رواية في مدينة الاسكندرية الفصل السابع 7 بقلم صابرين
7- ذكريات كالنيران
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
صلي على من قال أمتي أمتي 
صعد على الدرج بخطوات سريعة تملؤها اللهفة يرتدي ملابسه الرسمية الخاصة بكلية الشرطة ولم يبقى إلا القليل حتى يتخرج وأخيرًا ثم يخطب الفتاة التي يتمناها بشكل رسمي وليس فقط حديث بين الأهلين فقد نفذ صبره وهو ينتظر أن ينهي كليته من أجل هذا اليوم
ترك حقيبته بجانب الباب وطرق بيد والأخرى على الجرس من شدة حماسه وما هي إلا ثواني حتى استمع إلى صوت شقيقته الصغيرة البالغة من العمر سبعةَ عشرَ عامًا تصرخ أنها قادمة
فُتح الباب وأطلت هي من خلفه فوضع يده خلف رأسها دافعًا إياها ناحية صدره، ضاغطًا على رأسها بعنف في حركة أعتاد مشاكستها بها، علت ضحكاته وهو يستمع إلى صرخاتها المكتومة وهي تحاول دفعه ليأتي يوسف على أصواتهم هذه من غرفته التي يعتكف بها بسبب دراسته
وإذ بالابتسامة ترتسم على وجهه ثم تحولت إلى ضحكة يبصر أخيه وتوأمه يقف على الباب يناغش شقيقتهم كالعادة، اتجه له بسرعة وعانقه فهو لم يعد يراه بسبب كلية الشرطة هذه التي تسرق منه كل وقته
أفلت يونس رقية وضم أخيه له مبتسمًا بشدة :
-عامل ايه الدكتور بتاعتنا اللي هتخرج قبله
ضحك الآخر ساحبًا إياه معه للداخل فقال يونس وهو يضرب رقية على رأسها :
-هاتي الشنطة يا بنت
لم تفعل بل أغلقت الباب بعنف صارخة به :
-مع نفسك يا بابا شغل الخادمات اللي كنت بتعاملني به ده خلص انا ثانوية عامة وامتحاناتي على أبواب
جلس يونس على الاريكة يخلع عنه سترته بسبب الحرارة الشديدة وهو يقول بنبرة ساخرة :
-ده على أساس اني البنت علمي علوم ده انتي عار على العيلة يا بت كلهم علمي علوم ودكاترة وانتي وحمزة العار اللي تحت ده دخلتوا أدبي
وقفت الأخرى أمام باب غرفتها واضعة يدها في خصرها من ثم هتفت بوعيد :
-ماشى يا يونس الأدبي دي هتدخل صحافة وإعلام ولما اشتغل هبدأ على كشف الظباط الفاسدين وانت هتكون أولهم وهحبسك وهتشوف
سارعت بسرعة إلى الداخل بسرعة شديدة قبل أن يصطدم حذائه بها والآخر قبل أن يليقه نظر إلى يوسف هاتفًا بتوجس :
-ولاه يا يوسف امك مش هنا صح؟؟
قهقه الآخر بشدة وهو ينفي برأسه بينما رقية أخرجت رأسها من الباب تقول بصوت مرتفع :
-ايوه حضرت الظابط اللي بيخاف منه أمه يا اخي انت عار على مصر اتفوخس عليك أمير كرارة برقبتك
أما يونس ما إن علم أن والدته ليست بالمنزل حتى ألقى بالحذاء ناحيتها وهو مطمئن أنها لن تخرج من إحدى الأماكن بطريقة غير متوقعة صارخة به أن هذه ليست سوى أفعال أطفال وأنها سئمت منهم ومن جنونهم
والأخرى أبعدت رأسها بسرعة إلى الداخل ثم أغلقت الباب متقية شر يونس، وهنالك يوسف غرق في الضحك على تصرفاتهم الصبيانية هذه :
-كفاية والله جنبي وجعني من الضحك
اتكأ يونس على الاريكة بأريحية زافرًا بإرتياح تزامنًا مع قوله :
-يآه بجد فاضل أيام واتخرج وارتاح من الهم ده
-ده على أساس اني بعد التخرج مش هيبقى فيه هم أكبر منه
-بس هيبقى فيه واحدة هتهون عليا الهم ده
هتف بها وارتسمت ابتسامة على وجهه وعلى النقيض انقلب وجه يوسف بشدة والآخر لم يلاحظ هذا بل أكمل وعقله يرسم له خيالات واسعة :
-بفكر يوم الخطوبة يبقى يوم تخرجي علشان مش هستنى، ايه رأيك تنزل معايا نشتري لبس جديد من دلوقتي وناخد حمزة معانا ذوقه حلو في الهدوم الواد ده
نظر ناحيته في إنتظار إجابته لكن وجده ينظر في الأرض بملامح واجمة فقال متعجبًا :
-فيه ايه يا يوسف مالك؟!
نفى الآخر برأسه مردفًا بتلعثم :
-مفيش لأ.... مفيش... تحب ننزل لحمزة تلاقيه فاضي أو
أتت رقية وملامحها متوترة بعدما سمعتهم فعلم أن هناك خطب ما لذا هتف بتوجس مغيرًا الحوار حتى يكشف الأمر بطريقة ذكية :
-رقية ينفع تديني تليفونك اتصل على عايدة تليفوني فاصل شحن
-ما هو يعني
-ما هو ايه مجابتش تليفون من لما تليفونها وقع في المياه من أسبوع؟؟
نفت له الأخرى صامتة فقال يونس بجدية :
-انتي بتكدبي علفكرة فيه ايه؟ انا بقالي أسبوع مش عارفة اتصل عليها بسبب الإشارة الضعيفة في سكن الكلية وكل ما كان يبقى فيه شبكة بيديني مغلق ولما اتصلت عليكي تطمنيني عليها بحكم صحوبيتك معاها قولتيلي تليفونها وقع في المياه ومش بيشتغل
-انساها يا يونس
هتف بها أخيه بهدوء شديد فقال الآخر رافعًا إحدى حاجبيه ولم يفهم المعنى من هذه الجملة :
-معلش قولت ايه؟ هي ايه دي اللي انساها!؟
-انسى عايدة مش نصيبك
قرع قلب الآخر بخوف ولم يأتي في باله ولو بنسبة واحد بالمئة أن حبيبته قد تركته :
-عايدة حصلها حاجة يا يوسف؟؟
ابتسمت رقية بسمة حزينة مرددة بينها وبين نفسها :
-خايف عليها والكلبة باعته
نظر ناحيتها يونس ولم يسمع ما قالته لكنه سمع منها همهمات فقال بغضب :
-فيه ايه انتوا الأتنين عايدة فيها ايه!؟
نظرت رقية ناحية يوسف والذي وقف أمام أخيه واضعًا يديه على كتفيه حتى يحتويه مراعيًا أن ما سيقوله سيكون مؤلمًا بالنسبة للآخر فكم هو مؤلم شعور الخزلان وكسر الخاطر خاصةً من شخص كان في الاعتقاد حبيب :
-عايدة مش نصيبك راحت لغيرك انساها وفكر في غيرها الدنيا مش هتوقف عليها
-راحت لغيري ازاي؟؟
هتف بها مصدومًا فقالت رقية بغضب مكتوم مقهورة على أخيها :
-اتخطبت يا يونس
صاح الآخر بغضب شديد لا يصدق هذا الهراء :
-هو انتوا بتهزروا انا متقدم ليها تقولوا اتخطبت لغيري، دي اشتغالة منكم ومنها علشان أغير، عملتيها فيا انتي وهي يا رقية قبل كده بس دي وسعت منكم أوي
ألتمعت عيني الأخرى حزنًا على أخيها تراه يدور في المنزل كأسد حبيس فقالت :
-اتخطبت من أسبوع وآخر مرة كلمتها كانت من ٨ أيام اتصلت عليا وقالت قولي ليونس ملناش نصيب في بعض مزودتش ولا كلمة وقفلت في وشي ومهما اتصل تليفونها مقفول
أكمل يوسف خلفها وقد ضاق على حال شقيقه أمامه :
-مرضناش نقولك علشان متتقهرش هناك بس خلاص يا يونس انت كنت مشتريها وهي اللي باعت، كويس انك لسه على شط الأمان ولا هي خطيبتك ولا هي مراتك
استدار يونس بشكل مفاجئ ناحية رقية ثم قال :
-هاتي تليفونك
-ليه؟؟
-هاتي تــلـيــفـونــك
انتفضت الأخرى وهرولت لغرفتها تأتي بهاتفها وما إن أعطته له حتى دلف الآخر مباشرةً إلى إحدى مواقع التواصل الاجتماعي يسمى "انستغرام" ومنه إلى حساب عايدة الشخصي ليجدها ناشرة الكثير من المنشورات في هذا الأسبوع أهمها
"جماعة انا خلاص غيرت من عازبة لمرتبطة"
ارتسمت على فمه ابتسامة ساخرة متألمة يراها ملتقطة العديد من الصور رفقة شاب يكبره بعدة سنوات تقريبًا، لم يعلم من هو لكن عندما قرأ اسمه علمه فورًا هو أكبر أبناء تاجر الذهب المدعو سعيد غانم
تلك العايدة هل ذهبت له من أجل أنه أكثر ثراءً منه فقط؟؟
وصل إشعار سريع ولتوها قد نشرت صورة أخرى برفقة ذلك الأحمق في أحد المقاهي المشهورة في الإسكندرية فقال بصوت هادئ ظهرت به بحة مخيفة :
-انا عارف الكافيه دي
ألقى بالهاتف ناحية رقية واتجه إلى حذاءه يرتديه بينما يوسف ورقية حدقوا في الصورة ولم يكادا يستوعبا شيئًا إلا ووجدا يونس يركض ناحية الخارج
انتفض يوسف يسحب شيئًا يرتديه سريعًا حتى يلحق به بينما الآخر هبط إلى شقة عمه طارقًا الباب بشيئًا من القوة ففتح حمزة الباب فِزعًا من هذا الطرق وسرعان ما استبشرت ملامحه عندما أبصر يونس وعلمه بالطبع من هذه الملابس الرسمية فقال بترحاب :
-حمد الله على السلامة يا يـ
قاطعه الآخر بصوت جاد مخيف انبأه أن هناك كارثة قد حدثت :
-عربيتكم تحت صح؟؟
-ايوه ليه؟
معلش عايز المفاتيح هاروح مشوار سريع وآجي
-فيه ايه يونس!؟
تساءل بها حمزة وقد شعر بالقلق عليه فصاح الآخر بنفاذ صبر :
-هتجيب يا حمزة ولا اروح آخد تاكسي
دلف الآخر بسرعة حتى يحضر المفاتيح تزامنًا مع هبوط يوسف على الدرج ممسكًا بعضد أخيه قائلًا :
-متستاهلش والله إنك تشوفها، اللي زي دي متستاهلش إنك تزعل عليها حتى
لم يسمع منه الآخر ولا كلمة وقد خرج حمزة على هذه الأصوات وفي يده المفاتيح فمد يونس يده حتى يأخذها منه لكن ذراع يوسف حالت بين ذلك إذ دفع يد حمزة صائحًا :
-دخل المفاتيح يا حمزة ده هيروح يعمل مصيبة على كده
صرخ به يونس وقد وصل إلى آخر مراحل غضبه :
-انا هعمل جناية مش مصيبة وهخربها فوق دماغها ودماغه هو كمان
اختطف المفاتيح من حمزة وهرول إلى الأسفل لا يرى سوى وجه ذلك الأبله وهو يسحقه بيده ثم يأتي بتلك الأخرى من خصلات شعرها ويهينها أمام جميع مَن بذلك المقهى
صبرًا يا حقيرة وهو من كان يتلهف لرؤيتكِ طوال هذا الأسبوع وكان قِلقًا عليكِ بينما أنتي كنتي مع رجلٍ آخر
-يا حــمــار ايه الغباء ده
هتف بها حمزة واضعًا يده على وجهه بألم من الضربة التي أخذها لتوه من يونس والذي وقع حظه السئ معه حتى يلعب ملاكمة والآخر كان من العنف الذي يجعله يضرب وكأنه يتعامل مع إرهابي
وقد حاول تفادي الكثير من ضرباته العنيفة هذه وفي النهاية أخذ واحدة في وجهه بجانب شفتيه بالتحديد لذا صاح به بهذه الجملة حتى يتوقف بينما قال كريم والذي كان يتابع من الخارج مع يوسف هذا النزال الغير عادل بالمرة :
-ما تاخد فرامل يا يونس شوية بوظت وش الواد، قدك ده حرام عليك
عاد يونس بضع خطوات للخلف وقد أدرك ما يحدث يبدو بالفعل أنه زاد في الأمر بسبب تذكره لتلك الذكريات التي تجعل دماؤه تفور بشكل لا إرادي
اقترب كريم من الحلبة ليقف في المقابل لحمزة قائلًا :
-حمزة بص عليا كده ليكون حصلك إعاقة ولا حاجة
نظر حمزة ناحيته متسائلًا ان كانت الضربة أثرت بشدة أم لا وما كانت ردة فعل الآخر غير أنه نظر إلى يونس صارخًا كامرأة ابصرت زوجها خرج من شجار شعبي وكان به خاسرًا :
-حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا مفتري وربنا لأرفع عليك قضية يا يونس واجرجرك في المحاكم ضيعت الراجل اللي حيلتي
اتسعت أعين حمزة بصدمة من ثم صاح في يونس قائلًا :
-عملت في وشي ايه يلاه!؟
اجابه يوسف هذه المرة وكعادته يشاهد ويضحك :
-يا عم ده بيبالغ دي مجرد كدمة جنب بوقك هبقي اجيبلك مرهم
اعترض كريم على هذا الأمر إذ قال :
-لا مش هيعدي الموضوع بشكل ودي كده، لازم القانون ياخد مجراه ولا علشان هو ظابط يفتري على الغلابة اللي زينا
خلع يونس قفازات الملاكمة وألقى بها ناحية كريم من ثم قال :
-بس يلاه الفتنة نايمة لعن الله من ايقظها
اقترب يوسف ناحية أخيه ونظر إليه بشك ونظرات ذات مغزي وكأنه يخبره أنه يعلم أنه ليس بخير :
-مالك يا يونس فيك ايه؟؟
وضع الآخر يده على جسر أنفه ضاغطًا عليه بشدة حتى يمنع هذا الصداع الذي أصبح يلازمه كثيرًا هذه الأيام :
-مضغوط شوية يا يوسف
اقترب كريم منهما وصاح بيونس مصرًا على أن يجعله يلعن الدقيقة التي احضره بها معهم ولم يتركه يكمل نومه على الاريكة بسلام :
-وانت علشان مضغوط تطلع ضغطتك على أخويا وتبوظله وشه
نظر إليه الآخر بعدم رضا من ثم قال :
-هو فيه هو حد عينك محامي لأخوك، ده حمزة اللي هو المحامي نفسه والمضروب واقف مفتحش بوقه
-يونس
استدار يونس لحمزة عندما نادى عليه وقبل أن يفتح فمه بكلمة تلقى منه ضربة قوية جعلته يعود للخلف مصطدمًا بالحبال بينما الآخر قال بنبرة باردة :
-معلش كانت هتبقى حازة في نفسيتي لو معملتهاش اصلي مش بحب أسكت لحد ضربني ومردش الضربة حتى ولو كان ابن عمي
ضرب يوسف جبينه متجهًا ناحية حقيبته الرياضية حتى يحضر لكلاهما كريم للكدمات احضره خصيصًا اليوم عندما وجد أن مزاج يونس متعصب وأن اليوم لن ينتهي دون إصابة لأحدهم
وهنا كريم الإذاعة المحلية صاح في حمزة عندما وجد أنف يونس بدأت تقطر دمًا :
-كده يا حمزة كسرت مناخير الواد!؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
انا هاجر حاكم عبد السلام مجرد فتاة ولدتُ لأجد نفسي في فيلا جميلة راقية بشدة وكأنها قصر ولكني لم أكن من سكان هذا القصر بل كنت ابنة حارس القصر ذلك الرجل البسيط حاكم عبد السلام الذي ألقت به الدنيا ليعمل حارس
عمل بسيط بشدة يعيل به عائلته الأشد بساطة والمتكونة منه هو وزوجته وابنته الصغيرة والتي كانت هي عالمه الجميل وما يحيا من أجله، كان حاكم وحيد في هذه الدنيا "مقطوع من شجرة" كما يقولون، وحيد في هذا العالم لا يمتلك سوى أسرته الصغيرة هذه
وكان دائمًا حامدًا ربه على أن لديه عمل ومسكن بجانب عمله تمامًا وزوجة صالحة تعينه فقد كان هو يهتم بأمر الحراسة بينما زوجته تهتم بالمطبخ فهي كانت الطاهية للعائلة التي تسكن المنزل والتي كانت تتكون من رجل وامرأة وخمس أبناء
الرجل "حاتم الدخيلي" واحد من أهم المستثمرين في البلاد يمتلك أموالًا طائلة لا عدد لها بسبب استثماراته المتعددة وكانت أهم استثماراته هم أبنائه الخمسة الذي كان يجمع الأموال من كل حدبٍ وصوب من أجلهم
والزوجة "سعاد" ولم تكن أبدًا تمتلك نصيبًا من اسمها فمن يعرفها لا يعرف السعادة أبدًا، امرأة تبحث عن التعاسة دائمًا لجميع من حولها حتى بات كل من يعرفها لا يريدها لشخصها بل للربح الخارج منها فهي واحدة من سيدات المجتمع اللواتي يشتهرن بالرقي واللباقة
ولكن الرقي واللباقة كانت تمتلكهم هذه المرأة كانوا خارج المنزل فقط لا غير أما بداخله فستجد امرأة متجبرة متسلطة لا تهتم لما تفعل أو تقول طالما أنه يصب في مصلحتها أولًا ثم في مصلحة بناتها الثلاث المدللات وولديها ثانيًا
آخٍ كم سمعت منها ما يجرح لها ولوالدتها المسكينة التي لم يكن يمر يوم إلا وتسمع من سعاد ما يُهين ويُذل حتى ولو ستخرج سببًا من باطن الأرض تزعجها من أجله، وكانت والدتها مسكينة تصبر على هذا وكلما سألتها لما تتحملين كل هذا يا أمي كانت الآخر تقول بقلة حيلة :
-نستحمل يا هاجر يعني نروح فين، هنا أهون من برا على الأقل هنا فيه شغل ليا ولأبوكِ وبيت صغير في الجنينة قاعدين فيه لكن برا يا عالم هنعيش إزاي وفين، الصبر يا بنتي دايمًا الصبر مفتاح الفرج
وهكذا حييتُ حيث تعلمت الصبر والصمت فقط، الصمت حتى ولو سأسمع ما يهين لي اسمع واصمت كما تعلمت من أمي، هكذا عشت طفولتي ومراهقتي أدرس وأعين والدتي في المطبخ حتى أصبحت طاهية ماهرة يثني عليها الجميع
لكن بالطبع كما كانت تبحث سعاد عن الخطأ لأمي كانت تبحث عنه لي، وبالإضافة إلى ذلك بناتها المدللات اللواتي كُنَّ يزعجنني دائمًا رغم اني ليست أفضل منهم في شئ فهن أجمل مني وأثرى مني ويمتلكن جميع ما لا أمتلكه أنا
ورغم هذا كنت حامدة ربي على حالي البسيط وأقول دائمًا أني أفضل من غيري، وهكذا كنت حتى وصلت إلى سن الثامنة عشر سن البلوغ والنضج حيث بدأت الأعين تتوجه لي بطريقة لم أكن افهمها
فأنا بطبعي كنت منغلقة صامتة لم أصادق أحد في يوم من الأيام وكانت هذه النظرات خاصةً ما تكون من "كاظم" ابن حاتم الثاني فالأكبر كان يدرس في الخارج
بينما هذا كان يدور حولي بشكل لا يطاق حتى منعتني أمي عن الدخول إلى المطبخ مرة أخرى بعدما لاحظت نظراته لي ولكنها تحججت أنه يجب أن اهتم لدراستي أكثر خاصةً أني أصبحت في الجامعة الآن
كان كاظم واضحًا في نظراته لي لم أكن أعلم أن هناك من ينظر لي في الخفاء ولا يوضح هذا ولم أكن اتوقع في يوم أنه قد يصدر من الرجل الكبير بنفسه
وهذا لأن حاتم كان يعيش دائمًا في مشاكل بسبب زوجته محبة التعاسة وأبنائه الفشلة الذين لا يحضرون له سوى المشاكل، ربما الوحيد الجيد بهم هو عادل "الابن الأكبر" لذا جعله يكمل الدراسة في الخارج لعل وعسى يصبح شيئًا له قيمة بدلًا من الأربعة الآخرين الذين فقد الأمل بهم
وكما قولت كان حاتم يعيش في تعاسة حتى أني في يوم من الأيام دلفت إلى قصرهم لأول مرة منذ أن جعلتني والدتي لا أخطو إلى هنا مرة أخرى، لكن حالي كان كحال جميع من يعمل بهذا المنزل جميعهم أتو على صوت مشاجرة حادة بشدة
ربما كانت أكبر مشاجرة تحدث في هذا المنزل حيث كانت إحدى بنات حاتم تتعاطى المخدرات والأخرى أتت للمنزل في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ولا داعي أن أقول ماذا كانت ترتدي يوضح أين كانت هي
كان حينها يجمعهم جميعًا في بهو منزلهم، الأربعة يقفون بجانب بعضهم حتى سعاد تقف على جنب بينما حاتم يصرخ في منتصف المنزل بجنون أنه أضاع عمره هباءً في اللا شئ من أجل أن يصبح أبنائه بهذا الفشل وما كان رد سعاد إلا :
-خلاص بقى يا حاتم فضحتنا في نص الليل ده بدال ما تلم على ولادك موقفهم زي العيال جنب بعض أكنهم بتعاقبهم ما كل الناس بتغلط كفروا عيالك يعني
-انتي تخرسي مش عايز اسمع صوتك ما انتي اللي مدلعاهم لحد ما أهو واحدة جاية في نص الليالي زي بنات الليل والتانية مدمنة والتالتة فاشلة والرابع بايظ وفاشل أكتر من الكل، كنتي انتي فين؟ انتي ملكيش لازمة
-لا عندك ايه ملكيش لازمة دي ما تحاسب نفسك قبل ما تحاسبني هما ولادي لوحدي يعني ما انا مش فاضية ولا ملاحقة
نظر إليها الآخر حينها بنظرة مخيفة ثم قال :
-ماشي يا سعاد ورحمة امي لأقهرك واجبلك اللي تخليكِ فعلًا مش فاضية ولا ملاحقة
ضحكت الأخرى مستهزئة ثم قالت :
-هتتجوز ولا ايه؟؟
ابتسم لها ابتسامة مبهمة ثم نظر إلى أبنائه الأربعة صائحًا :
-خروج من البيت مفيش ولا فيه تليفونات ولا عربيات ولا خروجات ولا فلوس ولا تطلعوا الجنينة وتشوفوا نور ربنا حتى، ووالله لأربيكم من الأول يا أولاد سعاد
نظر إلى زوجته ثم أكمل بوعيد :
-وانتي صبرك عليا
تركهم وذهب وكنت انا من اصطدمت في وجهه فظل يرمقني بنظرة غريبة إلى أن سحبتني أمي من أمامه
مر ربما أسبوع على هذا الأمر ونفذ تهديده في أبنائه كما قال ولكن لم ينفذه بعد في سعاد وهي لا تبالي بالأمر فما دخلها، ظلت تهتم بكليتها حتى أتي يوم كان كالنار عليها وهو بالفعل كان نارًا
إذ كانت تجلس في خارج حدود منزلهم الصغير الذي هيئه حاتم باشا لهم وفي يده كتبها تنتظر والدتها بالداخل تعد لهم الغداء والذي تأخر بسبب تأخر والدها في الخارج
لا تدري ماذا يفعل فقد خرج منذ ساعتين ولم يعد وهي حقًا بدأت تشعر بالجوع لكنها تصبر نفسها بإنتظار والدها حتى يتجمعوا ثلاثتهم كأسرة
وها هي ابصرت والدها يأتي من بعيد وفي يده حقيبة بلاستيكية سوداء اللون لم تعلم ما بها ولكنه استقبلته بلهفة قائلًا :
-حمد الله على السلامة يا بابا اخيرًا جيت هموت من الجوع
ابتسم لها والدها بحنان ولم يجيبها بلسانه بل أعطى لها تلك الحقيبة ولا تزال الإبتسامة متسعة على وجهه، وما إن ابصرت ما بداخلها حتى ضحكت بسعادة حقيقة تبصر عنب أسود والذي رأته البارحة في التلفاز وقالت لوالدها أنها تود تجربته وما كان الرد إلا من والدتها إذ قالت برفض :
-عنب ايه يا بنتي في الشتا ده انتي عارفة العنب هيبقى بكام لا ده وعنب أسود يجبلك منين هو عنب أسود؟؟
ربما هذا شئ بسيط بشدة منه لكنه حقًا أسعدها فالناس البسطاء مثلهم أقل شئ يسعدهم، قبّل والدها جبينها مبتسمًا لها :
-مينفعش تبقى بنتي الوحيدة نفسها في حاجة ومجبهاش بس بقولك اي متقوليش لأمك على سعره لتولع في البيت
تسأل نفسها حقًا أكانت أبواب السماء مفتوحة أم هذه صدفة فقد لا غير ولكنها كانت صدفة مخيفة بل مرعبة إذ ما إن اتجها إلى منزلهم الصغير حتى يرو إن الغداء قد نضج أم لا حتى انفجر المنزل بالنيران التي اندلعت وكأنها بركانًا كان خاملًا
أطلقت صرخة قوية رجتها من الداخل باسم والدتها وقبل أن يصدر منها أي رد فعل آخر دفعها والدها للخلف بقوة نوعًا ما حتى لا تتحرك ناحية النيران وانطلق هو ناحية المنزل لربما ينقذ زوجته
بينما هي على أثر هذه الدفعة سقطت أرضًا وقد اصطدمت رأسها بإحدى أحجار الحديقة فأصبحت الرؤية مشوشة بالنسبة إليها ورغم هذا عافرت لتقف وكان آخر ما ابصرته قبل اغمائها هو قدوم الحرس ناحية منزلهم ومشهد والدها وهو يلقي بنفسه داخل النيران
نيران أحرقت جميع ذكرياتها، احرقت ماضيها وحاضرها ومستقبلها، احرقت روحها وكيانها
افاقت على هذا الحادث ويا ليتها لم تفيق، لتجد نفسها في غرفة جميلة على الواضح إحدى غرف منزل حاتم وقد كان بالفعل كذلك، فقد كان يقف حاتم على إحدى الجهات في الغرفة وبجانبه يقف طبيب علمت منه أنها نائمة منذ أكثر من عشرين ساعة وأنها خسرت أهم من لديها في هذه الحياة
والدتها والتي توفيت بسبب انفجار أسطوانة الغاز في المطبخ ووالدها والذي دلف إلى النيران حتى ينقذ زوجته ولكنه أصيب بحروق بالغة أدت إلى وفاته هو ايضًا بعد والدتها بعدة ساعات وكان آخر شئ قاله أنه أوصى حاتم رب عمله على ابنته الوحيدة
هي لم تعد تمتلك أي أحد في هذه الحياة من بعدهم لا أخوال ولا أعمام، لديها عم واحد وهذا مهاجر إلى ليبيا وحاكم نفسه لا يعلم عنه أي شئ منذ سنوات طويلة حتى ظن أنه مات
ظللت أسابيع لا أعلم الواقع من الأحلام، أنام ساعات طويلة هروبًا من الواقع، بينما الساعات التي استيقظها أظل أبكي وأنوح عليهما إلى أن أغفى مرة أخرى
لم أفق من هذه الفقاعة إلا على مضايقات سعاد وأبنائها، رغم أن حاتم مانعًا أي أحد يطأ الغرفة التي انا بها سوى الخادمة بالطعام إلىٰ أن هذا لم يمنع الثلاث فتيات من الوقوف أمام باب الغرفة يسمعنني كلامًا يجبرني على البكاء أكثر على حالي
ورغم كل هذا لم أغادر، فأين أذهب ولا أحد لي، لم أنتفض من دائرة الاكتئاب هذه إلا عندما وجدت في ليلة من الليالي كاظم يفتح باب الغرفة عليّ، حينها فقط علمت أني لم أعد في أمان، لقد رحل أمني وأماني واحترقا مع والداي
لم يدلف إلى الغرفة لغرض الإطمئنان عليّ كما برر عندما وجدني مستيقظة ولست غافية وإنما لشئ خبيث آخر في عقله المريض
وبرغم تأخر الوقت ليلتها إلىٰ أني هبطت بسرعة من تلك الغرفة متجهة مباشرةً إلى غرفة المكتب الخاصة بحاتم حيث كان يعمل هناك طالبةً منه أن أرحل من هنا فسألها الآخر بنبرة متعجبة :
-ليه عايزة تمشي حد عملك حاجة؟؟
وكما تعلمت الصمت دائمًا لم تجبه وتخبره بمضايقات بناته أو بما فعله ابنه من قليل، لقد خافت ألا يصدقها وينكر أبنائه ويصدقهم هم، وعندما لم يجد منها سوى الصمت قال متنهدًا :
-طب انتي عايزة تروحي فين يا هاجر
سؤالٌ مهم طرحته على نفسها، أين ستذهب؟ من لها لتذهب له؟
طأطأت رأسها بإنكسار وتجمعت الدموع في مقلتيها البنيتين فقال حاتم وهو يتجه من خلف المكتب إلى المقعد الذي أمامها ماددًا لها منديل ثم قال :
-بس متعيطيش والدك وصاني عليكي قبل ما يموت وانا مش عايزك تمشي، انتي ملكيش حد غيرنا، انتي اتولدي في البيت ده ومكنش ليكي غير والدك ووالدتك هتروحي فين من بعدهم
لم يزد هذا إلا المزيد من الألم على قلبها والدموع في عينيها إذ انفجرت في بكاء مرير جعل حاتم يطالعها بشفقة حقيقية سرعان ما انقلبت إلى نظرة أخرى مختلفة بشدة
حدق في ملامحها بتركيز هاجر فتاة جميلة رغم بساطة ملامحها فهي تمتلك أعين بنية وبشرة بيضاء بخدين أحمرين طبيعيين، كان جمالها هادئ بسيط وهو لم يفكر في يوم بها بشكل آخر غير أنها ابنة أحد عمال منزله رغم أنها شبت وكبرت أمامه
والآن أنحاز تفكيره بها إلى منطقة أخرى، حك جانب ذقنه وهو يقول :
-هاجر انتي ملكيش حد وزي ما قولتلك والدك وصاني عليكي وانا مش هعرف اخليكي في البيت ده غـ
قاطعته الأخرى تقول برجاء :
-انا كنت بشتغل مع ماما في المطبخ قبل ما ادخل الجامعة أقدر أرجع تاني وأعيل نفسي بس خليني قاعدة هنا، مش عارفة هترجع ترمم البيت الصغير اللي اتحرق ده بس انا معنديش مكان تاني اروحه
-انتي في كلية ايه؟؟
-فنون جميلة
ابتسم الآخر بسمة غامضة ثم قال :
-هخليكي تكملي كليتك وهتقعدي في أحسن أوضة في البيت ده ولا سعاد ولا بناتها هيعرفوا يضايقوكِ بكلمة علشان هتبقي ست البيت ده
لم تفهم الأخرى ولا كلمة مما يعني إلىٰ أن أكمل صادمًا إياها :
-تتجوزيني يا هاجر؟
انتفضت من فوق المقعد وقد أصابتها صاعقة من طلبه هذا لتقول بصدمة :
-انا قد بنتك!؟
-اسمعي بس انتي ملكيش حد ولو خرجتي برا البيت ده لا هتعرفي تعيشي ولا تتأقلمي لوحدك دي غابة وانتي بنت هياكلوكِ حية ثم انا مش بطلب منك حاجة حرام ولا هتجوزك في السر انا هتجوزك على سنة الله ورسوله وهعلنك قدام الناس كلها زوجة ليا
أغروقت عينيها بالدموع وهي تنظر إلى خارج الغرفة ناحية النافذة بالتحديد، هي بالفعل لا تستطيع أن تعيش بمفردها في هذا العالم المخيف لكن أيضًا لا تستطيع أن تتزوج رجل في عمر أبيها لن تستطيع
مسحت دموعها بكف يدها تقول بصوت مختنق :
-طب ما أقعد واشتغل هنا والله ما عايزة حاجة تانية
-فكرك كاظم هيسيبك؟؟
تفاجأت حقًا من أنه يعلم بأفعال ابنه بينما الآخر أكمل ضاغطًا على جميع اوتارها الحساسة :
-كاظم عمره ما هيسيبك إلا إذا بقيتي متنفعيش له يعني تبقي من محارمه
-وانت عايز تتجوزني ليه حضرتك متجوز وعندك أولاد أكبر مني وقدي
ابتسم لها حاتم مقنعًا اياها بأسلوبه الدبلوماسي :
-علشان أحافظ عليكي من اللي برا ومن اللي جوا كمان، اوعي تفتكري إنك رخيصة يا هاجر أو إني بستغل إنك لوحدك انا عايز أعمل بس بوصية المرحوم ومش هقربلك، هسيبك تفكري يومين بس كوني عارفة لو مبقتيش على ذمتي لا كاظم ولا إخواته ولا امه هيرحموكِ
لم تكن تمتلك الكثير من الاختيارات إما أن تواجه العالم القاسي في الخارج أو تبقى هنا أسفل ظل حاتم، ولكن إن عاد بها الزمن ربما كانت ستختار العالم القاسي فلا تعتقد أنها كانت سترى ما هو أقسى مما رأته داخل جدارن هذا المنزل الراقي من الخارج والمرعب من الداخل
يالا حسرتها عندما كانت تظن أن حاتم سيكون لها سندًا وظلًا، لا تظلم الرجل بما أنه أصبح أسفل التراب الآن لقد كان عطوفًا عليها في أول أشهر زواجهم لكن بعد هذا تغير الأمر وتغيرت هي معه
لقد تعرضت للكثير من الظلم والإهانات بدايةً من إتمام زواجها من حاتم غصبًا ثم تركها هكذا تتلقى الضرب من سعاد وبناتها، والسجن، والحرمان من الطعام والشراب أبسط حقوقها، والخوف من النوم، حتى أنها وصلت للجنون بسببهم، وإرغامها على العلاج النفسي أسفل سقف سجنها لا خارجه حتى
كل هذا ورد في عقلها وهي تحدق في شعلة الموقد المشتعلة، تحدق بالنيران التي عاشت بها لعشر سنوات متواصلة لم تتركها النيران التي حرقت والديها ظلت ملازمة لها تحرقها كل يوم ببطء شديد كقطعة قماشٍ بيضاء مسها رمادِ النيران فأصبحت تحترق ببطء مميت
وكانت تتلقى كل هذا بصمت، تكتم حسراتها وآهاتها بداخلها فإن فتحت فمها ستتلقى منهم ما هو أسوء، في الحالتين كانت تعيش بعذاب والعذاب الأقوى حينما كانت تشتكي لحاتم ربما في مرات قليلة كان يدافع عنها وما كانت النتيجة هي المزيد والمزيد من عذاب سعاد لأنها اشتكت ولا يحق لها هذا
أغلقت الشعلة مطلقة تنهيدة قوية تصبر نفسها أن كل هذا انتهى، مات حاتم وخرجت من سجنها أخيرًا وهي الآن بعيدة عنهم في هذه الشقة التي جعلها عادل تمكث بها
خرجت من المطبخ وهي تربط خصلات شعرها البنية وترفعهم إلى أعلى تتحرك في الشقة بضجر ووحدة قاتلة، تفكر في شراء حيوان أليف أو ما شابه يؤنس وحدتها هذه
رن هاتفها في المطبخ حيث تركته فنظرت له مطولًا وقد اقشعر جسدها، مَن يا ترى قد يتصل عليها؟
امسكت به وأجابت لتجده عادل ابن زوجها الكبير، الشخص الوحيد الذي كان يدافع عنها في ذلك السجن ربما أكثر من حاتم نفسه، كم كانت تُثير شفقته وحتى الآن :
-الو
-ازيك يا هاجر عاملة ايه؟؟
كاذبة إن قالت أنها بخير فلا خير مر عليها ولكن من سيستمع لها لذا اجابت بهدوء شديد كاذبة على نفسها قبله هو :
-كويسة
-عجبتك الشقة؟؟
-كويسة
-أوك تمام انا جبتلك شغل زي ما انتي كنتي عايزة مع إني والله مش هحرمك من نصيبك وكنت هبعتلك كل شهر فـ
قاطعته غير مبالية بكل هذا تسأله عن العمل :
-الشغل فين يا عادل؟ هشتغل ايه؟؟
-هتشتغلي مُدرسة رسم في مدرسة في مِيامي اسمها محمد رجب انا ظبطت كل حاجة وتقدري تبدأي يوم الأحد بما أني النهاردة الجمعة وبكرة كمان أجازة
-شكرًا
همست بها بخفوت وارتسمت على فمها ابتسامة مرتاحة أنها ستقابل أناسًا وتتعامل بشكل طبيعي وكأنها إنسانة عادية، ستخرج للعالم وتتعامل مع قسوته بنفسها فلم تعد تلك الفتاة المراهقة ذات الثمانية عشر عامًا، أصبحت الآن امرأة في نهاية العشرينات تستطيع الإعتماد على نفسها...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
دلك بجانب شفتيه مكان اللكمة التي تلقاها من يونس وهو يلقي السباب عليه فأجابه الآخر وهو يضع الكريم الذي أعطاه له أخيه على أعلى أنفه التي جُرحت بسبب الآخر :
-ما تسكت بقى هو انت شوية وأخوك شوية ثم راح فين مش سامع صوته يعني؟
-يا ريتك جبت في سيرة حاجة عليها القيمة أهو جاي وراك أهو
استدار يونس مبصرًا كريم يأتي وهو يمسح وجه من العرق وقد ابتلت ملابسه رغم أن الجو ليس حارًا لكن من المجهود الذي بذله :
-ها على ايه الكلام
-انت كنت فين
-كنت بلعب ماتش
قلب حمزة عينيه بضجر سيجن أخيه في يوم من الأيام بسبب كرة القدم :
-هو في البيت وبرا البيت ارحمنا يا عم، فين يوسف كان معاك؟؟
-لا يوسف بيتشقط برا
هتف بها كريم ببساطة شديدة فنظرا له الإثنين ببلاهة إذ قال يونس مصححًا له :
-بيتشقط ولا بيشقط!؟
-يشقط ايه يا عم صلي على النبي في قلبك ده الأنثى الوحيدة اللي بيكلمها أخوك بأريحية هي أمه وبعدين أخته، أخوك محترم يا يونس لدرجة لو واحدة بصتله بيبص الناحية التانية بينما انت لو بنت بصتلك
اعتدل في وقفته مقلدًا يونس إذ جعل نبرته أخشن قليلًا ورفع إحدى حاجبيه قائلًا :
-شايفة قدامك أحمد السقا ولا ايه ما تبصي قدامك
قهقه حمزة بشدة بينما يونس لم يعجبه هذا التقليد، أجل هو تعامله خشن بالفعل وهذا بحكم عمله فلا يعتقد أن هناك ضابط شرطة قد يكون لطيفًا فلا يتناسب هذا الأسلوب مع المجرمين أبدًا
اتجه ناحية الخارج فقال حمزة وقد اختلط صوته بالضحكات :
-أستاذ أحمد السقا رايح فين؟؟
-رايح لأخويا اللي بيتشقط
وقبل أن يخرج وجد أخيه يدلف عاقدًا الحاجبين ووجه محتقن وخلفه إسماعيل ابن عمه ويبدو أنه يكتم الضحكات بسبب انتفاخ عروق وجهه وضمه لشفتيه بقوة
تخطاهم يوسف وجلس على المعقد يهز قدميه بعنف وأصبح وجهه أحمر من الغضب على الأرجح فقال يونس وهو ينظر إلى إسماعيل متغاطيًا عن سؤاله ماذا يفعل هنا :
-عملوا في الواد ايه برا؟؟
ولم تأتيه الإجابة من إسماعيل بل من يوسف نفسه إذ صاح غاضبًا :
-مبقاش فيه أدب ولا أخلاق ولا حتى حياء، يعني اي بنت تيجي لشاب لا تعرفه ولا يعرفها وتقوله وهي بتتسهوك لحد ما قلبتني بطني، بصراحة شوفتك وانت بتجري على آلة المشي وعجبتني لياقتك ممكن نتعرف، لما البنات تعمل كده يبقى سابوا ايه للشباب
-ده كان بيتشقط بجد
هتف بها حمزة مذهولًا بينما قال كريم بنبرة ساخرة :
-لا الشباب في حتة موازية يا يوسف الكلمتين دي مش معاكسة بالنسبة ليهم بص هوريك
مال قليلًا في وقفته بحيث أصبح يتكئ بذراعه على كتف إسماعيل بينما جعل نبرته عابثة وحاجبيه يتراقصا أثناء قوله :
-طب ايه يا قمر مش ناوي تحن على البشر وتنزل الأرض
نفض إسماعيل ذراع الآخر من على كتفه متقمصًا دور الفتيات فقال بينما يسير بعيدًا عنه :
-قلة أدب
-طب براحة على الأرض يا قمر دي مش قدِك
انفجر جميع من بالغرفة ضاحكًا حتى يوسف نفسه والذي قال مشيرًا إلى إسماعيل وكريم :
-انتوا بتعاكسوا بنات من ورانا
جلس إسماعيل بجانبه ثم أجاب :
-اعاكس مين يا عم صلي على النبي ده انا متجوز
-وانت صحيح ايه جابك مش معزومين عند ابوك النهاردة ومعاك بنات اخوالك دول، ولا حصلت مصيبة
هتف بها حمزة مؤكدًا على آخر جملة وهو يقصد بالطبع شقيقته غادة التي لم تمر أي تجمع عائلي ولم تعكر صفو أحدهم به، فقال اسماعيل وقد ارتسمت ابتسامة متهكمة على شفتيه :
-أروح من اختك فين يا حمزة
-عملت ايه قولي، موتها وسمها عرقنا الصعيدي دي مش بتطيقوا فعملت ايه؟؟
-اتغدينا وكله تمام فجأة كده نزلت فوق دماغي انا عايزة ارجع البيت، انا عايزة اروح عند ماما النهاردة وعدتها إني هاجي وده كله علشان ايه مش عارف حتى البنات متكلموش معاها قولت يمكن حصل حاجة بس هما مقربوش منها أصلًا
قاطعه حمزة وكريم إذ قالا في نفس الصوت :
-غادة عندنا في البيت!؟
-ايوه عند مرات عمي
اعتدل كريم ساحبًا سترته وارتداها فوق ملابسه قائلًا :
-بس كده حلو أوي انا هاروح على أي قهوة أحضر كام ماتش ولما تمشي غادة من البيت ابقى رن عليا يا حمزة علشان أرجع
-ده على أساس اني هرجع البيت وغادة فيه والله ما يحصل غير لما إسماعيل يقوم ياخد مراته ويروح بيتهم أومال انت متجوزها ليه علشان ترجعهالنا وتقرفنا إحنا
مسح إسماعيل وجهه كاتمًا ضحكاته فلا أحد منهما يطيق غادة بسبب تصرفات الأخرى معهما فهي تعطي امتيازًا لنفسها بالتحكم فيهما والتدخل في حياتهما لأنها شقيقتهم الكبيرة، لا يدري حقًا متى تقتنع أنهم أصبحوا رجالًا ولا يحق لها التدخل في حياتهما رغمًا عنهما
بالإضافة إلى ذلك هي شخص ناقد ولا يعجبها أي شئ بسهولة فدائمًا ما تسخر من حب حمزة للقراءة وهوس كريم بكرة القدم، حتى رحمة الصغيرة لم تسلم منها
وقف يونس من مكانه عازمًا الرحيل فقال :
-طيب طالما حمزة مش راجع البيت فتعالى معايا
وقف كريم أمامه معترضًا طريقه ثم تساءل وقد وجد حجة للهروب من العودة إلى المنزل ومقابلة غادة :
-على فين إن شاء الله؟ هتجر الواد معاك ورايحين فين؟ رجلي على رجلكم معلش معندهاش رجالة تقعد مع رجالة لوحدهم
دفعه يونس من أمامه يأخذ المفاتيح من سترة يوسف دون أن يستأذنه أسفل نظرات الآخر المتشنجة :
-وماله تعالى انت كمان هو اسأله عن كام نقطة في القضية بما أنه محامي وأكيد عنده رأي، وانت ارميك في الحجز علشان جبتلي صداع
