليهما ظهره مبتعدا يضع النظارة الشمسية فوق عينيه .. فجحظت عينا الحاج سليمان وقال لوليد بارتباك "سيكون الأمر محرجا لي بشدة أمام كامل إذا أخبره مفرح أني قد أجرت البيت وهو ليس ملكا لي .. كما أنني شعرت بأنه وتوأمه يبالغون في الاهتمام بالتفاصيل ولا أريد أن أترك لديهما انطباعا بأننا لسنا محلا للثقة "
رد وليد بهدوء مفكرا " لكنك في المقابل عليك بإقناع بسمة يا أبي فالعنف والقمع لن ينفع معها "
ضيق سليمان عينيه وسأله بشك " هل تعتقد بأنها قد تنفذ تهديدها ببيع البيت بدون علمي والاختفاء "
هرش وليد في رأسه وغمغم بحيرة" لا أعرف .. الحقيقة أنها قد تغيرت كثيرا منذ طلاقها ولم أعد أعرف فيم تفكر .. لكني بعد ذلك اليوم الذي كادت فيه أن تقتل نفسها بت أتوقع منها تصرفات متهورة إذا ما تعرضت لضغط نفسي ..وأنت رأيت حالتها منذ قليل"
صمت الحاج سليمان يحاول البحث عن مخرج سلمي من الوضع المتـأزم دون خسارة عميل ثري كصاحب مفرح ودون احراج نفسه أمامه .. قبل أن تتهور بسمة بأي تصرف غير مدروس .
××××
وقف التوكتوك أمام بوابة بيت الجد صالح فترجلت بسمة بسرعة والغضب يسري كالحمم في دمائها ..
تُصارع الاحباط في أجلّ صوره..
الصدمة الكبرى ..بعد أن عشمت نفسها بذلك المشروع الذي سيشعرها بأنها قادرة على انتاج شيء مفيد .
فتحت البوابة بالمفتاح ثم عبرت الساحة بخطوات عصبية واقتربت من باب البيت تطرق عليه بخشونة.. فتحرك كامل ليفتح الباب وقد اعتقدها مفرح .. لكنه فوجئ بها من جديد تقف على بعد متر من باب البيت.. فامتن لذلك الحظ الجميل الذي مكنه من أن يرى حسنها البهي مرتين خلال هذا الوقت القصير ..
خرج إليها في ساحة البيت ووقف أمامها واضعا يديه في جيبي بنطاله صامتا متسائلا يكاد يلتهم وجهها بعينيه .. فبادرته بسمة ترفع رأسها إليه وتقول" اسمع يا أستاذ .. هذا البيت ملكي أنا .. والحقيقة أنني لا أرغب في تأجيره .. واعتذر عن أي سوء فهم حدث.. فقد تصرف والدي بدون علمي"
تفاجأ كامل بمعلومة أن البيت ملكها .. لكنها مفاجأة حلوة جعلته لا يعير اهتماما لما قالته بعد ذلك ورد بلهجة ساخرة" تشرفنا يا حضرة صاحبة البيت .. وما هو المطلوب مني؟"
تقبضت إلي جانبي جسدها وردت بعصبية لم تستطع التحكم فيها" قلت أنا أرفض تأجير البيت ونحن نعتذر لك بشدة وتستطيع أن تكلم مفرح حتى يجد لك بيتا أخر "
طالعها من علو بتلك النظرة الغامضة التي تستفزها وقال بهدوء مناكفا" لكني أريد هذا البيت "
ناظرته بتحدٍ تقول بثبات "وهو ليس معروضا للإيجار "
حرك كتفيه قائلا ببساطة وهو يراها شهية بتلك البحة التي ينقلب إليها صوتها عند العصبية" أنا بالفعل معي عقد إيجاره "
"بِلّه واشرب مائه لقد اخبرتك وانتهى الأمر"
قالتها مستفزة من تلك الابتسامة المتراقصة على زاوية شفتيه واستدارت مغادرة بخطوات عصبية .. ابتسامة استقبلتها كاستخفاف بها فنكأت بدون قصد شعورا عاما بالإهانة تعيشه في تلك الساعة قد يكون هو ليس طرفا فيه ..
استمر كامل في مشاكستها راغبا في إبقائها لوقت أطول فقال وهو يتحرك ببطء خلفها "حسنا يبدو أنني سألجأ للشرطة"
تجمدت مكانها ثم استدارت إليه لتتفاجأ به خلفها فرفعت إليه أنظارها تسأله باستهجان "ماذا تقصد؟!"
بنفس وقفته يديه في جيبي بنطاله حرك كتفيه وقال ببرود" أقصد بأنني سأقدم بلاغا للشرطة وأرفق به صورة من العقد الذي وقّع عليه والدك بصفته المالك وأنه يريد أن يطردني "
كررت باستنكار " قلت لك البيت ملكي أنا .. وأنا لم أوقع على أية عقود معك"
مال قليلا للأمام يحدق في عينيها المبهرتين ويقول مستمرا في المناكفة " لكن والدك وقّع وهذا تزوير .. يا …. استاذة"
رفعت ذقنها إليه تقول بكبرياء مصححة "باشمهندسة"
طاوعها يهز رأسه قائلا " يا باشمهندسة .. أتريدين إخباري بأن الحاج سليمان مزور!"
انعقد لسانها .. ووقفت تتطلع فيه بغيظ ممزوج بشعور غريب بالرغبة في .. ضربه في صدره العريض هذا الذي يتباهى به فاتحا أزرار قميصه بأكثر مما ينبغي معلقا في رقبته خيطا أسودا سميكا تختفي نهايته تحت قميصه ..
ولم تدري بأن تلك الثواني من الصمت الغريب بينهما سمحت له بالتجول بنظراته في وجهها ..
وبأن قلبه قد بدأ بالقفز في صدره وعيناه أخذتا تغازلان طابع الحسن في ذقنها..
وبأن ذلك الشعور بدفء جسدها يصله رغم تلك الأمتار القليلة التي تفصل بينهما.
هل انتبهت لأنه يحدثها بلهجة بلده؟ ..
وهل انتبه هو بأنه فعل ؟..
فهو يحرص هو وتوأمه على استخدام لهجة البلد المحلية هنا في البلدة حتى يفهمهما أهلها البسطاء .
في الخارج ركن مفرح سيارته وترجل منها مسرعا يسب ويلعن في سره بعد أن اتصلت به مهجة تخبره بخروج بسمة ..
لا يعرف أي موقف حرج قد وضعه فيه خاله لكنه مصر أن يحسمه فورا فصاح فور دخوله للبوابة "بسمة !"
لم تلتفت إليه.. ولم يتغير وضعها عن التحديق في ذلك الكائن المستفز أمامها الذي أسرع بإنزال نظراته أرضا بمجرد دخول مفرح بل هتفت في وجه كامل بجنون "من تظن نفسك يا هذا؟!!"
اظلمت ملامح كامل وعقد حاجبيه بعبوس بينما اقترب مفرح يقول بلهجة موبخة "بسمة ماذا تفعلين؟"
لم تحيد نظراتها عن كامل .. بل ظلت تحدق فيه بإصرار تحاول إيجاد رداً مناسباً وكأنه هو سبب ما تعانيه لحظتها فقالت صارخة" أهو غصب !! .. قلت لا أرغب في تأجير البيت!!"
تدخل مفرح بسرعة يفرد ذراعه بينهما موليا ظهره لكامل وكأنه يفض اشتباكا وقال بلهجة موبخة " لم يكن هناك داع لمجيئك .. اذهبي يا ابنة خالي وأنا سأتصرف"
لولا ذلك الألم الذي استشعره كامل في عينيها وهو ينظر لها من فوق كتف مفرح لشعر بالمتعة من استفزازها لكن الأمر يبدو معها جديا .
هدر مفرح في تلك التي لا تزال تحدق في كامل من فوق كتفه " بسمة (وأمسك بذراعها يقودها نحو الخارج قائلا بحزم) قلت سأحل أنا الأمر فلا يصح وقوفك هكذا"
تفاجأت بسمة بطريقة مفرح العصبية معها وبأصابعه التي تمسك بذراعها ببعض الخشونة تقودها بغضب للخارج بينما شعر كامل بالضيق وبشعور آخر لا يدري كنهه مستهجنا خشونة مفرح معها ومستاءً من يده التي تقبض على ذراعها.
على بوابة البيت وقفت بسمة تنظر لمفرح نظرة لوم أوجعت قلبه لكنه حافظ على وجهه الحازم حتى لا تتمادى في جموحها وتؤذي نفسها .. فالناس لن ترحمها إن تصرفت بجرأة .. وهي في حالة من الجنون تجعلها تتناسى أن الوضع في قرية صغيرة يختلف تماما عن حياة المدن .
سألته بلهجة ساخرة مُرّة "هل ستلقي بي في الشارع يا ابن عمتي؟.. أم ستتركني أراقب الوضع من خلف قضبان هذه البوابة وأنت تتحدث معه في أمر يخصني؟!"
بحزم وبصمت غاضب قادها مفرح نحو سيارته وفتح باب المقعد الخلفي وادخلها ثم قال" ابق هنا فالموضوع بسيط بإذن الله (ورفع سبابته محذرا ) ولا أريد منك تهورا فيكفيني خالي وما يفعله بي "
بمجرد أن استدار تفاجأ بكامل يقف على بوابة البيت خلفه فاقترب منه يقول بلهجة عتاب" لماذا لم تخبرني يا كامل؟"
حاول كامل أن يحافظ على نظراته بعيدا عن تلك التي تُخرِج رأسها من نافذة سيارة مفرح على يساره ورد بجدية وقد أدرك بأن هذا العقد قد سبب مشكلة كبيرة وليس مجرد أن والدها أجر البيت بدون علمها وأجاب"الموضوع أتى بالصدفة ونحن نوقع عقد التوريد لمنتجات اللحوم .. وكنت أنوي إخبارك أمس في المزرعة أتذكر حين قلت لك لدي خبرين وأخبرتك عن واحد ثم قاطعنا ذلك الغفير واضطررت لتركنا .. وها أنا جئت اليوم لأخبرك بنفسي لكني لا أفهم ماذا يحدث؟"
قال مفرح وهو يحك جبينه بأنامله" لو كنت أعلم بأنك ترغب في بيت لك في البلدة كنت وفرت لك واحدا دون أن تلجأ لأمر الإيجار يا صاحبي"
قال كامل بجدية "أنا أصريت على أن أؤجر مكانا يخصني أنا وشامل كلما جئنا لمباشرة أعمال الذبح وتقطيع اللحوم في الفترة الأولى لأننا اتفقنا على مواصفات معينة وأردنا متابعتها بأنفسنا في أول الأمر فأردت أن نشعر بالراحة وبأننا لسنا ثقيلان على أحد ولآتي وقتما أحب دون حرج .. وقد عرض الحاج سليمان تأجير البيت لنا فوافقت ووقعت العقد"
بحرج شديد غمغم مفرح مضطرا للكذب "الموضوع فيه سوء فهم فخالي كان يعتقد أن بسمة سترحب بتأجير البيت لكنها ترفض ذلك"
حانت منه نظرة مختلسة نحوها سحبها بسرعة وقال "إن كان مبلغ الإيجار لا يناسب فسأ .."
قاطعه مفرح قائلا بإصرار "الأمر ليس كذلك يا كامل .. فهلا صرفت نظر عن هذا البيت بالذات من أجل خاطري "
قال كامل بإحباط مستسلما "بالطبع يا صديقي لك ما تريد "
شعر مفرح بالراحة وربت على كتف كامل مغمغما " لا تؤاخذنا يا كيمو على ما حدث"
انتبها لسيارة توقفت خلفهما وترجل منها الحاج سليمان يلملم في عباءته قائلا بعد أن حدج بسمة التي تخرج رأسها من سيارة مفرح بنظرة متوعدة" السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"
رد كلاهما السلام بينما مد كامل يده يسلم على يد الحاج سليمان الممدودة فقال مفرح "إن كامل قد قرر…"
قاطعه الحاج سليمان قائلا " الأمر بسيط جدا وقد حدث فيه سوء فهم يا جماعة .. لكني كنت أرتب لكل شيء منذ البداية .. "
امتقع وجه مفرح واتسعت عيناه بغيظ بينما أكمل الحاج سليمان بلهجة استعراضية "الباشمهندسة بسمة ابنتي تنوي إقامة مشروعا يخصها هنا في بيت الجد صالح لكنها لا تحتاج للبيت .. تحتاج للمخزن فقط .. ففكرت بما أني والدها والذي يراعي شئونها ..أن أقيم سورا يقسم ساحة البيت الكبيرة هذه إلى نصفين حتى تتمكن هي من إقامة مشروعها بالمخزن بينما يظل البيت بمنأى عن أيدي العاملات اللاتي سيترددن على المكان وذلك للحفاظ على البيت .. وها هو كامل بك قد أعجب بالبيت وأصر على دفع إيجارا نظير سكنه فيه .. ولولا أنه أصر واقسم عليّ لما كنت قبلت أي نقود .. (واتسعت ابتسامته مضيفا ) فنحن في النهاية شركاء عمل وهو ضيف مفرح ابن أختي "
غمغم كامل يختلس النظرات لمفرح وقد عاد ليتشبث بالأمل من جديد.. أمل لا يدري بماذا.. وإلى أين سيأخذه" أنا لا أريد أن أسبب حرج من أي نوع"
رد الحاج سليمان بثقة استفزت مفرح وبسمة " إطلاقاً فنحن لا نستخدم البيت من الأساس "
قال كامل شاعرا بالسعادة رغم ملامحه الجادة" لا بأس .. وأنا لا احتاج لساحة البيت الكبيرة في شيء فإن كان التقسيم سيكون حلا مريحا لجميع الأطراف فلا بأس"
ظل مفرح ينظر لخاله بوجه ممتقع معقود اللسان .. لا يعرف بما يرد بينما اتسعت ابتسامة الحاج سليمان برضا بعد أن استطاع هو ووليد التوصل إلى هذا الحل الدبلوماسي حتى لا يخسر ثقة شريك ثري مثل كامل نخلة فغمغم بسعادة " الحاجة أم وليد صنعت بعض الفطير (المشلتت) خصيصا حينما علمت بوجودك يا كامل باشا .. (ونظر خلف الأخير يسأله بفضول) أين توأمك ألم يأتي معك ؟"
أما مفرح فقد استدار وتحرك نحو السيارة ينظر بضيق لبسمة التي بداخلها تسند رأسها بين كفيها ومال يقول عبر النافذة مواسيا "رُب ضارة نافعة يا بسمة .. على الأقل اعترف بمشروعك "
لم ترفع رأسها بل تمتمت بهمس في محاولة منها للتماسك "اللهم لا اعتراض .. اللهم لا اعتراض"
××××
إن الأمر يخرج عن سيطرته وعليه التصرف وتغيير الخطة بسرعة .. فحين لجأ للشرطة كان يعلم جيدا بأن مدة صبره على دين زهير ستبرر موقفه أمام الناس .. وكان إدخال الشرطة في الأمر هو خطته الجديدة بعد أن فشلت خطته في الضغط على زهير للتخلي عن قطعة الأرض التي ورثها عن أجداده ..صحيح هي قطعة أرض صغيرة جدا لكنها تجاور أرضه الزراعية في مدخل القرية .. وتقع هي وبيت عيد القللي على الطريق المؤدي للمخازن التي يخفي فيها ما يريد اخفائه ..وهو منذ فترة يحاول الحصول على أرض زهير وبيت عيد لتأمين الطريق لصفقاته والتي يخطط لأن يتوسع فيها.. ولهذا كبّل زهير بالديون وفوائدها لعله يرضى ببيع الأرض لكن الأخير كان عنيدا بشأنها.. فلم يجد بدا من تهديده بالحبس لعله يرضخ للبيع مقابل التنازل عن البلاغ ضده ..
وبالرغم من توقعه لتدخل مصطفى الزيني كالعادة في مثل هذه المواقف وحسب حسابه جيدا .. وقرر مسبقا ماذا سيفعل بشأنه.. لكن ما حدث لابن زهير أفسد مخططاته وحرك مشاعر الجميع ضده تعاطفا مع الولد الصغير ..
لذا عليه تعديل الخطة قليلا والتحلي بالمرونة لسرقة المشهد مرة أخرى من زهير وكسب تعاطف الناس .. فلا بأس من خسارة جولة .. هكذا علمته حياته الطويلة .. فجولات أخرى كثيرة قادمة وإن لم يستفد من الموقف فعلى الأقل لا يخسر..
لا يخسر أموالا أو أشخاصا
قاده الغفير إلى مجلس العمدة فدخل بدير عليه مهللا "السلام على عمدة بلدتنا حكيم زمانه الذي لولا حكمته في إدارة الأمور فيها لضاعت قريتنا"
حدجه العمدة بنظرات حادة ثم قال وهو يشير له بيده الممسكة بالسبحة " اجلس يا بدير وكف عن هذا الهراء أنت لم تحترم لا عمدة ولا قرية حين فعلت فعلتك بالذهاب للشرطة"
جلس بدير على أحد الأرائك يقول بمحاباة "ما عاش ولا كان من يتخطاك يا عمدتنا .. الأمر وما فيه أني أعرف بأنه مُفلس ولا يملك ما يرد به الدين وكنت أريد معاقبته حتى يكف عن استغلال قلبي الرقيق وطلب المزيد من المال (وأضاف بمكر ) ولم أكن أرغب في أن يتدخل أحد لسداد الدين عنه والظهور بمظهر الزهد والورع ومساعدة الناس"
اعتدل العمدة في جلسته في المقعد الوثير الذي يتوسط المجلس وقد نجح بدير في استدراجه لما يخطط له فسأله متوجسا "من تقصد؟"
أجاب الأخير سعيدا بالتعبير الذي يراه على وجه العمدة أمامه" أنت تعرفه جيدا يا عمدتنا .. من يحاول أن يظهر بمظهر قاضي مصالح الناس لشحنهم بعد ذلك حينما توافق الجهات المعنية على أن يكون مفرح الزيني هو العمدة القادم لتغرق قريتنا الهادئة المسالمة في الفتنة"
ضيق العمدة عينيه وقال بانفعال " تقصد مصطفى الزيني؟"
بهدوء رد بدير " وهل هناك غيره !.. بصراحة أردت أن ابتعد عن تدخل الأخير في الأمر وجمع تبرعات لسداد الدين بل والتبرع بسداد جزء منه من ماله الخاص .. ( وأكمل بلهجة تمثيلية وهو يضع كفه على صدره ) ففضّلت سجن زهير وخسارة أموالي في مقابل ألا يظهر مصطفى الزيني بمظهر البطل المغوار حَلّال العُقَد أمام الناس "
جز العمدة على أسنانه ولم يعقب .. بل أخذ يهز ساقه بغضب بينما أكمل الأخر " ومع هذا تدخل أبا حمزة ووصل الأمر لتهديدي "
عقد العمدة حاجبيه قائلا باستنكار "تهديدك؟!!!"
أسبل بدير أهدابه يقول " أجل تهديدي بأن اتنازل عن البلاغ ضد زهير وأن نجلس لجدولة ديوني .. وبأنه سيدفع لي جزء منها من ماله الخاص .. وبالطبع سيظهر أمام أعين الناس حكيم القرية وحامي مستضعفيها"
اكفهر وجه العمدة .. فلاح شبه ابتسامة ماكرة على زاوية فم بدير وأضاف يضغط على مخارج حروف كل كلمة " ومع هذا أنا آت الآن لأخبرك يا عمدتنا بأني سأتنازل عن البلاغ .. ولن أقبل بالعوض من أطراف خارجية .. إما أن يدفع لي زهير من ماله الخاص أو ( وتنهد بطريقة تمثيلية أمام عينين العمدة الناظرتان إليه بشرود ) سأفوض أمري إلى الله وسأقبل خسارة أموالي في مقابل أن أثبت اخلاصي لعائلة عبد الرحيم الزينيوأولاده "
سُمِع طرق على باب المجلس ودخل بعدها عويس .. فأذن له العمدة بالدخول ليسرع مقتربا ثم يميل على أذن العمدة يهمس بشيء جعل عيني الأخير تتسعان قبل أن يهتف في شيخ الغفر "هل أنت متأكد من هذا الكلام؟؟"
قال عويس بثقة "متأكد جدا يا جناب العمدة جئت من هناك حالا "
لاح الفضول على وجه بدير فأدار إليه العمدة وجهه يقول" لقد هرب زهير من الحجز"
اتسعت عينا بدير بينما أضاف العمدة "هناك من سرب له معلومة خاطئة إلى داخل الحبس بأن ابنه قد غرق في الترعة ومات "
مط بدير شفتيه في صمت .. فنظر العمدة لشيخ الغفر قائلا" ضع مراقبة حول داره بالتأكيد سيذهب إلى هناك"
قال عويس بثقة "لا اعتقد بأنه سيفعلها جنابك"
سأله العمدة بلهجة ساخرة" لماذا يا فقيه عصرك!"
حرك عويس أنظاره بين الرجلين في تردد من الحديث ثم قال "لقد أصيب بطلق ناري أثناء هروبه "
سأله العمدة بعبوس" هل مات؟"
أجاب عويس " لا نعرف جنابك ..فقد هرب ولم تستطع الشرطة العثور عليه حتى الآن"
ضرب العمدة كفيه ببعضهما مغمغما بأسف " لا حول ولا قوة إلا بالله "
أما بدير فتنهد قائلا بسخرية مبطنة "هييييه دنيا !.. لو صبر فيها القاتل على المقتول لمات وحده !"
××××
عند الظهيرة
دخل مفرح لساحة بيت العمدة بعد أن ترك كامل لينال قسطا من النوم وبعدها سيلتقيان عصرا قبل أن يعود الأخير للعاصمة مساء اليوم أو صباح الغد ..
كان يتمنى أن يتنازل كامل عن العقد وينتهي الأمر لكن تدخل خاله أمام صاحبه وضعه هو وبسمة في حرج .. بسمة التي يشعر بالشفقة عليها ويشعر بأنه مكبل بأشياء كثيرة تعوقه لمساعدتها كما يجب .. لو كانت أخته لفعل من أجلها الكثير حتى تقف صلبة على قدميها ..
ترجل من السيارة يفكر في مليكة .. فلم يطمئن عليها حينما استيقظ ولا يعرف إن كانت قد عادت من سرايا الصوالحة أم لا .. وهل ذهب ولداه للمدرسة أم لم يذهبا .. تحسس جيوبه يبحث عن هاتفه واستدار ينظر في السيارة قبل أن يقترب منه أحد الغفر قائلا "مفرح باشا "
بمزاج عكر قال مفرح دون أن يستدير إليه "خيرا .. ماذا تريد من الزفت ؟.. أي مصيبة أخرى حدثت هات ما عندك "
حين لم يرد الغفير استدار إليه مفرح متسائلا.. فتكلم الأول وهو يشير على أحد أركان الساحة قائلا "ينتظرك منذ ما يقرب من ساعتين "
تطلع مفرح خلف الرجل فوجد العم عيد يستقيم واقفا من على أحد درجات السلم الصغير المؤدي لتلك الشرفة العالية التي لها مدخلا منفصلا من ساحة البيت ووقف ينفض جلبابه وهو يتطلع فيه من بعيد..
عقد مفرح حاجبيه وسأل الغفير "ولماذا تركته يجلس بهذا الشكل ألا يوجد لدينا غرفا للانتظار ؟!"
قال الغفير "حاولنا معه كثيرا سعادتك .. لكنه رفض رفضا تاما وأصر على انتظارك في هذا المكان .. وتعرف كيف هو عنيد "
تركه مفرح وتقدم من العم عيد يقول ببعض اللطف "لماذا تنتظر هنا يا عم عيد ألا تريدنا أن نضايفك "
سلم عليه عيد مغمغما بالشكر ثم قال وهو يخرج من جيب جلبابه هاتفا محمولا "هذا يخص السيدة حرمكم"
امسك مفرح بالهاتف بين يديه بدهشة وغمغم قائلا "لا أفهم "
بلع عيد ريقه وقال بهدوء" السيدة حرمك بارك الله فيها أهدته لونس ابنتي لكني أمنعها من قبول أي هدايا لذا اعيده لها فاشكرها جزيل الشكر "
قال مفرح بجدية " مادامت هدية فلماذا ترفضها يا عم عيد ؟!"
تكلم عيد بترجي " سامحني يا باشمهندس وابلغ الست هانم اعتذاري الشديد "
لم يلح عليه مفرح فهو يعرف كيف أنه رجل عنيد وشديد الحساسية لكرامته فغمغم مستسلما "كما تريد يا عم عيد .. تعال لنشرب الشاي"
قال عيد باعتذار مؤدب" لا تؤاخذني يا باشمهندس فقد تأخرت على ونس وأنت تعرفها .. قد تدور لتبحث عني في البلدة كلها إن شعرت بأني تأخرت عليها (وتحرك مغادرا يقول) السلام عليكم "
شيعه مفرح بنظراته وهو يرد السلام قبل أن يفحص الهاتف الذي في يده ثم تذكر هاتفه فعاد إلى السيارة ليبحث عنه ..
بعد دقائق دخل البيت يلقي السلام على والدته التي بادرته بالقول " خرجت بدون إفطار يا حبيبي "
رد مفرح بلهجة متهكمة "البركة في خالي العزيز "
سألته بفضول" ماذا فعل سليمان ؟"
غمغم مفرح بابتسامة صفراء وهو يصعد السلم"كل خير .. وهل يأتي من طرف خالي العزيز إلا كل خير !.. (ونظر لأعلى يسأل ) هل عادت مليكة لم أتواصل معها منذ الصباح؟ "
غمغمت أمه بلطف ظاهري" عادت يا حبيبي في الصباح الباكر ليرتدي الولدين ملابس المدرسة ويبدو أنها نائمة الآن "
قال مفرح وهو يكمل صعوده" من الجيد أنها نائمة دعوها ترتاح اليوم يامّة "
سألته أمه بسرعة " ألن تفطر؟"
رد مفرح وهو يواصل الصعود " أكلت مع كامل صديقي .. لقد أعد خالي وليمة إفطار وارسلها له في بيت الجد صالح .. سلمت يداك يا غالية .. سأطمئن على مليكة وأنزل لأرى العمدة "
قالها واختفى من أمامها صاعدا للطابق الأعلى بينما تغيرت ملامح نحمده ولاح الغيظ على وجهها مغمغمة "دع السنيورة تنام .. فلتنام فوقها حائط لا تقم بعدها بنت الصوالحة "
بعد دقيقة دخل مفرح غرفة نومه فوجدها على ذلك المقعد بجوار النافذة وحولها تلك العرائس التي تصنعها من الخيوط وتحشوها .. فخمن بأنها لم تنم جيدا .. ليس فقط بسبب ذلك الارهاق البادي على وجهها ولكن لأنها غالبا ما تلجأ لصنع هذه العرائس حينما يصيبها الأرق .
اهدته ابتسامة رقيقة كرقة منامتها ذات الماركة الشهيرة التي لا يتذكر اسمها .. والمصنوعة من الحرير بلون وردي باهت تلتف حول جذعها وتنتهي بلوزتها بإطار من الدانتيل من نفس اللون لا يغطي من خصرها الرشيق إلا القليل وبنطال من نفس القماش واللون يظهر جمال قدها بما يأجج نيرانه وعذاباته..
ألقى السلام .. فردته برقه وهي تترك مقعدها وتقترب منه ليشدها مفرح إلى أحضانه قائلا براحة كبيرة وهو يحضنها " أخيرا استطعت أن أخذك إلى حضني مليكتي"
غمغمت بهمس" أعرف بأني أرعبتكم كلكم .. سامحوني"
أبعدها قليلا وألصق جبينه بجبينها ينظر في عينيها ثم قال هامسا وأصابعه تتجول في شعرها" الملكة تفعل ما تريد وليس لنا حتى حق الاعتراض "
من هذه المسافة القريبة جدا تأملت عينيه .. واحتيها الخضراوين اللتين تتآمران مع عطر رجولته وقوة ودفء ذراعيه لسحبها لعالم بعيد .. بعيد جدا عن كل تفاصيل الواقع .. لكنه ذلك الشيء اللعين بداخلها الذي يحثها على المقاومة وعدم الاستسلام لهم .. مقاومة دعوات للسلام النفسي ..
للعيش في النعيم ..
للراحة فوق صدره ونسيان كل شيء.
غمغمت بسخرية مُرة "ليتني أستحق بالفعل لقب الملكة التي تلقبني به "
قال لها مؤكدا بحرارة " بل أنت كذلك يا مليكتي .. (ورفع حاجبا يقول بملامح عابسة) ولكن هناك أمرا لم يعجبني يا ست مليكة .. ألم يكفيك أن اخوتك يوزعون عليك الأحضان وأنا أقف متحرجا لا استطيع أن اخطفك منهم ...لتجلسي على حجر الحاج أمامي بكل جرأة يا ست هانم !"
اتسعت ابتسامتها فتفاجأت به يسحبها من معصمها ويرجع للخلف حيث المقعد القريب من الباب فيجلس عليه ويقول وهو يشدها إليه" لا جلوس إلا على حجر مفرح.."
جلست على حجره ولفت ذراعها حول عنقه تنظر في عينيه ..فرفع أنظاره يتأمل وجهها من بين خصلات شعرها المنسدلة على جانبي وجهها.. ثم مد يده يرفع جانبا من شعرها إلى خلف أذنها وهو يقول بكبرياء صبياني معترفا " أجل أنا أغار عليك حتى من والدك "
بابتسامة مالت عليه فدفن وجهه في حضنها يشدد من ذراعيه الملتفين حول خصرها ويحاول مقاومة تلك الرغبة التي تفور في شرايينه .. حتى لا يثقل عليها .. برغباته التي لا تعرف طريقا للشبع .. منها .
بعد دقيقة قالت مليكة " هاتفك يرن يا مفرح "
غمغم بصوت مكتوم في حضنها" حاضر"
أضافت موضحة" هذه النغمة التي تخصصها لوالدك العمدة "
غمغم وهو يشدد من ذراعيه حولها "حاضر.. حاضر"
شعرت بالشفقة عليه فصمتت ولم تعقب بينما ظل مفرح بضع دقائق حتى استجمع قواه ورفع رأسه.
فقالت مليكة "مفرح ..أريد أن اشارك في مصاريف علاج الولد ابن زهير .. سمعت من أكرم أن ساقه تضررت بشدة وسيحتاج لأكثر من عملية جراحية "
قال مفرح مطمئنا "لا تقلقي أنا ومصطفى وأولاد الصوالحة والكثير من أهل البلد سنساعد في تكاليف علاجه "
قالت بإصرار "أنا أيضا أريد أن أساهم معكم من مالي الخاص"
قال مفرح مستسلما "لا بأس اعدي المبلغ وسأعطيه لمصطفى فهو يكلف أحد ابنائه بجمع التبرعات "
بإلحاح رن الهاتف مرة أخرى فاستقامت مليكة تترك حجره وتأخذ معها الدفء ..
بعد أن أنهى المكالمة قال وهو يقف ويعدل ملابسه أمام المرآة استعدادا للخروج" رائعة تلك العرائس .. ذكريني ما اسم هذا الفن ؟"
غمغمت بابتسامة" أميجرومي"
سألها بلهجة ساخرة" من!!!"
تحكمت في ابتسامة وكررت برقة من بين شفتيها الجميلتين "أميجرومي"
همس بحرارة مغازلا "يالحلاوة ذلك الــ أميجرومي من فم بنت البشوات "
اشتعال وجنتيها كان يماثله اشتعال أكثر احتراقا بملايين المرات في كل ذرة فيه لكن صوت جرس الباب المصاحب لصوت طرقات منغمة على الايقاع جعلت مفرح يقول بامتعاض "حضر زوجيّ النسانيس"
وتحرك نحو باب الغرفة لكنه توقف بعد خطوتين يقول" آه نسيت (وبحث في جيوب سترته العصرية وقال وهو يخرج هاتف ونس) العم عيد مر منذ قليل واعطاني هذا .. يبدو أنه غير مستسيغ لفكرة اهدائك هاتفا لابنته"
نظرت مليكة بحزن وهي تتناول الهاتف منه فقال مفرح موضحا" الرجل كما تعرفين لديه حساسية شديدة تجاه تلك الأمور "
استمر الطرق الإيقاعي على الباب فغمغمت مليكة باندهاش " لماذا لم يفتح أدهم بالمفتاح"
بابتسامة شقية قال مفرح" أنا أغلقته بالقفل من الداخل (واستدار متجها نحو الخارج يصيح بلهجة موبخة ) حاضر ما هذه الجلبة!!.."
عند باب الغرفة استدار قائلا بلهجة جادة "بالمناسبة .. اتصلي ببسمة فاليوم لم يكن يوما لطيفا معها "
غمغمت مليكة بعبوس " بسمة ؟.. ما بها بسمة ! "
×××××
"أنا تعبت أقسم بربي تعبت "
قالتها بسمة صارخة.. فانقض عليها الحاج سليمان يمسك بذراعها بقوة صائحا "أنا الذي تعبت منك ومن بلاياكِ .. البنات أقل منك جمالا ويشرفون آبائهم ويرفعن رؤوسهم بين الناس.. أما أنتِ فأصبحت تتفننين في احراجي بينهم "
على الرغم من شعورها بالخوف من أن يؤذيها.. حافظت بسمة على وجه بارد وهي تطالعه .. إلا من لمحة سريعة خانتها نحو مهجة التي تقف فوق السلم تتابع المشهد بأعصاب مشدودة والتي أسرعت بالصعود لأعلى حينما شعرت بحرج ابنة خالها منها..
لكن بسمة لم تكن تشعر بالحرج فقط.. بل بالخزي والإهانة أيضا .. من أن يقال لها هذا الكلام أمام من تصغرها بإحدى عشرة سنة.. فبلعت طعما مُرّا في حلقها وتحملت بنظرات متحدية ضغطة أصابع والدها التي تقبض على ذراعها بينما تدخل وليد بينهما يبعد والده بهدوء قائلا "صلي على النبي يا حاج "
ترك الحاج سليمان ذراعها ونفض طرفي عباءته المعلقة على كتفيه بقنوط مغمغما "عليه أفضل الصلاة والسلام (ثم رفع سبابته في وجهها قائلا بلهجة تحذيرية ) اسمعي .. أنا سأتركك لتنفذي هذا المشروع الزفت .. لكن بشرط .. أن تسرعي في اختيار أحد المتقدمين لك للزواج .. وأولهم الحاج بدير.. إن الرجل مستعد لأي شيء ولأي طلبات وشروط .. لا أفهم كيف لا تنتهزين فرصة كهذه لتعيشي فوق الرؤوس ؟!!"
هتفت بسمة وجرح كرامتها ينزف " وهل الزواج هو وحده ما سيرفعني فوق الرؤوس ! .. أنا لا أرغب في الزواج مرة أخرى "
عاد الحاج للانقضاض عليها فوقف وليد أمامه لكن يده كانت قد قبضت على ذراعها مرة أخرى من خلف ظهر ابنه يقول "ماذا تحسبين نفسك يا بنت سليمان؟ .. زمن السفيرة عزيزة ولى وانتهى منذ ثلاث سنوات حينما أصريتِ على الطلاق وفضحتينا .. أجل الزواج هو ما سيرفع من شأنك هنا في البلدة .. كل مكان وله مقاييسه يا بنت المدارس .. وهنا لا شهاداتك ولا عملك ولا زفت .. بل أنت زوجة مَن وأم مَن .. فلتحمدي ربك أنك جميلة وإلا من كان سيرغب بالزواج من امرأة لا تنجب "
قال وليد يحاول أن يوقفه مشفقا عليها" أبي يكفي هذا يا أبي "
أكمل سليمان بإصرار "دعني اذكرها بما تحاول أن تتناساه متوقعة بأنها تفعل شيئا عظيما بتلك الكتب التي تدرسها وذلك المشروع التافه الذي تتمسك به ..أذكرها بأنها ليس لها أي قيمة بدون زوج "
تدخلت الحاجة فاطمة متخلية عن ذلك الجبن الذي ينتابها دوما حينما يرفع زوجها صوته وقالت بترجي "يكفي يا حاج بالله عليك"
قالت بسمة بسخرية مُرة" دعيه يا أمي .. دعيه يعبر أكثر عن قيمتي عنده .. دعيه يعلن بأني مجرد بهيمة لديه في المزرعة إن لم تستطع الانجاب يباع لحمها "
اشتعل غضب الحاج سليمان أكثر ..بينما أدار وليد وجهه لها يصيح فيها "بسمة .. اسكتي يا بسمة"
رفعت أنظارها نحو وليد بدموع متحجِّرة ترفض السماح لها بالتحرر واستمرت في لهجتها الساخرة تقول " ما شاء الله.. كَبرت أنت وأصبحت أطول مني وتصيح في وجهي لتأمرني بأن أسكت !"
كظم وليد غيظه وتحرك مع والده ليخرجه من البيت متحاشيا تصعيدا آخر للموقف وهو يتلمس ذلك التمرد على كل شيء في عيني بسمة فقال "تعال يا حاج حتى لا يرتفع ضغطك تعال "
وقفت بسمة تحدق في الأرض تحاول التماسك حتى لا تبكي.. فلن تمنحهم متعة رؤيتها مكسورة أبدا ..
فدلكت أمها ذراعها موضع أصابع والدها ولم تجد ما تقوله لها .. فمن ناحية تتمناها زوجة في بيت يخصها.. ومن ناحية أخرى تعترف بأن كلام زوجها كان قاسيا .. فلم تجد فاطمة إلا أن تميل وتقبل ذراع ابنتها مغمغمة بقلة حيلة" كلنا نريد لك الاستقرار يا بسمة"
رفعت إليها بسمة عينين زرقاوين جليديتين .. فأسرعت أمها تقول مستشعرة معاناة فلذة كبدها "لا بأس ..لا بأس .. كما تريدين (وانهمرت دموعها وهي تقترب من ذراعها وتقبله قائلة ) حقك عليّ أنا حبيبتي .. رزقك الله السعادة بأي شكل تريدينه "
دموع والدتها رققت قلبها فمالت بسمة وطبعت قبلة على رأس أمها مغمغمة بشفقة " بل أنتِ التي حقك عليّ .. سامحيني "
قالتها واستدارت نحو السلم ..تضغط قبضتيها بقوة إلى جانبي جسدها ..وصعدت تحمل فوق رأسها كرامتها المجروحة وتجر أذيال الخيبة والمهانة متمتمة في سرها "اللهم إني لا اسألك رد القضاء ولكني اسألك اللطف فيه "
