رواية سلام لعينيك الفصل السادس 6 بقلم بلو مي
الفصل السادس
ألم لا يحتمل
لم تتوقف دموع سلام عن الانهمار لحظة واحدة .. منكمشة على نفسها فوق السرير .. تدير ظهرها لجهاد .. قادرة على سماع صوت انفاسه التي لم تنتظم بعد
لم تعرف كم دقيقة مرت من الصمت التام .. قبل أن يقطعه جهاد قائلا بصوت غريب :- من هو ؟
أفلتت منها شهقة قوية وهي تحاول كبت نشيجها .. أحست بأصابعه القاسية تمسك بكتفها وتديرها إليه لتنظر عبر دموعها إلى عينيه الخضراوين التين برقتا بغضب مخيف .. قال بصوت منخفض .. ولكنه جمد الدماء في عروقها بينما لا يبعد عنها فمه أكثر من سنتيمترات قليلة :- من هو يا سلام ؟
من الغريب أنها لم تكن تشعر بالخوف في تلك اللحظة .. وهو يضغط بأصابعه على ذراعهيها .. ويهددها جسديا .. وقد بدا قادرا على إيذائها بسهولة
لا .. لم يكن الخوف ما احست به .. بل الذل .. والهوان .. والالم .. كراهية شديدة للنفس .. تمنت فقط لو أنها تموت في تلك اللحظة
بل تمنت لو أنها ماتت قبل أن تجرح جهاد بهذه الطريقة .. خاصة وهي عاجزة تماما عن منحه إجابة عن سؤاله
زاده صمتها غضبا .. فهزها بعنف صارخا :- من هو الرجل اللعين الذي منحته عذريتك أيتها .... ؟
أجهشت في البكاء غير قادرة على احتمال تعنيف واحتقاره لها .. فتركها فجأة .. ونهض من السرير بعنف وقد عرف بانه على وشك فقدان اعصابه
كان شبه مذهول وهو يرتدي ملابسه بحركات مضطربة .. بينما كان صوت بكائها يعلو من حيث كانت مكومة فوق السرير .. دون ان يؤثر به لحظة .. فشعوره كان ساحقا .. مدمرا .. كمن كان يحلق عاليا .. فانكسر جناحاه وسقط فجأة على الأرض بقسوة
لقد أحس بالخيانة .. بالغدر .. أحس بانه إن حطم كل زاوية في هذا البيت فهو لن يشفي غليله
مرر يديه فوق صفحة وجهه محاولا السيطرة على اعصابه .. وكأنه يحاول أن يصحو من كابوس مريع وجد نفسه غارقا فيه .. ثم أطلق ضحكة مريرة وهو يقول :- يا إلهي .. لا أصدق كم كنت احمقا .. انا الذي خبرت النساء بجميع أنواعهن .. ظننت أنني قادر على تصنيفهن بمجرد النظر إليهن .. أختار عاهرة لأتزوجها
نظر إليها .. حيث كان شعرها الكثيق الذي حرره من عقاله ليستمتع بملمسه .. متناثرا حولها .. بينما كان وجهها مختبئا بين ثنايا الوسادة .. وجسدها يهتز بقوة من شدة البكاء المرير .. ومع هذا .. لم يشعر بالشفقة عليها .. بل بالغضب الشديد .. لمجرد التفكير بأن رجلا قد لمسها قبله .. أراد أن يجرحها .. ويهينها .. أن يخنقها بيديه العاريتين عله يرد شيئا من كرامته .. ويخفف من وطاة الغيرة القاتلة التي تكاد تفتك بصوابه
قال بكراهية شديدة :- لن تخدعني دموعك هذه .. كما خدعتني براءة وجهك .. لقد اتضح لي أي ممثلة بارعة أنت .. وربما مساعدتك لي قبل سنتين كانت هي الأخرى مجرد أداء تمثيلي بارع لتخليص نفسك من ورطتك
سار حول السرير واقترب منها وهو يقول بمقت :- ملاك الرحمة الذي عرفته تلك اللية كان مجرد قناع زائف أخفى تحته مجرمة حقيقية .. وفتاة رخيصة فاسقة .. يا الله .. لكم ضحكت داخلك وأنت تتصنعين التمنع والخفر .. بينما أنت امراة متمرسة .. وكم خدعني رفضك لي .. بينما كنت تتحرقين شوقا لغسل عارك بالزواج .. وأي زواج
أمسك بخصلات شعرها الطويل .. وجذبها رافعا إياها عن السرير حتى أصبحت مواجهة له وهو يقول بغضب :- هل ظننت بأنك ستخدعينني .. وأنني لن أميز بين عذراء طاهرة وأخرى مستهلكة ورخيصة ؟
كانت ما تزال مغمضة عينيها رافضة رؤية الاحتقار في عينيه .. فلم تشعر بنظراته التي التهمت مرغمة جسدها العاري .. رغبته العنيفة بها والتي لم تنطفئ .. ضاعفت من غضبه وهو يتخيل رجلا آخر قد تمتع بما يراه أمامه .. هزها بقوة صارخا :- من يكون ذلك السافل ؟ أم تراه أكر من رجل واحد .. تكلمي أيتها ...
رفع يده لا إراديا ليضربها .. إلا أنها توقفت في الهواء .. تركها مذعورا فسقطت لتتكوم من جديد فوق السرير دون أن تتوقف لحظة واحدة عن البكاء .. تراجع وقد صدمه ما وجد نفسه قادرا على فعله في هذه اللحظة تحت وطأة غضب لم يعرف مثله من قبل .. هتف بصوت مضطرب :- يا إلهي .. لا أستطيع حتى البقاء معك في مكان واحد
اندفع مغادرا الغرفة كالعاصفة صافقا الباب ورائه .. فتركت سلام العنان لدموعها .. وسمحت لشهقات البكاء التي كانت تحاول كتمها بالتحرر أخيرا .. مع شعور ثقيل بالعجز وكراهية النفس يجتاحها بلا رحمة .. ألم شديد تعاظم وتجمع ليستقر داخل قلبها حتى أحست بانه سينفجر
ضاق صدرها .. وانتابتها تلك الحالة من الاختناق .. والعجز حتى عن التقاط انفاسها من فرط الألم ... كانت بحاجة لأن تفرغ شيئا من العذاب الذي شل عقلها وتفكيرها .. فنهضت من السرير .. وسارت مترنحة نحو منضدة الزينة .. تبعثر بحركات مضطربة زجاجات العطر الثمينة بحثا عن شيء تجهله .. إلا أن عقلها الباطن كان يعرفه تماما .. ثم اندفعت كالعمياء نحو الحمام .. حيث قبضت أصابعها على مقص صغير وجدته داخل خزانة الأدوية الصغيرة
بكت مجدا وهي تضم المقص إلى صدرها .. وهي تهتف بألم :- ليس مجددا .. يا إلهي .. أرجوك .. ليس مجددا
زلكن الضجيج الذي دوى في أذنيها .. أصمها عن سماع صوت المنطق والعقل .. وتحركت يدها استجابة لحاجتها الملحة .. ومررت حافة المقص الحادة فوق باطن فخذها مسببة جرحا عرضيا طويلا .. راقبت بعينين لا تريين السائل الأحمر يتدفق من الجرح ويصنع مزيجا صارخا مع بشرتها الشاحبة
إحساسها بالألم الجسدي .. ومرأى الدماء تسيل منها .. فعلا العجب بكيانها المنهار .. إذ أسندت ظهرها إلى الجدار .. وانزلقت فوق الأرضية الباردة .. وقد تخدر عقلها وجسدها .. وتوقف إحساسها تماما
مرت ال
