رواية سيدة الشتاء الفصل الاربعون 40 بقلم الكاتبة Blue me
البارت ال40
بين الحياة والموت
-=-=-=-=-=-=-=-
نظر هشام إلى وجه أماني المتورد قائلا :- اعتذر عن خشونتي معك .. وإن كنت قد سببت لك أي ألم
وضعت أناملها على شفتيه وهي تهمس :- لا تعتذر .. أنت لم تؤذني على الإطلاق
فوق السرير العريض .. وبين طيات الأغطية الحريرية .. احتضن هشام جسد أماني النحيل وكأنه يرغب بحمايته من أي نسمة عابرة .. لم تشعر أماني يوما بالأمان كما تشعر الآن .. تمنت لو يتوقف الزمن .. وتبقى سجينة ذراعيه إلى الأبد
تأمل ملامحها الفاتنة .. شعرها الرطب الذي تناثر فوق الوسادة .. عينيها الجميلتين .. فمها الذي بدت عليه بوضوح آثار قبلاته .. علت وجهه علامات الندم وهو يقول :- لقد سبق ووعدتك بأنني لن أفرض نفسي عليك .. وها قد فعلتها للمرة الثانية .. أي رجل يحترم كلمته أنا
أسرعت تقول :- أنت لم تفرض نفسك علي الأن يا هشام .. وقطعا لم تفعل ليلة زفافنا ..
هز رأسه وهو يداعب وجنتها الناعمة :- بل فعلت .. لقد استغليت حالة الضعف التي اعترتك على إثر كابوس مزعج .. أترين أي نذل أنا ؟ .. لقد كنت متلهفا لاحتضانك بين ذراعي إلى حد تجاهلي لكل وعودي .. في الصباح .. عندما قفزت من السرير مذعورة فقدت أعصابي .. وآذيتك بكلمات لم يكن علي قولها .. بل كان علي مراعاة تصارع مشاعرك .. حرجك وخجلك .. أنا آسف
كلماته الرقيقة .. جعلت الدموع تترقرق في عينيها وهي تتأمل وجهه الأسمر الحبيب .. وتتتبع بعينيها خطوط عضلات جسده القوية .. تذكرت هجومه الضاري تحت سيل المياه الدافئة .. تجاوبها المحموم واللا متحفظ معه .. الطريقة التي حملها فيها إلى سريره
أسبلت عينيها عندما غمرتها الذكريات حتى لا يكتشف شوقها المتجدد له .. ثم فكرت .. ماذا لو اكتشفه ؟ .. ماذا لو صرحت له بحبها ؟ .. لو لمحت له به على الأقل ؟
أو ربما اكتفت بأن تمسح عنه إحساسه بالندم والعار من الذنب الذي يظن نفسه قد ارتكبه ..
نظرت إليه فالتقت عيناهما .. أذهلته المشاعر العاصفة التي ارتسمت في عينيها .. تسارعت أنفاسه وتوتر جسده .. عندما قالت بصوتها الناعم :- أنا من عليه أن يعتذر على ما حصل ذلك الصباح يا هشام .. لقد كنت مذهولة ومصدومة من الطريقة التي سلمت فيها نفسي إليك .. لم أتخيل يوما أن أكون ضعيفة وسهلة إلى هذا الحد .. خفت أن تنظر إلي بازدراء لعدم قدرتي على الاعتراض بكلمة .. ولكن الحقيقة هي أنك عندما لمستني .. لم أستطع أن أفكر على الإطلاق
ترقرقت الدموع في عينيها وهي تكمل بصوتها الأجش :- أنت أهم إنسان في حياتي في هذا الوقت يا هشام .. أنت الإنسان الوحيد الذي فهمني واهتم بي وحماني .. أنت الشخص الذي ساعدني على انتزاع الخوف من قلبي .. علمتني بأن الإحساس بكوني امرأة ضعيفة ليس سيئا دائما .. بل هو أمر رائع عندما تكون المرأة محبوبة ومحمية .. وفي حياتها صخرة تقف في وجه الرياح العاتية فتقيها منها ..
الأسابيع التي قضيناها متباعدين وانت بالكاد تكلمني كانت عذابا لا يطاق .. لم أحتمل جفاءك وبعادك وكأنك تكرهني .. افتقدت هشام .. الصديق والحامي الذي عرفته دوما .. أما ما حدث بيننا قبل قليل ....
ارتجفت وهي تحاول منع دموعها من الانهمار بغزارة وهمست :- لقد كنت في انتظار تلك اللحظة فقط كي أشعر بك قريبا مني مرة أخرى .. أنت صخرتي يا هشام .. و بدونك سأتوه لا محالة
ارتجفت شفتا هشام وهو يراقب انفجار أماني العاطفي وغير المتوقع .. سحبها إليه أكثر ليحكم احتضانها فوق صدره وهو يقول بخشونة :- هل تدركين ما تقولينه يا أماني ؟
هزت رأسها قائلة :- أعرف بأن حياتنا معا لن تكون طويلة .. وأننا سنفترق خلال أشهر قليلة حسب اتفاقنا .. ألا يمكننا خلال الفترة القادمة على الأقل أن نعيش معا كزوجين سعيدين .. يمنح كل منا للآخر بلا قيود حتى نفترق في النهاية كصديقين ..؟ أرغب حقا أن أحمل ذكرى لطيفة لنا معا عند رحيلي .. نستطيع فعل هذا يا هشام .. أستطيع كبح لساني في لحظات الغضب .. وأنت قد تخفف من تسلطك قليلا فينجح الأمر
محاولتها الأخيرة للمزاح كانت فاشلة إذ عجزت شفتاها المرتعشتان عن الابتسام .. وهشام أيضا لم يبتسم .. إذ ارتسم على وجهه تصميم قوي وشيء من القسوة .. وهو يقول بحزم لطيف :- استمعي إلي جيدا يا أماني .. نحن لن .....
بتر عبارته عندما دوى رنين الهاتف المجاور للسرير .. نظر الاثنان إلى الجهاز الرابض فوق المنضدة .. ثم عادت هي تنظر إليه قائلة :- هل سترد ؟
توتر وهو ينظر إليها قائلا :- قد يكون طارئا ما .. قد تكون جودي
جودي !!... راقبته وهو يمد يده ليلتقط سماعة الهاتف .. أذهلتها مدى سيطرته عليها بحيث كان هو من فكر بجودي أولا
سمعته يقول :- نعم .. أنا هشام عطار .. ماذا ؟ كيف حدث هذا ومتى ؟
اعتدل جالسا وقد ظهرت عليه الجدية .. حسنا ..لقد طارت الرومانسية بعيدا .. وأخذ العمل هشام منها ..جلست وهي تلف الملاءة حول جسدها وأسندت ظهرها إلى ظهر السرير وهي تبتسم .. لقد تحولت إلى زوجة تقليدية متذمرة من انشغال زوجها بالعمل ... أي تغيرات أخرى ستجد في نفسها
راقبت وجه هشام الواجم وعينيه القلقتين وهو يستمع إلى محدثه .. فأحست بأن المشكلة ليست سهلة على الإطلاق .. سمعته يقول :- سنكون هناك على الفور
أنهى المكالمة ونهض مغادرا السرير .. فقالت بقلق :- هشام .. ما الأمر ؟
التفت إليها فانقبض قلبها لمرأى النظرة التي ألقاها عليها .. ولسماع نبرة صوته وهو يقول بهدوء :- من الأفضل أن ترتدي ملابسك يا أماني .. يجب أن نغادر حالا
لم تكن بحاجة لمزيد من التوضيح لتعرف بما حصل .. لقد أصاب مكروه الفرد الوحيد المتبقي من عائلتها .. إنها جودي
نظر هشام إلى وجه أماني الشاحب وهي جالسة فوق أحد مقاعد غرفة الانتظار في المستشفى .. أمام باب جناح العمليات المغلق .. لم يدهشه صمتها وجفاف مآقيها .. فهو يعرفها الآن أكثر من أي شخص آخر .. إنها أماني .. حبيبته ذات العاطفة السخية .. والقوة الداخلية الجبارة حتى في أحلك الأوقات
ما كانت لتفقد تماسكها في حالة كهذه .. حيث تحتاج شقيقتها إلى صمودها وقوتها .. بل إنها أوصدت الباب في وجهه رافضة أن يمدها بالمواساة .. ولكنه اتخذ قراره منذ فترة .. لن يسمح لها بحجب نفسها عنه بعد الآن .. وهي في حاجة إليه في هذه اللحظة مهما حاولت الانكار
كان يقف مستندا إلى الجدار عاقدا ساعديه أمام صدره على بعد أمتار منها .. يراقبها بينما يعصف قلبه قلقا على شقيقة زوجته الصغرى
جودي الطفلة الجميلة المرحة .. التي تخفي داخلها حزنا يضاهي حزن شقيقتها .. كان تخيلها على منضدة الجراحة بين أيدي الأطباء أشبه بالصدمة له .. وتنبأ بأن أماني تفكر بالتأكيد بنفس الطريقة
قال بهدوء :- ستكون بخير يا أماني
قالت وهي تركز نظرها نحو يديها المعقودتين فوق حجرها :- أعرف
اقترب منها .. وجثى أمامها ممسكا بيديها الباردتين .. وأجبرها على النظر إليه قائلا بحزم :- لا تجلسي هكذا يا أماني .. من حقك إظهار قلقك وخوفك .. اصرخي أو ابكي أو حطمي أي شيء فلن يلومك أحد إن أظهرت ضعفك هذه المرة
نظرت إليه مصدومة من هجومه المباشر .. فقالت باضطراب :- أنا فقط لا أستطيع أن أصدق ما حدث .. أعني أن جودي سائقة ماهرة وحذرة بطبعها .. ما الذي أفقدها السيطرة على السيارة بهذا الشكل ؟ لقد سمعت ما قالوه .. لقد كانت تقود بسرعة جنونية
اغرورقت عيناها بالدموع وهي تقول بمرارة :- لقد كنت أعرف بأنها تعاني من مشكلة ما .. ابتسامتها الزائفة ومرحها المصطنع لم يخدعاني .. ولكنها رفضت تماما اطلاعي على مشكلتها وأنا لم أصر .. لقد كانت لدي فكرة مسبقة عن الموضوع وأردتها هي أن تأتي إلي بإرادتها وتفصح لي عن مخاوفها عندما تجد الوقت المناسب لذلك ..كما كانت تفعل فيما مضى .... لو أنني ألحيت عليها وأجبرتها على مصارحتي لتمكنت من مساعدتها بطريقة ما .. لما كانت الآن .....
أسرع يضع يده فوق فمها ليوقف كلماتها الهستيرية وهو يقول بحزم :- ما حدث ليس خطأك يا أماني .. فلا تلومي نفسك .. وجودي ستكون بخير .. أعدك
نظرت إلى عينيه المتفهمتين .. وتمنت لو تسمح له بضمها إليه لتشعر بدعمه وحنانه .. سالت دمعة حارة من عينيها وهي تقول بصوت متهدج :- هشام .. أنا حقا ....
توقفت عما كانت ستقوله عندما قاطعتها ضجة قادمة من آخر الرواق .. حيث رأت شابا طويلا يصرخ بغضب في الممرضة الصغيرة الحجم ذات الملابس الناصعة البياض ..بينما هي تحاول تهدئته بصبر دون فائدة ..
وقفت أماني فجأة مما فاجأ هشام الذي قال بقلق :- أماني .. ما الأمر ؟
سارت ببطء نحو الرجل والممرضة .. لتتضح الكلمات أكثر لمسامعها .. كان يصيح ثائرا :- ما الذي تقصدينه بأنك لا تمتلكين أي معلومات ؟ يجب أن تخبريني بحالها والآن على الفور .. إنها في الداخل منذ فترة طويلة وأنا أقف هنا منذ ساعات كالأحمق أكاد أموت جهلا بمصيرها
قالت الممرضة بتوتر :- إهدأ قليلا أيها السيد .. سيخرج الطبيب في النهاية وسنعرف جميعا التطورات منه
لوح بيديه وقد فقد أعصابه :- لن أنتظر أكثر .. ادخلي إلى هناك حالا .. أو اتصلي بغرفة العمليات أو افعلي أي شيء .. لا تقفي هكذا وكأنك دمية غبية تأخذ أجرا على عدم قيامها بأي شيء على الإطلاق
كلماته الأخيرة جعلت صبر الممرضة ينفذ .. والقسوة ترتسم على وجهها وهي تقول بحدة :- حتى إن كنت قادرة على فعل ما تقوله .. فمعلومات كهذه تكون متاحة فقط لأفراد العائلة .. وأنت لست واحدا منهم على حد علمي
استدارت تاركة إياه فما كان منه إلا أن لكم الجدار بقبضته بقوة أدمتها وهو يشتم بالإنجليزية دون ان يوجه الكلام إلى أحد
راقبته أماني بصمت وهو ينهار على أحد المقاعد البلاستيكية الزرقاء .. ويخفي رأسه بين يديه .. قيمته أماني خلال لحظات مواجهته للممرضة .. لقد كان شابا وسيما .. بالغ الجاذبية رغم اضطراب مظهره .. حلته الرسمية الأنيقة بدت غير مهندمة .. شعره الداكن تشعث بفوضوية فوق رأسه
لم تكن قد رأته من قبل .. ولكن قلبها عرفه .. وكأنها قابلته منذ فترة طويلة .. سمعت صوت هشام يقول من خلفها :- أماني
دون أن ترد عليه .. سارت ببطء نحو الشاب المنهار .. ووقفت أمامه بينما رفع هو رأسه نحوها ونظر إليها بعينيه الحمراوين
التقت نظراتهما فرمشت عيناه .. وكأنه قد عرفها بدوره .. وقف ببطء أمامها بقامته الطويلة .. فكانت هي من قطع الصمت وهي تقول بهدوء :- أنت تمام
اهتزت نظراته وهو يهمس :- أماني
أومأت برأسها .. فقال باضطراب :- هل حدثتك عني ؟
:- لا .. ولكن عيناها أخبرتني الكثير عنك .. كما تفعل عيناك الآن .. أنت تحبها .. صح ؟
اغرورقت عيناه الجميلتان بالدموع وهو يقول بمرارة :- أحبها .. وكدت أقتلها بحبي .. لو أنني لم أطارد سيارتها بسيارتي وأحاول إقناعها بمحادثتي .. لقد كانت تقود كالمجنونة حتى أنني تراجعت وأوقفت سيارتي تماما كي تتوقف عن الهرب وتعريض نفسها للخطر .. وعندما رأيت الحادث ...
ارتجفت شفتاه .. فقال بخشونة :- أخبريني بأنها ستكون بخير
هزت رأسها بسرعة ودموعها تغطي وجهها :- ستكون بخير .. أنا متأكدة من هذا
أحست بثقل يد هشام على كتفها .. فمسحت دموعها وهي تلتفت إليه قائلة :- هشام .. أعرفك إلى تمام .. أنه صديق مميز لجودي
قالتها بطريقة فهم منها بأن هذا الرجل كان هو سبب حزن جودي الحقيقي
غريزته الأولى كانت لتدفعه إلى ضربه حتى يدمي وجهه لما سببه من ألم لأحد أفراد عائلته .. ولكن نظرة واحدة نحو الشاب المنهار .. إلى العاطفة الصادقة في عينيه .. أخبرته بأن جودي لم تكن وحدها من يعاني
صافحه هشام بحزم :- سعيد للقائك .. ومتأكد بأن جودي ستنجو .. وتكون بخير
شد تمام على يده ممتنا له .. فاعتراف كل من أماني وهشام بوجوده جعله بطريقة ما جزءا من حياة جودي التي بقي محجوبا عنها لفترة طويلة
نظرة الامتنان في عيني أماني لتفهمه .. جعلت هشام يحيطها بذراعه ويضمها إلى صدره وكأنه يؤكد لها دعمه الدائم
في تلك اللحظة بالذات
فتح باب غرفة العمليات .. وخرج الطبيب
بين الحياة والموت
-=-=-=-=-=-=-=-
نظر هشام إلى وجه أماني المتورد قائلا :- اعتذر عن خشونتي معك .. وإن كنت قد سببت لك أي ألم
وضعت أناملها على شفتيه وهي تهمس :- لا تعتذر .. أنت لم تؤذني على الإطلاق
فوق السرير العريض .. وبين طيات الأغطية الحريرية .. احتضن هشام جسد أماني النحيل وكأنه يرغب بحمايته من أي نسمة عابرة .. لم تشعر أماني يوما بالأمان كما تشعر الآن .. تمنت لو يتوقف الزمن .. وتبقى سجينة ذراعيه إلى الأبد
تأمل ملامحها الفاتنة .. شعرها الرطب الذي تناثر فوق الوسادة .. عينيها الجميلتين .. فمها الذي بدت عليه بوضوح آثار قبلاته .. علت وجهه علامات الندم وهو يقول :- لقد سبق ووعدتك بأنني لن أفرض نفسي عليك .. وها قد فعلتها للمرة الثانية .. أي رجل يحترم كلمته أنا
أسرعت تقول :- أنت لم تفرض نفسك علي الأن يا هشام .. وقطعا لم تفعل ليلة زفافنا ..
هز رأسه وهو يداعب وجنتها الناعمة :- بل فعلت .. لقد استغليت حالة الضعف التي اعترتك على إثر كابوس مزعج .. أترين أي نذل أنا ؟ .. لقد كنت متلهفا لاحتضانك بين ذراعي إلى حد تجاهلي لكل وعودي .. في الصباح .. عندما قفزت من السرير مذعورة فقدت أعصابي .. وآذيتك بكلمات لم يكن علي قولها .. بل كان علي مراعاة تصارع مشاعرك .. حرجك وخجلك .. أنا آسف
كلماته الرقيقة .. جعلت الدموع تترقرق في عينيها وهي تتأمل وجهه الأسمر الحبيب .. وتتتبع بعينيها خطوط عضلات جسده القوية .. تذكرت هجومه الضاري تحت سيل المياه الدافئة .. تجاوبها المحموم واللا متحفظ معه .. الطريقة التي حملها فيها إلى سريره
أسبلت عينيها عندما غمرتها الذكريات حتى لا يكتشف شوقها المتجدد له .. ثم فكرت .. ماذا لو اكتشفه ؟ .. ماذا لو صرحت له بحبها ؟ .. لو لمحت له به على الأقل ؟
أو ربما اكتفت بأن تمسح عنه إحساسه بالندم والعار من الذنب الذي يظن نفسه قد ارتكبه ..
نظرت إليه فالتقت عيناهما .. أذهلته المشاعر العاصفة التي ارتسمت في عينيها .. تسارعت أنفاسه وتوتر جسده .. عندما قالت بصوتها الناعم :- أنا من عليه أن يعتذر على ما حصل ذلك الصباح يا هشام .. لقد كنت مذهولة ومصدومة من الطريقة التي سلمت فيها نفسي إليك .. لم أتخيل يوما أن أكون ضعيفة وسهلة إلى هذا الحد .. خفت أن تنظر إلي بازدراء لعدم قدرتي على الاعتراض بكلمة .. ولكن الحقيقة هي أنك عندما لمستني .. لم أستطع أن أفكر على الإطلاق
ترقرقت الدموع في عينيها وهي تكمل بصوتها الأجش :- أنت أهم إنسان في حياتي في هذا الوقت يا هشام .. أنت الإنسان الوحيد الذي فهمني واهتم بي وحماني .. أنت الشخص الذي ساعدني على انتزاع الخوف من قلبي .. علمتني بأن الإحساس بكوني امرأة ضعيفة ليس سيئا دائما .. بل هو أمر رائع عندما تكون المرأة محبوبة ومحمية .. وفي حياتها صخرة تقف في وجه الرياح العاتية فتقيها منها ..
الأسابيع التي قضيناها متباعدين وانت بالكاد تكلمني كانت عذابا لا يطاق .. لم أحتمل جفاءك وبعادك وكأنك تكرهني .. افتقدت هشام .. الصديق والحامي الذي عرفته دوما .. أما ما حدث بيننا قبل قليل ....
ارتجفت وهي تحاول منع دموعها من الانهمار بغزارة وهمست :- لقد كنت في انتظار تلك اللحظة فقط كي أشعر بك قريبا مني مرة أخرى .. أنت صخرتي يا هشام .. و بدونك سأتوه لا محالة
ارتجفت شفتا هشام وهو يراقب انفجار أماني العاطفي وغير المتوقع .. سحبها إليه أكثر ليحكم احتضانها فوق صدره وهو يقول بخشونة :- هل تدركين ما تقولينه يا أماني ؟
هزت رأسها قائلة :- أعرف بأن حياتنا معا لن تكون طويلة .. وأننا سنفترق خلال أشهر قليلة حسب اتفاقنا .. ألا يمكننا خلال الفترة القادمة على الأقل أن نعيش معا كزوجين سعيدين .. يمنح كل منا للآخر بلا قيود حتى نفترق في النهاية كصديقين ..؟ أرغب حقا أن أحمل ذكرى لطيفة لنا معا عند رحيلي .. نستطيع فعل هذا يا هشام .. أستطيع كبح لساني في لحظات الغضب .. وأنت قد تخفف من تسلطك قليلا فينجح الأمر
محاولتها الأخيرة للمزاح كانت فاشلة إذ عجزت شفتاها المرتعشتان عن الابتسام .. وهشام أيضا لم يبتسم .. إذ ارتسم على وجهه تصميم قوي وشيء من القسوة .. وهو يقول بحزم لطيف :- استمعي إلي جيدا يا أماني .. نحن لن .....
بتر عبارته عندما دوى رنين الهاتف المجاور للسرير .. نظر الاثنان إلى الجهاز الرابض فوق المنضدة .. ثم عادت هي تنظر إليه قائلة :- هل سترد ؟
توتر وهو ينظر إليها قائلا :- قد يكون طارئا ما .. قد تكون جودي
جودي !!... راقبته وهو يمد يده ليلتقط سماعة الهاتف .. أذهلتها مدى سيطرته عليها بحيث كان هو من فكر بجودي أولا
سمعته يقول :- نعم .. أنا هشام عطار .. ماذا ؟ كيف حدث هذا ومتى ؟
اعتدل جالسا وقد ظهرت عليه الجدية .. حسنا ..لقد طارت الرومانسية بعيدا .. وأخذ العمل هشام منها ..جلست وهي تلف الملاءة حول جسدها وأسندت ظهرها إلى ظهر السرير وهي تبتسم .. لقد تحولت إلى زوجة تقليدية متذمرة من انشغال زوجها بالعمل ... أي تغيرات أخرى ستجد في نفسها
راقبت وجه هشام الواجم وعينيه القلقتين وهو يستمع إلى محدثه .. فأحست بأن المشكلة ليست سهلة على الإطلاق .. سمعته يقول :- سنكون هناك على الفور
أنهى المكالمة ونهض مغادرا السرير .. فقالت بقلق :- هشام .. ما الأمر ؟
التفت إليها فانقبض قلبها لمرأى النظرة التي ألقاها عليها .. ولسماع نبرة صوته وهو يقول بهدوء :- من الأفضل أن ترتدي ملابسك يا أماني .. يجب أن نغادر حالا
لم تكن بحاجة لمزيد من التوضيح لتعرف بما حصل .. لقد أصاب مكروه الفرد الوحيد المتبقي من عائلتها .. إنها جودي
نظر هشام إلى وجه أماني الشاحب وهي جالسة فوق أحد مقاعد غرفة الانتظار في المستشفى .. أمام باب جناح العمليات المغلق .. لم يدهشه صمتها وجفاف مآقيها .. فهو يعرفها الآن أكثر من أي شخص آخر .. إنها أماني .. حبيبته ذات العاطفة السخية .. والقوة الداخلية الجبارة حتى في أحلك الأوقات
ما كانت لتفقد تماسكها في حالة كهذه .. حيث تحتاج شقيقتها إلى صمودها وقوتها .. بل إنها أوصدت الباب في وجهه رافضة أن يمدها بالمواساة .. ولكنه اتخذ قراره منذ فترة .. لن يسمح لها بحجب نفسها عنه بعد الآن .. وهي في حاجة إليه في هذه اللحظة مهما حاولت الانكار
كان يقف مستندا إلى الجدار عاقدا ساعديه أمام صدره على بعد أمتار منها .. يراقبها بينما يعصف قلبه قلقا على شقيقة زوجته الصغرى
جودي الطفلة الجميلة المرحة .. التي تخفي داخلها حزنا يضاهي حزن شقيقتها .. كان تخيلها على منضدة الجراحة بين أيدي الأطباء أشبه بالصدمة له .. وتنبأ بأن أماني تفكر بالتأكيد بنفس الطريقة
قال بهدوء :- ستكون بخير يا أماني
قالت وهي تركز نظرها نحو يديها المعقودتين فوق حجرها :- أعرف
اقترب منها .. وجثى أمامها ممسكا بيديها الباردتين .. وأجبرها على النظر إليه قائلا بحزم :- لا تجلسي هكذا يا أماني .. من حقك إظهار قلقك وخوفك .. اصرخي أو ابكي أو حطمي أي شيء فلن يلومك أحد إن أظهرت ضعفك هذه المرة
نظرت إليه مصدومة من هجومه المباشر .. فقالت باضطراب :- أنا فقط لا أستطيع أن أصدق ما حدث .. أعني أن جودي سائقة ماهرة وحذرة بطبعها .. ما الذي أفقدها السيطرة على السيارة بهذا الشكل ؟ لقد سمعت ما قالوه .. لقد كانت تقود بسرعة جنونية
اغرورقت عيناها بالدموع وهي تقول بمرارة :- لقد كنت أعرف بأنها تعاني من مشكلة ما .. ابتسامتها الزائفة ومرحها المصطنع لم يخدعاني .. ولكنها رفضت تماما اطلاعي على مشكلتها وأنا لم أصر .. لقد كانت لدي فكرة مسبقة عن الموضوع وأردتها هي أن تأتي إلي بإرادتها وتفصح لي عن مخاوفها عندما تجد الوقت المناسب لذلك ..كما كانت تفعل فيما مضى .... لو أنني ألحيت عليها وأجبرتها على مصارحتي لتمكنت من مساعدتها بطريقة ما .. لما كانت الآن .....
أسرع يضع يده فوق فمها ليوقف كلماتها الهستيرية وهو يقول بحزم :- ما حدث ليس خطأك يا أماني .. فلا تلومي نفسك .. وجودي ستكون بخير .. أعدك
نظرت إلى عينيه المتفهمتين .. وتمنت لو تسمح له بضمها إليه لتشعر بدعمه وحنانه .. سالت دمعة حارة من عينيها وهي تقول بصوت متهدج :- هشام .. أنا حقا ....
توقفت عما كانت ستقوله عندما قاطعتها ضجة قادمة من آخر الرواق .. حيث رأت شابا طويلا يصرخ بغضب في الممرضة الصغيرة الحجم ذات الملابس الناصعة البياض ..بينما هي تحاول تهدئته بصبر دون فائدة ..
وقفت أماني فجأة مما فاجأ هشام الذي قال بقلق :- أماني .. ما الأمر ؟
سارت ببطء نحو الرجل والممرضة .. لتتضح الكلمات أكثر لمسامعها .. كان يصيح ثائرا :- ما الذي تقصدينه بأنك لا تمتلكين أي معلومات ؟ يجب أن تخبريني بحالها والآن على الفور .. إنها في الداخل منذ فترة طويلة وأنا أقف هنا منذ ساعات كالأحمق أكاد أموت جهلا بمصيرها
قالت الممرضة بتوتر :- إهدأ قليلا أيها السيد .. سيخرج الطبيب في النهاية وسنعرف جميعا التطورات منه
لوح بيديه وقد فقد أعصابه :- لن أنتظر أكثر .. ادخلي إلى هناك حالا .. أو اتصلي بغرفة العمليات أو افعلي أي شيء .. لا تقفي هكذا وكأنك دمية غبية تأخذ أجرا على عدم قيامها بأي شيء على الإطلاق
كلماته الأخيرة جعلت صبر الممرضة ينفذ .. والقسوة ترتسم على وجهها وهي تقول بحدة :- حتى إن كنت قادرة على فعل ما تقوله .. فمعلومات كهذه تكون متاحة فقط لأفراد العائلة .. وأنت لست واحدا منهم على حد علمي
استدارت تاركة إياه فما كان منه إلا أن لكم الجدار بقبضته بقوة أدمتها وهو يشتم بالإنجليزية دون ان يوجه الكلام إلى أحد
راقبته أماني بصمت وهو ينهار على أحد المقاعد البلاستيكية الزرقاء .. ويخفي رأسه بين يديه .. قيمته أماني خلال لحظات مواجهته للممرضة .. لقد كان شابا وسيما .. بالغ الجاذبية رغم اضطراب مظهره .. حلته الرسمية الأنيقة بدت غير مهندمة .. شعره الداكن تشعث بفوضوية فوق رأسه
لم تكن قد رأته من قبل .. ولكن قلبها عرفه .. وكأنها قابلته منذ فترة طويلة .. سمعت صوت هشام يقول من خلفها :- أماني
دون أن ترد عليه .. سارت ببطء نحو الشاب المنهار .. ووقفت أمامه بينما رفع هو رأسه نحوها ونظر إليها بعينيه الحمراوين
التقت نظراتهما فرمشت عيناه .. وكأنه قد عرفها بدوره .. وقف ببطء أمامها بقامته الطويلة .. فكانت هي من قطع الصمت وهي تقول بهدوء :- أنت تمام
اهتزت نظراته وهو يهمس :- أماني
أومأت برأسها .. فقال باضطراب :- هل حدثتك عني ؟
:- لا .. ولكن عيناها أخبرتني الكثير عنك .. كما تفعل عيناك الآن .. أنت تحبها .. صح ؟
اغرورقت عيناه الجميلتان بالدموع وهو يقول بمرارة :- أحبها .. وكدت أقتلها بحبي .. لو أنني لم أطارد سيارتها بسيارتي وأحاول إقناعها بمحادثتي .. لقد كانت تقود كالمجنونة حتى أنني تراجعت وأوقفت سيارتي تماما كي تتوقف عن الهرب وتعريض نفسها للخطر .. وعندما رأيت الحادث ...
ارتجفت شفتاه .. فقال بخشونة :- أخبريني بأنها ستكون بخير
هزت رأسها بسرعة ودموعها تغطي وجهها :- ستكون بخير .. أنا متأكدة من هذا
أحست بثقل يد هشام على كتفها .. فمسحت دموعها وهي تلتفت إليه قائلة :- هشام .. أعرفك إلى تمام .. أنه صديق مميز لجودي
قالتها بطريقة فهم منها بأن هذا الرجل كان هو سبب حزن جودي الحقيقي
غريزته الأولى كانت لتدفعه إلى ضربه حتى يدمي وجهه لما سببه من ألم لأحد أفراد عائلته .. ولكن نظرة واحدة نحو الشاب المنهار .. إلى العاطفة الصادقة في عينيه .. أخبرته بأن جودي لم تكن وحدها من يعاني
صافحه هشام بحزم :- سعيد للقائك .. ومتأكد بأن جودي ستنجو .. وتكون بخير
شد تمام على يده ممتنا له .. فاعتراف كل من أماني وهشام بوجوده جعله بطريقة ما جزءا من حياة جودي التي بقي محجوبا عنها لفترة طويلة
نظرة الامتنان في عيني أماني لتفهمه .. جعلت هشام يحيطها بذراعه ويضمها إلى صدره وكأنه يؤكد لها دعمه الدائم
في تلك اللحظة بالذات
فتح باب غرفة العمليات .. وخرج الطبيب
