اخر الروايات

رواية علي دروب الهوي الفصل الثامن والاربعون 48 والاخير بقلم تسنيم المرشدي

رواية علي دروب الهوي الفصل الثامن والاربعون 48 والاخير بقلم تسنيم المرشدي



                                              
الخاتمة ( ١ ) 
على دروب الهوى 
بقلمي تسنيم المرشدي 

+


***

+


مزيجٍ من المشاعر التي شعر بها زكريا؛ الخوف والتوتر وعدم استطاعته على حُسن التدبير في ذلك الموقف، وكأن يداه مُكبلتان بالأصفاد، انتبه على صوت وليد الذي يحثه على أخذ قرارٍ: 
_ إيه يابني هتعمل إيه؟

+


التفت إليه بتِيهٍ ثم عاود النظر إلى ليلى التي تنحني بظهرها إلى الأمام تتكأ على بطنها بألمٍ شديد يُراودها، وحينذاك استعاد رشده وهتف بلهفة:
_ هنطلع على المستشفى، اللي صبا بتشتغل فيها..

+


أماء وليد وأسرع عائدًا إلى السيارة مُستقلًا مِقعده خلف المقود، بينما ساعد زكريا ليلى على الوصول إلى السيارة والركوب في الخلف، ثم جاورها محاولًا بث الطمأنينة فيها وهو فاقد لها. 

+


بعد فترة؛ وصلوا إلى المستشفى، ترجل زكريا ونادى مُطالبًا المساعدة، فجئن في الحال ممرضتان بكرسي متحرك وقاموا بوضعها أعلاه متجهين بها إلى الطوارئ، بينما وقف زكريا رفقة وليد في الخارج يجوب الممر المقابل للغرفة ذهابًا وجيئا بهلعٍ. 

+


اقترب منه وليد وسأله باهتمامٍ: 
_ هو دا ممكن يكون إيه؟ إيه سبب النزيف اللي حصل دا؟

+


توقف زكريا عن السير وأجابه وهو ينظر داخل عينيه بصوتٍ مهزوز:
_ ليلى حامل، كنا ناوين نفاجئكم لما نرجع، بس شكلنا مش هنلحق! 

+


_ بس يا أخي متقولش كدا، كل منطوق واقع قدره، قول إن شاء الله تخرج بالسلامة هي والجنين وربنا هيراضيكم بإذن الله.. 
هتفها وليد بنُصحٍ، فدعا الآخر  بِصدقٍ: 
_ يارب يا وليد، لو حصل حاجة هيبقى عقاب من ربنا عشان اتبطرت على النعمة قبل كدا...

+


بآسى وشفقة شديدين ربتَّ وليد على كتف زكريا مُآزرًا إياه:
_ إن شاء الله يا صاحبي ربنا هيطمنك، اتفائل خير أنت بس! 

+


أخذ زكريا يهُز رأسه وتابع سيره في المكان بغير صبرٍ لمرور تلك الثواني حتى يعلم وضع ليلى، بعد مرور بِضع دقائق أخرى، خرجت الطبيبة فتوجه زكريا نحوها على الفور بينما وقف وليد على بُعد مسافةٍ يخشى سماع ما يخافه زكريا. 

+


_ طمنيني يا دكتورة، ليلى كويسة؟ والجنين أخباره إيه؟ تساءل بتهلفٍ، وبإبتسامةٍ عملية أخبرته حقيقة الوضع: 
_ متقلقش، هما الإتنين كويسين، بس الحمل في بدايته خالص وهي بلغتني إنكم كنتوا مسافرين ساعات طويلة ودا طبيعي يحصل من حركة الطريق، بس المدام محتاجة راحة تامة الشهور الأولى لأن الحمل ضعيف ومش مستقر، أنا كتبت لها على مثبت وبعض الفيتامينات ضروري تاخدهم عشان الوضع يستقر.. 

+


لم يشعر زكريا بشفتاه اللتان ابتسمتا في وجه الطبيبة بسعادةٍ أدركتها هي، وبامتنانٍ واضح شكرها:
_ شكرًا يا دكتورة، إن شاء الله مش هتقوم من على السرير لغاية ما تولد.. 

+



                                      


                
ضحكت الطبيبة ثم استأذنت منه وغادرت، بينما تفقد زكريا وليد قبل دلوفه الغرفة فابتسم له الآخر ورمش بأهدابه بمعنى أن كل شيءٍ بخير، فولج زكريا إلى ليلى، وجدها تُعدل من هندمة ملابسها بمساعدة الممرضة. 

+


فانضم إليهن وقال: 
_ جت بسيطة يا لولا..

+


ابتسمت ليلى بطمأنينة سكنت قلبها وانعكست على تعابيرها ونبرة صوتها الحيوية: 
_ الحمدلله.. ربنا كريم

+


بينما وجه زكريا كلامه إلى الممرضة عندما وقعت عيناه على الكُرسي المتحرك:
_ لو سمحتي ممكن نستخدم الكرسي دا لغاية برا بس..

+


تفقدت الممرضة الكرسي ثم قالت: 
_ آه طبعًا مفيش مشكلة.. 

+


فتدخلت ليلى مُعلقة:
_ أنا كويسة يا زكريا، ملوش لزوم الكرسي دا.. 

+


بإصرارٍ في عينيه وصوته أردف: 
_ لا معلش الدكتورة قالت راحة تامة، مش هتقومي من على السرير خالص طول ال ٣شهور الأولى ومش عايز منك غير حاضر وبس، تمام؟! 

+


ابتسمت الممرضة على لطافة زكريا ثم عقّبت بسؤالها المُوجه لـ ليلى: 
_ دا أول حمل؟ 

+


أكدت ليلى بإيماءة من رأسها فضحكت بِخبثٍ وقالت: 
_ هما بيبقو كدا في الأول، في الحمل التاني بقى لو نمتي خمس دقايق بس ترتاحي هيُقِيم عليكي الحد، أما بقى لو الحمل التالت، من وأنتِ لسه بتخرفي في البنج هيقولك فوقي يلا بسرعة عشان تعمليلي حاجة آكلها أصل جعان 

+


جحظت عيني ليلى وهتفت دون تصديقٍ موجهة حديثها إلى زكريا: 
_ أنت هتعمل كدا؟ 

+


_ لا لا مفيش الكلام دا هسيبك بعد ما تفوقي ... 
هتفها زكريا مُمازحها، فقهقهن الأخريات ثم غادرا الغرفة بعد أن أصر على إخراجها بالكرسي حتى لا تشعر بالتعب أثناء سيرها. 

+


اعتدل وليد في وقفته وشكل بسمةٍ هادئة على محياه وقال: 
_ مبروك يا ليلى، ربنا يتمم لك بخير يارب 

+


_ الله يبارك فيك يا وليد، شكرًا 
قالتها بإمتنانٍ يشوبه الخجل لوضعها، بينما أشار وليد بعينه على ذلك الكرسي مُستسفرًا بسؤاله عنه: 
_ لازمته إيه الكرسي، مش أنتِ كويسة الحمدلله؟ 

+


تشدقت ليلى بتهكمٍ وهي تخبره:
_ أسأل إبن عمك، مُصمم يخرجني بيه.. 

+


ضحك وليد وعلّق ساخرًا: 
_ حنيته دي مش متعودين عليها، لدرجة تقلق، عندك حق

+


_ من اعتاد القلق ظن الطمأنينة فخًا 
قالتها ليلى وضحكت عاليًا فشاركها وليد الضحك، بينما تدخل زكريا متزمجرًا: 
_ هو أنا أبقى وحش مش عاجب، حلو مش عاجب، استغفر الله العظيم، هتخرجوا الواحد عن شعوره.. 

+


إزداد ضحكهم، وأثناء دفع زكريا للكرسي هتف وليد وهو يسير بجواره: 
_ بس أمانة لو طلع ولد سميه وليد

+


_ هي ناقصة قرف يابني، كفاية مستحملينك بالعافية!! 
هتفها زكريا بحنقٍ مصطنع، بينما فغر الآخر فاهه بصدمةٍ وهلل مستاءً: 
_ تصدق إنك لولا خال عيالي كان ليا كلام تاني معاك

+



        
          

                
_ إتلهي
هتفها زكريا فالتزم وليد الصمت حتى وصلوا إلى الخارج وركبوا السيارة، بينما أشعل وليد المُحرك ثم دعس على البنزين فانطلقت السيارة بسرعةٍ عائدًا إلى منطقتهم. 

+


وعِند وصولهم؛ استقبلتهما العائلة بحفاوةٍ، وبعد انتهاء الترحيب الوِدي، وقف زكريا وتعمد جذب ليلى إلى صدره ثم هتف بحماسة شديدة: 
_ ليلى حامل!! 

+


تفاجئت القلوب وابتهجت، وتحدثت العيون قبل اللسان، وعندما استوعبت عقولهم الخبر ارتفع صخب المباركات لـ ليلى وزكريا، حتى دمعت عيونهم تأثرٍ. 

+


ومن بينهم احتضنت هناء ليلى بسعادةٍ وهتفت: 
_ ربنا استجاب لدعايا، الحمدلله دعيت كتير ربنا يعوضكم خير..

+


شدَّت ليلى على ظهر هناء، بينما نظر وليد إلى خلود وغمزها وقال باستنكارٍ وهو يُشير بعينه إلى ما يحدث: 
_ اللي بيحصل دا مش محرك حاجة جواكي؟ 

+


نفت بحركة من رأسها، فاستنفر وليد منها وتمتم بغيظ: 
_ أكيد أنتِ معندكيش قلب! غيرك كان فاتها اتأثرت وجِرت عليا قالتلي يلا نتجوز..

+


إلتوى ثغر خلود للجانب رافعة حاجبها الأيسر ثم أشارت بإصبعيها: 
_ بعد سنتين..

+


إزداد وليد حُنقًا وصاح فيها: 
_ هما السنتين دول مش بينقصوا عندك، اتقي الله بقى أنا على أخري 

+


انفجرت خلود ضاحكة، فانتبه عليها الجميع، فحاولت كتم ضحكاتها بخجلٍ من وراء نظراتهم، ثم لم يكف الجميع عن الحديث ظاهرين سعادتهم بطُرقٍ مختلفة، حيث أن البعض كان يختار الأسماء معهم، والبعض الآخر يدعو لهما بإتمام الحمل، بينما لم يكف وليد عن مشاكسة خلود طيلة الوقت. 

+


***

+


وبينما كانت شاردة الذهن، جاء قاسم حاملًا صينية العشاء، وضعها على الطاولة فلم يجد أي انتباه منها، وكأنها لم تُلاحظ وجوده، قطب جبينه وحمحم ليجذب انتباهها، والنتيجة ذاتها، فاضطر إلى إصدار صوتًا ليعلم ما يوجد خلفها:
_ للدرجة دي مش حاسة بوجودي، إيه اللي شاغلك بالشكل دا؟ 

+


انتبهت عليه زينب، ثم اعتدلت في جلستها وقالت بتِيه: 
_ محستش فعلًا بوجود حضرتك... كنت بتقول حاجة؟ 

+


_ لا أبدًا، بس جبت العشا، ولقيتك سرحانة فاستغربت.. 
هتفها قاسم موضحًا، فألقت زينب نظرةً على الطعام ثم اجتاحها الخجل، وأردفت على استحياء شديد: 
_ يا خبر! حضرتك اللي جبت العشا بنفسك، أنا آسفة والله معر...

+


قاطعها قاسم عندما أعطت للموضوع حجمًا أكبر من حجمه: 
_ بتتأسفي على إيه؟ مفيش حاجة تتأسفي عليها، وبعدين أنا حبيت أحضر يوم العشا، ولا وأنتِ بقى خايفة على بطنك من أكلي؟ 

+


تعمد سكب المُزاح بين كلماته، فابتسمت زينب وهتفت: 
_ لا طبعًا، أكيد حضرتك مش هتعمل حاجة وحشة.. بس دا كان واجبي يعني إني أنا اللي أعمل العشا.. 

+



        
          

                
باستنكارٍ صاح: 
_ واجب إيه يا عبيطة، الأكل دا مشاركة وبيتعمل بحب الناس اللي بنحبها، وأنا بكون مستمتع وأنا بعمله لحد بحبه وأنا قولت الكلام دا قبل كدا لعبدالله والنهاردة بقولهولك أنتِ كمان.. 

+


إزدادت زينب سعادة، ثم اختفت أي معالم للراحة من على وجهها فاستشعر قاسم ثَمَة أمرًا يشغل بالها فسألها باهتمامٍ بعد أن جلس على الأريكة المقابلة لها: 
_ حاسس إن فيه حاجة شغلاكي، حابة تتكلمي؟ 

+


أطالت زينب النظر به، وقعت بين التردد والحيرة من إخباره أم تحتفظ بذلك السر دون أن تفصح عنه لأحد؟ 
أخرجت تنهيدة قوية وقالت وعينيها تنظر في الفراغ أمامها: 
_ مش عارفة بصراحة المفروض أتكلم مع حد ولا اتعامل أنا وخلاص.. 

+


_ احكي لي ووعد محدش هيعرف عن الموضوع حاجة، مش يمكن ألاقي لك حل لحيرتك دي؟ 
قالها بحكمةٍ وهدوءٍ، فأجبر زينب على النظر إليه وكأنه كان ملجأً لها، أخذت نفسًا وزفرته بقوة وبدأت حديثها بتعلثمٍ: 
_ الموضوع ممكن يفاجئك، وممكن يصدمك، والله أنا حاولت أنساه بس هو رجع تاني كلمني فأنا رجعت تاني أفكر فيه غصب عني.. 

+


ضاق جبين قاسم عندما لم يفهم شيء مما قالته، وتساءل حول كلماتها المبهمة:
_ تنسي مين ومين اللي رجع يكلمك؟ فهميني براحة.. 

+


ابتلعت زينب ريقها ثم دنت منه قليلًا واسترسلت بترددٍ كان حاجزًا لخروج كلامها: 
_ عاصم! 
بُص هو الموضوع بدأ من عندي، لما قربت منه وشوفت أسلوبه وطريقته وحياته عمومًا، شخص حنون لدرجة مشوفتهاش قبل كدا، مُهتم بتفاصيل اللي بيحبهم، شخص عفوي ولسانه طول الوقت بيقول كلام حلو.. 

+


أخفضت رأسها في حياء، وتابعت وهي تفرك أصابع يدها بخجلٍ صريح: 
_ أنا اتشديت لكل دا، اتمنيت أكون في حياته، يمكن دا نقص عندي من اللي شوفته وعيشته مع.. 

+


لم تستطع نطق اسم حمادة، ففضلت الصمت وقد استشف قاسم قصدها، وتابع استماعه لها بآذان صاغية مهتمة، فرفعت زينب رأسها مُسرعة ووضحت ما يُمكنه فهمه من وراء كلماتها: 
_ بس والله عمري ما اتمنيت إني أخده من صبا، رغم إني كنت عارفة إن جوازهم مش طبيعي، أنا بس كنت حابة أتحب واتعامل بنفس الأسلوب والطريقة.. 

+


صمتت وتفقدت معالم وجه قاسم، فكان مُستكينًا هادِئًا لم تستشف من وراءه بماذا يدور داخله فتساءلت بترددٍ: 
_ حضرتك ساكت ليه؟ 

+


_ بسمعك، كملي.. 
قالها بنبرةٍ رخيمة، جعلتها تواصل رويها للحكاية: 
_ وقت وفاة ماما الله يرحمها، كان أكتر شخص واقف جنبي، مكنش بيعدي يوم غير لما يكلمني ويطمن عليا ومكنش بيقفل المكالمة قبل ما أوعده إني مش هعيط.. 
كان كل واحد مشغول في حُزنه وقتها سواء حضرتك أو عبدالله، فكان هو الوحيد اللي جنبي.. 
أنا تقريبًا قدرت أتخطى الفترة دي بفضله هو
الفترة دي حسيت إن علاقتنا اتنقلت لحتة تانية، مبقتش علاقة جيران، أو مدير وسكرتيرته، حسيت إن العلاقة بقت قريبة مقدرتش أحط لها اسم ولا معنى لأن أنا وهو معترفناش بحاجة بس جوايا كنت حاسة الإحساس دا.. 
إن علاقتنا بقت في مرحلة تانية خالص غير الأول.. 
لغاية ما هو صدمني.. 

+



        
          

                
نكست رأسها في حُزنٍ غلف صوتها التي اهتز، وخيَّم تقاسيم وجهها، كما جاهدت على منع عبراتها من النزول، ثم استأنفت بنبرة مهزومة: 
_ تقريبًا أخته لاحظت هي كمان إن علاقتنا بقت قريبة، وواجهته فهو حب يوصلي بهزار إن تخيلي ڤاليا مفكرة إننا في علاقة!! 

+


فشلت زينب في التماسُك، وتسابقت دموعها في النزول ثم واجهت عيني قاسم الذي تأثر بكلماتها وأردفت مواصلة: 
_ كان خايف أكون شايفة أنا كمان زيها!! 
أنا وقتها حسيت إن قلبي اتقسم نصين
آه هو معترفش ليا بحاجة صريحة
ويمكن كان بيتعامل بعفوية زي عادته 
بس كون إنه قالي كدا يعني هو عِرف مشاعري نحيته، عِرفها ورفضها.. 
يعني اتوجعت مرتين، مرة لموقفي اللي كان زي الزفت قدامه بسبب أنه عِرف مشاعري نحيته، ومرة لما رفضني!! 

+


أجهشت زينب في البكاء، وعندما فشلت في استجماع شتاتها وضعت يدها على وجهها، ودون تفكيرٍ نهض قاسم وجاورها ثم ربتَّ بيده على ذراعها وردد: 
_ إهدي يا زينب، لو ليا خاطر عندك.. 

+


أزاحت زينب يدها عن وجهها وهتفت عاليًا بنبرة مشحونة: 
_ لقيته النهاردة بيكلمني وبيعتذر لي، بيقولي إنه كان غلط وفاكر إن البعد الحل، بس اكتشف غير كدا وإني كنت شاغله تفكيره طول فترة سفره.. 

+


التفتت برأسها إلى اليمين حيث قاسم وأضافت باستياءٍ: 
_ بعد إيه؟ بعد ما كسر قلبي، وبعد ما اختار الهروب وسافر فجأة؟! 
بعد ما عيطت وحاولت اتأقلم على بُعده، بعد ما حاولت أنساه واشتغل على نفسي، جاي بعد كل دا تاني ليه؟ 
ليه يرجعني للصفر، ليه أحس باللخبطة اللي أنا فيها دي، وأبقى مش عارفة أخد قرار 
مش عارفة أرفضه وأوجعه زي ما هو عمل ولا قادرة أكمل في اللي وصلت له في شغلي بعد ما اشتغلت على نفسي كتير.. 
ليه جاي دلوقتي يلخبطني كدا؟ 
ممكن حضرتك تقولي لو مكاني هتعمل ايه؟ 

+


أخذ قاسم نفسًا زفره على مهل، وبدأ حديثه قائلًا: 
_ لو مكانك، ههدى الأول، عشان القرارات دي مش محتاجة توتر وعياط ولا الحالة اللي أنتِ فيها دا خالص، هحاول اصفي ذهني تمامًا، أشرب لي حاجة سخنة كدا وأبدأ أفكر براحة وبهدوء، بس أفكر بعقلي مش بقلبي.. 
أحط النُقط على الحروف، وأشوف عاصم من كل الزوايا، أدرسه صح، أشوف كل العواقب اللي هتقابلني، أصل الموضوع مش هيكون خاص بيكم بس، متنسيش إن عاصم وصبا كانوا متجوزين، وعبدالله وعاصم مش ألطف حاجة مع بعض، علاقة صبا عملت حاجز كبير بينهم.. 
وهبص، هل هقدر أتجاوز وأفصل بين إنه بقى معايا وإنه كان مع صبا.. 
لو قدرتي تتخطي كل دا ولقيتي نفسك قادرة تواجهي عبدالله من غير ما يزعل اعملي كدا.. 
لأن افتكر إن عبدالله كان مُعترض على جوازك من حمادة وأنتِ شوفتي النتيجة، طبعا دي مقارنة ظالمة أننا نقارن عاصم بحمادة، بس عندنا اعتراض عبدالله في المرتين، لو أنتِ فعلًا حباه وقادرة تعيشي معاه وتنسوا صفحة الماضي، حاولي تقنعي عبدالله وتسمعي منه رأيه بهدوء لأن الوضع هيكون حساس أوي يا زينب.. 

+



        
          

                
أماءت زينب بقبولٍ، ثم نهضت فأوقفها قاسم قائلًا: 
_ على فين؟ والأكل اللي حضرته دا هاكله لوحدي؟ 

+


تذكرت زينب أمر الطعام ثم عاودت الجلوس وشَرعَ كليهما في الطعام، لكن زينب كانت غارقة بين أفكارها وحيرتها في أخذ قرارٍ صائب. 

+


***

+


بعد مرور فترةً؛ وبينما كانت منهمرة في عملها على مكتبها، تفاجئت بيد قد وُضعت أمامها وصوتٍ يُهاجمها: 
_ هو أنا لازم أنزلك مخصوص عشان تتكرمي وتردي عليا؟!

+


وقبل أن تُصدق آذنيها ما سمعته، رفعت رأسها وتفقدته فأصاب حدسها وبالفعل وجدته نفسه، خفق قلبها بقوة، وسيطر عليها حالة من الإضطراب التي جعلتها تفقد النُطق لفترة. 

+


وبصعوبة قابلتها قالت: 
_ باشمهندس عاصم!!

+


_ باشمهندش!! 
رددها باستنكارٍ تام، ثم استقام في وقوفه واستأنف: 
_ هو أنا ممكن أفهم أنتِ مش بتردي عليا ليه؟ 
أنا مش قولتلك فكري وعرفيني رأيك؟ 

+


هربت زينب بنظرها بعيدًا عنه، وهتفت مُتعجبة من أمر ظهوره أمامها فجأة: 
_ أنت عرفت مكاني إزاي؟ 

+


_ هيفرق يعني؟ على العموم مش صعب يعني، أنتِ حطاه في الديسكربشن على صفحتك.. 
أخبرها ليرضي فضولها، ثم أضاف وهو يتفقد المكان حوله:
_ بس أنتِ ملقتيش غير شركة أنس النشار؟! 

+


نهضت زينب فجأة؛ وثأرت لسيرة مديرها التي حضرت: 
_ ماله باشمهندس أنس؟ 

+


رفع عاصم حاجبيه بغرابةٍ واستنكار، ثم قال:
_ وأنتِ مالك بتتكلمي كدا ليه كأنه إبن خالتك؟ 

+


_ طبيعي محبش حد يجيب سيرة مديري بأسلوب مش كويس..
قالتها مندفعة فازداد عاصم حُنقًا وردد: 
_ والله بجد؟ 

+


وقبل أن يُواصل جُملته تفاجئ كِلاهما بخروج أنس من غرفة مكتبه، بدى عليه علامات الدهشة والضيق لرؤياه عاصم، لكنه اقترب منه بثباتٍ، وهتف: 
_ عاصم سيلمان منافسي القوي واقف عندي في شركتي؟ 

+


أجبر عاصم شفاه على الإبتسام، ثم وضع يده في جيبه بنطاله حيث شمخت هيئته ونظر إلى أنس كصقرٍ يتحداه قبل أن يردف: 
_ ليا عندك حاجة تخصني جيت أخدها..

+


ضاق الآخر بعينه عندما لم يستشف مخزى كلامه، 
تلك الأثناء تدخلت زينب ووجهت حديثها إلى أنس بعد أن تفقدت ساعة يدها: 
_ ميعاد قهوة حضرتك يا باشمهندس، تحب اطلبهالك؟ 

+


_ ياريت يا زوز والله، دماغي مش مظبوطة.. خليهم اتنين عشان الباشمهندس عاصم... 
دلَّلها أنس بعفوية، جعلت نيران غيرة عاصم تشتعل داخله، تشنجت ملامحه، وضاقت عينيه التي رمق بهما أنس بحدةٍ، ناهيك عن شفتيه المضمومتين يكتم غيظه بصعوبة. 

+


كان شاردًا في ملامح الآخر كأنه يود لكمه، حتى أخرجه أنس من شروده قائلًا: 
_ تعالى يا عاصم ندخل المكتب ندردش شوية، وبالمرة تقولي إيه اللي يخصك عندي في شركتي.. 

+



        
          

                
انصرفت زينب من أمامهما مُسرعة، بينما ولج عاصم على مضضٍ خلف أنس الذي جلس أولًا ثم بدأ حديثه بعجرفةٍ: 
_ أنت صحيح رِجعت امتى من السفر؟ دا أنا كنت سمعت إنك معتش راجع هنا تاني.. 

+


كان الهواء أثقل من الكلام بينهما، يتنفس عاصم بصوتٍ مسموع كمن يقاوم شيئًا داخله، يحاول جمع شتات كلماته، أن يجبُر صوته على الخروج، وبصعوبةٍ قابلها أجابه وهو يجلس أمامه، فقط ليرى التعامل بينه وبين زينب إلى أي مدى قد وصلا.  

+


دار بينهما حوارًا، حتى جاءت زينب ووضعت كوبان القهوة على الطاولة بينهما فتحدث أنس ببرودٍ: 
_ إحنا نسينا نسأل الباشمهندس بيشرب قهوته إيه.. 

+


ثم وجه أنظاره على عاصم واسترسل: 
_ بس أيًا يكن القهوة اللي زينب عملتها فأحب أأكد لك إنك هتطلب واحدة تانية من حلاوتها.. 

+


ومن بين قهقهته تغزل أنس في زينب: 
_ لا مقصدش حلاوة زينب، قصدي على حلاوة القهوة.. 

1


فارت دماء عاصم وبلغ ذُروة تحمله، فهب واقفًا مما أثار الريبة حوله، اقترب من زينب وأمسك يدها جاذبًا إياها بقُربه، فاستشاط أنس غيظًا ووقف وعينيه مُصوبتين على يدهما، ثم تساءل بجمودٍ يخفي خلفه نيران مُتقدة على وشك إحراق عاصم: 
_ إيه اللي بيحصل هنا؟ 

+


ثم وجه حديثه إلى زينب وسألها بحدةٍ: 
_ في إيه يا زينب بالظبط؟ 

+


لاحظ أنس محاولات زينب على تحرر يدها، فاقترب من عاصم بعينين حادتين وقال من بين أسنانه المتلاحمة:
_ احترم إنك في مكتبي وسيب ايديها..

+


دنا منه عاصم حتى أنه خبط في صدره، وهتف بملامح غاضبة وأسنانٍ تحتك ببعضها: 
_ قولت لك برا إني جاي أخد حاجة تخصني! وزينب تخصني! 

+


أنهاها ثم شدَّ على يد زينب وأجبرها على الخروج تحت صدمةٍ من زينب على جُرأته، لم تخفض نظرها عن أنس وشعور الخجل قد تملك منها، حتمًا سيخلق فكرةً سيئة عنها الآن. 

+


طلب عاصم المصعد الكهربائي وولج به رفقة زينب التي ما أن أغلق بابه عليهما حتى سحبت يدها بعنفٍ وصاحت متذمرة: 
_ إيه اللي أنت عملته دا، أنت كدا خسرتني شغلي! وبأي حق أصلًا تمسك إيدي وتخرجني من الشركة غصب عني كدا؟ 

+


بتهكمٍ تحدث عاصم: 
_ زعلانة أوي على الشغل؟ أنتِ عارفة مين أنس النشار؟ 
راجل مُتعدد العلاقات، أنا مش عارف أنتِ وصلتي له إزاي؟ 

+


_ وأنا مالي متعدد العلاقات ولا لأ، كل اللي بينا شغل، شغل وبس! 
هتفت بغضبٍ شديد، فانفعل عاصم من خلف أسلوبها الفظ: 
_ اللي بينكم شغل بالنسبة ليكي لكن بالنسبة له لأ، أنس متجوز يجي فوق العشرين مرة وكلهم كانوا السكرتيرات بتوعه، بيتسلى تحت إطار شرعي، يقعد يتغزل في أي سكرتيرة بتيجي له جديد، لغاية ما يوقعها ويُطلب منها الجواز ويقضي له معاها يوم ولا اتنين ولا شهر بالكتير وبعدين يطلقها ويجيب غيرها، وتقريبًا إن مكنش أكيد الدور كان عليكي!! 
ودا بالظبط اللي خلاني أرجع أول ما عرفت إنك اشتغلتي هنا.. 

+



        
          

                
صدمة حلت على وجه زينب، وتذكرت المرات العديدة التي شعرت بها بالنفور من تصرفات أنس، ناهيك عن تودده إليها من بين الحين والآخر، فشعرت بالإسيتاء الشديد لسذاجتها، فلم تستطيع مواجهة عيني عاصم بعد ما علمت به. 

+


توقف المصعد وخرج منه عاصم وانتظرها حتى انتبهت عليه فخرجت إلى جواره، وسارا حتى خرجا من المبنى فتوجه عاصم إلى سيارته بينما كادت زينب تُغادر من طريقٍ مُعاكس فصاح عاصم وهو يُعَاود غلق باب سيارته: 
ـ أنتِ راحة فين؟ 

+


توقفت وأجابته بنبرةً جامدة: 
_ ماشية.. 

+


_ هو أنا نازل من أمريكا ومنزلك من هنا عشان تسيبني وتمشي، ما أكيد جاي لك عشان نتكلم، اتفضلي اركبي
قالها باسيتاءٍ لهروبها، فترددت زينب في الركوب معه، فحثها عاصم على مُرافقته: 
_ يلا يا زينب لو سمحتي.. محتاجين نتكلم 

+


توجهت نحوه بِخُطى ثابتة، وقامت بركوب السيارة معه، فتحرك عاصم وتساءل باهتمامٍ:
_ تحبي تروحي مكان معين ولا... 

+


قاطعته زينب باقتضابٍ: 
_ أنا مش عايزة أروح في أي مكان أنا عايزة أروح..

+


_ مش اتفقنا نتكلم؟! 
قالها وهو ينظر إليها بعتابٍ فهتفت زينب دون النظر إليه: 
_ ممكن نتكلم في العربية عادي.. 

+


لم يُريد عاصم الضغط عليها، أخرج تنيهدة ليكون في صدره مُتسع للحديث وبدأ كلامه بصوتٍ أجش: 
_ طب أنتِ مكنتيش بتردي على مكالماتي ليه؟ 

+


_ عشان مكنش عندي رد.. 
هتفتها بهدوءٍ فعبست ملامح عاصم وقال بضيقٍ: 
_ يعني إيه؟ 

+


_ يعني إحنا قدامنا عواقب كتيرة أوي وأنا مش عارفة أخد قرار بسببهم
قالتها فصف عاصم السيارة على جانب الطريق، ثم اعتدل حيث يكون مقابلها وتساءل حول تلك العواقب: 
_ عواقب إيه دي؟ 

+


رفعت عينيها في عينيه، وتأثرت بنظراته حيث أن قلبها خفق بقوة، فوسامته كانت طاغية للغاية وهي لن تنكر اشتياقها له حتى وإن لم تُظهِر: 
_ أنت ناسي إنك كنت متجوز، واللي كنت متجوزها دي بقت مرات اخويا، أخويا اللي عمري ما هعمل حاجة تزعله حتى لو على حسابي، كفاية أوي عِنادي قبل كدا وصلني لإيه.. 

+


نظر أمامه وتفقد الطريق لبرهة قبل أن يُعاود النظر إليها وردد بتلهفٍ: 
_ بس أنتِ وأخوكي وكلكم عرفتوا خلاص حقيقة جوازي من صبا، مش محتاج أقول إنه مكنش مبني على حب وكان جواز طبيعي عشان يكون عقبة!! 

+


_ بس في الآخر اسمه جواز، وأنت وعبدالله علاقتكم مش أحسن حاجة من وقتها، ووجود صبا كمان صعب عليا، عشان حتى لو جوازكم مكنش حقيقي بس في الآخر كنتوا متجوزين وأنا شوفت تعاملك معاها عن قُرب ودي تاني عقبة وتالت عقبة أهلك، يا ترى هيقبلوني؟ 
وقبل ما تبرر عايزاك تعرف إن مهم عندي أوي إني أكون مرغوبة وخصوصًا من أهلك، لأن أنا بقيت لوحدي أوي، وأنا محتاجة تجمعات عائلية مليانة دفا وحنان.. 

+



        
          

                
أخرجت زفرةً مهمومة ثم أخفضت بصرها وداعبت أصابع يدها قبل أن تُضيف:
_ حاجات كتير أوي قدام علاقتنا يا عاصم، مش هقدر أتخطاها عشان تكون في الآخر معاك، وأنا معتش قادرة أحارب، طاقتي خلصت ونفسي اتقطع، محتاجة علاقة مُريحة، مفيش فيها مشاكل ولا صِراعات، ودا مش هيكون فيه علاقتنا خالص! 

+


تقبل عاصم كلامها بصدرٍ قد ضاق رحبه، لكنه تحلى ببعض الصبر وأردف بجدية: 
_ بس أنا لسه نفسي طويل، وطاقتي مشحونة، ومستعد أواجه كله عشانك، أنا مش محتاج غيرك يا زينب في حياتي.. 
أنا بكون مرتاح وإحنا سوا، الشعور اللي بحسه دا ميتقلش بالدهب ولا له وصف حتى بالكلام..
إحساس نفسي أعيشه كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة، ودا مش هيحصل غير وأنتِ في حياتي.. فأنا مستعد أواجه عبدالله وأحسِن علاقتي معاه عشان خاطر عيونك.. 

+


تنهد بقوة واستأنف: 
_ أما لو على أهلي، فمش هقدر أقولك إنهم مش هيمانعوا ودا مش لشخصك، إطلاقًا بس أكيد هيربطوا جوازي بصبا بيكي، بس أنا متأكد إنهم مع الوقت هيتقبلوا علاقتنا لما يعرفوكي، ويشوفوكي
زي ما أنا شايفك!! 
ودلوقتي مفضلش غير موافقتك أنتِ.. ها قولتي إيه؟ 

+


أطالت زينب النظر به، تتخبط بين القبول والرفض، حتى حثَّها قلبها على القبول فمال ثغرها للجانب وشكلت بسمةً رقيقة جعلته يبتسم بجاذبية ويُهلل عاليًا:
_ ضحكت يبقى قلبها مال ولا إيه؟ 

+


أخفضت رأسها في حياءٍ وتمتمت بخفوت: 
_ مال خلاص.. 

+


تبادلا النظرات الحماسية وخفق قلبهما بسعادةٍ لم يعهداها منذ فترة طويلة، وأخذا يتفقان كيف سيُفاتحان الجميع عن أمر علاقتهما. 

+


***

+


انقضى شهر عسل العروسين، وعادوا إلى منزلهم، نقلهم قاسم رفقة زينب بالسيارة من المطار، كان عبدالله جالسًا في الخلف جوار صبا وزينب إلى جوار قاسم في المقاعد الخلفية، بينما بدأ قاسم  الحديث مُعلِقًا ببسمةٍ: 
_ شهر العسل تأثيره باين على وشك، أول مرة من يوم ما عرفتك أشوف وشك مرتاح كدا.. 

+


تقوست شفاه عبدالله ببعض الخجل ثم رمق صبا وقال بعذوبة: 
_ الفضل يرجع للدكترة..

+


غمزها بوقاحةٍ فبرقت صبا بعيونها مستنكرة جُرأته، بينما ضحك قاسم وشاركه عبدالله الضحك، حتى انتهى وأردف بحسمٍ: 
_ بما إننا مع بعض يبقى نقضي اليوم سوا ونتغدى سوى

+


بادرت زينب في الرفض مُعللة أسبابها: 
_ لا غدا إيه، أنتوا راجعين من سفر ومحتاجين ترتاحوا، خلوها يوم تاني..

+


أصرَّ عبدالله على بقائهم قائلًا: 
_ لا لا، إحنا نايمين كتير في الطيارة، متقلقيش علينا.. 
هنقضي اليوم مع بعض، أنا كمان هكلم العيال يجوا بليل ونسهر سوا، أنتوا مش متخيلين كلكم واحشِني قد إيه.. 

+


_ والله غيابك كان فارق جدًا، بس الواحد كان بيصبر نفسه إنك مبسوط.. ربنا يديم وجودك يا حبيبي 
هتفها قاسم بحبٍ فأجبر عبدالله على القيام بنصف قامته وقام بتقبيل رأسه من الجانب حيث كانت قريبة منه مرددًا بنبرةٍ بها حنانًا: 
_ ربنا يبارك فيك يارب.. 

+



        
          

                
ثم عاود الجلوس، وتسامر الجميع حتى وصلا إلى عش الزوجية الخاص بعبدالله وصبا، وتحت إصرارٍ من عبدالله علي بقائهما قد قبلا، صَعِدَ الجميع حيث الطابق الكائن به الشقة، ثم ولجوا وأخذ كلًا مجلسه. 

+


استأذنت صبا للدخول الى غرفتها، بينما كانت زينب شاردة، تود الإفصاح عما يدور داخل عقلها، لكن تتراجع فهما للتو قد وصلا من سفرٍ، عليها الإنتظار قليلًا، قليلًا فقط. 
_ مالك يا زوز، مين اللي واخد عقلك؟ 
هتفها بمزاحٍ، فانتبهت عليه زينب وقد رسمت ابتسامة لم تتعدى شفاها وقالت: 
_ مفيش.. 

+


فعاود عبدالله سؤالها:
_ عاملة إيه في الشغل؟ 

+


بتلقائية دون تفكيرٍ: 
_ أنا سيبته بقالي فترة ..

+


عقد عبدالله جبينه وتساءل مستفسرًا: 
_ ليه، حصل حاجة لا إيه؟ 

+


تبادلت زينب النظرات مع قاسم الذي حثَّها على البوح بما تخفيه، فأثارت نظراتهما الريبة داخل عبدالله الذي هتف بقلقٍ: 
_ هو فيه إيه، أنتوا بتبصوا لبعض كدا ليه؟ 

+


أخفضت زينب رأسها وداعبت أصابع يدها بخجلاٍ صريح قبل أن تُجيبه بترددٍ: 
_ بالنسبة للشغل، سيبته لأنه مكنش مناسب، بس فيه حاجة تانية.. 

+


ابتلعت ريقها تحت اهتمامٍ كبير من عبدالله لسماع بقية الحديث التي تابعته زينب: 
_ فيه شخص متقدم لي.. 

+


ارتسمت معالم المفاجئة على تقاسيم عبدالله، ثم ابتسم قبل أن يُعقب: 
_ مين دا؟ حد أعرفه؟ 

+


رفعت زينب رأسها وأطالت النظر في عيني عبدالله وهي تتصور رد فعله بعد إخباره بهويته، فتعود بأدراجها ولا تود الإفصاح عن الهوية لكن إلى متى ستهرب؟ 

+


_ عاصم! 
نطقتها بسُرعة البرق، متأملة عدم سماعه لكن هيهات لأذنيه اللتان التقطا الإسم ولم يريد تصديقه فردده دون استيعابٍ: 
_ عاصم؟ عاصم مين؟ إوعى يكون عاصم نفسه... 

+


قاطعه قاسم مؤكدًا:
_ هو يا عبدالله.. 

+


هب عبدالله واقفًا وعينيه قد ضاقت وظهر فيهما التزمجر، تلك الأثناء عادت صبا من الداخل ورأت غضبه الذي صدر منه بصوتٍ منفعل: 
_ أنتوا بتقولوا إيه؟ عاصم مين اللي متقدم لك؟ يعني إيه أصلًا؟ يعني دا حصل بناءً على إيه؟ هو في إيه يا زينب؟ 

+


سيطر الخوف لحظتها على زينب، فشعر بها قاسم وتولى الإجابة على أسئلة عبدالله بنبرة رزينة: 
_ عبدالله اهدى لو سمحت، واقعد وافهم.. 

+


رمقه الآخر طويلًا ثم عاد إلى كُرسيه، فتابع قاسم حديثه بهدوءٍ: 
_ أنت أكيد مش ناسي إنهم اشتغلوا مع بعض فترة، والفترة دي هما الإتنين حساباتهم اتغيرت ومشاعرهم من غير ما يقصدوا اتحركت، وبقول من غير ما يقصدوا لأن كل واحد فيهم بِعد وعاش حياته، هو سافر وزينب اشتغلت في مكان تاني، بس جواهم كان طول الوقت مشغول بالتاني، لغاية ما عاصم كلم زينب من فترة وطلب يتقدم لها.. 

+


كان مبالغًا لعقل عبدالله ليتم استيعاب ذلك القدر، نظر إلى زينب مدهوشًا وأردف: 
_ أنتِ عايزة عاصم يا زينب؟ 

+


أسرعت في خفض رأسها فلم تتجرأ على مواجهة عيني أخيها وهمست مُجيبة سؤاله بخجلٍ: 
_ أنا يهمني رايكم أنت، لو مش موافق فأنا كمان مش موافقة! 

+


أخرج عبدالله زفرةً ثم ألقى نظرةً على صبا التي تُجاهد على إخفاء سعادتها، ثم عاود النظر إلى زينب وهتف: 
_ مش مهم أنا قد ما هو مهم رأيك أنتِ، أنا محتاج أفهم إزاي، ملقتكيش غير عاصم يا زينب؟ 

+


رفعت رأسها وقابلت عينيه بمزيجٍ من الخوف والتوتر، وتمتمت: 
_ والله ما كان فيه حاجة مترتبة ومعرفش حصل إزاي، بس أنا لقيت فيه كل إحساس ناقصني، لقيت فيه حاجات كان نفسي أعيشها، وكان نفسي ألاقيها في شريك حياتي.. بس صدقني كل دا مش مهم خالص لو أنت مُتقبل العلاقة، وبِنفس راضية يا عبدالله مش هزعل، أنا المهم عندي أنت 

+


وقع عبدالله في حيرة من أمره، كم تمنى أن يكون حُلمًا ليس إلا، لكن الأسوأ أنه حقيقة، تنهد بقوة وتمتم بتعلثمٍ:
_ طب أنتوا قولولي المفروض استوعب إزاي أصلًا اللي بيتقال دا، عاصم اللي كان....

+


لم يستطع مواصلة كلامه عندما لم يتقبل لسانه حمل تلك الكلمات الثقيلة لقلبه، وصمت ثم استأنف: 
_ يعني إيه أحط ايدي في ايده والمفروض أتعامل عادي؟ صبا هتفضل حاجز بينا، ومفتكرش إني هعرف أتعامل معاه كويس وخصوصًا في وجودها.. 
جماعة أنتوا فاهميني؟ 

+


_ هو أنا ممكن أقول حاجة يا عبدالله؟ 
قالتها صبا باحترامٍ فنظر إليها الجميع وقد سمح لها عبدالله فأردفت موضحة بعض النقاط: 
_ أنا عارفة يا حبيبي ومتفهمة جدًا إحساسك، ودا طبيعي، بس اللي مش طبيعي إنك تكون عارف حقيقة الجواز منه وتفضل أخد موقف.. 
دا أولًا، ثانيًا، فيه علاقات بتحسها مستحيلة ومش مُتقبلها بس بتكمل عادي، زي إن الزوج يتجوز أخت مراته، أو الراجل يتجوز مرات أخوه لو حصل طلاق أو موت، وبتلاقي الحياة عادي، أنا شايفة طلاما في إطار حلال يبقى فين المشكلة؟ 
ثم إن زينب بتحبه وبتقول إنها لقت فيه حاجات كانت مفتقداها، وأنا متأكدة إنه هيحافظ عليها وهيعوضها.. 
لأن عاصم شخصية جميلة وأنت لو عرفته هتحبه.. 

+


_ لأ، كفاية أنتِ عرفتيه وحبتيه يا دكتورة!! 
يا ترى التعويض كان حلو؟ لو حلو وهيعوض أختي زيك فأنا معنديش مشكلة.. 
هتفتها بغضبٍ ثم نظر إلى زينب وقال: 
_ مبروك عليكي عوض عاصم يا زينب، شخصية  جميلة، الدكتورة أدرى طبعًا!! 

+


وما إن أنهى جُملته الصادمة، حتى خيّم الصمت على المكان، تجمّدت الوجوه، وتبدّلت النظرات، وكلٌّ شعر بالصدمة على طريقته، غير أنّ أكثر من تأذّى كانت صبا، اتّسعت عيناها بدهشة، وانقلبت ملامحها بين وجعٍ وإهانة.

+


شعرت أنّ كلماته لم تكن جارحة فحسب، بل كانت قاسية، مقصودة، وأمام الحاضرين جميعًا.
وقبل أن ينطق أحد بكلمة، نهضت بثباتٍ مكسور، تركته واقفًا في منتصف الحديث، ودخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفها بصمتٍ موجع.

+


***
حبيت اقسم الخاتمة لأنها طويلة، انتظروا الجزء الأخير من الخاتمة.. 

+


                                              
الخاتمة الأخيرة 
على دروب الهوى 
بقلمي تسنيم المرشدي 

+


**** 

+


_ يا بني إيه اللي أنت عملته دا؟ قوم راضيها، وإحنا هنمشي.. 
هتفها قاسم بضيقٍ لما أحدثه عبدالله، كاد يقف لكن عبدالله بادر بالوقوف وردَّ عليه: 
_ أنا راجع لكم، محدش يمشي، الموضوع دا لازم يتحط له حد!! 

+


قالها ثم أولاهما ظهره وتوجه إلى الغرفة التي اختفت خلفها صبا، بينما لم تتمالك زينب عبراتها التي تسارعت في النزول وهتفت ناعتة نفسها:
_ أنا السبب، ياريتني ما اتكلمت، ياريتني رفضته من نفسي ومكنش دا حصل!! 

+


أخرج قاسم زفرةً مهمومة قبل أن يُردف: 
_ أنا من الأول قولتلك الموضوع هيكون حساس جدًا، وأنتِ طلاما واجهتي يبقى تكملي للآخر، واللي حصل دا غلطة عبدالله مش غلطتك أبدًا، لأنه مهما حصل مكنش ينفع يقول كدا لصبا وخصوصًا قدامنا.. 

+


نظرت إليه زينب كغريقٍ يتعلق في قشٍ، بينما أشار إليها قاسم بأهدابه أن تهدأ، فحاولت إسكات صوتها الداخلي الذي لا يكُف عن اللوم. 

+


في الداخل؛ ولج عبدالله الغرفة فوجدها جالسة على طرف الفراش تستند بكفيها على الغِطاء، تُحدق أمامها في صمتٍ مريب، أغمض عينيه وأطلق زفرةً قوية لِيُخرج شُحنته السلبية ثم تابع خُطاه نحوها، جاورها في الجلوس وحدق أمامه دون حديثٍ لوقت. 

+


يُرتب كلماته قبل إخراجها حتى لا يزداد الأمر سوءًا، تنهد ثم التفت برأسه ورمقها أولًا وتحدث بصوتٌٍ نادم: 
_ والله العظيم من غِيرتي اتكلمت كدا.. أنا آسف، حقك عليا...
بس حُطي نفسك مكاني، لو جيت اتكلمت قُصادِك عن واحدة غيرك وبمدح فيها هيكون إيه رد فِعلك؟ 

+


_ هغير أكيد.. ومش هتقبل الكلام
تمتمت بها صبا، فشعر عبدالله بطوق نجاته في كلماتها وردد: 
_ شوفتي؟!، ودا بالظبط اللي حصل معايا!!

+


أدارت صبا رأسها وبملامحٍ حزينة همست بنبرةٍ مهزوزة: 
_ بس مش هجرحك بالشكل دا قدام حد، وهحاول أحكِم عقلي وأمسك لساني قبل ما يزعلك.. كنت هغِير بس بطريقة لا تقلل منك ولا تجرح قلبك

+


هبّت صبا واقفة واسترسلت بصوتٍ مرتفع قليلًا: 
_ على فكرة بقى، بعيدًا عن الغيرة والكلام دا، اختك مش هتلاقي واحد يصونها زي عاصم، أنا فِضلت في بيته مُعززة مُكرمة مِتصانة، راجل وِفَى بوعده معايا.. 

+


_ خلاص يا صبا.. 
صاح بها عبدالله قبل أن ينتفض من مكانه غير مُتقبلًا كلامها، فتابعت هي دون توقف: 
_ لا مش خلاص، أنا عشان بحب زينب وعيشت معاها تجربتها الأولى عايزاها تعيش حياة كويسة مع إنسان كويس بيفهم وهيراعي ربنا فيها 

+


_ اسكتي بقى، بطلي تجيبي سيرته قدامي، بتجنن.. 
تكلم بصوتٍ جهوري، اهتزت له الجدران من شدته، فصرخت صبا بما لديها: 
_ أنت متعرفش أنا بعيش تأنيب ضمير إزاي كل ما افتكرت إني بوظت لعاصم حياته مقابل إنه وافق يتجوز واحدة من غير أي ترتيب ولا حتى فكر في العواقب وقتها... 

+



                
_ ششش، اسكتي اسكتي مش عايز أسمع كلامك دا 
ارتفع صوته المُنفعل كأن الغضب قد دفع بكلماته دفعًا، ظل يصرخ وهو يضرب الحائط بيده فصمتت صبا عندما وجدته خرج عن طوره، وأسرعت نحوه مُحاولة إيقافه بإبعاد يده عن الحائط: 
_ خلاص عشان خاطري، أنت هتإذي ايدك كدا 

+


ولكن هيهات لغضبه الذي يريد أن يُفرغه حتى لا يقتل أحدهم، فاضطرت صبا للوقوف أمامه ُمشكلة حاجزًا بينه وبين الحائط وأثناء وقوفها لكم عبدالله وجهها دون قصدٍ فرفعت صبا كِلتى ذراعيها تحمي بهما وجهها من لكماته. 

+


حينذاك توقفت يدي عبدالله، ولعن نفسه حينما أدرك أن تسرعه وتصرفاته الغير محسوبة كانت سببًا في إيذاء صبا، وزاد آلمه حين رآها تقف أمامه تُحاول حماية نفسها منه، وكأن خوفها منه خنجرًا قد غرس في قلبه. 

+


جذبها إليه مُحاولًا إدخالها إلى صدره، فكانت صبا مُتجمدة مكانها، وبندمٍ شديد ظل يعتذر مُرارًا وهو يُقبل رأسها: 
_ أنا آسف، والله ما كنت أقصد، حقك عليا..

+


أزاح يدها عن وجهها فوجد أثرًا على وجهها إثر لكمته، فتشنّجت تعابيره وعض شِفاه بعنفٍ انتقامًا لها من نفسه، هاتفًا بشجنٍ وصوتٍ مهزوز:
_ ياريتها كانت اتقطعت ولا اتمدت عليكي 

+


وأخذ يُقبل وجهها مكان لكمته، فتراجعت صبا للخلف ثم توجهت بِخُطى هزيلة إلى الفراش فَتَبِعها عبدالله بعينه حتى جلست وقالت وعينيها مُثبتة على الأرض: 
_ لو سمحت سيبني لوحدي.. 

+


رفض عبدالله واقترب منها مُحاولًا إرضائها: 
_ صبا، أنا..

+


لم تُعطِيه فُرصة لمواصلة حديثه حيث تحدثت هي بنبرةٍ مُتشنجة رغم انخفاض مستواها: 
_ عايزة أكون لوحدي، سيبني لوحدي

+


أطال النظر بها قبل أن يُتركها تهدأ وهو يُجمع شتاته ثم يعود إليها مُجددًا، وقف أمام باب الغرفة وتذكر أمر أبيه وزينب الجلسان في الخارج فشعر بالحرج من نفسه فبأي وجهٍ سيُقابلهما بعد صُراخه. 

+


فتح الباب فجأة، لِيَحدُث كما يحدُث، لقد خرّب كل شيء، لكن المفاجأة أنه لم يجدهما، زفر أنفاسه ببعض الراحة لكن سُرعان ما انتابه شعور الخِزي من نفسه، التفت برأسه ورمق طيف صبا الظاهر من الغرفة بعيون دامعة وصدرٍ مكلوم. 

+


لم يستطع المكوث مكانه، وعاد إلى الغرفة، توجه نحوها مباشرةً وجسى على رُكبتيه أمامها، ثم أمسك يديها وطبع بعض القُبلات داخل كُفوفها فتساقط دمعه على يدها ثم رفع عينيه في عينيها التي تنهمر منهما الدموع في صمتٍ وقال بصوتٍ مبحوح: 
_ والله ما أقصد.. سامحيني
أنا مش برر لنفسي، بس فكرة إنك كنتي لغيري مِجنناني، مِخلية شيطاني يتخيل حاجات صعبة، مش قادرة أتخطى يا صبا، بس وعد هحاول.. المهم متكونيش زعلانة.. 

+


ابتلعت صبا ريقها، وتنفست بعض الهواء لِتَغمُر رئتيها بالأكسجين، ويكون هناك مُتسعًا في صدرها، ما كان ليهون عليها بُكاءُه، فرفعت يدها ومسحت عبراته بنعومة فابتسم لها عبدالله ابتسامة خُلقت من قلب وجعه، وقام بإسناد رأسه على قدميها مُتمتمًا بأسفٍ: 
_ متزعليش مني يا دكترة..
أخفضت صبا رأسها إلى مستوى رأسه وأسندتها عليه دون حديث، فمرت دقيقتين ثم نهض عبدالله وجوارها متفقدًا عينيها ليستشف إذ الحزن ما زال 
بهما، ثم سمح لنفسه بطبع قُبلاتٍ حارة على طرف ثغرها هامِسًا كلماتٍ مُحملة بالغيرة التي لم يستطع إخفائها: 
_ غصب عني مش قادر أستلطفه، أنتِ كنتي حبيبتي وبقيتي مراتي يعني بقيتي روحي، جزء مني
كان يُصرِّح بذلك من بين قُبلاته التي تزداد كإثباتٍ لِعشقه وغيرته الشديدة، تمادى عبدالله في التودّد إليها، لا حبًّا فقط، بل رغبةً في بسط هيمنته علّ ذلك يُعِينه على تَخطّي زيجتها السابقة. 

+



        

          

                
لم تصده صبا، بل تركته يتودد إليها، أملاً في أن يُخفّف ذلك غيرةً أرهقته ويُطفئ ما أثارته مُخيّلته، حتى أنه كان حاد التعامُل، على نحوٍ لم تعهدهُ في أي مرة سابقة، لكنها أرادته أن يهدأ مهما كان الأسلوب. 

+


*** 

+


بعد فترةٍ، خرج عبدالله من المِرحاض يتوسط خَصْرُه مِنشفةً طويلة، توجه مباشرةً إلى الخزانة فتحدثت  صبا وهي تُتَابع حركته من خِلال المِرآة التي تجلس أمامها وتُجفف خُصلاتها بالمُجفف الكهربائي: 
_ أنا مخرجة لك هدوم على السرير..

+


_ دي هدوم بيت، أنا رايح بيت المزرعة.. 
قالها وهو يسحب بعض الملابس له، بينما لم تُعلق صبا فتابع حديثه بجدية:
_ قومي يلا إلبسي عشان تيجي معايا.. 

+


أخفضت صبا عينيها من عليه سريعًا وتصنعت انشغالها قبل أن تُعطيه ردًا: 
_ روح أنت، خليني أنا هنا.. 

+


رمقها عبدالله لثوانٍ وتوجه إليها ثم انحنى بجسده وقام بإسناد يديه أعلى كتفها مُقبِلًا وجنتها رافعًا عينيه في عينيها المنعكسة من المِرآة وأردف بنبرةً رخيمة: 
_ هنروح سوا يا صبا، أنا محتاج أصلّح اللي عملته قُصادهم..

+


نهضت صبا مُبتعدة عنه وقالت بخجلٍ صريح: 
_ أنا يا سيدي راضية بالمُصالحة الخاصة، كفاية أوي عليا كدا..

+


_ وأنا مش راضي، زي ما ضايقتك بالكلام قصادهم يبقى واجب عليا اراضيكي برده قصادهم.. 
قالها بإصرارٍ على مُرافقتها، لكنها اعترضت أمره: 
_ يا عبدالله أنا مش هعرف أبص في وش حد.. فمتضغطش عليا لو سمحت..

+


_ ودا السبب بالظبط إني مُصر أخدك معايا.. 
هتفها ثم دنا منها وتحسس وجهها بنعومة مـستأنِفًا بصوتٍ هادئ: 
_ مش عايز عينك دي تكون مكسورة قدامهم في أي مُقابلة ولا يكون جواكي إحراج منهم، يلا بقى يا حبيبي إلبسي عشان خاطري.. 

+


شجعها للقَبُول، فلم تجد سببًا آخر للإعتراض، ولبت أمرِه، قامت بتغير ملابسها وغادرت المنزل معه، ركبا السيارة حتى وصلا إلى بيت المزرعة وبعد مُدةٍ، تعمد عبدالله احتضان يدها وهما يقفان على باب البيت، بينما كانت صبا مُضطربة خجولة، تُحِيطها مشاعرٍ عِدة من كل جانب. 

+


بعد لحظاتٍ؛ فتح قاسم الباب وقد بدت عليه معالم الدهشة لوجودهما، شعر أنه لا يمكنه التصرف أو إبداء فعلٍ بعد ما حدث قبل ساعاتٍ، لا يدري ما عليه الشعور به، لكنه رحب بهما ودعاهم إلى الداخل. 

+


جاءت زينب في الحال لترى من الزائر، فتفاجئت بوجودهما أيضًا، ولم تُبدي رد فعل، فكان على عبدالله المُبادرة وبِدء ما جاء لأجله، حمحم وقال وعينيه تتناوب النظر بين الثلاثة: 
_ الكلام جنني ومعرفتش أنا بقول ولا بعمل إيه؟ 
بس أنا دلوقتي هِديت، وجيت هنا عشان أصلح اللي عملته.. 

+


نظر إلى صبا وتابع بصوتٍ نادم يُريد رد اعتبارها أمامهما: 
_ حقك عليا يا صبا، والله العظيم دا من غِيرتي عليكي بس اتكلمت كدا، وياستي من عفا وأصلح كان له أجرًا عظيما، أنا بحبك والله 

+



        
          

                
غمزها فابتسمت هي وبمزاحٍ هتفت: 
_ خلاص عفونا عنك 

+


ضحك عبدالله فتسللت السعادة في قلبي قاسم وزينب، الذي جاء دورهما في الحديث حيث قال وهو ينظر إلى زينب:
_ ودلوقتي دورك يا أستاذة، أنا عايز أعرف أنتِ عايزة إيه بالظبط، ومن غير ما تُبصي ليا خالص.. 

+


_ طب نقعد الأول وبعدين اتكلموا 
اقترحها قاسم فجلس الجميع، وتوجهت الأنظار على زينب التي انكمشت في نفسها خشية أن يحدث ما حدث سابقًا، فاستشف عبدالله ما تعيشه وأراد طمأنتها: 
_ متخافيش يا زينب، اتكلمي وقولي أنتِ عايزة إيه..

+


أخرجت زينب زفرة طويلة، وأردفت بصوتٍ بالكاد سمعوه ورأسٍ منخفض لا تُجابِه عيونهم: 
_ أنا نفسي أحس إني مرغوبة يا عبدالله، نفسي أحس بالأمان، عايزة شخص يقدرني ويحترمني، وكرامتي عنده رقم واحد، عايزة أكون مُرفهة مش شايلة هم حاجة، ولا خايفة من بكرة، والأهم إن العلاقات حواليا تكون كويسة، مش عايزة أكرر نفس الغلطة وأخلق بيني وبينك مسافات تانية أنا في غِنى عنها.. 

+


سحب عبدالله نفسًا هادئًا رزينًا ثم هتف سؤاله الجاد: 
_ وأنتِ شايفة إن عاصم يقدر يحقق لك كل دا؟ 

+


بصعوبة رفعت زينب عينيها ورمقته لوقتٍ ثم أعطته إجابةٍ متلعثمة: 
_ مش عارفة، يمكن آه ويمكن لأ.. 

+


_ طب وإحنا نعرف منين إنه الشخص المناسب؟  وهيكون جدير إنه يِسد كل الخانات دي ليكي؟ 
تساءل باهتمامٍ، فردَّت زينب مُقترحة: 
_ أنا محتاجة وقت لأسباب كتير، أولهم إني أتأكد أنه الشخص المناسب اللي هقدر أكمل معاه بقيت حياتي، يعني مسألة الجواز دي مش في دماغي حاليًا، مش قبل ما اطمن وأحِس من جوايا إني عايزة أكون معاه في بيت واحد.. 

+


_ وتاني سبب؟ 
كان سؤاله أكثر جدية فابتلعت زينب ريقها وبتوترٍ
أجابته: 
_ إن العلاقة بينكم تكون بقت كويسة، ومفيش أي مُشاحنات، أصل مش هنضحك على بعض، مفيش حد هيحب ولا هيتقبل حد في يوم وليلة، دا جُهد كبير محتاج وقت طويل، محتاج مواقف وأزمات نُعدي بيها مع بعض عشان نعرف قيمة بعض.. 
عايزة أهله يكونوا مُتقبلين علاقتنا عشان شايفينها مناسبة، مش عشان خاطر ابنهم عايز كدا، عايزاهم هم كمان يحبوني، ودا يمكن يحصل مع الوقت.. 
فإحنا قدامنا كتير أوي على ما نحقق التارجت دا.. 

1


حل الصمت لوقت، كان الجميع مُترقبًا لقرار عبدالله، الذي هز رأسه مِرارًا ثم قال بحسمٍ : 
_ وأنا موافق نديله فرصة يا زينب.. 

+


فغرت فاها بصدمةٍ، لقد أدهشها قراره، لم تتوقعه، ارتسمت السعادة على وجوه الجميع، كأن الفرح أشرق في قلوبهم فجأة. 

+


*** 

+


_ مين؟ زينب مين!! 
هبّت نهال واقفة، وهي تُصيح باندفاعٍ ونفاذ صبر، بينما تحلّى عاصم بالهدوء ورفع رأسه ناظرًا إلى والدته وأجاب سؤالها: 
_ زينب أخت عبدالله! 

+



        
          

                
فاجئ عاصم الجميع، حتى أنهم لم يتحلو بالنُطق لحظتها وفضلوا الصمت إلا من نهال التي أغمضت عينيها ثم هتفت مُستاءة: 
_ هو أنت مالك يابني ومال العيلة دي؟ تجربة والحمد لله أنها عدت، عايز تكررها تاني ليه؟ 
أنت مش بتتعلم أبدًا، مرة واحد جاية بفضيحة وعايزاك تستر عليها والتانية عايزاك تلم بواقي غيرك! 

3


لم يتقبل عاصم تلك الإهانة منها وهبَّ واقفًا بقامة مُنتصبة شامخة وهلل بانزعاجٍ شديد: 
_ كلامك دا صعب، صعب أوي بجد، أنتِ بتهِيني إبنك قبل ما بتهيني بنات الناس، صبا وراحت لحالها ومحبش أبدًا إنك تتكلمي عنها بالطريقة دي، حتى لو مبقتش في حياتي، لأنها في الآخر بنت محترمة وبنت ناس وعلى ذِمة راجل دلوقتي يعني كلامك مرفوض شكلًا ومضمونًا.. 
أما عن زينب فا دي هتكون مراتي، على إسمي مسمحش لأي حد مهما كان مين إنه يِهِينْها بالشكل دا!! 

+


_ مراتك!! أنت خلاص خليتها مراتك؟ 
أنت للدرجة دي بقيت مغيب؟ 
بعقلٍ يكاد يجن صدح صوت نهال، ثم نظرت حيث عز وقالت: 
_ أنت ساكت ليه يا عز؟ ما تقول حاجة

+


_ ولما أقول إيه اللي هيتغير، ابنك يعني هيعمل بكلامي؟ ماهو قبل كدا أخد قرار جوازه فجأة وسافر ورَمَانا وراه، ورجع طلّق من نفسه وسافر، برده ودلوقتي عايز يتجوز تاني، لما أنا أقوله يعني متتجوزش هيقولي سمعًا وطاعة؟! 
هتفها عز بتهكمٍ واستياء واضحان، فأخذ عاصم يستنشق الهواء ليتسع رحبه، ثم هدَّأ  من غضبه، ورمق جميع من حوله مُتمتمًا بثباتٍ وهدوء: 
_ يا جماعة أنا جاي لكم النهاردة مش عشان أجبركم على وضع أنتوا مش عايزينه.. أنا جاي بقولكم عايز أتقدم لواحدة عِجبتني وحبيتها، لقيتها مناسبة ليا، البنت شاطرة في شغلها وست بيت بمعنى الكلمة، وأهم من كل دا بلاقي نفسي معاها.. بحس معاها إني مش عايز أبعد، ودا مش قرار مفاجئ ولا متهور زي ما أنتوا فاكرين،
بالعكس أنا سافرت وبِعدت عنها على أساس إني معلقهاش بيا، بس الحقيقة هي إني أنا اللي اتعلقت بيها!!

+


صمت ليستشف أيًا من تعابير وجه أبيه لكنه كان جامدًا، ووجهه خاليًا من أي مشاعر، بينما كانت والدته متذمرة كما هي لم يخمد غضبها، لكنها تحلت ببعض الصبر وأردفت بهدوء مصطنع: 
_ يا حبيبي طب ما تدور على واحدة تانية واحدة، تكون شبهك وشبهنا، نفس عقليتنا، ومستوانا، بنوتة مش واحدة مُطلقة!! 

1


_ طب ما أنا مُطلق، هل دا يِعِيبني؟ وهل يِعِيبها إنها منجحتش في علاقة جواز قبل كدا؟ 
مش يمكن دي تدابير ربنا عشان نتجمع وننجح إحنا؟ 
وبعدين إحنا أصلًا ليه نسبق الأحداث، أنا مش بكلمكم على جواز، أنا بكلمكم إني مرتاح لها وعايزها في حياتي، بس إحنا عمومًا محتاجين فترة نتعرف فيها على بعض، ونِدرس بعض،  ونشوف مناسبين ولا لأ
والأهم طبعًا إن العلاقة تكون مقبِولة منكم وراضين عنها، عشان كدا بتمنى تعطونا فرصة..

+


حدج عاصم أبويه وشقيقيه لفترة، قبل أن تُبدي ڤاليا رأيها: 
_ بصراحة أنا أول واحدة موافقة ومُتقبلة العلاقة، 
أصل طلاما الطرفين عايزين بعض ليه نقف قصادهم؟ هما في الآخر اللي هيتحملوا نتيجة اختيارهم.. 

3



        
          

                
لِيُضيف عامر رأيه: 
_ انا رأيي نِدي له فرصة، هو شكله اتعلم من تسرعة المرة الأولى ومش عايز يكرر الغلطة دي، يعني هيدرس العلاقة ولو مناسبين يتجوزوا، وافتكر في الفترة دي هتتعرفوا عليها أكتر وهتتقبلوها مع الوقت.. 

+


كان عاصم مُمتنًا لدعم اخويه، ثم نظر إلى أبويه في انتظار قرارهما، فتبادلا النظرات ثم وقف عز وهتف بحسمٍ: 
_ لو هيكون فعلًا فيه فترة تقيموا بعض فيها يبقى مفيش مشكلة نجرب، التجارب بتعلم..

+


تفاجئت نهال بقبول الجميع لتلك العلاقة، فما كان عليها سوى الإستسلام والرضوخ لطلب عاصم على مضضٍ: 
_ بس لو محدش ارتاح فينا كلنا العلاقة تنتهي فورًا 

2


أمال عاصم شفاه للجانب مُبتسمًا بسعادةٍ دقت طُبول قلبه، ثم قام بِعناق والدته وقال
_ طبعًا طبعًا اللي أنتِ عايزاه هو اللي هيحصل
ثم نظر إلى الآخرين وغمز بعينه فانفجروا ضاحكين تحت غرابة نهال المتعجبة من أمرهم. 

1


*** 

+


بعد مرور أربعة أشهر، مساءًا؛  كان قاسم جالسًا في مِكتبه يشعر بالوحدة والملل اللذان رافقاه المدة الماضية، صدح صوت رنين هاتفه فسحبه بمللٍ تحول إلى القلق واللهفة عندما قرأ الإسم الظاهر أمامه وأجاب في الحال: 
_ صادق! آدم كويس؟ 

+


_ اطمن يا قاسم بيه، آدم بخير، دا حتى فيه خبر هيفرحك أوي.. 
قالها صادق بصوتٍ حماسي فاثار اهتمام قاسم الذي تلهف لمعرفة ما ذلك الخبر السّار: 
_ إيه، فرحني؟ 

+


_ آدم هيُخرج حُسن سير.. 
وما أن قالها صادق حتى انتفض قاسم من مكانه فرُحًا بذلك الخبر وهلل بسعادة لا تسعه وعيون لامعة: 
_ قول واللَّه

+


_ واللَّه، أنا بـكرة هروح من بدري أخلص إجراءت خروجه.. 
هتفها فشكره قاسم بِعرفان: 
_ الله يفرحك يارب زي ما فرحتني ، عرفني بُكرة كل التفاصيل عشان أكون معاك 

+


أكد قاسم عليه ثم أنهى الإتصال، كانت الغرفة لا تسع أجنحة قاسم وشعر بحاجته لمشاركة سعادته مع أحدهم، فقرر الذهاب إلى شخصِه العزيز دون التفكير في عاقِبة ذهابه. 

+


*** 

+


عاد عبدالله من الخارج، حامِلًا بعض الأكياس البلاستيكية، فاستوقفه ظلام البيت الغير مألوف،
أضاء زِر الإضاءة، فإذا بالورود الحمراء تتناثر على الأرض، والشموع تتلألأ على المائدة، وقد أُعِدَّ العشاء والحلوى بعنايةٍ لافتة، ثم وقعت عيناه على صبا الواقفة في بهائها، بمظهرٍ سلب قلبه من فرط جمالها.

1


ابتسم بعذوبة ثم انحنى بجسده تارِكًا ما معه من أكياسٍ، وتوجه نحوها حتى أصبح أمامها وتساءل وهو يتفقد المكان من حولهما: 
_ هو النهاردة عيد وأنا مش عارف ولا إيه؟ 

+


بسعادةٍ عارمة أجابته بذلك الصوتٍ القيق المُتحمس: 
_ دا بمناسبة مرور خمس شهور على جوازنا.. 

+



        
          

                
رُفع حاجبي عبدالله تلقائيًا، وقال وهو يتفحصها بعناية: 
_ عُقبال الخمس وعشرين مع بعض يا حبيبتي

+


تضاعفت ابتسامتها، وقالت: 
_ تعالى نتعشى عشان أعطيك هديتك.. 

+


_ وكمان هدية، طب أنا كدا شكلي وحش وأنا مش مشارك في الإحتفال دا بأي حاجة
هتفها عبدالله مازحًا فقالت صبا بتلقائية:
_ كفاية وجودك، وبعدين الهدية أنت مشارك فيها برده، مش أنا لوحدي...

+


أثار كلامها فضول عبدالله وتساءل مستفسرًا: 
_ لا كدا مش هقدر استنى لما نتعشى، اديني هديتي دلوقتي لو سمحتي.. 

+


ضحكت صبا عاليًا وبحماسة شديدة قالت: 
_ بصراحة وأنا كمان مش قادرة استنى عشان اديهالك، بس هلعبك لعبة الأول عشان تلاقيها بنفسك.. 

+


قلب عبدالله عينيه مصطنعًا الإستياء وهتف بمللٍ: 
_ وليه الفرهدة دي بس، ما تديهالي على طول 

+


_ تؤتؤ، دا شرطي وإلا بعد ما ناكل..
بدلالٍ مبالغ هتفتها، فردد عبدالله باستسلامٍ:
_ أمرنا لله ياستي، قولي هتعملي إيه؟ 

+


ضحكت ثم أوضحت له ماهي اللعبة: 
_ هنلعب لعبة سخن، وسخن جدًا لو قربت أوي من المكان وبارد وبارد جدًا لو بِعدت أوي، عشان تعرف مكان الهدية، هتدور عليها وكل ما بِعدت عنها هقولك بارد، وكل ما قربت منها هقولك سخن لغاية ما تكتشف مكانها.. 

+


ضاق عبدالله بعينيه وقال: 
_ مش فاهم أوي بس ماشي هفهم وأنا بجربها.. 

+


رفعت صبا يديها وصفقت مُشجعة إياه: 
_ اوكي يلا ابدأ، دور في أي مكان.. 

+


ابتعد عبدالله، وأخذ يبحث في جميع الأرجاء فكان ردها المُتكرر: 
_ بارد جدًا 

+


حتى شعر عبدالله بالملل وهتف: 
_ إيه دا كل حاجة بارد، أومال انتي حطاها فين؟ 

+


مدّت صبا شِفاها للخارج رافعة كتفيها للأعلى وأخبرته:
_ أنت اللي بتدور في أماكن بعيدة، دور في مكان تاني أقرب.. 

+


تأفف الآخر وبدأ رحلة بحثه ثانيةً بمكانٍ قريب من صبا فكان ردها: 
_ ساخن جدًا .. 

+


_ يا فرج الله
هتفها مُتأملًا اقترابه من الوصول إلى الهدية، وتابع بحثه حتى وقف أمامها بنفاذ صبر وقال: 
_ لا بقى، كدا الهدية هي أنتِ ولا إيه

+


إزدادت بهجة صبا وأردفت: 
_ يعني حاجة زي كدا، كمل تدوير.. 

+


بعدم فهم لما يحدث تابع عبدالله البحث في ملابس صبا فكانت تُخبره كلما ابتعد عن المكان المُراد بأنه بارد حتى لمس بطنها فقالت: 
_ ساخن جدًا 

+


تأمل عبدالله عينيها وقال: 
_ هي جوا بطنك ولا إيه؟ 

+


دمعت عيني صبا بتأثرٍ وأمسكت يده وثبتتها على بطنها ثم أماءت بتأكيدٍ لسؤاله فاستوقفه حديثها لبُرهة يحاول استيعاب مخزى كلامها، فابتلعت الأُخرى ريقها وتمتمت: 
_ أنا حامل!! 

+



        
          

                
ساد الصمت لثواني، تجمد عبدالله مكانه، اتسعت عينيه بدهشةٍ، لقد حانت لحظةً لطالما تمناها في السِر، ثم تبدلت ملامحه شيئًا فشيء، من الذهول إلى فرحٍ مكتوم ثم أظهر ابتسامةٍ عريضة عجز عن  إخفائها. 

+


_ صبا هو أنا كدا هكون أب؟ يعني إحنا هنبقى عيلة مش مجرد اتنين بيحبوا بعض؟ 
رددها مذهولًا فأماءت صبا مؤكدة وعيونها تترقرق منهما العبرات. 

+


ضمّها عبدالله إلى صدره بهدوءٍ ثم دفن رأسه في خُصلاتها المحررة وتمتم برضاءٍ: 
_ شكرًا يارب إنك منِيت عليا بالإحساس دا.. 

+


تراجع للخلف وبإبتسامةٍ عريضة صاح: 
_ هتبقي ماما؟ 

+


قهقه بفرحة عارمة وواصل هاتفًا: 
_ أحلى ماما فى الدنيا كلها 

+


_ يا بختهم بيك، هتبقى أب حنون أوي 
همستها صبا وهي تُملس على ذقنه بنعومة، فحملها عبدالله برفقٍ ودار بها مُراعيًا حركته، ثم استمعا كليهما إلى قرع الجرس، فقطب عبدالله جبينه وتساءل: 
_ مين جاي في الوقت دا؟ 

+


_ رفعت صبا كتفيها للأعلى جاهلة الزائر، فقال عبدالله بأمرٍ: 
_ طب ادخلي جوا لما نشوف مين دا؟ 

+


تفقد عبدالله العين السحرية فابتهج وفتح الباب على الفور مستقبله بِترحابٍ فريد: 
_ أنت جاي في وقتك بالمِلي.. ادخل ادخل

+


_ يارب خير.. 
هتفها قاسم وهو يُولج بِخُطاه فنادى عبدالله بصوتٍ عالٍ حيوي: 
_ تعالي يا صبا دا بابا..

+


بدَّلت ملابسها سريعًا وخرجت إليهما مرحبة بقاسم بلطفٍ: 
_ أهلًا يا عمي، البيت نور والله، كويس إنك حضرتك جيت عشان ناكل سوا.. 

+


رحب قاسم بها وقال بحماسٍ طاغيًا على نبرته:  
_ مش هقول لا.. 

+


تعجب عبدالله من أمره  وأردف سؤاله الفضولي وهو يرمقه بطرف عينيه:
_ إيه السعادة دي كلها؟ 

+


ثم وجه بصره على صبا وسألها: 
_ أنتِ عرفتُيه قبلي ولا إيه؟ 

+


ضاق قاسم بعينه عليهما وتساءل مستفسرًا: 
_ عرفتني إيه؟ 

+


تقوست شِفاه عبدالله وهو يُخبره بذلك الخبر السّار: 
_ صبا حامل! 

+


بينما سيطر الخجل من صبا التي توردت وجنتيها وعضّت شِفاها السُفلية وهي تُعاتِب عبدالله في نظراتها وكأنه اقترف أمرًا فادِحًا بإخباره أمر الحمل، اتسعت حدقتي قاسم بدهشة انعكست على شفتيه التي تبسمتا، وأخذ يُهنئهما بسعادةٍ تضاعفت داخله. 

+


فالأخبار السّارة كانت مؤجلة حتى تأتي دُفعة واحدة لتمنحه شعورًا قد افتقر إليه منذ فترة، وبعد أن بارك لهما ردد بمزاجٍ سوي: 
_ الأخبار الحلوة كلها بتيجي مع بعض، الحمد لله 

+


غمزه عبدالله مُشاكسًا إياه، وقال سؤاله الفضولي: 
_ أنت كمان عندك أخبار حلوة؟، طب فرحنا، مع إن أشُك إن فيه أحلى من خبر حمل صبا!! 

+



        
          

                
ابتسم قاسم وبعفوية تحدث دون إدراكٍ لما سيفعله كلامه: 
_ آدم خارج بكرة!! 

+


اختفت الإبتسامات وتجهمت الوجوه، وخِصيصًا صبا التي كزت أسنانها بغضبٍ تجدد داخلها، حينها دنا قاسم من عبدالله الذي تجمد مكانه دون إبداء أي ردٍ، وأمسك بيده وتوسله: 
_ نفسي أشوفكم مع بعض، نفسي أطمن عليكم وتكونوا سند لبعض عشان أرتاح.. 

+


انتبِها كليهما على صوت صبا الذي صدح من خلفهما: 
_ طب بعد إذنك يا عمي، أسيبكم على راحتكم

+


أوقفها قاسم قبل ذهابِها بقوله: 
_ استني يا بنتي

+


وعندما عاودت الوقوف تابع كلامه بشجنٍ: 
_ الكلام ليكي برده يا صبا، العلاقة مش هتكون قوية غير وانتوا كلكوا ايد واحدة..

+


وقبل أن يُضيف المزيد قاطعته صبا بترديدها الهجومي رغم انخفاض نبرتها: 
_ العفو عند المقدرة يا عمي، وأنا للأسف مش في مقدرتي أسامحه، دا مشتمنيش عشان أسامحه كدا بسهولة، دا دمر لي حياتي، سرق مني أماني وعيشني أسوأ أيام عدت عليا، أنا بسببه عملت حاجات عمري ما تخيلت إني أعملها، أنا مِسكت سلاح عشان أموت بيه نفسي، لخبطت للناس حياتها ولغاية دلوقتي عايشة بتأنيب الضمير.. 
هو مدسش على طرف هدومي، اللي عمله مش بسهوله يتسامح عليه.. دا استحالة يحصل 
لكن أنا هكون متفهمة جدًا لو عبدالله صلّح علاقته بيه، هو في الآخر أخوه، ودي أمنيتك وأنا مش هقدر أقف قُصاد رغبة حضرتك، لكن أنا.. آسفة حقيقي مش هقدر

+


أنهت الجُملة وسُرعان ما هرولت إلى الغرفة هاربة قبل أن تخونها دموعها، بينما أطلق عبدالله زفرةً مهمومة ضَجِرة وقال بصوتٍ مهزوز وعينيه تتهربان من عيني والده: 
_ كان نفسي أوي، لو كنت جيت لي من كام سنة كنت متأكد وقتها إن الكُره دا آخرته حُب وعلاقتنا هتكون كويسة، بس للأسف الكُره دا وصلنا لدايرة مقفولة على أذى عيشنا عواقبه وأظن أنت بنفسك عاصرت معايا الفترة دي، فأنا مش هقدر.. 

+


رفع عينيه في والده وتابع:
_ سيبها للوقت، يمكن يحصل اللي أنت عايزه، محدش عارف بكرة فيه إيه.. 

+


تبخّرت معالم السعادة من قلب ووجه قاسم الذي بدى عليه العجز، كأن عمرًا قد أُضيف على عُمره، نكس رأسه ثم ربتَّ على ذِراع عبدالله وأطلق بسمة انكسار قبل أن يُوليه ظهره لِيُغادر، لكن عبدالله قد رفض ذهابه على حاله ذاك. 

+


أسرع نحوه وقام بتقبيل رأسه قائلًا: 
_ يعز عليا أمشيك زعلان كدا، بس غصب عني، اللي عيشته بسببه مكنش سهل.. حقك عليا يا بابا 

+


_ أنت عملت إيه بس عشان تقول كدا، على رأي صبا العفو عند المقدرة.. 
قالها بحزنٍ خيّم ملامحه، وصوته، تنهدوتابع كلامه بعد أن شكّل بسمةٍ باهتة على محياه:  
_ أنا بس فرحة خروجه خلتني اتعامل بعفوية من غير ما أفكر في العواقب، يلا تصبحوا على خير

+


أصرَّ على الذهاب تحت نظرات عبدالله المُتابعة له بحزنٍ شديد لحاله الذي تبدل، أغلق الباب ووقف يُعيد تفكيره في الأمر من أجل والده لكنه وجد رفضًا قاطع لإعادة الوصل بينه وبين أخيه، فوكل أمره لله هو يُدبره كيف يشاء.  

+



        
          

                
***

+


صباح اليوم التالي، وقف قاسم أمام مركز الشرطة، 
في انتظار خروج آدم بفروغ صبر، مر وقتًا طويل حتى ظهر أمامه بهيئته التي اشتاق إليها القلب وارتوت بها العين. 

+


لم ينتظره قاسم حتى يأتيه بل توجه نحوه مُهرولًا فاتِحًا ذراعيه على مصرعيه فألقى آدم بنفسه بين يدي أبيه، ليحظيا بعناقٍ حار يُداوي فراق الأشهر الماضية ليحل مكانه دِفء وطمأنينة. 

+


تراجع قاسم ونظر إلى آدم بتفحصٍ قبل أن يُردف بلهفةٍ: 
_ يلا يا حبيبي عشان نرجع البيت تاخد شاور كدا وأحضر لك أحلى فطار.. 

+


أماء آدم بقبولٍ لكنه اعترض كلامه: 
_ تمام، بس فيه مشوار الأول لازم أعمله وبعدين نروح على البيت..

+


_ مشوار إيه دا؟ 
بغرابةٍ شديدة تساءل قاسم، فهو للتو قد خرج من السجن، كيف لحق ورتب مشاويره؟ تنهد آدم وقال بثباتٍ وعيناه تنظران على الفراغ جوار أبيه:
_ هنروح عند أونكل عز!! 

+


قطب قاسم جبينه بمزيجٍ من الغرابة والقلق اللذان راوداه ثم سأله بجدية:
_ نعمل إيه عند عز؟ 

+


صوَّب آدم بصره على قاسم وأجابه: 
_ لما نروح هتعرف يا بابا..

+


رفض قاسم التحرُك من مكانه قبل معرفة ما الأمر: 
_ لأ لازم أعرف دلوقتي أنت ناوي على إيه؟

+


لم يُود آدم الإفصاح عما ينوي فعله، فتنهد بقوة وقال وعيناه تبحثان في الأرجاء: 
_ خلاص روَّح أنت يا بابا حضر الفطار وأنا هخلص هناك مصلحتي وهجيلك.. 

+


ثم أولاه ظهره وابتعد عنه بِضع خُطوات، باحثًا عن سيارة أجرة، فناداه قاسم بحدةٍ: 
_ اركب يا آدم وأنا هوديك، لما نشوف آخرتها إيه 

+


دون تفكيرٍ عاد آدم مُتجهًا إلى السيارة دون مواجهة عينين أبيه حتى لا يُكشف أمره، بينما لم يكُن قلب قاسم مُطمئنًا لذهابه إلى عز بعد خروجه مباشرةً، وكأن قلبه يُخبره بثَمة مصيبة في طريقهم. 

+


بعد فترة؛ قد وصلا إلى فيلا عز، صف قاسم سيارته ولم يكاد يفعل حتى ترجل آدم مـسرعًا وتوجه إلى الباب بسرعة فائقة، ضاعفت القلق داخل قاسم الذى دعى داخله أن يمُر الأمر مِرار الكُرام. 

+


تَبِعُه حتى دلفا البيت، فاستقبلهما عز ومعالم الدهشة جلية على وجهه لرؤية آدم في بيته: 
_ أهلًا يا قاسم، حمد لله على سلامتك يا آدم، أنت خرجت امتى؟ 

+


ببرودٍ قال: 
_ لسه خارج دلوقتي.. 

+


ثم جاب آدم المكان بعينيه كأنه يبحث عن شيءٍ فأثار الريبة داخل عز الذي بادر بالسؤال:
_ هو فيه حاجة يا قاسم؟ 

+


تلك الأثناء حضر جميع من بالبيت، ومعالم الذهول مُشكلة على تقاسيمهم، فكان الأمر مريبًا لهم إلا من ڤاليا التي تملكها الخوف والارتباك وانكمشت في نفسها وعينيها لم تـرفعان من على آدم. 

+



        
          

                
في المقابل رد قاسم على سؤال عز ظاهرًا عدم عِلمه بما يحدث: 
_ أنا مش فاهم حاجة، هو طلب مني يجي على هنا.. 

+


_ اهدوا يا جماعة وانتوا تفهموا..
هتفها آدم وبِخُطواتٍ شامخة توجه إلى ڤاليا وقام بمسك يدها تحت صدمة من الآخرين، ثم نظر إليهم بثباتٍ كصيادٍ يتحد  فريسته وأردف بصوتٍ أجش: 
_ أنا جاي أخد مراتي!! 

+


حل الصمت لثواني، جحظت أعين الجميع، وخفقت قلوبهم بشدة، تناقُض شديد قد عاشاه، خوفٍ من كلماته أن تكون حقيقة، وصدمة لعدم استيعاب عقولهم لذلك الهراء. 

+


وأخيرًا استطاع عز التحدث فخرجت نبرته مُتشجنة يُغلقها غيرة الأب لرؤية يد ابنته في يد رجلٍ غريب: 
_ هو إيه الكلام دا؟ مرات مين

+


ثم وجه أنظاره الحادة إلى قاسم وصاح: 
_ ما تشوف ابنك بيقول إيه يا قاسم

+


بقلة حيلة هتف قاسم وعينيه تتناوب النظر بين عز وآدم بصدمة: 
_ أنا مش فاهم حاجة.. مراتك إزاي يا بني، ما تفهمنا أي حاجة! 

+


فتدخل عامر بنفاذ صبر وهو يُحاول إبعاد آدم عن شقيقته:
_ أنتوا لسه هتسألوا، ابعد ايدك دي عن اختي.. 

+


ليضيف عاصم بحُنُقٍ لتلك السخافة الحادثة:
_ هو إيه اللي بيحصل هنا، وأنتِ ساكتة ليه يا أستاذة ڤاليا؟ 

+


جاء دور آدم للرد على أسئلتهم، أخذ نفسًا وتحلى بالهدوء الواثق قبل أن يعترف بالحقيقة ويده مُشبسة في يد ڤاليا: 
_ أنا وڤاليا اتجوزنا في السجن..

+


ثم قام بسحب ورقةً من جيب بنطاله وقال: 
_ وأدي العقد العُرفي كمان.. اللي إن شاء الله هنخليه رسمي وقدام الناس كلها 

+


خرج الجميع عن طورهم، وارتفع صخب غضبهم وهما يهاجمون آدم بالكلمات، فتداخلت الأصوات في بعض وبدت غير مفهومة، حتى صرخ عز من بين الجميع بصوتٍ اهتز له الهواء: 
_ العقد دا باطل، تِبلُّه وتشرب ميته.. 

+


ودون إدراكٍ من آدم قام عامر بسحب الورقة من بين يديه وقام بتقطيعها إلى قُطع صغيرة أمام عينيه بتحدٍ، مُرددًا من بين أسنانه المُتلاحمة بشرٍ: 
_ ورينا عرض اكتافك..

+


شدَّ آدم على يد ڤاليا، وصاح عاليًا دون خجلٍ حتى  يُخرس ألسنة الجميع: 
_ أنا كنت بطلب بنتك في خلوة شرعية!! كان بيتجهز لي اجدعها أوضة هناك عشان اخد حقوقي منها!! 

+


_ اخرس، أنت بتقول إيه يا حيوان؟!!!
نطقها عز بعد أن أسدل صفعةً عنيفة على وجه آدم، الذي صرَّ أسنانه بغضبٍ، لكنه تحلى بالثبات لآخر أنفاسه، بينما نظر عز إلى ڤاليا بنظراتٍ تحمل من الإشمئزاز قدرًا وسألها وهو يهُز جسدها بقوة: 
_ الكلام اللي بيقوله دا صح؟
ردي عليا، انطقي وقولي غلط!! 

+


لم تُجيبه، كانت خائفة لا تتحلى بالشجاعة للإعتراف أمام أبيها بذلك، فنكست رأسها في خجلٍ، وتمتمت بأن تنشق الأرض وتبتلعها، وما كادت تخفض رأسها حتى أعادها عز منتصبة فتفاجئت ڤاليا بيده التي رُفعت للأعلى حتى تنسدل على وجهها بصفعةٍ غاضبة لو كانت انسانًا لأدخلها قبرها تلك الليلة. 

+



        
          

                
أغمضت عينيها سريعًا تنتظر ذلك الألم التي ستشعر به لكن يد آدم منعت ذلك، حيث أنه أمسك ذراع عز وهتف:
_ خد حقك مني أنا، مراتي محدش يلمسها! 

+


دفعه عز بكل ما أوتي من قوةٍ، ثم شعر أنه ليس بخير، وأن الأرض تدور من حوله، ترنح بين اليمين واليسار فأسرع نحوه عاصم وعامر وأسنداه حتى استقر توازنه. 

+


فتدخل آدم قائلًا: 
_ ڤاليا هتيجي معايا، لغاية ما أشوف أقرب ميعاد مع المأذون نكتب فيه الكتاب، سلام 

+


أنهاها ثم أرغم ڤاليا على السير وعينيها مُثبتة على والدها، فلقد نهش الندم قلبها لجعل والدها مقهورًا بذلك الشكل القاسي، خرجت من البيت وتلاهما قاسم الذي لم يقدر على مواجهة صديقه، فكان قليل الحيلة لا يقدر على مواساته حتى! 

+


خرج مُنكس الرأس حتى وقف أمام آدم، فحدق به بعينين لا تحملان غضبًا بقدر ما تحملان وجعًا وعِتابًا صامتًا، لم يكن قويًا بما يكفي لقيادة السيارة، فتوجه إلى الباب الخلفي واستقل المقعد بأنفاسٍ أصبحت ثقيلة عليه. 

+


بينما ساعد آدم فاليا على الركوب، واستقل هو أيضًا خلف المقود وتحرك بالسيارة مُبتعدًا عن البيت، حتى وصل في وقتٍ قياسي إلى الفيلا الخاصة بعائلته. 

+


ولج الثلاثة إلى الفيلا، وقبل أن يصعد آدم إلى الطابق العلوي تحدث قاسم بصوتٍ هزيل:  
_ محتاجين نتكلم!! 

+


أماء آدم بقبولٍ، ثم صعد برفقة ڤاليا حتى بلغ غرفته، وما أن ولجاها حتى تبخر هدوء ڤاليا لطالما تلبست ثوبه إجبارًا وانفجرت باكية، ثم صرخت في وجه آدم:
_ ليه قولت كدا؟ مكنش دا اتفاقنا، متفقناش على كدا أبدًا، إزاي قولت كدا عني، إزاي يا أدم؟ 

+


حاول آدم لملمة ما اقترفه في حقها: 
_ مكنش قدامي حل غير كدا، اهلك مش بالسذاجة اللي هيقبلوا بحتة ورقة عُرفي ملهاش أصل، أنا كنت مضطر، لو مقولتش كدا مكنش حد سابك تخرجي معايا من البيت! 

+


_ تقوم تقول ان٥ي كنت بجيلك عشان.. إزاي قِدرت تنطق عني كدا، فِرقت أنا إيه دلوقتي عن بنات الليل؟ إزاي هان عليك تقول عليا كدا؟ 
هتفتها بعدم تصديق وهي تقع على الأرض بإهمالٍ، انتفض جسدها من شِدة بُكائها فوقف آدم مُكبل الأيدي، للتو أدرك خَطْوته الطائشة التي خلّفت وراءها انكسارًا وهدمت كل ما بُني من ثقةٍ. 

+


جلس آدم القرفصاء أمامها محاولًا إصلاح ما اقترفه بالكلمات مُتمنيًا أن يشفي جرحها الذي تسبب فيه: 
_ والله العظيم مقصدتش خالص كل دا، أنا قولت كدا عشان هما استحالة كانوا يقتنعوا بجوازنا طول ما مفيش سبب قوي، والدليل إنهم اخدوا الورقة وقطعوها وكنت هخرج زي ما دخلت.. 
بس أنا قدرت أخدك معايا بسبب الكلمتين دول 

+


هرب بعينه لوقتٍ قبل أن يُعاود النظر إليها ويستأنف حديثه بهدوءٍ حزين:
_ عارف إن الكلام صعب عليكي، دي ضريبة إننا نكون مع بعض، إحنا اتفقنا على حاجة وبدأناها ومكنش ينفع نرجع مهما كانت العواقب..
إهدى يا ڤاليا، هما مع الوقت هيقتنعوا بعلاقتنا، لما يشوفوكي سعيدة معايا، وقتها هيتغاضوا عن اللي حصل..

+



        
          

                
مدت يدها إلى الأمام بضعف وقلة حيلة هامسة بخفوت: 
_ طب هما هيحترموني إزاي بعد كدا؟ إزاي بابا هيقدر يتخطى إنه بنته اللي وثق فيها تخون ثقته دي وتعمل كدا؟ 
طب أنا إزاي هحترم نفسي إزاي وأنا عارفة سبب جوازنا؟ 

+


حاول آدم تهدئة روعها ببعض الكلمات، فلا يملُك غيرهم الآن مُتأملًا نجاحه: 
_ أنتِ بس عشان لسه الوضع جديد جواكي ١٠٠ إحساس في نفس الوقت، بس لما تعدي فترة مش هتكوني كدا، وهما كمان هَيِهْدُوا ومع الوقت هينسوا، وأنا أوعدك إني هرجع علاقتكم قوية زي ما كانت.. بس أنتِ متسبيش إيدي وخليكي معايا، ماشي يا فيفو؟ 

+


نظرت إليه بعيون تترقرق منهما الدموع، فنهض هو وأضاف:
_ هروح أتكلم مع بابا وراجع لك تاني، حاولي تهدي، تمام.. 

+


غادر الغرفة على الفور، ثم ترجل السُلم باحِثًا عن والده الذي وجده في ردهة البيت يُشاهد الخارج، وقف خلفه وبنبرةٍ يُخيّمها الخجل الصريح تمتم: 
_ بابا.. 

+


التفت إليه قاسم، وانسابت من عينيه نظرةً كسرت آدم قبل أن ينطق بحرفٍ، ثم تحدث بِثقل: 
_ إزاي تحط أبوك في موقف زي دا؟ هان عليك شكلي؟ إزاي قِدرت تصغرني قدام الناس كدا؟

+


شكل الضيق على معالم وجهه قبل أن يوبخه: 
_ أنت إزاي أصلًا تعمل عملتك دي؟ جبت الجُرأة دي منين؟

+


_ يا بابا اسمعني.. 
لم يكد يُنهيها حتى صرخ فيه قاسم: 
_ أسمع إيه بس؟ هو لسه فيه حاجة تتسمع؟ 
بتتجوز عُرفي يا آدم، كنت بتطلب البنت تيجي لك
بكل وقاحة!! 

+


بتوسلاٍ حاول آدم إيضاح الأمور له: 
_ والله العظيم مفيش أي حاجة من دي حصلت، هتجوزها إزاي بس من غير موافقة أبوها؟ فرضًا عملت كدا، هل دا هيكون جواز قدام ربنا، لا طبعًا، دا حتى أنا فكرت إني اكتب عليها ويكون عاصم وليّها وكل حاجة تمشي حسب الشرع والقانون منفعش طلاما أونكل عز موجود وصحته كويسة وهو الوصي عليها ، صدقني أنا قبل ما أخد أي خطوة سألت وفكرت في كل الحلول بس ملقتش.. 
كنت مضطر أكدب عشان أقدر أخدها، لو مكنتش عملت كدا مكانتش ڤاليا معانا في البيت دا دلوقتي!

+


بعدم اقتناع لما أخبره عنه هدر به شزرًا: 
_ هو بالغصب يابني؟ تاخدها بالغصب!! 
كنت استنى ونفكر سوا في حل يرضي الكل، لكن أنت اخدتها عِند وبفتحة صدرك بوظت كل حاجة!! 

+


_ الظاهر إن حضرتك مش شايف إن كل حاجة بايظة اساسًا، أنا مستقبلي خلاص ضاع، شُغلي وخسرته، وبعد ما كان بيضرب لي تعظيم سلام، دلوقتي مفرقش حاجة عن أي مجرم خارج من السجن، أنا لا مكان هيقبل يشغلني ولا أهل ڤاليا كانوا هيقبلوا بيا لو وقفت على راسي!!
قال كلماته بتهكمٍ لاذع، فظهر في صوته مرارة دفينة وكأن سخرية صوته مُحَاولة يائسة ليسمع أبيه حجم الخراب الذي لا يراه، فنجح آدم في جعله يتأثر به ويُشفق عليه.

+


فرت دمعة من عيني آدم وهو يتابع بصوتٍ ثقيل مهزوم:
_ أنا هكتب كتابي وأبعد عن هنا خالص، هسافر برا، أحاول أبدأ من جديد، هحاول أقوِّم نفسي وأربيها، هشتغل وهتعب من غير واسطة، هتعلم أحب مراتي والناس من غير حقد وكُره، هحاول أتغير بجد، ووقتها يمكن عيلة ڤاليا تسامحنا على اللي عملناه، وعبدالله وصبا يكونوا قدروا يتخطوا الحادثة ويسامحوني هما كمان، لكن دلوقتي محتاج أبعد اوي.. 
ساعدني يا بابا 

+



        
          

                
فلما أنهى كلامه، احتضنه قاسم بكل قوته، متأثّرًا بالوجع الذي يعيشه، مشفقًا عليه، وقرر أن يكون أكبر داعم له في كل خُطواته المُقبِلة. 

+


*** 

+


في مساء اليوم التالي؛ كانت عائلة عز حاضرة رِفقة قاسم الحاضر مع والدة آدم، يتوسط الأريكة المأذون الذي ينهي إجراءات الورق، وعلى جانبيه يجلسان آدم وڤاليا، كانت بعض الوجوه متجمهة وبعضها عابسة يتغلب عليها الضيق. 

+


لا نفس يصدر، هدوء يُشبه سكون الفجر، لكن سكون مجبور، يتنافى مع الغضب والرفض اللذان يتجلا داخل الجميع، قطع المأذون ذلك الصمت عند إصداره همهمة لجذب انتباه الحاضرين ثم بدأ مراسم عقد القِران حتى أنهاها بمباركته لهما: 
_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير وعلى خير إن شاء الله.. 

+


غادر المأذون بعد إتمام مهمته، ثم نهض آدم وتفقد ساعة يده وقال مُوجهًا حديثه إلى ڤاليا: 
_ يدوب نلحق نوصل المطار.. 

+


أماءت بِقَبولٍ ثم صوّبت أنظارها على عائلتها، وقد انهمرت العبرات من عينيها بخليطٍ من المشاعر، لا تستوعب أنها ستغادر وعلاقتهم مضطربة، كانت تنظر إليهم تستعطف مشاعرهم نحوها، تُود أن يتقبلاها كما في السابق، لكن هيهات لذلك الحُزن التي خلَّفته من وراء اتفاقها مع آدم، لقد دمر الوصال بينهم. 

+


تسلل عز إلى الخارج أولًا دون النظر خلفه، تلاه الآخرين تحت نظرات ڤاليا المتأثرة بذهابهم قبل أن يسامحوها، وما أن خَرجَ الجميع حتى أجهشت في البُكاء المرير، كمن فقد عائلته إلى الأبد. 

+


دنا منها آدم وقام باحتضانها، مُرددًا بدعمٍ: 
_ كل حاجة هتكون كويسة، أوعدك هصلح كل دا.. 

+


بعد مُدة؛ كانا على متن الطائرة، ليبدأوا حياة خاصة بهما، وإعادة تأهيل أنفسهم، ليكونوا قادرين على إصلاح العلاقات المهدومة، تاركين خلفهم كل ماضي كان قاسيًا. 

+


*** 

+


بعد مرور عام وبِضعة أشهر قليلة، انقضى حفل زفاف وليد وخلود، 
ولجت خلود إلى الغرفة الخاصة بهما، رِفقة عليا التي أصرّت على تقديم المساعدة لها، وقفت خلفها تخلع عنها حجابها. 

+


فأثارت خلود التي تتمايل غرابتها، وتساءلت وهي تُتَابع خلع تلك الدبابيس التي لا تنتهي: 
_ أنتِ يابت واقفة ترقصي ومزاجك رايق.. 

+


مالت عليا على أذنها وهمست سؤالها: 
_ أنتِ مش خايفة؟ أو متوترة؟

+


توقفت خلود عن الحركة، وقد قضبت جبينها بغرابةٍ وهتفت:
_ وأخاف ليه؟ 

+


_ يعني.. أي بنت بتكون متوترة في يوم زي دا 
قالتها عليا، فاستنكرت خلود مفهومها وردت مُستاءة: 
_ هو وليد دا أنا لسه عارفاه من يومين؟ إحنا مع بعض بقالنا ٣سنين، معتش فيه فرق بينا خلاص.. 

+


_ أومال أنا كنت مرعوبة يومي ليه؟ 
تساءلت عليا بفضولٍ، فضحكت خلود وهتفت ساخِرة: 
_ يا بنتي أنتوا علاقتكم كانت، نفذ يا عسكري، تمام يا فندم 

+



        
          

                
انفجرت خلود ضاحكة، وهي تُمثل الموقف كأنها عسكريًا يقف أمام الضابط الأعلى رُتبه منه يُلبي أمره بوضعه يده قُرب رأسه، فلكزتها عليا وصاحت بحنقٍ مُصطنع: 
_ أمك السبب يختي.. مكنتش بعرف أعمل حاجة بسببها

+


_ لا والله أنتِ اللي عبيطة، ما أمك هي هي، بس الفرق إننا كنا بنسرق اللحظات الحلوة، دا غير إن وليد كان قلبه جامد وبيعمل اللي هو عايزه ومش بيخاف منها، لكن جوزك ياعيني كان بيترعب منها.. 
نطقتها خلود مُتهكمة، فاستنكرت عليا وصف زوجها بالجبان وعدّلت ذلك الوصف: 
_ مسمهاش بيترعب منها، قولي بيحترمها.. 

+


سحبت نفسًا عميق ثم تابعت: 
_ أنا خلصت، وراحة لجوزي، لما نشوف فتحة الصدر دي هتدوم لإمتى

+


أطلقت عليا ضحكة ساخِرة فقلبت خلود عينيها مُستاءة ورددت بثقة: 
_ يا بنتي عمري ما أخاف من وليد والله، أنتِ بس اللي مش عارفاه.. 

+


_ كفاية أنتِ عارفاه.. سلام يا كتكوتة 
ودعتها عليا ثم خرجت من الغرفة، بينما وقفت خلود تخلع فستانها
في الخارج؛ انسحب الجميع من البيت؛ فولج وليد إلى الغرفة فصرخت فيه خلود مانعة دخوله وهي تخفي معالم جسدها بفستانها: 
_ استني، خد البيجامة بتاعتك أهي واستناني برا..

+


استنكر وليد ذلك ثم رفع حاجبيه مُرددٍ بعدم إعجاب: 
_ هو أنا مستني ٣ سنين خطوبة عشان يوم الفرح يتقالي خُد البيجامة بتاعتك واستناني برا! 

+


ضحكت خلود وأوضحت إليه مقصدها من خلف طلبها: 
_ ما أنا عايزاك تتفاجئ يا ليدو، يلا بقى استنى برا 

+


أطال النظر بها قبل أن يُردد ببسمةٍ عذبة حماسية: 
_ ما بقى إلا القليل، يا مسهل 

+


قالها ثم أخرج تنيهدة بلوعةْ لا يُطيق الإنتظار؛ سحب بيجامته وخرج من الغرفة، فأسرعت هي في إغلاق الباب خلفه، فذهب وليد إلى ردهة البيت ووقف يتفقد بيجامته مًرددًا بتهكمٍ: 
_ وبيجامة إيه دي كمان اللي هلبسها يوم فرحي؟ 

+


ألقاها على الأريكة، وأخذ يخلع حُلته إلى أن بات لا يرتدي سوى سِروالًا قصير، فضّل المُكوث به، تلك الأثناء صدحت اهتزازة قوية من هاتفه مُعلنة عن وجود اتصال، فعقد وليد ما بين حاجبيه بغرابةٍ لذلك الإتصال. 

+


لَقِف الهاتف ثم هز رأسه يمينًا ويسارًا عندما قرأ إسم المتصل، وأجاب في الحال: 
_ والله العظيم كنت عارف إنه أنت، مش معقول حد معندوش دم غيرك هيكلمني دلوقتي! 
هنبتديها رخامة من بدري كدا؟
أنا قولت مثلًا هتصحيني الصبح بدري، لكن دا أنا لسه واقف بالشورت يا حبيبي عيب كدا 
اخلص عايز إيه يا زكريا 

+


قهقه الآخر وتحدث بسخافةٍ: 
_ واقف بالشورت ليه، معندكش هدوم؟ أطلّعلك من عندي؟ 

+


_ لا يا سيدي متشكر، دا أنا لو هقعد ملط مش عايزك تيجي.. 
هتفها وليد بنفاذ صبر، فتابع الآخر مشاكسته:
_ اتعشيتوا من الأكل اللي أنا جايبه؟ 

+



        
          

                
_ يابني هو أنا لحقت أعمل حاجة؟ بقولك أختك طرداني من الأوضة وواقف في الصالة بشورت! 
أخبره وليد بإنكارٍ لتلك المكالمة الغير منطقية، فهلل زكريا بفرحة: 
_ من أولها كدا طرداك برا الأوضة، ادبح لها القطة يابني من بدري.. 

+


تلك الأثناء؛ فُتِح باب الغرفة وخرجت منه خلود بِطلةٍ خفق قلب وليد إثرها، اهتز كيانه لتلك الهيئة التي يراها عليها لمرته الأولى، كم كانت رائعة، للمرة الأولى الذي يفهم فيها معنى كلمة أنثى. 

+


إلتوى ثِغره للجانب مبتسمًا بجاذبية، ثم قال بعقلٍ هائم: 
_ طب بالسلامة أنت يا زكريا..

+


_ رايح فين؟ 
تساءل الآخر بفضولٍ فردَّ وليد وعينه يتفحصان كل أنشٍ بخلود:
_ رايح ادبح القطة.. 

+


أنهاها ثم أغلق الهاتف وألقاهُ بعيدًا دون النظر للعواقب، وقف وليد يتطلع بها بعينين تلمعان من شِدة إعجابه بمظهرها الفريد الذي وحده يمكنه رؤيتها عليه، ذلك الحين راوده مقطعًا من إحدى الأغاني فرددها وهو يُشير لها بالقدوم إليه: 
_ قدُك المياس يا عمري
يا غُصين البان كاليُسر
أنت أحلى الناس في نظري
جل من سواك يا قمري

+


جاءته وهي تتغنج بدلالٍ بالغ، فهلل الآخر دون تصديق: 
_ سيدي يا سيدي..

+


وصلت إليه وقامت بالتعلُّق في رقبته، فرفعها وليد عن الأرض بمحاوطتة خَصْرِها بذراعيه، ثم اقترب من وجهها حتى شعر ببعض حواسها القريبة من وجهه، وهمس بعذوبة أمام شفتيها: 
_ إيه الدلع دا؟ لا متوقعتش الجُرأة دي، كنت راسم إنك هتطلعي عيني زي الخطوبة كدا 

+


_ مش من حقي دلوقتي.. 
تمتمت بها فكان وليد متفاجئًا بشخصيتها الجديدة، وعلّق بسعادةٍ:
_ ولا يا ولا، دا شكل الدلع للرُكب 

+


ابتسمت خلود في خجلٍ، فأضاف وليد متسائلاً: 
_ طب مش خايفة مني؟ 

+


نظرت إليه خلود بجبينٍ مقضوب، وردت بحيرة: 
_ لأ، ليه بتقول كدا؟ 

+


أوضح له مقصده من سؤاله: 
_ يعني.. البنات في يوم زي دا بيكونوا خايفين ومتوترين.. كدا يعني 

+


ابتلعت خلود ريقها قبل أن تُخبره بنبرةٍ مُدللة: 
_ ممم بس أنت حبيبي، حد يخاف من حبيبه؟! 

+


انحنى وليد على شِفاها وطبع قُبلةً رقيقة، وهمس بصوتٍ عذب مُتيم: 
_ والله أنت اللي حبيبي

+


ثم تراجع للخلف مُحاولًا تفقد قميصها قبل أن يُبدي إعجابه الشديد: 
_ أول مرة أفهم جُملة صِبرت وِنُولت.. 

+


فعضّت الأُخرى شِفاها بحياءٍ ولم تستطع منع سؤالها الذي دفعه فضولها حول معرفة إجابته: 
_ يعني أنا حلوة؟ 

+


_ يخراشي، هو دا سؤال؟! دا أوي أوي
قالها وهو يغمزها بمشاكسةٍ، ثم خَطى خُطواته باتجاه الغرفة وهو يدندن: 
_ عيونك سود يا محلاهم قلبي تلوع بهواهم
صار لي سنتين بستناهم حيرت العالم فى أمري

+



        
          

                
فأطلقت خلود قهقهةً عالية فهلل وليد: 
_ يا الله 

+


ثم ركل باب الغرفة عندما بلغها، كأنه يزيل آخر حاجزٍ يفصل بينه وبين بداية حياتهما الخاصة، فكانت الغرفة شاهدةً على لحظةً يُكتب فيها فصلًا جديدًا من عُمرهما، فصلًا عُنوانه البِدء معًا. 

+


***

+


صباح اليوم التالي، طلع النهار وقد أشرق يومًا جديدًا على العروسين يحمل الأمل والبِدايات، استيقظت خلود بحالٍ ليس على ما يُرام، لكنها لم تُظهر، كانت رؤياها مشوشة وتشعُر بِدوارٍ طفيف. 

+


وعندما حاولت التحرُك من على صدر وليد، تسببت 
في قلقِه، فتساءل بصوتٍ ناعس:
_ راحة فين؟

+


_ معتش عارفة أنام.. 
اكتفت بها، فأعادها وليد إلى حُضنه، ثم قبّل خُصلاتها وهمس:
_ متبعديش عني، لسه مشبعتش منك.. 

+


مال برأسه قليلًا ليتلاقي مع عينيها وسألها باهتمامٍ: 
_ أنتِ كويسة دلوقتي؟ 

+


_ بصراحة مش عارفة، حاسة إني دايخة..

+


عبِست ملامح وليد وأردف: 
_ دا أكيد عشان متعشتيش امبارح.. 

+


أطلق ضحكة خبيثة قبل أن يُضيف:
_ الغلطة دي عندي، مقدرتش اصبر شوية، أنا آسف.. 

+


ثم نهض فجأة وقام بجذب يديها لِيُساعدها على الوقوف قائلًا بحماسة: 
_ قومي نفطر، عشان تبقي كويسة.. 

+


أماءت خلود برأسها، وسارت إلى جواره حتى شعرت بأنفاسها تُثْقل ورأسها يدور بشِدة فتعلقت في ذراع وليد هامسة بنبرة تائهة: 
_ مش قادرة.. أنا تعبانة

+


وما أن قالتها حتى خارت قواها واختل توازنها، فأسرع وليد في اللِحاق بها قبل أن تسقط أرضًا، حملها بين ذراعيه ووضعها على الفِراش بقلبٍ ينبض خوف، وظل يُناديها وهو يضرب وجهها بِخفة: 
_ خلود.. متقلقنيش بالله عليكي، إيه اللي حصل دا؟؟ 

+


انتصب وليد في وقوفه وطالعها بِذُعرٍ وصدرٍ يعّلوا ويهبط خشية أن أصابها مكروهٍ، وضع يديه التي ارتجفتا في منتصف خصرٍه يحاول جمع شتاته الذي تبعثر لِيُحسِن التصرف، وعندما فشل في جعلها تستيعد وعيها قام بالإستعانة بهناء: 
_ لو سمحتي اطلعي بسرعة يا مرات عمي، خلود وقعت فجأة ومش عارف أعمل لها إيه؟!

+


فقط مر بِضع دقائق، وكان الجميع يَغْزُون البيت، وعلى الرغم من التزاحم إلا الهدوء كان يَعُم  المكان، منتظرين حضور زكريا للطبيب. 
ولم يخلوا وليد من النظرات المعاتبة في عيون الواقفين. 

+


حتى أن والدته نادته وتحدثت معه في زاويةٍ لا يستطيع أحد سماعها بها:
_ أنت عملت لها إيه يابني، ما البنت كانت زي الفل امبارح؟ 

+


فارت الدماء في عروق وليد وبرزت بشِدة ثم صاح: 
_ هعملها إيه يعني؟ إيه السؤال الغريب دا؟!

+


وما كاد يُنْهي جُملته حتى خرجت هناء مُهللة بهلع: 
_ أنا عايزة أعرف بنتي حصلها إيه؟ 

+


أغمض وليد عينيه بضجرٍ ثم استدار بجسده وواجه زوجة عمه قبل أن يُعطيها ردًا: 
_ ما أنا قولت لحضرتك، صحيت من النوم قالت إنها دايخة، خمنت عشان متعشتش بليل وقولت لها قومي نفطر وفجأة وقعت كدا.. 

+



        
          

                
_ وإيه اللي خلاها متتعشاش بليل؟
صدح سؤالها فوقع وليد في كومة خجلٍ ولم يستطع إعطائها إجابة، ثم انتبه الجميع على الباب الذي دخل منه زكريا، فكان حضوره للطبيب ملجأً لوليد للهرب من سؤال زوجة عمه. 

+


ولج الطبيب إلى الغرفة، ورافقاه وليد وهناء التي رفضت البقاء في الخارج، بعد قليل؛ خرج الطبيب وشرح وضع خلود بعملية: 
_ اطمنوا يا جماعة، خير إن شاء الله 
بس واضح إنها ضعيفة شوية، ومحتاجة تهتم بصحتها أكتر، وياريت تعمل تحليل أنيميا عشان نشوف لو قليلة تاخد علاج، على العموم أنا ركبت لها محلول وهتحتاج واحد تاني بليل عشان تكون أفضل، حمد لله على سلامتها.. 

+


تدخلت هناء مُعقبة: 
_ أيوا فعلًا دي بقالها يجي أسبوع مأكلتش كويس.. 

+


حدجها وليد بعيون واسعة، للتو كان ترمي اللوم عليه، حرك رأسه بإنكارٍ ثم وصّل الطبيب إلى الخارج وعاد من جديد يرمقهم بنظراتٍ واثقة فكان كل كلمة من الطبيب أظهرت براءته، وأشارت للآخرين أنه ليس هو المسؤول. 

+


دلف الجميع إلى الغرفة ليطمئنوا على خلود إلا من زكريا الذي لحِق بوليد قبل دُخوله ونهره: 
_ أنت عملت في البت إيه يالا؟ 

+


_ وحياة أمك هناء؟! على أساس كلام الدكتور مكنش قدامك؟! 
هتفها باستياءٍ شديد، ثم قلب عينيه ضجرًا وتمتم بغيظٍ: 
_ عيلة أسهل حاجة عندها يغلطوني، دا حتى أمي اتعلمت منكم..

+


قهقه زكريا ودفع بوليد نحو الغرفة هاتفًا بمزاحٍ:
_ طب ادخل يا خفيف.. 

+


ولج كلاهما الغرفة، فتفاجئ وليد بانكماش خلود على نفسها، وما أن رأته حتى لامته بإشاراتٍ من عينيها أنه تركها تواجه ذلك الكم بمفردها، فكانت خَجِلة لا تقدر على مواجهة عيونهم. 

+


استشعر وليد ذلك من خلف شِفاها التي آكلتها وتوجه نحوها بِخُطى ثابتة، ثم جاورها وحاول جذب انتباها إليه: 
_ كدا تخضيني عليكي يا خوخة؟ 

+


نكست رأسها وردّت بخفوت: 
_ مش عارفة إيه اللي حصلي فجأة كدا.. 

+


وما أن استمعت لها هناء حتى صاحت تلُومها: 
_ عشان تِبقي تسمعي كلامي وأنا بتحايل عليكي طوب الأسبوع تاكلي كويس وتهتمي بصحتك، وأنتِ كل اللي عليكي مش فاضية، مش قادرة، بعدين، وآخرتها متتعشيش امبارح، كان وراكي إيه شاغلك عن الأكل؟ 

+


برقت عيني خلود وهو تَتَطلع في والدتها، غير قادرة على إعطائها إجابة، ناهيك عن وليد الذي لم يرفع عينيه البتة عليهم، فكان واضحًا للجميع الإجابة، فبادر محمد بالحديث: 
_ يلا جماعة ننزل، ملوش لزوم وجودنا هنا، طلاما اطمنا عليها.. 

+


ثم نظر إلى ابنته وقال: 
_ حمد لله على سلامتك يا حبيبتي، خدي بالك على نفسك أكتر من كدا

+


ثم أمر هناء قائلًا: 
_ يلا يا هناء سيبي البنت ترتاح 

+


أبت النزول معه مُعلِلَة: 
_ انزل أنت، أنا هحضرلها الفطار الأول وبعدين أنزل وراك.. 

+



        
          

                
تدخل وليد مُرددًا: 
_ متتعبيش نفسك يا مرات عمي، أنا هعمل لها الفطار بنفسي.. 

+


باسيتاءٍ وتزمجرٍ هتفت: 
_ يا أخويا كنت خليتها تتعشى الأول.. 

+


لم يستطع زكريا منه ضحكاته التي خرجت رغمًا عنه فتوعد له وليد بنظراته، بينما لم يتقبل محمد إصرار زوجته وأمرها بجدية:
_ يلا قدامي يا هناء، جوزها يحضرلها الفطار.. 

+


وعندما استشفت نبرته الجادة لم تُبدي اعتراضٍ، وأسبقت بِخُطاها إلى الخارج، تلاها الجميع حتى بات البيت خاليًا إلا من خلود وليد الذي أخرج زفرةً كان يكتُمها داخله. 

+


_ عاجبِك اللي عملتيه فيا دا؟ كلهم فكروني عملت فيكي حاجة؟! 
قالها وهو يهُز رأسه ويضحك مُتذكرًا اتهامات الآخرين، فشاركته خلود الضحك ورددت باستحياء: 
_ أنا آسفة والله.. 

+


تنهد وليد ثم نهض وردد ساخرًا: 
_ يعملي إيه آسفك دا بس، لما أروح أحضرلك الفطار وأجي..

+


أولاها ظهره ثم توقف وعاود النظر إليها، مُتسائلًا بابتسامةٍ عريضة: 
_ أومال أنتِ متعشتيش امبارح ليه صحيح؟ 

+


غَزت البسّمة وجه خلود، التي أسرعت في إخفاء وجهها بيدها التي تستطيع تحريكها وهتفت بتذمرٍ مصطنعًا: 
_ إمشي يا وليد من هنا.. 

+


قهقه عاليًا وانسحب من الغرفة، قام بتحضير الفطور لهما وعاد إليها، شَرعَ وليد في تناول الطعام كما يُطعمها بيده حتى امتلأت معدتها فقالت: 
_ كفاية، شِبعت..  

+


_ متأكدة؟ بدل ما تقعي تاني، مش ناقص إتهامات تانية!! 
بمزاحٍ هتف، فأكدت خلود على كفايتها من الطعام فأعاد الصينية إلى المطبخ وعاد إليها متسائلًا باهتمامٍ:
_ محتاجة حاجة اعملهالك؟ 

+


أماءت وأخبرته: 
_ شعري مضايقني، ممكن تجمعوا..

+


تفقد وليد خُصلاتها الشارِدة قبل أن يبدأ بالبحث عن الفُرشاة ورِباط الشعر المُلون، عاد إليها وجعلها تجلس في وضعيةٍ يُمكنه الجلوس خلفها وبدأ يُمشط شعرها برفقٍ كي لا يؤلمها، ابتسم حينما تذكر شيئًا وشاركه معها: 
_ فاكرة وأنتِ صغيرة لما كنا بنلعب كلنا في الشارع وشعرك كان مضايقك وبينزل على عينك وأنا وقفت ضفرته ليكي.. 

+


عقدت خلود ما بين حاحبيها مستاءة من عدم تذكُرها للأمر ورددت: 
_ إيه دا، امتى الكلام دا؟ مش فاكرة حاجة! 

+


_ كنتي صغيرة أوي، تقريبًا كنتي ٤ سنين، أكيد مش هتكوني فاكرة.. 
تمتم بحنينٍ لذكراه التي تركت أثرًا جميل داخلهما، ثم تابع نسج جديلة من خُصلات شعرها الطويلة بحرفية وجمال، حتى انتهى منها فضمها إلى صدره بلهفةٍ وخوف ظهر في صوته:
_ خوفتيني عليكي أوي يابنت الإيه، مكنتش أعرف إني بحبك للدرجة دي، حسيت إن روحي اتسحبت مني ومتردتش إلا لما  اطمنت عليكي.. 

+


كلامه كان بابًا قد تسللت منه السعادة إلى قلبها، فانعسكت ابتسامة فرحة على ثِغرها، أخذت يده الموضوعة عليها ورفعت كفه عند فمِّها ثم طبعت قُبلة رقيقة داخله، هامسة وعينيها تلتقي بعينه:
_ ربنا يخليك ليا

+



        
          

                
رفع وليد يدها وقبّلها بحبٍ، وصرَّح بمشاعره الدافئة: 
_ ويخليكي ليا يا أغلى من روحي.. 

+


استندت خلود برأسها على كتفه، وغمرت مشاعر الحب والأمان والدفء المكان، فصار الجو من حولهما كأنَّه حضن لا يُفارق قلبَيهما. 

+


*** 

+


في أحد أيام الربيع، حيث النسيم العليل يُلاعب أوراق الأشجار والطيور تُغرد بألحانها العذبة، وانتشر عبير الزهور في الأرجاء، كان الجو بديعًا يملأ القلب صفاءً وسعادة. 

+


يجلس الجميع في حديقة بيت المزرعة، كما اعتادوا في آخر يومٍ من كل شهر، كانت فكرة عبدالله قد اقترحها لتجميع العائلات، الأحباب والأصدقاء معًا، كما يُشرك والدته معهم أيضًا بطهي وجباتٍ لا حصر لها وتوزيعها على المحتاجين. 

+


لَقِف عبدالله ذلك الصغير الذي يركض نحو الموقد وأخذ يُدغدِغه وسط صراخٍ وضحكات منه، فهتف عبدالله مُشاكسًا: 
_ أنت شكلك جُعت، صح؟ تعالى لما نسرق لنا كفتة ونجري.. 

+


رفع عبدالله صغِيره وأجلسه فوق كتفيه ثم توجه به حيث الموقد وقال: 
_ يا مامي، يَحيىَ جعان وعايز كفتة 

+


رمقته صبا بطرف عينيها قبل أن تهتف بحاجبين مرفوعان: 
_ يَحيىَ برده اللي عايز كفتة؟

+


مال عبدالله برأسه نحوها وهمس قُرب أُذنها: 
_ يَحيىَ، أبو يَحيىَ، الإتنين واحد يا أم يَحيى 

+


غمزها فضحكت صبا ثم أخذت واحدة وقامت بإطعام عبدالله في فمه، فأغمض عبدالله عينيه مُلتذِذًا بطعمها الذكي ثم هلل بإعجابٍ: 
_ تحفة تحفة، إرميلي ١٣ واحدة تانين كدا 

+


قهقهت صبا ثم دفعته بعيدًا وقالت:
_ أنت عايز تاكلها لوحدك، روح أقعد وإحنا خلاص بنحضر الأطباق وهتاكل.. 

+


رمقها عبدالله شزرًا ثم أولاها ظهره وغادر متمتمًا لإبنه:  
_ تعالى نروح نلقط رِزقنا من الشيش طاووق اللي هناك دا 

+


_ يا زكريا، حرام عليك بجد، سايبلي ليلى وآيلا وقاعد تتمشى هنا وهناك، طلاما مش بتعمل حاجة خُد واحدة منهم أو ياريت الإتنين عشان بيجروا ومعطليني.. 
صدح صوت ليلى متوسلة زكريا بأن يصطحب التوأم، فجسى زكريا على رُكبتيه وتناوب بنظره بينهن وقال:
_ أنتوا مش بتلعبوا مع ولاد عمتوا عليا ليه؟ 

+


_ تؤتؤ.. 
قالتها إحداهن وهي تُحرك إصبعها رافضة، فتساءل زكريا عن السبب: 
_ ليه بس؟ 

+


_ ماما.. 
اكتفت بقولها، فهي لا تستطيع ترتيب جُملةً كاملة بعد، بينما نظر إلى الآخرى الساكنة وقال بمزاحٍ: 
_ طب ليلى وفهمنا أسبابها، وأنتِ مش بتلعبي معاهم ليه يا آيلا؟ 

+


_ ليلى..
نطقتها بتلعثمٍ فهز زكريا رأسه مُتفهمًا ثم هتف وهو يهُزها برفقٍ: 
_ يا بنتي خلي عندك شخصية، هتفضلي ماشية ورا ليلى كدا لغاية امتى؟

+



        
          

                
ثم قام بحملِهن وأخذ يُلاعبهن تحت ضحكاتٍ بريئة منهن. 

+


على جانب آخر؛ انتقت خلود مِقعدٍ بعيد عن الطعام، إذ لا تتحمل شم رائحته بسبب حملِها، اقترب منها وليد عندما رآى تعابيرها مشمئزة وتساءل: 
_ أنتِ كويسة؟ 

+


_ ريحة الأكل قالبة مُعدتي، قولت لك بلاش أنا المرة دي، وأنت أصريت.. 
وما كادت تُنهيها حتى راودها شعور الغثيان فركضت مهرولة إلى الداخل لِتُفرغ ما في معدتها. 

+


وبينما كانت زينب تضع الطعام على الطاولة المستطيلة التي قاموا بوضع عِدة طاولات جنبًا إلى جنب لتصبح مائدة طويلة تكفي الجميع، نادتها نهال: 
_ زينب حبيبتي، أحط الأطباق دي فين؟ 

1


بابتسامة هادئة أشارت زينب إلى هناك: 
_ في كراسي هناك قدامها فاضي، ممكن حضرتك تحطيهم هناك، مع إن شايفة إن ملوش لزوم تتعبي نفسك وإحنا هنحضر كل حاجة.. 

+


_ بصراحة أنا مبسوطة وأنا بعمل كدا، الأجواء هنا جميلة أوي.. 
صرَّحت نهال باعجابها الشديد لتلك التجمعات، ثم توجهت حيث أشارت زينب ووضعت ما معها من طعامٍ وعادت من جديد تحمل الأطباق الأخرى، بينما علّق عاصم على تصرفات والدته ببعض الدهشة: 
_ والله أنا مش مصدق إن أمي بتعمل كدا، بركاتك يا زوزو

+


قهقهت زينب ثم وضعت في يده طبقًا وأوضحت: 
_ أنت هتفضل تعلق على اللي رايح واللي جاي بس، ساعدني يلا.. 

+


كادت تُغادره، لكنه لحِق بها وأمسك ذِراعها وقال بنبرةٍ أنهكها الإنتظار: 
_ أبوس ايدك كفاية فترة تعارف لغاية كدا، وافقي نتجوز بقى.. 

+


استنشقت زينب نفسًا عميق وأردفت مُختصرة: 
_ مش وقته، خلينا نخلص اليوم دا وبعدين نشوف موضوع الجواز.. 

+


أولاته ظهرها وغادرت، بينما وقف يُتَابعها هو بشوقٍ حار وعيون لامعة من شِدة تلهفه لإتمام زواجهم، خرج من شروده من تعليقٍ ساخر: 
_ لسه برده منشفة دماغها؟ 

+


مال عاصم حيث مصدر الصوت فاذا به عبدالله، حرك رأسه مُبديًا انزعاجه وأجابه بفتورٍ: 
_ مش عارف هنفضل كدا لغاية امتى؟! 

+


_ هتقبل النهاردة!! 
هتفها عبدالله ثم غمزه ومشى مُبتعدًا عنه، فجدد الأمل داخل عاصم الذي ابتسم بعفوية وذهب يضع الطبق الذي بيده على الطاولة. 

+


عِند بوابة الحديقة، دخلت سيارة حديثة بِخُطواتٍ 
صاخبة، كل العيون ارتكزت عليها ف صمتٍ مفاجئ، وما أن فُتح بابها، ونزل منها آدم وڤاليا فتجمدت الأنفاس وعلت علامات الدهشة على وجوه الجميع، فلم يتوقعوا حضورهم اليوم. 

+


أمسك آدم يد ڤاليا ثم باليد الأخرى حمل صغِيره ذو الشهور الأولى وولج نحو أبيه الذي ألقى بنفسه بين ذراعيه بشوقٍ حار، فلم يتحلى برؤياه منذ زمنٍ بعيد. 

+


ثم حمل عنه صغيره ورمقه بعيون متأثرة، فكان يشبه آدم بشكلٍ كبير، ابتسم بسعادةٍ ثم نظر إليهما ورحب بهما: 
_ حمد لله على سلامتكم، نورتوا بيتكم

+



        
          

                
_ الله يسلمك
قالاها في آنٍ واحد، ثم توجهت أنظار ڤاليا تلقائيًا إلى عائلتها، وقد حملت صغيرها عن قاسم وتوجهت إليهم بعد أن استمدت الشجاعة من عيني آدم الذي تَبِعَها. 

+


وقفت أمامهم ثم نظرت إلى صغِيرها وقالت: 
_ عز يا دادي.. حفيدك

+


جسمٍ صغير لا يتخطى عمره الأربعة أشهر قد أعاد إلى عز دفءٍ ومشاعرٍ جميلة تجاه ابنته، ثم علا صوت آدم من خلفهم: 
_ أنا وعدت ڤاليا إني زي ما كنت سبب في تفريقكم أكون السبب في جمعكم، عشان خاطر عز الصغير سامِحنا.. 

+


ترقرقت العبرات من عيون عز ثم انحنى على الصغير وقَبلهُ على جبينه، رفع عينيه على ڤاليا التي تترقبه بلهفةٍ شديدة، ودون أن تُدرك فِعلته قام بجذبها إلى حُضنه فباتت هي وصغيرها ينعمان بحضن عز الذي أعاد لڤاليا الأمان لطالما افتقدته منذ رحيلها عنه. 

+


وعندما اطمئن آدم من عودة الوِصال بينهما توجه إلى عبدالله، لقد حان دوره في أخذ مسامحةً منه ليوطد علاقته به، وقف أمامه وقبل أن يتحدث كادت تغادر صبا المكان لكن آدم قد لحِق بها وقال: 
_ وغلاوة يَحيىَ تستني.. 

+


توقفت صبا على مضضٍ، فبدأ آدم حديثه بمزيجٍ من الندم والرجاء: 
_ أنا عارف إنكم أكتر ناس أنا آذيتها، وكان آذى كبير وعواقبه كبيرة، بس برده أنا دفعت التمن، وعندي أمل إننا نكون عيلة، إنكم تقبلوني بينكم ووسط كل الناس دي
أنا ندمان والله، اتعاقبت واتربيت واتحرمت من حاجات كنت بحبها، كفاية لغاية كدا، آن الأوان إن ولادنا يكبروا وسط عيلة بتحب بعض
مش عايزهم يعرفوا يعني إيه كُره، أنا أذيتكم نتيجة إني اتربيت على كُره من صغري
ومش عايز أكرر دا مع ابني، عايزه يطلع سوي ودا مش هيحصل غير لما يتربى وِسط عيلة بتحب بعضها ومفيش بينهم خلاف ولا زعل

+


تماسك آدم قدر الإمكان لألا يبكي ثم خص صبا بالحديث: 
_ سامحيني يا دكتورة، عشان خاطر ربنا تسامحيني وتنسي اللي فات! 

+


انهمرت دموع صبا رغمًا عنها، حملت صغيرها الذي يَشُد في ملابسها ونظرت إليه ثم تفقدت ڤاليا التي انضمت إليهم هي وصغيرها ثم قالت لآدم: 
_ هسامحك عشان خاطر ابني وابنك يطلعوا سويين ويحبوا بعض، عشان تجربتك أنت وعبدالله متتكررش تاني.. 

+


زفر آدم أنفاسه الحبيسة، لقد أزالت صبا ثِقل ذلك الحِمل من على صدره، لم يشعر بابتسامته التي غزت شِفتاه بسعادةٍ عارمة، وحينها نظر إلى عبدالله الذي فتح له ذراعيه فلم يتردد لحظة وألقى آدم بنفسه على الفور شاعِرًا بِدِفء الإخوة لطالما افتقر إليه. 

+


استغل عاصم تلك الأجواء الحميمية، واقترب من زينب التي تبكي في صمتٍ تأثُرٍ بما يحدث حولها، لكزها بخفة وهمس: 
_ يعني مش عيب كل دول يفرحوا كدا وأنا لأ؟

+


مسحت زينب دموعها براحة يدها، ثم قالت بهدوءٍ: 
_ أنا موافقة.. 

+


اتسعت حدقتي عاصم بذهولٍ وهتف ليتأكد: 
_ قولي واللَّه

+



        
          

                
_ واللَّه 
أقسمت فهلل عاليًا دون تصديق: 
_ اللَّه أكبر..

+


تحولت النظرات عليه، فضحك وصاح: 
_ اعذروني يا جماعة، من حقي والله، دا أنا بقالي سنتين بتحايل عليها توافق نتجوز!! 

+


قفز في الهواء واستأنف حديثه ببهجةٍ شعر بها من هم حوله: 
_ النهاردة الحد، يوم الخميس الجاي الفرح، كلكم معزومين 

+


فغرت زينب فاها بصدمةٍ وأردفت بعيون واسعة: 
_ خميس إيه، أنت بتقول إيه؟ 

+


_ واللَّه العظيم ما انا راجع في كلامي أبدًا، الخميس يعني الخميس، أنا مش ضامنك، دلوقتي تقولي موافقة وتيجي كمان يومين ترجعي في كلامك، فإحنا نلحقك أحسن 
هتفها بأسلوبٍ طريف جعل الجميع يضحكون، ثم توجهوا إلى المائدة وأخذت كل عائلة مكانها، وقبل أن يشرعوا في تناول الطعام هتف عبدالله: 
_ متنسوش أمي من دعائكم.. 

+


فدعوا لها جميعًا بالرحمة، وشرعوا في تناول الأطعمة الذكية، وبينما كان الجميع مُنشغلًا بين الأكل والأحاديث الجانبية كان قاسم مُترأس الطاولة، يجلس في صدر المجلس كأن المكان يستقيم به، يُمرّر نظراته على الوجوه من حوله، أبناؤه، أسرته، أصدقاؤ وعيناه مُمتلئتان بحب صافٍ وامتنان دافئ. 

+


كان يبتسم تلك الإبتسامة الهادئة التي لا تُقال بالكلمات، ابتسامة رجل يرى ثمرة العُمر مجتمعين أمامه، فيحسّ أن قلبه اتّسع ليضمّهم جميعًا، إزدادت بهجته وتحدث فجأة بصوتٍ مسموع لآذان الآخرين: 
_ متعرفوش مدى سعادتي يا جماعة وأنا شايف كل حبايبي قدامي كدا.. 

+


انتبه له الجميع بآذان صاغية، فتابع بنبرةٍ حنونة: 
_ لو حد كان قالي من كام سنة إني هقعد القاعدة دي وولادي وأحفادي وكل اللي بحبهم متجمعين سوا كنت قولت له أنت أكيد مجنون...

+


أخفض رأسه خافِيًا ابتسامته المُنكسرة قبل أن يُواصل: 
_ اعذروني يا جماعة، الواحد قعد سنين طويلة بعيد أوي فكان صعب عليا أصدق حاجة زي دي، أنا دلوقتي مش عايز أي حاجة خالص، أنا لو مت دلوقتي فـ هموت وأنا مبسوط.. 

+


_ بعد الشر عنك.. 
ردَّدها جميع الجالسين، ثم نهض عبدالله أولًا وتوجه نحوه مُقبلّا رأسه بحنانٍ وقال: 
_ ربنا يباركلنا في عمرك يا حبيبي.. 

+


ففعل آدم تمامًا مثلما فعل عبدالله، قَبّل أبيه واحتضنه بحبٍ شديد كما لم يُظهره من قبل، انتهى الجميع من الطعام، ونهضوا يواصلون جمعتهم بلعب بعض الألعاب المُسلية، حتى عمَّ المرح المكان. 

+


_ طب يا جماعة أنا عندي فكرة حلوة، ياريت الشباب تِهدي زوجاتهم أغنية حاسين إنها معمولة عشانهم.. 
كان اقتراح صبا والذي نال إعجاب الآخرين، فهلل زكريا وهو يُشير إلى عبدالله مُشاكسًا إياه: 
_ طب نبدأ بِمُعلم الأجيال الأستاذ عبدالله القاضي 

+


قهقه عبدالله و مرر يده نحو الجميع وهو يردد: 
_ لا لا سيبني أنا في الآخر، لِف لفة وارجعلي...

+



        
          

                
_ شكلها راح عليه يا زكريا، ومعتش عارف يحب كويس
علَّق وليد ساخرًا فأيده زكريا الرأي وأضاف بتهكمٍ:
_ أيوا أيوا، دا لو كان عبدالله بتاع زمان كان قام طربنا بميادة الحناوي 

+


تعالت الضحكات الساخِرة، فقلب عبدالله عينيه وصاح بإزدراء:
_ طب يا خفيف منك له، مش هبدأ برده.. 

+


على جانب عبدالله انتاب صبا شعور الضيق من خلف سُخرية صديقي عبدالله، فكم تمنت أن يُثبت عبدالله حُبه له بأول شخصٍ يُهدي زوجته، لكنها التزمت الصمت ولم تُظهر ضيقها، بينما انتهز زكريا الفرصة وبادر هو بعد أن نظر إلى ليلى بنظراتٍ فيها مزيجٍ من الحب والخجل: 
_ حبيبي يا نور العين يا ساكن خيالي، عاشق بقالي سنين ولا غيرك في بالي

+


هلل بقية الشباب معجبون باختياره، فتلاهُ وليد مباشرةً: 
_ عارفة أحلى حاجة فيكي بتحلي أي شيء عنيكي تيجي فيه، قمر دا إيه اللي تتساوي بيه؟! 

+


ليهتف الشباب عاليًا مع تصفيقاتٍ حارة، فجاء دور آدم الذي أهدى أغنية خاصة لڤاليا: 
_ وقابلتك أنت لقيتك بتغير كل حياتي معرفش إزاي حبيتك معرفش إزاي يا حياتي..

+


و كعادتهم يُهللون كلما انتهى شابًا من الغِنَاء، فأسرع عاصم في النظر إلى زينب وهتف مازحًا: 
_ يا حبيبى هواك جننى و الشوق ملانى جراح
وِحياتك تِبعد عنى وتسيبنى عشان أرتاح 

+


قهقه الجالسين بينما تذمرت زينب وهتفت بِحُنُقٍ: 
_ والله؟ دا أنت كنت لسه بتتحايل عليا، خلاص رِجعت في كلامي.. 

+


أسرع عاصم في لقف يدها وطبع قُبلةً عليها ثم شدّ عليها قائلًا: 
_ لا واللَّه ما اقدر، دا أنا ما صدقت 

+


وعندما انتهوا من المُزاح، عادت النظرات على عبدالله، فعلّق زكريا ساخِرًا: 
_ ها يا عُبد، لسه ملقتش؟ ولا الذاكرة اتمحت؟ 

+


لم تتقبل صبا الكلام، وأحست ببعض الإهانة فنهضت مُستأذنة من الجميع:
_ بعد إذنكم يا جماعة.. 

+


فأسرع عبدالله خلفها وظل يدور حولها مُغردًا بعشقٍ: 
_ أنت أول حبيب وآخر حبيب، ما أظن لو تغيب عيني بعدك تنام 

+


انتهى منها فصاح الآخرين ببعض الصافِرات وبعضهم مُهللين بأصواتٍ مشجعة: 
_ أيوا يا شيخ عبدالله أيوا
_ هو دا الكلام 
_ ختامه مِسك فعلًا

+


فضحك عبدالله وتحمس لغِناء بقيتها تحت تشجيعٍ في الخلف لا يتوقف: 
_ هذا آخر كلام في العشق والغرام، والله بعد عيونك ع الدنيا السلام 

+


بغنائه كان الأفضل من بين الجميع، فكانت كل كلمة وحرفٍ يخرجون من قلبه لها وليست مجرد كلماتٍ تُغنَى، فأسعد صبا وأدخل السرور على قلبها وشعرت أنها مميزة دونًا عن الأُخريات. 

+


وبحركةٍ سلسلة لم تتوقعها صبا، أحاط عبدالله خَصرِها بذراعه وحملها ثم دار بها ظاهرًا  أنه غارِقًا في حُبها، أنزلها برفق وهمس أمام شفتيها: 
_ بحبك يا أغلى حاجة في حياتي 

+


_ معلم إبن معلم، محدش يقدر يعلي عليك يا عُبد
رددها قاسم بفخرٍ واعتزاز لِحُب عبدالله الواضح كوضوح الشمس لعيونهم، ثم اقترح قاسم أن يُغنوا سويًا وبعد اقتراحاتٍ من الجميع كان اختيار عبدالله الموفق والأكثر تَميُزًا حيث علت أصواتهم بتناغمٍ مغردين: 
عَ دروب الهوى مَشّاني حبيبي
عَ دروب الهوى مَشّاني
وعَ كرم الهوى وَصَّلني حبيبي
وعنقودو اسْتوى وناداني ناداني

+


سوا سوا رحنا نمشي إيد بإيد
والهَوا يْلَوّحنا متل العَناقيد
غَمَرني بالهَنا
وسَحَرني بالغِنا
حتّى إسمي أنا
نسّاني 

+


نظرا عبدالله وصبا لبعضهم البعض وهم يُغنُون، وارتسمت الإبتسامة على وجوههم، فقد كانت هذه أغنية البداية التي جمعتهم، واليوم يختمون بها النهاية، فكل نغمة تحكي عن فرحة اللحظة وأجمل إحساسٍ قد عاشاه 
وسادت السعادة أجواء المكان، فرحة لا توصف تُعانق الجميع وتملأ قلوبهم دِفئًا وفرحًا حقيقيًا. 

+


***
البداية ١٦ أكتوبر ٢٠٢٤
النهاية ١٩ نوفمبر ٢٠٢٥
تمت بحمد الله وفضله وفضل دعمكم ومتابعتكم

+


ـ مشاعر غريبة، حقيقي مش قادرة أوصف أنا زعلانة ولا فرحانة، خلاص جه اليوم اللي كنت بحلم بيه من شهور، وإنها خلاص خلصت بس زعلانة أوي 
الرواية كانت جزء من يومي إزاي مش هتكون موجودة؟ 

+


ـ أتمنى أكون قدرت أكتب رواية تليق بيكم، ونالت إعجابكم، والنهاية تكون كفت ووفت وراضين عنها. 

+


ليا طلب عندكم، القارئين في صمت ياريت يظهروا، يقولوا رأيهم 
مش حابة تسلم ايدك والرواية جميلة، عايزة أعرف رأيكم بجد
إيه أكتر قصة شدتكم، الأحداث كانت واقعة بنسبة كام ٪ 
سردي للقصة إخباره إيه معاكم.. 
وأخيرًا أتمنى ألاقي ريفيوهات وترشيحات في الجروبات الخاصة ب الروايات 

4


دُمتم بخير عزيزاتي وأعزائي
بحبكم
إلى اللقاء في رواية جديدة إذا آذن الله تعالى 
.. 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close