اخر الروايات

رواية سكن روحي الفصل الثاني 2 بقلم سعاد محمد

رواية سكن روحي الفصل الثاني 2 بقلم سعاد محمد


 

الفصل الثاني
*ضحية أَم...؟!*
قبل ثمانية سنوات:
شَبَّكَت أصابعها ببعضهم بتوتر شديد ووهي تختلس النظرات المنبهرة الخجِلَة إليه، لا تُصدِّق ما يحدث بالأصل حتى الآن.
أحقاً هو هنا طالباً الزواج بها؟
أحقاً هو يريدها أيضاً؟
وبالرغم من صمته وعبوسه منذ حضوره مع خالتها وزوجها وتغريد إلا أنها تكاد تطير فرحا لفكرة رغبته بالاقتران بها، أيُعقل أن الرجل الوحيد الذي لطالما أحبته يبادلها شعورها منذ سنوات كما تُقسم خالتها؟
تباطأت دقات قلبها للحظة عندما رفع عينيه إليها، أغاضب هو أم مرتبك؟ ابتعدت عيناه عنها فأطلقت زفيراً قلقاً مُضطرباً، يحق له الارتباك بالطبع فالوضع أصبح غريباً فجأة، حتى الأمس فقط كان مجرد ابن الخالة الصديق المهتم الحنون، اليوم هو خاطبها! ربما هو خَجِل ليس أكثر.
وهو..
أنفاسه ثائرة ودقات قلبه تدوي بعنف، هل يشعر فقط بالغضب والنفور؟ أم بالامتعاض والاستنكار؟ كيف وصل إلى هنا وارتضى المشاركة في تلك المهزلة؟ كيف سمح لنفسه أن يُصبح بذلك الضعف والخنوع؟ لقد اعتاد على طأطأة رأسه لوالديه في اختيار ملابسه وطعامه وأصدقائه..
حتى دراسته لم يخترها!
يتذكر جيدا يوم اجتيازه لمرحلة الثانوية العامة حينما ذهب إلى والديه قائلاً بِحماسة زائدة:
_أبي، أنا لا أريد دراسة الطب، أريد أن أصبح مُعلما، أنا أحب التدريس.
ليستنكر والده:
_هل تمزح؟! أتريد أن تصبح مجرد معلم بذلك المجموع الذي يتمناه الآلاف؟، انس هذا الهراء تماما، أنت ستصبح طبيباً شئت أم أبيت.
وتتوسل والدته:
_عَمَّار حبيبي، أنت لا تريد لهالة صديقتي أن تشمت بي أليس كذلك؟ ابنها التحق بكلية الطب بالعام الماضي، وهو ليس أفضل منك.
فيرد بتخاذل:
_ولكنني...
ولكنه وجد نفسه طبيبا رغم أنفه وأحلامه، ولم يتوقع أبدا أن يمتد انتهاكهم لخصوصياته وتسييرهما لحياته إلى تزويجه من ابنة خالته التي يراها كأخته الصغيرة ، هي فقط تكبرها بعدة سنوات، لكن مشاعره تجاهها لا تختلف، وما يغيظه ويحيره حقا تلك الابتسامة المتوردة التي ترتسم على محياها الجميل، والنظرات المختلسة التي ترمقه بها بعسليتيها ظناً منها أنه لا يلاحظها...
عندئذٍ شرد في حُلم آخر حرمه منه أبواه قريبا ولن ينساه يوما:
_أبي، أنا أريد التقدم لخِطبة رضوى.
ليهب والده صارخا:
_هل جننت؟! أتريد مني أن أُصاهر تاجر يبيع الملابس بمنطقة شعبية؟
وتضرب والدته فوق فخذيها بكفيها:
_يا ويلتي في ابني! أترضى بجلب ابنة البائع إلى بيتنا؟
فيدافع بعناد:
_لكني أحبها، هي طبيبة مجتهدة وعلى خلق، أبوها تاجر وليس لِصاً!
ليشدد أبوه بلهجة حازمة:
_انس هذا الهراء تماما، صديقي مصطفى لديه ابنة رائعة الجمال، أبوها رجل أعمال وأخوها أيضا صاحب شركة ضخمة، سنذهب لخطبتها.
وتسارع أمه بلهفة:
_وما بها مَوَدَّة ابنة أختي؟! من أجمل منها؟! كما أننا نعرفها تمام المعرفة وهي تحبك يا عَمَّار، لن ترهقني أو تسبب المشاكل، ولن نضطر لجلب كنَّة لا نعلم عنها شيئا إلى بيتنا.
فتتسع عيناه بذهول مستنكرا:
_مَوَدَّة!! هي مثل تغريد تماما!!
ولأنه دوماً ما كان سريع الاستسلام؛
قدرته على الاعتراض محدوده؛
وخنوعه يجد به سلاماً آمناً!
ها هو يجلس مع والديه وشقيقته في مواجهة أسرة خالته ليستمع _بذهول_ إلى قصة غرامه بابنة خالته واضطراره إلى كتمان عشقه منذ سنوات حتى لم يعُد يقو على الانتظار أكثر!
**********
عودة إلى الوقت الحالي:
خرجت من عملها تسير شاردة بعد أن بائت كل محاولاتها مع صاحب العقار بالفشل، لا يريد اللئيم أن يعيد إليها حتى مقدم شهر واحد مستغلا حاجتها الواضحة للمأوى والمال، وهي الآن تشعر برغبة عارمة في الصراخ أو البكاء..
ما يضيرها إن بكت الآن؟! الظلام حل على أي حال ولن يلاحظ أي شخص! انحدرت دمعة اختنقت بسبب شدة تقييدها فمدت أناملها تمحوها بسرعة ولم تنتبه إلى الدراجة النارية القادمة من خلفها ولا بالراكب خلف السائق الذي اختطف حقيبتها وانطلق!
تخشبت مكانها للحظة لا تفهم ما حدث ثم صرخت وهي تعدو خلف الدراجة التي اختفت براكبيها:
_انتظر أرجوك! انتظر بالله عليك! هاتفي! كتبي!!
وحينما أدركت أن ما تفعله بلا طائل سقطت أرضا مكانها وهي تنهار باكية كما لم تفعل يوما..
بكت يتمها؛
بكت الظلم الملازم لها؛
بكت كراهية الأقربين لها؛
بكت وحدتها وخوفها؛
بكت سرقتها وهاتفها وكتبها!
تربيتة حنونة على إحدى كتفيها جعلتها ترفع عينيها لتطالع سيدة مسنة تنظر لها بقلق:
_ما بكِ ابنتي؟ لِمَ تجلسين هكذا؟ لِمَ تبكين؟
وكطفلة صغيرة تائهة أشارت بسبابتها إثر الدراجة الراحلة وهتفت ببكاء:
_اللصوص! لقد سرقوني، هاتفي وحقيبتي!
فجأة اتسعت عيناها بذعر وهي تتابع:
_الأنذال! لقد سرقوا دفتر الملاحظات خاصتي!! أين سأكتب ملاحظاتي الآن؟!
انهارت في بكاء عنيف والمرأة تنظر إليها بتوجس، لكنها ما لبثت أن أمسكت بذراعها وهي تساعدها على الوقوف، خفتت شهقاتها وهي تنفض الغبار عن ملابسها متمتمة بشكر ضعيف للسيدة التي بادرتها متسائلة باهتمام:
_كيف ستعودين إلى منزلك؟هل تملكين أية نقود ابنتي؟
فَتَّشَت رهف جيوبها بذعر ثم زفرت بارتياح وهي تخرج ورقة من فئة العشرة جنيهات تنظر لها وكأنها أغلى كنوز العالم مُرددة بابتسامة بدت دخيلة على حالتها المزرية:
_دائما ما نصحني خالي بألا أضع نقودي كلها في مكان واحد حين أخرج.
ثم وضعت الورقة على شفتيها مقبلة إياها بامتنان مُبالَغ به!
"حسنا، إنها مجنونة!" هكذا فكرت المرأة وهي تبتعد عنها خطوة إلى الخلف مُتوجسة، لكن رهف سرعان ما استأنفت بكاءها شاكية:
_اللصوص الأوغاد! ماذا سأفعل الآن في الكتب؟! لقد كانت باهظة الثمن! ودفتر ملاحظاتي، منكم لله! عسى الله أن ينتقم منكم قريباً!
تمتمت المرأة بارتباك:
_أشعر أنك حزينة على ضياع الكتب ودفتر الملاحظات أكثر من خسارتك للهاتف!
شهقت رهف بحسرة:
_ إنها الكتب التي تساعدني في عملي، كيف سأذهب إلى المركز الآن؟!
ظل سؤالها بلا إجابة حتى زفرت بيأس والمرأة تتململ في وقفتها فافتعلت ابتسامة مخاطبة إياها بخفوت:
_أشكرك على مساعدتي، لا تقلقي عليّ! أنا سأستقل الحافلة من الموقف القريب.
انتهزت المرأة الفرصة وهي تومىء برأسها وتطلق ساقيها للريح ابتعادا عن غريبة الأطوار تلك، زفرت رهف بإرهاق وهي تجُر خطواتها جرا بعيدا عن أعين المارة الفضولية من حولها، وعندما وصلت إلى البيت ظلَّت تُقسم لِصاحبه أن حقيبتها تمت سرقتها ولا تملك أية مفاتيح ليوافق على إعطائها النسخة الإضافية.
**********
في اليوم التالي:
كانت تتناول طعام إفطارها في مطعم الشركة البسيط عندما لمحته آتيا، تظاهرت باللامبالاة وهي تشيح بوجهها بعيدا فجلس بمقابلتها مبتسماً بإغاظة وسألها:
_لِمَ أنتِ غاضبة مني؟ إنه قرار أخيك، ما ذنبي أنا؟
نظرت له بغضب هاتفة:
_أنتما الاثنان تريدان كتم أنفاسي ثم إزهاق روحي، لقد مللت من تحكمكما الزائد بي ولا يمنعني عن أخذ حقي سوى أمي.
ضحك باستمتاع شديد فازداد الغضب على محياها لتتابع بتحدي:
_أتعلم عاصم؟ يوما ما سأتخلص من سطوتكما علي، سيُبتلى كل منكما بمصيبة يستحقها وسأراقبكما بتشفِ.
توقف عن الضحك وهو يعبس بافتعال:
_أنتِ حقا تكرهيننا! كل ذلك لأننا نخاف عليك؟ السفر إلى هناك سيضجرك لأننا سننشغل طوال الوقت، ثم يجب أن تفرحي، فأخوكِ قد قرر أن يسافر وحده وسأظل أمامك طوال الأسبوع القادم.
أشاحت بوجهها بامتعاض متمتمة:
_فليكن الله في عوني!
استأنف ضحكه وهو يمنع نفسه عن إخراج لسانه لها كالأطفال ثم خاطبها:
_هيا سارة! لا تكوني ظالمة! أنا لست سيئا إلى ذلك الحد.
مالت وجهها تتحدث من بين أسنانها بِغِل:
_بل أنت... أنت......
لم يسعفها لسانها بالرد المناسب فتوقفت عن البحث عن واحد وهي تلمح الشابة الجميلة ضئيلة القامة نوعا ما التي توقفت أمامهما، نظرت لها بتساؤل بينما التفت عاصم إليها باستغراب فبادرت:
_أعتذر! هل حضرتك تكون مهندس عاصم؟
استقام بهدوء وهو ينظر اليها بابتسامة مهذبة:
_نعم أنا، وحضرتك تكونين...؟
اجتاح ملامحها توتر جلي وهي تنقل نظراتهما بينهما بارتباك:
_أنا سما محسن.
ضيق عاصم عينيه وهو ينظر إلى سارة بتساؤل فأجابته بهزة من كتفيها مُعلِنة جهلها، فالتفت مرة أخرى إلى الفتاة قائلاً بتهذيب:
_إن كنتِ هنا من أجل مقابلة عمل فاصعدي إلى الدور الثاني لـ....
قاطعته الفتاة بنفاد صبر:
_لا، لست هنا من أجل ذلك، أنا أريد التحدث معك بموضوع شخصي.
عقد حاجبيه بدهشة:
_تفضلي بالحديث، إنها مهندسة سارة، ابنة خالتي.
اتسعت عينا الفتاة بدهشة حقيقية هاتفة:
_كيف تكون هي ابنة خالتك؟
وقفت سارة مبتسمة باستفزاز:
_بمعنى أن والدتينا شقيقتان، إنها الكلمة التي تطلق على ذلك النوع من صلة القرابة إن كنتِ لا تعلمين!
فغرت الفتاة شفتيها وهي تنقل نظراتها بينهما كأنهما معتوهين ثم قالت بدهشة:
_ولكن.. ولكن والدتك ليست لديها أية شقيقات!
هنا فقد عاصم هدوئه وهو يهتف بها:
_بِمَ تهذين أنتِ؟! ومن أين تعرفين أفراد عائلتي؟
واجهته الفتاة بصرامة حانقة:
_إن كنت لم تلتقط الاسم.. أنا سما محسن حجاج، ووالدتك السيدة صفاء تكون زوجة أبي وأنا متأكدة من عدم وجود شقيقات لها!
حدق الاثنان في وجهها بذهول كانت سارة أول من تخلص منه، بابتسامة مرتجفة تقدمت منها قائلة:
_تفضلي آنسة سما.
جلست سما على المقعد المجاور بترقب فلحقتها سارة وهي تحاول التصرف بطبيعية:
_ماذا تفضلين أن تشربي؟
همت الفتاة بالرد حينما أجفلتها حركة عاصم وهو يندفع منصرفاً بغضب هائل، فنظرت لها سارة باعتذار وهي تبتسم بمجاملة:
_اعذريه، ذلك الأمر على الأخص يغضبه.
أومأت سما لها فبدأت الأخرى باجتذاب الحديث معها حنى يعود ذلك الغاضب.
**********
قبل سبع سنوات:
دلف إلى غرفته وهو يلقي مفاتيحه وهاتفه على أقرب مقعد، ثم تخلص من سترته واتجه إلى الخزانة ليلتقط
بعض الملابس المنزلية، أخذ يقلب بها بنزق ثم صاح بغضب:
_مَوَدَّة! مَوَدَّة!!
اندفعت إلى داخل الغرفة بخوف ثم ما لبثت أن زفرت بارتياح وهي تجده واقفا أمام الخزانة، لكنها عقدت حاجبيها بحنق وهي تجيبه:
_ماذا بك عَمَّار؟ لِمَ تصرخ بذلك الشكل؟
التفت إليها حانقا:
_أين قميصي القطني الأزرق؟ لقد كان هنا في الصباح، ألا حد لإهمالك؟
أغمضت عينيها بألم وهي تجيبه بضعف:
_أنا مُهملة عَمَّار؟! منذ متى أهملت بشيء يخصك؟ لقد مرت ثلاثة أشهر على زواجنا، هل سبق وضاع شيء منك؟
دفع درفة الخزانة بغضب مبالغ به وهو يهتف به:
_الآن أهملتِ يا هانم، أين ذلك القميص؟
زفرت بتوجس وهي ترد:
_إنه قديم جدا، لقد .. لقد بهت لونه بشدة وذاب القماش في بضعة مواضع به.
اتجه اليها ببطء رامقا إياها بتحفز:
_ثم..؟
تقهقرت خطوتين إلى الخلف وهي تنظر في كل الاتجاهات بعيدا عنه، وبنبرة ضعيفة أجابته:
_ثم ارتأيت أن أتخلص منه.
توقفت أنفاسها وهي تتطلع إلى النظرة المصدومة بعينيه قبل أن يجيبها بخفوت منذر:
_ارتأيتِ أن تتخلصي منه؟!
بلهفة حماسية عاجلته:
_لا تقلق!لقد ابتعت لك واحدا آخر اليوم.
تجاوزته حتى وصلت إلى الخزانة فالتفت ينظر إليها بصدمة، انتقت شيئا من فوق الرف الخشبي ورفعته أمام وجهه مبتسمة بتشوق هاتفة:
_انظر! إنه باللون النبيذي، لقد لاحظت أن معظم ملابسك باللون الرمادي وتدعو إلى الكآبة، لكن ذلك اللون سيكون رائعا عليك، سيجعلك أكثر وسامة.
لم يحرك مقلتيه عن عينيها العسليتين ولم يهتم حتى بالنظر إلى هديتها وهو يعاود سؤالها بهدوء مريب:
_مَوَدَّة لآخر مرة أسألك، أين هو قميصي الأزرق الآن؟
ازدردت لعابها وهي تخفض كفها بالقميص الجديد ثم أجابته بِوَجل:
_ألقيته بالقمامة.
تخلل شعره بيديه مغمضا عينيه ثم فتحهما رامقا إياها بنظرة ميتة:
_ألقيتِه بالقمامة؟!
عَمَّ الصمت وانتشر التوتر، بينما تابع هو بجمود مريب:
_الشيء الوحيد الذي أحبه واخترته في ذلك السجن ألقيتِه بالقمامة؟!
نظرت له بدهشة حذرة سرعان ما تحولت لانتفاضة وهو يجتازها ليصل إلى خزانته ثم يصرخ وهو يلقي قطع ملابسه منها بثورة صارخا:
_لِمَ لم تلقي تلك الملابس بدلا منه؟ أنا لم أختر أيا منها، لم أختر أي شيء، لم أختر ذلك البنطال، لم أختر تلك السترة، لم أختر رابطة العنق الخانقة تلك!
بدأ جسدها بالارتجاف رعبا وهي ترى الغرفة قد تحولت إلى ما ينتج عن اجتياح إعصار بينما اتجه هو إليها بسرعة واختطف منها القميص الذي تتمسك به ثم أمسك ذراعيها بشدة هاتفا بِغِل:
_أنا لم أختر ذلك القميص الذي احضرتيه إليّ، أتعلمين؟! أنا لم أخترك أنتِ أيضا!!
ارتجفت شفتاها في بوادر بكاء وعيناها تتسعان بذعر مشوب بالخيبة، حدقت بعينيه لترى الألم يصرخ بهما متوسلا فلم تجد رَدَّاً إلا:
_آسفة عَمَّار!
ارتسمت نظرة متحسرة بعينيه وهو يجيبها بأسئلة متألمة:
_علام تأسفين؟! هل تعتقدين أن عذابي يمحوه أي أسف؟ هل تعتقدين أن كلمة واحدة قد تنسيني ألما يقض مضجعي كل ليلة وأنا أدرك أن الإنسانة التي أعلنت برغبتي بها اضطررت لخطبة غيرها باليوم التالي؟!
توقف الزمن بهما وكلماته التي طالما سيطر على انفلاتها انطلقت على حين غفلة منه لتمزق قلبها بلا رحمة.
ألهذا السبب هو بعيد؟!
بعيد جدا؟!
امرأة أخرى؟!
وهي من حالت بينهما وفرقتهما لتحقق أحلامها فوق أنقاض قلبين آخرين؟! أهي فعلا أنانية إلى ذلك الحد؟ لكن..!
لكن هي لم تكن تعلم، هو من جاء إليها، بينما قد نجحت لسنوات في كتمان حبها والتظاهر بأخوة كاذبة، لِمَ يحاول جعلها المذنبة الآن؟ في حين أنه هو المسئول عن تحطيم ثلاثة قلوب بصمته وخضوعه!
بقوة تخلصت من ذراعيه وهي تتراجع إلى الخلف مُرددة بِصوت مُتقطع:
_لا عَمَّار، أنا لست آسفة من أجلك فأنا لم أجبرك على الزواج مني، وقد استمرت خطبتنا بضعة أشهر كنت تستطيع إخباري خلالها بكراهيتك لي، وأنا لايزال لدي مقدار من عزة النفس ما يجعلني أتركك حفاظا على كرامتي حتى وإن كنت أذوب بك عشقا.
حَلَّت نظرات الدهشة الصامتة بِعينيه رَدَّاً على اعترافها البسيط بينما تابعت هي ودمعاتها تتساقط:
_نعم عَمَّار، أنا أحبك منذ سنوات ولقد صدقت القصة التي ألقتها عليَّ خالتي عن غرامك بي خاصة وأنك لم تخبرني بالعكس.
وبحسرة تمتمت:
_لقد صدقت لأني تمنيت وهذا لا يغفر خطأي.
ثم استأنفت حديثها بابتسامة ساخرة:
_ولذا أنا آسفة لأجلي بسبب تفريطي بكرامتي معك وبقلبي لك، وأيضا.. وأيضا آسفة لطفلي الذي سيكون ذنبه الوحيد أن أباه يكره أمه.
فغر فاهه بصدمة وهو يستوعب كلماتها، وبصوت متحشرج سألها:
_هل أنتِ.. هل أنتِ ....
قاطعته بضحكة ساخرة:
_ نعم عَمَّار، أنا حامل، مبارك!
وبمنتهى البساطة أولته ظهرها وخرجت من الغرفة تاركة إياه يبتلع صدمته، بينما اتجهت هي إلى أقرب غرفة لتنهمر في بكاء متحسر على حالها وحال طفلها القادم.
**********
ظلت تبحث في الصندوق المليء بالأغراض القديمة حانقة، هي متأكدة من إحضاره معها من بيت خالها لكن أين هو الآن؟ زفرت بضيق وهي تستسلم بتعب مفكرة:
"وماذا إن وجدتيه؟ بم ستستفيدين؟ بالتأكيد اللص لن ينبُت له ضمير فجأة ويعيد إليكِ أغراضك!"
بدأت في إعادة كل شيء إلى الصندوق وهي تستغفر وتدعو بالصبر، وفجأة وجدته أمامها فاختطفته بلهفة، قلبته بين يديها بتفحص وهي تحمد ربها أنها لم تتخلص منه، هبت واقفة لتقوم بتوصيله بالشاحن الكهربائي وانتظرت بضعة دقائق حتى وجدت شاشته الصغيرة تضيء أخيرا، زفرت بارتياح ثم بدأت تطلب رقم هاتفها المسروق بتركيز وهي تتضرع أن يجيب السارق، ولخيبة أملها انطلقت الرسالة الرتيبة في أذنها:
"الهاتف الذي طلبته ربما يكون مغلقا، من فضلك عاود الاتصال في وقت لاحق!"
ماذا توقعت إذن؟! بضيق وضعت الهاتف على المنضدة الصغيرة المجاورة لفراشها وهي تلعن حظها الذي يزداد سوءا كل يوم! استغفرت مرة أخرى وهي تحمد ربها على سلامتها الشخصية، ثم جلست تبحث عن حل لمشكلة الكتب التي سرقت منها.
**********
"هل أنهيتِ مذاكرتك قبل أن تفتحي ذلك التلفاز؟"
هتف بها عاصم بعصبية فاستدارت مريم إليه بابتسامة مغيظة:
_نعم أنهيتها كلها، ولا تحاول إفراغ غضبك_الذي لا أعلم سببه_بي!
جزَّ على أسنانه وهو ينظر لها بغيظ ثم انطلق إلى غرفته صافعا بابها بقوة، أمسك هاتفه وكتب عدة كلمات برسالة نصية إلى صديقه ليطمئنه على أحوال العمل في غيابه، ثم أطفأ الأضواء وتأهب للنوم، لكن رنين الهاتف ارتفع فَهَبَّ من فراشه وهو يشعل الأضواء مرة ثانية مُتمتماً بضيق:
"لقد أرسلت إليك تفاصيل التفاصيل، ماذا تريد مني بعد؟! ألا استحق نوما هانئا مبكرا؟!"
لكنه عندما تناول هاتفه لم يجد اسم صديقه كما اعتقد، بل وجد رقما غير مسجلا، أجاب مسرعا بنزق كي يعود إلى نومه:
_مرحبا، من معي؟
أجفلتها نبرته العالية فتنحنحت وهمت بالتحدث لكنه بادرها بصوت أكثر حنقا:
_من أنت؟ هل اتصلت لتسمعني صمتك؟ انطق من أنتــ......
_ قليل من الصبر لو سمحت! أعطني فرصة اولاً كي أتحدث!
عقد حاجبيه بدهشة والصراخ الأنثوي الحاد يلسع أذنه:
_من أنتِ؟!
_أنا سما!
بتوجس أجابته، فأخذ يبحث في عقله عن صاحبة ذلك الاسم فلم يجد ثم تحدث برسمية:
_عذرا آنسة، يبدو أنكِ مخطئة في الرقم.
تمكن منها نفاد الصبر وهي تجيبه بغيظ واضح:
_لا أنا لست مخطئة، أنت مهندس عاصم وأنا أريد أن أتحدث معك شخصيا، بالمناسبة أنا سما محسن حجاج، وقد تقابلنا بالأمس فورا قبل أن تتركني وتنصرف بمنتهى قلة الذوق.
وبرغم إدراكه هويتها واشتعال غضبه لذلك السبب إلا أن عبارتها الأخيرة أثارت حنقه ليتساءل بدهشة:
_أنا قليل الذوق؟!
ببرود شديد أجابته مؤكدة:
_وتفتقر لأدنى قواعد "الإتيكيت" أيضاً.
علا صوته حتى اضطرت لإبعاد الهاتف عن أذنها مغمضة عينيها بامتعاض :
_هل أنتِ معتوهة؟! أتصفينني أنا بقلة الذوق؟! اسمعيني جيدا آنسة "شبر ونصف" أنا لا أريد منكِ الاتصال بي مرة أخرى، ولا أود أن استمع لاسم تلك السيدة ما حييت، اذهبي اليها وخبريها أنني لا أطيق سماع اسمها ولا أريد أي صلة بها، هل تفهمينني جيدا أم لا؟ وبدون سلام!!
انهى الاتصال فورا وهو يستشيط غضبا، لكنه يشعر أنه لم يكتفِ! كان لابد له من إهانتها أكثر، كان لابد له من اخباره برأيه بها وبمن أرسلتها بمنتهى الصراحة، وعندما استغرق في أفكاره الحقودة شعر بِحركة خلفه فالتفت ليجد مريم واقفة بإطار الباب تحدق به ببلاهة ليصيح بها:
_ماذا تفعلين هنا؟
أجابته بنبرة دهشة متوترة:
_لقد أرسلني أبي لأخبرك أن طعام العشاء جاهز.
_لن أتسمم!
صاح بها بغضب ففغرت فاهها ثم قلبت شفتيها بإزدراء وهي تخاطبه بتحدي:
_ربما معها بعض الحق، أنت بالفعل قليل الذوق!!
ثم هرولت جريا قبل أن تصلها وسادته التي ألقاها تجاهها بغيظ.
وعلى الجانب الآخر كانت سما تضغط هاتفها بين يدها بغيظ وهي تلقي قاموسا متكاملا من الشتائم وتصب اللعنات على رأس ذلك الوقح، لكنها خرجت من غرفتها لتواجه المرأة التي ترتكز على عصا وتتحسس الجدران بجوارها فانطلقت إليها مسرعة لتستند عليها باطمئنان متسائلة بضعف:
_ماذا قال لكِ؟ هل سيأتي؟
عَوَجت سما شِفتيها بامتعاض ثم رَسَمت ابتسامة واهية حتى يخرج صوتها طبيعيا:
_نعم أم عاصم، إن شاء الله سيأتي قريبا.
ابتسمت المرأة بفرحة وهي تحمد ربها وتترقب سماع صوت ابنها الوحيد في أقرب فرصة.
**********
"أين كنتِ دينا؟! لقد سأل أبوكِ عنك أكثر من مرة."
ألقت شروق سؤالها على ابنتها ما إن ولجت إلى داخل الشقة، فعقدت الأخيرة حاجبيها بضيق وهي تواجهها مجيبة:
_لقد أخبرتك أمي أنني سأقضي اليوم لدى صديقتي، هل انتهى العالم؟
اقتربت أمها منها قائلة:
_لا حبيبتي، لكني شعرت بالقلق، كما أن هاتفك مغلق طوال الوقت.
_لقد انتهى شحنه.
أجابتها بلا اكتراث ثم التفتت لتتجه إلى غرفتها فاستوقفتها أمها هاتفة بتوتر:
_انتظري دينا! أريد التحدث معك قبل أن يأتي أبوكِ ويقيم الدنيا ويقعدها.
علمت أنها استطاعت جذب انتباه ابنتها تماما حينما ألقت حقيبتها وجلست على الأريكة ببطء وهي تنظر لها متسائلة بترقب:
_ماذا حدث أمي؟، وإياكِ أن تقولي لي أنكِ تفكرين في موافقة أبي على إعادة تلك الحقيرة، والله سأترك البيت وقتها، أنا لن أتحملها ساعة أخرى.
جلست أمها بجوارها وهي تحدثها باهتمام:
_لا تقلقي، أبوكِ أصلا لا يفكر بإعادتها، لكن الموضوع يخصك أنتِ.
نظرت لها بقلق ثم حَثَّتها:
_تكلمي أمي! ماذا حدث؟
رمقتها أمها بِتردد ثم سألتها:
_أخبريني أولا! ألم يحاول حمزة التواصل معك؟
مطت دينا شفتيها باعتراض قائلة:
_ما دخل حمزة الآن؟ لقد تخلصت منه ومن معيشته الخانقة، وإذا حاول الرجوع لن أقبل، وارتاحي أمي هو أصلا لا يريد العودة، ما كان بيننا مجرد ثلاث سنوات من النكد والشجار ليس أكثر.
زفرت شروق باستسلام ثم قالت:
_حمداً لله أنكما لم تُنجبا أطفال.
توترت عينا دينا وهي تتهرب من أمها ثم غيرت الحوار هاتفة بفضول:
_ما هو الموضوع أمي؟
_هناك.. هناك عريس يريد التقدم للزواج منك.
ألقت شروق عبارتها مرة واحدة لتتسع عينا دينا بدهشة:
_عريس لي أنا؟ بتلك السرعة؟
مطت أمها شفتيها بلا تعبير وهي ترد:
_لا أعلم إن كان يجب علينا أن نفرح أم نحزن!
_ماذا تقصدين أمي؟ من هو؟ وماذا يعمل؟
نظرت لها بتوجس تجيبها:
_إنه.. إنه ليس بغريب، نحن نعرفه تمام المعرفة، هو يكون أخ السيدة منال.
رمقتها دينا باستنكار وهي تهتف بها:
_هل تمزحين أمي؟! إنه أصغر مني بستة سنوات!
عوجت الأم فمها ثم أجابتها بتوتر:
_لم أقصد هشام يا دينا، قصدت شقيقه الأكبر، طارق! انتظرت هجوما من ابنتها مصحوبا بتوبيخ تستحقه الفكرة لكن دينا نظرت لها بدهشة تحولت لاهتمام مباغت وهي تسألها:
_طارق! الذي يملك سيارة رُباعية فاخرة؟
دارت عينا شروق على وجه ابنتها ثم أجابتها:
_نعم، وهو أيضا يمتلك عقارا بوسط المدينة ومنزلا صيفيا بالساحل الشمالي.
عم الصوت وشروق تحاول سبر أغوار ابنتها بينما بدت دينا وكأنها شاردة بعالم آخر، لم تقو شروق على الانتظار أكثر وهي تهتف بها بترقب:
_لكنه أكبر منك بعشرين عام ولدية أربعة أولاد.
ردت دينا بشرود:
_لكنه يهتم بنفسه وبصحته ومظهره، من لا يعرفه يعتقد أن عمره لا يتعدى الأربعين، كما أن أصغر أولاده عمره اثني عشر عاما، أي أنه لا يحتاج لاهتمام خاص، بالإضافة إلى أني علمت منذ مدة أن أخته ترعى أولاده بحكم سكنهما بمنزل واحد.
سألتها أمها بترقب:
_دينا! هل أنتِ موافقة؟
نظرت لها دينا مليا ثم هزت كتفيها بلا مُبالاة وهي تجيبها:
_أنا أفكر أمي، يجب أن أفكر جيدا قبل أن أوافق أو أرفض، لا أريد تكرار خيبتي الأولى.
**********
منذ ست سنوات ونصف:
استند على أقرب جذع شجرة كي لا ينهار مكانه وهو يراقب موكب العروسين الذي وصل لتوه إلى قاعة الزفاف، راقبها وهي تتأبط ذراع عريسها بابتسامة سعيدة..
أهي حقا سعيدة؟هل نسته تماما؟! هل استبدلته بآخر بعد شهور فقط؟
ولِمَ الدهشة وعلام الاستغراب؟! لقد بدأ هو بالتخلي عندما خضع لوالديه واقترن بغيرها تاركا إياها خلفه بقلب محطم وما ذنبها سوى أنها لم تكن رفيعة المستوى من وجهة نظر والديه، والآن يفكر بلومها؟ وهو من تنتظره في البيت يوميا زوجة لا يشعر تجاهها سوى بالذنب؟! من ينتظره طفلا بعد شهرين لا يشعر تجاهه بأي شيء؟! هو حتى لا يهتم بقدومه أو عدمه!
تقهقر منهزما وهو يجر نفسه جرا ليسير _على قدميه_ إلى فيلا والديه حيث صمما على الاستقرار بينهما، وصل إلى الفيلا يشعر بألم شديد، وصعد إلى جناح الزوجية المظلم كالمعتاد، فمنذ ذلك اليوم الذي أخبرته زوجته بخبر حملها وقد سرى بينهما اتفاق غير معلن على انفصالا نفسيا، لا تنتظره ولا تكلمه، لا ينظر إليها ولا يطلب منها شيء، يشعر هو براحة بسبب ذلك الوضع، أما هي فتتألم كل ليلة وهي تتمنى حتى عودته شقيقا يحنو عليها ويهتم بها، لكنها أخذت على نفسها ميثاق صبر لن ينفصم، ستنتظر وتنتظر حتى يفيق من سَكرة شعوره بالاضطهاد، وحينها سيدرك أنه مطلقا لن يجد من تعشقه بقدرها، وسيحين ذلك اليوم قريبا، أليس كذلك؟!
لكن من الواضح أنها نقضت عهدها اليوم، فالجناح مضاء وهي جالسة أمام الباب تنتظره بلهفة فشلت في إخفائها فشلا ذريعا، فما أن دفع نفسه بتثاقل الى الداخل حتى انتفضت على قدر ما تسمح به حركتها الثقيلة ببطنها المتكورة وهي تهتف:
_عَمَّار! هل أنت بخير؟! لِمَ تأخرت حتى الآن؟!
حدق بها لثوان بعدم فهم ثم رفع معصمه ونظر إلى ساعته، لتتسع عيناه بدهشة: إنها الثالثة صباحا! هل ظل يمشي لأربع ساعات متواصلة بدون أن ينتبه؟
أما هي فقد التقطت ضياعه فورا، ضربها ذلك التيه بعينيه في مقتل، لتمتد ذراعيها بدون إرادة منها وتجتذبه لأحضانها بانهزام مُرَبتًة عليه بحنو، وبدمعات متكسرة وبصوت مذبوح سألته:
_علام تحتد حبيبي؟
ليجيبها بهمس ضائع:
_لقد تَزَوجَّت!
لا تعلم هل شعر باهتزاز صدرها تحت رأسه أم لا، لا تعلم هل استمع لصراخ روحها الصامت أم لا..
أيجب عليها أن تعاتبه؟!
أيُجاهِر بِحُزنه لِفقدان أخرى أمامها؟!
أيشكو لها ضياع غريمتها؟!
أحقا عَمَّار أنت بتلك القسوة؟!
ستصمت الآن، ستساعده وتطبب جروحه، وبعدها لكل حادث حديث.
وهو..
تسلل إليه دفء غريب لا يدري ما هو مصدره؛
لا يدري إن كان حقيقياً بالأصل أم أنه يتوهم؛
أمِن شِدة توقه إليه شعر به دون وجوده..أَم...!
طرقات عنيفة على باب جناحهما حرمتها من ذلك القرب النادر وأخرجته من ذلك الشرود ليرفع رأسه وهو ينظر لها بدهشة انتزعته منها إعادة الطرقات بصوت أعلى، اتجه الى الباب وفتحه ليجد أبيه يندفع تلاحقه أمه شاحبة الوجه ثم :
صفعة!
صفعة على وجهه من أبيه!
صفعة على وجهه أمام أمه!
صفعة أمام زوجته التي صرخت باسمه هَلِعَة!
صفعة يوم ضياع آخر أحلامه!
وصياح غاضب من أبيه كما العادة:
_أذهبت إلى زفاف ابنة البائع؟! أتريد إلحاق العار بي؟ لقد علمت أنك ستكون سبب نكبتي يوما، ماذا تريد أكثر؟! مهنة مرموقة، فيلا فخمة، أحدث سيارة، زوجة أصيلة النسب والمقام وطفل بعد شهرين قادم، أتعلم أي نوع من الحياة وفرت لك أنا؟
وكان الرد الهادىء على النقيض مم يستيقظ تلك اللحظة بأعماقه بعد طول غياب:
_سجن!
عقد والده حاجبيه بدهشة:
_ماذا قلت؟!
أعاد كلمته الوحيدة برتابة:
_سجن!!
ثم أضاف بابتسامة ساخرة بدأت تظهر على استحياء:
_وفرت لي سجن رفيع المستوى، عظيم المقام، جميل الهيئة من الخارج، ذي عيشة رغدة وطلبات تلبى بلحظة.
ثم هَزَّ كتفيه مُتابعاً بِتَهَكُّم:
_ لكنه يظل مجرد سجن!
لطمت أمه على وجنتها بذعر بينما فغر ابوه فاهه بصدمة هاتفا:
_هل تتواقح عليّ يا ولد ؟! أتعترض على رَغَد عيشك الذي أمنته أنا لك؟!
والابتسامة تحولت لضحكة، والضحكة تعالت وتعالت حتى دمعت عيناه، ثم بصعوبة توقف وهو يخاطب أبيه:
_أعترض؟! ماذا تعني تلك الكلمة يا أبي؟ وهل أنا أمتلك مثل تلك القوة الخارقة؟!
وانمحت الابتسامة تماما ليحل محلها تعبير حاقد كاره وكأنه لتوه تم تشكيله على وجهه، تراجع أبوه للخلف خطوة واحدة وهو يحدق في ذلك الكائن الذي يراه للمرة الأولى ويتوقع الآن منه تصرف عشوائي لم يعتده من قبل، هو يعلم متى يفقد زمام أحد عبيده ويبدو أنه قد فعل الآن، فلم يخذل عَمَّار توقعه عندما زأر بأعلى صوته:
_متى اعترضت أبي؟ وعلام اعترضت طوال حياتي؟ ارتدي تلك السترة عَمَّار، حاضر! لا تتباسط مع ابن الموظف الذي يعمل لَدَيّ عَمَّار، حاضر! سيارة زرقاء عَمَّار؟! ما هذا الذوق المقرف؟!، خذ الرمادية، حاضر! لا تأكل في ذلك المطعم الشعبي عَمَّار، حاضر! ستصبح طبيبا وانس امر التدريس تماما، حاضر! اتريد ان تتزوج ابنة البائع وتحرجني أمام معارفي؟ ستتزوج ابنة خالتك بالطبع، حاضر!حاضر! حااااااااضر!!!
صمت عم بين أربعتهم إلا من شهقات مَوَدَّة الباكية وهي تتمسك ببطنها بألم، الابن يواجه أبيه للمرة الأولى بحياته وهما لا يشعران بما حولهما، ليتقدم عَمَّار تجاهه الخطوة التي تقهقر الآخر بها وهو يحدق بعينيه بابتسامة حاقدة، وبنبرة خافتة قاتلة تحدث:
_أتعلم أبي؟! لطالما استمعت من أصدقائي عن شعورهم عندما بُشِّروا بانتظار أطفالهم ودهشت كثيرا، لأظل طوال الشهور الفائتة أتساءل لِمَ لا أشعر مثلهم؟ لِمَ لا أتلهف لحضور ابني إلى هذه الدنيا؟ لِمَ لا أتخيل ماذا سأفعل معه عندما أحمله بين يدي وألاعبه وألاطفه، هل انعدم شعوري أخيرا؟ هل تبلدت أحاسيسي بالأبوة تماما؟، ودوما ما هَرِبَت مني الإجابة، والآن فقط أدركتها بأم عيني وأنا أنظر إليك..
سَكَت يجتذب شهيقاً عميقاً ثم أردف بِتشديد:
_ببساطة أنا لا أريد أن يأتي ابني حتى لا أكن له أبا مثلك أنت!
والصفعة الثانية انطلقت من أبيه لكنها لم تصل لهدفها عندما قفزت مَوَدَّة صارخة باسمه تفتديه بجسدها لتصبح من نصيب إحدى كتفيها، فسقطت أرضا شاحبة الوجه بينما انتفضت خالتها إليها تصرخ بلهفة، دارت عينا أبيه بين ثلاثتهم بجنون غاضب وتركزت على مَوَدَّة والذعر_للمرة الأولى منذ سنوات_ يتملكه، ثم انطلق خارج الفيلا بأكملها، أما عَمَّار فقد حدق في الماء الذي ينهمر أسفل جسد زوجته التي تطلعت إليه بصدمة، سَقَط بِجانبها على رُكبتيه وملامحه تصرخ بالذعر ممسكا إحدى كفيها، ثم مَدَّ إحدى يديه أسفل عنقها والأخرى أسفل ركبتيها وانطلق بها إلى الأسفل وقلبه يرتجف بين أضلعه شاعراً برُعب لم يكتنفه يوماً ، فمن الواضح أن ابنه لن يصبح خاضعا مثله ، حيث قد قرر عصيانه والخروج إلى الدنيا قبل موعده بشهرين!!
********


الفصل الثاني: (الجزء الثاني)
عودة إلى الوقت الحالي:
"الهاتف الذي طلبته غير متاح حاليا، من فضلك حاول الاتصال في وقت لاحق!"
تأففت بضيق وهي تلقي بهاتفها القديم على الطاولة الممتدة أمامها بعد أن استمعت لنفس الرسالة عشرات المرات، جالسة في أحد أركان غرفة الاستراحة بالمعهد تتناول شطيرتها بهدوء وهي تحاول تدبُر طريقة تحصل بها على بدائل للكتب التي سُرقت منها، لقد مر أسبوع منذ وقعت السرقة والوضع خلال الحصص أصبح فوضوي للغاية، لكنها لن تكون متشائمة، فقد رُزِقت بنعمتين خلال تلك الأيام، أولهما أن تلك الذراع ذات المزاج المتقلب عادت وحدها للعمل بشكل كامل، وثانيهما أنها لم ترَ مُلاحِقها، صحيح هي لا تعلم إن كان يتصل بها على الرقم القديم أم لا لكنها لم تره عند مسكنها أو مكان عملها، وهذا بحد ذاته إنجاز هام، كي تكتفي الآن بالتفكير في حل لمشكلة وسائل عملها الضائعة.
رنين ضعيف من هاتفها شديد الصغر جعلها تضع شطيرتها جانبا وهي تتناوله بملل،"بالتأكيد هي رسالة من شركة الاتصالات تعرض عليها الاشتراك في خدمة ما!" هكذا فكرت وهي تفتح الرسالة لتتسع عيناها بذهول، بالفعل هي رسالة من شركة الاتصالات، لكن النص مختلف!:
"الرقم الذي حاولت الاتصال به أصبح متاحا الآن!"
قفزت واقفة تتلفت حولها بلا هدف ثم انتبهت إلى حماقتها، بأنامل مرتبكة طلبت رقمها القديم لتتسع
عيناها بترقب فَرِح وهي تسمع صوت الجرس الرتيب على الطرف الآخر يشدو في أذنها كسيمفونية عذبة!
"أجب! أرجوك أيها اللص أجب!"
ظلت تهمس بتضرع حتى انقطع الاتصال فلم تيأس لتعيده مرة ثانية، ثم ثالثة، وفي الرابعة انفتح الخط!
_انتظر أرجوك لا تغلق!
بادرته بلهفة ثم تابعت بتوسل:
_اسمع! لا أريد النقود التي كانت بحقيبتي، وأعلم أيضا أنك لن تعطيني الهاتف بالطبع، لكن أرجوك أعطني الكتب!
نبرة رجولية هادئة أجابتها:
_أي كتب؟
ازداد التوسل في لهجتها وهي تجيبه:
_الحقيبة كانت تحتوي على كتب تخص عملي، ودفتر ملاحظات هام بالنسبة لي للغاية، لا أريد سواهم.
ببطء ونبرة أيقنت أنها باسمة جاء الرد:
_نعم.. الكتب ودفتر الملاحظات، ماذا تريدين أيضا يا آنسة؟
ضيقت عينيها وَرَدَّت بحذر:
_إن كنت ستعطيني بطاقتي الشخصية سأكون أكثر من راضية.
أجابها بتأكيد:
_طبعًا! طبعًا! وماذا عن نصف لوح الشوكولاتة؟ ألا تريدينه أيضا؟
بدهشة سألته:
_هل لا يزال هناك؟!
ثم استدركت بصرامة مصطنعة:
_اسمع! أنا لا أسمح لك بالسخرية مني، أخبرتك أني سأترك لك الهاتف والنقود، أريد الكتب فقط.
رد بضيق شعرت أنه مفتعل:
_هل تعلمين أن شاشة هاتفك كانت محطمة؟! وأنها كلفتني مبلغا وقدره كي أبدلها وأستطيع تشغيله؟
هتفت به بحنق:
_أعتذر من سيادتك أيها اللص، سأدفع ثمنها لك، انتظر لحظة! أنت بالفعل معك كل نقودي، تستطيع أن تخصم منهم ما تشاء.
ضحكة رائقة طالت للحظات تبعتها حمحمة ثم عبارة خافتة:
_لِمَ لا تنفكِين تسألين عن الكتب؟ هل أنتِ طالبة؟
بارتباك أجابته:
_إنها مهمة لعملي، أنا مُعلمة.
عم صمت قصير استطاعت من خلاله سماع صوت تقليب صفحات، لتتيقن أنها كتبها، ثم تحدث هو بهدوء:
_"قواعد اللغة الإنجليزية"، "مفردات شائعة باللغة الإنجليزية"، "نساء صغيرات"!! هل يدرُسون تلك الرواية المملة؟! إنها منذ أيام جدي، ألا يتطورون؟!
اتسعت عيناها بدهشة حقيقية وهي تسمعه يقرأ عناوين كتبها بلكنة أجنبية طليقة..
لص مثقف إذن! أمن الممكن لحظها أن يصبح أكثر غرابة؟!!
_إنها خاصة بي أنا!
هتفت بحزم ليرد هو بنبرة متحرجة بعد بضعة لحظات:
_آسف، إنها رواية رائعة بالطبع لمن يُقدِّر فنون الأدب.
نفضت رأسها تفتعل جدية هاربة ثم هتفت بِنفاد صبر:
_والآن ماذا؟! هل ستعطيني كتبي؟
تظاهر بالتفكير ثم رد بعتاب:
_أتطلبين مني أن أوافق على تسليمك كتبك حتى تقومي بإبلاغ الشرطة عني وأقضي سنوات شبابي في السجن أليس كذلك؟! أتعتقدين أنني بتلك السذاجة؟!
ردت بلهفة متوسلة:
_أقسم لك أنني لن أبلغ الشرطة أبدا، أنا لا أريد التورط مع أمثالك، فقط اترك لي كتبي بأي مكان ولن تسمع عني مرة أخرى.
عقب بدهشة:
_لا تريدين التورط مع أمثالي؟! شكرا لكِ آنسة ، شكرا جزيلا ، ألا يندرج قولك هذا تحت بند التنمُر؟ أهذا ما تعلمونه للجيل الصاعد؟!
ضغطت أسنانها بغضب وهي تدق على رأسها بكفها لاعنة تهور لسانها:
_آسفة جدا يا أستاذ، أرجوك أنا أحتاج تلك الكتب بشدة ولا أستطيع الحصول على بدائل لها.
والضحكة الرائقة عادت أقوى وأطول وعاد معها ارتباكها وهي تنتظر انتهاءه بأدب:
_أتعلمين؟! _ولا أتعمد ازعاجك_ اسمحي لي أن أقل لك أنكِ ضحية لقطة!
عقدت حاجبيها بدهشة ولم ترد فتابع هو بصرامة هادئة:
_أنتِ في موقف الحق، لا يجب عليك أن تتوسلي، أملي شروطك ولا تخضعي لأحد حتى وإن كانت أحلامك كلها متعلقة به.
عم الصمت مرة أخرى ليستدرك بنبرة مرحة:
_والآن كيف ستتسلمين حقيبتك بما فيها ؟
سألته بِترقب:
_هل تعني أنك ستعطيني الحقيبة مع الكتب والـ....
قاطعها بلهجة باسمة:
_ والنقود والهاتف ودفتر الملاحظات، لكنني سأعتبر نصف لوح الشوكولاتة هو تعويضي عن إصرارك على اتهامي بالسرقة!
بنبرة دهشة مرتبكة أجابته:
_أتعني أنك لست لصا؟!
استطاعت سماع زفيره الحانق الذي سبق تحدثه بنفاد صبر:
_أقسم لكِ يا آنسة رهف أنا لست لص، بل أنا مهندس محترم ولدي نصيب بشركة مرموقة.
تسللت ابتسامة رقيقة رغما عنها إلى شفتيها وهي تجيبه باستفسار أحمق:
_كيف عرفت اسمي؟!
لتتسع تلك الابتسامة أكثر وهو يحدثها بلهجة خافتة أثارت بها قشعريرة غريبة:
_بطاقة هويتك الشخصية بين يدي الآن آنسة رهف!
ساد صمت غريب قطعه هو بحمحمة متوترة:
_إذن كيف ستتسلمين أغراضك؟
وقبل أن تفكر بادرها:
_هل آتي إلى العنوان المدون على البطاقة؟
وبذعر نهته مُسرِعة:
_لا لا، أنا لم أعد أقطن بذلك العنوان، ولا أريد أن أرهقك معي، أخبرني بأقرب مكان إليك، أستطيع أن أحضر إلى مكان عملك، إن لم أكن سأتسبب في تعطيلك بالطبع.
أجابها بتهذيب:
_أنتِ لن تعطليني عن شيء، سأنتظرك غدا بالعنوان الذي سأرسله إليك على هذا الرقم، اتفقنا؟
بانقياد تام أجابته:
_اتفقنا!
**********
شارد الذهن منذ دقائق يجلس بِمكتبه ولا يستطيع تحليل ماهية مشاعره، وفجأة فُتِح الباب دون استئذان وانطلق هتافها المُصمم على الفور وهي تدلف :
_يجب أن أتحدث معك!
ألقى القلم الذي يمسك به بطول ذراعه ليصطدم بالجدار البعيد وهو يحدق بها بغضب ويهب واقفا هادراً بها:
_من سمح لكِ بالدخول إلى مكتبي؟! أين هي تلك السكرتيرة الـ...
قاطعته سارة التي دخلت لتوها تنظر إليه شزرا:
_أنا من أدخلتها عاصم، ويفضل أن تخفض صوتك قليلا كي لا يستمع الموظفون.
ثم أضافت بنبرة خافتة سمعها الاثنان:
_يا خسارة تربية سوسن بك!
استشاط غضبا وتحرك من خلف مكتبه متجها إليهما فتخصرت سما وهي تقف أمامه رافعة ذقنها بتحدي ثم هتفت:
_ماذا ستفعل؟ هيا أرني! لقد حصلت على الحزام الأسود في الكاراتيه منذ سنوات ولم تسنح لي الفرصة للاستفادة به بعد، ولكم أتشوق للتجربة، خاصة إن كانت على وجهك المستفز.
لم تستطع سارة كتمان ضحكتها أكثر وهي تتطلع الى ملامح الصدمة على وجه عاصم بينما هو يطالع قامة مواجهته الضئيلة وصاحبتها تناظره بتحدي صارخ، حتى استطاع أخيرا الرد بصوت متحشرج:
_أنتِ..أنتِ فعلا مجنونة!
لتبتسم ببرود وهي تهتف:
_وأنت قليل الذوق، عديم "الإتيكيت".
تدخلت سارة بشماتة:
_الفتاة كشفتك منذ اللقاء الأول، حتى تعلم كم تحملت أنا لسنوات!
جذب شعره بغيظ وهو يحاول التمسك بالهدوء هاتفاً:
_ماذا تريدين مني؟
ببرود أجابت:
_أريد التحدث معك، وبشأن والدتك التي أنجبتك، السيدة صفاء، وليكن في معلوماتك أنني لن أتزحزح اليوم من هذا المكان إلا بعد أن أنفذ ما جئت لأجله، حتى وإن اضطررت إلى جلب الشرطة لي!
وضعت سارة يدها على كتفي سما برقة ثم نظرت إليه قائلة:
_لن يضيرك شيئ إن استمعت إلى ما لديها عاصم، فقط اهدأ واجلس.
زفر بغيظ وهو ينظر إليها بكراهية بادلته إياها بكل كرَم، فدفعتها سارة برفق لتجلس فوق أقرب مقعد، وعاد هو أيضا إلى المقعد خلف مكتبه، همت سارة بالخروج حتى أوقفها عاصم بحزم:
_إلى أين تذهبين سارة؟
التفتت إليه بدهشة قائلة:
_أنا أعمل في هذا المكان إن كنت لا تعلم!
شدد على حروفه ببرود وهو يرد على سارة لكن نظراته محدقة بسما:
_أنتِ لن تخرجي وتتركيني معها!
لم تحد سما بعينيها عنه وهي تبتسم بتحدي قائلة:
_أنا لن آكلك، لا تخف!
مسح وجهه بكفيه وهو يزفر نيرانا من صدره بينما ردد بِغيظ:
_يا الله يا ولي الصابرين!!
ارتمت سارة على المقعد المواجه لهما وهي تنظر لسما بتوسل، فارتخت ملامح الأخيرة وهي تنظر إليه بجدية قبل أن تقول:
_استمع إلي مهندس عاصم، أنا لا أعلم سبب القطيعة بينك وبين والدتك، لكنني أعلم أنها تتمنى...تتمنى أن تتواصل معها، تتمنى أن تزورها، هي لم تنجب غيرك وتحتاج الآن إلى وجودك معها، واعتقد أنك لن تتحمل ذنب كقطع رحم أمك وعقوقها.
هب واقفا بغضب:
_ما خصك أنت بما بيني وبينها؟ ثم أنني.....
هبت واقفة تصرخ به:
_أنت لا تخصني بشيء، هي من تخصني، هي من تتعذب، هي من تصرخ ليلا باسمك وكلما ارتفع رنين جرس الباب نادتك بلهفة، كيف تتحمل كونك قاس هكذا؟ أمك مريضة مهندس عاصم، مريضة جدا وتحتاجك بشدة، لا تظلمها أنت ايضا، تناقش معها ربما لديها ما تحتاج إليه، لِمَ اكتفيت بالسماع من طرف واحد فقط؟!لِمَ لا تطالب بالحقيقة كاملة؟
عم الصمت المكان والثلاثة ينظرون لبعضهم بِوجل ودهشة وغضب، كانت سارة أول من تعقل بينهم وهي تنظر له بابتسامة حنونة وتخاطبه بِتشجيع:
_فكر بكلامها عاصم، مهما كان ما حدث بالماضي ستظل هي والدتك وستظل أنت ابنها الوحيد، اذهب إليها وتحدث معها.
التقطت سما طرف الحديث بهدوء:
_أنت لن تخسر شيئا، زيارة عابرة لن تأخذ من وقتك الكثير، ستريحها وسترضي شوقها إليك.
ابتسم ساخرا وهو يردد بألم:
_شوقها إلي؟ السيدة صفاء تشتاق إلي؟ بعد كل تلك السنوات تذكرت وجودي أخيراً؟ أين كانت من قبل؟
لم تجد رَدَّاً مع نظرة التحسُّر بعينيه فَتَابَع هو:
_آسف آنسة سما، تستطيعين إخبارها أن ابنها الذي اكتشفت وجوده فجأة لم يعد بحاجتها ولا ينتظرها، وأن الله قد عوضه بزوجة أب وبأختها فكانتا له التعويض الكافي عن نبذها إياه.
تَعَلَّقت عيناها به بينما نَضَبَت كلماتها بِعجز، تستطيع أن تعاند؛
تستطيع أن تتحداه؛
تستطيع استخدام حدة لسانها ومجادلته حتى الساعات الأولى من الصباح؛
لكن ذلك الصراخ الذي تهتف به عيناه يمنعها، ذلك الخذلان الذي يعانيه يجبرها على احترام رغبته، يجب عليها أن تفكر في حل لمهمتها الصعبة بعيدا عنه، يجب عليها ألا تضغط على جرحه أكثر من ذلك.
تقهقرت للخلف وهي تومىء برأسها إيجابا، وعند الباب التفتت تنظر له بهدوء:
_أعتذر مهندس عاصم، لن أزعجك أو أعترض طريقك مرة أخرى، لكن إن..إن غيرت رأيك تستطيع أن تهاتفني بأي وقت وسآخبرها أنك تريد رؤيتها، رقمي لدى الآنسة سارة، إلى اللقاء.
خرجت مسرعة وهي تشعر بأنفاسها تضيق بصدرها، أما هو فقد طأطأ رأسه وصدره يتعالى ويهبط في تنفس سريع، وبخفوت صارم تفوه:
_أريد أن أظل بمفردي سارة.
زفرت بحزن وهي تتطلع إلى حالته السيئة، ثم بهدوء خرجت وأغلقت الباب، أما هو فقد جلس مكانه سارحا بعقله في ذكريات بعيدة...
منذ عدة أعوام:
وقف يحدق في وجه والده بصدمة وهو يحاول استيعاب ما أخبره به للتو:
"والدتك لم تعد زوجتي منذ مدة!"
"والدتك لن تعيش معنا ثانية!"
"والدتك ستتزوج بآخر!"
مشاهد متلاحقة وأحداث صادمة، أمه تحتضنه باكية وهي تودعه معتذرة، أبوه يقف رامقا إياها ببرود، خزانة ملابسها أصبحت فارغة، أدوات زينتها لم تعد موجودة، رائحة عطرها لم تداعب أنفه منذ فترة، أدوات طهيها، حكايات ما قبل النوم، حضنها الدافىء، قُبلتها الحنونة على جبهته، كلهم ذهبوا بلا عودة.
ثم..
سنوات مرت وهو بانتظار عودتها إلى أن بدأ بالتدريج يفقد الأمل..
ثم..
امرأة أخرى!! أثاث جديد، ملابس جديدة بخزانة أمه، أدوات زينة جديدة، عطر جديد، أدوات طهي جديدة..
ومحاولة للتقرب.. تفشل!
لبعض المشاركات في المذاكرة.. تفشل!
لقُبُلات على الجبهة..
تفشل!
وتفشل!
ثم رضيعة صغيرة تصرخ بصوت حاد!!
أبوه: "احملها عاصم إنها أختك!"
_لا أريد!
زوجة أبيه: "ما رأيك إن سميتها أنت؟!"
_لا أهتم!
أبوه: "كان يقول دائما إنه إن رُزِق بأخت ستكون مريم."
زوجة أبيه: "إذن هي مريم!"
وعندما أصبحت تلك الرضيعة بعمر الثالثة اضطر أبوه وزوجته للسفر لآداء واجب العزاء في أحد الأيام..
الصغيرة شقية كالعفاريت! تقفز هنا وهناك ولا تترك شيئا بمكانه! لا تطيعه ولا تسمح له بالتركيز في دروسه، جرى خلفها فهربت إلى المرحاض، أمرها بفتح الباب فعاندته، لينتقم منها ويوصد الباب!
طرقات ضعيفة متتالية وهو يبتسم من خلف الباب بتشفِ، ثم صوت ارتطام!!
تسمَّر بمكانه لثوان يحاول تخمين ماهية الصوت الى أن ضربت الفكرة عقله في مقتل..
المغطس المليء بالمياه حرصا منهم على الاحتياط منه في حالة انقطاعها..
وبلهفة فتح الباب وهو يجد أخته تنازع للحصول على بعض الأنفاس!
تسمر مرة أخرى مكانه محدقا بها...
هل أصبح قاتلا؟!
هل قتل أخته؟!
وانفتح باب الشقة..
وصراخ من زوجة أبيه وأبوه يدفعه ليحمل طفلته التي لا تأتِ بأية حركة، ولِثوانِ أخذ ينعشها باستماتة وعندما سعلت أخيراً استدار إليه ليصفعه.
طأطأ رأسه راضيا بالمزيد فجذبته زوجة أبيه من أمامه تحتضنه رغما عنه وهي تمسد على ذراعه بحنان، وتوبخ أبيه بغضب!
ومنذ ذلك اليوم..
لم يعد عطرها يضايقه!
أصبح هو من يبادر باحتضانها وتقبيلها وطلب الاستماع إلى حكاياتها!
إلى أن فقدها وهو في عمر الرابعة والعشرين بعد صراع مرض غادر أهلكها ثم اختطفها تاركة بعدها طفلة، وتاركة إياه يتيما للمرة الثانية!
لتتسلم القيادة الأمومية من بعدها أختها الخالة سوسن، نعم هي ليست خالته بالمعنى الحرفي لكنها أخت حبيبته التي رحلت..
**********
عودة إلى الوقت الحالي:
_هل جننت يا شروق؟!
هتف بها صلاح ثم خرج من غرفته مناديا ابنته التي جائته خائفة:
_نعم أبي؟
نظر لها بغضب هاتفاً:
_هل سمعتِ بالهراء الذي تتفوه به أمك؟ تريد أن تعرض عليك عريس وعدتك لم تنتهي بعد!
نقلت دينا نظراتها بين أبيها وأمها التي تقف خلفه بترقب ثم قالت بتردد:
_نحن لم نقل أنني سأتزوج غدا أبي، هو مجرد تعارف بسيط.
تحدثت شروق بحنق:
_أخبريه دينا، لقد جعلني أشعر أني اصطحب المأذون في يدي!
فغر أباها فاهه دهشة وهو ينظر إليهما بالتبادل ثم صاح:
_أنتِ موافقة إذن على ذلك السخف؟! وبالطبع تعلمين أن عريس الغفلة يصغرني أنا ببضعة أعوام، ولديه أربعة أولاد أكبرهم يقارب سنك!
وعندما طأطأت كلتاهما رأسها أخذ يضرب كفيه ببعضهما وهو يحوقل ويستغفر ثم حدثها بمهادنة:
_لله الأمر من قبل ومن بعد، أتريدين فعل ذلك بنفسك ابنتي؟ لِمَ التعجل؟ انتظري قليلا عسى الله أن يرزقك بشاب في مثل سنك.
انتفضت دينا صائحة:
_لقد تزوجت من قبل بمن هو في مثل سني أبي، وماذا كانت النتيجة؟
صاح بها أبوها:
_ماذا كانت النتيجة دينا، أخبريني! أريد أن اعرف ماذا حدث، أعلم أن هناك ما تخبئينه عني خوفا لأنكِ تعلمين أنكِ مخطئة، حمزة أيضا لم يشأ إخباري مُصِرَّا على عدم التحدث في أسرار تخصكما، هل هذا هو من تندمين على زواجك به؟ أليس هو نفسه من كدت تطيرين فرحا يوم تقدمه لخطبتك؟
_ هتفت دينا بغضب:
_لقد أخطأت! نعم أخطأت حينما اعتقدت أن عمله كطبيب يُدر عليه العديد من الأموال واكتشفت أن مستواه مماثل لنا تماما، لن يضيف إليّ شيء، وليزيد الطين بلة علمت أنه يعطي أموالا لوالده وما خفي كان أعظم، وأنا لم أتزوج كي أعيش بنفس الظروف المادية الخانقة، أريد أن اتمتع بشبابي وبجمالي مع من أسعد معه.
نظر لها صلاح بخيبة أمل مشوبة بازدراء:
_ماذا به مستوانا دينا؟ هل قصَّرت معك بشيء؟ هل قصَّر حمزة معك بشيء؟ لقد كنت أرى بنفسي مدى كرمه وطيب أصله وإيثاره إياكِ على نفسه، ثم ماذا إن كان ينفق على أهله؟ ما خصك أنتِ؟! هل كنتِ تريدين الزواج من أحد العاقين الذين يتنكرون لأهلهم؟! كيف ومتى أصبحتِ طماعة وحقودة بذلك الشكل ابنتي؟
تدخلت شروق بغضب:
_من حقها صلاح أن تعيش مرفهة، وان كان هو يـ.....
صاح صلاح بها بثورة:
_اخرسي أنتِ! ألا تملين؟! ألا تتعبين من تلك السموم التي تسكن جلدك؟ ألا تريدين أن ننعم براحة وسلام مطلقا؟! كفي عن بث أحقادك في أذني ابنتك وإلا أقسم أنني لن أهتم لِسِنِّك وسأجعلك تكرهين حياتك.
ثم التفت إلى ابنته صائحاً بصرامة:
_وأنتِ! لا تفكير في زواج آخر إلا بعد انقضاء عدتك، لعلك تكونين قد تعقلتِ حتى ذلك الوقت.
ثم دخل إلى غرفته صافعا بابها بقوة أتبعها بصوت دوران المفتاح لإيصاده تماما في رسالة صامتة بأن تقضي شروق ليلتها على الأريكة.
**********
منذ ست سنوات ونصف:
وقف أمام غرفة العمليات مُتسمراً بِخوف وهو يولي أمه وأخته وخالته ظهره، وعلى الجانب الآخر يقف والده بعد أن هاتفته أمه صارخة به بغضب ومهددة إياه إن حدث شيء لمَوَدَّة بسببه.
مَوَدَّة!!
آآآآه يا مَوَدَّة!
ماذا فعلت بكِ أنا؟ ولِمَ تصبرين على ذلك الوضع؟ ما الذي أظهرك بحياتي الآن وأنا أعاني من التشتت والضياع؟! ما ذنبك كي تتحملي ذلك الألم من أجلي؟ ما ذنبك أن تحبي وتتزوجي وتنجبي طفلا من ضعيف مثلي؟
وعلى ذكر طفله ارتجف قلبه بقوة، لقد كان يتشدق منذ قليل بعدم اهتمامه به على الإطلاق ، لِمَ يشعر الآن بأنه إن لم ينج بالداخل سيلحق به مُرَحِبَاً؟!
ابتهل هامساً بتوسل:
_لا يا رب، لا تؤذِني فيه، أريد ذلك الطفل، اجعله سالما معافى، واحفظ أمه يا رب.
ثم خرج الطبيب معلنا بإرهاق عن سلامة الطفل رغم ميلاده مبكرا..
وبلهفة بادره:
_وزوجتي؟ كيف حالها الآن؟
ليطمئنه الطبيب بسلامتها فيحمد ربه على استجابته.
وبعد أن جرب للمرة الأولى حمل جزء من روحه بين يديه، اجتاحه حنان جارف ورغبة بالبكاء وهو يراقب خاطر خبيث يرحل مدحورا...
هو لن يكن مثل أبيه مطلقا! لن يظلم تلك العطية ما حيا، سيحبه وسيرعاه، لن يجعل منه صورة مصغرة من ضعفه وخضوعه واستسلامه، وعلى النقيض تماما سيجعل منه الأمان والعضد، هو القوة والتأييد والسند ، نعم هو : إياد!
نظر لها بندم بعد انفراده بها بغرفتها بالمشفى، راقبها تحدق بطفلهما بعينيها الجميلتين، تلاعبه وتُقَبِّله بحنان دامع، صورة اكتشف تلك اللحظة أنه لن يمل من التطلع إليها أبدا..
_مَوَدَّة!
ازدردت لعابها وأجابته بدون أن تنظر إليه:
_نعم عَمَّار؟
_أنا آسف.
بابتسامة ساخرة طالعته:
_علام تأسف عَمَّار؟!، إن كنت اليوم قد حطمت قلبي فقد أراد الله تعويضي في الحال، اذهب عَمَّار!، إن أردت الانفصال أنا ليس لدي ما يمنع، سأكتفي بولدي، سأربيه وسأعلمه ألا يخضع، ألا يظلم، ألا يكسر قلب غيره بحجة ضعفه.
هز رأسه نافيا بلهفة:
_لا مَوَدَّة، أنا لا أريد الانفصال، أريد فقط فرصة كي أعتاد علـ....
وصمت لا يجد تعبيرا لا يجرحها أكثر، لكنه فعل! فقد أكملت هي عنه بشرود:
_كي تعتاد على كوني زوجتك، كي تعتاد على أن أم ابنك ليست هي حبيبتك، لا عَمَّار، أنا لا استحق تلك الإهانة، لقد دفعت ثمن خطأي تجاه نفسي بسبب لهفتي على الزواج بك وكدت أخسر الشيء الوحيد الذي حظيت به منك، لن أجازف مرة أخرى، لن أرتضي المذلة من أجلك ثانية، أنا زوجتك عَمَّار، إن شئت اتركني على حالي وإن شئت طلقني، أنا سأعيش من أجل ابني ولن أنتظرك يوما آخر.
رمقها مليا بألم ثم وقف يناظرها بِشعور غريب، وبنبرة صارمة شدت انتباهها خاطبها:
_أعلم أن ذنبي كبير مَوَدَّة، بحقك وبحق نفسي وبحق غيري، لكنني سئِمت، الآن لدي ما أحارب لأجله، سأحارب ضعفي وخنوعي قبل أن أحارب أبي، وأعدك مَوَدَّة، أعدك أن أتخلص من عَمَّار الذي عَرَّضك لتلك الحالة، لا أطلب منك الكثير، فقط عودي صديقتي وملاذي الآمن!
بادلته التدقيق ، ثم بصوت خافت ردت:
_أنا لا أغفر الخيانة عَمَّار.
ليؤكد بلهفة:
_لم أخنك!
بحسرة أجابته:
_ستخون.
مال عليها بتصميم:
_أقسم ألا أفعل.
دمعت عيناها خوفا من أمل وليد:
_لا تقسم بما لا تستطيع فعله عَمَّار!
وبنبرة مشددة ووعد بعينيه كان رده:
_أعدك ألا أخونك.
لتسأله بعناد:
_وإن فعلت؟
أجابها بنفاد صبر:
_عندئذ يحق لك ما تريدين.
ببطء شددت على كل كلمة:
_ستكون النهاية عَمَّار!
وبلهجة منتصرة زفر بارتياح:
_لكِ ذلك!
وباليوم التالي انفرد بأبيه رغما عنه بمكتبه ليعتقد الأخير أنه جاء ليعتذر، فيفاجئه ابنه بلهجة صارمة باقتضاب:
_أنت أبي لك مني كل احترام، لكنني بدءاً من اليوم لن أسمح لك بالتدخل في أي شيء يخصني أو يخص زوجتي أو ابني، وإن شعرت يوما ما بعدم راحة هنا سآخذ زوجتي وابني وسأستقل بمسكني، فلم يعد بي طاقة كي أتحمل منك أكثر، الآن لدي ابن يحتاج إليّ بكامل قوتي.
وبدون انتظار رد خرج تاركا أبيه يغلي غضبا وهو يتوعده بداخله إن نفذ تهديده ورحل.
**********
عودة إلى الوقت الحالي:
"لِمَ اكتفيت بالسماع من طرف واحد فقط؟!"
"لِمَ لا تطالب بالحقيقة كاملة؟"
العباراتين اللعينتين تأبيان تركه منذ غادرته صاحبتهما بالأمس ، يحاول فهمهما، يحاول فك شفرتهما فلا يستطيع، ماذا قصدت؟ عن أي طرف كانت تتحدث؟
"ماذا بكَ بني؟ بِمَ أنت شارد؟"
التفت عاصم إلى أبيه مُقبِّلا جبهته بحنان ثم ساعده على الجلوس فوق الأريكة الموضوعة بالشرفة وهو يرد:
_العمل والدي، أفكر بأشياء تخص العمل.
ابتسم أبوه بضعف قائلاً:
_لم تستطع الكذب علي من قبل عاصم، عيناك تُقران بالحقيقة دائما.
"الحقيقة!"
"لِمَ لا تطالب بالحقيقة كاملة؟"
مجددا!
حدق عاصم بعينيه مليا ثم ازدرد لعابه قائلا بخفوت:
_وما هي الحقيقة أبي؟ أخبرني؟
نظر له والده بعدم فهم ثم سأله:
_أي حقيقة بني؟
وانطلق السؤال بنبرة هادئة لكنها تشتعل:
_لِمَ تركتني أمي؟
اتسعت عينا أبيه بصدمة فعاجله بسؤال ثان:
_لِمَ انفصلت عنها بالأصل؟
وعندما طالت دهشة أبيه أتبعه بالثالث:
_لِمَ لم تزرني طوال تلك السنوات؟
هنا لم يستطع أبوه الصمت أكثر فهتف بغضب مرتبك:
_لِمَ تسأل أنت في ذلك الشأن الآن؟ ألا ترى أنك تأخرت عدة سنوات لِتفعل؟
تسارعت دقات قلبه وهو ينتبه لِتهرُّب أبيه منه فازدادت نظرته ثم لهجته صرامة وهو يُخاطبه:
_الآن أبي! الآن أريد الحقيقة، وأنت لن ترضى لي بالحيرة والشك أكثر.
أجابه بنزق وهو يهب واقفا عائداً إلى الداخل:
_لم نتفق، هذا يحدث للكثير.
تعلق بذراعه بتوسل قبل أن يخرج هاتفا:
_ولِمَ لم تزرني مطلقا؟
عندئذ نظر أبوه إليه نظرة صدمته وجعلت قلبه يرتعد، لتنتشر الارتعادة بجسده كاملا وأبوه يجيبه ببرود:
_لقد زارتك!
**********
سنوات مرت وهي تنتظر أن يدق قلبه لها ولم يفعل، تنتظر أن يجتاحه حنينه إليها ولم يفعل، حتى فقدت الأمل وأدركت أنها تتمنى شيئا بعيد المنال، وأنه حتى إن كانت شخصيته قد تغيرت واستطاع فرضها على الجميع إلا أن قلبه لن تملكه مُطلقاً، هنيئا لها!
لكنها لن تطالبه بشيء، لن تتوقع حبه، ستعيش من أجل ابنها الحبيب، طالما عَمَّار لم يخنها لن تعرض ابنها لخطر التفكك الأُسَري ولن تتسبب بالنزاعات بين أمها وخالتها.
لكن الحال فجأة انقلب، اختفاء بالساعات ثم مكالمة هاتفية هامسة، ليبدأ الشك بالنبش بقلبها، تفضي بقلقها لأمها فتنصحها بمراقبته، أو بتفتيش هاتفه، لتتجرأ وتقوم بالاثنتين.
بمرور الوقت وبإحدى الليالي استطاعت الوصول لهاتفه، مقاطع مصورة لعمليات ، أهداف لفريقه المفضل، صور حالات طبية، صور لابنهما في مراحل مختلفة..
وفتاة جميلة بريئة الملامح!
صورة..
تلو أخرى..
تلو أخرى..
وكلها مُلتقطة لها في الشارع، فيبدو أنها يتم تصويرها بدون علمها، هل هي حبيبته السابقة؟!
لا تعلم عنها سوى أنها كانت زميلته وتُدعَى رضوى، هل انفصلت عن زوجها؟ هل سيعود إليها؟
وعلى جمر متقلب قضت ليلتها، وفي الصباح الباكر كانت السيارة الرمادية هدفها حتى توقف صاحبها أمام أحد معاهد تدريس اللغات، لتختبىء داخل سيارتها بعيداً عن مرمى رؤيته، حتى خرجت غريمتها يحدق بها زوجها بحب لم تطاله عيناها يوما.
وباليوم التالي حزمت أمرها، تأكدت من وجوده بالمشفى واتجهت إلى مكان عمل طريدة زوجها ، انتظرت طويلا حتى خرجت الفتاة أخيرا تترنح بعض الشيء، فمشت باتجاهها متعمدة الاصطدام بها وتجاذبت معها حديثاً يبدو مُصادفة بينما تخفي نيراناً داخل صدرها وهي تواجه غريمتها وتتظاهر باللامبالاة بينما الفتاة تتضح عليها البراءة بالفعل..
افتعلت خطة ما وتذرعت بحجة السؤال عن الدورات التي تدرس للأطفال بسن ابنها ، وبينما تجيبها الفتاة بإتقان شردت هي بملامحها متفحصة، لن تنكر جمالها، لكن بِمَ كان يبحث عَمَّار ووجده بها هي بالتحديد ليتخلى عن إخلاصه غير المشروط منذ ستة سنوات؟
عمرها خمس وعشرون!
اسمها رهف!
ليست السابقة إذن!
ماذا عَمَّار؟ هل مللت أخيرا؟ هل وجدت أن ما لدينا لا يستحق؟ أستبحث بين كل النساء ما عداني إلى متى؟
وبعد أسبوع:
لا تستطيع النوم، يجب أن تواجهه، لكنها تعلم أنها إن واجهته سينهار عالمها بأكمله...
عذاب لا ينتهي!
لقد عابته يوما بضعفه وها هي تُبتلى بنفس العيب!
الأضواء المُتَسَللة من غرفة نومه شدتها لتتسلل إليها بصمت، فتراه مُولِيا إياها ظهره ممسكا بهاتفه مُطْلِقَاَ السكاكين إلى قلبها بلا رحمة:
_أريدِك!
_أريدِك رهف، أريد رؤيتك، أريد تعويضِك، أريدِك معي دائما وبجانبي.
_أنا لا أريد بكِ شرا رهف، أنتِ غالية، لا تدركين كم أنتِ غالية!
_يا إلهي أنتِ حقا ممثلة فاشلة!
¬_أنصتي جيدا رهف، ذلك الوضع لن يستمر طويلا، قريبا ستكونين معي ولن يفرق بيننا أحدا، وحتى ذلك الوقت اعتني بنفسك جيدا، إلى اللقاء.
ألجمتها الصدمة وهي تتشرب الكلمات التي لم تتمتع بها مُطلقاً، وعندما أنهى مزاحه مع ابنه واستدار، كانت دمعاتها تنهمر بلا إرادة منها، وتكسرت نبرتها كما تكسر قلبها وهي تبادره بصدمة:
_أتخونني عَمَّار؟!
**********
عودة إلى الوقت الحالي:
تطلعت إلى موظفة الاستقبال ببلاهة تحاول استيعاب سؤالها البسيط فاضطرت الأخرى لتكراره مرة ثانية:
_أرجوكِ آنسة، أنا لست متفرغة.
حمحمت بحرج وهي تعيد نفس العبارة:
_لقد أخبرتك، أريد مقابلة صاحب هذه الشركة.
لتزفر الموظفة بملل:
_أي واحد منهما آنسة؟
تطلعت رهف حولها بضيق وهي تلعن غبائها وهاتفها الذي سُرق والآخر بحوزتها الذي لا يستمر شحنه عشرة دقائق كاملين، هي حتى لا تستطيع الآن الاتصال بالرجل، أما فكرت في سؤاله عن اسمه عندما هاتفها؟
خرقاء! وستظل خرقاء!
عادت بنظراتها إلى الفتاة وأدركت أنها تمنع نفسها بصعوبة عن الصراخ بها، ثم هزت كتفيها بحيرة وهي تجيب بحرج:
_أنا لا أعلم اسمه، اعذريني!
همت الفتاة بنهرها بحنق فتدخلت زميلتها_التي تبدو أكثر حُلما_ بسرعة متسائلة:
_أتريدين مقابلة المهندس عاصم؟ لم يأتِ اليوم.
كانت على وشك الرد بنفس الإجابة فقاطعها الصوت الذي تسلل إلى أذنيها هاتفياً بالأمس من خلفها:
_لا! الآنسة تريد مقابلتي أنا!
وعندما التفتت للخلف اجتذبتها على الفور عينان خضراوتان تحدقان بها بابتسامة رائعة، ليتابع صاحبها بتهذيب:
_مرحبا آنسة رهف، أُعرِّفك بنفسي، مهندس ساري رشوان!



الثالث من هنا 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close