رواية دقات محرمة الفصل الثامن والثلاثون 38 بقلم نورا سليمان
أهديت تحت ذراعه التي تحاوطها سريعاً تلف يدها حول جذعه رفع وجهه إليها بطرف إصبعه آمراً إياها بحزم: "كفي عن الارتعاش والخوف عند كل شيء يحدث"
بصوت خرج هامساً باهتاً صريحاً قالت: " أنتَ لم تستطع النسيان بعد إيهاب ولا مسامحتي"بنفس ابتسامته رد بهدوء: "و أنتِ لم تنسي أفعالي السيئة ضدكِ ولكننا نريد حبي لكِ وحبكِ لي كفيل حبيبتي أن ينسينا ولا انا أسامحكِ ولكني لا أسامح نفسي "
أومأت له بهدوء وهي تريح رأسها على صدره، تمتمت بخفوت: " أنا أحبكَ إيهاب"
رفع وجهها يمرر طرف إصبعه على شفتيها قائلاً: "وأنا أعشق كل ما بكِ يا ناعمة.."
ضمها إليه بقوة يدفنها هناك في مكانها الدائم الذي أعلنت بقوة عن تملكها له؛
ليقول بصوت أجش عميق يخرج من قلبه مباشرة:"تحملي قليلاً معي حبيبتي إلى أن نتخطى كل أحزاننا, ووجعنا.."
ليردف بتملك صادق حقيقي, وهو يأخذ أنفاسه بعمق:" أنت ابنتي يا مريم, ولست زوجة فقط, ابنتي وحدي.."
تعلقت به بتشدد، تؤكد على تملكه, تردد ما يخبرها إياه:" أنا ابنتك, وأنت كل شيء إيهاب, دنياي ولا أريد لها بديل, ولا أريد في حياتي سواك.."
بعد صمت طويل بينهم مدت يدها تعبث بالحاسب الذي مازال بينهما على ساقيه, وهي تقول:" ألم يأتي وقت أن تريني ما يحتويه الملف بعد, لِمَ تؤجل الأمر؟.."
رد بصوت رتيب:" أنا لا أؤجل حبيبتي, ولكن كل ما هناك أني راجعت نفسي أن أريه لكِ هنا, ربما من الأفضل عند عودتنا للمنزل.."
أطرقت رأسها بهدوء وهى تتلمس جرحها كالعادة, وكأنها تريد التأكد دائمًا عبر هذا الفعل البسيط منها, أنه يشفى ويلتئم..
لتقول:"متى يسمح لك الطبيب بالخروج من هنا؟..أنا لا أفضل هذا المكان ولا أريد العودة وحدي للمنزل.."
: "قريبًا حبيبتي ربما في الغد.."
مد يده في حركة لا يكف عنها يتلمس بطنها بخفة, قائلاً ووجهه الفرِح عند تواصله مع طفليه يخبرها بالكثير يتحرر من أي رزانة معها, ويصبح مكشوفا لعينيها واللهفة تطل منه؛ عندما يضم بطنها بكلتا يديه كأنه يضم طفليه بالفعل,
ولا يحجبه عنهما شيء:"هل ذهبتِ لطبيبتكِ, ورأيتهما كيف حالهما؟.."
ليكمل عاتبًا:" لا أعلم رفضك لرؤيتهما هنا, هل أفهم من هذا قصدك تعذيبي؟.."
ضحكت بحلاوة وهي تحاوط وجهه بيديها, تخبره بشقاوة:"نعم أعذبك عذابا صغير للغاية, لأهدافي الخاصة.."
: "وما هي أهدافكِ الخاصة معذبتي؟.."
ردت بصدق:" أريدك أن تأتي معي عند طبيبتي, أريد أن تتعرف على المرأة التي ساعدتني لأفهم حبي لصغيري, أريدها أن تراك, وترى حبك لي, ولهفتك لهما.."
بدون أن تخبره المزيد فهم طبيبتها فريدة, من كانت تعتقد أنها سوف تساعدها في الإجهاض كما أخبره جاسر عندما سحب الإعتراف من مي بالقوة, لم يخبر مريم أنه علم بكل ما جرى, سوف يحتفظ بهذا لنفسه, خطأه كل ما جرى ذنبه وحده..
صغيرته تريد التخلص من أي شعور سابق بالدونية, والعار تستخدم حقها الطبيعي في إعلان أنها تنتمي إليه,أنها زوجة..
بوعد قاطع, وهو يقبل بطنها:"أعدكِ غداً أول شيء سنفعله نذهب سوياً؛ لأطمئن بنفسي عَلَيْكِ أنتِ قبلهما.."
رفع وجهه عن بطنها وهو عاقد حاجبيه من دخولها عليهم بدون إستئذان بإرادة من حديد, وهو يسيطر على أي رفض قد يبديه للتي أمامه, وصوتها البارد المغلول يصل لمسامعه لساخراً:" آخر شيء كنت أتوقعه أن أراك فاقدا لعقلك, ومكانتك.. وتلك تجبرك.. تفعل هذه السذاجة.. !"
بهدوء غريب وبرود مماثل رد:"مرحباً أمي.. ولكن أليس في قاموس مظاهرك الإجتماعية التي تهتمين لها, هناك شيء يدعى طرق الباب قبل الدخول.."
تقدمت بمشيتها المعرفة الأنيقة, بغرور وكأنها لا ترى أحد غيرها تدعي عدم وجود مريم,أو الإهتمام لها:" أنت ابني هل نسيت؟!.. أدخل عندما أريد وبالطريقة التي أراها أنا مناسبة.."
بادلها السخرية وهو يضم مريم تحت ذراعه, يؤكد لها بدون كلام بتشبثه بها؛أنه سيعيد لها كل إهانة تعرضت لها, ويعيد إليها كرامتها المهدورة:"ابنك وهل تذكرتني الآن منذ إفاقتي, لم أراكِ إلا مرة واحدة؟..ألم يكن من المفترض أن تجاوريني في محنتي؟.."
ردت بملل:"وهي تقول هذا على أساس..إن ابنة أمها تعطي أحدا الفرصة, كما أني لا أحتمل وجودها, ولا أعلم سر تشبثك بها,ألم يأتي الوقت بعد للتخلص منها؟.."
نهى بحزم, وصوت قوي:"توقفي عن برودكِ, لم يطلب أحد رأيكِ الذي لن أهتم به من الأساس.."
أردفت ببرود وبدون اهتمام للتي تتشبث به, ووجها يتغضن بالألم تستمر في جرحها بالقول:" أنت ابني ويجب نصحك,إن كان يربطك الطفل تستطيع أخذه منها, وتبحث عن إمرأه حقيقة, تليق بإسمك وسنك.."
بهدوء غريب كان رد فعله أن يرفع يد مريم إليه يقبلها, وهو يقول:"الأصح الهام أن تسألي تلك الفتاة المبهرة, هل أنا أليق بها؟.. تشكريها على تقبلها لي في حياتها, ومنحي حياة افتقدتها, لقد كان كرم منها أن تتقبلني بعيوبي.."
أفلت منها شرر وغضب, وصوتها يخرج مكتوم بصراخه:"إيهاب ما الذي تقوله؟.. هل جننت ألم ترى حقيقتها بعد هي س......."
بشراسة هدر بها:" اخرسي حذرتكِ سابقاً من الاقتراب منها,أو نعتها بما تعلمين جيداً انه ليس فيها, تحاولين إسقاط عيوبكم عليها.. اسمعي الهام هانم وللمرة الأخيرة
ابتعدي عنا..لن تأتي على ذكر زوجتي بأي طريقة على لسانكِ, لم أتصرف معكِ على فعلتكِ الشنيعة معها, والتي وصلتني كاملة لم تراعي حتى مرضي, وأنتِ تتهميها وتكشفى سَتري قبلها.."
حاولت نهيه, وهى تتصنع العذاب:"بني حبيبي..أنا أخاف عليك,أريد أن تعود لأحضان أمك.."
باستنكار رد :" افيقي الهام.. أي أحضان أنا رحل شارف على الأربعين من عمره,إن كنت تخافي على كرامتي, راعي سنكِ الذي وصلتِ إليه, وتصرفي كإمرأة شارفت على الستين من عمرها.."
حاولت الرد لينهي الحديث قائلاً:" أنا لن أتناقش معكِ, لا فائدة منكِ سأراعيكِ كأم, وأؤدي واجبي نحوكِ, البيت الكبير كله لكِ, افعلي ما تشائين بِه سيصلكِ شهرياً ما يلزمكِ من مال كما تحبين, وتريدين.. غير هذا لا أريد أي علاقة أو تواصل معكِ حتى تكفي عن مهاجمتها, وتمنحكِ هي المسامحة التي لا تستحقيها.."
بصدمة مما يقول خرج صوتها ذاهلاً:"إيهاب تبيع أمك من أجلها!.."
تمتم ببرود:"أنا لا أبيع أحد؛ ولكن اشتري نفسي أنا بشر, ولست آلة, تريدون منها التنفيذ, تمنحكم ما تحتاجونه بأنانية غير مفكرين بما أحتاجه, اشتري سعادتي وأخبركِ أنتِ مرحب بكِ عندما تتخلي عن جحودكِ, وقسوته في حقكِ.."
وجهت عينيها الشرسة لمريم بصوت حاقد:"فعلتيها يا ابنة فريال كما فعلتها أمكِ من قبل.."
لم تتحدث أو ترد يكفي إلى هنا, وكفى لن تواجه أحد لقد تعبت لن تحزن,أو تغضب لن يكفو يوماً عنها, ستبقي ابنتها مهما حاولت أن تتخلص من أي تشبيه لها بفريال,تشبثت به تضع رأسها على صدره تثبت ملكيتها له,إن كان هذا يثير جنون التي أمامها,إذا فلتتركها تتلظى بنيران حقدها, إيهاب ملكها واختارها هي إذاً, وبكل أنانية فلتعلم إلهام بهذا ولتحترق, ولزيادة إغاظتها, أخرجت صوتها رقيق مهذب هادئ:" آسفة ماما الهام ولكنه اختارني, ما باليد حيلة, كيف تريدين مني ترك كل هذا الحنان؟.. يجب أن أفعل كل ما أستطيع لربطه, خاصةً وهو مغرم بي كما ترين.."
جحظت عيناه بصدمة حقيقة, وهو ينظر لقطته الشقية, وهي تتمسح به بنعومة يريد الضحك, وربما تعنيفها؛ ولكن أيدعها تأخذ حقها بنفسها!..
ربما هذا يرضيها ولو قليلاً
صرخت وهي تخرج عن إتزانها:" أنا لست أمكِ أنسيتِ ما أنتِ؟..أنتِ مجرد لقيطة.."
بعنف وجسده ينتفض أولاً هو الرد:"اخرجى حالاً واحتفظي بالجزء القليل الرحيم في قلبي إتجاهكِ يا أمى.."
: "إيهاب بني.."
: "اخرجى يا أمي.. ما قلتيه لن أغفره, ومن المستحيل أن انسي يوماً فعلتكِ مع من تعرفيه.."
بطواعية غريبة, وبهدوء وكبرياء ذليل خرجت تجر أذيال الخيبة, لن تكف عن محاولة أن يعود إليها؛ ولكن ربما تتبع أسلوب آخر.
مازال الغضب متمكنا منه.
لم يستطع ذكر اسم ممدوح أمام مريم, مازالت تجفل وربما يشعر أنها تنهارخوفاً عند ذكره اسمه, جسدها يقشعر بنفور عندما تصارح معها, وهو يخبرها عن ما فعله معه, عندما استفسرت ما جري له قائلاً..أن إسراء رفضت أن تحكي لها ما فعله هو معه..
أصابها الغثيان عند التذكر,وكالعادة انكمشت على نفسها يومين متتاليين؛ بل كانت تنفر من أي ملامسة له, هو معها حتى وإن كانت غير حميمة,ما كان يحدث معها يعلم أنها لم تنسى, ولن تنسى؛ ولكن فليتجنب أي حديث عنه, يستغل شجاعتها وإجبارها لنفسها أن تنسى..
أتاه صوتها يخرجه من غضبه هادئ عاقل بإتزان غريب:"اهدأ.. ما حدث لم يكن المرة الأولى, ولن تكون الأخيرة, فلا تجعله ينغص علينا أي سعادة, وهدوء نحاول اقتناصهم.."
حررت ذراعه من إحاطتها, لتلثم يده برقة وهي تقول:"أشكرك لدفاعك عني.."
سحب يده من يدها، ليحيط ذراعيها: "بل أنا الأسف في تأخري، ولأني لم أقف بحسم في وجهها من قبل"
هزت كتفيها باستسلام: "لا تعطي للأمر أهمية، هل تذكر ما كنت تطلبه مني قبل قليل، لذا تناسى واجعلني أنسى، ساعدني"
للتنقل سريعاً في الحديث: " إذاً إيهاب، ماذا كنا نقول قبل أن تأتي حماتي العزيزة"
ضحك رغماً عنه وهو يتذكر إغاظتها لها: "تقصدين أمك العزيزة"
ضحكت قائلة: " نعم أمي، هل رأيت كم استشاطت غضبا وهي تسمع اللقب مني، اعتبره انتقاما صغيرا لست بآسفة لأني تعمدته"
تنهدت وهي تقول: " أتعلم !، أنا تعلمت درسا مهما منها "
باهتمام سألها : " ما هو؟؟"
: "لا شيء خطأ يبقى سراً، مهما حاولنا مداراته، لقد كانت تعرف كل ما يحدث بيننا منذ البداية كما أخبرتك"
زمجر ينهيها: "علاقتنا لم تكن خطأ، كنتِ زوجتي أيضاً وقتها"
وافقته، لتقول: "ربما لم يكن حراما إيهاب، لكن سريته ما كانت تجعل منه خطئا، كنت تفعل كل شيء ليبقى اجتماعنا مستترا عنهم ولكنه رغماً عن كل ذلك كان معلوما لديهم جميعا "
لتكمل مازحة تحاول أن محو شعور الذنب الذي يرتسم على وجهه: "أو ربما جنونك بي جعل حرصنا يفلت منا قليلاً "
عندما لم يبدي أي رد فعل للتجاوب معها، أكملت مزاحها وهي تقترب من وجهه قائلة: "امّم، أتعلم لقد قالت شيئا لم أفهمه"
بهدوء استفسر وهو ينظر لشفتيها الناعمتين في دعوة صريحة لحثه على فعل ما تريد،
رفرفت بأهدابها مدعية البراءة: "لقد قالت أنك كنت تبادلني قبلات محمومة، كيف هذا؟؟"
حني رأسه يقابل شفتيها هامساً بحرارة: "هل تريدين أن أفسر لك، لكن الموضوع يتطلب التطبيق لكي يصلك المعنى واضحا، أتقبلين؟"
أومأت له وقلبها يخفق بعنف تأثراً بنبرته: "نعم، أرجوك !"
بدون تردد انحنى لشفتيها وهو يستفيض في الشرح قائلاً بهمس: " فقط قبلة، تذكري"
طوقت عنقه بذراعيها قائلة بعشق: "سوف اكتفي الآن بقبلة، إلى أن نحررك من خوفك على الصغيرين"
****************
عصر اليوم التالي، في عيادة الدكتورة فريدة،
كانت مستلقية على سرير الفحص بالغرفة الخاصة، بينما يقف هو بجانبها، يمسك بيديها بتشدد.
ولكنه لم يكن معها، بل عينيه المبهورة وانتباهه الكامل كان مشدوها بما يراه أمام عينيه، معجزة كبيرة تتجلى لناظريه، أمامه على الجهاز عالي الجودة بصورة ثلاثية الأبعاد، كانت واضحة أمامه؛
طفلين صغيري الحجم، كما أخبرته الطبيبة يتقوقعاًن على نفسيهما أيديهما وأقدامهما الصغيرة للغاية تتحرك بوتيرة بطيئة داخل رحم أمهما، كان متجاورين حد الالتصاق، وكأنهما يعدان منذ اللحظة على تشبثهما بعضهما البعض، اقترب من الجهاز أكثر يرفع يده ويمررها بهدوء على كل جزء ظاهر منهما.
انشداهه وردة فعله جعلت دموعها تسيل بحب، لقد حققت له شيئا واحدا على الأقل كان يتمناه، شعور بالثقة والفخر كان يمدها به في هذه اللحظة، التي سوف تسجل في تاريخهما الطويل الحافل، لم يطرق في عقلها إلا شعور بالرضا بنفسها، بحبه لها وعشقها له بروحه وروحها التي اختلطت لتنتج ثمرة عشقهما.
سمعت صوته المبهور يقول بعاطفة أبوية فياضة وكأنه غير مصدق بعد: "طفلاي يا مريم !؟"
تعلقت بيده التي تضغط عليها تخبره بصوت مبحوح: "طفليك حبيبي، ألم أخبرك أنهما جميلين جدا"
هز رأسه بنفي يقول: "بل مبهرين"
ترك يدها ليتحرك قبل أن تدرك ما يفعله يخرج عن أي تحفظ أو رزانة يبديها أمام أحد غريب، دائماً أفعاله المنطلقة يخصها بها على إنفراد، تحرر إيهاب في التعبير عن مشاعره معها وكم كان هذا يسعدها.
لتجده في لحظة يحتضنها ويد الطبيبة التي تمسك بالجهاز الذي يظهر الجنينين مازالت على بطنها، تنظر لهما مبتسمة برضا على محياها، تمنحهما الخلوة المناسبة بالصمت وتقدر ما يمران به كليهما في بهجة خالصة.
رفع جسدها قليلا وهو يضمها إليه يردد في أذانها بقوة: "أشكرك على حمايتهما وعلى منحك لي إياهما"
عينيها فاضت بدموعها وهي تقول: "بل أشكرك أنت لإعطائي عالما صغير خاص بي، حياة أبنيها وحدي لأجلك وامنحها من قلبي كل مشاعري"
تركها ليمسك رأسها يبتسم بحبور وارتياح عينيه يشع منهما الرضا والابتهاج والانشراح: "أخبريني كيف أحبك أكثر، لم يعد في استطاعتي حقاً أن أجد المنتهى لحبك"
همس أمام عينيها التي تبادله السرور باعتراف مستسلم: "أنا امنع بكائي الآن بصعوبة، لا أشعر إلا أن أريد البكاء مثلك"
ضحكت بجذل وهي تقول: "لا أرجوك وفرها لوقت الولادة، الدكتورة فريدة تقابلك أول مرة فلا تدعها ترى دموعك، ماذا ستقول عنك؟؟؟"
: "محروم يا مريم، ميت وأنت ومعجزتك النابضة بالحياة أعدتماه للحياة"
***********
غادرت عيادة طبيبها النفسي مرتاحة واثقة أكثر، عادت لقوتها وأناقتها المعتادة،
الهدوء بينها وبين مراد يمنحها التوازن المطلوب، تحاول بثه بكل ما تستطيع من قوة حبها وثقتها ومتابعتها مع الطبيب المستمرة تكشف لها نفسها بوضوح أكبر، لقد أصبحت منطلقة، متسامحة وللغرابة فعلة حسين لم تهزمها أو تجعل تقدمها في العلاج يتباطأ بل أعطتها دفعة قوية لتحمي نفسها من أي وجع أو انحدار مرة أخرى وتتقدم في إيجاد نفسها والتحرر من مخاوفها.
صعدت لسيارتها وهي تعقد العزم على أنها سوف تذهب للشركة التي أنشأها مراد لمتابعة عمله هنا، لقد اتفقا على عدم العودة إلى هناك، إلا في بعض الإجازات القصيرة وهو وافقها الرأي؛ تريد أن تنشأ الطفلتين هنا في البلاد، لا تريد لهما التيه والتخبط بين الثقافات المختلفة التي عانت هي منها، تفهمها مراد ووافقها على الفور قاصدا أن يطويا صفحة أليمة واجهتهما هناك وأن يبدءا هنا من جديد، بهدوء وحب وتفهم يحيط عائلتهم الصغيرة.
انشراح داخل صدرها وعينيها تبرق سعادة، سوف تخبره بسرها الذي اكتشفته منذ أسبوع مضى، ترى ماذا سوف يفعل حينها؟.
أكدت لنفسها سوف يجن كالعادة ويثير الصخب أمام الملأ.
أو ربما جولة عشق منه يقابلها بها، لذا ربما كان من الأفضل أن لا تخبره في عمله، وتؤجل الأمر إلى أن تختلي به وحدهما في المنزل، حتى لا يثير فضيحة ما في عمله الذي بدأ في إرسائه حديثا.
وصلت للمبنى الذي كان أخبرها عنه، نظرت حولها وهي تخطو للمبنى الأنيق برسوماته الهندسية الغريبة ولمسات مراد الواضحة في الديكور، تعرف عمله جيداً من بين أي عمل حتى لو مميز له لمسته الخاصة التي تجمع بين شرقيته التي يعتز بها وبين الفكر الغربي.
خطت إلى داخل المبني لتسأل أحد الموظفين عن طريق مكتبه، ليخبرها أنه مكتب منفرد في الدور الثاني.
صعدت بالمصعد وهى تتوجه بعدها إلى باب المكتب الذي علق عليه اسمه، راقبت غرفة تجاوره خمنت أنها لسكرتيرته، لقد أخبرها أنه قام بتوظيف بعض الموظفين، مدت يدها تفتح الباب بدون تردد، لينمحي كل شعور لديها بالسعادة وهى تنظر لما ترى أمامها.
مراد على مكتبه يستدير بكرسيه يواجه امرأة حمراء الشعر، هذا كل ما استطاعت أن تستوعبه حمراء تقترب منه حد الالتصاق، تميل عليه بنصف جسدها، يدها على أحد ذراعي كرسيه واليد الأخرى على مكتبه، كانت تحيطه تماما؟؟؟؟.
عينيها تلتهمه بجشع واضح، نظرات تعرفها جيداً، رأتها الكثير من المرات موجهة له.
انتفضت المرأة عند رؤيتها لتهتف تخاطبها بكل وقاحة وجرأة: "هل جننت؟، كيف تقتحمين المكان بدون استئذان؟؟"
أما مراد لم يتحرك من مكانه، ربما فوجئ بوجودها لحظة فقط ليستكين بعدها سريعاً،
وهو يقول بهدوء ونظرة غريبة يتأملها بوقفتها المتحفزة: "مرحباً إسراء، لم تخبريني أنك سوف تأتين اليوم"
التفت إلى حمراء الشعر يخبرها ببرود: "إسراء زوجتي وأم بناتي، كم حظنا سيء لقد ضبطنا بالجرم المشهود"
أغمضت عينيها بوجع ضرب قلبها تنفي لنفسها بشدة؛ لا، لن تعود للصفر، هل كل ما أقنعها به كان كذباً
