رواية سبر اغوار قلبي ولكن الفصل الرابع والاربعون 44 والاخير بقلم نورهان سامي
: ممكن أعرف اتأخرتى و مبترديش على الموبايل ليه ؟
أخذت نفسها و هى تفكر .. ماذا تقول له .. هل تخبره بأمر ماجد أم تصمت .. تفكيرها مشوش الأن لا تقدر على القرار .. وجدت نفسها تقول بعدما وجدت حجة مقنعة : خلصت الإمتحان و روحت مركز العلاج الطبيعيى .. نزلت دموعها قائلة : و الموبايل كان فى الشنطة فمسمعتهوش
صاح بها بعتاب : و حضرتك مكلفتيش نفسك تقوليلى قبل ما تروحى ليه أو تقولى لماما .. أردف قائلاً بحدة : حضرتك فاكرة إنك زي زمان تروحى مطرح ما تروحى و ترجعى وقت ما تحبى من غير ما تقولى لحد .. صمت قليلاً ثم قال بضيق : أنسى زمان ده حضرتك دلوقتى متجوزة و فى ذمة راجل كان هيموت من القلق عليكِ و له الحق إنه يعرف حضرتك فين ! أردف قائلاً : و بعدين إزاى تروحى أصلاً لوحدك .. أنتِ مش عارفة إنك بعد العلاج الطبيعى بتكونى خلصانة و مش قادرة توقفى على رجلك .. افردى كان أغمى عليكِ و أنتِ لوحدك فى الشارع أو فى التاكسى .. مش نبهت عليكِ قبل ما أسافر بدل المرة ألف إنك لو عايزة تروحى يبقى تروحى مع أسيل أو ماما أو حتى مراد بس على الأقل يبقى فى حد معاكِ
أتاه صوتها المتحشرج و هى تقول من بين دموعها : أسفة مش هتتكرر تانى .. أنا مكنش قصدى أضايقك أو أقلقك عليا .. أردفت قائلة بحنين : أنت وحشتنى أوى .. هترجع أمتى بقى ؟
تنهد بضيق و استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ثم قال بجدية : و أنتِ كمان وحشتينى .. صمت قليلاً ثم أردف قائلاً : احتمال مش أكيد إنى أرجع بعد أسبوعين تلاتة كده
عادت لبكائها الذى لم تكف عنه سوى من وقت قليل ليقلق هو و يقول بشك : تالا أنتِ كويسة ؟
ظلت صامتة لبعض الوقت ثم قالت بصوت متحشرج : اه كويسة بس أنت وحشتنى أوي يا أدهم .. وحشتنى أوى .. حاول ترجع بسرعة بقى
تنهد أدهم و قال بجدية : و الله يا حبيبتى بعمل كل اللى أقدر عليه عشان أرجعلك .. أردف مشاكساً إياها : وحشتنى أنتِ و البركة بتاعتك
ابتسمت تالا إبتسامة حزينة من بين دموعها ثم قالت : ترجع بالسلامة
ابتسم أدهم ثم قال بتساؤل : عملتى ايه فى امتحانك ؟
لم تجب بأكثر من الحمد لله ليقول هو بجدية : أنا هقفل معاكِ بقى عشان مشغول و أنتِ تروحى تستريحى كده من التمرينات و هبقى أكلمك لما أفضى .. أردف قائلاً : و متنسيش تكملى حفظ من بعد ما وقفنا فى القرأن عشان هتصل بيكِ أسمعلك بعد الفجر و لو ملقتكيش حافظة هأخر رجوعى أسبوع كمان
صاحت تالا في سرعة قائلة : لا و الله هحفظ يا أدهم
ابتسم أدهم و قال بجدية : طب يا حبيبتى .. يلا لا إله إلا الله
تالا : محمد رسول الله
أدهم بجدية : خلى بالك من نفسك يا حبيبتى و لو مصلتيش العصر صليه يلا و أستريحى
تنهدت تالا قائلة برجاء : حاضر بس تعال أنت خلى بالك منى
ظل صامتاً لبعض الوقت يفكر بعبارتها ثم قال بشك : تالا أنتِ متأكدة إنك كويسة ؟
تالا بتنهيدة : أيوة يا أدهم .. أردفت قائلة برجاء : خلى بالك من نفسك و كل كويس و ألبس تقيل عشان الجو بيبقى برد
ابتسم أدهم و قال بجدية : حاضر يا حبيبتى .. أردف قائلاً بصرامة : خلى الموبايل دايماً جمبك و تردى علطول .. و حركة إنهارده ديه متتكررش تانى
تالا بتنهيدة : حاضر يا أدهم
أدهم بجدية : حضرلك الخير يا حبيبتى .. ربنا يحفظك ليا
نزلت دمعة ساخنة من عينها و أغمضت عينها و هى تدعو الله من جوف قلبها قائلة بصوت مسموع : ربنا يحفطنا لبعض
أمن على دعائها و هو غير مدرك أنها كانت تقصد بــ " يحفظنا " هو و هى و جنينهما و ليس هو و هى فقط !
ودعته و أغلقت الهاتف معه و هى تشعر بالذنب لأنها كذبت عليه و هى على قسم معه ألا يكذبا أو يخفيا أى شئ عن بعضهما البعض لكن ليس بيدها حيلة .. يجب أن تفكر بدل المرة ألف و خمسون مرة حتى تقرر قراراً صائباً صحيحاً و ترى ما يمكنها فعله .. جففت دموعها بطرف طرحتها ثم قامت بخطوات متثاقلة و ذهبت حيث تجلس منال فقد تركتها منذ أخر جملة قالتها لتتكلم مع أدهم بحرية .. جلست بجانب منال و مدت يدها لها بهاتفها لتنظر منال لوجهها الشاحب الذى تحول لونه للأصفر و تقول بدهشة : تالا أنتِ كويسة ؟
كذبت لثانى مرة قائلة : أنا كويسة الحمد لله بس تعبانة عشان روحت مركز العلاج الطبيعى بعد الإمتحان
ربتت منال على كتفها قائلة بجدية : طب أدخلى صلى لو كنتِ مصلتيش و ريحى جسمك كده عشان شكلك تعبان .. أردفت قائلة بعتاب : و تانى مرة يا حبيبتى لما تحبى تروحى فى حتة أبقى أدينا خبر عشان منقلقش عليكِ .. صمتت قليلاً و قالت بجدية : أنتِ خلاص دلوقتى بقيتى متجوزة و لازم جوزك يعرف أنتِ راحة فين و جاية منين عشان ميقلقش زي النهارده كده .. أنتِ متعرفيش كان متضايق و قلقان إزاى لما اتأخرتى و مقولتلهوش انتِ فين !
اؤمأت برأسها بتفهم قائلة : حاضر يا ماما بس أنا فعلاً مكنش قصدى أضايقكوا أو أقلقكوا عليا
منال بابتسامة : عارفة يا حبيبتى .. انتصبت على قدميها قائلة : غيري هدومك بقى عقبال ما أحضرلك الغداء
أمسكت تالا يدها قائلة بجدية : لا مليش نفس .. أنا هقوم أصلى و أنام عشان التمرينات بتتعبلى جسمى
منال بضيق : تالا أنا نفسى أشوفك بتكلى حتى لو صدف و كلتى أكلتك ضعيفة .. أردفت قائلة بنافذ صبر : أنتِ مينفعكيش غير أدهم هو الوحيد اللى بيأثر فيكِ و بيجبرك تاكلى
تالا بتنهيدة : معلش يا ماما بس فعلاً مليش نفس .. قبلت يدها كما اعتادت أن تفعل هى و أدهم و هى تتمنى بقرارة نفسها أن تعود طفلها القابع بأحشائها أيضاً على تلك الخصلة .. لم تربت منال على كتفها كعادتها عندما تقبل يدها فابتعدت عنها تالا و نظرت لها بدهشة قائلة : ماما أنتِ متضايقة منى ؟
منال بضيق : أيوة يا تالا .. أنتِ لو فضلتى على حالتك ديه من غير أكل صدقينى هتتعبى قدام و حملك هيبقى صعب و ضعيف زيك
عندما ذكرت منال الطعام لم تفكر أبداً بجنينها .. يجب أن تفكر بيه من الأن .. يجب أن تأكل لأجل جنينها حتى إذا لم تكن ترغب بالأكل كعادتها .. حاولت رسم ابتسامة ثم قالت بجدية : خلاص يا ماما .. أنا مقدرتش أرفضلك طلب بس متتعبيش نفسك خلى زهرة تحطه
ربتت منال على كتفها قائلة : جزاكِ الله خيراً يا حبيبتى و يرزقك بالذرية الصالحة أنتِ و أدهم .. أردفت قائلة : يلا قومى خدي شور لحد أما الأكل يخلص و بالمرة اتغدا معاكِ
كادت منال أن تغادر لكن أوقفتها تالا بسؤالها : ماما أنا ساعات كتير باستغربك .. نظرت لها منال بعدم فهم لتكمل تالا قائلة : حضرتك عمرك ما عاملتينى زي الحما ما بتعامل مرات ابنها .. عمرى ما حسيت إن حضرتك حما من أول ما قابلتك و أنا حاسة إن حضرتك أم ولا يمكن تكونى حما أبداً
ابتسمت منال و قالت بسخرية : هو عشان أبقى حمى و مستغربنيش لازم أصحيكى الصبح بدرى و اقولك امسحى الفيلا من اولها لأخرها و اعملى الأكل و اشخط فيكِ و أشتمك و نقل أدبنا على بعض و أشتكيكى لأدهم و أجيبك مرة من شعرك و أنتِ تجبينى مرة من شعري .. أردفت قائلة بجدية : المفروض الحما تتعامل مع مرات ابنها على إنها بنتها فاللى تقبله يتعمل فى بنتها يبقى تعمله فى مرات ابنها و بعدين لو كل حما عرفت إنها لما بتنكد على مرات ابنها بتنكد علي ابنها قبليها عمرها ما هتنكد أساساً و لا هتعمل مشاكل معاها .. أردفت قائلة بابتسامة : أنا مش عايزة حاجة غير إنى أشوف أدهم سعيد و فرحان و أنا بشوفه سعيد و فرحان لما أنتِ بتبقى سعيدة و فرحانة .. يبقى ليه أنكد عليكِ و بالتالى أنكد على أبنى .. صمتت قليلاً و قالت بجدية : و بغض النظر إنى عايزة سعادة أبنى فأنا برده بحبك و ليكِ معزة خاصة فى قلبى أنتِ تستحقيها و تستحقى إنى أعاملك كبنتى مش مرات أبنى فأرجو إنى مضيقكيش لما أنصحك كأم أو أنقدك فى تصرف غلط إتصرفتيه .. اؤمأت تالا برأسها لتبتسم منال و تقول بمرح : هاه تحبى تفضلى مستغربانى و أعملك زي بنتى ولا أجيبك كل يوم من شعرك و أعذبك عذاب الحموات
ابتسمت تالا لها و قالت فى سرعة : لا خلينا أم و بنتها أحسن
ربتت منال على كتفها و قالت بجدية : يلا قومى بقى
اؤمأت تالا برأسها و هى تدعو الله أن يحميها من ماجد و يسترها حتى تظل بكنف تلك العائلة التى لن تجد مثلها مهما بحثت .. هى تطمع بكرم و رحمة ربها و تثق بأنه كريم رحيم لن يرد دعائها ابداً .
قصــــة..( سبر أغوار قلبى و لكن ).
✾ الفصل الأخير – الجزء الثانى
كان يقف أمام باب الفيلا ينتظرها و هو يسند على سيارته بعدما استأذن و ترجى والدها لساعات ليخرجا للغداء .. خرجت و وقفت أمامه ليقول هو بابتسامة غيظ : لازم أعزمك على الغداء عشان أشوفك ؟
ابتسمت أسيل ابتسامة صغيرة و قالت بملل : لو مش عاجبك أنا ممكن أرجع تانى .. أردفت قائلة : ديه فتحية عاملة أكل يجنن أنهارده .. صاحت به قائلة : أسر نبقى نخرج مرة تانية تعال نتغدا هنا انهارده .. التفتت لتذهب للداخل لكنه أوقفها عندما أمسك ذراعها قائلاً بغيظ : ندخل جوه ايه ؟ ده أنا صوتى أتنبح و أنا بطلب من أبوكى نخرج لدرجة إنى كنت هستدعيه فى القسم .. أسجنه الساعتين اللى هنخرجهم و نعدى عليه نخدوا و أحنا مروحين .. صاح بها قائلاً : و أنتِ تقوليلى نتغدا جوه
أبعدت يده عنها بضيق و قالت بملل : أسر لو سمحت متتكررش تانى .. أوكيه
زفر أسر و قال بنافذ صبر : حاضر بس ممكن نـــ يلا
اؤمأت برأسها و تخطته و ركبت بمقود السائق لينظر لها بفم فاغر من الدهشة و هو يقول بتساؤل : مالك ؟ هاه مالك ؟ أنتِ سخنة ؟
أسيل بدلع : أسر بليز ممكن أسوق
تنهد بهيام قائلاً : العربية تحت أمرك .. أردف قائلاً بتساؤل : تاخدى القميص أو البنطلون أو الشراب لو تحبى .. أردف قائلاً بصوت خافت : و الله بليز كمان من بتوعك دول و مستعد ابيعلك اللى ورايا و اللى قدامى
جلس بجانبها لتنطلق هى بالسيارة .. ظل صامتاً و يده على قلبه خائفاً على سيارته .. نظر لها و قال بتساؤل : مدام نفسك إن أنتِ اللى تسوقى ليه مركبناش عربيتك ؟
أسيل بعتاب : أنت خايف على عربيتك منى ؟
زفر بقلق ثم قال بجدية : خلينا فى المهم .. تالا أنهارده خلصت امتحانتها صح ؟
اؤمأت أسيل برأسها ليقول أسر بجدية : طب يلا بقى خلال أسبوع كده نعمل الخطوبة .. و أنا هبقى أكلم أدهم أشوفه هيجى أمتى حتى لو يجى يوم و يسافر تانى
نظرت له أسيل قائلة بجدية : أنا كلمت تالا إنهارده كان صوتها تعبان أوى عشان راحت عملت علاج طبيعى و كمان شكل سفر أدهم مضايقها .. أردفت قائلة : قالتلى أن أدهم هيرجع بعد اسبوعين أو تلاتة فنستنى لحد أما يرجع بقى
زفر أسر بضيق و قال بجدية : أنا هبقى أكلمه أشوفه
اؤمأت برأسها بتفهم و ظلت صامتة تتابع الطريق .. حولت نظرها فجأه قائلة : أسر أنت لحد دلوقتى بتنفذ الشروط و تمام لكن ناقص شرط كل أما أكلمك فيه تتوه عن الموضوع و تطنشنى
زفر بضيق قائلاً بجدية : مش هحلق شنبى
أسيل بضيق : و أنا مش هتجوزك غير لما تحلقه
ضغط على شفتيه بضيق ثم قال بنافذ صبر : نبقى نتكلم فى الموضوع ده بعدين .. ماشى
أسيل بملل : ماشى بس هتحلقه
أسر بتبرم : إن شاء الله .. توقفت أسيل أمام أحد المطاعم و قالت برجاء : أسر بليز نتغدا هنا
ابتسم أسر لها و قال بجدية : أى مكان تحبيه يا حبيبتى .. أردف قائلاً بجدية : أنزلى يلا و أنا هركن العربية
بعد كثير من الكلام و المناقشات بينهما ضعف أسر أمامها و جعلها تركن السيارة و يا ليته لم يتركها فقد اصطدمت بالسيارة التى خلفها .. هوي قلبه أرضاً و قد شعر أن الأصابة أتت بقلبه و ليس بصاج سيارته .. نظر لها شذراً قائلاً بتلقائية بنبرة غيظ : يا بنت الــ..
تحولت نظرتها من نظرة أسف إلى نظرة دهشة قائلة : ايه !
ضغط على أسنانه بغيظ و قال من بينها : يا بنت .. هو أنتِ مش بنت ولا ايه ؟ أردف قائلاً و عيناه تطلق شراراً : يا بنت يا جميلة يا حلوة
نظرت له بنصف عين و قالت بتساؤل : بس أنت قولت يا بنت الــ..
زفر بضيق و قال بنافذ صبر : كان قصدى يا بنت الجميلة .. صاح بها قائلاً بغيظ : و أنا اللى قولت أدلعك و أسيبك بدل ما تقولى أنه لسة بيفضل العربيات عليا لكن أقسم بالله ما هتقعدى مكانك ده تانى غير و أنا ميت يا بنت عبد العزيز .. زمجر قائلاً : أنزلى يلا
ترجلت أسيل من السيارة بضيق و دبدبت قدمها بالأرض .. ليركب هو مكانها و يركن السيارة بشكل صحيح ثم ينزل و يتفقدها ليجدها خدشت .. ضغط على شفتيه بغيظ و نظر لها بضيق قائلاً : أدخلى يا أختى أدخلى .. أما نشوف أخرتها معاكِ و أحمدى ربنا أن العربية اللى خبطيها سليمة
أسيل بدلال : أسر يعنى مش هتخلينى أسوقها و أحنا مروحين
أسر بصرامة : على جثتى .. هى مرة واحدة و أفرحى بقى ..ربعت يدها أمام صدرها ليزمجر بها قائلاً : أفرحى
تأففت قائلة بملل : مش هفرح بقى هاه
زفر بضيق ثم قال بابتسامة خبث فهو يعرف مفتاحها جيداً : هجبلك كب كيك و أحنا مروحين من المحل اللى بتحبيه بس أفرحى
أبتسمت أسيل أبتسامة واسعة و أنزلت يدها قائلة و الإبتسامة مازالت تشق وجهها نصفين : فرحت أهو
حرك أسر رأسه بنافذ صبر و قال بجدية : طب يلا يا فرحانة
مر أسبوعان كاملان لم يحدث بهما أى شئ جديد غير تهديدات ماجد المتكررة سواء بالرسائل النصية أو بالإتصالات التى كانت تهمل معظمها وتتجاهلها .. حالتها الصحية كانت سيئة للغاية ليس لحملها بل لحالتها النفسية حتى إنهالم تكن تقوى على الوقوف لفترة طويلة لكنها كانت تجاهد و تأتى على نفسها حتى تؤدى فروضها .. رغم أنها كانت تستطع الصلاة و هى جالسة بسبب تعبها المفرط لكنها كانت تصر على الصلاة و هى واقفة فمنذ أن عادت للمشى و الوقوف على قدميها و هى أقسمت أنها لن تصلى و هى جالسة مطلقاً .. كانت أصعب أيام مرت بها حقاً فقد كانت تفتقد وجود أدهم بجانبها كما أنها كانت تعيش بقلق دائم و ارتياب كامل مما قد يحدث بالمستقبل القريب فطوال الأسبوعين الماضيين لم يتوقف عقلها عن التفكير بتهديدات ماجد و بما ستفعله هى .. يكفى انها تشعر أن حرمة جسدها تنتهك و هذا الفيديو بحوذته .. كانت تحدث أدهم يومياً و هى تحاول أن تظهر صوتها عادياً لكنه فى كل مكالمة يقلق عن المكالمة التى سبقتها ليسألها هل هى بخير ؟ لتجيبه إنها تفتقد وجوده بجانبها بشدة فليرجع سريعاً .. فى كل مكاملة تتحدثها معه تكاد أن تخبره بكل شئ أوله حملها لكنها تتراجع .. تتراجع بأخر لحظة و هى خائفة قلقة متوجسة !
كانت نائمة على سريرها و هى تحتضن سلسلتها المفضلة التى تحاوط رقبتها بيدها و تردد بصوت هامس من بين شفتيها : حسبنا الله و نعم الوكيل .. سمعت صوت أقدام من الخارج و بعدها سمعت صوت منال و هى تقول بتساؤل بعدما وقفت أمامها : تالا أنتِ صاحية ؟
فتحت عينيها التى أغلقتها منذ ثوانى و قالت بصوت متعب : أه صاحية .. حضرتك عايزة حاجة
جلست منال بجانبها و قالت بنافذ صبر : قولتيلى مقولش لأدهم إنك تعبانة عشان ميقلقش و قولنا ماشى لكن إنك ترفضى إننا نروح للدكتور أو حتى نجيب دكتور هنا ده مينفعش يا تالا
اعتدلت تالا لتجلس نصف جلسة و قالت بصوت متعب : يا ماما أنا كويسة صدقينى بس شوية ارهاق و تعب عادين هيروحوا لوحدهم
منال بنافذ صبر : أستغفر الله العظيم يا رب .. كنت بقول إن أدهم عندى لكن طلع بالنسبالك ملاك .. أردفت بصوت خافت : الصراحة أنتوا الاتنين عايزين ضرب الجزمة بدماغكوا الجزمة ديه
تالا بجدية : ماما صدقينى مش عايزة أضايقك بس أنا عارفة نفسى هبقى كويسة مع مرور الوقت مش محتاجة لدكتور
منال بنافذ صبر : براحتك يا تالا .. أنتِ و أبنى مبعرفش أخد منكوا لا حق ولا باطل .. صمتت قليلاً و كادت أن تخبرها أن تعبها هذا ربما يكون أعراض للحمل لكنها امتنعت حتى لا تعشمها بشئ و يخفق نهاية : على العموم لو فضلتى تعبانة لازم نروح للدكتور .. على الأقل نطمن تمام
اؤمأت تالا برأسها و ابتسمت ابتسامة صغيرة قائلة : جزاكِ الله خيراً يا ماما على اهتمامك بيا و أكيد لو فضلت تعبانة هروح بإذن الله عشان خاطرك بس
ربتت منال عليها و قالت بجدية : ربنا يحفظك يا حبيبتى .. شكل بعد أدهم عنك هو اللى تاعبك كده .. ابتسمت تالا ابتسامة حزينة لتقول منال بنصف عين : أظاهر فعلاً إن بعد أبنى عنك هو اللى عامل فيكِ كده .. أردفت قائلة بحزن : الفيلا من غيره ملهاش طعم ولا حس .. مجرد وجوده بيدى للفيلا حياة
أكملت تالا قائلة بحزن : و ليا حياة
ابتسمت منال و قالت بجدية :إن شاء الله ربنا هيرجعه بالسلامة .. قومى برضه كده حاولى تفوقى نفسك و بعدين خلاص هانت و يرجع
اؤمأت تالا برأسها بتفهم لتتركها منال و تغادر الغرفة .. انتصبت على قدميها و قامت ببطء لتدخل إلى الحمام حتى تتوضأ و تصلى حتى تتضرع إلى الله و تنتظر صلاة العصر .. لم تمش الكثير من الخطوات حتى سمعت رنين هاتفها .. اتجهت إليه سريعاً رغم تعبها و خمول جسدها عسى أن يكون أدهم هو المتصل فهو لم يتصل بها منذ أخر مكاملة بعد صلاة الفجر .. أمسكت الهاتف لتجد تلك النمرة الغير مسجلة تتصل بها .. ألقت الهاتف على السرير بضيق و هى تحاول تجاهلها كالعادة .. كادت أن تتجه للحمام مجدداً لكنها توقفت عندما أعلن هاتفها عن وصول رسالة جديدة وصلت لتوها .. ظلت تنظر للهاتف لبعض الوقت و هى تردد بصوت خافت : مش هشوفها .. لم تستطع أن تكبح زمام فضولها فأمسكت الهاتف و فتحت الرسائل لتظهر لها رسالة من نفس الرقم تحديداً رقم ماجد الذى لم تسجله .. كان مضمون الرسالة كالتالى" صوتك وحشنى أوى يا توتة .. للدرجادى هاين عليكِ أتصل بيكِ و متروديش ؟ "
زفرت بضيق شديد و ألقت الهاتف من يدها مجدداً .. دخلت إلى الحمام و توضأت و بعدها خرجت لتصلى .. كادت أن تبدأ الصلاة لكنها سمعت صوت الهاتف يعلن على وصول رسالة أخرى جديدة .. تجاهلتها و بدأت تصلى ركعتين لله و هى تدعيه أن يقتص من ماجد و يحمي أسرتها و عرضها .. أنهت صلاتها و جلست على سجادة الصلاة تحفظ ما يجب عليها تسميعه لأدهم .. قطع تركيزها التام صوت خمسة رسائل تناوبوا للوصول لهاتفها .. أمسكت المصحف مجدداً و حاولت أن تكمل حفظها لكنها لم تستطع التركيز فقد كان عقلها مشتتاً بالرسائل .. أغلقت المصحف و وضعته جانباً ثم قامت و أخذت هاتفها ففضولها كان له أثر كبير على فعلتها .. فتحت الرسائل لتجد الرسالة الأحدث التى وصلت مكتوب بها " تم " ! .. ماذا يقصد بتم ! .. تصفحت التى تسبقها لتجد مكتوب بها " 1 " .. فعلت المثل لتجد " 2 " ثم وجدت بعدها " 3 " .. ماذا يعنى هذا ؟ .. أهذا عد تنازلى ! و لو كان عد تنازلى فعلى ماذا سيكون ! .. اتسعت حدقة عينها على الفور .. فتحت الرسالة التى تسبقهم كلهم لتجد أن تفكيرها صحيح بالفعل هو عد تنازلى .. نزلت دموعها و هى تقرأ الرسالة للمرة التى لا تعلم عددها لتتأكد أن ما قرأته صحيح " أنا صبرت عليكِ كتير يا تالا بس شكلك أنتِ اللى عايزة تطلعى و تطلقى من أدهم بفضيحة .. أعتقد أن أسبوعين كفاية أوى و لو أنتِ فكرانى بهزر أو بهددك بس فانتِ غلطانة و أنا هثبتلك بفيديو مرفق برسالة هتلقيه على تليفون حماتك بعد العد التنازلى اللى هبعتهولك ده و يا تلحقيها يا متلحقيهاش أنتِ و حظك يا توتة قلبى "
ألقت الهاتف من يدها بعدما تحجرت الدموع بمقلتيها .. أخذت تعرج بقدميها فى سرعة و أنفاسها تتصارع مع خطواتها السريعة المضطربة حتى أنها قد نست تعبها .. تعثرت بمشيتها بعدما تعثرت بالأشياء التى قابلتها بطريقها و هى تدعو الله أن يسترها بترديد آياتها التى تقولها وقت أزماتها " لا إله الا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين " .. عندما هددها ماجد بالمشفى انه سيرسل الفيديو لمنال لم تكن تعتقد أنها ستكون بهذه الحالة بعدما ينفذ تهديده .. فكرت بنتيجة ما سيحدث ما إن تقع أعين منال على الفيديو .. بالتأكيد ستسقط صورتها أمامها و ستنقلب ضدها مئة مرة .. بالتأكيد ستظن بها سوءاً و ربما تظنها خائنة لأدهم بالفعل فهى لا تعلم بما حدث فى السابق .. بالتأكيد ستتغير معاملتها معها و لن تعاملها كأم و أبنتها و لا حتى كحما و زوجة ابن لأنها بكل تأكيد ستحث أدهم على تركها .. سيفتح هذا الفيديو عليها أبواب جهنم ما إن تراه منال فأما أن تحسبها خائنة وإما سيفتح كل ثغرات الماضى و يبسطها أمامها لتعلم بعدها أن أدهم قد أخفى عليها ماضيها.. أكملت طريقها و هى تشعر أن الطريق أصبح أبعد و امتلأ بالعراقيل التى تعوقها للوصول لمنال .. أخذها تفكيرها مجدداً فحتى لو قبلت منال بها و تفهمت الامر و هذا بالتأكيد أمر مستحيل .. هل ستسطيع أن تواجه عينها عيون منال بعدما رأتها بوضع كهذا .. هل ستظل علاقتها طيبة مع منال - تحترمها و تحبها و تحنو عليها - هل ستلتمس لها منال الأعذار و تتعامل معها بعقلانية كعادتها أم ستطردها شر طردة من بيتها و كنفها و من حياة أبنها !
بحثت عنها لكنها لم تجدها .. دخلت المطبخ و هى مازالت تردد أياتها بجوفها لتجدها واقفة تعطيها ظهرها تعد طعام الغداء .. أخذ صدرها يعلو و يهبط لأنفاسها الغير مستقرة و هى تحاول أن تعيدها لطبيعتها .. التفتت منال لتتفاجأ بوجودها و ذعرها الواضح على وجهها فقالت بتساؤل : فى حاجة يا حبيبتى ؟
بعدما سمعت كلمة " حبيبتى " تنهدت تنهيدة إرتياح عميقة فيبدو أنها لم تر الفيديو بعد .. حاولت أن تبدو طبيعية و هى تقول : ماما هو الموبايل بتاعك فين ؟
فكرت منال لبعض الوقت ثم قالت بحيرة : مش عارفة يا تالا بس احتمال تلاقيه على الترابيزة بره .. أردفت بدهشة : بس أنتِ عايزاه ليه ؟
ارتبكت لثوان ثم قالت بعدما وجدت حجة مقنعة : أصل موبايلى معلق و مش عارفة ماله فخايفة أدهم يتصل فى أى وقت و معرفش أرد عليه فقولت أخد موبايل حضرتك عشان لو أتصل بيا و أنا معرفتش أرد هو أكيد هيتصل بحضرتك
ابتسمت منال لها و قالت بجدية : ماشى يا حبيبتى
اؤمأت تالا برأسها و كادت أن تغادر لكنها عادت لها و قالت بتساؤل : حضرتك عايزة أى مساعدة !
ابتسمت منال لها و قالت بجدية : لا يا حبيبتى شكراً .. أنا خلاص خلصت .. روحى أنتِ ريحى عشان شكلك تعبانة
ابتسمت تالا لها ابتسامة صغيرة و قالت بجدية : لو حضرتك عايزة أى حاجة أندهيلى
منال بابتسامة : ماشى يا حبيبتى
غادرت تالا المطبخ و هى تحمد ربها و تشكره .. أخذت هاتف منال الموضوع بشكل واضح أمامها على المنضدة لكنها لم تلاحظه بتاتاً بسبب ذعرها و دخلت لغرفتها مجدداً .. أغلقت الباب عليها جيداً و جلست على السرير .. فتحت الهاتف لتقع عيناها على الرسالة التى أرسلت .. لقد نفذ تهديده بالفعل .. نزلت دموعها و هى تحسبن عليه و تفوض أمرها إلى الله عز و جل .. لم تعد تتحمل أن تبقى الأمر سراً بجعبتها يجب أن تطلب المساعدة من أحد .. لن تقدر على مواجهته وحدها .. فكرت بأسيل .. ستخبر أسيل لكن أسيل لن تساعدها بأى شئ و ربما تخبر أدهم أو تخبر أسر .. ماذا لو أخبرت أسر و طلبت منه المساعدة ؟ حذفت الفكرة من رأسها تماماً فربما يخبر أدهم هو الأخر كما أنها إذا طلبت مساعدته ستضطر أن تخبره بتفاصيل ما حدث بالماضى .. وجدتها .. ستخبر أمها .. أمها تعرف ما حدث بالماضى و تعرف جيداً علاقتها مع ماجد .. تراجعت بعدما كانت ستحسم أمرها و تخبر روفيدة لكنها بالتأكيد ستخبر أدهم هى الأخرى .. كل من تعرفهم و يمكنهم مساعدتها لا تضمن صمتهم و عدم إخبارهم لأدهم .. سمعت صوت رنين هاتفها و كان المتصل ماجد .. فتحت الإتصال سريعاً و حاولت أن تتماسك بحديثها حتى لا يظنها ضعيفة .. سمعت صوته و هو يقول بتساؤل : يا ترى الفيديو عجب حماتك ولا حظك حلو و لحقتيها قبل ما تشوفه .. أردف قائلاً و هو يرد على نفسه : شكل كان حظك حلو و هى ملحقتش تشوفه و ده طبعاً حاجة متزعلنيش ديه تفرحنى عشان ميهونش عليا بهدلتك .. صمت قليلاً ثم قال : أنا بقول بقى إنى ألحق أطلق نيفين عشان أجدد الشقة و أستقبلك قريب
لم ترد عليه سوي برد واحد فقط و بعدها أغلقت الخط بوجهه " حسبنا الله و نعم الوكيل فيك يا ماجد .. ليا رب كريم هياخد حقى منك "
انخرطت فى البكاء بعدما أغلقت الخط معه لكنها توقفت فجاءة عندما أضاء أسم نيفين أمامها .. نيفين .. لماذا لا تخبر نيفين و تطلب منها المساعدة ! ستحاول حل المشكلة بعيداً عن جميع أطراف عائلتها .. ربما هذا تفكير غير عقلانى بالمرة أن تطلب المساعدة من عدوك أو من كان عدوك سابقاً لكنها هى الوحيدة التى تقدر على مساعدتها دون إخبار أدهم .. هى الوحيدة التى يمكنها أن تأتى لها بالفيديو .. نيفين هى الأمل الوحيد لها .. ستخبرها بكل ما حدث .. ستكلم الأنثى بداخلها فإن لم تلن معها ستكلم أمومتها .. يجب أن تساعدها نيفين فهى لن تقدر على طلب مساعدة أى أحد غيرها كما أنها تشفق على نيفين بشدة لزواجها و تضييع عمرها مع شخص عديم الدين و الرجولة مثل ماجد !
أوقفت عقلها عن التفكير و عزمت على طلب مساعدة نيفين .. انتصبت على قدميها سريعاً و عزمت على الذهاب لنيفين .. قامت و وقفت أمام الدولاب .. كادت أن تفتح درفة دولابها لكنها امتنعت .. فتحت درفة دولاب أدهم و أخذت قميص مميز من قمصانه المعلقين فقد كان ريحه مازال معلقاً به لأنها أحتفظت به دون غسيل منذ أن سافر .. أحتضنته بشدة كأنها تستمد قوتها منه ثم تنهدت تنهيدة عميقة و وضعته بمكانه و فتحت درفة دولابها ثم أخرجت ثيابها .. ارتدت ثيابها فى سرعة و أخذت حقيبتها و كادت أن تغادر الغرفة لكنها عادت مجدداً بعدما تذكرت أنها لم تمسح الفيديو من هاتف منال .. كادت أن تمسح الفيديو لكنها توقفت قبل أن تضغط زر مسح فماذا لو لم تصدقها نيفين .. أرسلت الفيديو لهاتفها بالرسالة المرفقة به التى تتهمها بالزيف .. التى تتهمها بخيانة أدهم .. مسحت الفيديو من هاتف منال و تأكدت من إخلاء الهاتف من أى إتهام ظالم يتهمها .. طلبت رقم أدهم لتخبره بأمر خروجها لكن الغريب أنها وجدت هاتفه مغلقاً ! .. تنهدت بضيق و هى قلقة عليه فلماذا هاتفه مغلقاً ! .. وضعت الهاتف بحقيبتها و أخذت هاتف منال و خرجت من الغرفة لتجد منال جالسة تشاهد التلفاز .. حولت منال نظرها لها و قالت بدهشة : تالا أنتِ راحة فى حتة ؟
جلست تالا بجانبها و قالت بتوتر : ماما أنا أتخنقت من قعدة البيت فممكن أروح أزور ماما ساعة ساعتين بالكتير و أرجع تانى ؟
ابتسمت منال لها و قالت بجدية : أنتِ عارفة إنى مش همانع فاسألى أدهم الأول
تنهدت تالا وقالت بقلق : كلمته يا ماما بس موبايله مقفول و أخر مرة كلمنى فيها كانت بعد الفجر علطول
ابتسمت منال لها و قالت بجدية : أكيد الموبايل فصل أو هو قفله عشان مشغول فمتقلقيش .. صمتت قليلاً و قالت بجدية : خلاص يا تالا روحى أنت زورى مامتك و بالمرة تشوفى موبايلك ماله و تصلحيه و تغيري جو و لما أدهم يكلمنى هقوله إنك اتصلتى بيه و كلمتيه عشان تستأذنيه
اؤمأت تالا برأسها بامتنان و مدت يدها لمنال بهاتفها لتأخذه منال منها و تقول بابتسامة : يلا روحى عشان تلحقى تقعدى معها و ترجعى بدرى
اقتربت تالا منها و قبلت يدها ثم ابتعدت لتقول منال : خلى بالك من نفسك .. اؤمأت تالا برأسها و كادت أن تغادر لكن منال أوقفتها قائلة بجدية بعدما سمعت أذان العصر : تعالى صلى الأول يا تالا و بعد كده ابقى امشى
اؤمات تالا برأسها متفهمة و لم تغادر الفيلا إلا عندما صلت العصر .. اوقفت تاكسى و أستقلته بعدما اخبرته بعنوان لم تخط قدماها عنده أو بالقرب منه منذ ثلاث سنوات تقريباً .. توقف التاكسى أمام تلك العمارة لتظل تالا جالسة به و هى مترددة شاردة بما ستفعله .. ماذا تفعل بعدما أتت إلى هنا .. هل ستصعد إليها ؟ و إذا صعدت فماذا لو وجدت ماجد بالأعلى .. أخبرت سائق التاكسى أن ينتظرها و ترجلت من السيارة .. وجدت البواب جالساً أمام باب العمارة فاقتربت منه و هى مرتبكة .. سألته قائلة بتساؤل : هو أستاذ ماجد على موجود فوق ؟
ظل البواب يتفرسها لبعض الوقت ثم قال بابتسامة عندما لاحظ وجهها البشوش و هيئتها الراقية : لا ماجد بيه لسه مجاش بس مدام نيفين مراته هى اللى موجودة
تهللت أساريرها و حمدت ربها كثيراً .. شكرت البواب و استقلت المصعد و صعدت حيث تقبع شقة ماجد .. ظلت واقفة لبعض الوقت أمام الشقة و التوتر و الإرتباك رفيقاها .. حسمت أمرها و رنت جرس الباب حتى لا تهدر الوقت و يأتى ماجد و هى مازالت واقفة بمكانها .. فتحت نيفين الباب و هى تحمل ابنتها الصغيرة بعد وقت ليس بكبير لتندهش من وجود تالا أمامها !
ظلتا صامتتين تنظران لبعضهما البعض نظرات تختلف معناها .. همت نيفين بغلق الباب لكن تالا أوقفتها عندما وضعت يدها عليه تمنعها من غلقه و هى تقول برجاء : نيفين لو سمحتى اسمعينى عايزة اتكلم معاكِ
صاحت بها نيفين قائلة باستنكار : من امتى تالا و نيفين ليهم كلام مع بعض ؟
تالا بجدية : نيفين أنا جيالك انهارده عشان أطلب مساعدتك .. أنا فعلا محتاجة مساعدتك
نيفين باستنكار : مساعدتى ! مساعدتى أنا إزاى ! احكمت نيفين مسكة تالا الصغيرة بيد ثم أشارت باليد الأخرى أمام وجه تالا و هى تحركها و تقول بدهشة : أنت عارفة انت بتكلمى مين ؟ او جاية لمين عشان يساعدك ؟ .. أردفت قائلة بتساؤل : عمرك شوفتى قط بيساعد فار .. طب بلاش ديه عمرك شوفتى ميه بتساعد نار عشان تكبر و تستقوى .. أنا أساعدك انت !
تنهدت تالا قائلة : نيفين أنا مش جايالك انهارده على إنى تالا بتاعت زمان اللى كانت بتحب ماجد .. أنا مبقتش تالا اللى كانت بتغير منك على ماجد و أنتِ بتغيرى منها .. مبقتش تالا اللى قلبها مع ماجد و بتحبه .. أنا جيالك انهارده و وقفه قدامك و أنا تالا تانية خالص غير اللى كنتِ تعرفيها من سنين .. أنا جيالك و أنا تالا حرم أدهم يوسف و فى قلبى أدهم يوسف و بس .. وضعت يدها على أحشائها قائلة بعدما نزلت دمعة من عيونها المتحجرة : و فى بطنى ابن أو بنت أدهم
أخذت نفين تتفرسها بعدم فهم ثم قالت بتساؤل : طب مدام أنتِ حامل و بتحبى جوزك .. جايا ليا ليه ؟ و غير كده طالبة مساعدتى ليه ؟ أردفت باستنكار : و مساعدتى أنا بالذات !!!
نظرت لباب الأسانسير بتوجس قائلة : نيفين ممكن تقابلينى بعد نص ساعة فى كافية " " اللى أخر الشارع عشان ماجد ممكن ييجى فى إى وقت ؟
نيفين باستنكار : تالا أنتِ عندك أمل بجد إنى أساعدك ؟ .. صمتت قليلاً و قالت بدهشة : أنتِ مش عارفة أنا بكرهك إزاى ؟ أنا عمرى ما كرهت فى حياتى قدك يا تالا
نزلت دموعها قائلة من بينها : و أنا عمرى ما كرهت حد فى حياتى قد ما كرهت ماجد .. صمتت قليلاً و مسحت دموعها و هى تقول بجدية : أنا أسفة يا نيفين إنى أزعجتك و فكرت إنى ممكن اطلب مساعدة منك و أفوقك من الوهم اللى معيشة نفسك فيه .. أنا ليا رب كريم يخدلى حقى من ماجد يا نيفين
التفتت لتنزل دموعها بعدما مضى أخر أمل لها .. ضغطت زر المصعد و انتظرته لتنزل و تذهب من هذا المكان .. أتى المصعد و كادت تالا أن تستقله لكنها سمعت نيفين و هى تقول بجفاء : أستنينى بعد نص ساعة فى كافية " " بس ماتستنيش منى إنى أساعدك
رفعت تالا كف يدها و مسحت دموعها ثم التفتت لنيفين و اؤمأت برأسها فمازال هناك وميض من الأمل على أن تساعدها .. استقلت المصعد و نزلت بعدها !
استقلت التاكسى الذى كان ينتظرها لينزلها أمام الكافية مباشرة و حاسبت التاكسى ليمشى و تدخل هى الكافية تنتظر نيفين .. بقيت جالسة بمكانها ربع ساعة , نصف ساعة , إلى أن مرت ساعة كاملة و نيفين لم تأت بعد .. أحست بالغثيان و أنها تريد التقيأ .. قامت سريعاً و دخلت لحمام الكافية و أخرجت كل ما بأحشائها .. أعادت ترتيب نفسها ثم خرجت .. جلست بمكانها مجدداً و هى تشعر بالقلق الشديد و أن نيفين لن تأتى .. أسندت وجهها بين كفيها و هى تتنهد و الدعاء لا يفارق لسانها .. أحست بيد صغيرة تربت على رأسها لترفعها بعدها فتجد تالا الصغيرة جالسة فوق الطاولة بعدما وضعتها نيفين عليها .. جلست نيفين على كرسي مقابلها و قالت بجفاء : قولى اللى عايزة تقوليه يلا عشان متأخرش خصوصاً إنى مقولتش لماجد
تنهدت تالا تنهيدة عميقة ثم قالت بتساؤل : أنتِ عمرك سألتى نفسك ماجد طلقنى قبل فرحنا ليه أو عارفة أصلاً هو طلقنى ليه ؟
زفرت نيفين بضيق قائلة : أنتِ لو جاية تكلمينى على اللى حصل زمان و تقوليلى ماجد من حقى و الجو ده يبقى أنا أقوم من دلوقتى أحسن عشان الكلام ملوش لازمة و تالا و نيفين هيفضلوا زي المغنطيس السالب .. بيتنافروا و عمرهم ما هيقربوا من بعض أبداً
قطبت تالا جبينها و قالت بضيق : أنتِ لو فاكرة إنى جايباكِ هنا عشان أقولك إنى ندمانة أو زعلانة إن ماجد سابنى تبقى غلطانة .. أنا مقدرش أقولك أنا بحمد ربنا قد ايه على إن ماجد سابنى .. بحمده فى كل صلاة بصليها و دعاء بدعيه إن ماجد سابنى عشان أقرب من ربنا .. صمتت قليلاً و قالت بدموع بعينيها : أنتِ عارفة جوزك بيهددنى بأيه ؟ أو عايزنى أعمل فى أبنى اللى كنت بستناه من أدهم ايه !
صاحت نيفين بها قائلة بضيق : تالا بقولك ايه لو أنتِ عايزة توقعى بينى و بين ماجد عشان تخديه منى و يرجعلك تانى تبقى عبيطة عشان أنا بحب جوزى و مستحيل أصدقك بأى حاجة تقوليها
صاحت بها تالا قائلة بدموع : تبقى أنتِ اللى عبيطة لو فكرتى لثانية أنى لسة بحب ماجد أو عايزة أرجعله و إن مقابلتى ليكِ ديه عشان أوقع بينكوا .. أردفت قائلة : أنا مش عايزة غير إنه يبعد عنى أنا و جوزى و أبنى اللى فى بطنى .. عايزة أعرف أنام و أنا مطمئنة مش حاسة أن فى عيون بتاكل فى كل حتة فى جسمى و أنا مش عارفة أعمل أى حاجة .. مش عايزة حماتى تأخد عنى فكرة وحشة أو تكرهنى يا نيفين و تبعدنى عن أدهم .. مش عايزة أبعد عن جوزي و أتطلق منه أو أجهض البيبى اللى فى بطنى .. عايزة أنام و أنا بحلم بحلم فيه جوزي و أبنى و بس .. عايزة أخلص من كابوس ماجد اللى بيطاردنى فى كل حلم بحلمه
ظلت نيفين تنظر لها بعدم فهم عن ماذا تتحدث هى و لماذا تتكلم بهذا الكم الهائل من الحرقة و الشجن التى شعرت أنهما نابعان من داخل أعماقها .. تفرستها و هى تقول بعدم فهم : أنتِ قصدك ايه بكلامك ده ؟
حاولت تالا أن تتماسك حتى تستطيع أن تكمل حديثها فجففت دموعها بمنديلها الذى أصبح كقطعة العجينة بيدها و بدأت تقص علي مسامع نيفين كل ما حدث بإقتطاف سريع .. أخبرتها بما فعله معها ماجد فى الماضى و ما يفعله بالحاضر .. أخبرتها بمقابلة أدهم مع ماجد و ضربه له .. أخبرتها بتهديد ماجد المستمر لها لو لم تتطلق من أدهم و تجهض جنينها بأنه سيفضح أمرها و يمزق عرضها و يشهر بها أمام أفراد أسرتها بعدما يتهمها بالزيف و أنها على علاقة معه و هى متزوجة بأدهم .. أخبرتها أنه أخبرها أنه ما أن يري أدهم الفيديو لن يتحمل أن يكمل حياته معها و سيطلقها فوراً .. أخبرتها أنه سيطلقها عاجلاً أو إجلاً .. أخبرتها بكل شئ و الغريب أن نيفين لم تقاطعها مطلقاً ظلت صامتة راسخة بمكانها لا تتحدث و لا تفتح فمها ببنت شفة .. بقيت مستمعة فقط لا غير .. أنهت تالا حديثها و هى تقول : نيفين أنتِ الوحيدة اللى عايشة معاه .. أنتِ الوحيدة اللى تقدرى تساعدينى يا نيفين .. أنتِ الوحيدة اللى ممكن تجيبيلى الفيديو منه أو حتى تحرقيه و تولعى فيه
ظلت نيفين تتفرسها و هى على وفاق مع صمتها و دموعها تنزل بصمت لتمسحها أبنتها الجالسة على قدميها كأنها تشعر بالألم و المآســــــــــــــاة التى تعاصرها أمها الأن .. بدأت تالا الصغيرة بالبكاء بعدما أخذت تكرر أسم أمها و هى لا ترد عليها .. ربتت نيفين عليها و أخذتها بين أحضانها و هى مازالت صامتة .. حولت نظرها لتالا و هى تربت على أبنتها التى بدأت تهدأ قائلة بصوت متحشرج : أعرف منين أن كلامك ده صح ؟ أردفت قائلة : ورينى الفيديو .. مش أنتِ قولتى أنه معاكِ على الموبايل
توترت تالا و زفرت بضيق قائلة : لازم يا نيفين
نيفين و هى على نفس حالتها : أيوه لازم
تنهدت تالا و أخرجت هاتفها .. أرتها صورة للرسالة أولاً فقد أخذت ما يطلقون عليه بــ " أسكرين شوت " .. نظرت لها تالا بعيون ترجوها أن تكتفى بالرسالة فقط لكنها صممت على أن ترى الفيديو حتى تقطع أى شك لديها بأن تالا كاذبة .. قللت تالا من ضوء الهاتف و منعت أصواته و أتت بالفيديو ثم أعطت الهاتف لنيفين .. عدلت نيفين تالا الصغيرة على قدميها و شغلت الفيديو .. لم تتحمل أن ترى الكثير .. أغلقته فوراً بعدما تأكدت أن من بالفيديو هو زوجها و من عصر قلبها بين يديه بقسوة دون اكتراث دون رحمة .. ألقت الهاتف من يدها أمام تالا لتأخذه تالا سريعاً و تمسحه نهائياً و دموع تنزل بصمت .. هبت نيفين واقفة و عدلت تالا الصغيرة بين ذراعها ثم أخذت حقيبتها و كادت أن تغادر لكن أوقفتها تالا قائلة بتساؤل : هتساعدينى ولا لا ؟
نظرت لها نيفين لبعض الوقت ثم اقتربت منها و حاولت أن تزن أبنتها بيد واحدة لتمد الأخرى و تضعها بكف تالا .. ضغطت تالا على يدها و قالت بتساؤل : هتعملي ايه طيب ؟
ظلت صامتة لأكثر من خمس دقائق ثم نطقت أخيراً قائلة بنظرة و نبرة لم تفهمها تالا بتاتاً : ملكيش دعوة أنا هعمل ايه ؟ خليكِ متفرجة و بس و أنا هتصرف .. تركت يد تالا بعد كلماتها تلك و أخذت هاتف تالا الموضوع بيديها و سجلت رقمها و اتصلت به حتى يظهر على هاتفها ثم تركتها و أنصرفت !
✾ الفصل الأخير – الجزء الثالث
كانت جالسة تمسك أبنة أبنتها بيدها و تطعمها بعدما غيرت لها ثيابها .. أخذت تنظر إليها و هى تشعر إنها عادت بالعمر ثلاثة و عشرين عاماً كاملين .. إن لميس الصغيرة تذكرها بأبنتها كثيراً .. مطيعة و غير مثيرة للضوضاء تماماً مثل أمها رحمها الله لكنها بكل أسف تحمل الكثير من ملامح مروان .. أخذت تربت عليها و نظرة حزن مرسومة بعينيها فهى تشفق عليها كثيراً لتربيتها يتيمة دون أم و أب .. تنهدت تنهيدة طويلة و ربتت على الطفلة الصغيرة بحنان كأنها تعدها إنها ستكون بجانبها دائماً تحنو عليها بدلاً من أمها رحمها الله و والدها التى مازالت تصر أن يأخذ جزاءه من ما فعله بأبنتها الوحيدة التى استأمنته عليها .. تنتظر اليوم الذى سيحكم فيه على مروان بنافذ صبر لتشعر و لو بالراحة القليلة إنها أقتصت لأبنتها و أخذت حقها منه !
ذهبت تالا لروفيدة و جلست معها لوقت ليس بكثير .. كانت طوال جلستها معها صامتة تفكر بما ستفعله نيفين و هل كانت محقة بطلب مساعدتها أم لا ؟ .. لاحظت روفيدة شرودها المبالغ فيه و الشعيرات الحمراء التى أحتلت عينيها بالإضافة إلى هزال و ضعف وجهها و الهالات السوداء تحتها فسألتها لتتحجج تالا بحجتها الدائمة بأنها تفتقد وجود أدهم بسبب سفره .. صدقتها روفيدة لكنها كانت مثلها عندما سافر أحمد فى بادئ الامر لكنها تعودت على غيابه فأصابها الفتور بعد ذلك .. ودعتها تالا و غادرت إلى الفيلا .. دقت الباب لتفتح لها منال بابتسامة واسعة و هى تقول : تعالى يا حبيبتى أدخلى .. أردفت قائلة بتساؤل : زرتى مامتك يا حبيبتى
اؤمأت تالا برأسها لتقول منال بابتسامة : طب يلا يا حبيبتى روحى أوضتك أستريحى و غيرى هدومك
حركت تالا رأسها و كادت أن تغادر لكنها اؤمأت بتساؤل : هو أدهم متصلش بيكِ يا ماما ؟
ابتسمت منال و قالت بجدية : روحى غيرى هدومك الأول و بعدين نبقى نكلمه
اؤمأت تالا برأسها بتفهم و أخذت طريقها لغرفتها .. أقتربت من الغرفة لتجد الباب مغلقاً على غير العادة .. فتحت الباب و دخلت لتجد الأنوار مغلقة و ضوء خافت فقط هو المضاء .. تنهدت بعدم أكترث و تقدمت أكثر بالغرفة لتجد السرير منثور عليه الكثير من الورود الحمراء الصغيرة مرتبة بشكل ملحوظ و بجانبهم فستان قصير من نفس لون الورود .. حولت نظرها بأرجاء الغرفة لتجد بلونات حمراء متناثرة بشكل عشوائي .. أحست بتلك اليد التى حاوطتت خصرها و ضمتها لتلتصق بصدر صاحبها .. تسارع نسق تنفسها و هى تشتم رائحته التى تميزها بسهولة بالغة .. ألتفتت بسرعة لتصبح مقابله و يده مازالت تلتف على خصرها .. لم تصدق عينها أنه أمامها بشحمه و لحمه و رائحته التى ما إن تشمها حتى تشعر بأمان و راحة غريبان يجتاحان جسدها .. ألقت بحمل جسدها عليه كما تفعل عادة و احتضنه بقوة حتى تتأكد أنه بالفعل موجود أمامها و ليس طيفاً ظهر لها بسبب اشتياقها له .. أحست بيده و هى تمرر على ظهرها بحنان و تضمها إليه بشدة .. همس بأذنها قائلا باشتياق : وحشتينى
ضمت قبضة يدها على بيجامته و هى تضمه بشدة لتعوض فترة غيابه عنها .. ابتعدت بعد وقت ليس بطويل و حاوطت وجهه بين يديها و أخذت تتفرس تفاصيل مفصلة لملامحه بإشتياق .. تركت وجهه و أحتضنته مجدداً لتروى إشتياقها له و لتشبع منه .. أخذها و هى مازالت متشبثة به تخاف فقدانه و ذهب بها ليجلسا على السرير .. ظلت متشبثة به و هى تسند رأسها على صدره .. طبع قبلة على جبينها ثم ابتعد و حرك وجهها برفق قائلاً بعتاب : أنت مكنتيش بتكلى و كنت بتهملى نفسك صح ؟
دفنت رأسها بصدره حتى تخفى عيونها التى تكشف ما تطمره بداخلها أمامه و قالت بصوت خافت : متبعدش عنى تانى .. أنا من غيرك ولا حاجة
ربت على كتفها و ضمها إليه قائلا : مكنتش أعرف إن بعدى عندك بيعمل فيك كده
رفعت نظرها له بعتاب و قالت بجدية : أدهم وجودك جمبى بيحلينى
ضمها إليه بشدة و قال بجدية : أنتِ دايماً حلوة حتى لو أنا مش جمبك .. أنا بحب أبقى جمبك عشان تعدينى من حلاوتك
دفنت رأسها بصدره مجدداً و هى تقول بضجر : خلاص افضل جمبى علطول عشان نفضل أحنا الاتنين حلوين
ابتسم أدهم و قال بجدية : يا ريت أقدر بس أعمل ايه لازم أنزل أشتغل
رفعت نظرها و قالت بتساؤل : أنت مقولتيش إنك جاى ليه ؟
تنهد و قال بابتسامة مشتاقة : عشان أعمل مفاجأة لحبيبتى .. أردف قائلا بتساؤل : حبيبتى عجبتها المفاجأة ولا ايه ؟
نظرت له تالا بعتاب و قالت و هى تتفرسه بحب : ده سؤال تسأله برضه .. أردفت قائلة : أنا قلقت مش أكتر عشان موبايلك كان مقفول و مكلمتنيش غير بعد الفجر بس
ابتسم لها ادهم قائلا بجدية : كنت فى الطيارة ساعتها فعشان كده كنت قافل الموبايل .. أردف قائلاً و هو يضرب رأسه برأسها بخفة : بمناسبة الفجر بقى صليتى العشاء و لا لا ؟
اؤمأت برأسها قائلة : الحمد لله صليته عند ماما
قبل رأسها قائلاً بجدية : شاطرة ياحبيبتى جزاكِ الله خيراً و تقبل منك صلاتك إن شاء الله
ابتسمت تالا ابتسامة صغيرة قائلة : إن شاء الله
ابتسم لها و قال بتساؤل : أنتِ عارفة أنا عملت ايه عشان اجيلك بعد أسبوعين سفر بس و متأخرش عليك ؟
حاوطت خصره بكلتا يديها و دفنت رأسها بصدره أكثر و أكثر كقطة تتمسح بصاحبها بحثاً عن الدفء و الأمان ثم قالت : مش مهم أى حاجة .. أهم حاجة إنك جمبى دلوقتى و بس
بقى ضاممها لبعض الوقت داخل كنفه و هو يربت على كتفها بحنان ثم قال بجدية : قومى يلا غيري هدومك ديه عشان تقعدى براحتك و متبقيش متأيدة
لم تجيبه فابعد رأسها قليلاً ليجدها مغمضة العينين ذاهبة بثبات عميق فهى لم تنعم بنومة هانئة أو يغمض لها جفنين منذ سفره .. تنهد بضيق لأنها نامت و هو كان يتمنى أن يجلس معها لأطول وقت ممكن بسبب إشتياقه الكبير لها حتى أنه ارغم نفسه على النوم بالطائرة .. التمس لها عذراً سريعاً فقد بدت أثار الإرهاق و التعب على وجهها بشكل واضح .. بدأ يفك لها دبابيس طرحتها بيده التى لا تسند عليها إلى فكها تماماً .. ثبت الدبابيس بالطرحة و وضعها جانبا ثم قام و حملها بحذر و سطحها على السرير .. أراد ان يبتعد عنها لكن يديها الاثنتين كانتا تتشبثان بثيابه بقوة .. حاول أن يفك قبضة يدها محكمة الغلق برفق لكنها فتحت عينيها فتحة صغيرة و قالت برجاء بصوت ناعس : رايح فين خليك جمبى
جلس بجانبها مجددًا و أخذ يمرر يده علي شعرها إلى أن ذهبت بنوم عميق مجدداً .. قام ببطء و أخذ الفستان الموضوع على السرير الذى جلبه فوراً عندما شاهده بعدما تخيلها به بصدره المفتوح و ظهره الملئ بشرائط متداخلة من نفس لون الفستان .. علقه بجانب ثيابها و هو يشعر بالضيق فقد تمنى أن ترتدى له هذا الفستان لكنه سرعان ما ارتسمت ابتسامة رضا على وجهه و هو يخبر نفسه و يقنعها حتى لا يغضب أو يضيق خلقه بأنها إذا لم ترتديه الليلة يمكنها أن ترتديه فى أى ليلة أخرى فامامهما عمرهما باكمله ليقضياه معاً .. انتقى لها ثياباً خفيفة و اتجه إليها بعدما اغلق الدولاب .. جلس بجانبها على السرير و بدأ بتغيير ثيابها حتى لا تقيدها و هى نائمة و تضايقها .. كاد أن يجعلها ترتدى ملابسها الخفيفة التى انتقاها لها لكنه طبع قبلة شغوفة على رقبتها فقد كان مشتاقاً لها بشدة .. كعادته لم تكفيه قبلة واحدة فأخذ ينثر عليها قبلاته الحنونة الشغوفة لتنتفض هى بذعر و هى تصرخ قائلة بانهيار بعدما حاوطت جسدها بيدها : لا لا ابــــعد عنى .. ابعد عنى
اتسعت حدقة عينيه و أمسكها من كتفها و هزها برفق لتفيق بشكل كامل قائلاً بدهشة ممزوجة بالإنفعال : ايه مالك أهدى اهدى
عندما استمعت لصوته بدأت تستكين و تهدأ .. إنه زوجها و حبيبها و ليس ذلك الوغد .. دفنت رأسها بصدره و قالت ببكاء : كابوس يا أدهم .. كابوس وحش أوي
ضمها إليه بقلق و هو يشعر ان بها خطب ما فهى ليست طبيعية مطلقاً .. لم يبدأ شعوره هذا من الأن فقط بل منذ أخر امتحان لها و هو مسافر .. أمرها أن تنفث عن يسارها ثلاث مرات، وتعوذ بالله من الشيطان ثلاث مرات لتفعل هى ما قاله .. أخذ يرقيها و هو يقرأ عليها بعض الأيات القرآنية فيمكن أن تكون أصابتها عين لتشعر هى بعدها بالراحة النفسية و استرخاء يتغلغل بجسدها .. بدأت تهذي و تقول بصوت خافت و هى شبة واعية : أدهم أنا بحبك .. بحبك أوى .. خليك جمبى متسافرش تانى .. ماتسبنيش لوحدى و خليك جمبى
تصدق بالله و ضمها أكثر إليه و هو يقول و قلبه يتقطع عليها : أنا جمبك أهو و مش هسيبك تانى ابداً .. أهدى أنتِ بس .. تسطح على السرير و هو مازال يحضتنها ثم قال بتساؤل و الفضول يأكل به : حلمتى بأيه ؟
علقت عينها بعينه ثم أنزلتها سريعاً بعد وقت ليس بكثير .. ماذا تقول له ؟؟ هل تخبره أنها ظنت أن ماجد هو من كان يقترب منها و ليس هو.. نزلت بعض الدموع التى كانت عالقة بعينها و قالت و هى تهرب بعينها بعيداً عن عينيه : كابوس مش عايزة أحكيه .. تمسكت بثيابه و أغمضت عينها و هى تقول برجاء : أدهم خليك جمبى متقومش
ربت على كتفها وضمها إليه و هو مازال يجهل ما بها .. عقله لا يعطيه أي تفكير منطقى غير أنها عانت كثيراً بسبب غيابه عنها و اشتياقها له الفترة الماضية .. اعتدلت بجلستها فجأة و فردت ذراعه بجانبه .. وضعت رأسها على يده و لكنها لم تشعر بالإرتياح بتلك النومة فأسندت رأسها على صدره و احتضنته بيدها ثم جعلت ذراعه الذى كانت تستند عليه يعبر من تحت ذراعها لتجعله يلامس أحشائها بعدما شبكت أصابع يدها الأخرى بأصابعه .. وضعتها على أحشائها ليظن هو بأنه يحتضنها هى فقط فقد كان جاهلاً بأنها كانت تقصد بقرارة نفسها أن تجعله يحتضنها و يحتضن جنينها القابع بأحشائها حتى يشعر باحتواء والده و حنانه و هو بداخلها !
فتحت عينيها فتحة صغيرة و هى تتمنى أن تخبره بخبر حملها لكنها امتنعت فهى لا تعلم بما هو قادم بمستقبلها .. أغمضت عينها مجدداً و اكتفت أنها بين أحضانه الدفيئة هى و جنينها تستمع لنبض دقات قلبه الذى لها وقع موسيقى ساحر يتغنى بأذانها !
كانت جالسة على سفرة الطعام تقلب الطعام و هى شاردة .. شاردة بعالم أخر و قلبها ينزف دماً تفكر بكلمات تالا و ما قصته على مسامعها .. رغم ما رأته بعينيها من رسائل و فيديو حتى صوت تالا المفعم بالحرقة و الألم لا تصدق .. لا تصدق أن الرجل الوحيد الذى أحبه قلبها من الممكن أن يفعل هذا .. لا تصدق أنه حقير هكذا .. كيف له أن يستحل رؤية جسد تالا و يتخيلها هى مكانها .. كيف سمح لنفسه بذلك .. قلبها أكمل تمزيق نفسه و تقطيعها بعدما أستمع لنبرة تالا المنهكة من الألام مثل إنهاك قلبها تماماً .. هل وصلت به الوقاحة أن يخدعها و بعدها يتركها و غير هذا كله يصورها و يبتزها أن تتطلق و تجهض ما بأحشائها و لم يكتف بتهديدها بل نفذه و أخبرها إنه سيطلقها !! هل كان ينوي أن يتركها و يطلقها حقاً !!! بكل تلك السهولة و السلاسة سيطلقها !! لم تكره أحد من صميم قلبها غير تلك الـــ تالا لكنها رغم ذلك تشفق عليها الأن كما تشفق على نفسها البائسة .. هى و تلك الأخرى التى طالما كرهتها جرحهما رجل واحد يسمى بماجد .. لطالما سألت نفسها ماذا يوجد بتالا و لا يوجد بها .. لماذا يحب تالا و لم يحبها هى قط .. لطالما لازمتها الحيرة و هى لا تعرف جواباً على سؤالها .. لا تري أى شئ ينقصها لكن تردد هذا السؤال بعقلها جعلها تفقد ثقتها الكاملة بنفسها .. ظنت أنه لربما سيحبها بعد زواجه منها .. ظنت أنه لربما سيحبها بعدما حملت بأبنته .. ظنت أنه لربما سيحبها بعدما ولدت له أبنته .. ظنت بأنه لربما سيحبها بعدما عاشت معه لأكثر من سنتين كاملتين تحت سقف واحد لكنها كانت مخطئة خطأً جسيماً .. كانت مخطئة .. لم يحبها مطلقاً و لم يحاول قط أن يحبها فكيف سيحاول و هو يسترجع ذكرياته مع تلك الأخرى .. كيف سيحبها و هو لم يلق بماضيه خلفه و حاول نسيانه .. لم يحاول نسيان حبه الأول .. ما ذنبها لتتألم تألمها هذا .. ما ذنبها و هى تشعر أنها لم تكن المرأة المزينة بعينيه .. لم تكن أبداً المرأة التى أحبها و ربما لم تكن أبداً أمرأة بنظره .. ماذا ينقصها ؟ لطالما ضحت بأشياء كثيرة أولهم كرامتها من أجل حبها له .. لطالما عاملها بقسوة لكنها تحملت معاملته بسبب حبها له و هيامها به .. لطالما تحملته وقت عصبيته و ضيقه .. تحملت أن يعيش معها دون قلب .. لطالما أثرته بحنانها و وفائها و حبها و مشاعرها الجياشة له .. لطالما حاولت أن تجدد و تغيير من نفسها فكرياً و شكلياً لعلها تسلب لبه و فؤاده .. لطالما حاولت أن تقلد ما كانت تفعله تالا فى الماضى بطريقتها حتى لون و طول شعرها لعلها تعجبه .. لطالما حاولت أن تسد الفجوة التى ينشئها بينهما يوماً بعد يوم .. لكنه كالصنم لم يؤثر أى شئ به .. لم يحركه أى شئ تجاهها .. لم تكف عن ألامها منذ أن وقعت أسيره بكهف حبه المظلم الميت إلا بحب فتاة واحدة و هى تلك الأخرى !
أفاقت على صياح ماجد و هو يقول بحدة : نيفيــــــــــن
نظرت له نظرة لم يستطع أن يحدد معناها مطلقاً فهو لم يرها بعينيها من قبل و قالت بجفاء : نعم !
ماجد بدهشة : بقالى ساعة بنادى عليكِ .. أردف قائلاً بارتياب : مالك من أول ما شوفتك و دخلت من باب الشقة و أنتِ مسهمة كده ؟
تنهدت بضيق و قالت و هى مازالت على نفس حالها : مصدعة شوية
حول نظره لطبقه غير مبالى و اكمل تناول طعامه .. تنهد و رفع عينه عن طبقه ناظراً لطبق أخر على السفرة قائلاً بضيق : أنت هتفضلى حاطة طبق المكرونة باشميل ده هناك كده مش هناكل منه يعنى ؟
حولت نظرها للطبق الذي ينظر إليه و ابتلعت رقيها بصعوبة .. قامت و مدت يدها لتجلبه و هى تتوجس مما سيحدث بعدما يتناول منه و لو القليل .. تذكرت حالها بعدما سمعت كلمات تالا مباشرة ..كانت تحاول تكذيبها و تبرئته بأي شكل من الأشكال فهو مهما فعل أو أخطأ فهى تحاول أن تجد له أي عذر .. تلك المرة لا تستطع تكذيب تالا .. كل شئ يدين ماجد .. كل شئ .. حاولت أن تقنع نفسها أن تالا تريد أن تحدث مشاكل بينهما لكن عقلها ذكرها بالليلة التى رأتها بها بالمركز التجميلى .. لقد قالت لها احدى العاملات انها تزوجت منذ وقت قريب كما أنها شاهدتها و هى تغير لون شعرها و غير هذا كله سمعتها بأذنها و هى تخبر “ مونى “ بانها قصت شعرها منذ أكثر من سنتين بسبب أمر أحمق .. لقد كان شعرها بالفيديو طويل و غير أحمر .. لقد كان كما اعتادت عليه فى السنين الماضية .. هذا يعنى أنها صادقة و أن هذا الفيديو فيما مضى ... تذكرت عندما توقف عقلها فجأة و أصيبت بالتبلد فحتى لو كان هذا الفيديو الأن فهو فى كلتا الحالتين يخونها و بالحالتين هى ليست من تملك قلبه أو حتى فكره .. تذكرت عندما قامت فجأة بعدما تلبسها ابليس و قررت تجريب كيد النساء .. تذكرت بعدما وضعت يدها بيد عدوتها دليلاً على مساعدتها إياها .. تذكرت عندما ذهبت و اشترت سم للفئران و عادت للبناية التى تسكن بها .. صعدت إليها بعدما أخبرها بواب العمارة أن هناك سيدة سألت عليها فهو لم يكن موجود عندما نزلت من العمارة لتأكد عليه ألا يخبر ماجد و هى تعطيه إكرامية إكراماً على صمته .. لم تتخيل أبدا أن تفكر هذا التفكير السام .. لم تفكر أبداً أن تفكر الفتاة الصالحة ذو القلب الطيب الذى كان يحكى و يتحاكي بها جميع افراد العائلة بأدبها و
براءتها بتلك الطريقة الحاقدة .. لقد غيرها حبه من فتاة العشق لفتاة الإنتقام .. و من الحب ما قتل !
وضعت له قطعة بطبقه بيدين مرتجفتين ثم أرجعت الطبق مكانه مجدداً .. عادت بنظراتها المتوترة المرتبكة لطبقها و هى متوجسة .. نظرت له بطرف عينيها لتجده يرفع الشوكة التى ستودي بعمره قريباً إلى فمه .. كانت تراقبه و الملعقة ترتفع إلى فمه كأنها تراه بالتصوير البطئ .. شعرت بنغرات قلبها تزداد و هى يفكر بما سيحدث مستقبلاً .. فعلتها تلك لن تودي بحياته فقط لكنها من الممكن أن تؤدي بها إلى السجن أيضاً لتتشرد طفلتها بعد ذلك .. وجدت يدها تمتد بتلقائية لتنتزع الشوكة من يده قبل أن تصل إلى فمه ببعض إنشات .. لا تعلم هل فعلت هذا لأنها فكرت بنفسها و بابنتها و إنسانيتها التى لم ترغب بتلويثها أم لأن قلبها الأخرق رغم كل ما عاصره معه من ألم و شجن و رأه من خيانة و تبلد يحبه !!
✾ الفصل الأخير –الجزء الرابع
حملت طبقه بين بيدها و تركته ليرتطم بالأرض و ينكسر لأشلاء قطع من الصينى امتزجت مع ما كان يحمله من طعام بعدما انتشلت الشوكة من يده قبل أن تودي بحياته التى رغم كل شئ لا تقدر على إنهائها .. شعرت بالنيران التى اندلعت بقلبها تتفاقم و تبيد جميع أشجاره الخضراء التى تزينها عصافير لبها المتيمة به المتغنية بعشقه و ولاءها له , لتصيبها بالدمار و الهلاك فمنهم من طاروا مبتعدين يبحثون عن ملجأ جديد و منهم من ماتوا إحتراقاً أثر حداثة النيران التى لم تخمد بعد بقلبها المشتعل بلهب الحقد و الخيانة!
قطب جبينه بعدما ابتلعت ملامح الدهشة وجهه كليا لتصرفها الغبى الذى لا يمت للمنطق بأى صلة و لم يفهم سببه بتاتاً .. انتصب على قدميه واقفاً أمامها و هو يقابل دموعها التى تطل من عيونها المائلة للأخضر التى اكتست بالشعيرات الحمراء بنظره غاضبة .. صاح بها قائلاً بحدة بعدما أمسكها من ذراعها بعنف : الصداع جننك ولا ايه ؟ فى حد عاقل يعمل الجنان اللى عملتيه ده ؟
خلصت ذراعها منه بصعوبة و قالت كلمة لم تتخيل أبداً أن تخرج من بين أسوار شفتيها لكنها نطقتها .. نطقتها و أخرجتها " طلقنى .. طلقنى يا ماجد "
صدم من كلامها و أفغر فاه فهو لم يتوقع أبداً أن تطلب نيفين .. نيفين تلك المرأة المتيمة بتراب قدميه الإنفصال عنه .. هل يتخيل أم ماذا ؟ نيفين تطلب الطلاق ! نيفين التى تحبه و تقدسه تطلب منه الطلاق ! كان سيطلقها هو لكنه لم يتوقع أن تطلب هى ! سمع صوت صياحها الهستيرى و هى تقول بحدة من بين دموعها : طلقنى يا ماجد .. طلقنى أنا تعبت و قرفت من العيشة معاك .. خلاص مبقتش مستحملة عمايلك و اللى بتعمله فيا .. مبقتش مستحملة أبص فى وشك بعد ما عرفت حقيقتك
ظل صامتاً لبعض الوقت يفكر بكلماتها ثم قال و فمه لا يزال فاغراً من الدهشة : تطلقى ايه ؟ و حقيقة ايه ؟
نزلت دموعها قائلة بنبرة معاتبة : حقيقتك ..حقيقتك يا أستاذ ماجد يا محترم .. أردفت قائلة بسخرية موجعة : و بعدين مستغرب ليه إنى بطلب الطلاق .. ده انت المفروض تفرح ديه حتى جاتلك على الطبطاب أهى و أنا اللى بطلب إنك تطلقنى
تطلع بها قائلاً بترقب لإجابة متوقع معرفتها جيداً : عرفتى ايه بالظبط !
تقدمت منه و أمسكته من تلابيب ثيابه قائلة بعدم تصديق : إزاى قدرت تعمل كده .. إزاى قدرت بكل سهولة تعمل فيا و فيها كده .. طول السنين اللى فاتت ديه كنت بتتخيلنى هى و أنا فى حضنك ؟ كل ده كنت بتتخيلنى تالا .. صاحت به قائلة و هى تسدد له الضربات على صدره الواحدة تلو الأخرى : قولى فيها ايه زيادة عنى .. فيها ايه يخليك تحبها و تتمناها عنى .. أبعدت يدها عنه و نكست رأسها و هى تنظر لنفسها بتفحص علها تجد شيئاً ينقصها قائلة : قولى فيها ايه زيادة عنى .. أنا مش شايفة إن فيها حاجة زيادة عني عشان تفضل حاططها فى دماغك و تطردها لحد دلوقتى بالعكس أنا اللى فيا حاجات زيادة عنها .. أنا بمشى بطريقة طبيعية .. جسم و قوام و عندى .. جمال يشبه الجمال الأوروبى و الحمد لله ربنا رزقنى .. تعليم و عقل و ربنا كرمنى .. بحبك و بعشقك رغم كل اللى بتعمله معايا و طريقتك القاسية .. كل يوم بدوس على كرامتى عشانك .. من أول ما حبك نبت فى قلبى و أنا باخد من كرامتى و أرميها فى الأرض على حساب إن حبك يكبر و يقوي جوايا .. أنا استحملت اللى مفيش واحدة تستحمله .. استحملت أسلوبك الجاف القاسى من و أنا صغيرة عشان بحبك .. استحملت أشوف عينك و هى بتلمع لمعة خاصة .. لمعة الحب لوحدة غيري و أنا بتقطع .. استحملت إنى أشوفك بتكتب كتابك و بتخلى واحدة غيري تاخد أسمك .. استحملت اللى مفيش واحدة ست تقدر تستحمله .. استحملت إنى أخد حياة واحدة تانية عشان بحبك لدرجة إنى لبست فستان فرحها و اتجوزت فى قاعتها و غير ده كله قبلت إنى أتجوز فى شقتها و عفشها اللى متأكدة إنها هى اللى مختارة كل حتة فيه .. استحملت إن بنتى تبقى بأسم حبيبتك لدرجة إنى ساعات كنت بكرهها .. عارف يعنى ايه أكره بنتى اللى حتة منى و حتة من حبيبى اللى كان عندى استعداد كامل أقعد جمب رجليه 24 ساعة فى 24 ساعة أبوسها عشان يرضى عنى و يحبنى زي ما بحبه أو يبادلنى حتى ربع حبى و على الأقل يعاملنى بشوية رضا و حنان ..استحملت كتير لكنى تعبت .. خلاص مش قادرة استحمل أعيش مع واحد حقير زيك .. واحد كل يوم بسببه حتة جوايا بتتغير لدرجة إنى .. صمتت قليلاً و قالت بهستريا بكاء : لدرجة إنى فكرت أقتلك يمكن أشفى غليلى منك .. صاحت به قائلة بانهيار و هى تسحب شعرها بعنف : شوفت وصلتنى لأيه .. شوفت حبك وصلنى لأيه .. وصلنى إنى كنت هبقى قاتلة .. وصلنى إنى هخسر أدميتى و دينى وبنتى كمان .. أنا بكرهك .. بكرهك و بلعن قلبى اللى حبك .. بكره إنه حب واحد زيك بيحلل لنفسه جسم واحدة محرمة عليه و بيهددها إنه يشهر بيها قدام أهلها و جوزها .. صاحت به قائلة بانفعال : مش خايف من ربنا .. مش خايف من اللى بتعمله ده .. قولى مش خايف إنه يترد فى أهل بيتك اللى عملته و بتعمله معاها .. مش هقولك خاف عليا عشان عارفة إنى هامش فى حياتك .. هقولك خاف على أخواتك البنات و بنتك .. ثارت كبركان مشتعلة حممه : أنت حقير و معدوم الرجولة و أسفل واحد أنا شوفته فى حياتى و قابلته
أصابه الجمود من كلماتها فظل واقفاً يستمع لها .. كل ما قالته عن صبرها و تحملها له لم يهمه فقد كان مجرد هراء بنظره فهو يراه شيئاً عادياً لأنه لم يجبرها على أن تهدر كرامتها أرضاً لقد أهدرتها هى بكامل إرادتها و رضاها أما عن باقى كلامها فقد أخذ به مأخذاً لطريق الغضب و الحنق .. هل كانت ستقتله ! هل علمت بقصة تالا ! و لو علمت من أخبرها ! هل أخبرتها تالا ! لا يهمه كل ذلك هل تخبره أن يخاف على أخته و أبنته التى لم تكمل سنتها الثانية .. جذبها من شعرها الطويل بعدما تأجج غضبه و ثارت ثائرته لكلامها الذى يدينه و يشعره بدونيته فهو يرفض و بشدة أن يصبح المخطئ .. يرفض أن يكون شرير الرواية .. هو ليس مذنباً هو عاشق ثمل بحب تالا .. فرقه القدر عن محبوبته لكنه سيعيدها إليه مجدداً .. أغلق قبضته علي شعرها بعنف و جذبها منه أكثر قائلاً بوجه متجهم : خلاص خلصتى كل اللى أنتِ عايزاه و قولتى كل اللى فى نفسك .. دفعها بيده بعنف لتسقط أرضاً قائلاً : عارفة ايه اللى ناقصك .. اللى ناقصك إنى قلبى عمره ما دقلك .. تنهد بعمق قائلاً بقسوة : أنتِ عقابك على اللى عملتيه و قولتيله مش الضرب .. أسوأ عقاب ليكِ هو بعدى عنك .. أنتِ طالق يا نيفين .. طالق
اتسعت حدقة عينيها و تصلبت بمكانها كالصنم لا تسمع و لا ترى و لا حتى تضر أو تنفع .. كل ما تفعله هو ذرف الدموع .. لماذا تذرف عيونها كل تلك الدموع على وغد كهذا .. أليس هذا ما رغبت به .. أليس هذا ما أرادته .. قامت بتثاقل و اتجهت بخطوات متثاقلة لغرفة أبنتها النائمة بالداخل لكنها قبل أن تدخل أوقفها صوته الصارم : أنا طلقتك و نفذت رغبتك بس بنتى هتفضل معايا
حولت عينيها التى جحظت على الفور بعدما سمعت كلماته .. إنه مصر على دفعها من حافة الهاوية للتهشم أكثر مما هى متهشمة .. هل سيأخذ أبنتها منها .. ألم يكفى أنه طلقها دون أن تشعر أنه متأزم أو متضايق .. طلقها بكل سهولة و يسر و هو يريد الأن أخذ أبنتها .. التفتت مجدداً و أكملت طريقها إلى غرفة أبنتها غير عابئة بكلماته .. فما هى إلا عبث ! أخذت تجول بالشقة و هى تلملم أشياءها التى تحتاجها و ترتدى ثيابها و هى تحمل ابنتها النائمة بين يديها و تحتضنها بشدة .. عدلت طرحتها التى وضعتها بعدم اهتمام و أخذت حقيبتها و هاتفها الموضوعين على أحد الكراسى .. كل هذا و هو جالس على الكرسي يراقبها بصمت و هو يضع قدماً فوق الأخرى .. كادت أن تفتح الباب لكنه وقف أمامها و انتشل منها غصباً أبنتها التى فزعت بنومتها و هى تبكي و تحاول إسترجاعها منه لكن هيهات لم تستطع !
جلس على الكرسي و هو يحاول تهدئة أبنته التى افتقدت أمها منذ لحظة خروجها من المنزل منكسرة قلبها ينزف دماً على أبنتها و طلاقها .. ترددت عباراتها التى قالتها قبل مغادرتها بأذنه بقلب أم منفطر على مفارقة أبنتها و ظلمه "متنساش يا ماجد أن كما تدين تدان و إن هييجى يوم و يتردلك فيه كل اللى عملته و بتعمله .. هييجى يوم و ينكسر فيه قلبك قبل نفسك .. هتنكسر و ساعتها الندم مش هيفيدك بحاجة .. ربنا عادل .. عادل أوى يا ماجد و لا يمكن يرضى بالظلم أبداً .. أنا همشى من هنا و أنا عارفة و متأكدة أن ربنا هينتقملى منك و بنتى هترجعلى تانى " .. عباراتها تحرقه .. لا يعلم لم تملكه القلق و بث بقلبه بعد كلماتها تلك ؟ .. تنهد بنافذ صبر من بكاء الصغيرة و أفكاره التى تتضارب برأسه .. صاح قائلاً بحدة و هو يهزها : اسكتى بقى .. اسكتى أنا ناقصك أنتِ كمان
تجهم وجه الصغيرة و انكمشت بنفسها خائفة من نبرته و عادت لبكائها مجدداً ليربت عليها و هو يقول بأسف : خلاص يا توتة ماجد أنا أسف .. مكنش قصدى أزعقلك يا حبيبتى .. أنتِ عارفة أن بابى بيحبك .. شرد ثانية بعبارة أخرى قذفته به كخنجر مسموم أخترق قلبه مباشرة " مش هقولك خاف عليا هقولك خاف على أختك و بنتك " .. أحتضن أبنته بشدة و هو متوجس خائف .. لأول مرة يشعر بالخوف هكذا .. يشعر بالجذع و بقلبه يخفق خوفاً أن يصيب مكروه أخوته أو أبنته الحبيبة .. أخواته البنات يعلمون حدودهم جيداً و كلهن متزوجات غير أصغر أخته مخطوبة كما سيكون حريص على معرفة أبنته الصغيرة حدودها .. رن هاتفه فحاول أن يركن تلك الأفكار جانباً .. قام و أخذ هاتفه ليجد رقم صديقه الذى يعمل بالمطار .. رد عليه سريعاً بعدما تهللت أساريره فيبدو أن هناك معلومات جديدة عن أدهم .. كان محقاً فقد أخبره صديقه أن أدهم قد عاد اليوم لأرض الوطن .. أغلق الخط معه سريعاً و وضع أبنته بين ألعابها و ضغط رقم تالا الذى وجده بكل أسف مغلقاً !
استيقظ على صوت طرقات خفيفة على باب الغرفة فعلم على الفور إنها أمه تنبؤهما بصلاة الفجر .. لم تطل أمه و أكتفت ببعض الطرقات الخفيفة و بعدها غادرت إلى غرفتها تتجهز لصلاة الفجر .. نظر لها و النوم مازال يداعب عينيه ليجدها مازالت على حالتها .. نائمة على جزء من صدره العريض تحتضنه و هى ممسكة بثيابه بقبضة قوية من يدها الناعمة تاركة العنان لشعرها المبعثر ليأخذ بعضاً منه وضعه على جزء ثانى من صدره و الجزء الأخر يغطى وجهها .. انتشل يده بحركة بطيئة عن خصرها الذي كان يضمه ليزيح خصيلات شعرها الغجرية بعيداً عن وجهها ليستطيع النظر إليه بوضوح و يتفرس تقاسيمه الرقيقة المحببة إلى نفسه التى اشتاق لها .. أخذ يمرر يده على شعرها بحنان و أنامله تتعمق بين خصيلاته الحمراء التي طالما سحرته و أشعلت قلبه تطلعاً إلى ملامستها .. نقل يده لوجهها بعد عدة ثواني لا يعلم عددها ليمرر أنامله برقة على تفاصيل وجهها الناعم كملمس الأطفال كأنه يعيد رسمه من جديد بداية بحاجبيها الأسودين نهاية بشفتيها الصغيرتين الممتلئتين التي هو شغوف بتقبيلها ليطلق بعدها على قبلتها " بركته الغالية " التى يحصل عليها منها فقط ولا يريد أن ينالها أو تباركه أمراة أخرى غيرها بها .. كم اشتاق لفاتنته العنيدة و لتفاصيلها الصغيرة التي طالما عشقها و ذاب بها كقطعة ثلج متروكة تحت أشعة شمس حارقة لكنه يشعر بشئ مختلف و غير طبيبعى على محياها .. هناك شعور قوي بداخله يخبره أنها ليست على ما يرام و أن هناك ما يقلقها و يعذبها .. تقاسيم وجهها الملائكية على الرغم من ارتخائها و سكونها بسبب نومها إلا أنه يشعر بتألمها الداخلى و صراعها النفسى .. يدور عقله بدائرة حيرة لا نقطة بداية لها و لا نهاية خالية من الأجوبة إلا بجواب واحد و هى إنها كانت تفتقده بجانبها لذلك هى ليست برونقها الذى اعتاده فى الأيام الأخيرة قبل سفره .. لقد عاد .. و بعودته سيعيد إليها بسمتها و وجها المشرق الفرح .. جلس نصف جلسة و هى مازالت علي حالها مستندة عليه نائمة .. مد أنامله مجدداً و أخذ يداعب أنفها فى شقاوة لعلها تفيق من سباتها هذا .. حركت رأسها بضيق و عادت تدفنها بصدره مجدداً لتتوغل به و أنفها تستنشق بقوة كلاب الصيد المدربة بإتقان رائحة عطره الأخاذة الممزوجة برائحته الخاصة الرجولية حتى تتغلغل بروحها و تخدر كيانها بالراحة و الطمأنينة فتعطى لعقلها هدنة و هى بكنفه تشعر بحمايته لها من براثن أى شئ قد يفكر و لو مجرد فكرة ليؤذيها .. همس بأذنها قائلاً بعدما أعاد يده لتتمسك بخصرها لتحركها برقة : تالا .. قومى يا حبيبتى
فكت قبضة يدها الممسكة بثيابه و رفعتها لتضع راحتها على شفتيه الغليظتين و من ثم رفعت رأسها له بتثاقل و قالت و عينيها مازالتا شبه مغلقتين : شششش خليك جمبى و احضنى جامد .. أعادت يديها لإحتضانه مجدداً و تشبثت به و هى تقول بنفس حالتها : احضنى جامد و بس
نفذ طلبها على الفور فكيف لا و هى تطالبه باقترابه منها و ضمها إليه بقوة .. ضمها إليه لتشعر هي بالحنان و الدفء رغم يده القوية التى تطوقها حتى كادت أن تكسر عظامها الضعيفة .. أحنى برأسه ليقترب من وجهها و هو يشتم رائحة شعرها العبقة المغلغلة برائحة زهور الياسمين الذكية .. أتى بأخره و لم يستطع أن يمسك بزمام نفسه و رغبته المشتعلة بها أكثر من هذا .. أسبوعين من الغربة و هو بعيد عنها شبعان بكل شئ غيرها هى .. قبل جبينها و من ثم وجنتها و من ثم أنفها .. أخذ يطبع عليها قبلاته الحنونة إلى أن توصل أخيراً لشفتيها ذات طعم السكاكر الحلوة التى تجعله فى أقصى حالات نشوته .. لثم فاها ثم ابتعد عنها بعدما استطاع أخيراً أن يسيطر على نفسه و يمسك بزمامها .. همس بأذنها قائلاً و هو يحاول إعادة أنفاسه التى قطعت بعدما اجتاحت الحرارة جسده جراء قبلتها الحارة التى استيقظت من سباتها و شرعت بمبادلته إياها و هي مستسلمة له استسلاما كليا : قومى يا بنت الناس نصلى عشان لو فضلتى قدامى شوية كمان مش هنصلى الفجر ولا أنا ولا أنت و هيتصلى صبح
اعتدلت بجلستها مبتعدة عنه و هي تحاول هي الأخرى لفظ أنفاسها التي اضطربت و تسارعت بعدما التقت بلفحة أنفاسه الملتهبة .. أخذت دقات قلبها في التزايد و هي تحاول تهدئتها فتأثيره عليها لا يستطع أحد وصفه و لا حتى هي .. قبلة واحدة منه كفيلة لتزلزل كيانها و تجعلها كائناً رخوياً لا يستطع المقاومة لتذوب بين يديه مستسلمة بشكل كلى له فلولا أنه هو من أبعدها عنه لما ابتعدت مطلقاً .. مدت يدها المرتجفة إلى خصلات شعرها الثائرة كمشاعرها و أحاسيسها لتجمعها و تغلق عليهما قبضة يدها .. حولت نظرها له لتجده يلتهمها بعيناه الداكنة الحادة رغم حنيتها التي طالما وقعت أسيرة خلف قضبانها .. قال بنبرة مشاكسة إياها و هو يرشقها بنظراته الجريئة المحبة التي تخجلها و تورد وجنتاها بتلقائية رغم عشقها لها منه : قومي دلوقتى حالاً من قدامى و روحي اتوضى عشان متهورش و هتخدى انتِ ذنب تأخري و تأخيرك عن الصلاة
ظلت جالسة بمكانها تتأمله رغم شرودها بموضوع ماجد الذى أقتحم عقلها مجدداً دون رحمة .. وجدته يقرب منها فابتعدت بظهرها للوراء و هي تغمغم : أنا هقوم اتوضى
جذبها إليه و أحاط رأسها بيده ثم اقترب و طبع قبلة حنونه على جبينها و قال بحزمه الذي لطالما تتيمت به : يلا قومي
انتصبت على قدميها و تقدمت بخطوات متثاقلة بتجاه الحمام .. التفتت له قبل أن تدخل و نظرت إليه نظرة غامضة لم يستطع تحديد معناها أو تبين ماهيتها .. دخلت و أغلقت الباب خلفها لتجلس بوهن بعدها بالمغطس بثيابها التي بقيت و لم يجردها منها أدهم ليلاً .. فتحت المياه الباردة لعلها تبرد سخونة جسدها و تزيل الأفكار العالقة برأسها مع المياه التي ستخرج من بالوعة المغطس .. ظلت جالسة تحتها أكثر من ربع ساعة لتغمرها المياه من رأسها حتى أخمص قدميها حتى إنها لم تلاحظ مطلقاً أن سدادة المغطس تقوم بدورها بشكل فعال و هي تمنع عبور الماء من النفاذ لتتراكم في المغطس إلى أن فاضت خارجه .. كل هذا و هي جالسة شاردة تفكر فيما قد تفعله نيفين لتساعدها بمشكلتها العويصة و ماذا لو فشلت نيفين في مساعدتها !
نزلت دموعها لتختلط مع المياه المتساقطة أعلاها .. لقد تعبت .. أصبحت منهوكة القوى .. من يعلم بما مرت به بحياتها سيظنها قوية للغاية .. ربما .. لكن تلك المرة ليست كسابقتها .. تلك المرة لو لم تستطع النجاة من مشكلتها سوف تخسر الكثير أو ربما لن يتبقى لها أي شئ من الأساس .. ستخسر ذلك الجو العائلي المفعم بالمودة و الألفة .. ستخسر والد جنينها الذي ربما تخسره هو الأخر بعد ما سيحدث لها و تتعرض له بعد خسارتها لكل شئ .. ستخسر أدهم الرجل الذي يشعرها بذاتها ، بنفسها ، حتى أنوثتها لا تشعر بها إلا معه .. لا تشعر بأنها أنثى إلا عندما ترى صورة انعكاسها الفاتنة بعينيه العميقتين التي تجملها بشكل فريد خاص .. تشعر بغصة تصيب قلبها و نغزات قوية كلما تخيلت أنها يمكن أن تبعد عن هذا الرجل الكامن خلف هذا الباب في يوم من الأيام .. بعده عنها يعنى نهايتها و مامتها .. إنها ليست قوية ليست قوية على الأطلاق إنما تتظاهر بالقوة و الصلابة .. هي هشة ضعيفة كرشة ستحركها بعض الرياح الموسمية لتتطاير معها حسب رغبتها و أرادتها فما بالك لو كانت نفس الرشة في مهب ريح عاتية بعاصفة محملة بالرمال و الأتربة يداعبهما برق و رعد ترتعد له الأنفس و النفوس .. الوحيد الذي يمكنه مساعدتها لا تتخيل رد فعله عندما يعرف حتى أنها لا تملك القدرة الكافية لإخباره و مصارحته .. إنها خائفة .. خائفة بشدة .. و ما أفزع الشعور بالخوف خاصة لو كنت تخاف رد فعل من يدق له قلبك !
خرجت من شرودها عندما فتح أدهم الباب على مصراعيه و دخل لها و علامات القلق مرسومة على تقاسيمه الوسيمة بوضوح .. تنهد بعمق عندما وجدها بخير فقد تأخرت بالداخل .. اقترب منها و أغلق المياه ثم مد يده لينتشلها دون أن ينطق ببنت شفة .. أوقفها أمامه لتنظر إليه بعيون دامعة و ترتمي عليه .. ضمها إليه غير عابئ أن تبلله ثيابها المبتلة و هو قلق فكل ثانية تمر تزداد شكوكه بأن هناك ما تخفيه عنه .. ربت على شعرها المبتل قائلاً بقلق : فيك ايه ؟
تمسكت بياقة بيجامته و بدأت بالنحيب .. حملها و خرج من الحمام حتى لا تبكى بداخله .. تمسكت برقبته و هي مازالت تبكى .. أجلسها على السرير و جلس بجانبها و هو يقول بترقب : مالك بقى ؟
ظلت يدها معلقة برقبته تلتف حولها و هي تغوص بين أحضانه .. أجهشت في البكاء قائلة من بينه : اوعى تسيبني .. اوعى تسيبني مهما حصل
ضمها إليه و ربت على كتفها قائلا : أنا رجعت خلاص أهو و مش هسيبك تاني
بدأت تهدأ شيئا فشيئاً و هو يربت عليها بحنان عابثاً بحمالة البودي الرفيعة الذي ترتديه التي سقطت عن كتفها بشكل جعلها فاجرة الأنوثة بجانب خصيلات شعرها المبللة الساقطة على جانب وجهها بعشوائية .. رفعت نظرها له و غمغمت قائلة : هقوم أتوضى عشان نصلى .. صمتت قليلاً قائلة : وحشتني أوى الصلاة وراك
عبث بشعرها بعشوائية ثم حررها من ضمة ذراعيه القويتين لتقوم و تتوضأ ليقوم هو بعدها و يتوضأ هو الأخر .. ارتدت إسدال الصلاة ليذهبا بعدها ليريا اذا كانت منال سبقتهما بالصلاة أم لا .. وجدها انتهت بالفعل لكنها مازالت جالسة بمكانها تقرأ وردها .. أقام أدهم الصلاة ليصلى هو و تالا .. انتهيا من الصلاة لتقول منال لهما بابتسامة بشوشة : تقبل الله يا حبيبي
ابتسما و قالا في نفس واحد : منا و منكم بإذن الله
ابتسمت منال لهما وقالت بدعاء : ربنا يخليكوا لبعض كده يا رب و تجيبولى أحفاد كتير ألعب معاهم و أربيهم
أمنا على دعائها من قلبهما لتقول منال لأدهم : بما إنك جيت و رجعت بالسلامة فأنا عايزاك تشوف صرفة مع مراتك اللي مبتكلش ديه عشان تعبتنى معاها
نظر لتالا بعيون معاتبة لتنظر أرضاً و هي تشعر بأنها أمام مدير مدرسة سيعاقبها بعدما وشت عليها إحدى صديقاتها التي توقن أن وشايتها تلك لم تكن إلا لمصلحتها .. قام فجأة و سحبها من يدها لتقف .. انتفض قلبها من فعلته لكنها هدأت بعدما سمعته يقول لمنال بجدية : أوعى تنامى يا منمن .. استني لما نحضر الفطار أنا و ست تالا اللي مجننانى ديه عشان تفطري
ابتسمت منال قائلة : بالهنا و الشفا أنت و مراتك يا حبيبي بس انهارده الاتنين و انت عارف إني بصوم اتنين و خميس
اؤمأ ادهم برأسه بتفهم ثم انحنى و قبل يدها و هو يقول بجدية : ربنا يتقبل منك
أخذ تالا من يدها بعدها ساحباً إياها وراءه و ذهب للمطبخ و أجلسها على الكرسي قائلاً بحزم : اوعى تقومي من هنا
تركها و ذهب بتجاه الثلاجة أخرج منها بعض الطعام للإفطار لتقوم هي و تساعده في إخراجه بعد جدال طويل بينهما على من سيحضر الفطور للأخر .. انتهيا من تحضير الطعام معاً ليجلسا بعدها .. رسم الصرامة على وجهه باحترافية قائلاً بحزم : عايز الأكل ده كله يتنسف حالاً عشان مقلبش عليك و أزعلك منى .. أردف قائلاً : بقيتي شبه مسمار عشرة في أسبوعين
تجهم وجهها فهو لا يعلم ما بها و كيف مازالت تقاوم ليبقى طولها مصلوباً .. قالت بضيق
: يعنى بقيت وحشة
أمسك أدهم أناملها الرقيقة و بدأ يداعبها برقة قائلاً و هو يغلق واحداً تلو الاخر : انت جميلة .. و زي القمر .. فتح واحداً قد أغلقه ثم أغلقه مجدداً و قال : لا انت أحلى من القمر و هتفضلى أحلى من القمر .. و قلبي اللي بيدق و عيني اللي بشوف بيها .. و روحي اللي هموت لو انقبضت .. غمز لها قبل أن يقول : و بحبك
ابتسمت تالا له بحب قائلة و هي تمد أنامل يدها الأخرى له : ها كمل
أمسكها أدهم قائلاً و هو يكمل ما بدأه : و عنيدتي .. و حبيبتي .. و بنتي .. و أم عيالي المستقبلين .. و رفيقتي في الجنة بإذن الله .. فتح يدها مجدداً و قبل راحتها ثم طبع قبلة خاطفة على وجنتها التي توردت و اشتعلت من كلماته و أفاعيله !
قطع احمرار وجنتها سؤاله و هو يقول بتساؤل : حفظتي الجزء اللى المفروض تسمعيه
ظلت صامتة لبعض الوقت ثم حركت رأسها نافية قائلة بعدها في سرعة : بس هحفظ و الله .. بكره الفجر هسمعلك إن شاء الله
ربت على كتفها برقة قائلاً بابتسامة : و أنا متأكد من كده
انتهيا من تناول الأفطار ليعيدا ما تبقى في الأطباق للثلاجة و يضعا البقية بغسالة الأطباق .. غادرا لغرفتهما ليفتح أدهم حقيبة سفره و يريها بعض الأشياء التي ابتاعها من أجلها .. لم تفرح بها بقدر فرحتها بوجوده بجانبها .. أخذ يقص عليها تفاصيل رحلته و ما فعله بخصوص العمل فمن وجهة نظره أنها يجب أن تعلم بكل صغيرة و كبيرة فهذه أملاكها و يجب أن تعرف ما حل بها و ما سيحل بها .. أوقفته عن قص ذلك الكلام في عالم " البيزنس " فإنها لا تفقه به أي شئ و ليس لديها رغبة أن تفقه به شيئاً حالياً كما أنها تستأمنه على نفسها فكيف لا تستأمنه على أموالها التي لم تعن لها أي شئ في يوم من الأيام .. ابتسم لها و قال بخبث : تصدقي عندك حق الكلام في الشغل ده كلام فاضي و ملل تعالى أكلمك في حاجة تانية متأكد إنها هتعجبك
لم ينتظر جوابها جذبها لأحضانه و هي مستسلمة له كلياً كعادتها لكنه سرعان ما ابتعد عنها عندما سمع رنين هاتفه الذي تسبب لها برجفة بجميع أطرافها .. زفر بضيق و أجاب .. كانت متوجسة من تلك المكالمة بشدة لكنها اطمأنت عندما استشعرت من كلماته أنها تخص الشركة الجديدة التي تتجهز لافتتاحها .. أنهى المكالمة و انتصب على قدميه و هو يزفر بضيق .. اقترب من الدولاب و انتقى ثياباً ليرتديها .. التفت و هو يمسك ثيابه بيده ليقابل عينيها المتسائلتين فأجابها قائلا : معلش يا تالا هروح مشوار ساعتين كده و هرجع علطول
زمت شفتيها بضيق قائلة بتذمر : مشوار ايه ده ؟
قال و هو يغير ملابسه على عجل : طلبية المكاتب جت و لازم أروح أشرف على إستلامها .. مش عايز أضيع وقت عشان أفتتح الشركة في أقرب وقت
تنهدت بعمق و هزت رأسها متفهمة .. انتهى من ارتداء ملابسه و ودعها و غادر سريعاً .
بقيت جالسة بمكانها تشعر بالضيق .. قامت بخطوات متثاقلة و فتحت حقيبتها لترى ماذا حدث مع نيفين .. أخرجت هاتفها و فتحته لكنها لسوء حظها وجدته مغلقاً غير مشحون .. أتت بالشاحن و وضعته به .. فتحته على الفور بعدما اكتسب بعض الطاقة .. أتت برقم نيفين و طلبته و هي متوجسة تدعو الله أن تكون نيفين أحسنت التصرف و استطاعت أن تساعدها كما قالت .. أجابتها نيفين قبل أن يقطع الخط بثواني قليلة و صوتها مفعم بالبكاء : السلام عليكم
تزايدت دقات قلب تالا بخوف عندما استمعت صوتها الباكي .. ردت السلام بصعوبة لتسمع صوت نيفين تقول بدموع : أنا مش عارفة أدعيلك ولا أدعى عليك .. مش عارفة أتأسفلك و لا أتأسف لنفسي .. بكت أكثر و هى تقول من بين بكائها : مش عارفة أي حاجة غير إنى عايزة بنتي ترجع لحضني تاني .. بنتي وحشاني أوى
نزلت دموع تالا و هى تخشى أن يكون ما يدور بعقلها حقيقة و أن نيفين لم تستطع مساعدتها .. صاحت قائلة من بين ارتعاش جسدها : ايه اللي حصل ؟
بدأت نيفين تقص عليها كل شئ .. كل ما حدث لتشهق تالا من بين دموعها .. لكنها توقفت فجأة عن بكائها و شهقاتها عندما سألتها نيفين : هتعملى ايه يا تالا بعد لما فشلت في مساعدتك ؟
أخذت نفساً عميقاً ثم قالت بثقة : قولتلك قبل كده يا نيفين ليا رب كريم ياخد حقي منه
.. أنا واثقة إن ربنا هيخدلى حقي
تنهدت و هى تقول : و نعم بالله .. صمتت لبعض الوقت لم يعد هناك كلام تتحدثان به .. شرعت تالا بالحديث و هى تقول : احيكى يا نيفين إنك تخلصتى من واحد زي ماجد و إن شاء الله بنتك ترجعلك
بكت نيفين بشدة ثم جمعت شتات نفسها و قالت بصوت متحشرج : شكراً يا تالا
صمتت قليلاً ثم أردفت : تالا قولي لجوزك .. قولي لجوزك و متخبيش عليه خليه يعرف منك انتٍِ بدل ما يعرف من غيرك و ساعتها الغفران هيبقى صعب أكملت قائلة : و مين يعلم مش يمكن ربنا يسخره ليكِ عشان يكون سبب في مساعدتك و نجاتك من الفضيحة
بكت تالا بعد كلماتها و هى تقول بصوت متهدج : مقدرش يا نيفين .. مقدرش أقول لأدهم على حاجة زي ديه .. مقدرش
ظلت نيفين صامتة لبعض الوقت ثم قالت : أنا نصحتك و أنتِ حرة
أغلقت نيفين معها الخط لتجلس تالا بمكانها و تبدأ بالبكاء .. بكت .. بكت بضراوة بعدما فقدت أخر أمل لها .. الطريق أصبح ضبابياً معتماً أمامها .. تريد شعاع نور يرشدها للصواب حتى تخرج من طريقها هذا حتى لو كان شعاعاً خافتاً بسيطاً .. لا تعرف ماذا تفعل .. ألقت بجسدها على السرير فقد شعرت بالدوار .. سمعت صوت وصول رسالة جديدة تصلها .. فتحتها لتجد محتواها " أول ما جتلى مسج إنك فتحتى الموبايل حبيبت أصبح عليكِ رغم إني زعلان منك .. كده يا توتة قلبى تقفلي موبايلك عشان تعرفي تخدى رحتك مع البية جوزك بجد مضايق أوي منك .. إزاى مش مقدرة مشاعري و غيرتي عليك .. بس أنا همشى ورا قلبي و هسامحك .. عارف إنك مش هتردي عشان كده اختصرت الطريق و بعت رسالة .. تفكير غبى أوى إنك تقولي لنيفين بس عجبني و جه في مصلحتنا يا توتة قلبي .. طلقتها لما طلبت هى الطلاق .. أنا كده مش ظالم .. هى طلبت و أنا عشان طيبة قلبي و توتته نفذت .. يبقى عداني العيب و أزح واتزاحت نيفين من طريقنا .. قدامك يومين بالضبط تطلقي من أدهم .. بعد كده هبعت الفيديو و مش هيهمنى بس مش هعمل زي المرة الأولى و أحذرك يا تلحقي يا متلحقيش .. لا أنا هبعت من غير حتى ما بلغك بس هتعرفى لما البيه جوزك ييجي يديكى علقة موت و يطلقك هتوحشينى يا توتة قلبي لحد أما تطلقي .. بجد محتاجك أوي في حياتي أنا و توتة الصغيرة "
ألقت الهاتف من يدها و أجهشت ببكاء ثم أسندت رأسها على الوسادة و اتخذت وضع الجنين لعلها ترجع نطفة ببطن أمها ثانية فهي لم تعد تتحمل تلك الحياة القاسية التي تعيشها .. لكنها ستظل تحمد ربها على كل شئ فالله إذا أحب عبداً ابتلاه
✾ الفصل الأخير - الجزء الخامس
صاحت أمه بتلك الكلمات و هي تلطمه بموجات غضبها العاتية " انت إزاى تطلق بنت خالتك و تاخد منها بنتها.. أنت اتجننت يا ماجد "
زم شفتيه بضيق من تدخل أمه بحياته .. ماذا تريد منه .. ألا يكفيها ما فعلته بالماضي .. ترك
تالا بسببها لكنه الأن سيصلح خطئه و يرجعها له .. قال ببرود أغضب أمه : بنت أختك طلبت الطلاق و أنا طلقتها .. و بنتها هى بنتي و أنا اللي هربيها .. فين المشكلة هنا بقى ؟
ثارت أمه قائلة بغضب : يعنى ايه طلبت الطلاق فطلقتها .. قولي يعنى ايه !
جلست على كرسي قريب منها و هى تقول بنافذ صبر : يا رب صبرني واحد مراته قالتله طلقني فطلقها و التانية حبسالى نفسها في الأوضة بقالها يومين بتعيط ولا بتاكل ولا بتشرب و كل أما اسألها تقولي مفيش متخانقة مع عمرو .. أنا تعبت .. و الله العظيم تعبت منكم
ارتعدت فرائصه عند ذكرها لإحدي أخواته .. قفزت جملة نيفين لعقله فجأة لتزلزل كيانه و هو متصلب بمكانه " مش هقولك خاف عليا هقولك خاف على أختك و بنتك " أختفى من أمام أمه بسرعة البرق أخذاً طريقه لغرفة أخته .. اقتحم غرفتها دون أن يقرع الباب كفرقة مخصصة لضبط المخدرات ليجدها جالسة بركن منزوي على السرير تضم قدميها إلى صدرها و عيناها حمراوين دمويتين من البكاء تلتف بغطاء من أخمص قدميها حتى رقبتها .. انتفضت بجلستها عندما أفاقت من شرودها و أحست باقتحامه لغرفتها ليقترب هو منها بخطوات قلقة متوجسة و دقات قلبه الخائفة تتزايد و تتزايد .. جلس بجانبها ليشعر برعشة سرت بجسده .. لا يعرف هل كانت تلك الرعشة بجسده هو أم بجسدها هى .. حاول التكلم بصعوبة و هو يحاول أن يخمد الأفكار التي تتصارع بعقله .. بالتأكيد لا يمكن أن يصيبها أي مكروه مما يفكر هو فيه .. فهي أخته التي يثق بها ثقة كاملة .. أخته التي لا يوجد و لن يوجد غبار على سمعتها أو نقطة سوداء بصفحتها الناصعة .. إنها ما هى إلا تخيلات يتخيلها عقله و يصورها له شيطانه فقط .. أخته لا يمكنها أن تخطئ .. لا يمكنها أن تلوث سمعة عائلتها أو تضع رأسهم في الأرض و توحلهم بالوحل .. بالتأكيد مشاجرة عادية بين أي خطيب و خطيبته و هو الذي يحجم الأمور و ليس إلا .. و لكن يظل السؤال هل مشاجرة طفيفة بين خطيب و خطيبته يمكنها أن تجعلها تصل لتلك الحالة التي يراها بها
تكلم أخيراً و هو يقول بصوت أخرجه عنوة : مالك يا مروة ؟
تعلقت دمعة ساخنة داخل جفونها و قالت دون أن تنظر إليه أو تضع عينيها بعينيه : مفيش يا أبية عادي شوية مشاكل مع عمرو و نهال صاحبتي و ان شاء الله هتتصلح .. تحررت دموعها التى وجدت صعوبة باخفائها مصاحبة لكلماتها ليقول هو بعدما مد الشك جذوره بكل خلايا جسده حتى تمكن منه : مشاكل ايه ديه اللي تعمل فيك كده ؟ لاحظ صمتها المفاجئ مع اتساع بؤبؤ عينيها على أخرهما كأنها تتذكر مشكلتها و ما حدث معها ثم انفجرت باكية .. انتحبت .. انتحبت بشده كمن فقد أباه الذى كان عالمه أجمع في بلدة غريبة لا يعرف فيها أحد سوى من فقده !
تصارعت أنفاسه بقسوة و ارتجفت يداه على بكاء فتاته الصغيرة فهي أصغر أخواته البنات خاصة بعدما رأي تلك النظرة التي رأها قبلاً .. نظرة انكسار .. تلك النظرة التي رمقته بها تالا عندما طلقها فور استيقاظها .. أمسكها من كتفها و قال بصوت مرتجف بعدما انتقلت رجفة يده إلى أحباله الصوتية : احكيلى سبب المشكلة مش انت دايما بتحكيلى .. رفع وجهها إليه بإحدي يديه لتنزلها هى فوراً و تبعد أنظارها عنه ليكمل قائلا : احكيلى
استمرت ببكائها و هى تقول من بينه : هقولك بس أوعدني إنك تفهمني .. أوعدني إنك تساعدني و تخدلي حقي .. أنا متأكدة إنك أنت الوحيد اللي هتاخدلى حقي
صمتت قليلاً ثم قالت و هى ترمى قنبلتها التي سقطت على مسامعه كقنبلة هيروشيما و ربما تكون أسوأ رغم أن محتوياتها مجرد حروف : حقي أنا و أبنى اللي في بطني
تحولت عيناه لجمرة من نار جهنم بعدما وقعت كلماتها على أذنه كوقوع الماء على زيت شديد السخونة .. اتسعت حدقة عينيه على أخرهما فعن أي ابن تتحدث هى .. عن أي ابن تتحدث هى .. قام عليها كأسد جوعان على فريسة ضعيفة متعبة .. أخذ يصفعها صفعات متتالية دون رحمة و هو يصيح بها قائلا بعصبية : ابنك ايه ؟ ابنك ايه اللي في بطنك ده .. قوليلى ابنك ايه و إزاى ؟
صاحت باكية و هى تحاول تفادي ضرباته التي تزداد مرة عن الأخرى : أنا مش عارفة أنا عملت كده إزاى ؟ مش عارفة عقلي كان فين ساعتها .. مش عارفة إزاى سمعت كلامه و مشيت وراه .. أنا اللي غلطانة بس هو اللي قالي .. قالي كلها كام شهر و نكتب الكتاب و أبقى جوزك .. قالي أنا بحبك و مش قادر أمنع نفسي عنك بس ظروفنا تدينا الحق إننا نعمل كده .. قالي انت لسة مكملتيش العشرين و أهلك وفقوا على خطوبتنا بالعافية .. قالي ورقة بينا أحنا الاتنين كفيلة إنها تدينا حق أي اتين متجوزين .. قالي انه خطيبي و هنبقى لبعض فمش هتفرق دلوقتى من بعدين .. قالي مش مستحمل بعدي انتحبت قائلة : هو اللي قالي هو اللي قالي مش هتفرق .. قالي أنت حلوة أوى بس أنا وحشة .. وحشة أوي يا أبيه .. أنا مكنتش الأخت اللي تتمناها أو يستحقها أخ زيك .. توقفت عن فداء نفسها و تركتها له ليفعل بها ما يشاء قائلة و حالتها تسوء ثانية بعد ثانية من ضرباته المستمرة : موتني .. موتني أنا أستحق الموت .. أنا غلطت .. غلطت غلطة كبيرة أوي .. لطمت علي وجهها و هى تقول بصراخ : موتني .. موتني و ريحنى أنا استحق كده .. مبقتش قادرة أتحمل أكتر من كده
تجمعت الدموع بعينيه و انتشرت الحمرة بهما حتى أن من يراها سيشعر أن بؤبؤ عينيه عائم ببركة دماء ضحلة .. توقف عن صفعها و تسديد الضربات لها و هو يشعر أنه تائه بأرض الله الواسعة التي أخذت تدور من حوله .. ما كان يخشاه تحقق .. تحقق في أخته الصغيرة .. لا يصدق عقله أنها فعلت ذلك .. انتقل لعالم اخر عالم يعرض عليه الماضي القريب و الماضي البعيد بمحاذاة الحاضر .. رأي طيفه و هو مع تالا يقنعها بالخضوع لرغباته .. سمع صوته و هو يحدثها قائلا " أنا جوزك و كاتبين الكتاب سواء دلوقتى أو بعد الفرح في الحالتين أنا جوزك مش هتفرق كتير " .. تحولت عيناه لأخته ليجدها تبكي و هى تقول " قالي إنه خطيبي و هنبقى لبعض فمش هتفرق دلوقتى من بعدين .. هو اللي قالي كده " تجسد أمامه طيفاً أخر لشبح نيفين و هى تقول " متنساش يا ماجد إن كما تدين تدان و إن هييجي يوم و يتردلك فيه كل اللي عملته و بتعمله .. هييجي يوم و ينكسر فيه قلبك قبل نفسك .. هتنكسر و ساعتها الندم مش هيفيدك بحاجة .. يشعر حقاً بالانكسار .. و ليس أي انكسار بل انكساره بواسطة أعز أخواته التي لم يكن يتوقع منها مطلقاً أن تكسره بهذا الشكل .. انكسر و لن يستطع أن يرفع رأسه ليمشي متفاخراً بأخواته و يتباهى بتربيتهم و أخلاقهم العالية .. تردد صوت تالا بأذنه كصوت الرعد " حسبنا الله و نعم الوكيل فيك يا ماجد .. ليا رب كريم هياخد حقي منك " .. سمع صوت أمه التي دخلت وراءه لكنها ظلت واقفة على الباب و استمعت للحوار بأكمله لتنصدم و تسقط أرضاً من هول الصدمة و هى تردد قائلة " قولتي مشكلة بس طلعت مصيبة .. طلعت مصيبة و كارثة " ... ظهر له طيفاً أخر له و هو جالس مع الطبيب الذي قال " حضرتك شكلك متعلم و عارف إن عمليات الإجهاض ديه عمليات مشبوهة و ميعملهاش غير دكتور معندوش ضمير ولا دين " سمع صوته بعد ذلك و هو يقول " تبقى لازمة لو الطفل ده هيلوث سمعة العيلة و يوحلها في الوحل .. أنا هقول لحضرتك الحكاية بس ياريت الكلام ميطلعش بره عشان ديه سمعة و شرف عيلة و بنت .. تالا تبقى بنت خالي .. كانت مخطوبة لواحد أسمه أدهم .. صمت قليلا ثم قال : بس علاقتهم اتطورت أوى و ده اللي عرفته مؤخراً "
أخذت الأحداث تتعارك معه حتى انهارت اعصابه .. عاد لتسديد الضربات لها مجددا و هو يخرج شحنة غضبه بها و بدأ يصيح قائلاً بحدة : الله يخرب بيتك زي ما خربتي بيتنا و خليتي رأسنا في الأرض .. أنت رخيصة للدرجادى .. أنت رخيصة أوي كده ؟ .. على الأقل هى كانت مراتي .. صفعها بشدة و هو يقول : لكن انت زانية .. فاهمة يعنى ايه زانية ؟ إزاى تسلميه نفسك كده .. الله يلعن الحب يا شيخة اللي يخليكى تسلمي نفسك لواحد زي ده .. الله يخرب بيتك .. أخذ نفسه ثم أكمل قائلا : و كمان حامل .. الله يخرب بيتك .. الله يخرب بيتك ياغبية ...وجد أمه تجذبه بعيداً عنها بعدما فاقت من صدمتها و نحيبها فقد بدأت أخته تفقد وعيها بسبب ضرباته القاسية .. ابتعد عنها بناء على رغبة أمه التي صرخت بوجهه حتى يبتعد فخضع لطلبها .. صاح بوجهها قائلاً بحدة : هروح أشوف الحيوان اللي وثقت فيه و خان الأمانة اللي أمنته عليها و هاجى أكمل عليك تاني .. التفت بظهره ليغادر ليسمع أمه تقول بنحيب : الحق اختك يا ماجد اختك بتموت منى .. التفت لها مجددا ليجد أخته مغشي عليها و بقعة دماء من حولها تتسع شيئاً فشيئاً .. صاح قائلا بغضب : سيبيها تتحرق و لا تموت عشان أنا كده كده هموتها
أخذ طريقه للخارج مجددا و تركهما و خرج و هو يتوعد لذلك الذي انتهك شرفه و عبث به !
اقتحم الغرفة فجأة و هو يقول بخبث : خلصت كل حاجة ورايا و فضيتلك يا مدوخاني و مش هسيبك غير لما أعوض الأسبوعين اللي غيبتهم و ابقى شوفي مين هيرحمك منى يا قطة .. حتي أمي راحت عند سار.. قطع كلماته عندما تفاجئ بوجود أسيل الجالسة بجانب تالا على السرير و عيناها محمرة من البكاء و هى تنظر له بدهشة لكنها سرعان ما أنزلت رأسها أرضاً و هى خجلة من كلماته .. أحمر وجه ثلاثتهم على الفور خاصة أدهم لكنه سرعان ما تدارك الموقف بعدما عبث بخصلات شعره بتوتر قائلاً بابتسامة حرج : عاملة ايه يا أسيل ؟
قامت أسيل و وقفت أمامه قائلة بضيق : عايزاك تقول لصاحبك أنه غبي و إني بكرهه
.. اجهشت في البكاء قائلة : قوله أني بكرهه أوي
أشار لها بيده لتجلس و تهدأ لتنفذ هى اشارته بخضوع .. أحضر كرسي التسريحة و جلس أمامها هي و تالا و قال بتساؤل : عملك ايه ؟
أسيل بدموع : مبقاش يكلمني كتير زي الأول و مشغول طول الوقت حتى الشروط اللي كنت حطاها بدأ يخالفها و مبقاش بيحفظ غير كل فين و فين .. الصلاة مبقاش يتصل بيا أو يبعتلى مسج عشان يشجعني فمبقتش أصلي و شنبه مش راضي يحلقه و كل مرة يخدني على قد عقلي و يقولي هحلقه و مبيحلقهوش .. و غير ده كله طلب يقابلني انهارده عشان يصالحني و يقولي إنك جيت و اننا نخليها بدل الخطوبة كتب كتاب و رغم خناقاتى معاه يا أدهم بس فرحت و قولتله يقول لبابا .. بكت و هي تقول : يرضيك يا أدهم .. يرضيك أبقي قاعدة معاه و واحدة لوكل تيجي تحضنه قدامي و تقوله وحشتني و وحشتني أيامنا مع بعض
تنهد أدهم بعمق ثم قال بجدية : بصي يا أسيل لازم تعرفي إن طبيعة شغله صعبة و خطر و طول وقته بيبقي مشغول و تقدري النقطة ديه .. ديه أول حاجة .. تاني حاجة أنت متستنيش حد يشجعك عشان تصلي لازم نفسك هي اللي تشجعك و أول ما تسمعي الادان تقومي بلهفة عشان تؤدي فريضتك و ترضي ربك و لو علي موضوع شنبه اللي مش عايز يحلقه ده فهو مش عايز يزعلك و في نفس الوقت طبيعة شغله بتحتم عليه إنه يبقي شكله ناشف أوي و أسر من النوع اللي لو حلق شنبه بيقلب عيل في ثانوي .. صمت قليلاً و أكمل قائلا : و لو كان علي البنت فأديكي انت نفسك قولتى إنها قالت انه واحشها يعني لو كان بيشوفها فهو دلوقتى مبقاش بيشوفها .. اسيل انت تقدري تغيري أسر عشان هو بيحبك و غير ده كله معدنه نضيف و نقي زيك بالظبط .. تقدري انتي اللى تشجعيه انه يبقي أحسن بالهداوة و الحب و الألفة اللى بينكوا .. أسر رغم أنه كان بتاع بنات و مقضيها بس راجل و جدع و ييجي منه ابتسم لها قائلاً بجدية : فكري كويس أوي قبل ما تقدمي على خطوة زي خطوة كتب الكتاب
ابتسمت له أسيل ابتسامة واسعة بعدما جففت دموعها قائلة : شكراً يا اسطا مش عارفة لولا وجودك انت و مراتك في حياتي كان مين هيهديني أو هينصحنى
رفع أدهم أحد حاجبيه باستنكار قائلا بسخرية : اسطا ! أنا من رأيي إنك تبعدي عن أسر و تسيبك منه عشان ما شاء الله شكلك لقطتي منه و يا خوفي لو كنت لقطتي أكتر من يا اسطا
اكتفت أسيل بابتسامة قائلة : ملكش دعوة بأسورتي لو سمحت .. أردفت قائلة بصدق : أنا بجد بحبكوا أوي نفسي أنا و أسر نبقي زيكوا و خصوصاً فى قربكوا من ربنا
ابتسم أدهم لها قائلاً بجدية : صدقيني يا أسيل أنت أو أي حد ممكن تبقوا أحسن مني أنا و تالا كمان خصوصاً إننا لسه في أول طريق القرب من ربنا .. حول نظره لتالا التى كانت تتأمله بنظرة غامضة قائلاً : و بإذن الله نعين بعض على القرب أكتر .. أردف قائلاً : اللى عايزك تعرفيه إنك لو عايزة تقربي من ربنا عمر ما ربنا هيصدك أو هيبعدك بالعكس
ظل أدهم يلقي نصائحه علي أسيل الذي كان يعتبرها بمثابة أخت صغيرة له أما هي فكانت تنظر إليه بحب فبالرغم من الغيرة التي تأكل قلبها بسبب حديثه المباشر مع أسيل ألا إنها استشعرت دفء و حنان الأب لأبنته الصغيرة أو الأخ الكبير لشقيقته بحديثه .. لا تعلم هل طفلها محظوظ أن والده أدهم أم مشؤم أن والدته تالا تلك المرأة التي يلاحقها حظها العسر أينما ذهبت .. كم سيكون أباً حنوناً متفهماً ناصحاً لأطفاله الصغار الذين سيفخرون بأب مثله .. أدهم لن يحصل على لقب أب بشكل فعلي عند ولادة طفلها فهو قد حصل عليه سابقا بجدارة .. أدهم والدها قبل أن يصبح والد لطفلها .. بمواقف كثيرة خاضتها معه كان لها أحياناً الأب الحنون الذي حرمت من حنانه و احتوائه و بأحيان أخري الأب الغاضب المعاتب الذي ينهرها لخوفه و قلقه عليها لا أكثر .. و لأحيان مختلفة الأب الناصح الذي يكون له نظرة مستقبلية صحيحة .. أدهم ليس زوج أو حبيب أو حتى أب فقط بالنسبة لها بل هو يشكل عائلة بجميع أفرادها .. فرت دمعة حارة و هي تخشي أن يحرم طفلها من والد كأدهم و لكنها مسحتها سريعاً بعدما لاحظها أدهم الذي قرر معرفة ما سببها و لكنه قرر أيضاً تجاهل الأمر الأن ليعرف كل شئ بالتفصيل دون هروب بعد مغادرة أسيل
فهو أصبح على يقين أن هناك أمراً تخفيه عنه صاحبه العيون البندقية !
وصل لمنزل ذلك الوغد الذي لطخ شرفه و عرضه .. أخذ يضرب الباب بعنف إلى أن فتح و طلت منه تلك السيدة الكبيرة والدة عمرو .. كانت تلك السيدة لا تطيق أي فرد من عائلة ماجد و أولهم هو .. لا تعرف لماذا كانت تكرهه هو بالتحديد بشكل غريب لكنها ما إن تقع عيناها عليه تشعر بالضيق على الفور .. ربما لأنه شقيق تلك الفتاة التي أختارها ابنها لتكون كنة لها و هي لم تكن تطيقها لكن حمدا لله أن ابنها أنهي خطبتهما .. صاحت به قائلة بتبرم : في حد يخبط على حد كده يا بني أدم يا متخلف .. كان نسب يغم ؟
نحاها من طريقه قائلا بعصبية و هو بطريقه للداخل: فين الحيوان أبنك .. فين ده أنا هقتله و الله العظيم لأقتله
أخذ يجوب الشقة يساراً و يميناً و شرقاً و غرباً و هو يبحث عنه لكنه لم يجد له أي أثر .. التفت للسيدة التي كانت تسير وراءه و هى تهدده أن تتصل بزوجها و تخبره إذا لم يخبرها ماذا يفعل هنا أو ماذا يريد من أبنها .. صاح بها قائلا : فين الحيوان ابنك ؟
تنهدت بضيق قائلة : أبني سافر أمبارح شغل بره البلد و مش هيرجع قبل سنتين .. أردفت قائلة بتبرم : و بعدين عايزين من أبني ايه ؟ هو مش فضها سيرة قبل ما يسافر و لغي خطوبته من أختك البومة ؟
صاح بوجهها قائلاً بالحكاية بأكملها لتنزل بعض الدموع مصاحبة لكلماته .. لم تصدق السيدة أي كلمة مما قالها ماجد فدفعته بعنف خارج الشقة و هي تقول بحدة : شوف أختك غلطت مع مين و جاية تلبسها في أبني .. أنا أبنى ميعملش كده أبداً .. روح شوف أختك الحلوة كانت دايرة على حل شعرها مع مين و ابعد ببلاك عننا ؟
لأول مرة بحياته لا يعرف كيف يتصرف أو ماذا يقول .. وجد نفسه يصيح بوجهها قائلا : قولي لأبنك إني مش هسيبه .. قوليله ماجد مش هيسيبك غير لما ياخذ حق أخته منك
غادر بعد كلماته تلك و عيناه تذرف الدموع .. ماذا عساه يفعل في تلك المشكلة العويصة التي وضعته بها أخته الغبية الحمقاء التي سارت وراء مشاعرها الجامحة .. يشعر أنه ببحر هائج يتلطم بين أمواجه الثائرة .. قطع تجوله بمتاهة أفكاره صوت هاتفه يعلن عن إتصال .. أخرجه و فتح الخط ليسمع صوت أمه الباكي و هي تتحدث من بين شهقاتها حتى أنه لم يستطع تبين كلماتها .. طلب منها إعادة كلماتها مجددا بوضوح أكثر لينصدم من كلماتها و استنجادها به .. ماذا تقول أمه ! .. ماذا تعني بأن أبنته الصغيرة سقطت من أعلي الدرج لتنفتح رأسها بينما كانت أمه مشغولة بإسعاف أخته .. ماذا تعني بأن حالة ابنته الوحيدة خطيرة للغاية .. و ليس ابنته فقط بل و أخته أيضاً .. تسمر بمكانة و هو لا يدري كيف يتصرف أو ماذا يفعل .. ماذا يفعل حتي لا يخسر أعضاء عائلته المقربين بهذا الشكل الذي يؤلمه و يكسره ! متي ستنتهي تلك المتاهة التي دخلها و هل حقا السؤال متى ستنتهى أم متي ستنتهي لتبدأ أخري ليظل بمتاهة لا نهاية لها .. نهاية بداية متاهة جديدة
وصل إلى المشفى التي أخبرته عنه أمه بعد معاناة .. اقترب من أمه الجالسة تبكي بخطوات سريعة قائلاً بلهفة : توتة عاملة ايه ؟
نظرت له أمه قائلة من بين دموعها : أدعيلها هى و أختك يا أبني .. الاتنين لسة في أوضة العمليات .. جلس بجانبها و هو منهك و يتساءل ماذا سيخسر بعدما وجد أمه تمد يدها بهاتف أخته له دون أن تنطق ببنت شفة فقط عيونها تنهمر منها الدموع .. أخذه ماجد منها قائلاً بتساؤل : ايه ده ؟ نزلت دموعها قائلة : كان في جيب بيجامة أختك .. أردفت قائلة : اقرا
نظر لشاشته ليجدها متوقفة على رسالة .. بدأ بقراءتها بعينيه
" بصي يا بنت الناس .. أنا و أنت من طريق و الشغل اللي بتعمليه أنك تخلي صاحبتك تكلمني تفكك منه عشان مزعلكيش و لو علي اللي في بطنك تشوفي يبقي ابن مين أنا اصلا مبخلفش و لو عوزت أخلف أكيد مش هخلف من واحدة رخيصة زيك سلمتلي نفسها و خانت ثقة أهلها و دابت بعد ما سمعت كلمتين حب و طبعا حوار الجواز ده تنسيه خالص عشان مفيش واحد هيتجوز واحدة غلط معاها بموافقتها و رضاها الكامل .. ده انت خونتي ثقة أهلك يبقي مش هتخوني العبد لله .. من الأخر تفكك مني و تتصرفي في العيل اللي في بطنك ده عايزة تموتيه موتيه .. عايزة تتحرقي أنت و هو اتحرقي .. أنا و أنت منقدرش نكمل مع بعض .. مقدرش استئمانك على عيالي و بيتي و انت خنتي البيت اللي اتفتحلك و الناس اللي ربتك و كبرتك من صغرك .. صدقيني مقدرش أجيب عيال من واحدة زيك .. و بالنسبة للخطوبة فكل سنة و انت طيبة يا حبيبتي و الشبكة اعتبريها هدية مني ليك مقابل الأيام الحلوة اللي قضتيها معايا مع أنها كتيرة عليك كمان .. أنا مسافر ياريت تبلغي أهلك إن الخطوبة بح "
ألقى الهاتف من يده بغضب شديد ليتفكك لقطع و يتهشم.. هل يعامل هذا الوغد أخته كفتاة ليل .. كيف يتجرأ و يكتب لها تلك الكلمات و السؤال الأهم كيف كانت حال أخته و هي تقرأ تلك الكلمات .. أخته صاحبة الحسب و النسب يقال لها كلمات كتلك .. يتذكر أن بعض الكلمات التي قرأها قد نطقها لسانه من قبل .. قد نطقها ليطعن بها قلب تالا .. هل حقاً كما يقولون كما تدين تدان .. هل ستنقلب الآية عليه .. هل سيرد كل ما فعله له كما أخبرته نيفين !
أخرجه من تفكيره صوت نيفين الغاضب الباكي و هي تهرول بتجاهه قائلة : حسبنا الله و نعم الوكيل فيك يا ماجد .. حسبنا الله و نعم الوكيل فيك .. استريحت لما ضيعت بنتي .. استريحت كده و انبسطت .. أردفت قائلة ببكاء : من أعمالكم سلط عليكم .. كل ده من أعمالك المهببة .. ربنا ينتقم منك .. ربما ينتقم منك بعيد عني و عن بنتي .. جلست علي الأرض و هي تردد بدموع : حسبنا الله و نعم الوكيل فيك يا ماجد .. يا رب يا رب نجيلي بنتي
انتصب ماجد على قدميه بصعوبة و تركهم و غادر حتي لا يستمع لكلماتها و دعواتها عليه .. غادر و هو ينوي فعل شئ ربما سيخفف قليلاً من العقوبات التي يتلقاها نتيجة أفعاله واحدة تلو الأخرى .
كانت تستند على مسند السرير برأسها تفكر كيف ستتصرف .. أمامها مهلة صغيرة و لا تدري ماذا تفعل .. لا تدري حقا .. لا تجد برأسها غير كلمات نيفين " تالا قولي لجوزك .. قولي لجوزك و متخبيش عليه .. خليه يعرف منك انت بدل ما يعرف من غيرك و ساعتها الغفران هيبقى صعب .. و مين يعلم مش يمكن ربنا سخره ليك عشان يكون سبب في مساعدتك و نجاتك من الفضيحة “
هل تسير وراء كلام نيفين و تخبره .. هي تعلم جيداً أنها نقضت العهد بينها و بين أدهم منذ اخفائها عليه الامر برمته فهل تصحح هذا الخطأ و تخبره أم لا .. و السؤال الأهم ماذا لو كان إخباره هذا تصحيح لخطأ بخطأ أخر !
قطع تفكيرها دخول أدهم و اقترابه منها إلي أن تسطح بجانبها و أسند رأسه مثلها .. اقتربت منه و أسندت رأسها على صدره فما فائدة مسند السرير و هو بجانبها .. حاوط أدهم كتفها بذراعه و ربت عليها قائلاً بتساؤل : تفتكري غلطت لما علقت لأسيل علي موضوع الطرحة ده ؟ صمت قليلا ثم قال بجدية : هي أكيد حرة تعمل اللي هي عايزاه بس أنا كنت بنصحها زي أختي الصغيرة مش أكتر .. عاتب نفسه داخلياً فهو لم يشأ أن يتدخل بخصوصياتها أو يقل كلمة دون قصد منه تجرحها كما فعل في الماضي حتي أنه أخذ ينتقي كلماته و عباراته بعناية بالغة حتي الأن يشعر بالذنب بتجاهها لأنه قذفها بكلماته الجارحة رغم مسامحتها له لكنه لم يستطع أن يسامح نفسه فكم كان سطحياً عندما حكم عليها ظاهرياً و ليس جوهرياً .
طمأنته إجابة تالا عليه و هي تقول : لا بالعكس مغلطتش أنا فعلاً كنت عايزة أكلمها بس أنا دماغي مش رايقة دلوقتى .. أردفت قائلة بجدية : و شكل كلامك دخل دماغها فعلاً و أسلوبك جاب معها نتيجة إيجابية و متأكدة إنها يومين أو بالكتير تلاتة و هتلبسها
طبع قبلة حانية على جبينها قائلا : ربنا يحفظك ليا يا مطمئنة قلبي .. أردف قائلا لها بتساؤل : مالك بقي دماغك مش رايقة ليه ؟ في ايه شاغلك كده و راسم الحزن في عينيك
ارتعشت أوصالها و هي لا تدري أتسمع كلام نيفين و تستنجد به أم ماذا ! رفعت نظرها له لتجده يرمقها بتركيز متفرساً إياها منتظراً إجابة عن سر حزنها النابع من مقلتيها البنية .. اعتدلت بجلستها ليعتدل هو الأخر و يصبح مقابلها .. أمسكها من كتفها قائلا بحنان : مالك ؟ قوليلي مالك ؟ أردف بعتاب قائلاً : أحنا مش اتفقنا اننا نتصارح دايما و منخبيش حاجة علي بعض !
أخذ يحثها علي إخباره بما بها إلي أن قررت مصارحته .. قررت إخباره و ليحدث ما يحدث فهو سندها و حاميها في الحياة .. رفعت نظرها له و هي كلها اصرار أن تخبره دون تراجع و لتذهب تهديدات ماجد للجحيم .. همت بإخباره لكنها توقفت بأخر لحظة بعدما قفزت صورته و هو راقد بالمشفى أمامها بعدما ضربه حاتم بالسكين .. تذكرت حالته عندما كان بأقصى حالات ضعفه نائماأ على السرير بوجه مرهق شاحب مغمض العينين موصل بأسلاك من كل جانب حوله .. يريد شبح الموت حرمانها منه .. تذكرت عندما كان ممدداً على الأرض أمامها قلبها يتألم و ثيابه و ثيابها ملطخين بالدماء و هي تقبض علي يده كأنها تتمسك بروحه حتى لا تغادره .. لا تعلم لما أظهر لها عقلها تلك الصورة التي توجع قلبها و تقطعه كلما تذكرتها .. لقد كان نائماً بالمشفى بذلك الوقت بسببها هي .. هي من قادته إلي الخطر عندما اخبرته بتلك الرسالة النصية التي قصت بها مشكلة أسيل .. هي من أدت به إلي هذه الحالة و لن تسمح أن يؤذي بسببها مجدداً .. قررت أن تغير الخطة بأخر لحظة .. هو صعب و شاق عليها و لكنه سيكون أسلم حل من وجهة نظرها .. ارتمت عليه و احتضنته بقوتها الضئيلة ..ضمته بشدة إليها و هي تضع رأسها بين تجويف رأسه و كتفه محتضنة رقبته بكلتا يديها و أناملها تتحرك بين خصلات شعره القصيرة فوق رقبته بقليل .. ابتعدت عنه قليلا و باغتته بقبلة .. قبلة نعتتها بالقبلة الأخيرة .. ستكون تلك هي قبلة الوادع .. القبلة التي لن تتبعها أي قبلة أخري .. القبلة التي ستعيش بقية عمرها عليها تتذكرها بعدما ستحرم نفسها منها .. ستبتعد و تخسر ما تخاف فقدانه بإراداتها حتي تكف عن خوفها المزمن .. ستبعده و تبعد عنه حتي تحفظه من منطقة الخطر التي تحاوطها .. ستبعده و تتصرف مع ماجد بمفردها .. لاحظت أن قبلتها بدأت تأخذ مساراً أخر معه و لن تصبح مجرد قبلة و حسب .. نزلت دموعها بغزارة دون بكاء ليتوقف عما يفعله و يبتعد عنها .. أمسكها من كتفها قائلاً بحزم : في ايه ! أنت لا يمكن تكوني طبيعية أبداً و الحكاية شكلها مش زي ما أنا فاكر و أن حالتك كده بسبب سفري .. في حاجة أكبر من كده
حاولت استجماع شجاعتها أو ربما قتل قلبها و وأده بعبارتها التي قالتها و هي تنظر لفراغ أمامها و دموعها تتساقط : أدهم طلقني
لا تعلم كيف نطقتها أو تلفظت بها و لا تعلم كيف تقبله بكامل إرادتها و عقلها و بعدها تطلب الطلاق منه .. إنها أول سيدة تفعل فعلتها تلك .. بالتأكيد سيظنها متناقضة أو في الأغلب مجنونة .. قبلة حارة جاشت مشاعرهما و بعدها طلاق .. وقع الكلمة على أذنهما لم يكن سهلا علي الإطلاق عليها و خاصة عليه .. ما هذا العبث ! كيف تطلب منه الطلاق ؟ كيف استطاع لسانها نطقها ! هل ما سمعه صحيح ! هل تريد الطلاق منه و تركه
فلتت أعصابه من زمام يده و كان على وشك الإختناق بسبب غضبه و عدم تصديقه لما نطقت به .. صاح بها قائلاً بعصبية و هو يكاد يعصر يده من شدة قبضته : أطلقك ! قدرتي تقوليها ازاي و ليه أصلاً عايزاني أطلقك!
صارت تتنفس بصعوبة و قالت من بين دموعها و الكلمات تتقطع من بين شفتيها : طلقني و خلاص
عض شفتيه السفلي بغضب شديد و أخذ جفناه يرتعشان و هو يشعر بالدماء تغلي داخل عروقه التى ظهرت بشكل واضح بيده و رقبته و بمظهره الغاضب الصارم هذا زاد وسامة و جاذبية علي وسامته و جاذبيته المهلكة .. قال بحدة : يعني ايه طلقني و خلاص ؟ أنت مجنونة !
ضمت قدمها إلي صدرها و انكمشت بنفسها قائلة : هو ده الصح .. هو ده اللي لازم يحصل .. وجودي كان غلط في حياتك من الأول و نقمة عليك .. انت متستهلش واحدة زيي .. انت تستاهل واحدة أحسن مني بكتير .. صمتت قليلاً ثم قالت من بين دموعها : أكيد أنت عملت حاجة وحشة في حياتك عشان كده ربنا عاقبك بيا .. أنا عقاب كبير أوي في حياتك و عمري ما هخليك سعيد و طول ما أنا على ذمتك يبقي انت بتعاقب نفسك بيا .. طلقني و أكيد هتلاقي واحدة تسعدك و تستاهلك
كان الغضب بداخله يستعر أكثر و أكثر بعدما سمع كلماتها الغبية .. ماذا تقول تلك الحمقاء ! .. كلماتها تثير جنونه و تفقده صوابه حقاً .. ضرب مسند السرير بضربات متتالية بقبضة يده لعله ينفث عن غضبه و يهدأ نفسه حتي لا ينفعل عليها هي و يؤذيها .. صارع غضبه إلي أن كبح جماحه لحد ما قائلاً بانفعال : انت برضه لسة بتفكري التفكير المتخلف ده .. مش هتخلصي منه أبدا .. مين اللي قالك انك عقاب بالنسبالي .. انت أحلي حاجة حصلتلى في حياتي .. متعرفيش إني في كل صلاة بحمد ربنا علي إنه رزقني بيك و بدعليه إنه يحفظنا لبعض و يحمينا .. عصف بها قائلاً : و ايه اللي تستاهل واحدة أحسن مني ده الأحسن منك ديه فيها ايه مش عندك .. قوليلى هتبقي أحسن منك إزاى و أنا شايفك أنت أحسن واحدة و عينيا مبتشوفش غيرك ولا عايزة تشوف غيرك .. و لو على السعادة فأنا عمري ما عرفت ليها طعم غير معاك و مستحيل أستطعمها مع غيرك أفكارك الغبية و المجنونة خلتك خلاص عقاب و نقمة و إن في واحدة أحسن منك تستاهلني .. تآكل غضباً قائلا : لو أنت فعلاً عقاب زي ما بتقولي فأنا مستعد أتعاقب بيكي طول عمري و هبقي فرحان و مبسوط كمان بالعقاب ده و لو فيه الأحسن منك فأنا مش عايزها .. أنا مش عايز غيرك في حياتي .. مبحبش ولا حبيت غيرك .. افهمي بقي انت غبية ليه !
ارتمت بين احضانه باكية و هي تقول : بس انت أول ما تعرف هتسيبنى و احتمال كبير تكرهني و برده هتطلقني .. قاومت رغبتها في البقاء بين أحضانه لتشعر بالدفء فابتعدت قائلة : أنا وجودي في حياتك هيأذيك و أنا مقدرش اأذيك أو حتي أبقي السبب في أذيتك .. طول ما أنا في حياتك مش هتستريح ولا تعيش حياة مستقرة .. طلقني و ابعدني عنك و ارجع لحياتك القديمة اللي مكنتش أنا فيها أرجع لراحة البال و سيبني أنا مع مشاكلي هحلها لوحدي من غير ما تدخل نفسك فيها و تتأذي انفجرت براكينه بعدما سمع كلماتها و صاح بها غاضباً : تحلي مشاكلك لوحدك حضرتك متجوزة كيس جوافة أو قرطاس لب مش هيعرف يحللك مشاكلك و يحميكي .. ملكيش راجل ولا مش معتبراني راجل أصلاً.. ضرب مسند السرير مجدداً بيده بغضب قائلا : ما تنطقي قولي اني مش راجل و مش هقدر أحميك
بلعت ريقها بصعوبة قائلة بشفايف ترتجف ارتجافا : أنا متأكدة .. متأكدة مية في المية إنك راجل و سيد الرجالة كمان و تقدر تحميني معنديش ذرة شك في كده بس و انت بتحميني هتأذي نفسك .. صاحت به قائلة : مقدرش أدخلك السجن بإيدي .. مقدرش أسلمك لحبل المشنقة بإيدي لما تموته في إيدك .. ارتعدت فرائصها قائلة : مقدرش .. صدقنى مقدرش
بدأ يستنبط من كلامها من وراء المشكلة .. " تموته فى إيدك " كفيلة
ليعرف أنه ليس سوي ماجد هو من يريد تخريب حياتهما لكن كيف و متي لا يعرف .. أقترب منها و أمسكها من كتفها قائلا : ماجد هددك بأيه ؟ بالكاد استطاع احتواء غضبه فضمها إليه و أسند رأسها على صدره و ربت عليها و هو يقول : قوليلى هددك بأيه متغلطيش زي زمان و تخافي من تهديده و تخبي
تمسكت بثيابه قائلة من بين دموعها : اوعدني انك مش هتعمل حاجة تأذيك و هنفكر بالعقل
تأكد أنه ماجد بالفعل عندما لم تنكر أو تنفي كلماته .. هذا ما أراده لقد استطاع سحبها بالكلام .. أبعدها عنه و أمسكها من كتفها لتصبح بمواجهته قائلاً بحزم كأنه لم يستمع لكلماتها : عملك ايه الحيوان ده ؟
شعرت أنها لم تعد تملك خياراً أخر غير إخباره .. سينفذ ماجد تهديده عاجلاً و ليس أجلاً و هي تعلم جيداً أن أدهم لن يتركها إلا عندما يعلم .. ليس هي فقط العنيدة .. هو عنيد مثلها خاصة عندما يرغب بمعرفة أو عمل شئ .. أخطأت عندما زل لسانها أمامه و ها قد عادت لنقطة الصفر من جديد .. سمعت صوته الحاد و هو يلزمها بإخباره .. بدأ الخوف يتسلسل لقلبها فهو في طريقه للتحول لذلك الرجل القاسي الذي ترتعد من مظهره .. ذلك الرجل الذي يخيفها و يرعبها .. ظنت أنها لن تشاهده على هذه الحالة بعد أخر مرة بيوم زفافهما لكنها كانت مخطئة .. كم تكره تحوله هذا .. أخذت نفساً عميقاً و قالت : أخر يوم امتحاناتي لما خصلت وقفت استني تاكسي .. بدأت تقص عليه إلي أن أخذها ماجد عنوة و أجلسها بسيارته و أخبرها بأمر الفيديو الذي بحوزته .. لم تستطع هي أن تكمل بسبب بكائها و لم يستطع هو أن يستمع أكثر من هذا .. كان يتوقع أي شئ أخر غير أن عرضه و جسد زوجته ينتهكان بعيون ذلك الخسيس .. مايزال لا يصدق أذناه .. لقد كانت محقة عندما قالت أنه سيقتله بين يديه بعدما يعرف .. أحس بدمائه تلتهب لتحرق عروقه .. صك أسنانه و كشر عن أنيابه مزمجراً بها و هو يضرب قبضة يده بالدولاب : ازاي متقوليش حاجة زي ديه .. بقالك أسبوعين مخبية عني إن ابن ال،،،، بيتفرج عليك و بينتهك حرمة جسمك .. خبيتى عليا أسبوعين اسألك فيهم انت كويسة تقولي اه و انت بتكدبي عليا وفضلتي مستمرة في الكدب و يوم ما فكرتي تنطقي تقولي طلقني .. انفجر قائلا : قوليلى عنوان الحيوان ده
قامت و وقفت أمامه و أمسكته من ثيابه قائلة بانفعال ممزوج بالدموع : لا مش هسيبك تروحله .. مش هسيبك تضيع نفسك بسببي و سببه أبعد يدها من عليه و قال بحدة : أنا لو مروحتش و حميت شرفي و عرضي يبقي المفروض ألبس طرحة و أجي أقعد جمبك وأولول زي الحريم .. زمجر بوجها قائلاً و هو يمسكها من ذراعها بقوة حتى أن يداه طبعت علي جسدها من شدة القبضة و لكن خوفها عليه عماها عن تألمها كما أعماه غضبه : أنا هجيبه بمعرفتي وهدفعه تمن كل ده و انت حسابك معايا بعدين .. صمت قليلاً قائلاً : ده لو قدرت أرجع علي هنا أساساً .. ترك يدها و غادر و تركها وراءه و هي تبكي و تنتحب و هي تلعن نفسها أنها أخبرته .. كانت تعلم رد فعله جيداً و مع ذلك هي غبية و أخبرته .. جلست على الأرض و أخذت تدعي ربها أن يحميه و يحفظه حتي لو تركها بعد ذلك
كان يجلس بسيارته ينتظر مكاملة من أسر يخبره بعنوان ذلك المسمى بماجد علي .. أخذ أسر يسأله عن السبب خاصة أن صوته استشعر به الغضب لكنه ماطل معه و أخبره انه لا شأن له بهذا الأمر .. ظلت عيناه تحول بين علبة السجائر التي اشتراها لتوه و بين أرجاء السيارة و الشارع خارجها .. متردداً أيعود لها مجددا حتي ينفث عن غضبه و لو قليلا أم يظل على وعده معها .. مد يده و أخذها ليخرج واحدة فليذهب وعده معها إلي الجحيم كما أذهبت هي وعده و أخلفته .. نقضت عهدهما و خانت وعدهما فما المانع أن يفعل مثلما فعلت .. أشعلها و أخذ ينفث دخانها عالياً لعل أعصابه تهدأ قليلا رغم علمه الجيد انه لن يهدأ حتي يطمئن أن لا أحد يستحل جسد زوجته !
منذ زمن بعيد للغاية لم يفعلها أو يقترب منها رغم أنه كان يري نيفين كثيرا و هي تفرشها أرضا لتؤدي فروضها .. كانت تحثه على الصلاة لكنه لم يصغ بالاً فيكفي أن زوجته تصلي ليثق بها و يأتمنها على بيته و أولاده .. فردها علي الأرض بتجاه القبلة و أخذ نفساً عميقاً ثم كاد أن يصلي لكن قاطعه صوت جرس الباب مصحوباً بدقات عنيفة للغاية .. ذهب بخطوات متثاقلة فمن عساه يكون .. فتح الباب ليجد أدهم بعيونه السوداء التي تحول البياض الذي يحاوطها للأحمر و قضبة يد متكورة بجانبه .. مثله تماما عندما كان يقف أمام بيت أهل خطيب أخته !
✾ الفصل الأخير - الجزء 6
منذ خروجه و هي لم تكف عن البكاء المصحوب بالدعاء .. مرت ساعة ، ساعتين ، ثلاث ساعات و هي مازالت على حالها .. الشيء الوحيد الذي يختلف هو قلقها و خوفها الذي ما انفك يزداد و يزداد كلما مر وقت و هي لا تعلم عنه أي شيء .. تلبسها شبح النعاس و هي جالسة من كثرة بكائها كما أن الوقت تأخر للغاية و موعد نومها قد فات منذ زمن بعيد .. أخذت تقاوم النوم لكنها استسلمت له نهاية و غفت و هي تسند رأسها على المقعد الكامن بحديقة المنزل .. فتحت عينيها و انتفضت من مكانها عندما أخترق صوت سيارته أذنها .. اتجهت بخطواتها العرجاء بتجاه الجراج الذي يركن به سيارته لتجده انتهي بالفعل من ركن السيارة و ينزل منها .. اتجهت ناحيته بلهفة بعيونها الزائغتين و هي تحاول فحص تقاسيم وجهه قسم قسم تحت ضوء القمر المنير لتستنجد ما حدث .. اطمئن قلبها عندما لم تجد بوجهه الوسيم أثار لأي خدش و لكن اضطربت دقاته مجدداً عندما لاحظت بعض بقع الدماء متناثرة بشكل واضح بقميصه الرجالي ذو اللون السماوي .. تلمست بكف يدها المرتعش موضع إحدي البقع الكامنة على صدره و هي تقول بلهفة : أنت كويس ! .. أردفت قائلة بقلق يخرج بشكل واضح من مقلتيها و حروف كلماتها المرتجفة التي تحاول نفي ما تقوله : انت مموتهوش صح .. قولي أنك مموتهوش و ضيعت نفسك .. نزلت دموعها قائلة : قولي إنك هتفضل بخير
لم تلق منه أي رد فعل سوي أنه أزاح يدها جانباً و رمقها بنظرة غاضبة حادة ليتركها بعدها و يأخذ طريقه للداخل .. ظلت واقفة متسمرة بمكانها بعدما ألجمتها نظرته التي فطرت قلبها و ارتعدت علي أثرها نفسها لكنها سرعان ما أفاقت و كادت أن تتبعه للداخل لكنها وجدته يعود أدراجه بتجاهها .. ظنت أنه عائد لها لكنه خيب ظنها عندما تخطاها و عاد لسيارته .. ظلت عيونها متذبذبة النظرات تراقب تحركاته لتجده يأخذ هاتفه من علي تابلوه السيارة بالإضافة إلي تلك العلبة التي تشمئز و تختنق لمجرد رؤيتها و ولاعة ليشعلها .. اتسعت حدقة عينيها على الفور و هي ترشقه بنظرات معاتبة غاضبة باللحظة نفسها .. هل عاد لشرب تلك اللفافات التي ستدهور صحته و تدمرها .. هل يود أن يرسل لها رسالة غير مباشرة عن طريق رجوعه للسجائر بأنه خان وعده معها كما فعلت هي تماماً !
تخطاها مجدداً متجاهلاً إياها تماماً و سلك طريقه للداخل كأنها شفافة كالهواء الذي يحاوطه .. مسحت دموعها الحديثة التي سالت على وجنتيها المحمرتين كالأطفال من البكاء ثم أسرعت وراءه للداخل .. دخلت لتجده جالساً على السرير و هو يمسك سيجارة مشتعلة بيده يتصاعد دخانها عالياً .. كاد أن يرفعها لفمه لكنها أمسكت بها بقبضة يدها قبل أن تصل رغم نيرانها المشتعلة التي تحرق راحتها و تؤلمها بشدة حتي النخاع .. جلست على ركبتها أمامه و دموعها تنزل من مقلتيها التي تنظر له بتحد ممزوج بالألم الشديد .. تركها من يده سريعاً و فك أناملها التي تحتضن السيجارة بكلتا يديه و أبعدها بعيداً عن راحتها ليجد أثار حديثة لحرق أصاب جلد يدها الرقيق .. قابل عيونه الغاضبة الجامدة بعيونها التى تتألم ثم ترك يدها و قام خارجاً من الغرفة .
سمع صوتها و هي تقول بصوت متحشرج لاحظ به شيئاً من التحدي : كل أما تولع واحدة هطفهالك بإيدي
لم يظهر أي رد فعل عكس ما تطمره نفسه المشتعلة بحمم من بركان ثائر بداخله أكمل طريقه للخارج ليتركها تنتحب من بعد رحيله و هي تنظر لباطن يدها المحترق فقد رأت نظرة خوفه عليها عندما كان يبعد السيجارة عن يدها لكنها سرعان ما تحولت لنظرة غاضبة .. هل هو غاضب منها لتلك الدرجة التي تجعله يراها تتوجع دون أن يجلس بجانبها ليخفف أوجاعها و يعالج جروحها !
انتصبت على قدميها و عزمت على الذهاب وراءه أينما ذهب فلو تركها هو لن تتركه هي .. أخذت تبحث عنه بجميع الغرف لتجده أخيراً بأحد الغرف متسطحاً على السرير مضجعاً علي ظهره و هو يضع يده تحت رأسه بعدما تخلص من قميصه المتسخ و وضعه علي أحد الكراسي بجانب الغرفة بشكل عشوائي .. ظلت تنظر له لبعض الوقت و هي تتساءل ماذا حدث .. تتساءل ماذا يجول بخلده .. اقتربت منه و تسطحت بجانبه علي السرير بجسدها لتمد يدها الغير مصابة بحرق نحو يده التي يسند عليها رأسه .. بدأت بسحبها لكنها وجدت مقاومة قوية منه .. اعتدلت بجلستها و سحبتها بإصرار منها و مقاومة منه إلي أن استطاعت إبعادها عن رأسه لتفردها بجانبه .. تسطحت بجانبه مجدداً و هي تسند رأسها علي ذراعه الممدد لتوجه بعدها نظرها له و تناديه باسمه ..سحب ذراعه من تحت رأسها بحنق بعدما رمقها بنظرة حادة بجانب عينه ليعطيها بعدها ظهره فيصبح نظره للحائط الذي أمامه .. اعتدلت بجلستها و هزته من كتفه قائلة برجاء : أدهم متستخدمش أسلوبك البارد ده معايا .. زعقلي عاتبني عاقبني بأي حاجة غير إنك تتجاهلني و تفضل ساكت كده .. توقفت عن هزه من كتفه عندما وجدته مازال صامتاً غير عابئ بها أو بكلامها ، قامت من جلستها و تعدته لتتسطح بجانبه من الجهة الأخري لتصبح مقابله بعدما أدخلت نفسها حشراً بالمنطقة الضيقة بين الحائط و بين جسده العريض .. استطاعت أن تجمع شتات نفسها نسبياً لتقول بعدها : أدهم أنا عارفة إن عندك حق تتضايق مني بس و الله أنا ... قاطعها صوته الصارم قائلاً و انفاسه الحارة تلهب وجهها المقابل لوجهه : مش عايز أسمع حاجة .. أستكمل كلماته قائلا : الزفت اللي اسمه ماجد مش هيضايقك أو يتعرضلك تاني .. عندما تخللت كلماته أذنها أراحتها بشدة و بثت السكون بوجدانها منذ زمن بعيد لكنها سرعان ما فزعت و ذهلت من ما أردفه بعدها " فلما أطلقك مش هتلاقي مشاكل تتعبي في حلها .. يومين بالكتير امهد فيهم لماما الموضوع و أدور علي أي حجة و طلبك يتنفذ ".. انتفضت أواصلها حتي أنه شعر بانتفاضة جسدها .. أحست أنها تختنق من كلماته تلك .. هل سيطلقها حقاً ؟ هل رأي الفيديو لذلك سيطلقها و يتركها لأنه لن يتحمل أن يعيش معها حياة طبيعية كما قال ماجد ؟ هل قال ماجد له أي شيء يدينها و يحقر منها في عين أدهم ؟ هو لا يستطيع التخلي عنها فربما يريد أن يطلقها لأنه قتل ماجد و بذلك وجودها على ذمته سيعلم منه الجميع السبب لقتله لماجد بعدما تتجمع الخيوط مع بعضها ؟ .. أخذت تربط نتائج أخري بغير أسبابها أو ربما تكون بأسبابها .. هي حقاً لا تعلم لما يريد التخلي عنها بل قتلها و سلبها حياتها و تجريدها روحها و هي علي قيد عشقه !
ابتعد أدهم بجسده و أفسح لها الطريق قائلاً بنفس صرامته و نظراته الجامدة : يلا أخرجي بره و اقفلي الباب وراكي عشان عايز أنام
قامت و هي مازالت مغيبة مذهولة بقوله أنه سيطلقها .. لم تستطع أن تنطق بحرف واحد معه أخذت طريقها للخارج و اتجهت لغرفتهما .. تسطحت علي السرير و ضمت يديها إلي بطنها و جسدها الضعيف يرتعش كأنها بأحدي الليالي ذات البرودة القارسة بأحدي الأماكن النائية بثياب بالية مقطعة ينهش الهواء جسدها دون رحمة أو رفق بحالها .. بدأت بالنحيب و هي تشتكي أدهم لطفلها الكامن بداخلها و تدعي ربها ألا يفرقهما ابداً !
بعدما خرجت من الغرفة تنهد تنهيدة عميقة غاضبة ثم تسطح على السرير مجدداً لعله يريح عضلات جسده المرهق .. ارجع رأسه للوراء و هو يتذكر ما حدث بالتفصيل الممل .. عندما رأه ماجد أمامه لم يستطع أخذ أي رد فعل لا بالإبتعاد ولا بالإقتراب أو حتي بالتحدث و لو بكلمة واحدة فلم يترك له أدهم الفرصة لذلك .. اندفع أدهم نحوه بسرعة جنونية دون سابق إنذار ما إن وقعت عيناه الحاقدة عليه .. لكمه لكمة قوية بقبضة يده المتكورة الحديدية كادت أن تطيح بأسنانه ليسقط أرضاً بجانب الباب تسيل الدماء من جانب فمه من شدة الضربة .. كانت أعين أدهم الغاضبة تتوعد له و هي كلها إصرار على الفتك به و مضغه كعلكة بالية تحت أسنان فكيه القويين .. لا يتخيل حتي الأن أن هذا الوغد يمتلك الجرأة الكافية ليشاهد جسد زوجته و يخترق تفاصيلها .. تندلع النار بقلبه بل بجسده بأكمله ليصبح ككتلة نار ملتهبة تتحرك بمجرد أن يظهر جزء بسيط سواء من يدها أو قدمها أو حتي تسلل خصلة متمردة خارج حجابها أمام أحد .. يحتنق وجهه غضباً و حنقاً فما بالك بما يفعله هو .. لا يكفيه سلب عمره ليكفر عن خطيئته و يعلم أنه عبث مع زوجة الشخص الخطأ .. شخص حامي الدماء سريعاً ما يتأجج غضبه لو أقترب أحد الكلاب من زوجته و مسها بسوء .. شخص لا يتحمل أن يرمق أحدهم زوجته حتي لو كانت نظرة عابرة غير مقصودة لأحد طرفت عينيه أو تجولت عيناه بالأرجاء دون قصد منه .. انقض عليه و أخذ يكيل له الضربات القاسية الموجعة واحدة تلو الأخري علي غير هدي .. ضربات سريعة كطلقات الرصاص المتتالية ممزوجة بشتائم فجة لن يرغب أي أحد بكل تأكيد أن يتلقاها .. فقد أخذ أدهم يقذفه بأسوأ و أقذر ألفاظ السباب التي لم يكن يتوقع نفسه يقولها في يوم من الأيام أو حتي معرفته بها ! لم يكن يعرف حقاً أنه يعلم بتلك المجموعة الهائلة من الشتائم التي أخذ يبصقها بوجه ماجد ... تحول من رجل أعمال وقور عاقل إلي فتوة في إحدي الحارات يلقي السباب و يسدد الضربات ببراعة كأن الأمر اعتيادي بالنسبة له .. يستطيع تحمل أي شئ ألا إذا خصها هي .. عندها هي و كفي .. عند مسها بأي سوء سيخرج الوحش الكامن بداخله ليدمر و يبيد أي أحد في طريقه يفكر بأذيتها دون تفكير .. لن يخرج من تحت يده سليماً .. يا قاتل يا مقتول !
كان رد فعل أدهم عادياً لأي رجل قد تتعرض زوجته لما تعرضت له تالا لكن الغريب كان رد فعل ماجد الذي كان ساكناً لا يقاوم أي ضربة يتلقاها .. لا يعلم حقاً لماذا لم يكن يقاوم أو يرد له الضربات ربما لأنه يعلم جيداً أنه مهما قاوم لن يسلم أبداً من هذه البنية الضخمة القوية بل متيقن أنه بالتأكيد لن يسلم فقد خاض معه معركة من قبل و كان هو الطرف المهزوم الخاسر .. أم لأنه شعر بشعور أدهم .. شعر بأن الحق معه و أكثر .. شعر بكيفية شعور المرء و كسرته عندما يؤذ أحد من عائلته خاصة لو كانت من نسائها بمسألة تخص العرض و الشرف .. أو ربما ما بداخله أقوي بكثير و يؤلمه أكثر من ضربات أدهم المتتالية التي جعلته يشلب دماً من كل جانب .. ربما كلهم إجابة عن نفس السؤال .. هو لن يقاوم لكنه على الأقل يجب أن يخبره بأنه نادم .. يجب أن يخبره بوعده لله قبل دقائق قليلة من وصوله .. يجب أن يخبره أنه سيبتعد عن طريقه و طريق تالا و لن يحلل لنفسه أن يراها هكذا مجدداً حتى أنه لن يكون هناك مجالاً للرجعة فلم يعد هناك وجود لتلك التسجيلات .. لقد محاها كلها .. محي كل النسخ التي يمتلكها ابتغاء رضا الله عنه و مسامحته .. لقد فاق و لكنه أفاق متأخراً .. أفاق متأخراً للغاية !
حاول أن يفدي وجهه فقط الذي لم يعد فيه زاوية سليمة حتي يستطيع التحدث لكنه رغم ذلك كان أدهم مازال يوجه له الضربات .. لاحظ أن أدهم يجذب من عليه و بعض جيرانه يحاولون إبعاده عنه و فك هذا الشجار الذي صدي صوته في الأرجاء و بالتأكيد قبل أي شئ طلب الإسعاف فحالته أصبحت يرثي لها حقاً حتي أنهم يجب أن يطلبوا عربية لنقله للمقابر مباشرة .. ما زاد الأمر غرابة أن ماجد نهرهم بضعف و أمرهم ألا يتدخل أحد بشؤنه الخاصة و أن يتركوهما بمفردهما .. انصاع جيرانه له و هم يلعنون أنفسهم أنهم نجدوه و تدخلوا .. ترك الرجلين الذين كانا يمسكان بأدهم أدهم و خرجا ليقترب أدهم من ماجد مجدداً و يجذبه من ملابسه الملطخة بالدماء قائلاً بحدة : فين الفيديو ؟ هزه بعنف قائلاً : انطق قول فين الزفت بدل ما أكمل على اللي خلفوا أهلك .. أخذ ماجد يخبره بأنه نادم و أن كل الحق معه فهو متفهم موقفه لمروره بمثله .. قص عليه أنه تخلص من التسجيلات و كان ينوي الاعتذار له و لتالا عن ما ارتكبه في حقهما في الماضي و الحاضر .. قبض أدهم يديه و سدد لماجد بعض اللكمات ليشفي غليله ثم دفعه ليتسطح على الأرض مجدداً مضرجاً بدماءه و توجعاته النفسية و الجسدية .. قام و أخذ يجوب الشقة و هو يبحث عن هاتف ذلك الوغد و الكاميرا التي أخبرته بها تالا .. وجد الهاتف و الكاميرا بسهولة فقد كانا على أحد الطاولات بالمنزل .. بدأ بالهاتف ففكه لقطع و ألقاها بالأرجاء ثم ألقاه على الأرض لتتهشم شاشته .. لم يكتف بعد أن أخذ يدوس عليه بقدميه إلي أن تأكد أن الهاتف تدمر نهائياً .. أمسك الكاميرا و كاد أن يلقيها لكنه فتحها ليري هل كان يكذب عليه أم ماذا .. لم يجد بالفعل أي فيديو على الكاميرا .. كاد أن يلقيها أرضاً هي الأخري لكنه فتح الصور ليجد صوراً كثيرة لها معه .. تصاعدت الدماء المغلية إلي رأسه فأخذ الكاميرا و اتجه بها إلي ماجد .. أمسكه من تلابيب ثيابه قائلا بحدة و الشرر يتطاير من عيونه : هو ده اللى ندمان هو ده اللى مسحت كل حاجة و هعتذرلها و أعتذرلك .. لكمه بوجهه الذي كان يشلب دماً بالكاميرا ثم أمسكها و مسح جميع الصور و الغيرة تنهش قلبه و تمزقه .. ألقي الكاميرا على الأرض ثم جز على أسنانه قائلاً : عارف لو لمحت طيفك معدي جمب مراتي أو شميت خبر إنك كلمتها أو اتعرضتلها أو حتي محتفظ بصورة ليك بتجمعك بيها سواء ورقية أو على أي هباب مش هيكفيني فيك عمرك و لا عمر اللى خلفوك كلهم .. أردف قائلاً و عروقه نافرة برقبته : المرة الأولى الضربة كانت خفيفة و المرادي احتمال كبير تقعد في المستشفي أربع خمس ست شهور تتعالج فيهم .. زمجر به مهدداً : أنا هسيبك عشان أنت متستهلش إني أضيع نفسى و أعيش مراتي أرملة و أقهر قلب أمي و أختي عليا لكن أقسم بالله لتكون التالتة تابتة و ساعتها بقي هتكون نهايتك على إيدي "
أخرجه من تذكره دقاتها على باب الغرفة و من ثم دخولها قائلة و هي منكسة رأسها ارضاً : أدهم الفجر بيدن قوم يلا عشان تصلي
اعتدل بجلسته قائلاً بجفاء : ماشي روحي أنت
فهمت من كلماته و اقتضابه في الحديث أنه لن يكون إماماً لها في الصلاة هذه الليلة و هي لن تضغط عليه ستتركه على راحته حتي يهدأ و لو قليلاً .. ظلت تنظر له لبعض الوقت بعتاب ثم قالت بتبرم : على فكرة أنا مش عايزة أتطلق و مش هتطلق .. خرجت بسرعة من الغرفة تماما ًكما نطقت كلماتها !
كانت جالسة علي الكرسي بجانبه تقرأ القران و تدعي الله أن يستر ابنتها و يشفي ابنها و ابنة ابنها .. أحست به يفتح عينيه بتثاقل شديد للغاية فأغلقت المصحف و وضعته بجانبها ثم قامت و اتجهت نحوه بسرعة و قالت بلهفة : ماجد يا حبيبي
لم يستطع التكلم فجسده بأكمله يؤلمه .. نظر بطرف عينيه إلي جسده لأنه لم يكن يستطيع أن يحرك رأسه بشكل طبيعي بسبب ذلك الشيء الذي يلتف حول رقبته لتظل على وضع معين .. لم يتثنى له رؤية جسده بأكمله لكنه يشعر بأن الجبس يحتل معظمه .. يبدو أن أدهم محق و أنه سيأخذ فترة كبيرة للغاية ليشفي من كسراته .. يعلم جيداً أنه سيأتي وقت و تلحم به كسرات جسده و لكن سؤاله الذي يراوده و يقلقه هل سيأتي وقت و تلتحم به الكسرة التي سببتها له أخته ؟ .. كسرة قلبه و نفسه عليها .. باغته سؤال أمه و هي تقول بتساؤل : مين اللي عمل فيك كده يا حبيبي ؟ مرة إيدك تتكسر و المرة التانية تدغدغ بالشكل ده
أغلق عينيه بألم و ظل صامتاً لبعض الوقت يسترجع ما حدث بالتفصيل .. لا يمكنه أن يخبرها بالحقيقة فسيدخل بسين و جيم لا نهاية لهما معها كما أن الحقيقة سيكون وقعها صعباً للغاية عليها .. قال بعدما فتح عينيه ليتطلع بالسقف : حرامي كان فاكر إن مفيش حد في البيت بس لما دخل لقاني فضربي و أنا مقدرتش عليه .. أردف سريعاً حتي لا يفكر عقلها بكلماته فتتبين صدقها من عدمه : توتة و مروة عاملين ايه ؟
تنهدت تنهيدة عميقة و قالت بعدما سالت دموعها : توتة بقت كويسة الحمد لله متقلقش عليها نيفين بتخلي بالها منها .. أجهشت في البكاء قائلة : بس أدعي لأختك
قاطعها ماجد قائلا باقتضاب : أخبارها ايه دلوقتى ؟
ردت من بين دموعها قائلة بصعوبة : أجهضت الجنين و في غيبوبة دلوقتى رافضة أنها تصحي منها .. أردفت قائلة بنحيب : هنعمل ايه في المصيبة ديه ؟ أختك حطت راسنا في الأرض و هنتفضح قدام الناس
تنهد بعمق و قال بتوعد و نظره موجهاً للسقف فهذا هو أريح وضع لوضعه الحرج : فاكر أنه لما يسافر هيفلت مني بس و ديني ما هسيبه حتي لو راح المريخ
أمسكت أمه رأسها بألم قائلة بنحيب : يالهوي سافر .. أردفت قائلة بدعاء : يا رب صبرنى و أصلح حال عيالي و أسترنا من الفضيحة
انتهت صلاة العصر بعد كثير من الحمد و الدعاء أثناءها و ظلت جالسة بمكانها تحفظ بعض آيات الله التي تريحها و تبث السكينة بروحها و نفسها الحزينة .. قطع حفظها صوت هاتفها الذي ملأ المكان .. دق قلبها بعنف فقد أصبحت تكره أن يرن هذا الهاتف المزعج لكنها سرعان ما أسرعت بتجاهه خشية أن يكون أدهم هو المتصل و تتأخر في الرد عليه فقد غادر صباحاً بصمت دون حتي أن يخبرها إلي أين هو ذاهب أو حتي متي سيعود و اكتشفت هي ذلك بالصدفة بعدما حضرت له الإفطار و ذهبت لتناديه بتلك الغرفة التي قضي ليلته بها لتقضي ليلتها وحيدة .. وجدت أن المتصل ما هو إﻻ منال .. فتحت الخط و أجابت ليأتيها صوت منال و هي تطمئن عليها و علي أدهم .. بعد قليل من الكلام و السلام قالت منال : تالا يا حبيبتي سارة خلاص اتفقت على التورتة و خلال ساعة أو ساعتين هتلاقيها عندك بإذن الله
ظلت تالا صامتة لبعض الوقت و هي لا تفهم عن أي شئ تتحدث منال .. أتاها صوت منال و هي تقول بتساؤل : تالا أنتِ معايا ؟
أجابت تالا عليها قائلة : أيوه مع حضرتك بس مش فاهمة حضرتك بتتكلمي على ايه ؟ و تورتة ايه ديه اللى سارة اتفقت عليها ؟
تنهدت منال بنافذ صبر قائلة : تالا أنت لحقتي تنسي و تنسي حاجة مهمة زي ديه ؟ .. أردفت قائلة : مش قولتلك امبارح إن عيد ميلاد أدهم انهارده و إني كنت ناوية أروح لسارة انهارده بس روحت أمبارح و قولت اقعد عندها يومين تلاتة كده
لا تتذكر أي كلمة مما تقولها منال .. هل اليوم عيد مولد أدهم ؟ تتذكر أن منال تحدثت معها البارحة قبل ذهابها لكن عقلها لم يكن مع حديثها فقد كانت رسالة ماجد لها وقع صعب عليها مما جعلها صماء غير قادرة على الإنصات لأي شئ من حولها منفصلة عن العالم تفكر بما سيحدث .. تتذكر أنها كانت تجيب على كل قول تقوله منال بإيماءة صغيرة دليل على تركيزها العالي الذي لم يكن له وجود من الأساس .. ضربت رأسها بغباء فبالفعل اليوم هو عيد مولده .. كيف لها أن تنسي .. أتت برأسها فكرة رائعة لتتصالح معه و تجعله يكف عن بروده و صمته معها .. عدة سويعات فقد عاملها فيهم بطريقة جافة قاسية و هي لم تتحمل و لن تتحمل المزيد .. أنهت الحوار مع منال بعدما تأسفت لها عن شرودها الذي أصابها .. أغلقت بعدها معها الخط بعد أن عرضت عليها أن تجلب سارة و تأتي ليحتفلوا بعيد مولده معاً و هي بقرارة نفسها تتمني العكس .. و ما تمنته حدث بالفعل فقد أخبرتها منال أن يقضيا أول عيد مولد لأدهم بمفردهما كزوجين متحابين دون أن يتطفل عليهم أي أحد حتي لو كانت هي .. انتصبت على قدميها و هي عازمة على مصالحة أدهم الليلة .. مدام انتهي أمر ماجد و لن يضايقها مجدداً كما يقول أدهم فلن يكون لفراقهما وجود .. لن تسمح له أن يطلقها .. نعم هي من أخبرته بأنها تريد الطلاق و الإبتعاد عنه كما نقضت وعدهما لكن هذا فقط كان من أجل سلامته .. يجب أن يعلم هذا كما يجب أن يعلم بوجود طفلهما .. سيصالحها و يبقيها على ذمته سواء شاء أم أبى .. لو اضطرت أن تفرض نفسها عليه حتي يعود كما كان مسبقاً ستفعل بكل تأكيد .
مرت الساعات و هي واقفة علي قدميها رغم تعبها تحضر طعام الغداء و تجهز غرفتهما و تجملها لتجعل تلك الليلة ليلة فريدة غير أي ليلة سبقتها لهما معاً .. استلمت التورتة و انتهت من تجهيز كل شئ و لم يتبق غير تجهيز نفسها ليأتي و يجدها بأبهي صورها .. فتحت دولابها و هي متحيرة ماذا ترتدي .. هناك الكثير من الملابس الفاتنة التي تظهر انوثتها و لم ترتديها أمامه بعد لكنها تريد شيئاً مميزاً .. شيئاً مميزاً للغاية .. لم تطل البحث بين ثيابها فقد قررت أن ترتدي ذلك الفستان الأحمر المثير الذي جلبه لها من الخارج .. دخلت الحمام و أخذت حماماً منعشاً أخذ منها أكثر من ساعة .. خرجت بعدها و ارتدت الفستان و جلست بعد ذلك أمام المرأة تضع لمساتها السحرية الأخيرة لتنتظر الأميرة أميرها الغاضب لتسترضيه و ترجع الخيوط بينهما كما كانت .. أخذت تنظر لنفسها بالمرأة لتجد نفسها فاتنة الجمال فقد استطاعت بجدارتها السابقة بعالم الميكياج أن تخفي وجهها المرهق و هالات عينيها السوداء ينقصها فقط أن تشاهد نفسها بعينه حتي تتأكد إذا كانت حقاً فاتنة الجمال أم أن مرأتها خادعة كاذبة .. خرجت من غرفتهما و ظلت منتظراه بقرب الباب .. تذكرت فجأة أنها لم تجلب له هدية بعيد مولده .. ماذا ستهديه ؟؟ .. ارتسمت ابتسامة واسعة على ثغرها بعدما وضعت يدها على أحشائها فليس هناك هدية أفضل من إخباره بأنه سيصبح أب خلال شهور و ربما هذا الأمر سيكون شفيعاً لها عنده عندما يعلم بحملها .. بقت تنتظره و هي تشعر بالضجر لتأخره .. أحضرت هاتفها و اتصلت به لكنها لم تلق أي رد .. أعادت الإتصال لمرات عديدة إلي أن وجدته يغلق عليها .. وضعت الهاتف جانباً بيأس شديد فيبدو أنه لن يرد عليها و أنه ما يزال غاضباً منها .. بقيت جالسة قرب الباب تنتظر حضوره .. ما أصعب الإنتظار و ما أمله .. انتظرت و انتظرت و أخيراً و بعد طول انتظار سمعت صوت المفاتيح تدار بالباب .. فتح الباب و دخل منه أدهم ليتفاجأ بها واقفة أمامه بمظهرها البديع و ابتسامها العذبة التي شابها التوتر .. وقف متصلباً متوتاً بمكانه و نبضات قلبه تزداد مع تصبب جسده بحبات العرق .. مرر عيونه عليها متفحصاً لها مخترقاً تفاصيلها التي لم يبذل أي مجهود لإختراقها كأنه يبحث بين طياتها عن قنبلة خطيرة ستنفجر في الحال .. أدرك بعد وقت قصير أن القنبلة لم تكن سواها .. أليس هذا الفستان الذي جلبه لها و أراد أن ترتديه له .. تماماً كما تخيلها به بل أروع .. أروع و أفتن .. لم يجملها الفستان بل هي من جملته و أضافت له الكثير .. ماذا تحاول تلك الغبية أن تفعل ؟ .. هل تحاول فتنته ليسامحها و يلين معها .. لما تستخدم نقطة ضعفه ؟ .. كم هي خبيثة و تختبئ وراء هذا القناع الملائكي البريء .. تعلم جيداً أنها نقطة ضعفه ، تعلم أنه لن يقدر على ردعها و مقاومة أنوثتها التي تبعثره و تجعله يضعف أمامها .. لو وضع وسط مئات النساء الجميلات الفاتنات اللاتى يعرضن أنفسهن عليه لن تهتز فيه شعره واحدة و عن تجربة فطيلة السنوات الماضية التي قضاها بالخارج عرضت عليه الكثير من النساء المثيرات الفاتنات التي لن يستطع أن يرفضها أي رجل أنفسهن و أولهم سكرتيرته لكنه لم يكن يهتم و كان يرفضهن بطرق مختلفة إما ينهرهن أو يرفضهن بطريقة حازمة حانقة ابتغاءً لمرضاه الله تعالي فمن ترك شهواته لله، وقدم رضا مولاه على هواه نال الرضا، وتحقق له ما تمناه عملا بقول رسول الله صلي الله عليه و سلم : " قال ربُّكم - عز وجل -: عبدِي تركَ شهوتَه وطعامَه وشرابَه ابتِغاءَ مرضاتي، والصومُ لي وأنا أجزِي به " .. مجرد وجودها يزلزله .. يزلزله تماماً و يصعب عليه السيطرة علي نفسه خاصة أنها زوجته حلاله .. اقتربت منه بدلال رغم توترها و خوفها الشديد أن يصدها و يلفظها كما فعل بالأمس .. ظلت على ابتسامتها لبعض الوقت ثم اقتربت منه و طبعت قبلة متوترة رقيقة أشعلت وجنته قائلة : حمد لله على سلامتك .. اتأخرت ليه ؟
لم تلق منه رداً فوقفت وراءه و وضعت يدها على كتفه برقة لتنزع السترة التي يرتديها لكنه أبعد يدها عن كتفه و أخذ طريقه للداخل .. قادته قدماه إلي غرفتهما ليجدها مرتبة بشكل منسق ملفت للنظر فالشموع كانت مرتبة بشكل لا نظير له منتظرة أن يأتي أحد و يشعلها .. تنهد تنهيدة عميقة و اتجه للدولاب و فتحه ليخرج له بعض الثياب حتي يذهب للغرفة الأخري قبل أن يضعف أمامها .. شعر بيدها و هي تحاوطه من الخلف و بعدها شعر بحمل رأسها التي أرستها على ظهره .. سمعها تغمغم بصوت مسموع قائلة بأسف : أدهم أنا مكنتش عايزة أخبي أو أكدب عليك بس كنت مضطرة .. كنت خايـ..
قاطعها و هو يبعد يدها عن خصره و يبعدها عنه تماماً .. أعطاها ظهره مجدداً و صاح بحدة : أي حاجة هتقوليها عشان أسامحـ.. قاطعه صوت ارتطام قوي بالأرض فهو لم يكن على علم بأنها تمسكت بخصره و أسندت رأسها على ظهره لأنها كانت تشعر بالدوار .. التفت في سرعة بعدما هوي قلبه أرضاً ليجدها متسطحة على الأرض مغمضة العينين فاقدة وعيها .. جثا على الأرض بجانبها و صفعها عدة صفعات لينة علي وجنتها الناعمة لتفيق لكنها لم تستجيب له .. حملها و وضعها على السرير برفق و هو قلق عليها .. هل أثقل عليها لهذه الدرجة أم ماذا ؟ .. تذكر أمراً هاماً ربما هو السبب الرئيسي لفقدانها الوعي .. أخرج هاتفه و اتصل بالطبيب رغم أنه يمكنه أن يفيقها بشتي الطرق بنفسه لكنه يرغب بوجود الطبيب لشئ برأسه لا يعرفه الا الله و هو .. بعدما أنهي اتصاله مع الطبيب الذي أخبره أنه سيأتي سريعاً دون إبطاء نظر لهيئتها بضيق و تنهد بغضب فكيف سيراها الطبيب بهذه " المسخرة " التي ترتديها و تضعها على وجهها .. يراها هو و يتلذذ برؤيتها لكن لا يراها غيره .. يكفي هذا الوغد الذي لا يطيق حتى أن تأتي سيرته بذاكرته كان يراها .. بدل لها ثيابها سريعاً بثياب أخري محتشمة حتي أن كم الملابس التي ترتديها كان يصل لأول أناملها .. لقد تصرف و حل " مسخرة " و تبقي له أخري يجب أن يجد حلاً لها .. هل يحملها و يضعها تحت المغطس حتي يزيل تلك الأشياء التي تضعها على وجهها التي لا يعرف لها أسم .. تذكر أنه كان يراها في احدي المرات تمسح تلك الألوان بمناديل تشبه المناديل المبللة .. قام و ذهب بتجاه التسريحة سريعاً و أخذ يبحث بين أدراجها إلي أن وجد مبتغاه أخيراً .. بدأ بمسح وجهها بخفة و حنو بعدما اقترب منها و جلس بجانبها مرة أخري .. سمع صوت جرس الباب ينبهه بحضور الطبيب فأنهي سريعاً مسح وجهها ثم حملها و وضعها بغرفة أخري فلو دخل الطبيب و وجد الغرفة مرتبة بهذا الشكل بشموعها تلك بالتأكيد سيحسدهما و هما بهما ما يكفيهما .. فتح للطبيب و رحب به و هو يقوده للغرفة التي سطحها به .. اقترب الطبيب منها و بدأ بفحصها و أدهم يقف بمكانه قلقاً أن يكون الأمر أخطر مما يظن هو .. رغم غضبه الجارف منها لا يطاوعه قلبه أن يكف عن قلقه و توتره عندما يصيبها مكروه .. أفاقها الطبيب بطريقته الخاصة ثم بدأ بكتابة بعض الأدوية و هو يقول بابتسامة : متقلقش يا أستاذ أدهم الموضوع بسيط ..كل الحكاية إن المدام حامل و شكلها أجهدت نفسها فده سبب لها إغماء خصوصاً إنها في شهور حملها الأولي
تهللت أساريرها لما قاله الطبيب ليس لخبر حملها فهي تعلم مسبقاً بل لأن الخبر وصل لأدهم و بالتأكيد سيقفز فرحا الأن و يضمها لصدره بعدما يلغي فكرة الطلاق و يغفر لها خيانتها لوعدهما ليعود أدهم الشخص الطيب المحب و ليس ذلك المتحول الجامد الذي يخيفها .. شيء جيد أنه علم من الطبيب و ليس منها حتي يظهر الوضع بأنها تفاجأت بالخبر ..حاولت فتح عينيها على أخرهما و سلطتها على أدهم حتي تسجل رد فعله بحذافيره بعقلها ..لم تر أي شيء مما توقعت هي أن تراه .. كان صامتاً لا يظهر على وجهه أي علامات سواء حزن أو فرح .. ربما لا مبالاة ! .. لا فحتي اللامبالاة لم يكن لها وجود .. قابلت عيناه الحادتين عينيها فجأة لتسمعه يقول بعدها : ما احنا عارفين يا دكتور بس هي بتحب تجهد نفسها على الفاضي
أنزلت عينيها على الفور حتي تتهرب من عينيه التي تقذبها بتهامات لا تتحملها و هي مصدومة مرتبكة من رد فعله .. ماذا يقصد بــ " احنا عارفين " !! هل كان يعلم بخبر حملها ؟ .. لم تتبين ما قاله الطبيب أو ما رد به أدهم .. كل ما تبنيته أن الطبيب و أدهم غادرا الغرفة بعد حديث قصير بينهما .. كانت تشعر أن الزمن توقف بها هي فقط و يسير من حولها بشكل عادي .. لم تفهم حتي الأن ماذا يعني بكلماته .. مرت دقائق و وجدته يدخل الغرفة و هو يحمل صنية بيها الطعام التي طهته .. وضعها بجانبها على الكمودينو قائلا بجفاء : كلي عشان تخدي الدواء
كاد أن يغادر لكنها أوقفته قائلة : عرفت ازاي ؟
تذكر على الفور عبارة ماجد التي ضربته كالكرباج و جعلته يتسمر في مكانه قبل أن يتركه و يغادر " أدهم اتأسف لتالا بالنيابة عني و قولها تسامحني خليها تسامحني و تبطل دعا عليا .. قولها إني ندمت و هسيبها في حالها تربي ابنها اللي جاي معاك ".. ابتسم لها بسخرية ثم قال : قصدك يعني على موضوع حملك ؟ أردف بسخرية أكثر : عرفت صدفة زيي زي أي حد غريب .. عادي يعني .. تحولت ملامحه و نبرته من السخرية للحدة قائلا : و من مين من الغريب .. الغريب عارف و اللى المفروض جوز الهانم مش عارف .. قوليلي أنا لزمتي ايه في حياتك .. أقل حقوقي إني أعرف إن مراتي حامل أنت حرمتيني منه و خبيتي عليا
بلعت ريقها بصعوبة قائلة برجاء : أدهم أنت كل حاجة في حياتي و الله أنا كنت هقولك قبل ما يغمي عليا كنت هقولك
صاح بها قائلا بسخرة : كنت هتقوليلى قبل ما يغمي عليكي ؟ هو حضرتك لسة عارفة إنك حامل قبل ما يغمي عليكي .. صاح بها قائلا بانفعال غاضب : تقدري تقوليلى بقالك قد ايه عارفة و مخبية عليا أكني صفر على الشمال في حياتك اللى على مزاجك تقولهولى و اللى مش على مزاجك متقولهوش فالحة بس تقولي بحبك يا أدهم أنت كل حياتي يا أدهم .. ماشية بمزاجك و شايفة إنك سبع رجالة في بعض و هرجع و اقولك زي كل مرة بتتصرفي تصرفات واحدة مراهقة من غير أي تفكير .. ظلت صامتة تسمع صياحه و دموعها تتناوب بالنزول .. توقف عن صياحه فجأة ثم قال بنبرة حاسمة : خلصي الأكل ده يلا عشان تخدي الدواء اللي الدكتور كتبهولك.. أعطاها ظهره قائلاً : و كله عشان ابني أو بنتي اللي في بطنك أوعي تفتكري أنه عشانك .. استدار لها مجدداً و قابل عينيها اللتين لم تكفا عن البكاء بعد بعينه قائلاً بنبرة محذرة : مش هسمحلك أبداً تأذيه أو تضيعيه .. خرج من الغرفة و تركها وحيدة بائسة تبكي .. قطع بكائها صوته الغاضب من الخارج و هو يقول : بطلي زفت عياط و كلي عشان مدخلش أنكد عليكي و أعرفك العياط اللي علي حق
توقفت عن البكاء على الفور و مسحت دموعها بكم ملابسها الطويل .. ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم ما بها عندما رأت ملابسها المبدلة التي ترتديها فأنه بالرغم من كل شئ مازال يغار عليها و حريص على احتشامها و ستر جسدها .. عبثت مجدداً عندما تذكرت عبارته " كله عشان ابني أو بنتي اللي في بطنك أوعي تفتكري أنه عشانك " .. هي ليست مهمة عنده و أهم شئ هو ما بأحشائها ! .. اعتدلت بجلستها و أخذت صنية الطعام و وضعتها على قدمها و بدأت بالأكل خوفاً من أن يدخل و ينهرها من جديد .. دخل مجدداً و وضع لها الدواء و كوب ماء على الكمودينو بجانبها و خرج دون أن يتكلم فيكفي النظرة التي ألزمتها أن تنتهي من تناولها الطعام و بعدها تتناول الدواء .. تنهدت بعمق و هي تتحدي نفسها أنها سترجعه مجدداً للأدهم الحنون بنظراته الحنونة العاشقة و ليس لتلك النظرات التى تلجمها و تخيفها ربما سيأخذ منها هذا بعض الوقت لكنها يجب أن تكون صبورة متحملة فإن الله مع الصابرين .
يتبع
✾ الفصل الأخير - الجزء السابع
سمعا دقات علي باب الغرفة و بعدها دخل رجل يرتدي ثياب وقورة .. استأذن من أم ماجد لتخرج حتي يأخذ أقوال ماجد عن ما حدث معه فقد بلغت المشفي بأنه تم الإعتداء عليه .. جلس المحقق علي كرسي ليستجوبه .. ظل عقله يفكر لبعض الوقت .. هل يخبره بما أخبر به أمه أم يقول الحقيقة و بذلك يؤذي أدهم و يأخذ حق توجعات جسده منه ؟ يعلم جيداً بأن أدهم لن يقول السبب الرئيسي لضربه فما راه من أدهم يستطيع و بكل سهولة معرفة أنه لن يأتي بسيرة زوجته حتي يبرر ما فعله .. كان في صراع بين شيطانه و بين ضميره الذي استيقظ مؤخراً .. كاد أن يسير وراء شيطانه لكنه نفض تلك الأفكار سريعاً و قرر أن يخبره بالقصة التي ألفها و قصها لأمه فهو علي يقين بأنه يستحق ما حدث له من أدهم بل أكثر من هذا فهو سيفعل مثله تماماً بعدما يقوم من جلسته تلك .
مدد جسده علي السرير لينعم و لو بالقليل من الإسترخاء و الراحة بغرفتهما بعدما أنهي محادثته مع والدته و أخته اللتان هنتأه بعيد مولده فهي الأن نائمة بالغرفة الأخري .. ظلت عيناه تجوب الغرفة و هو ينظر لترتيبها الذي كان ينم علي أمسية رومانسية برفقتها علي ضوء تلك الشموع .. تذكر عندما دخل المطبخ ليحضر لها أي طعام لتأكله ليجدها قد قامت بصنع أنواع الأطعمة التي يحبها و تضعها علي المنضدة الكامنة بالمطبخ برفقة الكعكة الذين كانا من المفترض أنهما سيحتفلان بها .. هي من ألت بهما لتلك الحالة بتصرفاتها الغبية و إخفائها عليه أهم الأمور كأنه لا يشكل شيئاً بحياتها .. أخرجه من شروده صوت هاتفه يعلن عن اتصال من أسر .. أجاب عليه ليسمع صوته الفرح " أدهم باركلي لسة محدد ميعاد كتب الكتاب من شوية " ابتسم أدهم ابتسامة صغيرة و بارك له بحفاوة ليقص عليه أسر رد فعل أسيل و فرحتها العارمة عندما فاجأها بأنه حفظ سورة يوسف التي كانت شرط لزواجهما .. أخبره أنه اتفق مع والدها أنهما سيكتبان الكتاب بعد أسبوع من الأن .. أخبره بأنه يجب أن يخرج معه غداً لينتقي معه بدلة أنيقة كما أخبره بأن تالا يجب أن تخرج معهم حتي تختار الفستان مع أسيل فهذا كان شرطها .. حاول أدهم أن يتهرب من خروجه حتي لا يحتك مع تالا لكن أسر لم يترك له الفرصة لذلك .. سأله أسر عن ذهابه لذلك المدعو بماجد و عن سبب نبرته الغاضبة ليلة أمس ليماطل معه أدهم و يغلق معه قبل أن يعطيه جواباً نافعاً .. أسند رأسه على الوسادة مجدداً و أغلق عينيه لبعض الوقت .. أحس بها و هي تتسطح بجانبه كما أن أشتم عبيرها الذي يميزه جيداً بقربه ففتح عينيه و نظر بجانبه ليجد أن إحساسه لم يكن خاطئاً .. كاد أن يقوم لكنها أمسكت بمعصمه لتوقفه قبل أن يقوم و قد خلطت رجاءها و تحديها بعينها التي تنظر إليه .. لاحظت أنه يعتصر قبضه يده فتركت معصمه و بدأت بفتحها لتفردها علي أخرها ثم احتضنتها بيدها و وضعها علي أحشائها قائلة بعدما أسندت رأسها على كتفه : تفتكر هجيب ولد قمور زيك زي ما أنا عايزة و لا هجيب بنت شبهي زي ما أنت عايز .. أردفت قائلة و هي ترفع نظرها له لتجده ينظر للفراغ أمامه فمدت يدها الغير ممسكة بيده و عدلت وجهه ليصبح مقابلها أنفاسه تختلط مع أنفاسها : و لا هنجيب توأم زي ما أنا و أنت كنا بندعي دايماً لربنا
انتشل يده من بين يديها التي ترغمه علي وضعها علي أحشائها ببطء ثم أبعد رأسها عن كتفه و قام من مجلسه .. التفت لها قبل أن يغادر الغرفة قائلاً بجفاء : اعملي حسابك بكرة هنخرج مع أسر و أسيل
تجمعت الدموع بمقلتيها و ضربت السرير بقبضة يدها بضيق .. ألن يلين معها هذا الرجل أبداً و يترك لها الفرصة لتدافع عن نفسها حتي !
كانت جالسة مقابله متجهمة الوجه تمسك هاتفها و تعبث به بعشوائية غاضبة بأحدي المطاعم ينتظران وصول تالا و أدهم .. مد يده ليشاكسها و أخذ يحرك أصبعه السبابة علي شاشة الهاتف بعشوائية قائلا : سيبي الموبايل ده و بوصيلي هنا ؟
أبعدت يده بضيق و أرجعت يدها للوراء و أكملت تصفح هاتفها فهي حقاً غاضبة منه .. مال بجسده قليلاً ناحيتها ثم في حركة مفاجئة انتشل الهاتف و وضعه بجيبه .. رفعت عينيها له قائلة بتبرم : هات الموبايل .. حرك رأسه نافياً قائلاً بجدية : مفيش موبايلات طول ما انت قاعدة معايا عشان الموبايل مش أهم مني .. ضربت المنضدة بضربة خفيفة من قبضة يدها قائلة بتبرم : لا بقي الموبايل أهم منك .. أردفت قائلة : و بعدين انت بتكلمني ليه مش قولتلك متكلمنيش
ابتسم ابتسامة صغيرة قائلا باستفزاز : ما عشان انت قولتي متكلمنيش هكلمك
نظرت له بجانب عينيها بضيق قائلة ببرطمة سمعها هو : رخم و بتاع بنات
أسر بابتسامة عاشقة : طفلة و بعشقك أقسم بالله
رفعت عينيها له قائلة بتذمر : أه بتعشقني أوي فعلاً بأمارة إني قاعدة معاك و انت قاعد عمال تبص على البنت الجرسونة
تغيرت تعبيرات أسر للضيق قائلا : تعرفي يا أسيل أكبر غلطة عملتها إني حكتلك على ماضيا كله .. كان المفروض مقولكيش عشان انت بقيتي شكاكة زيادة عن اللزوم لدرجة إني لو عديت جمب فازة هتقولي أسر بيعاكسها .. نظر لعينيها العسلية بعمق قائلاً : أسيل أنا بحبك و أخترتك أنت من كل البنات اللي عرفتها
توترت و ضعفت من نظراته لها فقالت بارتباك : طب و البنت الجرسونة اللي بصتلها
أسر بنافذ صبر : انت شوفتيني طلبت رقمها ده أنا طلبت واحد قهوة عقبال ما أدهم ييجي
تنهدت بضيق قائلة : كنت بتبصلها و أنت بتطلب
تنهد بعمق ثم قال بابتسامة ساخرة و هو يضع كلتا يديه علي وجهه قائلا : معلش لما اكلم أي واحدة بعد كده هبقي أحط ايدي علي وشي .. أزاح يده من علي وجهه قائلاً فجأة : بـــــخ
ضحكت أسيل لكنها سرعان ما نظرت له بضيق قائلة : أنت بتتريق يا أسر
ابتسم لها قائلاً بهيام : كل أما بسمع منك أسمي بحس انه جميل اوي و إني كنت بسمع تلوث قبل كده
توردت وجنتها خجلا قائلة بضيق : اضحك عليا بقي بكلامك ده
ابتسم لها أسر و قال غامزاً لها : طب بذمتك القمر اللي قاعد قدامي ده حد يقدر يضحك عليه ؟ .. أردف قائلاً : يلا اضحكي بقي عشان قلبي بينور لما بيشوفك بتضحكي
ابتسمت أسيل له بخجل ثم رفعت نظرها له قائلة بتساؤل : هتجبلي كب كيك بعد ما نتغدا
ابتسم أسر لها قائلا : أنا مستعد أعملك الفرح عند بتاع الكب كيك ذات نفسه بس ضحكتك ديه تفضل منورة قلبي و حياتي علطول
ظلا يتحدثان لبعض الوقت إلي أن قطع حديثهما وصول أدهم و تالا .. جلسا بعدما سلما عليهما ليطلبا بعدها طعام الغداء حتي لا يضيعوا وقتاً .. ظلوا يتحدثون ما عدا تالا التي كانت صامتة تتطلع لأدهم و تستمع لكل كلمة يقولها فقد اشتاقت أن تسمع نبرة صوته و هو يتحدث لمدة طويلة كما اشتاقت أن تشاهده غير عابس مقطب الجبين حاد النظرات .. أحضرت النادلة طعام الغداء و وضعته أمامهم ثم غادرت .. بدأوا بتناول الطعام أما هي فظلت تنظر إليه تتأمله و هي تعبث بالطعام أمامها .. قابلت عيناه عينيها فجأة و هو يجوب بعيينه الأرجاء لتنظر لطبقها سريعاً .. شعرت به و هو يميل بتجاهها لتسمع بعدها صوته و هو يقول بحزم : كلي و بطلي تبصيلي
ابتعد عنها و رمقها بنظرة نارية ثم عاد لتناول طعامه مجدداً .. أمسكت المعلقة بشكل جيد و ظلت تنظر للطعام لبعض الوقت و هي تشعر بالغثيان و الضيق .. ملأت المعلقة و وضعتها عنوة بفمها كأنها تأخذ دواء سيء المذاق لتشعر بعد ثوان أنها اختنقت و ستتقيأ .. كادت أن تقوم سريعاً و تذهب للحمام لكنها وجدت قبضة يده القوية تقبض علي يدها حتي توقفها عن الذهاب لتسمع بعدها صوته و هو يقول بصرامة ظنا منه أنها ستتهرب من الطعام : كملي أكلك
لم تستطع أن ترد عليه فبالفعل حدث ما كانت تخشاه .. طردت معدتها عن طريق فمها المعلقة التي أكلتها بجانب كل الطعام التي أكلته صباحا .. تفاجئ أسر و أسير و لكن أدهم أخذ مناديل كانت موضوعة على طاولة الطعام في سرعة و انحني بجانبها و هو يحاول أن ينقذ الموقف .. أخرجت كل ما بجوفها بعضاً منه علي ثيابها و علي أرضية المطعم و البعض الأخر بيدها و الباقي بيد أدهم التي انتظرتها إلي أن انتهت تماماً و هي تحاول قدر الإمكان أن تبتعد عن ثيابها و ثيابه .. أتي عامل المطعم و بحوزته زجاجة بها بعض المياه و المناديل الإضافية ليأخذها أدهم منه ليمسح يده .. اتكأت برأسها على كتفه و هي شبه واعية تحاول جاهدة أن تأخذ أنفاسها التي قطعت و سحبت منها و أسيل واقفة بجانبها تربت على كتفها لا تدري ماذا تفعل غير مشاهدتها لما يحدث .. وضع أدهم بعض المياه بيده و بدأ يمسح لها وجهها لعلها تستفيق قليلاً و بالفعل بعد وقت قليل استفاقت و بدأت أنفاسها تعود لطبيعتها مجدداً .. لاحظت أن عيون كل من بالمطعم مسلطة عليها يراقبونها فشعرت بالحرج الشديد و أخفت وجهها بصدر أدهم مختبئة به .. حمل أدهم علبة المناديل بيده ثم اقترب من أذنها قائلاً بهمس : قومي نروح الحمام.. قامت معه بخضوع و هو يسندها ممسكاً بخصرها ليصطحبها للحمام و أسيل تسير وراءهما .. أخذ بعض المناديل و أعطي لأسيل البقية قائلاً بجدية : لو سمحتي يا أسيل أدخلي معها و ساعديها تنضف هدومها ديه و تظبط نفسها .. دفع تالا من كتفها بخفة بتجاه الحمام النسائي قائلاً بجدية : يلا ادخلي
دخل الحمام الرجالي ليعدل من هندامه بعدما أيقن أنها دخلت برفقة أسيل أما هما فبعدما دخلتا أسندت أسيل تالا و ساعدتها في تنظيف ثيابها كما طلب أدهم .. نظرت لها أسيل قائلة بقلق : مالك يا تالا ؟ أنت كويسة ؟
اؤمأت تالا برأسها بوهن لتقول أسيل بتساؤل : أمال مالك ؟ الأكل معجبكيش ولا ايه ؟
أخذت نفساً عميقاً ثم قالت : أسيل أنا حامل
صاحت أسيل صيحة عالية غير مصدقة لهذا الخبر السعيد ليدخل لهما أدهم علي أثرها و الذعر بادٍ علي وجهه غير مهتم لصياح السيدة الجالسة علي الباب التي تعنفه علي دخوله .. نظر لهما ليجد تالا مستندة بظهرها علي الحوض و أسيل واقفة أمامها و يبدو علي قسمات وجهها الفرح .. تنهد بارتياح ثم قال بحزم : خلصوا يلا و تعالوا ورايا .. أخذ طريقه للخارج لتقترب أسيل من تالا و تحتضنها بفرحة و هي تقول بفرحة : مش مصدقة بجد أنك أنت و أدهم هيبقي عندكوا بيبي صغير ألعب معاه .. ابتعدت قليلا عنها ثم طبعت قبلة علي وجنتها قائلة بابتسامة : ألف مبروك يا قلبي
لمعت عينا تالا فرحاً عندما لمس رد فعل أسيل و فرحتها قلبها فهي الثانية بعد منال التي فرحت بشدة و باركت لها بحفاوة .. كم تمنت أن يكون رد فعله مماثل لرد فعلهما حتي تكتمل فرحتها لكنه بكل أسف لم يحقق لها أمنيتها و يعاملها بكل برود و تجاهل .. ضمت أسيل لها مجدداً و احتضنتها دون أن تنطق بحرف واحد .. ظلت بعض الوقت محتضنة أسيل لتسمعها تقول بمرح : تالا لو حد دخل و شافنا كده ممكن يفهمنا غلط .. ابتعدت تالا عنها و هي تضربها ضربة خفيفة بكتفها لتكمل أسيل كلامها قائلة : خلاص خلاص يلا نخرج بدل ما أدهم و أسر يدخلوا ييجبونا بمعرفتهم
خرجتا معاً لتجدا أدهم واقفاً ينتظرهما فقد ذهب و اعتذر لإدارة المكان عما حدث و عاد لينتظرهما مجدداً .. تقدم أدهم بعض الخطوات لتسيرا أسيل و تالا وراءه .. وصلوا إلي حيث كانوا يجلسون ليجدوا المكان نظيفاً كما كان بل أحسن مما كان عليه فقط أتي عامل النظافة و نظفه باتقان .. جلسوا ليلاحظ أدهم أن أسر صامت و هو ينقل بصره له تارة و إلي تالا تارة أخري .. حرك أدهم يده أمام وجهه قائلاً بدهشة : أسر في حاجة ؟
كأن أدهم انتزع فتيل قنبلة أسر ليصيح قائلاً و علامات عدم التصديق و الدهشة علي وجهه : مش مصدق إن أدهم الإنف اللي كان بيقرف من أقل حاجة يعمل اللي عمله من شوية ده ..أردف قائلاً و هو ينظر لتالا : بس الحمد لله إنك مش مراتي عشان كنت هتبقي طالق في ساعتها
ابتسمت تالا ابتسامة حرج و نظرت للأرض لتقول أسيل بانفعال بسيط : لا و الله يعني لو رجعت في مرة و احنا متجوزين هتطلقني
لم يفكر في الإجابة .. جاوب سريعاً قائلاً : نعم و أكيد ولابد
نظرت له أسيل بغيظ شديد ثم قالت : خلاص طلقني يلا
ضحك أسر بسخرية قائلا : هو احنا لسة اتجوزنا يا هبلة عشان أطلقك أردف قائلاً : طب علي الأقل أستني لما اتجوزك
ضغطت علي أسنانها بغيظ و كادت أن ترد لكن أدهم قطع نقارهما قائلاً بجدية : قوموا يلا نمشي
بالفعل قاموا كما قال أدهم لتقول أسيل بعدها كأنها تذكرت شيئا : نسيت صح أقولك مبروك يا أدهم
نظر لها أسر قائلا بتساؤل : بتباركيله علي ايه ده هو اللي المفروض يباركلنا
نظرت لأسر قائلة بفرحة تلقائية : يا ابني أدهم حامل .. نظروا لها باستنكار لتعدل جملتها سريعاً و تقول : قصدي تالا حامل
انفجر أسر ضحكاً و قال موجهاً كلامه لأدهم : تخيل منظرك و أنت حامل و منخوخ كده شبه الكورة الكفر لو كلامها صح
ضربه أدهم بكتفه قائلا بضيق : ايه الخفة ديه ؟ ما بدل ما تتخيلني تخيل نفسك أنت
أكمل أسر ضحكه قائلاً : يا بني تخيل بس و الله هيبقي شكلك مسخرة خصوصاً لما تتعب و تقول لتالا و انت ماسك ضهرك " ابنك هيموتني ياختي .. ياخرابي علي الحمل و سنينه " .. انفجر في الضحك مجدداً ليرفع أدهم أحد حاجبيه متوعداً له قائلاً بغيظ : والله لو ما اتلميت لأقل منك قدام خطيبتك و مراتي .. تدخلت أسيل قائلة : ملكش دعوة بأسورتي يا أدهم عشان أسورتي هيبقي كيوت و هيجبلي كب كيك بالمناسبة السعيدة ديه
تحسس أسر شعرات شنبه قائلاً بنافذ صبر : قولتلك ميت مرة كيوت و الجو ده تقوليه للكلب بتاعك يا حبيبتي لكن أنا مش كيوت .. أردف قائلاً : أنت عارفة لو حد سمعك و انت بتقولي عليا كيوت أتوقف عن العمل فوراً .. أشار إلي وجهه قائلاً لتالا و أدهم : بذمتكوا ديه منظر خلقة كيوت زي ما هي بتقول
ظلوا يشاكسون بعضهم البعض و تالا تنظر لهم فقط و ابتسامة صغيرة مرسومة علي ثغرها فها هي تري أدهم يمرح و يبتسم مع أسر و أسيل .. اشتاقت حقا لتري هذا الانبعاج الكامن بوجهه الذي يجعل ضحكته و ابتسامته مهلكة بجاذبية لا تقاوم .. أستقل كل واحد سيارته مع شريكة حياته سواء كانت الحالية أم المستقبلية وصلوا إلي أحد الأماكن المشهورة ببيع أحدث و أفرد الفساتين و بدل الأفراح ليتفرقا اثنين .. أدهم و أسر معا يبحثون عن بدلة انيقة و أسيل و تالا معاً يبحثون عن فستان رقيق يليق بعروسته البسكوتة .. مر الوقت و هم يبحثون لينتهي أسر و أدهم أولاً .. ذهبا إليهن ليجداهما انتهين من اختيار الفستان .. اراد أسر أن يري الفستان لكن أسيل ابت بشدة لتجعله مفاجأة .. انشغل أسر و أسيل بدفع الحساب ليذهب أدهم و ينتزع أحد الفساتين المحتشمة المعلقة بلونه الكحلي ليمسكه بعدها و يتفحصه قليلاً .. اقتربت منه أحد العاملات بالمحل قائلة و هي تشير لتالا : حضرتك عايز مقاس المدام مش كده ؟
حرك رأسه نافياً و هو يقول بجدية : أنا عارف مقاس المدام و فعلا لقيته .. ابتسم ابتسامة مجاملة لها و هو يقول : شكراً .. تركها و اقترب من تالا التي كانت واقفة ترشقه بضيق و هي تراه يتحدث مع الفتاة .. وضع الفستان بيدها قائلاً بجدية : ادخلي قيسي ده
حركت رأسها نافية و هي ترجعه ليده مجدداً قائلة بجدية : هبقي ألبس أي حاجة من عندي و خلاص .. أرجعه ليدها مجدداً قائلاً بصرامة : أنا بأمرك مش بأخذ رأيك .. دفعها من كتفها بتجاه البروفة قائلاً بحزم : قيسيه يلا .. كاد أن يغلق باب البروفة لكنها وضعت يدها عليه قائلة بجدية : أنا مكنتش عايزة أجيب بس هقيسه عشان خاطرك أنت بس .. أردفت قائلة بحب : كفاية أنك أنت اللي مختاره
ضايقها عدم رده عليها و غلقه للباب لكنها مازالت فرحة لأنه رغم غضبه و عدم كلامه معها مازال يفكر بها .. ارتدت الفستان سريعاً لتنظر لنفسها بعدها بمرأته و تتسع حدقة عينيها علي الفور من شدة جماله و انبهارها به .. كان حقاً الفستان محتشماً رقيقاً و غير مبهرج .. كيف لم تشاهده عندما كانت تنتقي الفساتين مع أسيل .. فتحت الباب لتجده واقفاً ينتظرها .. اقترب منها و أخذ ينظر لها و هو يتفحص الفستان عليها بتدقيق خوفاً من أن يكون به أي عيب .. قال بعدما تأكد أن الفستان يلائمها تماماً : يلا ادخلي اقلعيه .. كادت أن تدخل لكنها وجدت أسيل تقترب منهما و هي تقول باعجاب شديد : حلو أوي يا تالا ده بجد يجنن عليكي أكيد أدهم هو اللي أقنعك تجبيه .. أردفت قائلة بعدها و هي تنظر لأدهم : دي جننتني لحد اما كنت هشد فى شعري منها و أنا بحاول أقنعها أنها تجيب فستان
ابتسم أدهم لأسيل ابتسامة صغيرة قائلاً بعدها بجدية لتالا : يلا ادخلي اقلعيه .. أمتثلت تالا لأمره و دخلت البروفة لتخرج بعدما انتهت لتجد أدهم يدخن سيجارة .. أعطت الفستان لأسيل و اتجهت نحوه و نظرة غاضبة متحدية مرسومة بعينيها بوضوح .. كادت أن تمد يدها لتطفئ السيجارة لكنه أرجعها وراء ظهره في سرعة .. وقفت أمامه و رفعت نظرها له قائلة بنظرة أب غاضب : اطفيها يلا
نظر لها ببرود و قربها من فمه و أخذ نفساً منها عنداً فيها لا أكثر و لا أقل .. بدا بلعب لعبة القطة و الفأر هي تمد يدها و تحاول أن تطفئ السيجارة لكنه يأخذ منها نفساً و يرفع يده عالياً بكل برود حتي لا تستطيع الحصول عليها .. أخذت تحاول أن تصل إليها و هي تشد ذراعه لأسفل لكنها فشلت .. بدأت تشعر بالتعب و هي تحارب كي تصل لها فتوقفت قائلة و هي علي وشك البكاء : خلاص بقي كفاية تعبت بجد .. ضايقته نبرتها و المته كما أنه لاحظ الحرق الذي مازال اثره بادِِ علي راحتها الذي شوهها و هي تحركها لأعلي و أسفل .. استغلت فرصة انشغاله بتطلعه لباطن كفها لتسحب يده فجأة علي حين غفلة و تأخذ منها السيجارة عنوة لتلقيها أرضاً .. سحقتها بقدميها و هي تشعر بأنها انتصرت بحرب كان مقدراً لها بها الهلاك .. ارتسم شبح ابتسامة علي وجهها لتجده ينحي قليلاً و هو يهمس باذنها قائلاً : متفرحيش أوي كده أنا اللي سيبهالك بمزاجي علشان أسيل واقفة مش أكتر
ابتعد عنها لترفع هي أحد حاجبيها بغيظ ممزوج بالضيق .. ذهب من أمامها و أخذ الفستان من بين يدي أسيل و ذهب ليدفع ثمنه .. اقتربت أسيل منها قائلة بتساؤل : تالا أنت متخانقة مع أدهم صح ؟
تنهدت تالا بضيق قائلة : خلاف بسيط بينا يا أسيل بس هحاول أصلحه بإذن الله .. أردفت قائلة : متشغليش بالك أنت
خرجتا معاً ليأخذ أدهم تالا و يغادر بعدما بارك لأسيل و أسر مقدماً .. كانت شاردة طوال الطريق تفكر في حل لتصالحه .. فخطة إغرائه فشلت و خطة حملها فشلت .. تذكرت صباحاً و هي تحاول أن تكلمه ليصدها هو ببروده الذي يقتلها.. تذكرت عندما هوي قلبها أرضاً عندما هوي هو للأرض فجأة ليستند علي ذارعيه القويين ليلعب ضغط ببرود تام كأنه لم يفعل شيئاً بتلك المسكينة .. أخبرته بدل المرة مائة مرة ألا يفعل تلك الحركة الغبية لأنها في كل مرة تصاب بالذعر .. يجب أن تفكر في شئ أخر فحتي خطة حججها الفارغة للتكلم معه و سحبه بالحديث لعله يلين فشلت أيضاً .. أفاقت من شرودها علي صوته و هو يقول بجدية : يلا انزلي
نظرت من شباك السيارة لتجد نفسها بمكان غير مكان الفيلا .. أخذت تتطلع حولها لعلها تجد شئ يخبرها لما هما هنا و غير ذلك يأمرها بالنزول .. لفت انتباهها يافطة لمأذون شرعي بالمكان .. ارتعدت نفسها بعدما رأتها و ضربتها عاصفة قوية زلزلت كيانها .. تذكرت كلماته لها " يومين بالكتير أمهد فيهم لماما الموضوع و أدور علي أي حجة و طلبك يتنفذ" .. هل سيطلقها الأن ؟ هل سيلفظها من حياته بل من الحياة بأكملها الأن ؟ هل سيهون عليه حبهما بهذه السهولة ؟ هل سيهون عليه تركها هي و طفله لتتعذب من بعده ؟ .. نزلت دموعها علي الفور قائلة كطفلة بعمر الخامسة من عمرها غاضبة بعدها ربعت يدها أمام صدرها : لا مش هنزل و أنت مش هتطلقني عشان أنا مش هسمحلك تطلقني و تهد حبنا و أسرتنا اللي هتتكون .. مش هسمحلك تخلي اللي في بطني يتربي مشتت بين أسرة مفككة .. أردفت قائلة : أنا مش هعرف أربيه لوحدي زي ما أنت كمان مش هتعرف تربيه لوحدك .. صاحت به قائلة : إزاي مش قادر تفهمني و تفهم أنا جوايا ايه و أنت الوحيد اللي بتقدر تقرأني و تفهمني من مجرد نظرة منك ليا .. أردفت قائلا : أنا أعترف إني يمكن أكون غلطت لما خبيت عليك بس ميبقاش عقابك ليا قاسي كده .. عاقبني بأي حاجة غير إنك تتجاهلني أو تطلقني و تبعدني عنك
نفذ صبره حقا من التفاهات التي تقولها .. صاح بوجهها قائلا : خلاص خلصتي كل الكلام اللي في نفسك
ظلت صامتة تنظر إليه و لا ترد فأكمل قائلا بحزم : شكلك خلصتي و مدام خلصتي يبقي اتفضلي أنزلي لا تعرف ماذا تفعل ؟ هل تترجاه أكثر من هذا ليبقيها علي ذمته .. سمعت صوته و هو يقول بنافذ صبر : هتحايل علي حضرتك كتير
هي لن تتحايل عليه مجدداً بل ستدعي لربها أن لا يفترقا .. نظرت له بعيون دامعة معاتبة و فتحت الباب و نزلت و هي تدعي الله أن يحترق مكتب المأذون قبل أن يصعدا إليه أو يحدث أي شئ يمنع طلاقهما .. أغلق السيارة و مشي لتمشي هي وراءه .. الغريب الذي اثارها أنه لم يدخل العمارة المعلق عندها اليافطة بل دخل عمارة أخري بعدما أمسكها من معصمها و عبرا الشارع .. استقلا الأسانسير و نزلا بأحد الطوابق مشي أدهم لتسير لتالا وراءه لكنها توقفت فجاءة عندما شاهدت يافطة لدكتورة نسا .. عادت خطوتين للوراء و هي تضع يدها علي أحشائها قائلة بعدم تصديق : أنت عايزني أجهض الجنين عشان بعد كده تطلقني .. للدرجادي مش متحمل إن يبقي عندك أطفال مني
ضرب جبينه بيده و أنزلها علي وجهه بنافذ صبر فقد رزقه الله بزوجة مخبولة سيموت علي يدها هي و أفكارها التي لا يعلم من أين تأتي بها في يوم من الأيام .. ستقضي عليه حقاً بعد إرساله للسرايا الصفراء .. هل تعتقد أنه من الممكن أن يقتل طفله أو يمسه بأي سوء .. كم هي مخبولة حقاً .. أمسكها من ذراعها قائلاً بنرفزة بسيطة : أنتِ قاصدة تجنيني يا بنت الناس و تعصبيني ، صح ؟ قوليلي هي دكتورة النسا كل شغلتها في الحياة إنها تجهض الجنين و بس أو أصلاً أنا ممكن أقتل روح لأي سبب من الأسباب
بدأ الشيطان يسحب أفكاره السوداء التي بثها لها عنه لتعود و تحسن الظن به من جديد .. بالتأكيد أتي بها إلي هنا لتتابع مع الطبيبة .. كيف لها أن تفكر بأنه من الممكن أن يفعل ذلك .. هو أدهم و ليس ماجد .. أنزلت رأسها أرضاً و هي تشعر بالضيق من نفسها لأنها أساءت الظن به .. دخلت أمامه للعيادة بهدوء و جلست في أحد الأماكن الفارغة ليأتي أدهم و يجلس بجانبها بعدما تكلم مع الممرضة لبعض الوقت .. قالت بصوت خافت دون أن تنظر له و هي تعبث بأصابعها بتوتر : أدهم أنا أسفة مكنش قصدي أسئ الظن فيك .. أرجع رأسه للوراء و أغلق عينيه لبعض الوقت دون أن يرد عليها فتحهما فقط عندما نقرت علي كتفه بأصابعها قائلة بقلق : أنت كويس ؟
تنهد قائلاً بتهكم : هبقي كويس لو سمعت سكوتك
تنهدت بحزن و نظرت أمامها و هي مازالت تعبث بأناملها بتوتر شديد .. نظرت له مجدداً قائلة بضيق : مدام هتفضل قاعد مبوز و عامل كده يبقي جيت معايا ليه ؟ كنت ممكن تخلي ماما منال أو أسيل ييجوا معايا أو حتي أجي لوحدي
اعتصر قبضه يده قائلاً بنافذ صبر : أستغفر الله العظيم يا رب .. وجه نظره لها و كاد أن يتكلم لكنها أردفت قائلة بضيق ممزوج بالغيظ : و الله ما أنت قايل .. حاولت تقليد نبرته الجافة الرجولية قائلة : كله عشان أبني أو بنتي اللي في بطنك أوعي تفتركي إنه عشانك
اؤمأ برأسه ببرود قائلاً بتهكم : بالظبط كده خليكي فاكرة الجملة ديه علطول بقي و ردديها في دماغك عشان متنسيهاش
نظرت له بضيق ممزوج بالغيظ و عادت لصمتها و العبث بأصابعها مجدداً .. أتي دورهما بالكشف فقام أدهم و قامت تالا معه .. دخلا للطبيبة التي كانت كبيرة في السن إلي حد ما لتقابلهما بابتسامة بشوشة و هي ترحب بهما .. فحصتها الطبيبة و نصحتها ببعض النصائح حتي تحافظ علي جنينها و صحتها و كتبت لها بعض الفيتامينات و الحقن المثبتة التي ما أن سمعت تالا سيرتها حتي تكهرب جسدها بأكمله .. علي الرغم من أنها أخذت الكثير من الحقن من ذي قبل لكنها مازالت وحشاً بالنسبة لها ترتعب منه .. قالت للطبية راجية اياها : لو سمحتي بلاش حقن
ابتسمت الطبيبة قائلة : احنا ناس كبيرة بقي و خلاص كلها شهور و هتبقي أم
كادت تالا أن تعترض لكن أدهم قال : خلاص يا دكتورة تمام .. أنا هبقي أتصرف معها في موضوع الحقنة ده
بعد قليل من الكلام الطبي و التعليمات الأخري التي ألقتها لها الطبيبة كادا أن يغادرا لكنها أوقفتهما قائلة و هي توجه حديثها لأدهم : خلي بالك منها يا أستاذ أدهم و حاول علي قد ما تقدر متزعلهاش أو تخلي حاجة تزعلها و ياريت تبعدها عن أي ضغوط نفسية .. اؤمأ أدهم برأسه و أخذ تالا و خرجا من الغرفة و بعدها من العيادة بأكملها .
مر الأسبوع سريعاً كسرعة البرق لم يحدث به أي تغيير أو شيء جديد غير شئ واحد فقط لن يصدقه أي شخص و هو أن أسر حلق شنبه و تخلي عنه صباح اليوم !!!
كان يقف برفقة أدهم ينتظرها لتخرج من الكوافير و هو يضع يده علي النصف السفلي لوجهه ليخفيه .. نظر له أدهم بنافذ صبر قائلا : ناوي تحضر كتب الكتاب و أنت عامل كده ؟
زفر أسر بضيق قائلا : حاسس أني واقف بلبوص يا أدهم كما ولدتني الحاجة أمي ياريتني ما حلقته .. أردف قائلا بمرارة : يا فضيحتك يا أسر وسط أصحابك انهارده .. يا فضيحتك يا أسر وسط الناس .. يا فضيحتك يا أسر وسط المجرمين بتوعك .. أتت بباله فكرة فصاح قائلا : أدهم أنا هكلم عمي أقوله يأجل كل حاجة انهارده و نبقي نكتب الكتاب لما شنبي يطلع
زفر أدهم بنافذ صبر قائلاً بدعاء : يا رب صبرني علي ما ابتلاني
أسر بمرارة : يا أبني انت ليه مش قادر تحس بيا .. أنا و الله حاسس أن كل البني أدمين اللي ماشين في الشارع بيبصوا عليا و بيقولوا ايه ده شوفوا الراجل اللي هناك ده حالق شنبه
صاح به بنافذ صبر قائلاً : هقولك كلمة وحشة عمرك ما سمعتها قبل كده .. أرجع يده بين خصلات شعره و هو يعتصرها قائلاً : و أنا الحمد لله اكتشفت أن عندي معجم فأسكت و خاف علي نفسك بقي
أسر بنفس المرارة : أصلك مش فاهم عشان مكنش عندك شنب زي شنبي فمش حاسس بمعاناتي .. أردف قائلا : أنت مش عارف فايدة الشنب ده ايه ؟ ده بيخلي الواحد يحس بهبته كده وسط المساجين غير لما يبقي عيل فرفور و غير ده كله بيدفيني في الشتاء يا أدهم .. تنهد بحزن قائلا : و أنا بعد كل اللي كان بيقدمهولي ده أتخليت عنه بكل بساطة عشان أفرحها .. شوفت أنا قد ايه ظالم يا أدهم
نفذ صبر أدهم حقاً فصاح به قائلا : أبوك لأبو أدهم لأبو شنب المقشة بتاعك يا أخي حد ضربك علي إيدك و قالك أحلقه .. غمغم قائلا : أستغفر الله العظيم يا رب هتخلي الواحد ياخد ذنوب بسببك
فُتِح باب الكوافير لتخرج منه أسيل لينتبه أسر لها بدأ يتفحصها من أخمص قدميها و هو يصعد بعينيه من أسفل لأعلي ليجدها ترتدي فستان فيروزي رقيق للغاية يليق بعروس رقيقة مثلها و ما زينها و زادها رقة هو حجابها .. حجابها !!! هل ما يراه صحيح !! هل تحجبت !! و برغم من هذا لم يأخذ حجابها من جمالها أو أنوثتها التي كان يبرزها شعرها بل زادها جمالاً و نوراً .. أنزل يده من علي وجهه و دعك عينيه ثم فتحهما ثانية حتي يتأكد أنها هي .. ليسمع بعدها صياحها و هي تتجه نحوه قائلة بفرحة : أنت حلقت شنبك ؟
صاح بها بنفس الفرحة قائلا : أنت اتحجبتي ؟
كان أدهم يقف بالمنتصف بينهما فضرب كفاً علي كف قائلاً بسخرية : يا مجانين .. لاحظ تلك اليد التي تربت علي كتفه فالتفت لها ليجدها تالا تأبطت يده و سحبته بعيداً عنهما قليلاً قائلة : شكلهم حلو أوي مش كده .. أردفت قائلة بابتسامة : و أسيل لبست الحجاب مش قولتلك إن كلامك هيجيب نتيجة معها
لم يكن يركز بأي شئ قالته هي فقد كان تركيزه متمركزاً علي عينيها البنية التي أيقن بأن هناك ما تضعه بها فقد كان ملفتاً للغاية .. أبعد يده التي كانت تتأبطها ليمدها و يمسك وجهها و يحركه قائلا بتهكم : ايه اللي حطاه في عينيك ده ؟
وجهت عينيها للأرض قائلة كفتاة في العاشرة من عمرها تقف أمام أبيها أو أخيها الكبير قائلة بتوتتر بصوت خافت : كحل .. كحل أزرق
نظر لها نظرة حادة قائلاً باقتضاب : و إن شاء الله بيعمل ايه في عنيكي ؟
أرادت أن تغيظه و لو قليلاً حتي يستمر في الكلام معها فاصطنعت البرود و أبعدت يده عن وجهها قائلة : بيحليها
نظر لها نظرة نارية قائلاً باقتضاب : لا و الله ؟
حركت رأسها ببرود قائلة بدلال : أه و الله .. نظرت بعينيه بعمق قائلة برقة : بذمتك مش محليها و حتي لونه لايق مع الفستان اللي مختارهولي ؟
سرح بعينها الجميلة التي سحرته منذ أن وقعت عيناه عليها لكنه سرعان ما ربط جأشه قائلا : الزفت ده يتمسح حالاً
رفعت أحد حاجبيها قائلة بدلال : ليه بتغير عليا ؟
ربت علي إحدي وجنتيها بخفة قائلاً بحزم : البتاع ده يتمسح فاهمة و كلامي مبكررهوش كتير و أنت عارفة كده كويس أوي .. أردف قائلاً ببرود قبل أن يذهب من أمامها و يتجه لأسر و أسيل التي كانت الفرحة تنبعث من عيونهما : و علي فكرة مش محليها شكلك وحش و بيخوف كمان
ضربت قدميها بالأرض بضيق كالأطفال قائلة لنفسها بعند : طب و الله ما هشيله يا أدهم هاه و كلامك ده خليه لنفسك .. عند بعند بقي
أخذت نفسها و ركبت السيارة و أخذت تنظر لنفسها في المرأة و هي تتفحص مظهرها لتجد أنها رائعة بكل معني الكلمة لكن كعادتها ما تقوله المرأة ليس له أهمية أو صدق عندها بعد ما يقوله أدهم فهي لا تنتظر الا رأيه بها و تقييم عينه لها .. وضعت يدها علي أحشائها قائلة بحزن : شوفت بابي بيقول لمامي إنها وحشة و بتخوف إزاي ؟ .. مامي بقي زعلت منه أوي و من كلامه بس للأسف بتحبه و عارفة إنه كمان بيحبها بس هو بيعمل كده و بيقسي عليها عشان هو كمان زعلان منها .. نزلت دمعة هاربة من عينيها مسحتها سريعاً قائلة : مامي مستعدة تسامح بابي عشان قال عليها وحشة و بتخوف و تسامح قسوته عليها الفترة اللى فاتت بس هو كمان يسامحها و يرجع معاها زي الأول .. عارف مامي نفسها أوي يرجع أدهم الحنين تاني اللي كان بيحبها و بيعاملها بطريقة حلوة .. رأته قادماً و أسيل و أسر وراءه .. استقل مقود السائق بجانبها لتستقل أسيل بجانب أسر بالخلف .. وجهت نظرها للشباك بجانبها و ظلت صامتة .. سمعت صوت أسيل تقول : أسر أنا جعانة أوي من الصبح مكلتش .. نظرت لأدهم قائلة : أدهم ممكن تبقي تقف أدام أي مطعم نجيب منه أكل
تنهد أسر و قال بجدية : و الله كنت عارف إنك هتقولي كده فعملت حسابي .. لف للوراء و أخذ حقيبة بها طعام موضوعة .. أخرج لها سندوتشاً و أعطاه لها قائلاً بابتسامة : اتفضلي بالهناء و الشفاء يا حبيبتي
أخذت أسيل منه السندوتش بابتسامة قائلة : أنا و الله كنت شامة ريحة الأكل بس قولت يمكن بتخيل
ابتسم بنافذ صبر ثم مد يده لتالا بسندوتش أخر لتقول تالا و هي تنظر له : لا شكراً يا أسر
قال أدهم بحزم دون أن يوجه نظره لها : خديه كليه
تالا باقتضاب : مش جعانة
أدهم بنافذ صبر و هو مازال ينظر للطريق : مش لازم تبقي جعانة عشان تكلي كفاية إني قولتلك تكلي
أخذت الشندوتش من أسر فقط حتي لا تثيره و يصيح بها أمامهما و هي لن تتحمل هذا و ستصيح هي الأخري و بذلك ستفسد فرحة أسيل و أسر عندما يتشاجرا كما أنها لا تريد أن يراهما أي شخص حتي لو كان قريباً منهما و هما يتشاجران .. بدأت بأكل السندوتش و هي تنظر من شباك السيارة إلي أن أنهته قبل أن يصلا بدقائق قليلة .. استقبلا المعازيم العريس و العروسة بحفاوة ليتم بعدها كتب الكتاب لتصبح أسيل أخيرا زوجة أسر .. كانا يجلسان بالكوشة معاً و أسر يمسك بيدها و يربت عليها بحب بعدما أنسته فرحته فقد شاربه العزيز .. من العادي و المفترض أن تكون الخطبة قبل كتب الكتاب و لكنهما فعلا العكس .. فها هما يجلسان بخطبتهما بعد كتب الكتاب .. كانا هما الأثنين في أقصي حالات فرحتهما خاصة أسيل التي اقتربت منها كريمة و باركت لها كما تبارك الأم لبنتها علي عكس اثنين بهذه القاعة .. كانا يقفان بأحد الأركان بعيداً قليلاً عن سارة و أمه .. صاح بها قائلاً باقتضاب : مش قولت الزفت ده يتمسح ؟
اؤمأت برأسها قائلة بعند : أه أنت قولت و أنا ممسحتوش و مش همسحه عشان عاجبني و شكلي بيه حلو
غمس أنامله بخصلات شعره بغضب و مرت عينه بأرجاء المكان بعيداً عنها ليستوقفه هذا المشهد .. فتاة تقف برفقة أصدقاءها و تمرح معهم و لكن فجأة و دون سابق إنذار يدوي بأذنها صوت انكسار تلك الحلقة التي كانت تمسك إحدي حمالات فستانها ليحمر وجهها علي الفور و تخبي منطقة صدرها بيدها و هي مصدومة مما حدث لا تدري كيف تتصرف .. لم يكن منه غير أنه ترك تالا و ركض بتجاهها و هو يخلع جاكت البدلة التي يرتديها .. لم يمر أكثر من خمس ثواني إلا و كان أدهم أمامها يلقي عليها جاكت بدلته و هو يغض بصره عنها لترتديه هي علي الفور بالمقلوب كما ألقاه عليها .. نظرت له بامتنان قبل أن تغادر برفقة أصدقائها ليتنهد هو تنهيدة طويلة و يأخذ نفسه .. لفت انتباه ما فعله كل من في القاعة وأكثرهم الفتيات فقد تتيمن به و بدأن بالحديث عليه أكثر من ذي قبل .. فأولاً كان الشاب الوسيم الذي يبدو عليه الثقل لكنه الأن أصبح الشاب الوسيم الشهم ذو المروءة الذي أنقذ تلك الفتاة المسكينة من الإحراج أمام الناس .. عاد أدراجه لها مجدداً و وقف بجانبها مكملاً ما كان يجري كأن شيئاً لم يكن : أنت لسة واقفة مكانك برده مشلتيش الزفت ده
اؤمأت برأسها قائلة بسخرية رغم اشتعال قلبها بالداخل من الغيرة : أه أصلي كنت بتفرج علي جوزي الراجل الوحيد الشهم اللي في القاعة ديه اللي مفيش رجالة غيره .. أردفت قائلة بغيرة : بس ما شاء الله شكلك كنت مركز معاها أوي و كانت عجباك من الأول لدرجة إنك من و أنت هنا لاحظت إن فستانها اتقطع فقولت أعمل نمرة بقي و استغل الفرصة .. صمتت قليلاً ثم أكملت كلامها قائلة بتهكم : و أحب أبشرك إنك عجبتها و مش عجبتها هي بس لا عجبت بنات القاعة كلهم و هتلاقيهم كلهم جايين يشكروا الجنتل مان أدهم بالنيابة عنها عقبال ما هي تيجي تشكرك بنفسها .. أعمتها الغيرة فتابعت قائلة بسخرية : و بعدين تفتكر واحدة دراعتها و رجليها باينة هتفرق معاها لو حتة زيادةكمان بانت!!
هل تظن بأنه من هذا النوع من الرجال يعلم أنها مجنونة لكن ليس لدرجة أنها تشك به .. ليس لدرجة أنها تظن أن ما فعله .. فعله فقط من أجل عرض سيصفق له المتابعين عليه و يلفت نظر الفتيات ليعجبن به و يمدحونه .. ما فعله كان رد فعل سريع لم يفكر به لما لفت انتباهه فجأة .. هل تتهمه أنه كان يتابع تلك الفتاة كما تتهمه أن مروءته مزيفة للعرض و للفت الإنتباه فقط .. كان كلامها يشعل فتيل غضبه دون أن تشعر حتي أن يده بدأت تآكله .. بدأت يديه ترتفع دون أن يشعر هو بارتفاعها .. شعر فقط بما كان سيفعله عندما أمسكت منال بيده و أرجعتها إلي جانبه مجدداً قائلة بجدية : معتقدش إن هنا مكان مناسب انكوا تتخانقوا فيه و لا انتو ايه رأيكوا ؟
تنهد أدهم بغضب و استغفر ربه و تركهما و ذهب خارج القاعة بأكملها بعد أن قال لها قاصداً : الزفت اللي في عينك ده يتشال و مش هكررها تاني عشان ماشلهوش أنا بطريقتي .. ربتت منال علي كتف تالا قائلة : روحي اقعدي جمب سارة عشان متدوخيش من الوقفة و تتعبي
اتجهت تالا حيث سارة كما أخبرتها منال أما منال فقد أخذت نفسها و خرجت وراء أدهم .. وجدته واقفاً بأحد الأركان يدخن سيجارة فاقتربت منه و وقفت أمامه ليلقي السيجارة من يده و يدوس عليها احتراماً و عدم ازعاج لها .. ربتت علي كتفه قائلة : مالك يا حبيبي ؟ .. أردفت قائلة : و مش قصدي بمالك علي دلوقتى
نظر لها أدهم باستغراب لتقول هي بتساؤل : مالك من ساعة ما رجعت من عند سارة ؟ حاسة إنك أنت و مراتك أحوالكوا مش متظبطة و أنت طول اليوم بره و بترجع متأخر حتي لما قولتوا إنها حامل حسيت انكوا انتو الاتنين متضايقين و مش مبسوطين زي ما كنت متوقعة منكوا لما تعرفوا بأول مولود جيلكوا .. و إيدك اللي كانت هتتمد عليها انهارده ديه وسط الناس و غير ده كله رجوعك للسجاير
صمتت قليلا و صدمته بسؤالها : أدهم أنت زعلان إن تالا حامل .. مكنتش عايزها تحمل ؟
حرك رأسه نافياً بسرعة قائلاً : لا طبعاً الموضوع مش كده .. أنا بحمد ربنا علي نعمته علينا و الموضوع ملهوش علاقة بتالا أصلاً كل اللي فيها إني مشغول و مضغوط أوي في التحضير للشركة مش أكتر و للأسف خنقتي ديه بتطلع عليها هي
منال بضيق : و خنقتك ديه يا أدهم توصلك إنك تضربها بالقلم عشان موضوع تافه زي إنها حاطة كحل في عنييها و بعدين من أمتي و أنت بالعنف ده أو بتتعامل بإيدك مش بعقلك ؟
تنهد تنهيدة طويلة فهو لا يتحمل أي ضغوط أخري فهو به ما يكفيه .. ربتت أمه علي كتفه قائلة : مش عايزة أعرف ايه اللي حصل بينكوا خلاك تعاملها بالطريقة الباردة اللي بقالي أسبوع بشوفك بتعاملها بيها و عاملة نفسي مطنشة بس هقولك يا بني بلاش تضيعوا أجمل لحظات حياتكوا اللى هتفتكروها لما تكبروا و تحكوها لعيالكوا في الخناق و الزعيق و القرف و الأقفش من بعض .. أردفت قائلة : عديهلها مرة كبر دماغك مرة تانية أعمل نفسك مشوفتش تالت مرة و خلي الأمور تمشي بينكوا و تعدي و بعدين بصراحة ربنا أنا مشوفتهاش عملت حاجة وحشة معاك أو حتي ضايقتك بالعكس أنا شايفاها الأيام اللى فاتت ديه بتحاول ترضيك بشتي الطرق و حتي و هي تعبانة كانت بتفضل مستنياك و مترضاش تاكل غير لما أنت ترجع .. يا بني تالا مش وحشة عشان تعاملها بالطريقة ديه مهما عملت أو ضايقتك و عندت معاك .. عنيدة أه و دماغها جزمة زيك بس و الله طيبة نفس طيابة قلبك.. و غير ده كله بتعشق التراب اللي بتمشي عليه ولا مبتشوفهاش لما بتبقي هتموت عليك من الغيرة لما بتقرب من واحدة غيرها حتي لو بهدف مساعدتها زي ما حصل من شوية .. ابتسمت قائلة : متستقواش عليها يا حبيبي و هتلاقيها بتعمل اللي انت عايزه من غير ما تطلب فحتي لو كان فعلاً ضغوط اللي عاملة فيك كده هي ملهاش ذنب إنك تجي عليها خصوصاً إن غلط عليها الزعل و هي حامل .. صالحها يا أبني و افرحوا بفرحة أول حمل عشان مبيبقاش فيه فرحة زيها
تنهد أدهم تنهيدة طويلة ثم أنحني و قبل يدها قائلاً : ربنا يخليكي لينا يا ست الكل ياللي ملكيش زي لو بس كل حماة عاملت مرات ابنها كده مكنش حد غلب
ربتت علي شعره بحنان قائلة بجدية : يلا روح صالح مراتك
دخلا معاً ليجدا تالا جالسة مع سارة و تلعب مع توتة الجالسة علي كرسي بجانبها .. اقترب أدهم و حمل توتة لتجلس علي قدمه ليجلس مكانها .. غمزت منال لسارة لتقوم لتفهم سارة علي الفور و تقول و هي تقبل ابنتها الصغيرة : أنا هقوم أروح الحمام عشان أرضع بنتي حبيبتي لتقول منال بعدها : أستني يا سارة هاجي معاكي .. وجهت نظرها لتوتة قائلة : يلا يا توتة تعالي معايا .. حركت توتة رأسها نافية و هي تقول : لا أنا هقعد مع خالو
أدهم بجدية : خلاص يا ماما سيبيها قاعدة معايا
غادرت سارة و منال لتظل تالا و توتة و أدهم الجالسين علي الطاولة .. نظر لتالا بطرف عينيه و هو يتحدث مع توتة ليجدها قد مسحت الكحل الذي كان يجمل عينيها أكثر مما هما جميلتان فقد أخذت مناديل مبللة من سارة و مسحته قبل أن يدخل بثواني .. تنهد قائلاً لتوتة و هو يقصد أن يوجه كلامه لها : شوفتي يا توتة الناس لما بتسمع الكلام بيبقوا حلوين إزاي ؟
توتة بعدم فهم : ناس مين ؟ كاد أدهم أن يتكلم لكن تالا تحدثت قائلة : الناس أصلا عملت كده عشان هي عايزة تعمل كده و عينيها وجعتها فعشان كده مسحته .. أردفت قائلة لتوتة : طب شوفتي الناس اللي كانت هتمد إيديها علي ناس تانية و هما معملوش حاجة توصل الناس الأولانية إنها تمد إيديها علي الناس التانية
نظر لها بضيق ثم وجه نظره لتوتة قائلا : أصل الناس التانية ديه يا توتة كانت كعادتها بتفكر بطريقة غبية و بتقول كلام مينفعش يتقال أصلاً فالناس الأولانية فقدت أعصابها على الناس التانية
وجهت نظرها له قائلة بانفعال بسيط : غلطت في ايه ؟؟ قولي غلطت عشان قوتلك إنك كنت مركز معها و لا عشان قولتلك إنها مش هتفرق معاها لما حتة تانية تبان و لا عشان قولتلك إن الشو اللي عملته عجب كل الموجودين خاصة البنات و لا غلطت لما قولتلك إن كان الفرح كله رجالة غيرك ممكن يعملوا كده .. وجه نظره لها قائلاً : غلطتي لما فكرتي إني ممكن معملش الصح و أستني غيري يعمله و يا يعمله يا ميعملهوش عشان حضرتك بتغيري و غلطتي لما فكرتي إني عملت كده شو عشان ألفت نظرها و أنت عارفة إني مش بتاع الكلام ده أصلاً و مليش فيه و غلطتي أكتر إنك حكمتي عليها بلبسها زي ما أنا حكمت عليكي و علي أسيل زمان من المظهر الخارجي بس .. مكنش يهمني هي يهمها أو ميهماش إن حتة زياده تظهر منها و مكنش يهمني إذا كانت هي أو واحدة غيرها لأني ولا أعرفها و لا أعرف غيرها .. كل ده مهمنيش أهم حاجة إني شوفت حد محتاج مساعدة و ساعدته .. و مش ندمان علي اللي عملته .. لا ده أنت اللي المفروض تندمي علي اللي قولتيه .. أنزل توتة و قام و أخذها ليترك تالا وحيدة تفكر بكلماته .. ظلت تتابعه بعينيها و هو يرقص مع توتة و أصدقاء أسر و أسر الذي ترك أسيل لبعض الوقت و قام ليرقص معهم .. كم كان فاتناً جذاباً و هو يمرح معهم و يرقص .. لأول مرة تعلم أنه يجيد الرقص بهذا الشكل الرائع .. قطع متابعتها لأدهم الفتاة التي ساعدها .. نظرت لها لتلاحظ أنها واقفة أمامها بفستان مختلف .. مدت الفتاة يدها لتالا لتسلم عليها قائلة بابتسامة : قاللولي إن حضرتك مرات أستاذ أدهم .. أردفت معرفة نفسها : أنا بنت عمة أسر
سلمت عليها تالا من تحت الضرس كما يقولون لتقول الفتاة بابتسامة : ممكن تشكريلي أستاذ أدهم علي موقفه الشهم معايا .. كنت عايزة أشكره وجهاً لوجه بس للأسف .. حولت نظرها لأدهم و هو وسط الحشد لتقول : هو مش فاضي فقولت أجي أشكرك أنت و حضرتك توصليلوا شكرى
ابتسمت تالا ابتسامة صغيرة و اؤمأت برأسها .. قامت الفتاة و كادت أن تذهب لكن تالا أوقفتها قائلة و هي تنظر للجاكت الموضوع علي يدها : أعتقد إن في حاجة بتاعتي معاكي
نظرت الفتاة لما تنظر له تالا قائلة بحرج : أسفة جداً مخدتش بالي .. كادت أن تعطيها لها لكنها وجدت أدهم يقف بجانبها .. متي و أين و كيف لا يعلم أحد هذا الجواب غير أدهم الذي جاء سريعاً عندما رأها تقف مع تالا .. لم يكن يخاف علي تالا من الفتاة بل العكس .. مدت يدها لتسلم عليه و تشكره ليظل أدهم ينظر لها لبعض الوقت و هو متردد .. لا يسلم علي نساء و لا يرغب بإحراجها بنفس الوقت .. ماذا يفعل !! يكره الوقوع بتلك المواقف التي لا يعرف كيف يتصرف بها .. كانت هي تتابع ما يحدث و هي تتوعد له لو سلم عليها و وضع يده بيدها .. هي تعلم جيداً انه لا يسلم علي النساء لكنها تري التردد بعينه الأن .. يجب أن تتصرف بسرعة و تستخدم كيد النساء خاصتها .. وضعت يدها علي أحشائها قائلة بألم مصطنع : اااه يا أدهم .. بطني بتوجعني أوي
بالفعل حدث مبتغاها .. أنزلت الفتاة يدها و ألتفتت لتالا بعدما هرع أدهم بتجاهها و سألها بقلق : مالك ؟
نظرت له قائلة بألم مصطنع استطاع أن يميزه عندما قابلت عيونه عيونها المتوترة : مش عارفة بطني وجعتني فجأة بس خلاص الألم راح .. فهم على الفور ما كانت تحاول فعله .. اؤمأ برأسه قائلاً و هو ينظر لها نظرة ذات مغزي يعرفها بأنه فهم ما تفعله و كشف خدعتها : اااااه قولتيلي بطنك وجعتك فجأة .. أردف قائلاً : عادي يا حبيبتي عشان حامل مش أكتر
ابتسمت الفتاة لها قائلة : ربنا يقومك بالسلامة إن شاء الله
مدت يدها بالجاكت لأدهم قائلة بامتنان : شكراً ..كادت أن تذهب لكنها أردفت قائلة بتساؤل : ممكن بس تقولي أسم البيرفيوم عشان ريحته تجنن
كاد أدهم أن يتكلم لكن تالا نظرت لها نظرة جامدة و قالت بضيق لمسته الفتاة : أنا اللي كنت جايباه و ناسيه أسمه دلوقتي
ابتسمت الفتاة بجرج و ذهبت بعدما اعتذرت لهما علي الإزعاج لتجذب تالا الجاكت من يد أدهم و تقول بضيق : أنا عارفة إنك بتحب جاكت البدلة ديه بس انساها خالص من انهارده و البيرفيوم ده تغيروا عشان بقي يضايقني
حرك أدهم رأسه باستنكار قائلا : لا و الله
نظرت له بابتسامة تحدي قائلة : أه و الله
كاد أن يتكلم لكنه وجد أحد الأشخاص يربت علي كتفه و هو يخبره بأنه يريد أن يتحدث معه علي انفراد و بالفعل تركها أدهم و ذهب و هو يخبرها أن تضع عينيها علي توتة الجالسة بجانب أسيل حتي تأتي سارة و أمه .. أخذه أدهم للخارج بعيداً عن صخب المكان .. نظر له أدهم قائلا بتساؤل : اتفضل أنا سامعك
نظر له الشاب بتوتر لكنه لملم شتات نفسه قائلاً : أنا شريف عندي 28 سنة .. رائد و صاحب أسر العريس .. والدتي متوفية و عندي 3 أخوات بنات .. قاطعه أدهم قائلا بعدم فهم : و أنا مالي بكل الكلام ده ؟
تنحنح قائلا : الصراحة أنا لسة جاي الفرح من نص ساعة بالظبط و شوفت الأنسة أخت حضرتك اللي كنت واقف معاها
نظر له أدهم باستنكار ثم قال بسخرية : الأنسة أخت حضرتي !!
اؤمأ الشاب برأسه و هو مستغرب من لهجته الساخرة فقال : أه ايه الغريب في كده
أشار له أدهم بيده ليكمل فتابع الشاب كلماته قائلاً : عجبني فيها لبسها و إنها غير أي واحدة في الفرح حسيت إنها محترمة بجد و تنفع أم لعيالي و جمالها الطبيعي و هي مش حاطة ولا نقطة مكياج في وشها و غير ده كله حسيتها هادية كده
رفع أدهم حاجبيه قائلا و الغيرة تستعر به قائلاً : و ماله و ماله و ايه كمان ؟
أكمل قائلاً بحرج من أسلوب أدهم : معرفش بس حسيت إني اتشدتلها أوي فقررت أدخل البيت من بابه و أتقدملها فممكن تاخد ميعاد مع والد حضرتك عشان أجيب أهلي
ضحك أدهم بسخرية و قال بتوعد : هو من ناحية إن أهلك ييجوا فهما فعلا هييجوا عشان يستلموا جثتك من تحت إيدي بإذن الله
قطب الشاب جبينه قائلاً بانفعال : هو ده جزاء اللي يدخل البيت من بابه
تنهد أدهم بغضب ثم صدمه بما قاله : أه جزاءه لما يتقدم من باب جوزها .. أردف قائلا : مالاحظتش خالص الدبلة اللى في إيديها طب سيبك من ديه مسألتش احنا مين أو هي تقربلي ايه اصلا ؟ ولا جيت زي الطربش كده تقول أي كلام ملوش أي تلاتين لازمة
تلون وجه الشاب علي الفور لألوان الطيف .. أفاق من صدمته سريعاً و تأسف قائلاً : أنا أسف جداً و الله مكنتش عارف أنا افتكرتها أختك زي ما قولت في الأول خصوصاً انكم فيكوا شبة كبير من بعض .. حاول رسم ابتسامة قائلاً : ما شاء الله لايقين علي بعض لدرجة إني أفتكرت إنك أخوها .. أنا بجد بعتذر مرة تانية
تنهد أدهم بنافذ صبر و تركه و ذهب و هو يتمتم قائلا : كانت نقصاك هي
دخل ليجلس علي الطاولة المتجمع عليها أفراد عائلته لينظر لتالا و هو يقول بسخرية : مبروك جالك عريس يا مدام
نظرت له بعدم فهم ليمسك يدها الشمال القابعة بها الدبلة و هو يقول بجدية : ابقي فكريني أغيرلك الدبلة ديه عشان صغيرة مش بتبان .. أردف قائلا : بصي أنا هقوم عايز لما عيني تيجى عليكي ألاقيكي يا حاطة إيديكي ديه تحت خدك عاملة نفسك بتفكري يا بتكلي ضوافرك حتي لو وصلت إنك تحطي إيديكي في بوقك زي العيال الصغيرة اعمليها.. توعد لها قائلاً : و لو لقيتك منزلة إيدك هنكد عليك يا بنت أحمد أظن كلامي واضح و قدامهم كمان .. قام و هو يقول : ال أنسة أختك ال .. مش عاجبه أنا ولا ايه ؟
بدأت تفهم ما يدور .. فعلت كما طلب منها بالحرف فقد كانت سعيدة للغاية .. لقد غار .. غار عليها .. كم تعشق أسر و أسيل اللذان كانا السبب في تكلمه معها طوال اليوم و غيرته عليها .. عندما رأت منال الإبتسامة دعت لهما أن يصلح الله حالهما و يرزقهما بالسعادة الدائمة
كانت جالسة تبكي أمام صابرين علي ابنها الوحيد الذي حكم عليه القاضي بالحبس سبع سنوات جراء القتل الخطأ الذي ارتكبه .. صاحت بها صابرين قائلة : لو هتفضلي تعملي كده يا هالة يبقي خدي نفسك و روحي علي بيتك أنا مش ناقصة نكد و غير ده كله لميس كل أما تنام أنت تصحيها
بكت هالة و صاحت بها : مش هتحرميني من بنت ابني زي ما حرمتيني من ابني .. أردفت قائلة : أكيد أنتِ طبعا مستريحة دلوقتي عشان ابني بقي في السجن و خدتي حق بنتك زي ما كنتِ عايزة
صاحت بها صابرين قائلة : تفتكري سبع سنين ممكن يشفو الغليل اللي جوايا علي بنتي و بنت بنتي .. أردفت قائلة : حتي السبع سنين دول حساهم قليلين أوي علي اللي أبنك عمله في بنتي و انت كنت أكتر واحدة شاهدة علي اللي كان بيعمله معاها
نزلت دموع هالة قائلة : بس علي الأقل كان يربي بنته .. أنا عارفة إن ابني غلط في حق بنتك بس هو من ساعة موتها و هو مكسور .. كسرته أكبر بكتير أوي من كسرتنا يا صابرين
مسحت صابرين دموعها قائلة : نصيبه كده و بنته أنا و أنتِ هنربيها أحسن تربية .. هنربيها تربية عكس اللي اتربت أمها عليها و اتربينا أحنا كمان عليها .. الزمن بيتغير يا هالة و يمكن ده اللي مخدتش بالي منه و أنا بربي لميس بنتي ربيتها علي زمن أمينة و سي السيد بس التربية ديه هتتغير دلوقتي .. هنربيها علي الإيجابية مش السلبية .. هنربيها إنها بالأدب و الأخلاق تقدر تاخد حقها من أتخنها تخين و بالعلم تقدر تكون أحسنها بنت و أثقفهم .. موافقة يا هالة .. صمتت قليلاً قائلة : مقدامكيش غير إنك توافقي و أنا مقداميش غير إني أعمل كده يمكن أكفر عن ذنبي قدام بنتي
نزلت دموع هالة قائلة : عندك حق معنديش حل غير إني أوافق و أحاول أعمل اللي أقدر عليه معاكِ في تربيتها .
مرت سبع سنوات كاملة بسرعة البرق .. خرج ذلك الرجل من السجن و هو غير الرجل الذي دخله .. لقد تغير به الكثير ظاهرياً و باطنياً .. فرد ذراعيه علي أخرهما لتنعم رئته ببعض هواء الحرية .. كم هو جميل طعم الحرية .. يتوق شوقاً ليشاهد أبنته الصغيرة ذات السبع سنوات .. كان يشاهد صوراً كثيرة لها من و هي صغيرة و يسمع عنها الكثير .. الكثير و الكثير من أمه قبل أن يتوفاها الله منذ سنة تقريباً .. ابتاع الكثير من الهدايا و الفساتين لها من نقوده و نقود ورثه الذي ورثه عن والده التي كان يدخرها بالبنك .. وصل لمنزل صابرين لتنزل دمعة منه فهو لن يجد لميس حبيبته بالداخل كذلك أمه .. مسحها سريعاً فهو لن يري لميس حبيبته و أمه لكنه سيري لميس أبنته .. دق الباب لتفتح له تلك السيدة المسنة التي يحفظ ملامحها مهما تغيرت .. ظلا يتبادلان النظرات لبعض الوقت ثم اقترب منها و انحني ليقبل يدها بتوتر و خوف أن تردعه لكنه وجدها تسحبها لها و تحتضنه قائلة : حمد لله علي السلامة
لاحظ تلك الفتاة الصغيرة التي أتت من الداخل راكضة و اختبأت وراء صابرين و تمسكت بثيابها و هي تتطلع لهذا الغريب التي تحتضنه جدتها .. ابتعد عن صابرين و جثي علي ركبته حتي يصبح بمستواها .. حاول أن يراها لكنها كانت تختبئ وراء صابرين .. مد يده لها لتنظر لها لبعض الوقت بحيرة ثم ترفع عينيها لصابرين لتحثها صابرين على الإقتراب و الإطمئنان و الدموع بعينيها .. خرجت من مخبأها و وقفت أمامه و هي تتطلع له منتظراه أن يعرفها هذا الغريب عن نفسه فيبدو أن علاقته قوية مع جدتها حتي تحتضنه كهذا .. أما هو فما إن وقفت أمامه و هو لا يري غير لميس .. نظر حوله و هو يحاول أن يستوعب هل مازال بالحاضر أم رجع للماضي مجدداً و ها هي الفتاة ذات السبع سنوات التي يعشقها و هو الولد ذو الأربعة عشر عاماً .. أخرج الهاتف الذي ابتاعه لتوه و نظر لشاشته التي عكست صورته ليري أنه لم يعد ذلك الولد المراهق .. حول نظره لصابرين ليجدها لم تعد تلك الشابة أيضاً .. هما بالحاضر و ليسا بالماضي و لكن كيف تكون هناك لميس صغيرة و هما بالحاضر .. هل ابنته تشبه أمها لهذا الحد الكبير .. اقترب منها و سحبها إلي أحضانه و احتضنها بقوة و هو يبكي .. انتشلت الفتاة نفسها منه قائلة : حضرتك مين ؟
جذبها لأحضانه مجدداً و قال و هو علي نفس حالته : بابا .. بابا يا حبيبتي
انتشلت نفسها منه قائلة بضيق : أوعي كده أنا زعلانة منك .. زعلانة أوي
نظر لها بدهشة قائلاً بتساؤل : زعلانة مني ليه يا حبيبتي ؟
ربعت يدها أمام صدرها قائلة بضيق : لما مامي ماتت و راحت عند ربنا و هي بتولدني أنت سافرت بره و سبتني هنا مع نينة و مكنتش بتسأل عليا خلاص .. كل اللي كنت بتعمله إنك تبعتلي لعب و تجبلي حاجات حلوة و بس .. نزلت دموعها قائلة : و كنت كل أما أقول لنينة إني عايزة أكلمك كانت تقول بابي مشغول و لما يفضي هيكلمك بس أنت مش كنت بتفضي أبدا
ضمها إليه بقوة قائلاً : أنا أسف .. أسف يا حبيبتي مكنش قصدي أهملك بس كنت بشتغل عشان أجيبلك اللعب و اللبس .. أردف قائلاً بعدما أبعدها عنه قليلاً و ربت علي كتفها قائلاً : أنا رجعت أهو و هعيش معاكي و مش هسيبك تاني أبدا بإذن الله
حركت رأسها نافية و هي تقول : لا أنت بتكدب عليا
ربت علي وجهها بحنو قائلاً بجدية : لا مش بكدب عليكي أنا فعلا مش هسافر تاني بإذن الله .. أردف قائلاً : حتي اسألي نينة
نظرت لصابرين لتشاهد رد فعلها علي ما يقوله لتطمئنها و تصدق علي كلماته .. بدأت تطمئن و تبث السكينة بروحها فابتسمت ابتسامة صغيرة و هي تقول : طب أنا عايزة أروح الملاهي
ابتسم مروان قائلاً : بس كده .. عيوني لحبيبة قلبي .. اقتربت منه لميس و احتضنته لتقول صابرين : ممكن تتغدوا الأول و بعد كده تبقوا تروحوا مطرح ما انتو رايحين
اؤمأت لميس برأسها و قالت : موافقة يلا اساعدك عشان نخلص بسرعة ابتسمت لها صابرين و ربتت علي كتفها قائلة : شطورة يا حبيبتي .. يلا روحي و أنا هاجي وراكي
بالفعل ذهبت إلي المطبخ لتقول صابرين له بنبرة محذرة : أنا لتاني مرة هثق فيك يا مروان .. هي أه مش هتبقي ثقة كاملة بس هي بنتك و أنا مقدرتش أبعدها عنك و لا أبعدك عنها خوصوصاً إنها محتجاك في حياتها و أنا مش هعيشلها كتير
اؤمأ مروان برأسه قائلاً : اللي شوفته علمنى كتير .. ديه بنتي من لحمي و دمي و محدش هيخلي باله منها أدي و شكراً إنك مقولتلهاش الحقيقة
اؤمأت برأسها قائلة : عشان نفسية البنت مش أكتر صدقني و يا رب يكونوا السبع سنين غيروا فيك و علموك فعلا زي ما بتقول ..أردفت قائلة بعدما باغت سؤالها عقلها : هتشتغل ايه ؟
مروان بجدية : هعمل مشروع بالفلوس اللي في البنك عشان زي ما أنت عارفة مش هقدر أشتغل شغلنتي تاني
كادت أن تتكلم لكن أوقفها صياح لميس من الداخل و هي تناديها لتأتي حتي تحضر الطعام حتي تأكل و تخرج مع والدها مثل باقي أصدقاء صفها التي كانت تراهم دائماً برفقه والديهما التي حرمت هي من حنانهما لسبع سنوات كاملة .
في مكان أخر بأحداث مشابهة إلي حد ما لأسرة أصبحت مشتتة منذ سبع سنوات .. جلس هذا الأب برفقة تلك الفتاة المسماة بتالا التي تملك من العمر تسع سنوات تقريباً و ابنة أخري تمتلك من العمر سبع سنوات فنيفين أكتشفت أنها تحمل بأحشائها طفلاً بعد طلاقها من ماجد .. ربت علي شعر ابنته الصغيرة بحنان لتنظر له و تقول بتساؤل : بابي هو أنت ليه مش عايش معانا احنا و ماما زي صحابي و سايبنا قاعدين عند تيتة
نظرت لها تالا نظرة ناية و هي تنهرها من خلالها فأمها حذرتهما من التحدث بهذا الموضوع أما هو اطرق رأسه أرضا و لم يستطع الرد عليها فهو لا يجد رد مناسب لما فعله بالماضي .. هل يخبرها أنه بسبب غبائه استغني عن زوجته التي تعشقه في سبيل أنانيته .. هل يخبرها أنه حتي الأن يترجي نيفين حتي تعود زوجة له و ليست أما لأولاده فقط .. هل يخبرها أن الإنسان كائن غبي لا يدرك قيمة الشئ إلا عندما يفقده و يضيع من بين يديه .. تذكر منذ سنوات عندما بدأ يستعيد صحته من جديد بعد شهور مما فعله معه أدهم .. تذكر عندما كان يتجول بإحدي ردهات المشفي كما طلب منه الطبيب ليجدها أمامه تقف مع الممرضة و لكنها ركضت و اختفت عندما رأته .. تذكر عندما حاول استجواب الممرضة التي لم تنطق بحرف إلا عندما أعطاها إكرامية لتخبره بعدها أنها تأتي كل يوم و تسأل عن صحته و ما الذي يتجدد بحالته .. منذ ذلك الحين و أحس قلبه بها .. أحس بها أخيراً و لكن بعد فوات الأوان .. بعدما أصبحت كالنجوم يراها لكنه لا يستطع لمسها إلا بأحلامه و مخيلته .. لثاني مرة علي التوالي يضيع المرأة التي تحبه بغبائه و حماقته .. تتردد عبارتها دائماً بعقله " هيجي يوم و ينكسر فيه قلبك قبل نفسك " كانت محقة .. كم هو أحمق و يستحق كل ما حدث معه بل أكثر و أكثر .. لماذا لم يقتله أدهم بتلك الليلة حتي يتخلص من أعباء و مشاق الحياة التي عاشها و يعيشها .. ليته قتله وقتها .. ليته قتله .. أفاق علي صوت جرس الباب و بعدها غلقه فيبدو أن الطارق قد فتح بمفتاحه الخاص .. سمع صوت نيفين و هي تصيح قائلة و صوتها ينم علي الفرحة : فيفي حضري الأكل بسرعة و صحي ماما عشان عندي ليها خبر يجنن .. صاحت قائلة كالأطفال : اترقيت في الشغل انهارده .. نعم فبعدما تطلقت من ماجد انتظرت شهور حملها أن تنتهي لتضع مولودتها و بعدما أحست أن ابنتها لم تعد بحاجة لها عملت و حققت نجاحاً كبيراً في مجالها فقد استطاعت نيفين أن تفعل ما خشيت لميس رحمها الله أن تفعله .. دخلت لتتفاجأ بماجد يجلس مع بنتيها فألقت السلام باقتضاب و كادت أن تدخل لكنه انتفض من مجلسه و وقف أمامها قائلاً : مبروك يا نيفين
اؤمأت برأسها بضيق قائلة و هي علي نفس حالتها : الله يبارك فيك .. عن إذنك
أوقفها قائلا بتساؤل : نيفين ممكن أتكلم معاكي
حركت رأسها نافية و هي تقول : مفيش يبنا كلام يا ابن خالتي .. ولادك و بسمحلك تشوفهم يبقي عداني العيب
ماجد بجدية : اديكي قولتي يا ابن خالتي
قاطعته ضاحكة بسخرية و هي تقول : هو انت متعرفش ولا ايه ؟ خالتي و خالتك و اتفرقت الخالات و القرابة ديه أسم مش أكتر
ماجد برجاء : نيفين أسمعيني أنا من بعد اللي حصل لمروة اتغيرت و الله اتغيرت و بقيت بحبك .. من ساعة ما جبت الكلب اللي اسمه عمرو ده و خليته يكتب عليها و يطلقها و أنا بتحايل عليكي ترجعيلي .. صدقيني حسيت بيكي يا نيفين و عايز أعوضك عن كل حاجة حصلت زمان .. أنا ندمان ندمان أوي .. نظر لأطفاله قائلاً : عايزين نربيهم مع بعض عشان ميحسوش بالنقص و إن في حد أحسن منهم .. خلينا نرجع عيلة واحدة تاني و صدقيني هعوضك عن كل حاجة عملتها زمان
أمرت أطفالها بالدخول لأنها تريد التحدث معه على انفراد لتتهلل أساريره فهو طوال السنين الماضية و هو يحاول أن يجعلها تقف وقفتها تلك للتحدث معه .. كان يظن أنها ستجلس لكنها ظلت واقفة و قالت بعدما فرت دمعة من عينيها : تفتكر إني ممكن أقدر أستأمن نفسي معاك تاني بعد ما كنت بتحلل لنفسك جسم واحدة تانية .. تفتكر إني ممكن أرجعلك و أنا مطمئنة علي نفسي معاك و أغمض عيني و أنا في بيتك ؟
ماجد بجدية : أنا أتغيرت والله و نسيت تالا خالص و غير ده كله أنا عارف إنك لسة بتحبيني فهتقدري
حركت رأسها نافية و هي تقول : حتي لو في لسة في قلبي اللي دمرته شوية حب فاضلين ناحيتك فأنا أسفة مش هقدر أرجع و ياريت متتكلمش في الموضوع ده تاني .. التفتت و تركته لتدخل لغرفتها لتسمعه يقول بصوت عال من الخارج : مش هيأس يا نيفين و هعمل أي حاجة لحد أما تقتنعي إني اتغيرت و بحبك .. كل أما أشوفك هترجاكي عشان ترجعيلي .. أنت اترجتيني زمان و جه الوقت اللي أرد فيه اللي عملته فيكي .. صدقيني مش هيأس و هفضل أحاول معاكي لحد أخر نفس في عمري .. بعدما تغلغلت كلماته أذنها ابتسمت بغموض !! و لا أحد يعلم سر هذه الإبتسامة الغامضة أو حتي نوعها غيرها هي .. فهل ابتسمت لأنه ذاق المر كما أذاقها اياه قديماً و انتقم منه ربها أم ربما لأنها ستعطيه فرصة جديدة أم ربما لأنها لم تكن تتخيل أن يفعل ماجد ما يفعله معها الأن في يوم من الأيام .. أم ربما لأنها سعدت كأي امرأة عندها مفتقرة لعاطفة لتمسك رجل لم تكن تحلم بتمسكه بها أم لسبب غير كل هؤلاء ! لا أحد يعلم .. لا أحد يعلم ما تطمره العقول و القلوب غير الله .
✾ الفصل الأخير - الجزء الاخير
كانت جالسة علي الأريكة تتابع التلفاز بشغف و هي تأكل قطعة كب كيك بالتأكيد عرفتموها أنها أسيل و لكن أجزم لكم أنكوا ستعيدون النظر إذا كانت هي أسيل بالفعل ام أنه مجرد تشابه اسماء و أننا دخلنا بالبيت الخطأ .. و بالنسبة للحلوي التي تأكلها يمكن لأي واحدة أسمها أسيل أن تأكل الكب كيك .. قالت دون أن تنظر لأبنها ذو السنة الخامسة من عمره الجالس يمسك تاب بيده و يتصفحه بتركيز : باسل يا حبيبي .. باسل .. لم تلق أي رد فقالت بضيق : باسل .. انت يا زفت .. يا نيلة يا باسل .. وضعت طبق الكب كيك جانباً و نظرت له بحدة قائلة : أنت يا الزفت يا اللي أسمك باسل أنا بنادي عليك
ألقي التاب من يده قائلاً بضجر : نعم نعم .. خسرت اللعبة بسببك
نظرت له بحدة قائلة : ايه الطريقة اللي بتكلمني بيها ديه .. لما ييجي أبوك بس و الله العظيم لقوله
سمعت صوت أسر و هو يقول : أبوه جه أهو .. نظر له قائلاً بتساؤل : هببت ايه ؟
انكمش بنفسه و هو يرتجف قائلاً بخوف : مش هببت
أسيل بضيق : لا يا أسر بنادي عليه بيطنشني
باسل بضيق : ماهي بتندهلي و أنا مشغول و بلعب في اللعبة
أسر بنافذ صبر : قول لماما أنا أسف و لما تنادي عليك تسيب أي حاجة في إيدك و ترد علطول فاهم
اؤمأ باسل برأسه بخضوع قائلاً و هو ينظر لأسيل : أسف ... أخذ التاب و غادر لغرفته لينظر أسر لأسيل و يغمز لها قائلاً : عجبتك
أرسلت له قبلة طائرة في الهواء قائلة : جداً و بعدين ما أنت عارف إنه بيخاف منك عشان شنبك ده
وضع يده علي شاربه قائلاً بفخر : الحمد لله إنك أخيرا اعترفتي أنه بيعمل هيبة .. أردف قائلا : يوم ما حلقته في كتب كتابنا و أنا معملتهاش تاني و مش هعملها
أسيل بضجر : مش عارفة ليه مش بتحلقه و الله بيبقي شكلك كيوت
وضع أسر يده علي أذنه قائلا : كـــ..ايه ياختي ؟؟؟ أنا مش قايلك الكلام المايع ده ممنوع في البيت ده ؟
ابتسمت أسيل قائلة : خلاص ولا أكنك سمعت حاجة يا برنس قولي المفيد و تعالى أحكيلي القضايا الجديدة اللي جاتلك
جلس أسر بجانبها لتقول أسيل بتساؤل : ها قول
بدأ أسر يقص لها بعض القضايا التي كانت تخيفها بشدة قديماً حتي أنه كان يستغل تلك النقطة حتي يسخر منها .. الأن لم يعد شئ يؤثر بها من تلك القواضي .. تنهدت بملل قائلة : أسر الناس ديه قديمة قوي بجد .. ليه المجرمين بقوا اسنطبة واحدة و مبيجددوش من نفسهم و أفكارهم .. أردفت قائلة : بقولك ايه معندكش طريقة جديدة لواحدة عايزة تقتل جوزها و ابنها عشان قرفنها في عيشتها ؟
أسر باستنكار : معندكش طريقة ؟؟ محسساني إنك بتطلبي مني طريقة عمل الكنافة .. أردف قائلاً بتوعد : و بعدين أنا و الواد الغلبان ده قرفينك في ايه إن شاء الله ؟ .. اقترب منها و قبض يده أمام وجهها : انطقي بدل ما أعملك وشك اللي زي القمر ده خريطة
ابتسمت قائلة : ده أنا بهزر معاك يا أسورتي هو أنا أقدر برضه
ضحك قائلاً بتوعد : بحسب
جذبته من شاربه قائلة : لا تحسب ايه مفيش الكلام ده يا برنس
قرصها من وجنتها قائلاً : بحبك والله يا بت أنتِ
أبعدت يده و ضربته بكتفه قائلة بضيق : وجعتني علي فكرة و ده مش تقدير
أمسك كتفه بتوجع قائلاً : تصدقي أنا بقيت أخاف منك بقيتي شرسة و مفترية .. أبوس إيدك ارجعي تاني أسيل البت البسكوتة الرقيقة بتاعت زمان
ضحكت بسخرية قائلة : قول للزمان أرجع يا زمان يا قلبي
نظر لها بدهشة قائلاً: لا بجد فعلاً بقيت أخاف منك .. ده أنا أخاف أكلمك أو ازعقلك تطلعيلي موس من بوقك .. اهدي يا ماما علي نفسك شوية .. وضع يده علي كتفها و ضمها إليه قائلاً : هاتي الريموت ده اما نقلب علي حاجة تانية بدل برامج الطبخ اللي قرفانة بيها ديه .. مدت أسيل يدها بالريموت ليحول القناة .. اتي باحدي الأفلام الاجنبية و اخذ يشاهده هو و هي .. تطلع بالبطلة و غازلها لتضربه أسيل بغيظ بكتفه قائلة بنافذ صبر : مش هتتغير أبدا هتفضل زي ما أنت
وضع أسر يده علي كتفه قائلاً : ايه بعكسها قدامك مش أحسن ما أعاكسها من وراكي و بعدين تفتكري واحدة زي ديه ممكن تبصلي
رفعت حاجبيها بترفع قائلة : حاجة عادية إن واحدة زي ديه تبصلك مدام نولت الشرف و أسيل هانم عبد العزيز بصتلك و أتجوزتك
حرك رأسه باستنكار قائلاً بتوعد : بقي كده
حركت رأسها بايجابية قائلة بفخر : أه هو كده و لازم يعجبك كمان
حرك رأسه بتوعد لها و أنقض عليها و هو يدغدغها ليثير ضحكاتها حتي سالت دموعها من عينيها و هي تقول برجاء من بين ضحكاتها : خلاص يا أسر .. خلاص يا أسر ربنا يخليك حرمت ..خلاص بقي و الله بغير
في النهاية معاشرة أسر لها و بقائها معه تحت سقف واحد غيرتها بكل شئ إلا حب الطعام خاصة الكب كيك .. فمازالت أسيل مفجوعة روايتنا !
كانت جالسة علي أحد الكراسي الخاصة بمصحة نفسية و بجانبها تلك الفتاة مشوشاً تفكيرها .. ربتت علي كتفها قائلة : أنت ليه رافضة يا مروة ده دكتور قد الدنيا و بيحبك و عايز يتجوزك
هزت مروة رأسها نافية و هي تقول : مينفعش مينفعش يا صافي .. أنا مش هتجوز و أنت عارفة بعد اللي حصل إني هجرت الجواز و فضيت نفسي لمساعدة الناس و بس .. أنا اه رغم اني خرجت من المصحة بس بحب أجيها عشان أساعد الناس زيك بالظبط
تنهدت صافي قائلة : ايه اللي منفعوش بس .. هو بيحبك و أنت بتحبيه و عارف مشكلتك زمان و جوازك اللي قبل كده و مع ذلك موافق
حركت رأسها نافية و عبثت بأصابعها بتوتر قائلة : مش هينفع صدقينى
زفرت صافي قائلة بانفعال : ليه مينفعش !! قوليلي حد كان يصدق أبقي كده .. حد كان يصدق إني أحب و أتجوز و إن جوزي اللي بحبه و بيحبني .. الشخص اللي أذاني و أذيته و كنت بكرهه و هو بيكرهني ! قوليلي حد كان يصدق إن صافي اللي كانت مدمرة و فقدت النطق و فقدت ثقتها بالناس و بنفسها حتي إنها كانت رافضة كل حاجة حواليها تبقي هي اللي قاعدة قدامك دلوقتي .. فاكرة من سبع سنين تقريباً لما جيتي المصحة و صداقتنا بدأت في المكان ده .. فاكرة أنا حالتي كانت عاملة ازاى يا مروة ؟ .. هي أه مكنتش تتخير عن حالتك بس كانت سيئة .. سيئة جداً .. قوليلي مين كان يصدق إن حاتم بذات نفسه ييجي يزور ألد أعداءه في المصحة و غير ده كله من غير ما يشمت فيها .. أه ساعتها كنت شايفة الشفقة في عينيه بس كانت بالنسبالي أحسن من إني أشوف نظرات الشماتة و هو شايفني و أنا بالحالة ديه .. حاتم بذات نفسه يفضل يزورني و يهتم بيا الإهتمام اللي محدش اهتمه بيا قبل كده طول المدة اللي فاتت ده أنا أكيد بحلم .. كنت شاكة في الموضوع الأول بس بعد كده بدأت أحس إنه فعلاً انسان جميل .. بدأت أحبه و أفتقده لما يغيب عني .. نزلت دموعها قائلة : مين يصدق إن صافي و حاتم يجمعهم الحب بعد ما كان بيجمعهم الحقد و الكره و غير كده إني أوافق أتجوزه .. من ساعة جوزاي منه و أنا عمري ما ندمت لحظة علي قراري ده .. أنا بجد مكنتش عارفة أنا ازاي كنت بكره راجل حنين زي حاتم مش بيزعلني أبدا .. حاتم فعلاً كان هو الرجل المناسب ليا يمكن عشان مر بظروف تشبه ظروفي من أب بعيد عن أم .. بدعي دايماً إن ربنا يحفظهولي و يخلهولي عشان أنا بحبه أوي و مش متخيلة حياتي من غيره .. كل اللي محتاجاه من ربنا بس هو بيبي صغير يملي دنيتنا ونعوض اللي اتحرمنا منه ويعيش وسط باباه ومامته مش زي ما أنا وحاتم عيشنا وسط أب و أم منفصلين .. قاطعتها مروة قائلة : إن شاء الله ربنا هيرزقكوا بأطفال كتير تربوهم مع بعض
ابتسمت صافي لكلماتها و أردفت قائلة : مروة مش من ست شهور بالظبط كنا قاعدين نفس قعدتنا ديه و انتِ اللي كنت بتشجعيني إني أوافق أتجوز حاتم و قاعدتي تقوليلي ده بيحبك و أدي نفسك فرصة جديدة و أنسي اللي فات و ابدأي من جديد .. مش كنت بتقوليلي كده
زفرت مروة قائلة : ماشي لو نفع و وافقت تفتكري إن عياله ممكن يحبوني ولا هيحسوا إني دخيلة عليهم .. تفتكري إني ممكن أبقالهم أم كويسة .. نزلت دموعها قائلة : تفتكري إن مش هييجي عليه يوم في لحظة غضب و يعايرني باللي حصل زمان .. أنا كده كويسة و بعدين أديني قاعدة مع ماجد بخدمه بدل ما هو قاعد لوحده مش هيلاقي حد يخدمه .. انتحبت قائلة : أنت عارفة إني ممكن أفدي ماجد بحياتي بسبب اللي عمله معايا .. أنتِ متعرفيش هو اتعذب و اتهان إزاي عقبال ما جاب الزفت اللي اسمه عمرو ده عشان يتجوزني
أمسكت صافي يدها قائلة : صدقيني أخوكي مش هيتضايق لما يشوفك بتتجوزي و عملتي حياة و عيلة بالعكس ده هيفرحلك .. أمسكت حقيبة يد مروة و أخرجت هاتفها و طلبت رقم دكتور سامر و أعطته لها قائلة : يلا ردي عليه و قوليله إنك موافقة
أبعدت مروة الهاتف قائلة بضيق : صافي انت مجنونة ؟
حثتها صافي قائلة و هي تمد الهاتف لها : يلا بقي فتح الخط .. ألقت لها صافي الهاتف قائلة : امسكي بسرعة ردي
أخذت الهاتف و وضعته علي أذنها و هي تتنفس بصعوبة و أنفاسها المضطربة تتصارع و كفيها الصغيرين يرتجفان ارتجافاً و هي تمسك بالهاتف .. سمعت صوته الذي طالما أشعرها بالدفء و الحنان منذ أن أصبح طبيباً معالجاً لها و أخرجها مما هي فيه .. حثتها صافي علي إخباره علي موافقتها بعيون مشجعة و بالفعل أخذت نفساً عميقاً لتخرج به ما يعتمله صدرها .. حاولت أن تهدئ أنفاسها المضطربة العالية التي تجزم أنه سمعها و شعر بها .. جمعت شتات نفسها و عزمت أمرها لتذهب عمياء مغيبة وراء قلبها المتيم به منذ ظهوره بحياتها بعدما ألقت كل مخاوفها وراء ظهرها غير مفكرة بها .. قالت في سرعة حتي لا تتراجع في قرارها و الرجفة تسري بنبرتها المضطربة بعدما سرت بجسدها بأكمله : سامر أنت لو لسه عند رأيك و طلبك يبقي كلم ماجد .. أغلقت الخط سريعاً دون أن تسمع رده .. شردت بقرارها السريع الذي اتخذته بأمر واقع و تشجيع من صافي و انعطاف وراء مشاعرها المتأججة .. سألت نفسها هل ما اتخذته من قرار سيؤدي بها إلي حياة جديدة حتي لو كانت عادية و لم تصل لذروتها من الوردية بعد الكثير و الكثير من الألم و المعاناة التي قاست منهما نفسها و روحها المكلومتين خلال سبع سنوات ماضية .. هل سيكافئها الله علي سنين صبرها و بتر روحها و كذبة هذا الخائن لها لتعود لتحلم من جديد مثل بقية نساء جنسها بعائلة تحاوطها و رجل يصبح سندها و فستان زفاف أبيض يزينها بزفافها أم أنه مجرد انجراف وقتي وراء مشاعرها المضطربة و سيأتي يوم من الأيام يندم أحد منهما علي قراره سواء هي أو هــــــــو !!
أفاقت من شرودها عندما اقتربت منها صافي و قالت بابتسامة و هي تحتضنها : مبروك مقدماً .. احتضنتها مروة و عقلها مازال يدور لتردف صافي قائلة و هي تفكر : تصدقي يا مروة كلامنا عن اللي حصل في الماضي رجعني أفكر في سؤالي اللي كنت خلاص نسيته و هو إن ازاي حاتم عرف بالرغم مع إن بابا كان مكتم علي اللي حصل و نشر إشاعة بإني سافرت أكمل تعليمي بره بعد فترة من الحادثة .. رن هاتف مروة بإسم سامر لتقول صافي بابتسامة : خلاص سيبك من الكلام ده و ردي عليه الراجل هيموت منك في مرة صدقيني
اجفلت مروة قائلة بتوتر : بس هرد عليه أقول ايه ؟
صافي بجدية : الكلام هيجيب بعضه بس انت ردي
أخذت مروة نفساً عميقاً للغاية و هي تدعو ربها أن يقف معها ثم فتحت الخط و هي متوترة و صافي تتابعها .. علي بعد مترات قليلة منهما كان يقف يذرف الدموع بعدما سمع حديثها الرائع عنه الذي يعلم بأنه لا يستحقه .. يمتلك الجواب علي سؤالها لكنه لن يستطع أن يخبرها بإجابته الحقيقية المؤلمة لو فكرت و سألته مجدداً .. لن يستطع أن يخبرها بأنه هو من قادها من البداية إلي تلك الحالة بتلك المصحة .. لن يستطيع إخبارها بأنه عندما عرف من أحد أصدقائه المقربين الذي سمع تخطيطها قرر أن يتغدى بها قبل ان تتعشى بأسيل .. لن يستطيع أن يخبرها أنه هو من دبر لها تلك المكيدة الفجة لتصبح حادثة مقصودة حتي يدمر تلك الأفعي التي تبخ سمها لكل قريب أو بعيد منها .. لن يستطع أن يخبرها أنه بعد أن فضلت أسيل ذلك الظابط عنه تدهورت حالته النفسية و تلوي قلبه ألماً .. لا يعلم لم أتت هي إلي ذاكرته بذلك الوقت لكنه شعر ناحيتها فجأة بالذنب .. شعر أن رفض أسيل له لم يكن إلا عقاباً من الله لما فعله بصافي لكنها كانت ستؤذيها و هو لم يجد حلاً غير هذا .. لن يستطع أن يخبرها أنه زارها في المشفي و اهتم بها لأنه يشعر بأنه السبب لما هي به خاصة أنها لم تكن صافي السامة بل كانت ضعيفة .. ضعيفة للغاية مهشمة .. كما لا ينكر أنه في بادئ الأمر كان يشفق و يمن عليها و تقربه منها لم يكن إلا شعوراً بالذنب .. تقرب منها و هو يريد أن يكون صديقاً لا أكثر يخفف عنها ما بها لكنه أحبها .. أحبها عندما لمس بها جانباً جيداً .. لمس بها جانباً فاقداً للحب و الإهتمام .. لمس فتاة صغيرة خائفة بداخلها تحتاج لمن يقف بجانبها و يأخذ بيدها للنور .. لم تكن كلها سوداء كما كان يظن فقد أدرك هو بقربه الشديد منها نقطة بيضاء وسط تلك العتمة السوداء .. لا يهم كل ذلك السواد مدام هناك نقطة واحدة بيضاء يمكنها أن تنتشر و تكتسح ذلك السواد .. كانت تحتاج لأحد أن يحرك البياض بداخلها و بالفعل استطاع .. لم يحرك النقطة البيضاء بداخلها هي فقط بل حرك النقطة الكامنة به أيضاً .. كانا يساعدان بعضهما علي نشر البياض لعلهما ينجحان في نشر الضوء و إبعاد الظلام .. كل يوم يدعو الله أن يسامحه و يستره لما ارتكبه بحقها .. يدعو الله أن لا تعلم أبداً حتي لا تتركه و هو أصبح متيماً بها .. يدعو الله أن يستطيع هو أن يتناسي ما فعله بحقها .. لو كان يعلم بأنه سيحبها كل هذا الحب لما سلط هؤلاء عليها و كان قتلهم قبل أن يقتربوا منها .. مسح دموعه بأنامله حتي يبدو طبيعياً عندما يذهب لها ليصطحبها للبيت و هو مازال يدعو الله بنفسه أن يستره فيكفي شعوره بالذنب اتجاهها .. فهل سيستمع الله لدعائه و يستجيب له !
كانت جالسة تحتضن ابنها الصغير الذي سالت دموعه و مازالت تسيل إلي صدرها و هي تربت عليه بحنان قائلة بصوت حنون : يا حبيبي بابي لا يمكن يسيبنا أبداً لازم تبقي متأكد من كده .. أول ما يحس بغيابنا هيرجعلنا علطول كفاية عياط بقي عشان مامي متزعلش منك .. مدت أناملها و مسحت له دموعه ثم ربتت بحنان علي شعره الأسود الفاحم كوالده و هي تشدد احتضانه قائلة بيقين : إن شاء الله هيرجعلنا
نظر طفلها حوله لتلك الصحراء التي تحاوطه من كل مكان و بعض الأضواء القليلة المنبعثة من الأرجاء و هؤلاء الناس الغرباء الذين ينظروا لهما بشفقة و هو يقول بخوف و يزيد تمسكه بثيابها : مامي أنا عايز أمشي من هنا بقي أردف قائلاً بعدما سالت دموعه مجدداً : أنا أسف يا مامي أنا السبب إننا نبقي هنا دلوقتي .. لو مكنتش قولت لحضرتك إني عايز أروح التواليت مكنش الأتوبيس سابنا و مشي
تذكرت منذ ساعة تقريباً عندما توقفوا بتلك الإستراحة في طريقهما من المدينة المنورة إلي مكة ليطلب منها طفلها الجالس بجانبها الذهاب للحمام لتقوم و تنظر لأدهم لتجده ذاهباً في سبات عميق و هو محتضن ابنتها خديجة توأم ابنها أحمد .. لم تشأ أن تزعجه أو تقلق منامه هو و ابنتها لذلك تركته نائماً .. اقتربت من منال حتي تخبرها أنها ستنزل لكنها وجدتها نائمة تماما كحال أدهم فاصطحبت ابنها أحمد و نزلت و لكن لسوء حظها عندما عادت لم تجد الأتوبيس فقد غادر .. تنهدت تنهيدة طويلة للغاية و هي تدعو ربها أن يستيقظ أدهم ليشعر باختفائها هي و ولده .. مر بعض الوقت و وجدت رجلاً مسناً من أصحاب المكان يقترب منها و هو يعطيها غطاءً صغيراً لتغطي صغيرها الذي ذهب بنوم عميق حتي لا يشعر بالبرد خاصة بجو الصحراء القارس ليلاً .. شكرته تالا كثيراً ليبتسم لها الرجل ليذهب بعدها و يعود بعد دقائق و هو يحمل كوباً من الشاي الساخن بيده .. أعطاه لها و مازالت الإبتسامة البشوشة علي محياه و هو يطمئنها بأنهم بالتأكيد سيعودون من أجلهما .. احتضنت ابنها الصغير بيد و أمسكت باليد الأخري كوب الشاي و هي تردد دعائها باستمرار علي لسانها .. تعلم جيدا أن الله سيقف معها و يجعلها تحت رعايته فثقتها بالله كبيرة تفوق كل الحدود .. تعلم جيداً أن أدهم لن يتركها أبداً ففي أكثر أوقات غضبه منها لم يتركها .. مرت ثمان سنوات تقريباً علي زواجهما و هما معاً عائلة واحدة ..كان الجو من حولها ملائماً للغاية لتتذكر حياتها بأكملها معه حتي الأن .. تذكرت قربها منه في بداية الأمر عندما لم تكن تطيقه .. استفزازه لها .. ركضه ورائها و إعلان حبه و رغبته بها .. بالزواج منها .. تذكرت عندما أصبحت زوجته ورقياً .. وقوفه معها و بثه للأمل بداخلها حتي خطت شوطاً كبيراً برحلة علاجها .. تذكرت ليلة زفافهما التي لن تتمناها أي فتاة و تدعي هي ألا تمر بها أي فتاة .. مساندته إياها بعد وفاة والدها و اهتمامه بكل شئ يخصها .. صلحهما و عودتهما معاً .. تذكرت الفترة التي كان يعاملها بها كملكة علي عرش قلبه .. ربما كانت تلك هي فترة هدوء ما قبل العاصفة .. تذكرت بعدها الفترة التي تلتها كانت حقاً من أسوأ الفترات التي مرت بها و عانت فيها نفسياً و صحياً و جسدياً و حتي عاطفياً خاصة أنه قسي عليها بتلك الفترة رغم اهتمامه بها .. كان يهتم بها لكن بقسوة لكنها رغم كل هذا كانت تعلم بأن وراء قسوته تلك رجلاً حنوناً يحبها ربما لذلك تحملته .. ربما لأنها كانت تشعر به فلو كان هو من خان وعدهما لكانت فعلت ما فعله و أكثر .. كانت تظن بأنه سيصالحها و يلين معها بعد غيرته في كتب كتاب أسيل لكنه نفي كل توقعاتها و ظل علي بروده و حالته .. تعرف عدد الأيام و الساعات و الدقائق التي كان غضباناً بها منها .. ستة عشر يوماً و خمس ساعات و عشرون دقيقة .. اما الثواني فللأسف لم تحسبها .. تذكر ذلك اليوم الذي كان أول يوم يدخل عليها الغرفة بابتسامة تشع فى وجهه و تحدث ثقباً به .. تذكر عندما اقترب منها و انحني ليطبع قبلة حانية علي جبينها .. اتسعت حدقة عيناها و تهللت أساريرها فها هو قد حن أخيراً و ربما سامحها .. تذكر ابتسامها الواسعة اللي ارتسمت علي محياها بوقتها لكنها أخفتها .. تذكر عندما جلس بجانبها و أحاط خصرها بيده إلي أن استقرت علي أحشائها ليمررها عليها برفق و هو يقول " بنتي حبيبتي عاملة ايه دلوقتي ؟ " .. تذكر عندما وضعت يدها علي يده قائلة بعتاب " تاعبة مامتها و مغلباها زي ما بابابها عامل بالظبط .. أبعدت يده قائلة : و بعدين إن شاء الله هيبقي ولد أو توأم .. تذكر عندما أحاط خصرها مجدداً و هو يقول " كل اللي يجيبه ربنا كويس مدام من مراتي حبيبتي " .. تذكر عندما رفعت حاجبيها باستنكار رغم فرحتها العارمة بداخلها علي أنه أخيراً لان و في طريقه ليعود لأدهم حبيبها " لا و الله دلوقتي بقيت حبيبتك " .. تذكر عندما داعب خدودها قائلاً بحب " وحشتيني " .. تذكر أنها أبعدت يده وقتها بضيق قائلة بعتاب " لسة فاكر دلوقتي أوحشك .. ما أنا طول الفترة اللي فاتت ديه قدامك و بحاول أرضيك لكن أنت مطنشني و بتتجاهلني و لا أكني حاجة في حياتك حتي مهمكش إني حامل و غير ده كله افتكرت إنك خلاص هتصالحني و تسامحني و تعرف إني خبيت عليك غصب عني عشان خوفي عليك مش أكتر لكن أنت فضلت برضه بتعاملني وحش لدرجة إني خلاص كنت فاكرة إن كل حاجة بينا انتهت و إنك هتجي في يوم و تقولي أنت طالق " .. تذكر عندما قال لها " شوفتي إنى لما أتجاهل وجودك هتضايقي إزاى و هتتحرقي من جواكي بدل المرة ألف مرة .. ده اللي حسيته لما تجاهلتي وجودي في حياتك و خبيتي عليا حاجة مهمة زي ديه و الأكتر من كده خبيتي عليا خبر حملك و مسكتيش لأ كملتيها بطلبك للطلاق .. أنا سامحتك من زمان عشان قلبي للأسف مبيعرفش يشيل منك و فاهمك و حافظك.. و كل أما أحاول أقسي عليكِ أوي و ابعد عنك في حاجة جوايا كانت بتلومني و بتعاتبني و تمنعني من ده بس كنت لازم أقرص ودنك شوية عشان تعرفي حجم غلطتك و إن مش كل المواقف تقدري تتصرفي فيها لوحدك و إني في حياتك عشان أشاركك المر قبل الحلو و تعرفي كويس جداً إن قد ايه كلمة الطلاق كلمة صعبة مش زي اللبانة في بوقك أي حاجة تحصل أو مشكلة نواجهها تبقي هي الحل الأسهل و غير ده كله أن الصراحة هي أساس العلاقة السليمة " .. تذكر عندما ارتمت بحضنه قائلة من بين دموعها " أنا أسفة .. أنا فعلا ً كان لازم أحكيلك بس كنت خايفة عليك فكنت عايزة أبعد عنك عشان سلامتك مش أكتر .. أنا مقدرش أشوفك بتتأذي يا أدهم .. أنا بحبك لدرجة إني لو هبعد عنك عشان متتأذيش هدبح نفسى بسكينة تلمة و هبعد أهم حاجة إنك تبقي بخير و سعيد " .. ضربها ضربة خفيفة علي رأسها قائلاً بعتاب " سلامتي و سعادتي معاك بقربك مش ببعدك عني يا غبية .. أنت متعرفيش أنا بحبك قد ايه و ممكن أعمل ايه عشان تبقي بخير و معايا " .. اقترب منها بعدها و طبع قبلة علي وجنتها ليبتعد بعدها و يخرج ظرف من جيبه قائلا " أنا معملتلكيش فرح تاني غير اللي باظ و كنا متضايقين فيه بس قررت إني لازم أعوضك عن كل اللي فات و نبدأ حياة جديدة مع بعض .. قررت إنك هتلبسي الأبيض بس و احنا بنعمل حجة بعد ولادتك بإذن الله أنا و أنت و ماما و اللي ربنا يجيبه " .. تذكر فرحتها العارمة و دموعها التي نزلت فرحاً بكلماته تلك و هذا الخبر المفرح الذي تمنته بجبعتها منذ زمن .. تتذكر جيداً أنها وقتها احتضنته بشدة حتي كادت أن تخنقه بذراعيها التي التفتت حول رقبته كما أنه من شدة احتضانها له لم يستطع أن يزن نفسه ليقع بظهره علي السرير .. ارتسمت ابتسامة خجلة علي وجهها عندما تذكرت كلماته الخبيثة المشاكسة لها " وحشتني بركتك .. أنتِ كما وحشتك و لا ايه رأيك ! " .. من بعد تلك المرة لم تخفي تالا أي شئ عن أدهم حتي أنها كانت تقص له تفاصيل مفصلة لما يحدث معها لأنها لا تحتمل قلبته و تحوله.. تذكرت أن بعد تلك الفترة العصيبة التي مرا بها هدأت العاصفة و بدأ البحر يعود لحالته الطبيعية لا ساكن ولا عاصف .. إنما معتدل .. بعض الوقت ساكن و البعض الأخر مضطرب .. كأي عائلة .. يتشاجران لكنهما سرعان ما يتصافيان و يتصالحان .. تذكرت بعدما وضعت طفليها أحمد و خديجة فقد استجاب الله لدعائهما و رزقهما بتوأم .. تذكرت عندما أخبرها أن الله قد أخذ حقها من ماجد ليقص لها ما حدث بعدها .. حزنت من قلبها حقاً لما حدث لأخته و أخذت تدعي الله أن يسترها و لا يفضحها أبداً لا هي و لا أي فتاة غيرها .. تذكرت عندما أخبرها أنه كتب الجزء الخاص بنصيبه من ورث أحمد قديماً لأولاده كما أسهم بجزء كبير من ماله الخاص ليوسع الشركة لتصبح في وقت قصير من أشهر الشركات المصرية صيتاً .. تتذكر جيداً أنها بقيت أربع سنوات كاملة تحاول أن تمنعه عن ذلك السم المسمي بالسجائر إلي أن استطاعت أخيراً لتحمد ربها أنه أمتنع عنها لأنها كانت علي وشك الإستسلام .. تتذكر جيداً أن تلك كان ستصبح خامس عمرة لها معه و مع أطفالها بعد حجتين .. أنهت كوب الشاي و وضعته جانباً لتحتضن طفلها الصغير و تربت عليه بحنان .. لاحظت ذلك الأتوبيس الذي وقف أمامها بمسافة بعيدة قليلاً و بعدها وجدت فارسها ينزل منه ليأتي بعدها ركضاً بتجاهها .. اقترب منها و وقف مقابلها و عضلات صدره البارزة تعلو و تهبط سبباً لأنفاسه المضطربة المتسارعة .. حمد ربه كثيراً أنها و ولدهه بخير .. نظر لها بحدة قائلاً كعادته عندما يقلق عليها بشدة : ينفع كده ؟ ايه اللي نزلك من غير ما تقولي
لم تجب عليه فهي كانت تحمد ربها بوقتها حركت ابنها برفق ليستيقظ من سباته ليتطلع حوله ليجد أدهم واقفاً أمامه .. انطلق نحوه سريعا و احتضنه قائلاً : الحمد لله يا بابي إنك جيت .. ربت عليه أدهم و حمله لتقوم تالا و تقترب منه بخطوات معتدلة بشكل ملحوظ عما كانت سابقاً .. وقفت أمامه و أخذت تتأمل ملامحه التي تجعلها هائمة به غارقة بعشقه .. تشعر أنها تراه لأول مرة .. لم تكن تحتاج التكلم لتبث حبها له لكنها لم تكتف بنظراتها المحبة المتأملة فخرجت الكلمات من بين شفتيها الرقيقتين لتلمس كل خلية بجسده و صدرها يختلج بداخلها : تعرف إني أسعد واحدة في الدنيا عشان أنت حبيبي و جوزي و أبو عيالي اللي لو لفيت الدنيا كلها مش هلاقي أحن و لا أطيب منه و لا حد يحبني و أحبه زيك .. ألقت بنفسها لتتغلغل بين أحضانه التي تعتبرها وطناً لها يحتويها و يشعرها بالدفء كعادتها ليضمها هو إليه و يربت علي ظهرها بحنان بالغ و هو يهمس في أذنها قائلاً بحب : هفضل أحبك مهما جننتيني و طلعتي عيني و لففتيني وراكي لسابع أرض .. شعرت بابنتهما خديجة التي اقتربت لتحتضنهما معاً و هي تقول " مامي بابي احضنوني معاكوا " لترتسم ابتسامة واسعة علي وجهها و هي تحمد ربها علي نعمته الواسعة عليها بتلك العائلة التي تعشقها فمن صبر نال .. زاد اتساع ابتسامتها علي ثغرها و هي تتطلع لملامح أدهم الوسيمة الجذابة الرجولية فهي كانت علي يقين أنه سيعود من أجلها حتي لو كان بأخر الكون فقدرها مكتوب مع هذا الرجل .. هذا الرجل الذي استطاع بكل سلاسة سبــــــر أغــــــــوار قلبـــــــــها و لكـــــــــــــن كادا أن يفترقا عدة مرات لكن بحبهما و قربهما من الله ظلا معاً متحابين يتعاملان بالمودة و الرحمة .. و كما يقولون نفي النفي اثبات .
تمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت بحمد الله
و توفيقه
