رواية علي هامش القبول الفصل الثاني 2 بقلم آلاء حجازي
نا… أنا آسفة، والله ما كانش قصدي، ما شفتكش.
الشاب بص لها من فوق لتحت بنظرة مستفزة، وقال بحدة:
— هو إنتِ ما بتركزيش يا آنسة؟
إنتِ ماشية تدوسي في مخاليق الله كده ليه؟
اتلخبطت أكتر، ووشها احمر من الإحراج، وقالت بسرعة:
— حضرتك قلت لك ما كانش قصدي، والله ما شفتك.
ضحك ضحكة سخيفة وقال:
— أيوه ما إنتِ أكيد ما شفتنيش،
هو الواحد هيشوف إزاي وخدوده عاملة ستارة على عينه كده؟
الكلمة نزلت عليها زي الطوبة.
حست إن الشارع كله بقى ساكت،
وإن كل العيون بصت عليها في اللحظة دي.
بلعت ريقها بالعافية، ومقدرتش ترد.
لسانها اتشل.
وقلبها وجعها أكتر من أي وقت فات.
وفي اللحظة اللي كانت حاسة فيها إنها اتكسرت قدام الناس…
وقبل ما دموعها تنزل، صوت بنت دخل بهدوء بس بثقة:
— معلش… هو إيه علاقة خدودها باللي حصل؟
هي خبطت فيك، واعتذرت، خلص الكلام.
زينب لفت ببطء.
كانت بنت في سنها تقريبًا، لابسة عادي، واقفة قريبة وباين إنها شايفة الموقف من الأول.
الشاب حاول يضحك بسخرية:
— أنا بهزر يعني.
البنت قاطعته فورًا:
— لا، مش هزار.
الهزار ما بيكسرش بني آدم.
وبعدين كملت وهي بتبص له بنظرة حادة:
— وبعدين حضرتك مالك؟
هي خبطت فيك واعتذرت.
هو لو أنا خبطت فيك أجي أقول لك إيه؟
ما إنت لو تحلق شعرك كويس، ولا تغطي الصلعة اللي في دماغك دي كنت شوفت؟
الشاب اتفاجئ، وشه اتغير:
— نعم؟!
قالت له فورًا وبنفس ابتسامتها:
— إيه؟ زعلت كده؟
سكت، مش عارف يرد.
كملت وهي بتبص له بثبات:
— أهو نفس الإحساس.
الفرق بس إنك إنت اللي بدأت.
وسكتت ثانية، وبعدين قالت بنبرة أهدى، بس أعمق:
— بص يا أستاذ…
ربنا خلقنا كلنا مختلفين،
وده مش عيب.
وخلقنا كلنا سواسيه.
لا في فرق بين واحد تخين ولا رفيع،
ولا أبيض ولا أسمر.
وبصّت لزينب بنظرة طبطبة، ورجعت تبص له:
— الرسول ﷺ قال:
«لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود، إلا بالتقوى».
وبعدين كملت:
— وربنا بيقول في القرآن:
﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾.
سكتت لحظة، وقالت:
— يعني الشكل مش مقياس،
والجسم مش تهمة،
والإنسانية مش اختيار… دي واجب.
الشاب بدأ يتلخبط، وبص في الأرض شوية، وبعدين رفع عينه وقال بصوت أوطى:
— أنا…
أنا آسف.
ماكنتش أقصد أضايقك.
زينب كانت لسه واقفة، مش قادرة تتكلم، بس عينيها كانت مليانة دموع، مش ضعف… لا، امتنان.
بعد ما الشاب خد بعضه ومشي،زينب فضلت واقفة مكانها ثواني،
حاسّة إن رجليها مش شايلينها،
مش من التعب…
من اللي حصل كله.
لفّت نحية البنت اللي وقفت جنبها، وعينيها مليانة دموع،
وقالت بصوت مهزوز:
— أنا… أنا مش عارفة أقولك إيه…
بجد شكرًا ليكِ،
مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه.
البنت بصّت لزينب بابتسامة حنينة وقالت:
— متزعليش يا قمر.
الناس اللي بتتنمّر، بيبقوا ناقصين من جواهم.
وبيحاولوا يغطوا نقصهم بكسر غيرهم.
المفروض نفتكر دايمًا…إننا مش أقل من حد،وما نسمحش لحد يخلينا نشك في نفسنا.
لان المشكلة مش فينا، المشكلة في اللي نسي إنسانيتهم.
البنت بصّت لها بثقة، وابتسامة هادية على وشها، وقالت:
— لا شكر على واجب.
بس بصي…
إنتِ المفروض تبقي أقوى من كده.
زينب بصّت لها باستغراب شوية:
— أقوى؟
هزّت راسها وقالت بحزم:
— آه أقوى.
مش أي حد يقولك كلمة تقوم الدموع تسبقك.
إنتِ مش ضعيفة،
بس إنتِ سايبة الناس توجعك.
تنهدت زينب وقالت بوجع طالع من القلب:
— أجيب حقي من مين ولا مين؟
أي حد يشوفني يتريق عليا…
طب أنا أرد على مين؟
ولا أوقف قصاد مين؟
قربت منها خطوة، وقالت بنبرة دافية:
— تردي على أي حد.
مهما كان هو مين.
ما تسمحيش لحد يأذيك،
ولا تسيبي نفسك سهلة كده.
وبعدين كملت وهي بتبص لها من فوق لتحت:
— وبعدين هو بيتريقوا عليك ليه أصلًا؟
إنتِ بسم الله ما شاء الله،
لابسة واسع،
مختمرة،
ومحترمة…
وجميلة جدًا.
زينب اتكسفت، وابتسمت ابتسامة صغيرة وسط دموعها:
— شكرًا…
أنا فعلًا مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه.
قالت البنت بثقة:
— افتكري دايمًا،
اللي بيتريق،
مش قوي…
ده ضعيف،
وبيحاول يحس بقيمته على حساب غيره.
مدّت إيدها بابتسامة:
— على العموم، أنا سمر.
مسكت زينب إيدها بسرعة، وكأنها ماسكة أمان، وقالت:
— وأنا زينب،
بجد بشكرك من قلبي.
سمر طلعت موبايلها وقالت:
— خدي رقمي.
لو احتجتي أي حاجة،
أو حسّيتي إن الدنيا تقيلة عليك،
كلميني.
وأتمنى نكون صحاب.
زينب ابتسمت بصدق لأول مرة من بدري:
—اكيد ده شرف ليا.
ضحكت سمر وقالت:
إنتِ عسولة قوي…
تبارك الله.
زينب ردت بخجل:
— مش للدرجة دي،علي العموم شكرًا على المجاملة.
سمر بصّت لها بثبات وقالت:
— مش بجامل،
صدقيني…
إنتِ فعلًا عسولة.
بعد ما خدوا أرقام بعض، كل واحدة مشيت في طريقها،
وزينب وهي ماشية، كانت حاسّة بحاجة مختلفة…
إن لسه في ناس عندها رحمة،
لسه في قلوب بتشوف الإنسان قبل الشكل،
في الزمن ده.
دخلت البيت بعد شوية،
ولسه بتقفل الباب، سمعت صوت أبوها من جوه البيت:
— أخيرًا البرنسيسة نورت!
كنتِ فين يا بت كل ده؟
ابتسمت وهي بتحاول تخفي تعبها، وقالت:
— كنت بتمشي شوية يا بابا.
ضحك ضحكة خفيفة وقال بسخرية من غير ما يحس:
— وقدرتِ تمشي يا روح بابا بوزنك ده كله؟
الكلمة وقفتها مكانها.
بصّت له…
نفس الوجع،
بس الفرق إن المرة دي،
افتكرت كلام سمر.
رفعت راسها، وخدت نفس عميق،والكلمة كانت لسه بتوجع،بس قالت ببرود غطّى على وجع قلبها:
— أيوه يا بابا…
قدرت أتمشى.
وسابته واقفة مكانه،
ودخلت أوضتها وقفلت الباب وراها بهدوء،
من غير ما تزود كلمة،
من غير ما تعيط قدامه،
لكن أول ما سندت ضهرها على الباب،
سابت الدموع تنزل في صمت.
---------------------------------
وفي بيت محمود…دخل وهو مدايق،خطواته تقيلة،وشه متكشر،وراح قعد قدام أمه.
بصت له بهدوء وقالت:
— خير يا محمود؟
مالك داخل مكشر كده؟
تنهد وقال بنبرة متحكمة:
— أنا جاي أتكلم معاكي بالعقل،
يمكن تفهميني المرة دي.
رفعت حاجبها باستغراب خفيف:
— اتفضل،
اسمعك.
قال وهو بيفرد كلامه واحدة واحدة:
— مش المفروض لما أروح أتقدم لواحدة،
أكون متقبل شكلها؟
يعني أمال أنا هعيش معاها إزاي؟
ما هو زي ما أنا لما أروح لواحدة لو هي مش متقبلة شكلي،
وترفضني…
ابتسم بغرور وكمل:
— مع إني طبعًا مترفضش،
بس فاهمِني…
مش كده ولا أنا غلطان؟
سكتت شوية،
وبعدين قالت بهدوء:
— لا،
مش غلطان.
الجواز فعلًا لازم يكون فيه قبول.
اتعدل في قعدته،
حاسس إنه كسب الجولة.
لكنها كمّلت، ونبرتها اختلفت:
— بس…
انت يا محمود حالتك مختلفة شوية.
قطّب جبينه:
— مختلفة إزاي يعني؟
قالت وهي بصاله بعين أم شايفة ابنها كويس:
— لأنك شخص سطحي يا محمود.
وأنا أمك وبقولها لك من غير لف ولا دوران.
انت ما بتفكرش غير في الشكل،
واللبس،
والمكياج،
والمنظر قدام الناس.
سكت،واضح إنه اتضايق،بس سابها تكمل.
— ومش شايف اللي أهم من ده كله.
الأخلاق.
الدين.
الصلاة.
الستر.
الرحمة.
وبعدين قالت بصوت أهدى:
— على العموم،
أنا مش هغصبك على حاجة.
روح اقعد معاها،
اتكلم معاها.
لو حسّيت بقبول،
تمام.
ما حسّيتش،
خلاص.
وقف وهو بيشد أعصابه:
— أهو ده الكلام.
لكنها رفعِت صباعها وقالت:
— بس خليني أقولك حاجة واحدة،
ومن غير زعل.
بص لها،
فسكتت لحظة وكملت:
— لو ما اتجوزتش زينب،
انت هتخسر كتير قوي، وكمان كنت هتتعلم منها كتير قوي.
ضحك بسخرية:
— أخسر إيه يعني؟
وأتعلم من العجلة دي إيه؟
الكلمة طلعت تقيلة،حتى على ودنها هي.
بصّت له بحزم وقالت:
— تتعلم منها تحترم غيرك.
تتعلم إن الجمال مش لون ولا مقاس.
تتعلم إن الصلاة مش حاجة على الهامش،
ولا تتاخد على سطر وتسيب سطر.
وبعدين قربت منه وقالت بنبرة كلها وجع:
— زينب بنت بتصلي،
بتعرف ربنا،
بتخاف منه.
عارفة إن الجواز مودة ورحمة،
مش استعراض قدام الناس.
عارفة إن الزوج مش مجرد شكل،
ده سكن.
تنهدت وقالت:
— النبي ﷺ قال:
«فاظفر بذات الدين تربت يداك».
مش قال فاظفر بالأجمل،
ولا بالأرفع،
ولا بالأشيك.
وكملت وهي بتبص له بعمق:
— والبنت اللي تعرف ربنا،
تعرف تصون بيتك،وتصونك،وتربي ولادك.
إنما الجمال لوحده…
ما بيصليش،
وما بيصبرش،
وما بيستحملش.
سكتت شوية وبعدين قالت بهدوء موجوع:
— روح يا ابني،
ربنا يهديك لنفسك.
بس افتكر كلامي…
يمكن ربنا باعتلك زينب عشان تتعلم،
مش عشان تتفضل.
محمود قام من مكانه وهو لسه الغرور في عينيه،
وقال بنبرة مش مقتنعة:
— نشوف.
وسابها وقلبه لسه مقفول…
بس الكلام بدأ يطرق عليه،
حتى وهو مش عايز يسمعه.
----------------------------
محمود فضل طول الليلة يفكر.
مش تفكير اقتناع…
تفكير واحد عايز يثبت لنفسه قبل أي حد إن أمه غلطانة.
قال لنفسه وهو قاعد لوحده:
أنا أروح بس عشان أخلص.
أقعد، أتكلم، وأثبت لأمي إن البنت دي ما تنفعش.
وكده أبقى عملت اللي عليّا.
وابتسامة غرور سكنت على شفايفه.
وكده كده هطفشها…
هي ما تناسبنيش،
وما تناسبش حد في جمال زيّي.
تاني يوم طلب من أمه تحدد ميعاد.
وأمه وافقت…
وهي جواها أمل،
وهو جواه تعالي.
النهارده اليوم اللي هيتقابلوا فيه.
بعد السلام والكلام الرسمي،
أهلهم قاموا واحدة واحدة،
سابوهم لوحدهم في الأوضة.
سكت.
وبص لها.
نظرة تقييم…
من فوق لتحت.
وشه ما اتحركش،
بس في داخله حاجة اتلخبطت غصب عنه.
ملامحها هادية…
سمارها مش غامق زي ما كان متخيل،
عينها واسعة،
وشها مريح.
لأول مرة،
حس إن الصورة اللي في دماغه مش مطابقة للواقع.
لكن غروره وقفله الباب.
إزاي يعترف؟
إزاي يقول لنفسه إنه غلط؟
اتعدل في قعدته،
ونبرته اتملت تكبر وقال فجأة:
— بصي يا بنت الناس،أنا مش جاي أضيع وقتك ولا وقتي.
أنا متقدم لك عشان خاطر أمي وبس.
زينب رفعت عينيها بهدوء.
بتسمع.
كمّل وهو باصص بعيد عنها كأنه بيتكلم عن حاجة تافهة:
— واحدة بشكلك ده،
وبحجمك ده،
أكيد ما ينفعش تبقى خطيبتي.
