اخر الروايات

رواية واشرقت في القلب بسمة الفصل السادس والعشرين 26 بقلم الكاتبة شموسة

رواية واشرقت في القلب بسمة الفصل السادس والعشرين 26 بقلم الكاتبة شموسة


الفصل السادس والعشرون
(1)
قبل قليل

دخلت بسمة الغرفة مقطوعة الأنفاس .. في حالة من الطفو لم تمر بها في حياتها من قبل .. شعور من البهجة والسعادة والدفء وانفراط في عقد الأمنيات التي تحولت لفراشات تطير من حولها طوال رحلة صعودها .. أو هروبها إلى غرفتها .



ما هذا الشعور .. وما هذه اللحظة التي عاشتها منذ دقيقة .. هل ما وصلها صحيح ؟.. هل المشاعر التي أخبرها بها كامل من خلال قبلته حقيقية أم أنها تتوهم؟ ..

القُبلة في حد ذاتها كانت من عالم أخر وهي بعد تجربتها السابقة تدرك الآن أن قبلة كامل بها شغف كبير وليست مجرد شهوة لامرأة يقال بأنها جميلة .

أهذا هو الاختلاف .. أهذا هو السبب الذي يجعلها تشعر بأنها أعظم قُبلة وأحلى تجربة مرت بها ؟

شغف !.. عاطفة !

أم لأنها هذه المرة تُحب ؟.. تحب ذلك الحب القدري الذي يتحدثون عنه في الروايات .. ليس حب العشرة والاعجاب أو حب العقل ..

هذه المرة هي عاشقة .. عاشقة لرجل لم تختره بالعقل وبالإعجاب .. بل دخل حياتها قدرا وجبرا .. مطرا سخيا فوق صحراء قلبها..

هل تفتح قلبها للأمنيات ؟

هل تتعشم في أن ما شعرت به مع كامل منذ قليل ينم حتى عن اعجاب .. مجرد إعجاب؟..

أم أن كل ذلك ما هو إلا وهم يوهمها به قلبها وعقلها من خيالات عاشق .

دخلت بسمة لغرفتها تمسك بقلبها المتخم بالمشاعر .. وجلست على السرير تحاول أن تهدئ من مشاعرها التي تفجرت في هرج ومرج منذ قليل بسبب قُبلة واحدة ..قبلة مليئة بالشغف تحرض على التمني .. فغمغمت لنفسها "اهدئي يا بسمة اهدئي حتى لا تخطئي الفهم ..كامل خبير في سرقة قلوب النساء ..احذري من أن تكوني قد عبرت فقط من بوابة عينيه نحو الطريق إلى جحيمه يا بنت الوديدي"

تحت الإلحاح الشديد لقلبها قررت ألا تغلق الباب بينها وبينه بل ستحاول أن تبقي عقلها يقظ معه لترى علام ينوي .

هكذا قررت وطعم القُبلة واحساسها بها يهيمن على أفكارها فحاولت التشويش على ذلك الشعور مؤقتا لتفكر في الخطوة القادمة..

امسكت بريموت مكيف الهواء وفتحته ليخفف من حرارة مشاعرها وتحركت بسرعة نحو الخزانة تفتحها لتضب حقيبة صغيرة للسفر تكفي للمبيت في القرية يومين ..

(المبيت مع كامل في بيت الجد صالح وحدهما)

انفجرت دقات قلبها من جديد .. وأحست بأنها ستصاب بنوبة قلبية لا محالة بهذا الشكل .. خاصة حينما تذكرت القميص البرونزي وتلك الملابس التي اختارتها حماتها والتي تعترف بأن لها ذوق رفيع جدا وفي الوقت نفسه غير مبتذل .. فاختياراتها كانت شديدة الأناقة والرقة رغم أن منها ما هو فاضح مثل ذلك القميص البرونزي الذي تسمر امامه كامل.

حركت يدها أمام وجهها تحاول التلطيف من الجو الملتهب ومن حرارة وجنتيها اللتين تحترقان اللحظة .. وقررت أن تضع القميص بين ملابسها الليلة .

وقفت تسحب نفسا لتهدئ من روعها وترتب افكارها ثم قررت بأنها ستأخذ القميص وتترقب ماذا سيفعل كامل في بيت الجد صالح .. تخبر نفسها بأنه إن حاول مغازلتها ستطلب منه بدلال الانثى أن تعرف أولا على أي أساس يطلب منها أن يتمما الزواج ..ستواجهه هي وتسأله سؤالا مباشرا.. لكن عليها أن تكون لطيفة وأنثوية .. هكذا حدثت نفسها .. ثم ضربت على جبهتها بتوتر معترفة بأنها لا تعرف أمور الدلال والميوعة ..هذا ما تعلمه عن نفسها ..ففي زيجتها السابقة لم تكن كذلك أبدا ولم تتقن هذا الدور .

وضعت بعض الملابس في الحقيبة وشعرت بأن الجو يزداد سخونة .. فعقدت حاجبيها متسائلة لماذا لا تشعر بأي تأثير للمكيف ؟!!

اغلقت باب الخزانة لتنظر للمكيف فوجدته مغلقا ووجدت أن التلفاز مفتوح بينما صوته مكتوما كما كان طوال الليل .. فضربت على رأسها تشتم غبائها الذي جعلها تفتح التلفاز بدلا من المكيف وتحركت نحو السرير لتلتقط ريموت التكييف ثم وقفت متسمرة لثوان تحدق في الشاشة أمامها بمفاجأة وهي ترى صورة زوجها السابق سيد صبرة في لقاء تلفزيوني.

لم تعرف إن كان التوقيت قدري أم مجرد صدفة ..لكنها لا إراديا اسرعت بفتح الصوت .. وكل ما سيطر عليها لحظتها أن تختبر مشاعرها .. أن ترى ما هو شعورها تجاهه الآن بعد هذه السنوات وبعد أن وجدت الحب وتزوجت .. أرادت أن تعرف كيف هو الشعور نحو شخص كانت تشاركه أيامه وسريره ..

قالت المذيعة لسيد بدلال" أنت معروف في الوسط الفني بأن لديك صوت رائع ..لماذا لم تسع لأن تكون مطربا ؟"

ابتسم سيد وقال وهو يجلس بكل ثقة في المقعد الوثير وذراعاه مستقرين على يدي المقعد" بعيدا عن أني لست مستسيغا لفكرة أن أقف أمام الجمهور لأغني .. فأنا أرى أن مواصفات المطرب لابد أن يكون وسيما وساحرا وليس بهيئة مخيفة مثل هيئتي .. (وابتسم مضيفا بتفكه ) أنا شخصيا إن رأيت مطربا على خشبة المسرح في مثل ضخامتي سأخاف أن يَقبض عليّ "

ضحك الجمهور وشاركتهم المذيعة ثم قالت" لكنك تجمع بين الوسامة والجاذبية والجسد الرياضي"

وضع سيد يده على صدره وهز رأسه يرد بحرج" جبر الله بخاطرك "

اعتدلت المذيعة في جلستها الأنيقة وقالت ببعض الدلع " سمعت أن زوجتك ( ونظرت للشاشة ) وهي بالمناسبة زميلة لنا في التقديم الإذاعي ..(وعادت لسيد ) سمعت بأنها تغار عليك من المعجبات هل هذا يضايقك؟"

رد سيد يهز كتفيه " من الطبيعي أن تغار على زوجها "

أصرت المذيعة على أن تخرج بتصريح معين منه فقالت "لكني سمعت بأنها عصبية في هذا الشأن مع معجباتك "

لاحت ابتسامة ونظرة عاشقة على وجه سيد وهو يرد " زوجتي تحاول جاهدة أن تتأقلم مع هذا الأمر ( وغامت عيناه بتأثر واضح مضيفا ) وأرى بأنها تبلي بلاء حسنا في ترويض نفسها .. دوما أنا فخور بها وبسعيها الدائم لأن تكون على قدر الثقة"

انفتح باب الغرفة .. لكن بسمة احتاجت لبضع ثوان حتى تنتبه .. فكل تركيزها كان منصبا على اختبار مشاعرها.. وحينما ادارت وجهها ..بإدراك متأخر .. ورأت ملامح كامل أدركت المصيبة التي أوقعت فيها نفسها .. فشحب وجهها وتجمدت وهي تراقب ملامح كامل التي لا تعرف من أي جحيم جاءت.

وقف كامل يحدق في وجهها وفي وجه ذلك الشخص الذي يزوره في كوابيسه .. وساد صمت قاتل لا يقطعه إلا صوت ضربات القلوب العالية المتوترة وصوت رخيم يأتي عبر الشاشة ..

صوت تحول فجأة لضحكة عالية مستمتعة تخرج من الشاشة لتزيد من استعار الجحيم الذي انفجر في وجه كامل ..

ضحكة مجلجلة كانت كموسيقى تصويرية لمشهد شديد الحزن .. شديد الألم .. ولمحة سريعة تمر أمام عينيه المحدقتين في وجه بسمة المشلولة لا تجد ما تبرر به .. لمحة خاطفة .. رأى فيها قلبه المنحوس كأشلاء دامية على الأرض وصوت ضحكة ..غريمه ..في الخلفية .

فأهلا بالجنون لربما يخفف عنه ذلك الشعور المميت الذي يشعر به لحظتها .

استعادت بسمة صوتها بصعوبة وهي تراه يقترب منها ببطء فقالت بحشرجة وقد أدركت بأنه يتذكر شكل زوجها السابق " أنااااااا..."

"هل اشتقت إليه؟!"

قالها بلهجة خطرة فجحظت عينا بسمة وقبل أن ترد عليه أطلقت صرخة مفزوعة حينما تحرك كامل وشد سلك الكهرباء الخاص بالشاشة فأصدرت طرقعة قوية .. لتنظر لبقية السلك الذي لا يزال موصلا بمصدر الكهرباء في الحائط وشعرت بالخوف على كامل من أن يقترب منه فقالت بسرعة في ذهول" كامل ما الذي تقوله؟!!"

حمل كامل الشاشة المعلقة على الحائط وضربها في الأرض وهو يهدر بعروق منتفخة "أقول هل اشتقت إليه فتتلمسين رؤيته على الشاشة؟"

صرخت بسمة وهي ترى الشاشة انكسرت وارتعبت من هيئة كامل فقالت وصدرها يعلو ويهبط وانفاسها تتسارع "كامل ..ما تقوله هذا خطير اعطني فرصة"

هجم عليها يمسك بذراعها بقوة آلمتها وهو يهدر في وجهها حتى كاد أن يصم أذنيها بصوته "فرصة لماذا؟.. لتصفين لي كيف تشتاقين إليه .. لتصفي لي مدى عشقك له؟!!"

اتسعت عيناها وصرخت بصوت مبحوح بمزيج من الغضب والخوف "كامل أنا لا اسمح لك"

كان ما يشعر به من ألم في كرامته وإحباط وغيرة كفيلا بأن يقتلها عقابا لها على ما يمر به لحظتها من عذاب .. وكان مدركا بأنه في حالة غير مسبوقة من الانفعال فحاول بقوة الالتجاء لعقله ليتدخل وهو يرفع قبضتيه أمامه ويهزهما ويجز على أسنانه بقوة ليحجم مشاعره المؤذية المحرضة على الإيذاء وهو يقول "مم أنت مصنوعة ؟.. أخبريني ..من الحجر ؟.. من الغباء؟ .. (وفرك رأسه بأصابعه بقوة وهو يقول بصوت معذب وصدر لاهث ) لقد ... لقد .. بالله عليك لقد كنتِ بين ذراعيّ قبل ربع ساعة!!!.. كيف؟!! .. كيف..."

تقطعت الكلمات فوق لسانه بسياط الألم بينما هتفت بسمة بغضب شاعرة بالإهانة" كامل!!!"

طرقات قوية على الباب مصحوبة بصوت شامل الذي قاده حدسه لغرفة أخيه قبل أن يسمع صوته العالي "افتح يا كامل .. بسمة أنا سأدخل يا بسمة "

كان الاثنان بالداخل يحدقان في بعضهما بترقب وكلاهما يرزح تحت أفكار ومشاعر تهدد بإحداث كارثة في الوقت الذي فتح فيه شامل الباب مواربا قبل أن يستدير كامل نحوه بتحفز وكأنه قد عثر على خصم يليق به لينفس فيه غضبه فصرخ بعنف وهو يقترب من الباب بسرعة "اخرج من هنا "

قال شامل بهدوء مدركا لخطورة حالة أخيه الغريبة" تعال معي "

كان جنون الغضب يبرق في عيني كامل كومضات كهربية متقطعة وهو يدفعه بقوة" قلت أخرج من هنا وإلا سأقتلك بدلا منها .. "

فقد شامل توازنه لثوان وارتطم بالباب كمن نطحه ثور بينما استدار كامل لبسمة يقول وقد فقد كل ذرة سيطرة على ذاته الجريحة" ألا يكفي بأني تزوجتك رغم كل شيء ..ألا يعني لك هذا شيئا ؟! "

ضغط على العقدة .. عُقدتها .. دهسها تحت قدميه بما قال كما دهس قلبها ..فصاحت بانفعال " آسفة كامل بك لأنك اضطررت للتورط معي ..آسفة لك بشدة ..وسأصحح هذا الخطأ حالا "

هدر شامل فيها بقوة " اسكتي يا بسمة .. (ثم سحب أخيه من ذراعه يقول ) وأنت تعال معي"

دفعه كامل مجددا وهو يصيح" قلت ابتعد واخرج من هنا (وضرب على صدره عدة مرات بقوة يصيح بجنون ) إنها زوجتي أنا .. لا أحد يتدخل بيني وبينها"

كانت ونس تقف بالخارج ترتجف بشدة ونازعتها الفكرة وعكسها .. فهي ترغب في الاندفاع للدفاع عن شامل وفي نفس الوقت عقلها يحذرها من التدخل .. في نفس الوقت وصلت سوسو مقطوعة الانفاس وبمجرد أن شاهدت الموقف على باب الغرفة سحبت ونس بسرعة وقالت "تعالي بعيدا فهما كثورين في شجارهما ..استر يا رب .. (وأضافت وهي تدخل بها غرفة الألعاب ) يا رب لم أعد احتمل تعب الاعصاب هذا "

تجمدت بسمة مكانها وقد نالت منها كلمات كامل ما نالت.. فانهمرت دموعها في الوقت الذي كان شامل يحاول السيطرة على ذلك الثور الهائج المنفلت الأعصاب الذي يقاومه ويرفض التحرك معه فانفعل هو الأخر يشعر بالخوف على توأمه وهدر فيه" قلت تعال معي وكف عن المقاومة"

قالها بعصبية شديدة وهو يطوق رقبته بذراعه كمن يلجم وحش ثائر ويقوده مطأطئ الرأس إلى خارج الغرفة .

بمجرد أن وصلا لصالة الجناح استطاع كامل التخلص منه بدفعه بقوة وهو يزمجر فارتطم شامل بالحائط وانطلقت صرخة من فم ونس التي كانت تقف على باب غرفة الألعاب.. فأسرعت سوسو بسحبها وهي تبكي بينما ونس تقاومها .

من وسط لهاث كامل وصدره الذي يعلو ويهبط وهو ينظر لتوأمه بتحفز ليستعد للهجوم التقطت أذنه نحيب أمه وبكاء ونس .. فتحركت عيناه بنظرة خاطفة لكلتيهما قبل أن يتحرك شامل ويدفعه نحو السلم في الوقت الذي كان غنيم قد وصل آتيا من جهة المصعد فهدر في كليهما" أخرجا إلى الشارع وأكملا شجاركما (وأشار بعصاه بحزم ) هيا خذ هذا الثور خارج بيتي يا شامل "

استجاب كامل هذه المرة لدفعة أخيه على درجات السلم وأخذ يناظره شذرا كلما دفعه حتى نزل الطابق الأرضي فقال شامل وهو يطوق رقبته بذراعه" هيا لنخرج ونتحدث كالعقلاء "

ابعد كامل ذراع توأمه عن رقبته وهو يصيح بقنوط ممسكا بصدر التيشيرت وكأنه سيمزقه " اتركني يا شامل بالله عليك أريد أن أموت الآن "

فعاد الأخير ليطوق عنقه بذراعه وسحبه لخارج الفيلا.

في الدور العلوي تحرك غنيم نحو غرفة كامل يقول لبسمة "ماذا حدث؟"

انهارت في البكاء وقالت من بين شهقاتها" أرجوكم أتركوني وحدي أستحلفكم بالله.. أرجوكم"

صمت غنيم يتطلع في الشاشة المحطمة ثم أمسك بالباب يغلقه بهدوء والحزن يعتصر قلبه وتحرك نحو غرفة الألعاب التي يأتي منها بكاء بصوت عال كان هو بكاء ونس التي هيمنت هرمونات الحمل عليها فوجدها على الأريكة تبكي وبجوارها سوسو تشاركها البكاء في صمت فقال لزوجته موبخا ومحاولا للتخفيف عنها" هل جديد عليك! .. بُلينا بثورين حينما يثور أحدهما ينطحه الأخر ليهدأ !"

غطت سوسو عينيها بكفها بنشيج متقطع فأشفق غنيم عليها وقال مطمئنا بعد أن تقدم وجلس بين الاثنتين ثم فرد ذراعه عليهما "إن شاء الله شامل سيهدئه .. دوما ما يستطيعا تهدئة بعضهما .. أتذكرين يا سوسو كيف كانا يربتان على بعضهما في صغرهما حينما يبكي أحدهما ؟"

قالها وقلبه يأكله على كامل فحاولت سوسو التماسك بينما اجهشت ونس بمزيد من البكاء.. فسحب غنيم رأسها لتنام على صدره وهو يقول" اهدئي يا ونس إنهما بخير"

في الغرفة كانت بسمة غير قادرة على التوقف عن البكاء فما قاله كامل كان جارحا بشدة .. فادركت بأن لحظة النهاية قد حانت .. نهاية قصتها مع كامل .. وعلى القطار أن يتوقف في هذه المحطة..

لكن ..

أتملك الشجاعة لأن تفعلها مرة أخرى؟!

كان الألم في قلبها عظيما لكن جرح كرامتها كان أعظم فقالت لنفسها وهي تمسح دموعها "كوني قوية يا بسمة .. لقد وعدت نفسك بألا تسمحي لشيء أن يهزمك .. لا شيء سيكسر ظهرك أو سيحني هامتك .. حتى لو كان الثمن تفتت قلبك إلى أشلاء "

اندفعت ناحية الخزانة وأسرعت بوضع بعض الملابس في الحقيبة الصغيرة بشكل عشوائي مقررة الرحيل فورا .

بعد قليل فتحت باب غرفتها وخرجت بالحقيبة الصغيرة وقد ارتدت بنطالا من الجينز وحذاء رياضيا .. فوقهما قميصا طويلا بينما شعرها مشدود إلى الخلف بقوة في كعكة أسفل رأسها .. وتحركت نحو السلم ..

ناداها غنيم قائلا بلهجة صارمة" إلى أين؟"

ارتعشت وتملكتها الرهبة منه فصمتت لثوان قبل أن تدير إليه وجهها المتورم من البكاء وترفع أنظارها الزرقاء من بين جفونها المنتفخة تقول بتصميم من وقفتها في منتصف السلم وهي تجز على أسنانها "سأغادر .. لابد أن أغادر الآن وفورا"

صمت غنيم قليلا ثم قال من وقفته في الدور العلوي " هكذا دون استئذان زوجك"

هتفت بحدة" ليس زوجي .. لن يبق زوجي"

صمت غنيم وأرخى أهدابه لثوان ثم أعاد صياغة كلامه "بدون اخبار من تعيشين معهم؟"

شعرت بالحرج وازداد الألم في قلبها فانفجرت في البكاء تقول "أرجوك أنا أعرف بأنك غاضب مني الآن لكني أريد أن أغادر فورا من هنا ...فورا"

تحركت توليه ظهرها فقال بلهجة صارمة "انتظري "

وقفت بسمة دون أن تستدير إليه ومسحت دموعها تطلب من نفسها أن تتماسك بينما رفع غنيم الهاتف وقال "عكاشة حضر السيارة الصغيرة ..ستوصل بسمة هانم للقرية حالا"

تغضنت ملامح بسمة شاعرة بمزيد من الألم في قلبها وادارت وجهها إليه ترفع أنظارها لأعلى بامتنان من خلف دموعها المصرة على الانهمار .. لكن ملامح غنيم كانت صلبة أمامها فأسرعت بالهرولة على السلم مبتعدة تشعر بالحزن لأنها اغضبته منها .

أما غنيم فتغضنت ملامحه تأثرا برحيلها لتقترب منه سوسو وتقول" كيف سمحت لها بالذهاب وحدها يا غنيم؟"

رد عليها باستنكار" وهل سنحبس بنات الناس عندنا ؟!"

غمغمت سوسو "اقصد كامل"

هتف بحزم " لقد تشاجرا وهي قررت السفر لأهلها .. فلن نحبسها عندنا .. عليهما أن يهدآ بعيدا عن بعضهما "

من خلفهما عادت ونس للنحيب تشعر بالحزن لما آلت إليه الأمور فاستدار غنيم وسوسو إليها قبل أن يشير لها والد زوجها لتقترب .. ثم أخذها تحت جناحه يقول" لا تنزعجي إنه مجرد خلاف بسيط وسيحل سريعا"

××××

بعد ساعة
"كيف سمحت لها يا أبي ؟؟.. كيف سمحت لها بالخروج دون إذني"
قالها كامل صارخا فصاح غنيم وهو يشير بعصاه نحوه "صوتك لا يعلو أمامي هذا أولا .. أما ثانيا فهي أرادت الذهاب لأهلها وهذا من حقها ..لن نمنعها عنهم .. ومن الأفضل أن يهدأ كل منكما بعيدا عن الأخر"
استدار كامل بعنف يصعد لأعلى .. فنظر غنيم لشامل الذي يضم ونس إلى صدره في الوقت الذي تذكر الأخير حواره مع توأمه منذ قليل.. وكيف أنه وبخه لثورته وكلامه الجارح لها دون أن يفهم أو يتعقل ..رغم أنه يعترف بداخله أن الموقف صعب على توأمه وجارح لكرامته ومشاعره .. لكنه لم يرغب في أن يعطيه الفرصة للتمادي في هياجه حتى يجنح للمنطق والعقل قليلا .. ليأتي سفر بسمة ليحير شامل في تحديد ما هو الأفضل لكليهما .
تأكد أن حدسه في محله حينما نزل كامل بسرعة بعد أن بدل ملابسه وتحرك نحو الخارج فسأله والده" إلى أين؟"
استدار كامل إليه يقول بتصميم وتحدي وبعينين تطلقان قذائفا من الشرر "ذاهب لإعادة زوجتي"
قالها واندفع خارجا فناظر غنيم شامل يأخذ رأيه بينما قالت سوسو بقلق "شامل اذهب خلفه ..أخشى أن يوقع نفسه في مشكلة "
أطرق الأخير قليلا يفكر ويوازن الأمر في رأسه ويحلل رد فعل توأمه منذ قليل وأفكاره واعتمد على ذلك الحدس العالي بينهما ثم قال بهدوء وهو يرفع أنظاره لوالديه" بسمة ستكون بين أهلها وعليه أن يتحكم في نفسه حتى يكسبها .. فكامل يطلق العنان لنفسه حينما يعلم بأني موجود سأتدخل إن خرج هو عن السيطرة .. لكن طالما يشعر بأني بعيد فذلك يجبره على السيطرة على نفسه حتى لا يقع بالمشاكل .."
سأله غنيم بقلق "ماذا لو أذاها؟"
تذكر شامل خطة توأمه الأساسية في أن يبيتا في بيت الجد صالح وبالرغم من قلقه طمأن والده "كامل لن يفعلها أنا متأكد"
قالها وهو يدعو في سره بأن يكون حدسه صحيحا ككل مرة وأن يسيطر كامل على نفسه كما يفعل دائما حينما لا يكون هو في المحيط
××××

وقفت صباح ذاهلة وهي تتطلع في العِجل الذي يقف أمام الباب بينما قال يحيى في الهاتف" ما هذا يا جابر؟ .. ( وصمت قليلا ثم رد بحرج) عشت .. وتمم الله لك على خير .. حسنا لا بأس ..السلام عليكم"
أغلق الخط وغمغم لصباح يقول" هديته للعروس في ليلة الحناء "
همست صباح بانزعاج "وأين سنطبخ هذا العجل يا يحيى ومن سيقوم بذلك ؟"
رد عليها هامسا" لا تقلقي يقول بأنه سيرسل طباخا بعد قليل ليطبخ لحفل المساء "
اشتعلت الغيرة في صدرها فهتفت بصوت عال باستنكار "يطبخ أين؟... في مطبخنا الذي مساحته شبرا ونصف !!"
امتقع وجه يحيى وناظرها بعبوس يقول وهو يتحاشى النظر للرجل الواقف ممسكا بالعِجل على بعد خطوات "اخفضي صوتك يا امرأة ..سأفتح لهم غرفة الكُتّاب القديمة ليطبخوا فيها "
قالت بشفتين معووجتين" الغرفة لا تكبر عن مطبخنا كثيرا"
رد عليها بعبوس "لا تشغلي بالك أنت فالطباخ سيتصرف( ثم استدار للرجل الذي يمسك بالعجل بينما تجمع بعض الجيران وخاصة الأطفال لمشاهدة ما يحدث بفضول وقال) لا أعرف أين ستذبحه (والتفت حوله ثم قال ) لا مفر من أن يذبح هنا في الشارع أمام البيت حتى ننتهي منه باكرا ثم ننظف مكانه استعدادا لحفل الليلة (وسأله) أنت لست من قريتنا أليس كذلك؟"
رد الرجل يخبره بأنه من القرية المجاورة قرية الحاجة نجف وبأن جابر زبون دائم عند محل جزارتهم ليقول يحيى مرحبا "بارك الله لكم"
سأل الرجل" أين العروس؟"
عقد يحيى حاجبيه وسأله" لماذا؟"
قال الرجل مبتسما "المعلم جابر أوصاني أن يذبح العِجل أمامها "
بدأت أعراض الذبحة الصدرية على صباح التي لوت عنقها وفمها تغمغم بصوت خافت" لقد جن جابر وذهب عقله بالتأكيد"
في الوقت الذي رفع يحيى حاجبيه لثوان ثم ابتسم وهو ينادي عبر بوابة البيت خلفه" يا وفاء .. نادي على أم هاشم"
بعد دقائق خرجت أم هاشم على البوابة فقال يحيى للرجل "ها قد جاءت العروس "
لأول وهلة تفاجأ الرجل بسمارها وقد ظهر ذلك على ملامحه قبل أن يتدارك الأمر بسرعة لكن أم هاشم الخبيرة بنظرات العيون كانت قد التقطت نظرته وتجاهلتها بتعمد وهي تنظر لعمها الذي قال مشيرا على العجل" هدية جابر لك يا عروس واشترط أن يذبح أمامك "
تطلعت في عيون الجيران التي تراقب بانبهار وكالعادة حصنت نفسها من (الموت من السعادة) بذلك الاعتقاد الذي لا يزال عقلها يتمسك به أنه يفعل ذلك متماديا في خطته فقالت وهي تعدل من حجابها بتلك الحركة المتباهية" أجل أنا العروس يا أخي تفضل .."
غمغم الرجل بتوجس "سأذبح لكن بدون تقيؤات واغماءات نسائية "
ابتسمت متخصرة فظهرت أسنانها اللؤلؤية وهي ترد بلهجة متحدية" هل تحب أن أذبحه أنا"
اتسعت عينا الرجل ثم ضحك قائلا" صدق ما قاله المعلم جابر "
سألته وقلبها يعزف معزوفة حب عذبة "وماذا قال المعلم جابر ؟"
رد الرجل وهو يجهز عدته "قلت له هل أنت متأكد أن أذبحه أمام العروس .. فبالتأكيد لا تريد انهيارات عصبية تعرف بنات اليوم .. قال لي بثقة أن العروس ستذبحه معك "
رفعت أم هاشم ذقنها بكبرياء في وقفتها المتخصرة ولمعت عيناها بدموع السعادة .. وقد أطربها ما سمعت فهذا الكلام عنها وهذه الثقة كانت أكثر تأثيرا عليها من ذبح عِجل تحت قدميها .

بعد قليل دخلت أم هاشم من بوابة البيت بعد أن شاهدت ذبح العجل لتستعد ليوم حنتها فجاءها من يناديها من عند البوابة فاستدارت تقول بنزق "من الذي يريد العروس مجددا ..ارحموني"
حين التفتت وجدت اسراء تقف في ساحة البيت مبتسمة فتفاجأت وقالت وهي تعود إليها مرحبة" أهلا يا إسراء ما هذا النور "
ردت اسراء بابتسامة هادئة وهي تقبل وجنتيها "حبيبتي يا أم هاشم جئت لأبارك لك وأتمنى لك كل السعادة التي تستحقينها "
لمعت الدموع في عيني الأخيرة وقالت بلهجة مستنكرة" لا تقولي بأنك لن تحضري في المساء "
قالت اسراء بلهجة معتذرة" سامحيني فكما تعلمين أمي لا ترغب في الخروج من البيت .. صحيح تركت غرفتها وبدأت تمارس طقوسها اليومية لكنها ترفض الخروج أو مقابلة أحد حتى الآن وأنا ( وبلعت غصة مرة في حلقها وقالت بابتسامة لم تمس قلبها ) أنا لا أرغب أيضا في الاختلاط ..سامحيني بالله عليك ..الله يعلم بمحبتك في قلوبنا وسأزورك إن شاء الله في بيتك"
قالت أم هاشم بلهجة متفهمة وهي تربت على ذراعها" لا بأس يا اسراء أسأل الله أن يعوضك خيرا منه "
وقفت سيارة أمام البيت وترجل منها عدد من الفتيات السمراوات بابتسامات ساحرة وعيون لامعة قبل أن يساعدن امرأة بدينة على النزول ترتدي زيا مميزا فقالت أم هاشم مازحة" ها قد جاءت مُعذبتي"
ضحكت الأخيرة بابتسامة حلوة وقالت ترد لها المزاح" وها هي العروس ذات اللسان الطويل ..مسكين هذا العريس اشفق عليه من الآن (وقالت لمساعداتها ) لا تنسوا أي شيء في السيارة يا بنات "
ضحكت أم هاشم بينما ابتسمت اسراء وربتت على ذراعها تقول" سأتركك أنا مع ضيوفك "
قالتها وهي تغادر فراقبت أم هاشم مشيتها الوقورة الحزينة وآلمها قلبها لتهمس في سرها " جبر الله بخاطرك يا بنت نصرة ورزقك من أوسع الأبواب "
×××××
بعد العصر
هذه المرة أصعب .. أصعب بكثير من المرة الماضية .. ولهذا كانت لا تريد الاقتراب .. التورط .. التمني .
إن القلب حينما يدخل في المعادلة يكون حل المسألة مؤلم والنتيجة كاسر أو مكسور جبرا أو اختيارا.
فتحت بسمة بوابة بيت الجد صالح فأصدرت أنينا يماثل ما تشعر به لحظتها ..
كان الشارع هادئا والجو حارا كحرارة القلب المريض الذي يتأوه طوال الطريق .
سألها السائق بأدب إن كانت تريد شيئا فأشارت له برأسها نافية وتحركت لتدخل البوابة .
إن المشروع مغلق لفترة لانشغال أم هاشم وانقطاع نصرة عن العمل .. ولم تستقر بسمة بعد على من سيديره في حالة أن رفض جابر أن تعمل أم هاشم فهذا الامر لم تناقشه فيه الأخيرة بعد.
فتحت بسمة الباب الداخلي للبيت ودخلت وهي تغمغم لنفسها "ستعودين لإدارة المشروع بنفسك مرة أخرى يا بسمة"
تطلعت في البيت حولها الذي يستقبلها بخيباتها وتذكرت بأن كامل قد حاول الاتصال بها في الطريق لكنها لم ترد فاتصل بالسائق ..وما فهمته من المكالمة أنه سأله أين هو بالضبط ثم أمره أن يكمل طريقه .. فخمنت بأنه سيأتي خلفها لهذا قررت أن تحضر إلى هنا وليس بيت أهلها فلا تريد أي جنون من كامل قد يفضحهما .. تريد أن تتكلم معه عن انفصال هادئ بدون مشاكل .. وستذكره باتفاقهما .
صعدت درجات السلم وكلمة ( الانفصال) كنصل سكين حاد فوق رقبتها ..لكنها قاومت بشدة ذلك الشعور المؤلم بالفقد المبكر قبل أن يحدث .. عليها أن تكون قوية حتى لو انكسر قلبها وتفتت إلى أشلاء .. وغمغمت لنفسها بمجرد أن صعدت للدور الثاني" ألم تكن هذه خطتك يا بسمة؟ .. ألم يكن هذا ما أردته ..أن يتم الانفصال لتعودي مطلقة للمرة الثانية وتنتقمي من الجميع !"
وقفت حائرة أمام أبواب الغرف المغلقة وهي تسأل نفسها باستنكار "أي خطة ساذجة هذه التي وضعتها !.. أي جنون هذا !.. لقد اخترت الحب يا بسمة .. أنت لم تضعي أية خطط سوى أنك أردت أن تخرجي من القرية وأن تبقي بجانبه قليلا .. أتنكرين على أم هاشم ما فعلته وقد فعلت مثلها !"
عادت بنفس النظرة الحائرة تنظر للغرف أمامها ..أيهما تختار؟.. غرفته القديمة أم غرفة أخرى؟ .. وترددت خطواتها قليلا قبل أن تسوقها قدماها رغما عنها نحو تلك الغرفة التي كان يسكنها يوما .
لوهلة بعد قُبلة اليوم تخيلت نفسها هنا معه في هذه الغرفة لكنها لم تتخيل أبدا أن ينقلب الأمر خلال دقائق بهذا الشكل .
رن هاتفها فوجدتها مليكة التي كانت تلح في الاتصال طوال الطريق فبالتأكيد تريد أن تعرف لماذا تأخرت ولم تأت من أول اليوم فرفعت الهاتف لأذنها وردت بحشرجة وهي تفتح باب الغرفة وتدخل" نعم مليكة "
صاحت الثانية بتوبيخ" أين أنت يا ست الهانم (وأضافت بتهكم تقلدها ) من أول النهار سأكون عندك يا مليكة .. نحن العصر يا ست بسمة "
انفجرت بسمة في البكاء وكأن كل ما ذرفته من دموع أثناء الطريق لم يكن كافيا فقالت مليكة بهلع "بسمة ماذا حدث ؟؟"
غمغمت الأخرى من بين دموعها" انتهى كل شيء يا مليكة وأنا لن أعود للعاصمة "
التاع قلب مليكة وقالت بلهفة" ما بك يا بسمة ماذا حدث؟"
استدارت أم هاشم من وقفتها في غرفتها ومعها الحنانة ترسم لها يدها بالحناء وتطلعت في مليكة التي ارتبكت وقالت لأم هاشم مفسرة حتى لا تزعجها بالخبر " السيارة تعطلت بها لهذا تأخرت .. سأخرج لأتحدث بالخارج لان الشبكة ضعيفة "
تحركت مليكة في البيت الضيق الممتلئ بالسيدات واسرعت للخروج لساحته وهي تنادي على بسمة التي تبكي بحرقة على الهاتف" يا بسمة أخبريني ماذا حدث؟ وأين أنت؟"
ردت الأخيرة " أنا وصلت إلى بيت الجد صالح"
سألتها بقلق "ماذا حدث"
من بين دموعها أجابت بسمة " كامل رآني أشاهد سيد على التلفاز .. كانت صدفة وكنت أريد أن أختبر مشاعري .. فالأمر كان غريبا عليّ ..كيف أن أكون مقترنة بشخص وتركته ثم أشعر بذلك الشعور الذي شعرته به لحظتها وأنا أشاهده .. شعور بالغربة .. شعور كمن كنت أرافقه يوما في رحلة قطار وافترقنا فصرنا غريبين هذا ما تأكدت منه.. لكن دخول كامل كان هستيريا .. غضب بشدة (و عادت للنحيب لبضع ثوان ثم قالت) أخذ يكسر ويحطم ويسألني أن كنت اشتقت له "
سألتها مليكة مصعوقة " اشتقت لمن؟!!"
"لسيد"
هتفت بغير استيعاب "يا الهي !"
أضافت الأخرى من بين دموعها " وقال كلاما جارحا بما يعني( ألا يكفي بأني ارتضيت بك) .. (وشهقت باكية ) قلبي انكسر يا مليكة وأنا أرى الاحتقار في عينيه .. كنت أظنني أؤثر فيه ولو قليلا لكني كنت عبئا عليه .. زواجه مني كان شهامة "
قالت مليكة مهدئة " اهدئي يا بسمة .. لو كان الأمر كما تقولين لماذا ثار بهذا الشكل ربما ...."
صرخت بسمة فجأة تقاطعها " لا لا .. أرجوك كفاني افتراضات وتخمينات .. كفاني تمني .. التمني مؤلم يا مليكة مؤلم بشدة .. أنت لم تري نظرة الاحتقار في عينيه .. لم تريها .."
سألتها مليكة "وكيف حضرت؟ "
في نفس الوقت دخل فيه كامل الشارع بسيارته الضخمة بعد أن أكد له السائق بأنه قد أوصلها لبيت الجد صالح فشعر بالراحة لأنهما سيكونان وحدهما .
لقد فكر طوال الطريق الذي كان يطير على اسفلته دون أن يدري بسرعته .. فكر وبعض منه يريد أن يصدق ما قاله له شامل بأنه لم يسمع منها بعد فربما إن سمع تفسيرها وجد ما يقنعه .
ضرب على المقود يشعر بأنه على وشك الجنون .. أي كلام مقنع سيدخل عقله بعد الذي رآه ..صورتها وهي أمام الشاشة تحدق بتدقيق لا تريد أن تنمحي من مخيلته .. تقتله .. تكويه بنار الغيرة القاتلة .. لقد فتحت أبواب الجحيم عليه وهو يتعذب ولا يعرف كيف يتصرف ..
هل يطلقها ؟.
تغضنت ملامحه بشدة والخاطرة تمر بعقله بل بكيانه كله كسم زعاف يميته بالبطيء ..
بمجرد أن اقترب من البيت وجد شاحنة كبيرة تحمل الرمل آتية من بعيد .. فزفر بعصبية وعاد بالسيارة للخلف ليفسح لها الطريق وانعطف يمينا ليصف السيارة في الشارع الجانبي بجوار بيت الجد صالح بدون صبر لأن ينتظر مرور الشاحنة .. ثم ترجل يسرع نحو البيت يبحث عن نسخة المفتاح التي لديه بين مفاتيحه وهو لا يعرف ما الذي سيقوله أو يفعله معها بالضبط .
في الدور العلوي قالت بسمة باكية" أنا تعبت من هذه المتاهة التي أدور فيها منذ أن التقيته .. تعبت من التقاط الإشارات والخوف من التفسيرات والجبن من اتخاذ الخطوات .. كلامه اليوم كان صريحا وواضحا وأنا وعدت نفسي أني لن أقبل بالإهانة أبدا ..أبدا يا مليكة حتى لو كان قلبي هو الضحية"
انفتح باب الغرفة فجأة فاتسعت عيني بسمة من هيئته المخيفة والغضب الذي يطل من عينيه ..وبرغم من توقعها لقدومه لكنها أحست الآن بالخوف من مواجهته وحدها .. فحاولت شحذ همتها فمسحت دموعها ورفعت ذقنها تقول بكبرياء زائف" ماذا تريد ؟لماذا أتيت ؟"
شعرت مليكة بالتوتر وسألتها" هل أتى خلفك؟"
ضرب كامل الباب في الحائط بقوة فأحدث صوتا قويا أتبعه هدير صوته الغاضب" لماذا لا تردي على الهاتف ها؟ .. وكيف تجرؤين على الخروج بدون إذني؟.. ماذا تحسبين نفسك ؟"
كان يلقي بالكلمات الغاضبة من فمه وهو يقترب بخطوات متحفزة وازدادت انفعالاته حينما انتبه من وسط موجات الغضب لوجهها المتورم من البكاء ..
بأي حق تبكي! .. وبأي عين تزيد من عذابه ببكائها !.
رغم محاولتها تصنع الشجاعة لمواجهته تحركت لا إراديا للخلف وهي تقبض يدها الحرة بقوة فتقدم منها وهو يقول بنظرات خطرة" ومع من تتحدثين وتتجاهلين مكالماتي؟"
قالها وهو يخطف الهاتف من يدها بحركة عنيفة فصرخت بسمة باعتراض "أعطني هاتفي يا كامل"
نظر الأخير في اسم مليكة على الشاشة ثم ألقى بالهاتف فوق السرير وانقطع الخط فهتفت بسمة باستنكار " لماذا تعاملني بهذه الطريقة وأي ذنب اقترفت أنا لكل هذا ؟"
هدر وقد استفزه السؤال " ألا تعرفين؟!! .. تقفين أمام الشاشة تتابعين زوجك السابق ثم ..."
"طلقني يا كامل"
قالتها صارخة في وجهه فضربت العبارة في صدره كالقذيفة وردت لصدرها بنفس القوة الموجعة ..ليسود بينهما صمت كالموت وهو يحدق فيها بمقلتين مرتعشتين بالغضب وعدم الاستيعاب لتضيف بسمة بعد وهلة وبصوت مبحوح رغم ذقنها المرفوع بكبرياء "طلقني .. ( وصرخت في وجهه ) يكفي إهانة وطلقني "
قلبه كان يؤلمه بشدة والخاطرة في حد ذاتها مرعبه فلاح الاستنكار الشديد على وجهه وهو يهتف بذهول" بهذه البساطة !"
هتفت باستنكار مماثل " ولماذا التعقيد عقدنا اتفاقا وحان وقت الغائه !"
كان لا يزال مصدوما فكرر كلامه بنفس الذهول " بهذه البساطة ؟"
قالت بقلب موجوع بشدة وهي تقاوم البكاء "بل قل بخيبة أمل ..بحسرة .. ( ثم عادت لتتماسك وهي تضيف بلهجة عاتبة ) أعلم بأن الذي يربطنا هو مجرد اتفاق .. لكن بالله عليك كيف تشك في امرأة منحتها اسمك؟! .. عموما أنا أدرك بأنك قد تورطت معي واضطررت لأن تتزوج مني لتنقذ زيجة اخيك وتحافظ على صداقتك مع مفرح .. وأعتقد أن الوقت مناسب للانفصال الآن دون أن تؤذي أحدا .. لقد فعلت ما عليك وأكثر وعلى شامل ومفرح أن يشعرا بالامتنان .. ليس فقط لما فعلته من أجلهما ولكن لتنازلك وارتباطك بامرأة لا تثق بها "
هتف بغيظ يدافع عن نفسه "أنا لم أقل بأني لا أثق بك "
صرخت بكرامة مجروحة " والكلام الجارح الذي قلته صباح اليوم؟!! .. (تشتاقين إليه) ..(مم أنت مصنوعة ) أنت اهنتني يا كامل "
أمسك بذراعيها يهزها وهو يقول بانفعال مقاوما رغبة قوية في استخدام العنف للتنفيس عن غضبه " وأنتِ .. ألم تهينيني حين وقفت أمام صورة زوجك السابق تحدقين فيها .. "
أفلتت ذراعيها من يديه تهتف بعصبية مدافعة عن نفسها " أحببت أن أراه وأحدد مشاعري تجاهه بعد هذه السنوات .. أحببت أن أعرف ما هو شعوري تجاهه والأمر ليس له علاقة بالحب والغرام والشوق .. والحمد لله أنه لم يكن كذلك وإلا لكان ألم الفشل والفراق أصعب .. والحمد لله أني وجدتني قد تخطيت التجربة .. أنا رأيته على التلفاز بالصدفة وأردت أن اختبر نفسي هذا كل ما في الأمر أنت من أخطأت التفسير"
أراد أن يصدق ..أراد أن يتشبث بالأمل .. فالشعور صعب .. ليسرع بالقول مدافعا عن نفسه هو الأخر " أي شخص مكاني كان سيفعل ذلك سيخطئ الفهم والتفسير "
هتفت بصوت خذلها حين خرج باكيا " ومع هذا ليس لك الحق في اهانتي والشك بسلوكي يا كامل "
شعر بضغط شديد على أعصابه والأفكار والمشاعر تحاصره بقوة فأمسك بذراعيها مجددا يقول بعصبية " أنا لا أشك في سلوكك يا غبية .. ألا تفهمين.. ألا تفهمين !"
رفعت إليه عينيها تقذفه بأمواج زرقاء غاضبة وهي تقول "وهل هناك تفسير غير هذا!! .. أنا حللت وراجعت كل شيء في طريقي إلى هنا ولا أجد تفسيرا غير هذا ..فتى السوبر ماركت الذي عنفته .. الشباب في المطعم .. موقفك من إيوان ونظراته وأخيرا ما حدث صباح اليوم ..أنا لن أقبل أبدا بالبقاء على ذمة رجل يشك بسلوكي رغم أني لا أعرف ما الذي أفعله بالضبط لتتهمني بذلك"
صرخ بعينين تبرقان بالشرر "هل هذا ما وصل إليه عقلك الألمعي ؟!!!"
سألته باستنكار غاضب وهي تبعد يديه مجددا عن ذراعيها" وهل هناك تفسير أخر؟!!"
تدفقت المشاعر كلها إلى رأسه فصرخ في وجهها " أنا أغار.. أغار عليك أغار"
اتسعت عينا بسمة بصدمة وساد الصمت لبرهة وكامل يناظرها بعينين لا تزالان تقذفان بالشرر وصدره يعلو ويهبط بقوة ثم قال من بين لهاثه بعد برهة "هذه هي الحقيقة ..أغار عليك ..ولا أطيق أن ينظر إليك أحد ..ولا أطيق سيرة زوجك السابق ..ولولا أني لازلت أحتفظ ببعض العقل في رأسي لذهبت إليه وقتلته ومحيت اسمه من بين الأحياء"
ما كان يقوله كان مباغتا وصادما وصعب الاستيعاب في ظل التناقض الذي عاشته فكررت ما قاله "تغار عليّ!"
هتف باستنكار " كيف لم تفهمي طوال هذا الوقت؟.. كيف لعقلك الناضج ألا يفهم طوال هذا الوقت بأني أغار عليك؟!"
عادت للقول بنفس الذهول " تغار عليّ!"
استفزه حالتها فهتف مؤكدا "أجل أغار عليك لدرجة تكاد أن تذهب عقلي ..لأني .. لأني أحبك "
قال الكلمة الأخيرة بصوت متهدج وظل يتطلع في وجهها وهو يلهث ينتظر أي تلميح منها يريحه بينما وقفت أمامه بسمة مصدومة فما يقوله يناقض أشياء كثيرة عاشتها معه ولم تستوعب لمَ لم يخبرها من قبل .. فسيطرت على الأمور بداخلها مجددا عقدة المطلقة فقالت بارتباك " أنا لا أعرف هل أضحك أم أبكي ..أفرح أم أقتل نفسي .. أنا .. أنت .. نحن متزوجان منذ شهرين وخطبنا شهرا قبلهما ولم تخبرني أبدا بشيء كهذا .. (ورمشت بعينيها عدة مرات وهي تحلل ما يحدث ثم أضافت باستنكار ) ولأنك تحبني تقول لي (تزوجتك رغم كل شيء)!! .. ما معنى (رغم كل شيء ) إن كنت تحبني كما تدعي .. هل تكبرتَ على الاعتراف لي يا كامل .. ما هذا الكلام غير المنطقي!"
كالعادة الجسور بينهما مغلقة ويحتاج الطريق لأن يُعَبّد ليصل كل منهما للأخر .. وزاد عدم تصديقها لمشاعره من ألمه فوقف كامل أمامها متخصرا يقول " اسمعي يا بسمة أنا سأتحدث معك بصراحة وأرجو ألا أكون فظا فيما سأقول .. لكن ما سأخبرك به هذا لأفسر لك لماذا تأخرت في الاعتراف وأثبت لك بأني أحبك جدا .. ( وصمت قليلا يسحب نفسا ثم أردف أمام عينيها المتسعتين أمامه ) أنا لم أتخيل يوما بأني قد اقترن بامرأة سبق لها الزواج من أخر .."
قذف بالعبارة في وجهها كماء النار دون أن يدر ثم أردف" حين التقيتك وشعرت بانجذابي الشديد نحوك حاولت المقاومة.. حاولت إخراجك من عقلي ومن قلبي ولم استطع .. ودعتك وقررت المضي قدما في قراري بالهجرة هربا من مشاعري .. ولم استطع أيضا ..فعدت لأعطي لنفسي فرصة لأهزم مشاعري السلبية ببطء وتروي .. ولكن حدث ما حدث مع هذا الزفت المدعو بدير وتزوجنا بسرعة .. ولهذا اعطيت نفسي فرصة لأن أتعامل مع مشكلتي قبل أن أعترف لك حتى لا أوذيك بما أشعر "
ما قاله كان جارحا .. مؤلما بشدة .. ربما تحملته وستتحمله من أي شخص أخر .. إلا هو .. فهتفت صارخة باستنكار وكرامة مجروحة " لم تتخيل نفسك تقترن بامرأة سبق لها الزواج !!..أنا لست بضاعة تالفة كامل بيك .. لست منديلا مستعملا تم التمخط فيه .. لست سيارة قديمة تباع في سوق المستعمل وفخامتك لا تشتري المستعمل ..كما أنك أنت أيضا كنت متزوجا"
هتف يدافع عن نفسه وقد شعر بالحصار "أعلم ذلك لكن الرجل غير المرأة الأمر مختلف كليا"
استفزتها عنجهيته وغروره جرحها بشدة فصرخت " مختلِف .. كيف؟ .. ( وضربت على صدرها تضيف بثورة وصوت مبحوح من كثرة الصراخ ) أنا إنسان ..إنسان من لحم ودم .. وكنت متزوجة على سنة الله ورسوله ولست عاهرة لتنظر لي بهذا الاحتقار"
صرخ أمامها يدافع عن نفسه وقد ندم على التصريح بأفكاره " أنا لا أحتقرك يا بسمة .. أنا أحبك كيف احتقرك .. افهميني أرجوك الأمر ليس له علاقة بالتقليل من شأنك أو من شأن أي امرأة سبق لها الزواج.. الأمر له علاقة بي أنا ..بتركيبتي .. أنا كنت أعلم بأني إن وقعت في الحب سأكون متملكا غيورا بشدة هذه هي طبيعتي .. أنا لا احتقرك ولكني أشعر بغيرة شديدة وهذه الغيرة تعذبني في الجحيم أن اتخيل المرأة التي تزوجتها كانت .. كانت يوما .. في أحضان رجل .. كانت متعة لرجل .. ( وأمسك برأسه وكأن ما يشعر به يكاد أن يفجر رأسه وأضاف ) هذا أمر لم أكن أقبله فما بالك أن تكون هذه المرأة هي التي أحبها"
هتفت بدفاع عن نفسها وعن أدميتها "أنا كنت متزوجة على سنة الله ورسوله أتحاسبني على ما فعلته في الحلال !!"
الحصار يطبق عليه .. يجثم على صدره فقال صارخا يدافع عن نفسه من جديد "الأمر ليس له علاقة بالحلال والحرام أنا أتحدث عن الفعل نفسه .. أنا تمنيت أن أحب امرأة لم تعرف رجلا قبلي ولن تعرف رجلا بعدي .. أنا بداخلي مشاعر من أجلك لو تعلمين قوتها لأشفقت عليّ"
سألته باستنكار وهي لا تزال تتطلع فيه باتساع عينيها " ولماذا لا أطالبك أنا بأن تكون أنت أيضا لم تمس امرأة قبلي؟ لماذا ليس لي الحق في طلب هذا ؟!"
قال بإصرار وبلهجة معذبة "قلت لك طبيعة الرجل غير طبيعة المرأة "
فتحت فمها وأغلقته عدة مرات تبحث عن وصف مناسب له يشفي ما تشعر به لحظتها من مشاعر سلبية ثم قالت "أنت ...."
أكمل لها ما تريد أن تقوله باعتراف وإقرار استفزها " أنا رجعي ومتخلف وأفكاري ذكورية قذرة ومتعفنة اعترف بكل هذا .. لكني لست بقادر على تغيير هذه المعتقدات .. لا أملك عصا سحرية لمحو هذه الأفكار المتعفنة والتي أعترف بأنها كذلك.. لا أملك عصا سحرية لذلك ولن تتغير بضغطة زر"
كان الشعور بالإهانة قد بلغ معها مبلغه فهتفت بعصبية مهاجمة غروره " ماذا تظن نفسك .. شخصا لم يأتي الزمان بمثله فتريد امرأة لم يمسها رجل! .. وكيف تتأكد من أنك لو تزوجت ممن لم يسبق لها الزواج بأنها لم تمس من غيرك؟.. هل أنت أكيد من هذا الشيء ؟.. هل راقبتها لحظة بلحظة قبل أن تلتقي بك؟.. هل راقبتها في طفولتها ومتأكد أنه لم يستغلها أحد يوما من الأيام؟ .. هل أنت مطلع على ماضيها كله.. بالمناسبة دعني أخبرك من وجهة نظر امرأة يا سلطان زمانك بما تستطيع أن تفعله النساء لإقناع شخص ذا فكر متعفن مثلك بأنها الراهبة التي كانت تتعبد قبله ومثل هذه الأمور.. واعتقد بأنك كرجل خبير تعلم ألاعيب النساء جيدا "
رد معترفا بلهجة لم تخل من العنجهية " كل هذا أعلمه ولا أجد له علاقة بي أنا وأنت "
قالت مصححة ومدافعة عن نفسها " أنا لم أكن أناقشك لأقنعك بي كامل بيك .. أنا كنت أناقش منطقك المغلوط .. (وهتفت بإصرار) طلقني يا كامل"
عاد الشرر يبرق في عينيه وهو يضيف باستنكار "أهذا ما تقولينه لي بعد كل ما قلته!!"
ردت ولا يزال غروره يستفزها " وهل كنت تعتقد بأني سأطير من الفرح حينما تقول لي (أحبك مع الأسف )!!"
رد بلهجة معذبة مدافعا " بل أحبك يا بسمة فقط دون أي أسف "
كان قلبها يحتضر في صدرها بعد كل هذه الصدمات المتتالية فقالت بقهر شديد وبلهجة خرجت باكية رغم محاولتها التماسك " حب !!.. عن أي مشاعر تتكلم وأنت تتحدث عن حبك لي وكأنه مرض معدي قد أصابك .. تتحدث عنه ولسان حالك يقول ( يا ليتني لم أقابلك ولم أحبك ) الحب ليس كلاما يا كامل بل أفعال"
صرخ بقوة يقول بلهجة عصبية يدافع عن قلبه " وهل كل ما قلته وفعلته ليس دليلا على مشاعري لك يا بسمة ؟!.. عدم قدرتي على البعد عنك أليس هذا حبا !.. ارتباطي بك رغم أني لم أكن ارغب في الزواج من مطلقة أليس هذا حبا ؟!.. قوة تحملي أمامك وأنا أكتم رغباتي بتحكم شديد حتى لا أعرضك لغروري كرجل فأؤذيك أليس هذا حبا؟! .. منحتك اسمي وادخلتك لتعيشي بين عائلتي أليس هذا حبا؟! .. ( وأضاف بصوت متهدج بالمشاعر ) أنا .. أنا من أجلك ..من أجل انقاذك مما حدث في القرية ساومت أبي ليأتي معي حتى يعطي لك ولي قيمة ويرفع رأسك أمام القرية .. أتعلمين يا بسمة بم ساومته ؟.. بتأشيرة سفري .. مزقت أمامه تأشيرة سفري حلمي بالفرار إلى أقصى الأرض من أجلك أليس هذا حبا؟! .. تزوجتك يا بسمة وأنا أعلم بأنك لن تستطيعي الانجاب وربطت حياتي بك للأبد أليس هذا حبا؟! .. وبعد كل هذا تقولين أهنتني! .. تحاسبينني على أفكار أحاول أن أهزمها .. تقولين أن أفكاري آذتك .. ( وضرب على صدره ) إنها تعذبني فهل هناك شخص يحب العذاب لنفسه !"
صدمها أنه يعتقد بأنها لا تنجب وفهمت بأنه عرف من أحاديث أهل البلدة .. وهذه الصدمة كانت قوية .. قوية أن يقبل بها رغم هذا .. ومع هذا لم تعرف كيف تستقبل ما يقوله لها .. كيف له أن يقدم لها حبا قويا اسطوريا لم تكن تحلم به وفي نفس الوقت ينظر إليها بانتقاص !..
أخذت تتساءل في سرها .. لماذا كتب عليها أن تتلقى حبه كجائزة ضخمة لكن على هيئة شيك ممنوع من الصرف .. كيف يكون هذا حظها مع الحب ..
( أحبك لكنك لا تليقين بي! )
هتفت بسمة بقهر شديد باكية " كل هذا العذاب الذي أنت فيه لأني مطلقة! .. كل هذا لأنه قد سبق لي الزواج! .. كل هذا لأني فشلت في تجربة في حياتي .. لأني لم أرغب في أن أعيش تعيسة فجئت أنت يا كامل لتختم على قلبي بالتعاسة الأبدية بهذا الكلام .. لتكسر قلبي ..لتسحقه تحت قدميك بهذه القسوة لأني قد سبق لي الزواج! .. تخبرني بكل هذا الحب الذي تكنه لي وبكل التضحيات التي ضحيتها من أجلي وأنا في نظرك لا استحق .. في نظرك لو كنت لم اتزوج لو لم يلمسني رجل قبلك حتى لو في الحلال سأكون في مرتبة أعلى عندك ؟"
شعر كامل بأن الأمر يخرج عن السيطرة خاصة وهو يراها بهذا الانهيار الشديد وهي تشيح بيدها أمامه وتبكي بحرقة مضيفة " ماذا تتوقع مني؟! .. ماذا تريد مني بعد تصريحك هذا؟! ..( وصرخت بقهر تسترجع كل ما مرت به وواجهته من الجميع وليس كامل وحده ) ماذا تريدون مني؟! .. هل تريدون أن أضرم في نفسي النار لترتاحوا؟! .. هل أصبح فشلي في تجربة واحدة في حياتي ينتقص مني؟! .. هل أقتل نفسي حتى يستريح الجميع ؟.. أهلي وقريتي وأنت حتى أخلصك من ذلك العار ؟!.. من عار ارتباطك بمطلقة أقل قيمة من المستوى الرفيع الذي يليق بكامل بك نخلة وعنجهيته "
اقترب منها يقول مهدئا وهو يمسك بها " اهدئي يا بسمة "
صرخت تدفعه بعيدا عنها " ابتعد عني .. ابتعد عني لا تلمسني .. "
وتطلعت فيه وهي تتحدى ذلك الشعور الملح بداخلها للاستسلام له فقالت بكل قوة حبها له لتثأر لنفسها منه " أنا أكرهك .. أكرهك يا كامل"
اقترب منها مهدئا فدفعته من جديد ورجعت للخلف تصيح " ابتعد عني قلت"
قال كامل ببعض الحزم يحاول السيطرة على انهيارها " بسمة أرجوك ..أرجوك اهدئي"
ابتعدت أكثر وهتفت فيه بتحدي وهي تطالعه بعاصفة زرقاء "لا تلمسني قلت ..لن أسمح لك بلمسي فهمت "
صرخ في وجهها بعصبية وهو يقترب من جديد " بسمة لا تجنينني واهدئي لنتحدث"
سمع طرقات قوية على الباب بالأسفل وجاء صوت مفرح ينادي " كامل ... كامل افتح "
كانا لا يزالا يتطلعان في بعضهما فقالت بسمة "قلت ابتعد عني "
اقترب كامل يحاول حضنها ليهدئ من حالتها الهستيرية وهو يرى وجهها المحتقن المنتفخ فقاومته بقوة ليقول كامل بعصبية " قلت اهدئي ستمرضين بهذا الشكل "
أبعدته بعناد تصيح" إياك أن تلمسني وستطلقني فورا"
قال بتحدي بإصرار وهو يحاول ضمها "لن اطلقك فأنت زوجتي"
نجح في لف ذراعيه حولها فقاومته بشراسة تقول "ابتعد "
الطرقات زادت حدتها على الباب بالأسفل وجاء صوت مفرح ينادي " كامل ... كامل افتح "
وقعا على السرير وخيم كامل فوقها .. وبعد عدة محاولات للسيطرة على هسترتها وبعد أن تركها تضرب فيه بيديها بكل قوتها على صدره وذراعيه لتنفس فيه عن غضبها قيد كامل معصميها فوق رأسها وساد صمت لاهث متحدي النظرات بينهما ثم قطعه كامل بعد برهة ليقول بأنفاس عالية " إياك أن تتوقعي أني قد اتركك أبدا ..ابدا .. ( وتطلع في عينيها الشرستين وأضاف بعد أن بلع ريقه الجاف بينما هاتفه لا يزال يرن منذ فترة ) قلت لك من قبل من ستمتلك كامل نخلة بالثلاث .. عيني وقلبي وعقلي .. لن اتركها حتى القبر"
من جديد جاء صوت مفرح أكثر إصرارا وغضبا لكنهما ظلا على نفس الوضع ثم ترك كامل معصميها لكنه لم يتحرك من فوقها فعادت بسمة تضربه على ذراعه وهي تقول بصوت خافت غاضب مقهور "كلامك هذا يؤلمني .. يفطر قلبي يا كامل ولم يسعدني .. كلامك عن كوني دون المستوى الذي يرضيك .."
قال بإصرار " كل ما قلته وضايقك أنا كنت أفسر لك لا أكثر .. عموما أنسيه ولا تتذكري منه سوى أنني أحبك"
سيطرت كرامتها عليها مجددا فقالت بهمس شرس في وجهه تتحدى قلبها "وأنا أكرهك يا كامل ..أكرهك من كل قلبي .. أتعلم أنا لم أكره في حياتي أحد حتى من آذوني.. لكني الآن أكرهك بشدة "
كان تصريحها كطلقات الرصاص التي اخترقت قلبه فورا لكنه قال بلهجة معذبة " وأنا أحبك بشدة"
ومال بوجهه يحاول تقبيلها فأبعدت وجهها بعناد وهي تقول " ابتعد ..قلت أكرهك .."
أمسك بصدغيها بكفه يعيد وجهها إليه وهو يجز على أسنانه ويناظرها بغضب فقالت بسمة بنفس التحدي "ولو فعلتها سأكرهك أكثر وأكثر يا كامل .. "
مال كامل يقبل رقبتها بقبلات حارة محرقة فزاد تجاوب جسدها معه من غضبها فقالت وهي تحدق في السقف " أتمنى من الله أن أموت هذه اللحظة ولا أكون بين ذراعيك .. طلقني"
كلماتها أصابته بالمزيد من النزيف في قلبه فصمت قليلا يستند بجبهته على كتفها ثم انسحب بيأس عاشق مهزوم في معركة عشق ضارية .. انسحب من فوقها يمسح بجبهته على طول جسدها غير قادر على الاستقامة .. فالضربات كانت موجعة ..
انسحب كامل حتى نزل على ركبتيه أمامها في الأرض بينما ذراعاه لا يزالان بجوارها على السرير وسقط وجهه في حجرها ينهت بقوة.
اعتدلت بسمة لوضع الجلوس وتطلعت متألمة في رأسه المخبأ في حجرها وللحظة مدت يدها تهم بأن تمسح على شعره معترفة لنفسها بأنها ذبحته بكلماتها كما ذبحها .. ليأتي صوت مفرح غاضبا متوعدا ومهددا بالأسفل فضمت يدها في الهواء قبل أن تصل إلى رأسه وأخذت تبكي في صمت فرفع كامل إليها وجهه يقول بعنجهية وإصرار يغطي بهما شعوره بالعجز والانهزام "لن أطلقك "
همست وهي تتطلع فيه " استطيع أن أرفع عليك قضية خلع "
ناظرها بنظراته المتألمة يهمس " بهذه البساطة "
كادت أن تضعف لكن صوت مفرح أعادها للواقع المر وفرض عليها هيمنة كرامتها من جديد فقالت هامسة بإصرار أنثى مجروحة" قلت أكرهك من كل قلبي.. ولن أسامحك على ما قلته أبدا .. أنا تحملته من كل الناس حتى من أهلي لكن منك لن اسامحك .. لأنك لا تعرف كيف حطمتني "
عادت لهجته الغاضبة وهو يقول وقد علا صوته " هذا هو سبب احجامي عن اخبارك قبل أن اتخلص من كل أفكاري المخزية .. هذا هو السبب أني أجلت إتمام زواجنا لأني خفت أن أؤذيك ..خفت أن تؤذيك شياطيني التي لا تسمح لي بأن أهنا بوجودك في حياتي .. أنت تقولين أفكاري عفنة وآذتك وأنا أقول لك وأنا اتعذب بها أكثر منك .. لو كنت قادرا على تخطيها هل كنت سأترك نفسي لأتعذب!.. "

ساد الصمت بينهما وتبادلا النظرات ليضيف كامل بلهجة معذبة لربما أصلح ما أفسده بتصريحه بمكنونات صدره "حينما قبّلتك عشت في جحيم أفكاري وأنا .. وأنا (قبض على ملاءة السرير بقوة وكأنه ينازع الألم وأضاف ) وأنا أتخيل ذلك الـ**** يقبلك "
عاد لبسمة جنونها فقالت " أنت مريض لقد كان زوجي"
ضرب كامل على السرير بجوارها بقبضته عدة مرات بعنف وهو يصرخ لا تقولي زوجي .. ولا تنطقي بسيرته أبدا .. عذبيني بأي طريقة أخرى إلا هذه .. ( وطالعها بعنفوان عاشق عنيد وهو يوجه هذه المرة الضربات لصدره قائلا ) أنت لي .. خُلقت من أجلي أنا .. خلقتي زوجتي أنا .. من ضلعي أنا .. لا أعرف لماذا أخطأت الطريق ووصلتِ إليه .. ولماذا لم أقابلك قبله .. بسمة خلقت من ضلع كامل .. لكن لا أعرف لماذا عاقبني الله بزواجك منه ..لماذا "
عباراته نجحت في هزيمة كرامتها .. وجنون العشق الذي رأته في عينيه انعش قلبها المثخن بالجروح بينما عاد الطرق على الباب من جديد فاستقام كامل واقفا .. وتطلعت فيه بسمة وهو يبتعد بظهره عدة خطوات حتى باب الغرفة ثم وقف أمامها متخصرا ينهت بقوة وهو يضيف بهدوء متألم "اكرهيني يا بسمة .. اكرهيني .. إن لم تقدري على أن تحبيني فاكرهيني من كل قلبك .. لكن لا تجعليني شخصا عاديا يمر عليك في حياتك مرور الكرام .. ليس لأني مغرور ..ولا من أجل عنجهيتي .. ولكن حتى أشعر بأن هناك شعور ما تختصينني به .. حتى لو كان هذا الشعور هو ....الكره "
اعتصر الألم صدرها وهي تحدق فيه بذهول مبهوتة بهذا القدر من العشق الذي يفاجئها به بينما أضاف كامل" سأنزل لمفرح فمن الواضح أن زوجته أخبرته بشجارنا .. ( ورفع سبابته يقول بتهديد هادئ ) لا تتحركي من المكان حتى أعود .. هذا أمر وعليك التنفيذ إن لم ترغبي في التسبب بفضيحة علنية أمام أهل بلدتك .. سأعود بعد قليل لنحدد شكل خطواتنا القادمة التي سأحرص بالتأكيد على أن أحظى فيها بكرهك لي عن جدارة"
قالها بلهجة ساخرة ثم استدار يغادر الغرفة ويتركها كتمثال ذاهل .
بعد دقيقة كان طرق مفرح مستمرا وصوته يبدو منفعلا كطرقاته ففتح كامل الباب ليقول مفرح بلهجة منزعجة" ماذا يحدث هل تتشاجران ؟"
كان وجه كامل لا يزال مكفهرا فقال بصوت مبحوح "ماذا تريد يا مفرح ؟"
رد الأخير بلهجة غاضبة " أريد أن اطمئن على ابنة خالي"
قال كامل بغضب " لا تتدخل يا مفرح "
هتف مفرح " كامل أنا لا أتدخل في أموركم الشخصية لكن من حقي أن اطمئن على ابنة خالي وأنها بخير لو سمحت "
وقف كامل أمامه يديه في جيبي بنطاله يتنفس بصوت عال دون إجابة .. فأعاد مفرح الهاتف إلى أذنه وطلب بسمة .
مضى بعض الوقت قبل أن ترد الأخيرة بصوت مبحوح "نعم مفرح "
سألها وعيناه تناظران صديقه بتحدي "هل أنت بخير يا بنت خالي "
ردت الأخيرة بهمس مجهد" بخير يا مفرح"
سألها مرة أخرى "بسمة هل أنت بخير .. لا تخشي شيئا أنا موجود تكلمي "
لم يكن مفرح وحده من ينتظر الرد بل كامل أيضا الذي تقبض بقوة ومرت الثواني قاتلة وهو ينتظر اجابتها بينما قالت بسمة لمفرح بتأكيد" أنا بخير يا مفرح صدقني كنا نتشاجر لا أكثر "
قال مفرح بارتياح لاح على وجهه وكان له صداه ومعناه المؤثر في قلب كامل" تمام يا بسمة .. سأخذ منك كامل قليلا "
قالها ثم أغلق الخط ووقف ينظر لكامل الذي أطرق برأسه يغالب المشاعر والأفكار والانفعالات ورغم كل المشاعر السيئة تأثر بأنها لم تخبر مفرح بشيء ولم تطلب منه أن تغادر لبيت أهلها .
بينما شعر مفرح بأن الأمر كبير وخاصة بعد ما قالته له مليكة بتلك الطريقة المتوترة على الهاتف أن يتدخل بسرعة لوجود مشكلة ما بين بسمة وزوجها جعلتها تحضر وحدها ويلحق الثاني بها .. فأمسك بذراع صاحبه وهو يقول "تعال لنتحدث قليلا "
ظل كامل يناظره فأصر مفرح عليه حتى استسلم وتحرك معه يقطع ساحة البيت نحو البوابة .
كان بحاجة للحديث .. للبوح .. كان بحاجة لترتيب أفكاره بعدما تأكد بأنها لا تحب زوجها السابق .. وكان بحاجة لمعرفة خطوته القادمة بعدما صرحت له بكل قسوة بأنها تكرهه .
تحرك مع مفرح يخرج من البوابة وصدى كلماتها يلاحقه (أنا أكرهك )
أي شخص بائس هو .
وأي حظ تعس يملكه.
المرأة الوحيدة التي أحبها .. وعشقها إلى حد الجنون تكرهه بشدة .
أمن الممكن أن يكون هو السبب؟ .. تصريحه بأفكاره عن المطلقات السبب؟ ..
قال مفرح بهدوء" تعال معي لنتحدث أنا وأنت ..أين سيارتك لم أرها حين وصلت ؟"
تركه كامل يقوده نحو سيارته المصفوفة أمام بيت الجد صالح وهو يقول" ركنتها في الشارع الجانبي حين حضرت لأن شاحنة كانت تريد أن تمر (ثم سأله ) إلى أين سنذهب ؟)
أجاب مفرح وهو يركب سيارته" سنجلس قليلا لنتحدث بهدوء "
قالها وتحرك بالسيارة مبتعدا فتعلقت عينا كامل بالبيت وبالتحديد بنافذة الغرفة لكنها لم تكن تقف فيها .
××××

(3)



كانت لا تزال الصدمة والذهول يسيطران عليها ..
أتصريح بالحب هذا أم جلد بالسياط؟ .
استعادت بسمة ما قاله وصرح به كامل منذ قليل .. وبرغم الألم الذي شعرت به لنظرته لها إلا أن كلماته الأخيرة قبل أن يغادر نالت من قلبها ما نالت .. ونجحت في أن تخترق دفاعاتها وحصونها وتصل لقلبها ..
كامل يحبها .. يحبها هي .. تزوجها من الأساس لأنه يحبها .
كانت مستلقية على السرير بإنهاك شديد تشعر بأنها مستنزفة .. كفارسة سقطت في أرض المعركة بعد حروب طويلة خاضتها على مدى أربع سنوات ..
لكنها لم تكن تعرف أهو النصر الذي تعيشه اللحظة أم الهزيمة .. العوض أم الخذلان .
لماذا كتب عليها أن تلقى الحب متبوعا بغصة في القلب .. انكمشت وحضنت نفسها بقوة ترتجف من فورة المشاعر التي مرت بها اليوم ..حزن.. غضب ..ثورة .. جرح كرامة ..ثم تصريح مذهل بحب كبير .. حب قوي لها لم تكن تتوقعه.. ومِن مَن ؟.. من الرجل الذي لم تحب غيره ..
ماذا ستفعل الآن؟ .. هل ستتركه بعدما وجدته أخيرا؟ .. هل ستتحمل نظرته لها ولتجربتها السابقة؟ ..
لكنه يحبها .. عادت وجادلت نفسها .. وهي أيضا تحبه وتريده.. لماذا لا تحاول أن تغير من قناعته أو أن تتحاشى الخوض في هذا الموضوع ..
لماذا فرحتها منقوصة ؟..
لماذا كتب عليها ذلك ؟
كلها أسئلة تدفقت إلى عقلها لكنها في تلك اللحظة لم تكن قادرة على فعل أي شيء سوى النوم ..
إنها منهكة ..متعبة .. تريد أن تنام نوما طويلا؟
تقوست على نفسها أكثر ثم أغمضت عينيها بإجهاد شديد .. فكفاها عراكا مع الحياة .. ومع نفسها .. ومع رغباتها .. ومعه .. مع كامل !
كامل الذي اكتشفت منذ قليل بأنه ...
يحبها .
××××
نظر مفرح للحقول الخضراء أمامه على طول الترعة التي يجلس هو فوق سور الجسر الذي يقطعها ويجلس كامل بجواره .. ظهريهما للطريق بينما سيارة مفرح تقف خلفهما .
الشمس توشك على الغروب .. توشك على إعلان نهاية يوم أو حياة أو ربما حقبة من الزمن .. تتوارى خلف الحقول وهي تلقي وداعا ..
لكنه وداع مبشر بيوم جديد ..
صباح جديد ..
أمل جديد .
كان الصمت سيد الموقف لفترة تعمد مفرح فيها أن يترك صاحبه ليهدأ فلم يجده من قبل في هذه الحالة من الانفعال المكبوت .. بينما أخذ كامل يستعيد ما حدث بينهما ويلوم نفسه على ما باح به من أفكار أضحت تخجله بعدما كانت مصدرا من مصادر عنجهيته طوال عمره .
ليته لم يجرحها بما قال لربما تقبلت حبه الآن .. لربما استطاع أن يصل معها لاتفاق جديد .. اتفاق زواج حقيقي ..
قطع مفرح الصمت أخيرا يقول" لم أتوقع أن تبدآ الخناق الزوجي بهذه السرعة "
حرك كامل انظاره إليه فرأى فيهما مفرح الألم مما جعله يقول " أنا بالطبع ليس لي الحق في أن أسأل عن سبب الشجار .. ولا أن اتدخل مادامت ابنة خالي لم تشتكي ..لكني صديقك وأشعر بأن الأمر أكبر من مجرد شجار عادي بين زوجين .. صوت مليكة التي كانت مع بسمة على الهاتف لحظة وصولك كان يوحي بأن هناك حدث جلل رغم أن زوجتي لم تذكر لي السبب حفاظا على سر صاحبتها .. ومكالمة شامل لي وأنا في طريقي لبيت الجد صالح يسأل عنك ويطلب مني أن أطمئنه عنك لأنك لا ترد على هاتفك جعلني أدرك بأن الموضوع كبير ..( ووضع يده على صدره يقول بمحبة) وأنا صاحبك فإن وثقت بي ..."
قاطعه كامل قائلا بصوت مجهد " أنا متعب جدا يا مفرح وأدور في متاهة مشاعر تعذبني في الجحيم وتقودني في جنون .. العلة عندي لكني غير قادر على حلها حتى أصل إلى بسمة"
تطلع فيه مفرح في صمت ينتظر المزيد من التوضيح ليضيف كامل مردفا "أنا لست قادرا على تخطي أمر زواج بسمة السابق"
جحظت عينا مفرح بمفاجأة ليسرع كامل بالقول" أنا اخبرتك حين اعترفت لك بمشاعري نحوها عن رأيي في الأمر.. ولهذا كنت أفضل خطبة طويلة حتى أهزم فيها وساوسي.. لكنك تعلم بما حدث ودخلت أنا في دوامة مشاعر تحبسني في الجحيم .. كل نظرة ..كل حركة أجد طيف زوجها السابق بيننا ( وتقطع صوته فيقول بلهجة معذبة ) وأجدني أفكر في أفكار مؤلمة تثير غيرتي عليها وتعذبني .. أفكر ..هل كانت تضحك له بهذا الشكل؟ ..هل كانت تفعل ذلك معه ؟ (وتطلع في عيني مفرح يدافع عن نفسه ) لا تقول لي انسى .. أنا لا أملك زرا لأضغط عليه فأمحو كل هذا من عقلي .. صدقني أنا أحبها أنا .. أحبها .. وأرغب في أن أنسى "
هز مفرح رأسه وهو يرخي نظراته ثم قال بلهجة حزينة متعاطفة "أفهمك جيدا وأفهم شعورك "
ثار كامل يقول بحنق " لا يا مفرح لا أحد يفهم شعوري .. صدقني مهما وضحت .. ومهما قلت لا أحد يفهم شعوري.. لا أنت ولا شامل .. لأنه لم يكن أحد منكما في موقفي أبدا"
اتسعت ابتسامة ساخرة شيئا فشيئا على وجه مفرح وقال" لا تتحدث بهذه الثقة يا نخلة .. ولا تفتي فيما لا تعرف .. (وناظره بنظرة غامضة وهو يقول مربتا على كتفه) قلت لك أنا أعرف عما تتحدث ..أعرف شعورك جيدا يا صديقي وأعرف في أي منزلة من الجحيم تقبع الآن"
ناظره كامل بعدم فهم ليقول مفرح بتصريح صادم "أنا لست الزوج الأول في حياة زوجتي مليكة "
اتسعت عيني كامل بمفاجأة ..فلاح الألم على وجه مفرح وأداره لينظر أمامه يتطلع في الغروب الذي أثار في نفسه الشجن وهو يقول "عمر صداقتنا لم تزد عن الثلاث سنوات .. ولم أجد الفرصة للحديث عن أمر غير مستحب البوح به.. لكني أعتقد بأنني مضطر لأن أخبرك لأثبت لك بأني مررت بنفس الجحيم الذي تعيش فيه حاليا"
ساد الصمت قليلا فلاح الألم على جانب وجه مفرح وراقب كامل صدغه وهو يطحن ضروسه قبل أن يكمل" العلاقة بين أولاد الزيني والصوالحة لها تاريخ غير مشرف من المنافسة والحروب بين العائلتين ..كانت ذروتها عندما نجح جدي الكبير في الحصول على العمودية .. فرد عليه عبد القادر صوالحة بحصوله على لقب الباشوية من الملك .. وهكذا توارثت الأجيال هذا الصراع والحقد بين العائلتين وخاصة على مستوى زعمائها وذلك للمحافظة على ماء وجه العائلة أمام الناس .. وكالعادة كان بين عبد الرحيم الزيني الذي هو أبي وعبد الغني صوالحة والد مليكة نفس الصراعات والأمر وصل لبعض الاحتكاكات العنيفة بين العائلتين ... ( وسحب نفسا عميقا وأضاف ) قصتي أنا مع مليكة بدأت حينما كنت صبيا في الخامسة عشر معجبا بتلك الصبية من بيت الصوالحة ذات الحادية عشر مليكة صوالحة "
شرد مفرح في صورتها وهي صغيرة ومشيتها المتكبرة الوقورة وضفيرتها وفساتينها التي لم تشبه ما ترتديه فتيات البلدة ..ثم نظر لكامل بعينين غائمتين وابتسامة يضيف "لا تندهش فهذا السن قبل عشرين سنة كانت الفتيات فيه انضج من الآن ..أو ربما هكذا شعرت أنا ..المهم أني ظللت أحاول أن أناغشها من وقت لأخر واستفزها وأضايقها بأي شيء يجعلني بالقرب منها .. أي شيء منطقي بالنسبة لعمري وقتها .. كنت أتحجج بصداقتها لبسمة بنت خالي لأكون في المحيط بأي حجة .. أقف أمام المدرسة أنتظر خروجهما بدعوى حماية بنت خالي (وقطع حديثه يقول بلهجة جادة) بالمناسبة بسمة كانت طوال الوقت تحتاج لحماية ..فجمالها كان ملفتا في قرية صغيرة جعلني أقوم بدور الأخ المرافق دوما لها خاصة وأن وليد أصغر منها بثماني سنوات أي كان قبل عشرين سنة وقت بداية علاقتي بمليكة في الثالثة من عمره"
شعر كامل بالغيرة على بسمة من مفرح ومن كل الأنظار التي كانت تحوم حولها في الماضي لكنه أجبر نفسه على التخلي عن سخافة أفكاره ليركز مع مفرح الذي أردف " كما قلت لك كنت انتهز صداقتها ببسمة وقرابتي لها لأن أكون موجودا على الدوام "
صمت قليلا يتذكر شجاره ومشاكساته لمليكة ونظراتها الباردة المتعالية العابسة في وجهه دوما .. وابتسم في حنين ثم أضاف" أول تصريح بالحب مني لها كان حين كنت بالجامعة.. كنت تقريبا في سن العشرين .. وكانت هي في السادسة عشرة وعمرينا وفقا لتقاليد القرية في ذلك الوقت ووفقا لظروفي المادية الجيدة يؤهلنا للزواج لكن طبعا كانت هناك عقبة كبيرة .. صدقني أنا حاولت نسيانها حاولت بالفعل لأني أعرف بأن الأمر بيننا مستحيل ولكني لم استطع .. فأرسلت لها عن طريق بسمة أول خطاب حب أعترف لها بمشاعري "
وصمت قليلا وهو يحدق في صفحة الماء تحته ثم قال بابتسامة دافئة بدفء الذكريات" وكانت بسمة تأخذ مني الرشاوي وتبتزني من أجل أن تكون وسيطا بيننا.. المهم أن المفاجأة كانت بأن اعترفت مليكة لبسمة بأنها أيضا تحمل لي مشاعر حب لكنها يائسة من أي نجاح لعلاقتنا نظرا للوضع بين العائلتين .. ولم أكن أنا أقل منها خوفا لكني كنت غير قادر على الكف عن حبها .. وبدأ العرسان يترددون على سرايا الصوالحة وبدأت أنا وهي نتوتر .. مليكة الأصغر بين إخوتها الذكور وكانت مدللة العائلة كلها .. تربت بطريقة تختلف عن بنات القرية ولها رأي مسموع في عائلتها .. (وعاد ينظر لكامل ويقول بابتسامة وعينين غائمتين )كانت أميرة بحق.. حفيدة باشا حقيقي .. رغم أن أصولهم ريفية .. تركب الخيل ..مثقفة ..تتحدث الإنجليزية .. وتقضي الصيف في المصايف .. مليكة دوما شخصا استثنائيا ليس له شبيه عندي"
قالها بمشاعر فياضة وصوت متهدج ثم أضاف وهو يعود ليتطلع في صفحة الماء" حتى جاءت اللحظة التي شعرت فيها بأني غير قادر على تحمل المزيد .. فقررت مفاتحة أبي وفي نفس الوقت تهورت وذهبت لوالدها وطلبتها منه بكل تهور .. لم انتظر أن أعرف رأي أبي الذي بالطبع كنت أتوقع رأيه ولكن قلت لنفسي لربما استطعت أن أقنع والدها فأتخذه حليفا لي في حربي مع أبي ..لكن كان والدها لا يقل عنادا عن والدي ..صدني بقوة واتهمني بأني لعبة جديدة من ألاعيب أولاد الزيني فأسرعت لأبي لربما وجدت عنده أي مؤازرة لكنه هاج وماج وبدأ يتحدث عن خطة أولاد الصوالحة للإيقاع بي في شباكهم عن طريق ابنتهم ..( وصمت قليلا يشعر بغصة في صدره ثم أضاف ) تأزم الأمر بين العائلتين ومنع عبد الغني صوالحة مليكة من الخروج خاصة حينما وقفت أمامه وصرحت بأنها تريدني وهذا أمر لم يستسغه والدها فقرر أن تلتزم البيت وتدرس فيه وأن تنقطع عن المدرسة .. فوقفت أنا أيضا في وجه أبي .. ترجيته .. تذللت إليه .. هددته بترك البلدة والعيش في العاصمة .. فعلت كل شيء لكنه لم يوافق وبدأ الأمر تتناقله الألسنة في البلدة "
صمت مفرح وقد اشتد الألم على وجهه فسأله كامل بصوت رخيم هادئ" كيف انتشر الخبر وقد كان بين العائلتين ؟"
أدار له مفرح انظاره ورد بحشرجة "أمي كانت السبب ( نطقها بلهجة متألمة وأضاف ) أمي أرادت أن تفضح مليكة.. فسربت الخبر بأن بنت الصوالحة تحاول إغواء ابن الزيني والإيقاع به بمساندة من عائلتها "
تغضنت ملامح كامل وهو يستمع وناظر مفرح بشفقة من تلك الطعنة بينما أردف الأخير" أمي وأبي السلطة والمال والجاه الأهم دوما عندهما .. وبمنطق مغلوط يعتقدان أن أي شيء غيرهم يهون .. لا يؤمنون بالمشاعر ولا بالقلوب .. ويرون أن هذا لمصلحتنا .. فحينما يحافظان على المال والجاه والسلطان فهذا في مصلحة أبناءهما (وأجلى صوته وأضاف متخطيا ذلك الشعور بالمرارة الذي يصاحبه كلما تذكر صلف أمه وقسوة قلبها ) الشائعات وحالة مليكة المتمردة كمراهقة في السادسة عشر تدافع عن حبها ورغبتها في أن تختار من تتزوجه جعل والدها يقرر تزويجها لأول زيجة مناسبة خوفا من أن يتطور الأمر .. وخوفا من أن أُكيد لها أنا باعتباري أمثل الجانب الشرير فأسيئ لسمعتها فقرر تزويجها تحت الابتزاز العاطفي كأب بأنه مريض وسيموت وتلك الأفعال التي يمارسها الآباء لابتزاز أولادهم .. وبالفعل جاءها الشخص الذي رآه والدها بأنه مناسب (وصمت قليلا ثم قال ) خالد الباجوري"
عقد كامل حاجبيه يتابع استرسال مفرح الذي أضاف بعد تنهيدة طويلة مؤلمة" خالد الباجوري من أثرياء إحدى القرى المجاورة (وأدار رأسه يقول لكامل بابتسامة ساخرة مُرة وهو يضع يده على صدره) صديقي الصدوق "
اتسعت عينا كامل فتطلع مفرح في صدمته لثوان ثم أضاف "وجد أهل مليكة أن خالد مناسب جدا .. خاصة أنه من بلدة مجاورة أي أن مليكة ستترك بلدتنا وتبتعد عني لتعيش مع زوجها .. ولا داعي طبعا لأن أخبرك بالابتزاز العاطفي الذي مارسه والدها عليها فاضطرت للموافقة بعد أن تعبت أعصابها من تلك الفترة العصيبة خاصة أن الأمر تزامن مع نزاع بين العائلتين على قطعة أرض حدث فيها قتال أسفر عن إصابات كان سيمر بدونها لولا الاحتقان الموجود بين العائلتين فحملت مليكة نفسها الدم الذي سال وكأنها المرة الأولى التي تتنازع فيها بين العائلتين "
قاطعه كامل يقول بعبوس "انتظر .. انتظر .. هل صاحبك هذا كان يعلم بما بينك وبين أم أدهم ؟"
هز مفرح رأسه ورد بحشرجة متألمة" كان شاهدا على علاقتنا منذ بدايتها .. لقد كان صاحب عمري كنا نذهب سويا لمدرسة المتميزين في مركز المحافظة ..وكنت أحكي له على كل شيء يخص مشاعري ..وكان أحيانا يكون معي وأنا أنتظرها هي وبسمة أمام مدرستها "
أسرع كامل بافتراض النية الطيبة فقال" بالتأكيد أجبره أهله"
صمت مفرح يتطلع في كامل يحاول النطق بينما تغضنت ملامح الأخير وقد وصلته الإجابة قبل أن يقول مفرح بحشرجة" بل كان ذلك باختياره .. كان يحبها هو الأخر ولم أكن أعرف وانتهز الفرصة واستحالة زواجي بها وتقدم هو وعائلته للزواج منها مضحيا بصداقتنا (وعاد ينظر لصفحة الماء مضيفا) كانت صدمة عمري .. مهما وصفت لك لن استطيع أن أعبر عما حدث لي وقتها .. لقد كان صاحبي منذ أن كنا صغارا ..لازلت أحمل تفاصيل ذكرياتنا معا أنا وهو .. ( وتنهد بعمق مضيفا ) بعدها مفرح لم يعد مفرح .. أضحى شخصا أخر .. كبرت وشخت واسودت الدنيا أمامي وأنا أرى حبيبتي تزف لصاحب عمري وتغادر البلدة .. "
صمت قليلا يحدق في الفراغ ..فانتظر كامل بصبر رغم فضوله الشديد لمعرفة بقية الحكاية حتى أضاف مفرح "عشت في سواد ومرضت وفقدت الاهتمام بكل شيء .. بعدها تحاملت على نفسى لأواصل حياتي التي لم يعد لها أي معنى بعد أن فقدت الصديق وفقدت روحي مع زواج مليكة .. تقوقعت على نفسي وانغلقت وتركت مسافة بيني وبين الجميع "
قاطعه كامل" فهمت الآن لماذا كان رد فعلك مبالغا فيه وقت أن عرفت أمر بسمة وأخبرت شامل بعدها بأن هناك ما قد تخبرنا به يوما"
نظر إليه مفرح شارحا "لم أتخذ صديقا لي على مدى سبعة عشر سنة حتى التقيت بكما ووثقت فيكما بدون أسباب وتلاقت أرواحنا"
ابتسم كامل بمحبة رغم المشاعر المؤلمة التي تحيط بهما ثم سأله" وماذا بعد ؟"
سحب مفرح نفسا عميقا وقال "أنا كنت أعيش في الجحيم .. وكنت غير قادر على التوقف عن التفكير في مليكة .. وبالطبع كان هذا أمرا لا أقبله على نفسي فقد أضحت زوجة لرجل أخر.. فرضخت لإلحاح أمي بعد عام وتزوجت"
اتسعت عينا كامل فهز مفرح رأسه ورد" تزوجت من ميسرة .. إحدى قريباتي من ناحية أبي كانت تعيش مع أهلها في محافظة أخرى بعيدة .. كانت فتاة بسيطة طيبة وهادئة جدا ..وكنت أنا مستعدا لأن أفعل أي شيء لأنسى مليكة"
سأله كامل متنحنحا" لا تؤاخذني ولكن لماذا تسرعت في الزواج كنت في الواحدة والعشرين من عمرك ؟"
رد مفرح " كما قلت لك ..كنت أريد أن أنسى بالإضافة لأن خاطرة أن تطلق مليكة وأتزوجها لم تكن واردة .. أنا لم أكن أعرف عن مليكة شيئا رغم أني استطيع أن أصل إليها فهي على بعد دقائق من قريتها لكنها أضحت امرأة متزوجة حتى حين كنت انزلق بلساني ويغلبني الشوق فأسأل بسمة التي ظلت على علاقة بها عن أحوال مليكة كانت تكتفي بالرد بأنها بخير ولم أجرؤ على سؤال المزيد .. أما التفكير في أمر الطلاق فلم يكن هذا حدثا سهلا في قريتنا أو وقتها في تلك الأيام لم يكن كذلك ..هذا بالإضافة لنفس السبب الأساسي الذي منع زواجنا هو الصراع بين العائلتين ..فإن كانوا قد رفضوها وهي عذراء هل سيقبلون بها مطلقة! .. كل الأبواب أغلقت في وجهي فتزوجت من ميسرة.. كانت ونعم الزوجة لكني أنا لم أكن حيا ..( ونظر لصاحبه يضيف بلهجة متألمة) كنت ميتا يا كامل .. مت بزواج مليكة .. أخذت روحي معها حينما غادرت القرية فكنت مع ميسرة بلا روح بلا عقل بلا مشاعر سوى المودة والرحمة وحياة رتيبة ليس لها أي معنى أو طعم ..لكني يعلم الله كنت أبذل كل جهدي لأسعدها ولأبعد عنها أي شيء يحزنها واعتقد بأني نجحت في ذلك على حسب علمي ..المهم حملت ميسرة في أدهم"
شهق كامل وقال" أدهم ليس ابن السيدة مليكة؟"
ابتسم مفرح وأكمل "حملت ميسرة وكان حملها غير مستقر فقد كانت تعاني من ارتفاع شديد في ضغط الدم مما اضطر الطبيب عند مرحلة ما التدخل لتوليدها بعملية قيصرية مع التحذير من الحمل مرة أخرى خوفا من مرض يسمى (متلازمة هيلب Hellp) فشدد علينا منع الحمل لفترة طويلة وأن تلجأ للطبيب قبل التفكير في الانجاب مرة أخرى .. المهم أنه بمجرد أن جاء أدهم للدنيا علمت بطلاق مليكة "
ساد الصمت لبضع دقائق ومفرح مطأطئ الرأس وعلامات الحزن والألم على وجهه أقوى من ذي قبل حتى ظن كامل بأنه لن يكمل لكن مفرح أردف بعد قليل وبعد أن أجلى صوته يغالب شعور شديد الإيلام لاح على وجهه ولم يفهم كامل سببه "ما علمته من بسمة بعد أن انفصلت بأنها في خلال العامين اللذين تزوجت فيهما جاءت لبيت والدها عشرات المرات تطلب الطلاق ..وكانوا يردونها مع زوجها خوفا من فضيحة طلاقها بعد فترة صغيرة من الزواج لكن آخر مرة مرضت بشدة فرضخ والدها الذي كان متعنتا وتدخل أكرم أخوها الأكبر والذي يعيش في العاصمة وأجبر خالد على طلاقها "
سأله كامل بلهفة "وماذا حدث؟ "
رد مفرح بلهجة متألمة " بدأت مرحلة أخرى من العذاب في حياتي ..مرحلة أن مليكة حرة من جديد وأنني لم أنسها أبدا وشعوري بالذنب الذي تعاظم تجاه ميسرة التي ليس لها ذنب في أنها اقترنت بشخص منحوس مثلي .. ويعلم الله أني لم أشعرها بأي شيء مما يتأجج في صدري ..و بعد طلاق مليكة حاولت أن أزيد من دلالي واهتمامي بميسرة لشعوري بذنب شديد تجاهها لأني أعرف في قرارة نفسي أني عاشق وأفكر في امرأة أخرى .. حاولت التماسك .. حاولت تجاهل وجود مليكة.. حاولت وحاولت ولم أقدر .. فبدأت في البحث عن حل لأن علاقتي بميسرة بدأت تتوتر "
سأله كامل " هل شعرت بشيء ؟"
رد مفرح نافيا " لا أعتقد ..فميسرة ( وصمت قليلا ) ميسرة كانت شديدة الطيبة وعقلها كان بسيطا جدا .. أمي كانت تحبها لأنها مطيعة إلى أقصى حد .. المهم أني شعرت أن حتى علاقتي بميسرة رغم ما أبذله للحفاظ عليها تخرج عن سيطرتي .. اصبحت عصبيا نزقا أدقق على كل شيء وكنت أسب نفسي وألومها وأعنفها كثيرا .. المهم أني ولأول مرة في حياتي أفكر في التعدد "
ساد الصمت مرة أخرى فنظر مفرح لكامل يقول" لم يكن أمامي غير هذا الحل حتى أهدأ .. فميسرة لم يكن لها ذنب في شيء .. وكنت غير قادر على تحمل فكرة أن مليكة حرة واستطيع أن استعيدها .. رغم أني لم اتواصل معها أبدا خلال تلك الفترة .. كنت اكتفي بسؤال بسمة عنها فترد الرد الروتيني فقط .. المهم عزمت على الأمر بيني وبين نفسي ولم أخبر به أحدا .. أردت فقط أن أعرف رأي مليكة أولا إن كانت ستقبل بي متزوجا أم لا .. وبعدها استعد لخوض الحرب من جديد ..حرب الفوز بمليكة.. حتى جاء ما هدم كل شيء أمام عيني "
صمت فسأله كامل بلهفة" ماذا حدث هل زوجوها مرة أخرى ؟"
رد مفرح " لا .. فمليكة عزفت عن الزواج بعد طلاقها والتحقت بالجامعة .. كنت انتظرها لأراها من بعيد وهي تخرج من الجامعة دون أن أقترب منها أو أحاول الاحتكاك بها "
سأل كامل بدون صبر "إذن ماذا حدث؟"
نظر له مفرح وقال بمرارة" حملت ميسرة مرة أخرى"
اتسعت عينا كامل فأضاف مفرح "حملت مباشرة بعد ولادة أدهم "
سأله كامل " ألم تكن تعرف بأن الأطباء...."
قاطعه مفرح يرد " كانت تعرف بالطبع وكانت تستخدم وسيلة والله وحده يشهد عليّ وسيحاسبني يوم القيامة بأني كنت اسألها دوما بهذا الشأن وحين حدث الحمل أخبرتني بأنه حدث لخطأ ما في الوسيلة التي تستخدمها ..لكن قلبي يخبرني بأن هناك من أدخل الأمر في رأسها أو هون عليها مرضها "
بعينين متسائلتين ناظره كامل دون أن يتفوه بالسؤال الذي يدور في ذهنه فأجابه مفرح " لا أعرف .. صدقني لا أريد أن أظلم أمي .. لكني لا استبعد .. لقد أنكرت أي تدخل منها في هذا الموضوع .. المهم أن هذا الخبر تلاه تدهور في حالتها وكان الإجهاض خطرا عليها خاصة وأنها لم تكتشف الحمل إلا بعد أربعة أشهر تقريبا فتعقد وضعها الصحي واضطررنا لنقلها لمستشفى تخصصي في العاصمة ..وانتقلت أنا إلى هناك بينما ظل أدهم هنا تتلقاه الأيادي بين نساء العائلة .. عشت في العاصمة بجوار ميسرة التي قضت معظم أيام الحمل في المستشفى تعاني من ذلك المرض الذي يدعى (متلازمة هيلب ) .. كنت فقط أختلس ساعتين لنفسي يوم واحد كل أسبوع أسافر لأرى مليكة من بعيد وهي تخرج من الجامعة وأملأ عيني بصورتها وأعود لميسرة .. ولم أكن أعلم الخطوة التالية .. وكنت أموت من الخوف من أن تتزوج مليكة في أي وقت لكن الوضع وقتها وأخلاقي لم يسمحا لي بمفاتحة مليكة في أي شيء أو حتى الاقتراب منها .. ورغم أن الله يشهد عليّ بأني لم أقصر في حق ميسرة فقلبي ليس لي عليه سلطان .. لكن كانت عقدة الذنب تجاهها تزداد .. استمر الوضع عدة شهور حتى اضطروا كالمرة السابقة التدخل بولادة قيصرية وجاء إياد إلى الدنيا ثم ماتت بعدها ميسرة "
ساد الصمت وشعر كامل بتأثر مفرح الشديد خاصة حين أردف "عاشت ميسرة كنسمة رقيقة مسالمة ورحلت في هدوء وكأنها كانت رفيقا لفترة قصيرة من حياتي.. واخبرتني قبل أن ترحل .. (ابحث عن أم جيدة لأبنائي يا مفرح لا أريدهما أن يعيشا أيتام ) .. أتعلم أني حين اتأمل الأمر أجد أن الله قد لطف بي حينما حدث ذلك قبل أن افاتحها في رغبتي في الزواج .. كنت أعلم بأنها لن تعارضني .. نعم سينكسر قلبها لكنها لن تعارضني .. كانت تحبني وترغب في اسعادي دوما .. على أية حال رحلت وتركت الولدين وعدت أنا للقرية .. وبقيت بعدها لعام أربط على قلبي دون أن افاتح مليكة في أي شيء احتراما لموت ميسرة .. بعد الذكرى السنوية الأولى لوفاتها كنت قد تعبت من الانتظار واستبد بي الشوق والرعب من أن أتفاجأ بخبر زواج مليكة ولم أكن أعلم بأنها كانت عازفة عن الزواج للأبد وبأنها وعدت نفسها إن لم يكن هناك مفرح فلن تتزوج .. وبما أن مفرح قد تزوج فقررت أن تلتفت لدراستها فقط ثم عاد إليها الأمل بعد أن أصبحت أرملا.. أرسلت لها مع بسمة لأعرض عليها الوصال من جديد وبأني هذه المرة سأخوض الحرب حتى النهاية وليكن ما يكون ولا أستطيع أن اخبرك كيف كانت سعادتي حينما جاءني الرد بعبارة لن انساها ما حييت .. عبارة أحيت مفرح الذي مات برحيلها ( سأنتظرك حتى آخر العمر ) "
صمت مفرح ليلتقط أنفاسه فغمغم كامل متفاجئا بكل ما سمعه "لم أتوقع أبدا أن أدهم وإياد ليسا أولاد السيدة مليكة إنها تكنى بأم أدهم بين الناس"
هز مفرح رأسه ورد بابتسامة" هذا شيء عادي أن تكنى بابن زوجها فهي أمه التي ربته"
سأله كامل "وهل الولدان يعلمان بأنها ليست والدتهما الحقيقية ؟"
هز مفرح رأسه وقال" بالطبع "
سأله كامل" وكيف تزوجتها؟"
بلع مفرح ريقه وقال" حاربت الجميع ..وقفت في وجه أبي وأمي .. تذللت لعبد الغني صوالحة ولعبت على أمر الصلح بين العائلتين وإيقاف النزاع ..وكان أكبر داعم لي أكرم صوالحة"
"أخوها ؟"
رد مفرح " أجل إنه طبيب مشهور في العاصمة وقد حزن بشدة لما حدث لأخته لكنه لم يستطع الوقوف في وجه والده أول مرة .. خاصة وأن الأمر كان معقدا بتلك الشائعات التي اطلقتها أمي سامحها الله حول علاقتي بمليكة .. كان أكرم هذه المرة مساندا لي خاصة حينما تأكد من مليكة بأنها لا تزال تحبني وتريدني وهو من استطاع اقناع إخوته بأن يؤازروه في اقناع والده .. وبصراحة حماي كان قد ندم على فعلته حينما جاءت مليكة بعد شهر واحد هو أقصى ما استطاعت تحمله مع زوجها تطلب الطلاق وكل مرة كان يخبر نفسه بأنها ستنساني وستتكيف مع حياتها الجديدة .. لكنها كانت تأتيه في كل مرة أسوأ من المرة التي قبلها .. راقبها وهي تنطفئ وتذبل وتموت ببطء أمام عينه فكسر هذا عناده وسعى مع إخوتها لطلاقها .. وعاش بعدها نادما على ما فعله بها .. مليكة كانت ولازالت مدللته ولا يزال هو وأخوتها يشعرون بالذنب تجاهها .. المهم أني خضت حربا ضروسا للسعي لإبرام صلح مكتوب بين العائلتين لإيقاف صراع دام لأجيال ..وكنت أتوج هذا الصلح بزواجي من مليكة .. وكي أقنع أبي ساومته على أن أقبل بأن أرث العمودية من بعده في مقابل زواجي منها وبقائي للأبد في القرية "
عقد كامل حاجبيه بعدم فهم فقال مفرح موضحا "العمودية لم تعد وراثة كمبدأ عام لكنها تكون بالاتفاق مع الاجهزة المعنية في الدولة .. وغالبا ما يتركونها للعائلات التي لها خبرة فيها من قبل إن لم يكن هناك ما يمنع ذلك .. وعائلة الزيني تستحوذ على المنصب منذ أجيال .. أنا طوال عمري كنت أرفض أن أكون امتدادا لوالدي فيها .. مهمة لا تتماشى مع طبيعتي ومع رغبتي في أن أعيش في العاصمة معظم الوقت .. وظللت أقاوم هذا الطلب من أبي حتى جاء ذلك اليوم الذي قبلت فيه بأن اتخلى عن كل أحلامي مقابل أن أحقق حلم واحد وهو الزواج من مليكة.. ولأني كنت عنيدا متعنتا في هذا الأمر لم يجد أبي مفرا إلا أن يوافق على مضض خاصة حينما لجأت للمحافظ ليتدخل في اجبار أبي على الصلح وإتمام الزواج .. وبعد مداولات كثيرة أخيرا عقد الصلح بين العائلتين وتوج بزواجي من مليكة بعد خمسة أعوام من طلاقها .. كان أدهم في الخامسة من عمره وإياد في الرابعة"
قال كامل بذهول "ياااااه خمسة أعوام حتى تتزوجها"
هز مفرح رأسه بتأثر وقال " كانت رحلة شاقة جدا ومؤلمة .. سبع سنوات من المعاناة حتى اجتمعنا .. وفي هذه الفترة عشت مثلك في ذلك الصراع الذي تتحدث عنه.. وأعلم عن أي جحيم تتحدث .. أنت موقفك أفضل مني قليلا فأنت لا تعرف زوجها إلا من بعيد لكن أنا (وضرب على صدره ) أنا أعرفه جيدا وتشاركت معه أياما جميلة أحاول أن أنساها ..أنا عشت ذلك الشعور قبل وبعد زواجي بها وأنا اتصورها (وصمت يناظره بألم ثم بلع بقية العبارة يضيف متنحنحا ) أتعرف حينما عرفت بمشكلة بسمة مع زوجها تألمت بشدة "
قال كامل بلهجة عدائية" وماذا كانت مشكلتها بالضبط؟"
رد مفرح "كانت له حبيبة سابقة لم يستطع نسيانها واكتشفت بسمة ذلك واضطرت أن تطلب الطلاق "
عقد كامل حاجبيه مستاء وهو يفكر في بسمة بشفقة فقال مفرح" بعيدا عن أن بسمة في مكانة مهجة وارتباطي بها منذ صغرنا كبيرا ..لكن جزء مني كان يساعدها لأني كنت أرى فيها ميسرة رحمها الله "
زفر كامل يقول" الحقيقة أنا لازلت متفاجئا مما قلته كله( ثم رفع أنظاره إليه يسأله) وكيف استطعت أن تخرج من هذا الجحيم "
تنهد مفرح وقال "أولا الزمن يداوي مثل هذه الذكريات أنت تزوجت بسمة قبل شهرين فقط ..هذا بالإضافة لما مررنا به أنا ومليكة من محن حتى التقينا كان كفيلا بأن يضع هذا الموضوع آخر أولوياتي.. كما أنه (وصمت قليلا وكأنه يصارع آلامه ثم قال ) هناك أيام مرت بي أنا وهي أصعب من ذلك بكثير و.. (صمت مجددا يصارع ألما غامضا ثم أضاف بصوت متهدج ) لا داعي لذكرها الآن .. كل هذه الأمور الصعبة حينما تمر عليك تنسيك ما تفكر فيه .. تشعرك بأن هناك في الحياة ما هو أهم من وساوس في رأسك تضيع فيها حياتك مع من تحب.. أحيانا تأتيك المحن لتخبرك كم كنت مدللا في جحيمك الخاص.. وكم كنت متشبثا بأفكار كنت تحسبها محورا لعذابك فتكتشف في لحظة أنك كنت تافها.. صدقني يا كامل أنا لا أقلل من حجم ما أنت تعانيه.. لكن هناك لحظات تمر عليك من هولها ومن صعوبتها تشعر بأن هذا العذاب لا شيء أمامها .. وتشعرك بالندم على كل لحظة توقفت فيها لتفكر في شيء يخص الماضي .. هي كما هي ..تقبلها كما هي .. واطرح الماضي وعذابات الحاضر خلف ظهرك وعش معها .. إنها ابنة الحاضر وذلك الشيء كان ابن الماضي ومات .. مات ولم يعد له وجود "
أطرق كامل برأسه وساد صمت طويل بينهما حتى تطلع مفرح حوله يقول" الليل دخل ..هيا لنعود عندي مشوار سأنتهي منه وأعود لك في بيت الجد صالح لنتسامر حتى تنتهي بسمة ومليكة من حفل حناء صاحبتهما"
قالها وهو يستدير بكليته ويقفز من فوق السور ثم ينفض عن ملابسه الغبار فقال كامل دون أن يستدير إليه" اذهب أنت يا مفرح وأنا سأعود سيرا على الأقدام أو أستقل تلك العربات الصغيرة ذات الثلاث عجلات "
قال مفرح مربتا على كتفه بعد أن نظر في ساعته" ستقدر على النسيان يا كامل .. ما دمت تحبها ستحاول أن تجد سعادتك معها .. لا تنكر بأننا نحن الذكور لدينا أفكار ملتوية ومتعنتة في بعض الأمور التي نحللها لأنفسنا ونحرمها على النساء "
هز كامل رأسه فقال مفرح "هل أنت متأكد بأنك تريد أن تعود وحدك ؟"
هز كامل رأسه مجددا فتحرك مفرح ليستدير كامل ويقول " مفرح .. بالمناسبة أنا أيضا سبق لي الزواج قبل بسمة لكن لم تأت الفرصة لإخبارك"
رفع الأخير حاجبيه بمفاجأة ليضيف كامل "كان هذا في الوطن قبل وقت طويل .. بالتأكيد سأخبرك بالتفاصيل فيما بعد "
قالها وعاد يحدق في صفحة الماء أمامه ليقول مفرح بمزاح لينفض ذلك الانقباض الذي يضغط على صدره "هل أنت متأكد أنك لا تريد حراسة في هذا المكان الهادئ وقد حل الليل ؟.. إن هناك أشياء غريبة مريبة تظهر في ليل بلدتنا"
حدجه كامل بطرف عينيه شذرا ..فأطلق الأخر ضحكة خافتة من حنجرته هي أقصى ما استطاع أن يفعل ثم قال" أنا سأذهب وسأمر عليك في بيت الجد صالح بعد قليل .. واحذر من (الندّاهة) التي تخرج من الترع ليلا"
قالها وركب سيارته ثم تحرك بعد دقائق فغمغم كامل بعبوس وعدم فهم" ماذا يعني بالندّاهة !"
ثم انتبه لهاتف مفرح الموضوع فوق السور ونظر ناحية سيارة الأخير التي ابتعدت ثم "قال لا حول ولا قوة إلا بالله قلنا له اربطه بسلسلة !"
قالها وهو يلتقط الهاتف ويضعه في جيبه ويعود ليشرد في كل ما مر به في هذا اليوم الحافل .
في نفس الوقت كان بدير في منزله يقول لأحدهم في الهاتف بلهجة غامضة "نفذ اليوم ما اتفقنا عليه .. الآن .. فالناس ملهاة بليلة حناء ابن دبور .. لذا دعنا نقدم له ولأهل البلدة هدية تليق بالحدث "
×××××



في المساء
كانت الأنوار تزين بيت يحيى .. والساحة أمامه وأمام المسجد تزدحم بالحضور من أهل البلدة من المهنئين الذين تم ضيافتهم بالشربات وبالعشاء الذي أعده الطباخ بذلك العِجل الهدية من العريس لعروسه ..
بينما في داخل البيت حضرت النساء منهن من جاءت بنية صافية لتقديم التهاني ومنهن من حضرت على سبيل الفضول لترى كيف ستكون العفريتة عروسا ..
أما أم هاشم فكانت في حالة نادرة من السعادة .. كل همساتهن ومصمصاتهن لم تؤثر فيها .. كانت تلتقط فقط السعادة من الوجوه السعيدة حولها وقد تفاجأت أنها كثيرة .. مليكة معها منذ الظهيرة رغم حالة الاجهاد التي تحاول أن تخفيها عنها .. مهجة موجودة وبنات المشروع حتى بنات عمها لم يكن كلهن حاقدات عليها .. اكتشفت بأن هناك من يحبها حقا وأتى لتهنئتها بصفاء نية يتمنى لها السعادة.. بسمة أيضا تعلم بأنها وصلت للبلدة منذ العصر لكنها لم تعلم لماذا تأخرت في المجيء .. يكفي بأنها أتت من العاصمة خصيصا من أجلها.. محسن سلم عليها وبارك لها ومنحها ظرفا به (نقوطها )..
كل هذا كان كالحلم ..
أما ثوبها .. الثوب الذي اهدته لها بسمة فكان شيئا أخر .. كان باللون الجملي الداكن من قطعتين.. قطعة عبارة عن فستان طويل حتى الأرض ملفوفا حول جسدها ومطرزا بالكامل بخيوط ذهبية لامعة ..وفوقه رداء أخر من نفس اللون من قماش الشيفون الناعم مفتوح من الأمام حتى الأرض لم يكن لامعا إلا من أطراف الأكمام الواسعة والذيل.. بينما الحجاب والحذاء ذو الكعب المتوسط الرفيع كان من نفس لون القطعة الفوقية ..
اللون انعكس مع سمارها فأعطى له لونا ذهبيا لامعا مع زينة وجهها البسيطة..
لم يخف عليها انبهار كل من رآها .. هي نفسها انبهرت حينما رأت نفسها فيه.. صحيح لا تزال سُمرة بشرتها حاجزا بينها وبين نفسها لكنها أحست بأنها مختلفة ..
كانت تجلس بجوار مليكة على مقعد في الواجهة بينما الخالة شهاليل وفرقتها من البنات كن يحيين الحفل بالطبل والغناء والضحكات .
أما مليكة فكانت ينازعها شعوران شعور بالفرحة العارمة من أجل أم هاشم وشعور بالقلق الشديد على بسمة التي ردت بعد إلحاح منها في الاتصال بها لتخبرها بصوت خافت مجهد بأنها مرهقة وترغب في النوم وستعيد الاتصال بها .
تفاجأت أم هاشم والجميع بدخول نصرة تتأبط ذراع اسراء وقد لاح الذبول على وجه الاثنتين رغم الابتسامة التي تزين شفتيهما فصاحت أم هاشم بسعادة وهي تتحرك لاستقبالها بذراعين مفتوحين "أم كريم .. ما هذا النور"
قالت نصرة وهي تداري ما بقي من غصة في القلب الموجوع "وهل من المعقول أن تمر هذه المناسبة دون أن أهنئ وأبارك ..لقد عقدت نذرا من قبل أن أطبل وأغني يوم زفافك يا أم هاشم "
بتأثر شديد تكرر كثيرا هذه الليلة حضنتها أم هاشم بقوة وهي تقول "لا حرمني الله منك يا حبيبتي"
ربتت نصرة على ظهرها وهمست "صبرتِ وجبر الله بخاطرك برجل ونعم الرجال"
ابتعدت عنها أم هاشم ثم حضنت اسراء مرحبة قبل أن تقول وهي تمسح دموعها "لماذا أنتن مصرات على إبكائي اليوم ؟( ثم نظرت خلفها لتناكف الخالة شهاليل قائلة) جاءت من ستنافسك يا خالتي (وربتت على ظهر نصرة تقول) هذه مطربة القرية"
قالت شهاليل في جلستها مفترشة الأرض" أريني يا حبيبتي من التي ستفوق شهاليل في غنائها"
نظرت أم هاشم لنصرة تهمس بصوت مسموع "تتحداكِ يا أم كريم يبدو أنها لم تسمع عنك "
ابتسمت نصرة وردت وهي تتحرك نحو شهاليل "نجعلها تسمع هاتِ يا بنت الطبلة"
ناولتها إحدى بنات شهاليل واحدة فاقتربت نصرة من الحنانة وقالت وهي تنزل لتنحشر بجوارها وتفترش الأرض " افسحي قليلا لماذا أنت بدينة بهذا الشكل !"
ناظرتها شهاليل وردت بنفس المشاكسة "اسم الله عليك يا عود القصب !"
ابتسمت نصرة وقالت متفكهة وهي تشير على اسراء التي انضمت لمهجة وبعض الفتيات في ركن "لا .. أنا أُم عود القصب المسكرة هذه "
غمغمت الأخرى بابتسامة وهي تطالع اسراء من بعيد "تبارك الرحمن ( وتفحصتها بتدقيق ثم قالت ) لا تبدو متزوجة فليرزقها الله بمن يجبر بخاطرها وخاطرك"
بلعت نصرة الرغبة في البكاء وقالت بلهجة مشاكسة وهي تمسح على وجه الطبلة لإحمائها " وهل الست تغني بلغتنا"
ضحكت شهاليل فلاح لؤلؤ سنها وهي ترد بترقيص حاجبيها بإغاظة" أغني بكل اللغات يا روحي"
قالت نصرة بابتسامة "سنرى"
في ركن من الصالة الضيقة الحارة شردت مهجة في وقفتها مع الفتيات تفكر في ردة فعل وليد حينما تخبره بأنها قد قامت بتحليل وتأكدت من أنها حامل ..لقد انتهزت فرصة قيامها بتحاليل دورية تخص الأنيميا التي عانت منها لفترة وقامت بعمل التحليل بعد أن شكت حينما لم تأتيها عادتها الشهرية لشهرين متتاليين ..
إنها تشعر بالارتباك المختلط بالفرحة .. لن تنكر ذلك ..لن تنكر بأنها شعرت بالفرحة لأنها ستصبح أما لكنها لم تستطع أن تخبر وليد بعد ..فأجلت إخباره لما بعد الحفل وطلبت منه أن يوصلها لبيت أم هاشم فأخبرها بأنه سينتظرها مع الرجال بالخارج حتى تنتهي سهرتها .
لمست بطنها بارتباك ونظرت لمليكة التي تضع الهاتف على أذنها ثم قالت" لا .. لا يصح أن أخبر أحدا قبل وليد .. حتى مفرح لا يصح أن أخبره قبله رغم أني أتلهف لإخباره "
بدأت نصرة في الطبل فرفعت شهاليل حاجبها بإعجاب ومفاجأة ثم تحمست وأخذت هي الأخرى طبلة من إحدى البنات وبدأتا في المنافسة في الطبل بينما رقصت الفتيات .
كانت الاثنتان متناقضتين في اللون متوافقتين في البدانة ..وإن كانت شهاليل أكثر بدانة وأكبر سنا من نصرة لكن كلتاهما كانتا متشابهتين حتى في الضحكة الصافية التي تقهر الأحزان وخيبات العمر.
تأملت اسراء أمها بسعادة أن قررت الخروج اليوم ورغم أنها لم يكن لديها الرغبة في الاختلاط بأحد لكن قررت مصاحبة أمها لتشجيعها .. فكلتاهما تعتمد على الأخرى .. تؤازرها .. تدعمها .. لهذا قررت مصاحبتها .
قالت مليكة بصوت عال" العروس لم ترقص بعد"
لكزتها أم هاشم موبخة فقالت مليكة بإصرار ومناكفة" وهل هناك عروس لا تعرف الرقص !"
قالت أم هاشم بحرج" أنا لا أعرف"
تدخلت وفاء بنت عمها والتي تربط وشاحا أسفل خصرها بلهجة مغيظة "أم هاشم لا تعرف الرقص "
أمنت أم هاشم على كلامها موافقة لكن مليكة قالت بإصرار "تعرف"
حدجتها أم هاشم بنظرة موبخة .. فدفعتها مليكة لتقوم من جلستها بينما شدتها بقية البنات الواقفات ..فاستقامت أم هاشم ووقفت في وسط المكان تداري حرجها بأن وضعت كفا فوق الأخر على بطنها تقول بامتعاض" اللهم طولك يا روح!"
رقّصت وفاء حاجبيها تقول بإغاظة" قلت لكن لا تعرف"
هتفت بها أم هاشم بغيظ "انصرفي من أمامي يا بنت بدلا من أن أطلق عليك عفاريتي"
قهقهت وفاء وقالت وهي تهز كتفيها وتترقص أمامها بإغاظة "اجعليهم يعلمونك الرقص يا حبيبتي فهذا أولى"
ضيقت أم هاشم عينيها بنظرة متوعدة ثم قالت لها" لا يا حبيبتي إنهم سيرقصون حولي أيضا "
يا ليلة ما جاني الغالي ..ودق عليا الباب
اتبسمت أنا زي العادة.. وقلت يا باب كداب
بدأت نصرة بالغناء على طبلتها ففاجأت أم هاشم الجميع إلا مليكة برقصها .. وحاولت الفتيات أن يقنعنها بربط وشاح على خصرها لكنها رفضت وأخذت تتمايل بخفة وحرج ونعومة أنثوية هادئة ..
أتاري حبيبي .. بيقول يا حبيبي
يا مطفي لهيبي افتح دوبني الغياب
قامتها الطويلة النحيلة في ذلك الثوب الرائع مع خجلها وهي تسبل أهدابها في الأرض وتتمايل بجسدها بانسيابية ورقة سرق أنظار النسوة حولها بانبهار ..
لم تكن محترفة مثل الباقيات ..لكنها كانت أنثوية جدا مميزة في كل ما يخصها حتى رقصها ..
في الوقت الذي أكملت شهاليل لنصرة الأغنية تنافسها بمزاج رائق .
دق الباب وجاني ..أبو عيون أغاني
نساني كل حاجة .. علمني أحبه تاني
عجايب عجايب .. رجعت يالي غايب
رجعت كل حاجة ولكل شيء سبايب
راقبت بعض النسوة أم هاشم وهن يمصمصن شفاههن وقالت إحداهما للأخرى "أنظري كيف تحولت لأنثى .."
ردت الأخرى "لا تنسي أن الحنانة ماهرة .. إن الرسم على يديها وقدميها رائع .. يقولون بأن الحنانة هدية بنت الصوالحة لها "
تكلمت الأولى بنظرة حقد وحسد " والثوب يا أختي الثوب .. كم دفعت فيه ؟"
أصدرت ثالثة صوتا ساخرا من حنجرتها وقالت "وهل هي لديها ما تدفعه في ثوب غال الثمن كهذا؟.. بالتأكيد اشتراه لها المعلم جابر"
قالت الأولى بحسرة "قلت لكم سحرت له لم يصدقني أحد .. الرجل دفع مبلغا خرافيا من أجل ثوب سيلبس لساعات "
ناظرتها الاثنتان الأخريان بحيرة لتضيف هي بثقة وتأكيد "صدقاني .. فكرا ما الذي يجعل رجل يدفع كل هذه المبالغ لفتاة سوداء عانس.. ستقولون زهد الجمال بعد بنت العسال ..سأقول لكما ما فعله لها من ذلك الأثاث الغالي الذي ابتاعه والبيت الذي جدده .. العِجل الذي أرسله هدية وذلك الثوب .. ويقولون بأنه سيقدم لها شبكة غدا بمبلغ كبير جدا.. كل هذا لأنه زهد الجمال !!.. هذه شائعة أطلقتها بنت العسال من حقدها ..لكن الحقيقة أن أم هاشم استغلت طلاق جابر وعقدت له عملا سحريا ليتزوجها ..الرجل يفعل كل هذا لأنه مسحور"
سألتها الثانية " إن كانت كذلك لماذا انتظرت حتى يطلق زوجته ولم تستخدمه ليطلقها"
تكلمت الأولى تؤمن على كلامها " أجل كلامك صحيح ربما كانت السبب أيضا في أن يطلق بنت العسال بجمالها ويتزوج هذه النحيفة السمراء ..الأمر كله سحر "
تكلمت الثالثة وهي تتطلع في أم هاشم التي ترقص بسعادة وقالت "الأمر غريب فعلا وهي تبدو مختلفة "
قالت الأولى لتعزز تصورها لدي صاحبتيها" انظرا كيف أضحت أنثوية أكثر.. لقد كانت كجذع الشجر الداكن اللون في تلك العباءة السوداء التي كانت ترتديها على الدوام "
فتكلمت الثانية" أجل لقد تفتحت سمرتها قليلا واضحت لامعة "
اقشعر بدن الأولى بشكل واضح وقالت لصاحبتها وهي تفتل في صدر عباءتها" أنا أتشاءم من هذه البنت طوال عمرها.. وليسامحني الله لكني متشائمة من هذا اليوم خاصة وهي ترقص بهذا الشكل "
سألتها الثالثة بغباء" وما علاقة رقصها بالتشاؤم؟!!"
ردت الأولى لتثبت نظريتها" ألم تسمعيها بنفسك تقول لبنت عمها ..عفاريتي سيرقصون معي .. وهل ترقص الشياطين إلا في عمل السحر !!"
شهقت الثانية برعب بينما ناظرتهما الثالثة بغباء وعادت لتنظر لأم هاشم غير واثقة من منطقية ما تقول .
فجأة علت همهمات بين الرجال في الخارج ..ثم أطلقت إحدى النساء الموجودات على الباب صراخا أوقف الطبل والغناء لتقول المرأة الأولى بقلب مقبوض لصاحبتيها "ألم أقل لكما متشائمة .. استر يا رب "
بينما التفتت أم هاشم تنظر نحو الباب وهي تمسك بقلبها هاتفة بصوت خافت مرتعب "جابر"



قبل قليل


انتصار! أم هزيمة! أم خيبة أمل !..
سؤال يدور في رأسها في نومتها على السرير طول الساعات الماضية التي لم تدر عددها .. رن هاتفها فتحاملت على نفسها بإنهاك وبحثت عن مصدر الصوت في ضوء الغرفة الخافت من ضوء المصباح الجانبي .. فوجدت الهاتف في الأرض بجوار السرير ومدت ذراعها تلتقطه وهي تنوي أن ترد على مليكة التي اتصلت بها كثيرا بعد تلك المكالمة التي أخبرتها فيها بأنها تريد أن تنام لكنها لم تقوى على الرد .
حين رفعت الهاتف وجدته كامل ..فأغمضت عينيها لثوان ثم رفعت الهاتف على أذنها تقول بصوت مجهد" نعم"
قال كامل وهو يسير في الطريق المظلم نسبيا عائدا للبيت "هل أنت نائمة؟"
"ميتة"
قالتها بحزن فقال كامل بلهجة متألمة عاشقة " بعيد الشر عنك ..فداك روحي يا باسمة "
كلماته هزت كيانها وارعشت قلبها فأجهشت بالبكاء ليقول كامل بلهجة معذبة وهو يتطلع في الهدوء المظلم حوله "يكفي بكاء أنا .. أنا لا أتحمل بكاءك .. اكرهيني كما تريدين لكن لا تبكي "
غمغمت بضعف وهي تحدق في سقف الغرفة مستلقية بعرض السرير " أبكي على حظي العاثر الذي جعلني قليلة القيمة أمام الرجل الذي أحبني "
قال بلهجة نادمة " يا باسمة ..انسي ما قلته ..الغضب دفعني لقول أشياء لم يكن يصح أن أقولها "
ردت بلهجة بائسة أوجعت قلبه "لكنها حقيقية"
عاد للشرح والتفسير من جديد " يا باسمة لم أقلها لانتقص منك ..ولا لأني أشعر بك أقل قيمة ..أنا قلتها لأشرح لك مدى عذابي .. والله العظيم أنا لا أنتقص ممن سبق لهن الزواج .. قلت لك الأمر فقط له علاقة مباشرة بالغيرة ..أنا أغار عليك بشدة يا بنت الوديدي"
قالت بلهجة باكية "كامل"
"فداك روح كامل "
قالها بصوت متهدج فعلا نشيجها وقالت من بين دموعها "أنت كسرت قلبي يا كامل .. كان أهون عليّ أن تتركني وترحل من أن تقدم لي هدية عظيمة بحبك لي مغلفة بالسم"
أسرع ليقول بتأثر شديد " بعيد الشر عنك.. دعي السم لي وانعمي أنت بالهدية "
غمغمت ببكاء أوجع قلبه " وهل إن أخذت أنت السم ستكون للهدية معنى ؟!"
قال بلهجة عاتبة " ألا تكرهينني؟! .. سأتجرع أفكاري المسمومة وأموت لتستريحي مني"
غمغمت بخفوت باك "لا تتكلم عن الموت أرجوك يا كامل "
أحس بلينها وبضعفها وآلمه بكائها فأسرع الخطى وقد زاره الأمل من جديد فقال " حاضر ..لكن وقتها عليك أن تتحملي من تكرهينه ..لأنه كما قلت لك من قبل ..من تملك كامل نخلة في قبضة يدها يا لحظها ويا ويلها ..لن أتركها إلا في القبر "
قالت بقلب موجوع " لا تتحدث عن الموت قلت"
تكلم بلهجة مترجية دون أن يشعر " لنتحدث عن الحياة إذا .. حياتنا معا"
سمعت بسمة صوت طقطقة خشب .. فاستقامت بجذعها من فوق السرير تنظر حولها وقبل أن يستوعب عقلها الرائحة التي تشمها انتفضت فجأة حينما سمعت صوت زجاج يتكسر فصرخت .
توقف كامل عن السير وهو يقول بعينين متسعتين "ماذا حدث ؟"
تركت بسمة سريرها والتفتت ناحية الشباك المطل على المشروع فهالها ما رأته أمامها .. رأت ضوء يشبه النار وقد حسبته ضوء مصباح السرير الخافت .. فأسرعت نحو الشباك ثم أطلقت صرخة وهي تجد نارا عظيمة تأكل المبنى الموجود بساحة المشروع فقالت صارخة لكامل الذي كان يهدر" ماذا هناك يا بسمة؟"
"نار يا كامل ...نار في ساحة المشروع"
تجمد كامل لثوان ثم بدأ في العدو ينظر حوله ليبحث عن أي وسيلة لتنقله .. لكنه كان في شارع هادئ والمسافة بينه وبين البيت كبيرة فقال وهو يطلق ساقيه للريح "نار؟!.. أي نار !!.. ابق مكانك لا تتحركي .. بسمة .. بسمة"
عاد صوت تكسير الزجاج وفهمت الأخيرة بأنه زجاج النوافذ فأسرعت بالخروج من الغرفة ثم أطلقت صرخة حينما قابلتها زجاجة مشتعلة كسرت زجاج النافذة المطلة على ساحة البيت وخلال دقيقة كانت النار تمسك بالستائر ..فقالت بسمة في الهاتف "النار يا كامل ..البيت يحترق "
شعر كامل بالعجز وهو يقيّم المسافة المتبقية في عقله فوجدها بعيدة .. لكنه ظل يجري ويجري وهو يجرجر قلبه بين قدميه بينما صراخ بسمة وبكائها المستغيث يمزق نياط قلبه.
فكر في الاتصال بمفرح ليسبقه لكنه تذكر بأن الأخير قد نسي هاتفه فقال لبسمة وهو يلهث من الجري "لا تخافي أنا قادم ..قادم حالا "
صرخت بقوة حين نزلت على السلم "يا الهي النار تمسك في الدور الأرضي كله"
صاح بقوة من بين لهاثه ولم يعد يشعر بقدميه من كثرة العدو "ابق في الدور العلوي"
استدارت بسمة ولم تصدق ما رأت .. لقد انتشرت النار بسرعة شديدة فحاصرتها أيضا في الدور العلوي فقالت " لن استطيع العودة للدور العلوي.. أنا عالقة على السلم .. كامل أنا سأموت .. سأموت "
قال كامل صارخا" بسمة بسمااااااااة ابقي معي لا تذهبي .."
واسرع بوضعها على الانتظار ثم اتصل بوليد الذي لم يرد فعاد لبسمة وهو لا يزال يعدو ويبحث حوله في الطريق الفارغ من المارة المشغولين غالبيتهم في ليلة حناء جابر دبور فهتف كامل" بسمة هل أنت معي... بسمة بسمااااااه أجيبيني "
كانت الأخيرة تقاوم شعورا بالاختناق ونظرت في الهاتف الذي انطفأ فجأة ولم تعرف إن كان قد فرغ شحنه أم لا .. لكنه لم يستجب لإعادة التشغيل .. فتطلعت حولها تارة برعب وتارة أخرى تصرخ بقوة ..وسجنت في مكانها على السلم .
بعد قليل تنامى إلى مسامعها أصوات وصراخ وعويل يأتي من الخارج فصرخت بقوة تقول" انجدوني أنا هنااااا "
صراخها تاه وسط صراخ النسوة اللاتي تجمعن في الخارج من الشوارع الخلفية مع الرجال يشاهدون البيت الذي يحترق أمامهم وساحة المشروع الملحقة به.
صاح مصطفى الزيني في الرجل حينما وصل "هل ستنتظرون حتى تأتي سيارات الإطفاء؟ ...تحركوا وحاولوا إطفاء البيت "
اسرع عمال المزرعة بفتح بواباتها ..وامتدت الخراطيم منها للخارج لكنها لم تكن لتصل أبدا للبيت .. فأخذ الناس يملؤون الدلاء والأواني التي استطاعوا الحصول عليها وأخذوا يناولونها لبعضهم مصطفين حتى يلقون بها فوق النار لكن النار كانت عظيمة ومخيفة وهي تنير الظلام وترهب القلوب .
هتف جابر في الناس" أسرعوا قبل أن تلتهم النار كل البيت" قال أحدهم "الحمد لله أنه فارغ ومغلق"
وصل سليمان الوديدي يحدق في البيت بحسرة فواساه الناس "عوض الله عليكم يا حاج سليمان "
في الوقت الذي انعطف كامل بقوة يدخل الشارع يجري بأقصى سرعته متأملا أن يكون الناس قد تدخلوا خاصة وأن بسمة لم تعد ترد عليه لكن قلبه انسحق تحت خطواته وتعثر به أكثر من مرة حينما احس بأن بسمة ليست وسطهم ..ليتفاجأ به الجميع خاصة سليمان الذي قال بذهول وهو يراه آتيا" كامل!! .. هل أنت هنا؟!( ثم نظر للبيت وعاد إليه يقول برعب ) متى حضرت من العاصمة ؟"
لم يرد كامل على أحد .. ولم يتوقف لثانية .. بل دفع من رآه في طريقه عند البوابة المفتوحة على مصراعيها حتى أنه أوقع أحدهم في طريقه وهو يهرول ناحية البيت ..ثم وقف يتطلع في النار التي تحيط به وأمسك برأسه صارخا بصرخة خرجت معها روحه" بسماااااااااه"
اندفع بعدها نحو البيت وأخذ يضرب الباب الذي لم تصل إليه النار بعد فهي تطل عليهم من النوافذ فقط.
ضرب الباب عدة مرات بكتفه وقدمه فتقدم بعض الرجل وساعدوه حتى انفح الباب ليجد الجحيم أمامه ..
هل كان يصف عذابه بالجحيم؟!! ..
ها هو قد رأى جحيما أسوأ وأكثر خطورة؟!
هل كان يتلوى داخل جحيمه الداخلي؟! ..
ها هي حبيبته تتلوى في جحيم حقيقي ؟!
الخطوات التي شقها وسط ذهول المتابعين وهو يدخل البيت كان مع كل خطوة فيها يفكر في كل لحظة أضاعها من عمر زواجه ببسمة .. وتذكر كلمة مفرح حين قال ( أحيانا تأتيك المحن لتخبرك كم كنت مدللا في جحيمك الخاص.. وكم كنت متشبثا بأفكار كنت تحسبها محورا لعذابك فتكتشف في لحظة أنك كنت تافها).
من جلستها فوق .. عند منتصف السلم والنار تقترب منها شيئا فشيئا نطقت بسمة بالشهادتين بهمس فصوتها لا يريد أن يخرج .. وهي تعاني من صعوبة في التنفس والحرارة تخبرها بما هي مقدمة عليه ..فعادت واغمضت عينيها في رعب وساقيها لم تعد تشعر بهما .
استسلمت لمصيرها بنحيب واستعرضت وجوه من تحبهم تحت جفونها " أمها وكامل. وكامل مرة أخرى ..وكامل مرات أخرى ..ووليد ..ومليكة ..وأم هاشم ..ومهجة ..وغنيم وسوسو ..وونس ..وشامل .
جاءها صوت كامل صارخا "بسمااااه "
فتحت عينيها وتحاملت على ساقيها تمسك بالحائط خلفها حتى وقفت بصعوبة .. ففتح كامل فمه بمجرد أن رآها يسحب جرعة كبيرة من الهواء ليتنفس بقوة وكأنه يساعد قلبه على الإفاقة حين تأكد بأنها بخير .. ثم أخذ يبحث حوله عن طريقة لإنقاذها فالنار تمسك بستائر ومقاعد المكان من حوله ووصلت لجانب من السقف وسرعان ما ستلتهم كل الأثاث ..أما بسمة فعالقة في وسط السلم المصنوع من الخشب وسوره الخشبي مشتعل وبعض درجات في الأعلى والأسفل بينما تطلعت بسمة حولها وتذكرت الحلم ..
ذلك الحلم الذي ظل يراودها كل فترة .. نفس الحلم نفس المشاهد ..فقط وجه كامل هو المختلف ..فقد كانت تراه هو بهيئته كلها لكنها لم تر وجهه أبدا ..والمرعب أنها لا تعرف نهاية للحلم فصرخت فيه تخرج صوتها بصعوبة " ابتعد يا كامل ..ستمسك بك النار"
قال وهو يبحث عن أي شيء يحطم به سور السلم المشتعل "قلت لك لن اتركك إلا في القبر"
في الخارج نزل وليد من أحد التكاتك التي كانت تسير بسرعة جنونية بعدما علم من مليكة بأن بسمة في البيت وبسرعة اقتحم التجمع ..فقال سليمان الذي كان يمسك بصدره صارخا "وليد عد يا وليد"
دخل وليد كالطلقة فحاول البعض اثنائه عن المحاولة لكنه ابعدهم بخشونة ثم وقف على باب البيت يحاول أن ينظر بداخله .. فلمح أن النار تحيط بالجدران بينما البهو فارغ فاقتحم بسرعة الباب المفتوح يتحاشى النار المشتعلة التي كانت تستقبله والآتية من أحد المقاعد فدفعه بقدمه عدة مرات حتى أخرج المقعد المشتعل للخارج فأخذ الرجال يطفئونه .
تطلع كامل في وليد الذي يصرخ من وسط الدخان" بسمة أين بسمة ؟"
سعال أتى من فوق السلم قبل أن يجيبه كامل .. ثم صوتا يقول بصعوبة " أخرجا ..أخرجا واتركوني لا أمل النار تقترب مني "
قال كامل لوليد وهو يمسك بستارة مشتعلة وينزلها أرضا ويضربها بقدمه قبل أن تأكلها النار" نريد شيئا لنحطم به السياج.. النار أكلت أول السلم ولن تأخذ وقتا طويلا حتى تصل إلى بسمة"
انحنى وليد يمسك بمقعد أخر مشتعل ويدفعه ليخرجه حتى لا تمسك النار في باقي المقاعد .
في الخارج وقف عدد من التكاتك متتالية تحمل البقية ممن كان في حفل الحناء.. فنزلت فاطمة من التوكتوك وجلست في الأرض دون قدرة على الحراك وهي تصرخ وتلطم خاصة حينما أخبرها النسوة الواقفات أن وليد أيضا دخل خلف أخته.. بينما ظلت مليكة متخشبة تشاهد النار بذهول ومشاهد كثيرة تتدافع أمامها تعرف بعضها بينما البعض الأخر لم تعرف ما هي ..ومتى حدثت ..صور كثيرة متتابعة أمامها خلفيتها البيت الذي يحترق الآن .. وفيه صاحبة عمرها ..
لماذا لا تشعر بجسدها؟ .. لماذا هي ليست قادرة على الحركة ؟... ليست قادرة على الصراخ مثلهم؟ .
تحاملت وحاولت الترجل من التوكتوك فسقطت هي الأخرى أرضا وتجمع النسوة حولها في الوقت الذي وقف توكتوك أخر يحمل أم هاشم ومهجة التي سألت بمجرد أن نزلت" أين وليد؟"
أجابتها واحدة "دخل البيت خلف أخته وزوجها "
اندفعت مهجة صارخة "وليييد "
فتجمعت النسوة يمنعنها من الاقتراب أو الدخول لبوابة البيت .
في نفس الوقت الذي وصلت فيه سيارة مفرح من الناحية الأخرى وخرج منها يعدو نحو البيت بعد أن علم في الطريق من الناس بما حدث لكنه لم يجد هاتفه ليهاتف أي شخص ..
لمح مفرح مليكة المغشي عليها ومهجة التي يمسكنها النسوة حتى لا تدخل من البوابة بينما الأخيرة تصرخ بانهيار "ولييييييييييد "
فاسرع لمليكة بهلع بينما قلبه يتمزق على أخته وعلى صاحبه وأبناء خاله بالداخل ولم يعرف ماذا يفعل .
في نفس الوقت كان جابر يقف بجوار مصطفى الزيني داخل ساحة البيت يوجه الرجال الذين لا يزالون يحاولون إطفاء جزء من النار التي التهمت الدور العلوي تقريبا .. فتفاجأ الأخير بأم هاشم التي أفلتت من أيدي النسوة اللاتي حاولن منعها وشاهدها تدخل من البوابة وعيناها مسلطتان بذهول نحو البيت المحترق ..ثم سقط قلبه بين قدميه وصاح وهو يشاهدها تندفع نحو البيت" أم هاشم"
لم تكن الأخيرة تسمع أو تعي شيئا.. كانت تحدق في النار والذهول يعميها عن كل ما حولها.. وقبل أن تصل لباب البيت كان جابر قد أسرع بتطويقها من الخلف وهو يصيح فيها بحزم" ماذا تفعلين؟"
هتفت أم هاشم بقوة "أتركني يا جابر البيت يحترق وبسمة بالداخل "
أمسك جابر بها بقوة وقد تفاجأ بقوة عصبها رغم نحافتها فطوق خصرها بذراعيه يحاول منعها بينما الأخيرة تقاومه بكل قوتها وعيناها تنظران للبيت برعب شديد.
لم تكن تبكي .. بل كانت في حالة من الذهول والتصميم لتدخل البيت.. فهدر جابر فيها وهو لا يزال يطوق خصرها من الخلف بقوة" أم هاشم ..أفيقي ..الإطفاء ستأتي حالا وزوجها وأخوها بالداخل "
ظلت تناظر البيت المحترق بينما جابر يسحبها بعيدا عن حركة الرجال وهي لا تزال تقاومه .
على بعد كان بدير يجلس في سيارته ويشاهد بتسلي وتشفي البيت الذي ينير بنيرانه ظلمة الليل فرن هاتفه ورد قائلا "نعم بسطاويسي"
قال الأخير بلهجة خطرة" أنت الفاعل ؟"
ضحك الأخير وقال وهو يتطلع في البيت "عليّ أن اتخلص منك يا بسطاويسي ..لأنك الوحيد الذي يفهمني"
قال الأخير بتوبيخ "ما الذي فعلته يا مجنون ..ماذا لو علموا بأنك الفاعل!"
رد الأخير بهدوء" بل سيقولون بأن صاحب الدراجة الخفي هو من فعلها "
مر بعض الرجال بجوار نافذة سيارته يضربون كفا بكف وسمع أحدهم يقول "مسكينة بنت الوديدي أن تموت محروقة ..إنها لا تزال عروس .."
توقف قلب بدير واسرع بفتح الباب ينادي على الرجل قائلا "أنت يا هذا .. هل هناك أحد في البيت ؟!"
عاد الرجل له ليقول بلهجة آسفة "اكتشفوا أن بنت الوديدي كانت بداخله ولم يكن أحد يعرف "
سقط قلب بدير مع هاتفه أرضا ..ودون تفكير أسرع بالعدو نحو البيت يخترق الأجساد وهو لا يصدق .. لا يصدق بأن بسمة بداخل البيت .. ماذا فعل؟ ..ماذا فعل بها؟ .. إن كل ما كان يريده أن يقطع سبب ترددها على القرية .. ماذا فعل بمالكة قلبه؟.
بالداخل كان وليد وكامل يحطمون السور الخشبي بضربات متتالية من كراسي معدنية صغيرة ..ثم قال وليد لكامل بعد أن نجحا في إزالة جزء من السور المشتعل "احملني لأصعد فأنا أخف وزنا"
نظر كامل للجزء المشتعل من الدرجات السفلية من السلم وقد أمسكت النار في لوحة عملاقة وبعض الأرفف في الحائط المجاور وأدرك أن أمامهم دقائق قليلة فجلس القرفصاء ليعطي وليد مجالا لأن يقف على كتفيه ثم شيئا فشيئا استقام يساعده حتى صعد فوق السلم .
حين صعد وليد أسرع نحو بسمة الملتصقة بالحائط والتي بدأت في النحيب غير مصدقة لوصوله لها فأمسك بها ليساعدها على المشي ثم تعاون هو وكامل بالأسفل على سحبها .. فتلقاها كامل بين ذراعيه يحضنها بقوة وظل يحملها بينما تتشبث هي بذراعيه بقوة وغير تصديق.
قبل أن يقفز وليد سقط لوح خشبي مشتعل من جزء من السور فصرخ وليد" حاذر يا كامل "
ليسرع الأخر بالاستدارة حتى لا يسقط على رأس بسمة فنزل على أعلى ذراعه واشتعلت النار فيه ..ليسرع وليد بضربه بقدمه بعيدا عن كتف كامل ليسقط أرضا ثم ضرب على ذراعه عدة ضربات متتالية ليطفئ النار التي امسكت في ملابس كامل .
في نفس اللحظة سقط صحن كان بيد شامل الذي كان يقف في مطبخ المطعم يتذوق منه شيئا .. ثم أمسك بذراعه بقوة متألما فسأله الطباخ الذي كان يقف أمامه" شامل بك .. شامل بك هل أنت بخير؟"
في ساحة بيت الجد صالح ووسط ذهول الناس واندهاشهم وعدم استيعابهم اقتحم بدير البيت المشتعل ثم تسمر واقفا يتطلع في المشهد بذهول ..
كامل يحمل بسمة المنكمشة في صدره ووليد يقفز من فوق السلم العالي ويتبع كامل فمر الأخير على بدير في طريقه نحو الخارج يتبعه وليد.
كاد بدير أن يسقط بعد أن انهارت أعصابه لا يعرف هل يسعد لأنها لم تصب بشيء.. أم يحزن لأن زوجها أنقذها مما فعله هو .. يحزن لأنه كالعادة وصل إليها متأخرا.. فاسرع وليد بالإمساك به قبل أن يسقط وساعده على إخراجه من الباب .
أما في العاصمة فتحرك شامل مهرولا ليخرج من المطبخ وهو لا يزال يمسك بأعلى ذراعه متألما وقطع صالة المطعم بسرعة ثم قال لوالده" أنا ذاهب يا أبي تولى أنت الأمر هنا"
سقط قلب غنيم في قدميه وقد علم بأن كامل حدث له شيء.. فهو لا يرد على هاتفه وشامل لم يكن طبيعيا طوال الوقت ..أما الأخير فقد ألقى بنفسه في السيارة الصغيرة بسرعة وهو لا يزال يشعر بألم في ذراعه وقد صدق حدسه بأن توأمه الذي لا يرد على الهاتف به شيء خاصة بعدما تعرض للتوتر وزادت ضربات قلبه قبل نصف ساعة .
حين خرج كامل ببسمة ووليد يسند بدير كانت خراطيم الإطفاء قد بدأت في عملها .. فانهارت أم هاشم بمجرد أن رأت بسمة تخرج يحملها زوجها وسط تهليل الموجودين ..فأسرع جابر بالإمساك بها قبل أن تسقط ..فأجهشت بالبكاء أخيرا ..بينما وقف الناس يحدقون في بدير باندهاش والأخير يتطلع فيهم منكمشا يبحث عن مبرر لما فعله.
التهى وليد عند خروجه بوالدته وزوجته المنهارتين ووالده الذي يمسك بصدره .. فأخذت مهجة تمسك بملابس وليد وتبكي على صدره بحرقة وهي تقول " كنت ستتركني يا وليد .. كنت ستترك مهجة "
في نفس الوقت حمل مفرح مليكة ليضعها في سيارة بشر الصوالحة الذي وصل هو وأخيه من أجل أختهما بعد أن تناقلت الأخبار ما حدث .. أجلسها في المقعد الخلفي وهمس في أذنها من تحت جفنيها المرتعشين بعد أن أفاقت منذ دقائق "سأذهب مع كامل واطمئني على بسمة ولا تقلقي لقد خرجت سالمة والحمد لله"
أجهشت مليكة بالبكاء دون أن تفتح عينيها فقبل مفرح رأسها ثم أخرج جذعه من السيارة ينظر لأخويها وكأنه يوصيهما عليها وأسرع نحو كامل الذي كان قد ابتعد ببسمة ينوي بأن يدخلها سيارته التي تركن في الشارع الجانبي والناس يتطلعون فيه فصاح مفرح ينادي عليه ليستدير الأخير فأشار مفرح له على سيارته .
عاد كامل بخطى سريعة نحو سيارة مفرح فلم يكن فيه أية أعصاب باقية لقيادة السيارة ..فادخل بسمة في المقعد الخلفي بحرص ثم حشر نفسه بجوارها وهو يقول لمفرح بهلع" أسرع بالله عليك يا مفرح لأقرب مستشفى لقد فقدت الوعي واصفر لونها وكأنها تعاني ضيقا في التنفس "
×××××



بعد ساعة

صاح كامل في ممر المستشفى يقول بانفعال أرعب الممرضات "لماذا لم يأتي الطبيب حتى الآن ؟!"

قالت الممرضة بارتباك" يا فندم لقد تم عمل الإسعافات الأولية لها وهي بخير .. وزيارة الاستشاري لها ستكون للاطمئنان على حالتها .. وبالنسبة لك الطبيب ينتظرك في أخر الممر حتى يتفحص ذراعك "

ناظرها كامل بنظرة خطرة وكأنه سيأكلها فتدخل مفرح بينهما يقول للممرضة ببعض الهدوء الحازم" من فضلك استعجلي الطبيب حتى نطمئن عليها "

هزت الممرضة رأسها ونظرت لكامل ثم تحركت وهي تبرطم بهمس "صدقا الحلو لا يكتمل .. وسيم جدا ورجولي لكنه مخيف"

قال مفرح لكامل وهو يتطلع في أثر الحرق في أعلى ذراعه وعلى ملابسه " اذهب يا كامل للطبيب ليسعفك "

قال الأخر والألم يشتد في ذراعه" أنا لن اذهب في أي مكان قبل أن اطمئن عليها تماما"

قالها وهو يتحرك نحو غرفتها بينما وقف مفرح مذهولا لا يصدق ما حدث .. وأخذ يفكر في مليكة بقلق وهو يتطلع في الناس المتجمعة أخر الممر من أهل البلدة الذين حضروا للاطمئنان .. خاصة وأن سليمان وفاطمة تم اسعافهم بعد وصولهم خلف بسمة .. فراقب سليمان الذي يجلس على أحد المقاعد في حالة اعياء ويثرثر الناس من حوله عن أنهم لم يكونوا يعلمون بأن بسمة في البيت ويعبرون عن اعجابهم بشجاعة وجسارة زوجها وأخيها اللذين دخلا خلفها .. ثم دار الهمس حول بدير الذي دخل هو الآخر للبيت المشتعل .. وبدأت النظرات الساخرة والضرب على الكفوف وقد ادركوا بأنه يحمل مشاعر غرام لبنت الوديدي .

فتح كامل باب الغرفة ودخل ليجد بسمة على حالها وقناع الاكسجين يغطي فمها وأنفها بينما فاطمة تبكي على مقعد في ركن الغرفة و بعض المحاليل متصلة بذراعها.

اقترب كامل من بسمة بلهفة ونزل على عقبيه يبعد شعرها عن وجهها وهمس" باسمة"

حركت مقلتيها تحت جفنيها ثم فتحتهما أخيرا .. كانت تسمع كل شيء حولها بدءا من دخولها المستشفى محمولة على ذراعي كامل .. وصراخه في الجميع لإسعافها حتى أرقدوها في هذه الغرفة ثم تأكدوا من أنها لم تطل النار جسدها .. فوضعوا لها المحاليل وقناع الاكسجين على أنفها.

حين تكشفت الصورة أمامها شيئا فشيئا ظهر وجهه أمامها مغبرا ببعض الرماد ..وشعره كان مشعثا ..فرفعت ذراعها المثبت به خرطوم رفيع وببطء مسحت بأناملها وجنته وهي تهمس من خلف القناع" كامل "

أمسك كامل بيدها وأدار وجهه ليدفنه فيه لثوان ..ثم طبع قبلة بطيئة قوية صامتة على باطن كفها فانفجرت بسمة بالبكاء الشديد ..

هدأها كامل مربتا على رأسها .. ثم مال يطبع قبلة على شعرها هامسا "أنت بخير .. وأي شيء يهون بعدها ..حمدا لله .. حمدا لله "

أزاحت القناع تقول" وليد .. وليد"

طمأنها كامل بإيماءة من رأسه فسألته" وذراعك ماذا حدث لذراعك ؟"

قبل أن يجيبها انفتح الباب فشرست ملامح كامل ونظر متحفزا ليجد وليد يدخل الغرفة بلهفة بعد أن وصل متأخرا لأنه أوصل مهجة لبيت العمدة أولا ولم يتركها حتى هدأت .

صاحت فاطمة بولولة" وليد ..كنت سأفقدكما .. يا ويلي كنت سأفقد أولادي .. ماذا كنت سأفعل بعدها"

أسرع وليد نحوها يقبل رأسها قائلا" الله كريم يا غالية ونحن بخير أمامك "

ثم استدار واقترب من بسمة التي ازداد بكائها وهي تدير أنظارها نحوه فخيم عليها الأخير وأحاط جذعها بذراعيه وحضنها بقوة وهو يبكي ..لتنهار بسمة في المزيد من البكاء وهي تتمتم باسم أخيها ..

قال وليد بصوت خافت" ألف حمدا لله على سلامتك يا بسمة .. كلما فكرت كيف كنت سأفقدك في لحظة لا تعرفين كيف أشعر .. (وقبّل جبينها عدة مرات وهو يضيف بمشاعر فياضة ) كيف كنت سأعيش بدونك .. الحمد لله الحمد لله "

غلبتها مشاعر التأثر فعلا نشيجها بانهيار .. بينما أخذت كلمات وليد تدور في رأس كامل الذي لم يستوعب بعد كل ما حدث .

( كيف كنت سأعيش بدونك ؟)

قال كامل لوليد "أبق هنا ولا تترك الغرفة ولا تسمح لأحد بأن يدخلها .. وأنا سأذهب لأعالج ذراعي ثم نغادر إلى العاصمة أنا لن أبقى هنا دقيقة واحدة بعد ذلك"

عند خروجه من الغرفة وجد أم هاشم أمامه بملابس الحفل والتي بادرته بالقول بقلق "كيف حالها؟"

بدون كلام فتح لها كامل الباب فرفعت أم هاشم ثوبها عن الأرض ودخلت ليغلق الباب خلفها ويتطلع في جابر الذي قال له مواسيا " ألف لا بأس عليها .. قدر الله ولطف بكم وأكرمكم "

العبارة أثرت في كامل فهز رأسه عدة مرات موافقا ثم قال "الحمد والشكر لله"

اقترب مفرح من كامل فقال له الأخير "سأذهب لأعالج ذراعي وبعدها سنغادر فورا"

في الغرفة قبّلت أم هاشم رأس بسمة التي كان مفعول المهدئ قد بدأ يشعرها بالدوار لكنها همست ببطء" ماذا تفعلين هنا يا عروس اذهبي للحفل .. اذهبي أنا بخير"

لم تعرف أم هاشم بم ترد عليها وكيف تخبرها بأنه ليس الحفل وحده ما فسد ولكن كل شيء حولها .. يكفي همسات الناس التي سمعتها وهي تقف بالمستشفى ..ونظراتهم التي ناظرها بها البعض بتشاؤم لم تفهم هي سببه أو علاقتها به .. فغمغمت بلهجة متألمة" سلامتك أهم يا بسمة .. سلامتك أهم "


بعد ساعة أخرى

دخل شامل المستشفى بوجه شاحب فاستقبله أهل البلدة المتجمعين في الاستراحة قبل أن يشيروا له على الممر الذي يؤدي لغرفة بسمة ..فأسرع يبحث عن أخيه الذي استطاع أخيرا أن يصل إليه بعدما رد عليه أحد الأشخاص يخبره بأن هاتف كامل قد وقع منه في ساحة بيت الجد صالح وأنه جاري ايصاله لكامل .. بعدها اتصل به كامل بعدما اعادوا له هاتفه في المستشفى يخبره باختصار وبإنهاك شديد ما حدث ..

اسرع شامل نحو أخيه الذي كان جالسا على مقعد بجوار غرفة بسمة ورغم المشاعر المؤلمة الذاهلة التي يشعر بها شامل انعكاسا لمشاعر أخيه إلا أن تلك النظرة الخاطفة التي رمقه بها كامل حينما رفع عينيه ينظر له ثم أسبل أهدابه بعدها مزقت نياط قلبه على توأمه ..

نظرة خاطفة اشتكى فيها كامل لتوأمه هول ما حدث .. أخبره فيها بأنه كاد أن يفقدها..

أخبره فيها عن نصف ساعة من الزمن مات في كل دقيقة منها ألف مرة ..

أخبره فيها بأن وجع الفقد لا يزال يطارده وهذه المرة كاد أن يأخذ منه أعز من يملك.

كل هذا في نظرة خاطفة جعلت شامل يميل بمجرد أن وصل إليه ويقبل رأس أخيه مؤازرا ومواسيا ومشجعا فأسند كامل جبينه على جذع أخيه يقبض على قميصه من الخلف .. فحضن شامل رأسه وهو يقول مشجعا" الحمد لله ربك كريم .. أنا فخور بك .. فخور بك يا وحش"

لم يكمل كامل الدقيقة في هذا الوضع حتى رفع وجهه لأخيه بعينين لامعتين بالدموع يغمغم " أخرجني من هنا يا أخي .. أخرجني أنا وزوجتي من هنا حالا فأنا غير قادر على القيادة "

××××

بعد نصف ساعة كان شامل يقف أمام المستشفى بالسيارة الكبيرة التي أخذها من الشارع الجانبي لبيت الجد صالح وقد انخلع قلبه وهو يرى ما حل به .. بينما اعطى لوليد مفتاح السيارة الصغيرة التي وصل بها فوعده الأخير بأنه سيرسلها له غدا ..

أما كامل فكان يحمل بسمة فوق ذراعيه ملفوفة في احدى ملاءات المستشفى وخرج بها مصرا على السفر فورا للعاصمة رغم تأخر الوقت .. فقالت فاطمة بلوعة لزوجها "حلفتك بالله يا سليمان دعني أسافر معها "

هدر الأخير فيها قائلا بعصبية "اسكتي يا فاطمة ..ماذا ستفعلين معها؟ .. هي مع زوجها وأهله .. هل ستتركين المصائب التي حلت علينا وتتركيني وأنا مريض وتذهبين خلف ابنتك ؟!"

امسكت فاطمة بطرف وشاحها تبكي بقلة حيلة وأسرعت خلف كامل لتودع بسمة قبل أن تغادر السيارة وخلفها الحاضرين من أهل البلدة في المستشفى .

بعد دقائق كان كامل قد أدخل بسمة في المقعد الخلفي وجلس بجوارها .. فلوحت لها فاطمة باكية ووليد يحيطها بذراعه مواسيا وهو يحدج والده بضيق تعاطفا مع أمه التي كانت ترغب في السفر مع ابنتها .

ربت مفرح على السيارة يتمنى لهم السلامة ثم تابعها بأنظاره وهي تغادر .. فازداد نحيب فاطمة مما جعل وليد يقبل رأسها وهو يهمس قائلا "سآخذك لعندها لتطمئني عليها بنفسك هذا وعد مني .. اعطني فقط يوم أو اثنين "

أما مفرح فأسرع نحو سيارته يركبها وينطلق بها ليطمئن على مليكة التي استطاع أخيرا أن يطمئن عليها من خلال أخيها حينما عثر أحد الموجودين أمام البيت على هاتفه وهاتف كامل وتم التعرف على رقم هاتفه المسجل لدى أحد الواقفين فأسرعوا بإيصاله له ولكامل .

××××

أوقف جابر السيارة أمام بيت الحاج يحيى بعد أن أصر أن يدخل بها حتى هناك لأنه لا يعتقد أن أم هاشم قادرة على السير ..

تطلع فيها عبر مرآة السيارة الأمامية صامتة ذاهلة لم تقل الكثير منذ تلك الحالة الهستيرية التي أصابتها أمام البيت .

نزل يحيى من المقعد المجاور للسائق ونظر للأنوار التي لا تزال مضاءة بينما أهل الحفل قد هجروه حينما اسرع الجميع نحو البيت المشتعل .. وتطلع في الكراسي الخشبية الفارغة إلا من بعض المتجمعين من الجيران يتحدثون ويثرثرون يستعيدون تفاصيل ما حدث فاستقبله هلال الذي سبقهم بالعودة قبل قليل وعلى وجهه ملامح آسفة .

قال جابر وهو يستدير لأم هاشم المطرقة برأسها تفكر وكفيها في حجرها تضغط بظفر إبهامها في الأخر" هل أنت بخير يا أم هاشم؟"

انتبهت أخيرا فرفعت رأسها له تحدق فيه ثم حولها وأسرعت بالنزول .

ترجل جابر خلفها ليلحق بها قبل أن تدخل البيت ..فاقتربت منه والدته تسأله" هل كل شيء بخير ؟.. حكى الناس لي عما حدث "

ربت جابر على كتف والدته ثم اقترب من أم هاشم يقول بصوت مسموع "أم هاشم أريد أن اتحدث معك "

استدارت الأخيرة تقول له بوجه جاد" وأنا أيضا"

تدخل يحيى قائلا وهو يمرر نظراته بين الاثنين بقلق" إذن تعاليا لنجلس بالداخل "

قالها وهو يتقدمهما .. فدخلت أم هاشم خلف عمها وتبعها جابر بينما صباح تتحدث مع جارتها بصوت هامس تقول بلهجة مشفقة على نفسها " تقولين نحس؟... آااه اسأليني أنا .. نحن نعيش معها في نفس البيت"

دخل يحيى غرفة الضيوف يشعل ضوءها وقال لجابر "تفضل يا جابر تعال"

فوقف جابر يتطلع في أم هاشم التي وقفت تسبل بأهدابها متقبضة وكأنها عازمة على فعل شيء ..وساد صمت غريب شعر فيه يحيى بأنهما يرغبان في الحديث وحدهما ..في الوقت الذي نادت وفاء من عند باب البيت" أبي .. الرجل صاحب أفرع الزينة المضاءة يريدك ..جاء قبل قليل حينما كنت غير موجود"

تنحنح يحيى وقال " سأعود يا جابر تفضل استرح لماذا لم تجلس "

قالها وهو يغادر الغرفة بينما الأثنان على وضعهما يقفان كتمثالين ..هي متقبضة مسبلة أهدابها عنه فلم يعرف ما بها بالضبط وهو يتطلع فيها ..

إنها الآن بهذه الوقفة الغامضة تختلف عن تلك الهستيرية التي كانت سترمي بنفسها في النار من أجل من تحب.. وتختلف عن تلك التي كانت ترتجف بعدها تلتصق بأحد حوائط المستشفى تسبل أهدابها في صمت غريب ..

أمن الممكن أن تكون قد سمعت تلك الهمهمات المتخلفة من بعض الجهلاء ..والتي كانت كخناجر في قلبه وهم يحمّلونها المسئولية متشائمين !..

أشفق عليها وعلى مشاعرها وأدرك بأنها بالتأكيد تشعر بأكثر منه فهي المعنية بالأمر..

مسحت عيناه على هيئتها المفاجئة له والتي لم يدركها إلا في المستشفى .. إن هذا الفستان اللامع مميز بشكل غريب .. كان يليق بها وبالمناسبة .. لو فقط تغلق القطعة الفوقية المفتوحة هذه لتداري الفستان الذي تحتها والذي رغم أنه ليس ضيقا لكنه يشعر بأنه يقسم تفاصيل جسدها النحيف بشكل ضايقه جدا في المستشفى حتى أنه طلب منها أكثر من مرة أن تغلقه.

تكلم جابر ببعض الجدية ليفض الصمت الغريب بينهما "أنا لم أحاسبك بعد على تهورك بإلقاء نفسك في التهلكة بهذا الشكل"

واقشعر بدنه وهو يتذكر بأنها كانت توشك على أن تلقي بنفسها في النار .. الخاطرة آلمته بشدة فقال" يا أم هاشم أنت آذيتني بتلك المحاولة حينما قررت أن تؤذي نفسك من أجل صاحبتك "

رفعت أهدابها فجأة تقول بلهجة جادة "اسمع يا جابر .. الله وحده يعلم سريرتي .. وعلى قدر علمي بنفسي الحمد لله لا أحمل ذرة ضغينة أو شر لأحد .. لكنك ليس لك ذنبا في أن تتحمل معي قدري في نظرة الناس لي .. لهذا أرى أنه يكفي عند هذا الحد .. طــــــــلــــ ( ولم تقدر على نطقها فقالت ) علينا أن ننفصل ولن يلومك أحد "

كان يدرك بأنها غاضبة ومجروحة خلف ذلك الوجه الجاد وهي تناظره بكبرياء يحترمه فيها لكنه شعر بالغضب .. وبشعور أخر يؤلم قلبه.. شعور مشابه لذلك الذي أحس به لحظة اندفاعها نحو البيت المحترق .. فعبس بشدة يقول بغضب واستنكار" نعم !! ماذا قلت؟"

كررت أم هاشم وهي تقبض قبضتيها بجوارها بقوة لكن صوتها خانها هذه المرة وخرج مبحوحا" قلت علينا أن ننفصل .. فليس لك ذنب في أن الناس تتشاءم مني (وأضافت في سرها بقلب يستجديها لأن تشفق عليه ) لكنك ستظل بالنسبة لي زوجي للأبد "

قال بنفس اللهجة الغاضبة" أنت بالتأكيد لا تدركين ما تقولينه لهذا أنا لن أحاسبك عليه الآن "

حركت يديها بجوار جسدها وهي تقول بلهجة تحاول أن تكون عادية لا مبالية لكنها فشلت في ذلك أو ربما هو الذي أضحى يرى جزءا من اعماقها خلف طبقات كثيرة يشعر بأنها تتحصن بها "ما المشكلة .. ها هي بنت نصرة وهلال طلقت بعد نصف ساعة ولا تزال حية ترزق ولم تمت"

لم يعلم هو بأنها أكملت في سرها ( رغم أني أصارع الموت حاليا وأنا أطلب منك ذلك ).

ولم تعلم هي بأن صوتها خرج متألما مؤلما لقلبه.

ولم يعلم كلاهما ماذا حدث بعد ذلك .. فقد مد جابر ذراعه وخطفها إلى حضنه فجأة يغمرها بين ذراعيه برغبة قوية في حمايتها .

انفجرت أم هاشم في البكاء مذهولة وهي تدفن وجهها في صدره وتقبض على ملابسه بقوة وغمغمت من بين شهقاتها" كنت أريد أن أكون مفيدة لك في أي شيء .. لكن للأسف قدري يطاردني وعليّ أن أتحمله عليّ أن أصبر عليه .. أما أنت فليس لك ذنب أبدا ولا أريد أن تطالك ألسنة الناس بسوء"

ذاب قلبه لها فشدد من احتضانها يقول بصوت رجولي أجش بجوار أذنها "القدر جمعنا يا بنت شيخي ..وما يجمعه القدر لا يفرقه بشر .. أما عن ألسنة الناس فبعون الله سأخرسها وسأقطع من يستحق القطع "

ازداد نحيبها فوق صدره تشعر بأنها في حلم .. حلم غير قابل للتصديق .. أتراها تهلوس وتتخيل بأنها في حضنه! .. لكن كيف يكون الحلم بهذا التجسيد الرائع وكأنه حقيقة ؟..كيف يكون دافئا ..قويا ..صلبا ..رائحته كالمسك ..به خشونة تذيب صلابتها وتؤثر في أنوثتها التي تخبئها تحت الطبقات الصلبة..

أما جابر فبدأ عقله يستفيق من خدر العاطفة وأدرك أين هو بالضبط وماذا يفعل .. كما أن تلك الحرارة التي ضربت في جسده فجأة وضربات قلبه الذي جن في صدره بدون مقدمات كلها جعلته يتنحنح بارتباك وهو يبعدها عنه بحزم رقيق.. فأسبلت أم هاشم أهدابها المبللة تشعر بالحرج من مواجهته .. ولم تقدر على الاستمرار بالوقوف أمامه وإلا ستسقط مغشيا عليها لا محالة لو واجهت عينيه فأسرعت تلملم طرفي فستانها على جسدها وتهرول من أمامه تغادر الغرفة ..فتابعها جابر بعينين متسعتين ثم تنحنح مرة أخرى ينفض عنه تلك الحالة التي ألمت به ورفع يده إلى مؤخرة رقبته يمسح عنها قطرات العرق .

بعد قليل وقف جابر أمام بيت يحيى يقول في الهاتف باستياء شديد "ما ذنبها لا أفهم؟ .. لماذا يصرون على ربطها بكل شيء يحدث في البلدة" .. بيت واحترق .. ما ذنب المسكينة في ذلك !!"

رد مصطفى بصوت حزين" أنت تعلم أن هناك من يؤمن بالخرافات يا جابر بكل أسف ..والكلمة التي يقولها شخص جاهل تجد عشرة أذان تسمعها"

جز جابر على أسنانه يقول" أنا غاضب بشدة وقلبي يؤلمني كلما فكرت فيما يقولونه .. ويا ويله من سأمسك به يقول كلمة في حقها .. أشعر برغبة في أن أدور في البلدة وأقول بمكبر صوت (اتركوها في حالها إنها لا تؤذي بعوضة والتفتوا لألسنتكم التي تؤذي كالسياط )"

قال مصطفى مهدئا "أتفهم شعورك"

غمغم جابر بغيظ" ألم يشفع لها عندهم أنها كانت ستلقي بنفسها بالنار من أجل صاحبتها!.."

قال مصطفى وهو يسترجع المشهد "الحقيقة كان مشهدا مؤثرا ولوهلة خفت ألا تستطيع الإمساك بها"

غمغم جابر" أأخبرك بشيء؟ .. كلما تذكرت بأنها كانت على وشك أن تموت يؤلمني قلبي يا مصطفى"

غمغم مصطفى مشفقا "حمدا لله على سلامتها .. عليك بالذبح والتوزيع على أهل البلد شكرا لله "

عقد جابر حاجبيه ثم قال "صدقت والله .. سأفعل ذلك .. سأفعله الآن وحالا .. وسيكون ذلك أبلغ رد مني على كلامهم في حقها "

××××

بعد ساعتين




كانت لا تزال منكمشة في حضنه .. وجهها مدفونا في صدره تتمسك به .. ومفعول ذلك المهدئ الذي أعطي لها بالمستشفى على ما يبدو قد انتهى فقد أخذت تبكي في صمت حتى أغرقت قميصه .

شدد كامل ذراعيه حولها وجذعها في حضنه وباقي جسدها ملفوف بالملاءة .. ثم أنزل نظراته يمسح الدموع الصامتة على وجهها كما كان يفعل طوال الطريق وقّبل جبينها بمواساة صامتة .

الصمت كان سيد الموقف طوال الطريق فلا هو ولا هي قد استوعبا بعد ما حدث وكأنه كابوس مخيف استيقظا منه غير مصدقين لأنهما نجيا من الموت .. حتى شامل كان صامتا هو الأخر يتابعها عبر المرآة الأمامية ولم يقطع هذا الصمت الكئيب إلا ردود شامل على هاتفه من أسرته القلقة وأسرة بسمة التي تطمئن على رحلتهما .

استعاد كامل كلمات مفرح حينما قال له أن هناك أمور في الحياة أكثر أهمية وخطورة من مجرد أفكار ووساوس قد يتركها لتعذبه وتسرق منه أياما كان من الممكن أن يعيش فيها سعيدا بجوارها ..

واعترف لنفسه بأنه قد ترك لأفكاره الرجعية وشيطانه أن يمنعاه عن الفرح والسعادة بوجودها في حياته .

غيرة عمياء .. زواج سابق .. شخص ما وصل إليها قبله .. هل أحبت زوجها السابق؟.. هل تكرهه هو أم تحبه ؟

كلها أمور بدت أمام عينيه لحظتها شديدة الصغر والتفاهة بعد ما مرت به من دقائق فاصلة بين الحياة والموت؟

ولكننا لا ندرك قيمة ما في يدينا إلا حينما نكتشف بأننا كنا على وشك فقده ..

أي تعقيد هذا الذي كان يعذب به نفسه والحياة والفرصة أعطيت له ليكتب معها تاريخا جديدا لكليهما ؟..

كيف لم يشكر ربه حينما أهداها له بعد أن ظن أن اللقاء بينهما مستحيلا؟ ..

كيف ترك لأفكاره أن تسيطر عليه حتى جرحها ؟..

غيرته عليها لن تنتهي بالتأكيد لكن أفكاره السوداء حول زواجها السابق عليه حين تهاجمه مرة أخرى أن يذكر نفسه بتلك الدقائق الفاصلة في حياته ليردع شياطينه ويسلسلها .

علا نحيب بسمة في صدره وقد عادت لتتذكر ما حدث .. فأنزل وجهه وأمطر وجهها بالقبلات المبللة بدموعها ليقول شامل بلهجة حازمة "كامل نحن على وشك العبور من بوابة العاصمة والشرطة والناس حولنا ..فاعتدلا بالله عليك قبل أن تقبض علينا شرطة الآداب أو تتهمنا بخطفها وأنتما تجلسان بهذا الشكل وهي ملفوفة بملاءة "

ساعدها كامل على القيام فاعتدلت بسمة وأرخت رأسها على ظهر المقعد خلفها بينما حضن كامل كفها في كفه وشبك أصابعها في أصابعه يضغط عليها بقوة وكأنه يخبرها بصمت بأنه لن يتركها.. فلا يزال لسانه معقودا غير قادر على التعبير .. فعادت بسمة للنحيب الصامت .. ليرفع كامل يدها المشبكة في يده ويقبل ظاهرها بقبلة تغني عن أي كلام.

××××

انتهى مفرح من طابور طويل من المهام كان عليه أن ينجزها قبل أن يطمئن على مليكة.. تخص البيت المحروق والتحقيق الأولي حول الحادث ثم طمأن والده ..وها هو في سرايا الصوالحة قد انتهى من الاطمئنان على حماه عبد الغني الصوالحة الذي لم يتحمل أن يرى مليكة تدخل عليه محمولة على ذراع اخيها وارتفع سكره من الحزن عليها وتم اسعافه .. فوقف مفرح في غرفة حماه يقول" حمدا لله على سلامتك يا حاج عبد الغني "

قال عبد الغني" سلمت يا مفرح .. اصعد يا ولدي لمليكة فبالتأكيد تحتاجك الآن (ثم دمعت عيناه وغلبه احساسه بالذنب تجاهها وهو يقول ) إلى متى ستظل هذه البنت اعصابها خفيفة بهذا الشكل "

تبادل بشر وعلي ومفرح النظرات الحزينة قبل أن يقول بشر" هيا يا مفرح اصعد لها وبيتوا معنا هذه الليلة فلا أتوقع أن مليكة ستقدر على الخروج اليوم"

أطرق مفرح برأسه وتحرك خلف بشر بحرج الذي قاده للدور العلوي .. فصعد مفرح على سلم السرايا الفخمة ذات الأثاث الكلاسيكي والتحف والثريات .

في الدور العلوي رمق باب غرفة مغلقة على يمينه بنظرة سريعة قبل أن يسرع الخطى نحو اليسار وكأنه يهرب من شيء حتى وصل لغرفة نوم مليكة الجديدة .

فتح الباب ليجدها متكومة بجوار النافذة تحضن ركبتيها إلى صدرها فوق مقعد ..

بمجرد أن دلف إلى الغرفة انتبهت مليكة وهمست" مفرح"

أغلق الباب والتقيا في منتصف الغرفة ليغرقا في حضن كبير فمسد على رأسها وظهرها يسألها" هل أنت بخير ؟"

هزت رأسها .. فابعدها عنه يتطلع في هيئتها ويغالب شوقا يذبحه بنصل سكين بارد لتسأله مليكة" هل وصلت بسمة للعاصمة؟"

رد مفرح بلهجة حزينة "ليس بعد فالطريق كان مغلقا عند أحد الكمائن "

قالت وهي ترتعش "لازلت لا أصدق ما حدث يا مفرح أنا .."

قاطعها مفرح حين أخذها إلى حضنه وهو يغمغم " أنا أيضا لازلت مصدوما .. لقد لطف بنا الله "

سألته "من فعلها .. إنها بالتأكيد بفعل فاعل"

قال مفرح بجدية " إنها كذلك بالفعل فأحد عمال المزرعة وجد رجالا ملثمين حول البيت يرمونه بزجاجات مشتعلة وحين حاول الاستنجاد بالناس اوسعوه ضربا وهربوا ولم يستطع تحديد هويتهم "

قالت مليكة "يا لطيف !.. من من الممكن أن يفعل ذلك ولماذا ؟"

تنهد بقوة ثم أجاب" لا نعرف حتى الآن وجاري التحقيق لكن أصابع الاتهام تشير إلى ذلك الرجل الغامض الذي يشعل النار في الحقول "

قبل أن تعلق مليكة لمح مفرح بطرف عينه سريرها الذي يحتله ولديه نائمين فسألها يرفع حاجبا متفاجأ "متى حضرا؟"

ابتعدت عن حضنه وابتسمت في حنان وهي تجيب" جاءا حينما علما بما حدث لي"

قال باستنكار وهو يتطلع في نومتهما يحتلان معظم السرير "ولماذا لم يناما في غرفة أخرى كما يفعلان كل مرة؟!"

قالت بهدوء "رفضا ..وإياد وعدني بأنه سيسهر بجواري طوال الليل ليمرضني "

ابتسم مفرح وهو يتطلع في ابنه المستغرق في النوم وغمغم ساخرا وهو يتحرك ليجلس على أحد المقاعد ويخلع حذائه " ونعم التمريض !"

سألته بفرحة "هل ستبيت معي الليلة؟"

رفع لها أنظاره وقال بشفتين ممطوطتين "أنت تعلمين بأني اختنق من سرايتكم ..ومن البهرجة التي أراها فيها (وأكمل متهكما ) ثريات وتحف وسجاد وديكورات وخدم تشعرني بأني (علي ابن الجنايني ) في فيلم رُد قلبي"

اتسعت ابتسامتها فبدت رغم أنفها الأحمر وجفونها المنتفخة من أثر البكاء أجمل ما يكون أمام عينيه وهي ترتدي منامة وشعرها مضفرا في ضفيرة طويلها تلفها حول رأسها فبدت كالمراهقات فأكمل هامسا بشوق حار "وأنت الأميرة إنجي صعبة المنال"

كانت تشتاق إليه بشدة .. شوق لا يقل عن شوقه بل ويزيد فهي بحاجة لدعمه في محنتها مع نفسها فاقتربت منه ومالت عليه تحضن وجهه بكفيها وقربت وجهها منه تحدق في عينيه باشتياق .. فالشهر المنصرم كان من أسوأ ما مر عليهما وكلاهما يتجنب الأخر حتى لا يزيد من جرحه.

همست أمام واحتيه الخضراوين اللتين تستجديانها بالنظرات " أعرف بأنك مبتلى بي وبحبي"

أحاط مفرح ذراعيه بخصرها وسحبها لتجلس على ساقيه .. فجلست تواجهه ساقيها إلى جانبيه .. ليدفن مفرح رأسه في حضنها وهو يحضنها بقوة ..

تسللت أصابعها في شعره ثم مالت وقبّلت رأسه تقول بهمس "اشتقت إليك يا مفرح ..اشتقت حتى لسماع اسمي منطوقا من شفتيك "

رفع وجهه إليها يقول بهمس حار وتوسل "قوليها يا مليكة .. قوليها مرارا وتكرارا ..بأنك تشتاقين إليّ.. وسأكتفي بها قولا لا فعلا ..فأنا بحاجة ماسة لأسمعها منك على الأقل "

ابتسمت ابتسامة متألمة وهي تمسد على لحيته السوداء ثم مالت تتطبع قبلة على شفتيه المشتاقتين .. فردها لها مفرح بقبلة أكثر عمقا ولهفة .. في الوقت الذي بدأت يداه تعصيانه وتتحسسان جسدها بجرأة.

أفلتت مليكة شفتيها ورفعت وجهها عنه تقول بهمس موبخ "الولدين يا مفرح"

قال الأخير بلهجة معذبة رغم أنه قد وعد نفسه ألا يتحدث في هذا الأمر معها " وهل لو كان الولدان ليسا هنا كنت تركتني لأفعلها؟"

قالت متألمة وشاعرة بالذنب " أجل .. كنت سأتحمل ما ينتابني من انهيار بعدها من أجل شوقي إليك ..وستتحمل أنت ككل مرة امرأة عديمة النفع مثلي"

أشفق عليها من معاناتها فقال بلهجة صبيانية باكية" ألم أقل لك بأني منحوس .. فليس الولدين فقط المعضلة الآن ولكني لا أملك ملابس لأبدل فيها إذا أردت الاغتسال في سرايتكم ..(وأكمل بلهجة ذات مغزى مولولا ) ويبدو أني سأضطر للاغتسال لا محالة سواء فعلناها أم لم نفعلها يا بنت الصوالحة "

قالت بتلقائية " أعتقد بأن لك بعض الملابس القديمة في خزانتي ذلك البنطال الرملي و.."

كتمت صرخة متفاجئة حينما استقام مفرح وهو يحملها بين ذراعيه فتشبثت هي برقبته ولفت ساقيها حول جذعه وهي تقول متفاجئة "مفرح إلى أين؟؟؟!"

قال بهمس حار وهو يلصق شفتيه بشفتيها ويتحرك بها " اخفضي صوتك الولدان نائمان .. سنذهب سويا لزيارة ذلك الحمام الداخلي الفخم الذي لديكم الملحق بالغرفة "

قالها وأسرع نحو حمام الغرفة يغلق بابه خلفه وكلاهما يعلم بأن الشوق قد هزمهما .. كما يدركان بأنهما على موعد مع جرعة قوية من الألم بعد أن يغترفا قدرا من السعادة !.

×××××

وصلت السيارة لفيلا غنيم وخرج كامل من باب المرآب يحمل بسمة وخلفه شامل .. فاستقبلهم غنيم وسوسو وونس.. لتسرع سوسو نحو ابنها تقول باكية" حمدا لله على سلامتك يا حبيبي "

نظر كامل لوالده ليفهم إن كانت قد علمت بأنه دخل خلف بسمة لينقذها ..فأشار له غنيم بالنفي فالجميع يعلم بأن أعصابها لن تتحمل خبرا كهذا ولولا أنها سمعت غنيم يتحدث مع شامل لما أخبرها أحد بما حدث فقال كامل "أنا كنت خارج البيت بينما بسمة هي من كانت بالداخل"

اسرعت سوسو بالقول" حمدا لله على سلامتها"

كانت بسمة تلف ذراعيها حول عنق كامل وتدفن وجهها في صدره غير قادرة على التعامل مع أحد لحظتها بينما نظر كامل لشامل نظرة جعلته يسرع باتجاه والدته يأخذها في حضنه ويدفن رأسها في صدره قائلا" لا تبكي يا سوسو نحن بخير "

في تلك الأثناء مر كامل من أمامهم مسرعا وهو يقول" لا تؤاخذونا فنحن متعبان بشدة ..سأصعد بها لتستريح" فتابعه غنيم مدققا قبل أن يلاحظ أعلى ذراعه الأخر الكم المحترق والذي تظهر من تحته ضمادة تلف ذراعه فشهقت ونس ليناظرها شامل محذرا ..فأسرعت بوضع يدها على فمها .

بمجرد أن صعد كامل أجلس شامل والدته على أقرب مقعد فقالت "يا إلهي لست قادرة على السيطرة على أعصابي منذ أن علمت "

ربت غنيم عليها وهو يقول" قدر الله ولطف بنا "

بينما اقترب شامل من ونس يحضنها بعد أن لاحظ وجهها المنتفخ من البكاء.

في غرفتهما وضعها كامل على السرير ..فأمسكت بسمة بذراعه تقول وهي تحاول الوقوف" احتاج لاستعمال الحمام "

دعم جذعها بذراعه حول ظهرها لتقف ثم سألها" أتريدين أن أحملك ؟"

هزت رأسها بالنفي وهي تمشي ببطء ممسكة بملابسه فرافقها حتى الحمام واستشعر عدم رغبتها في أن يرافقها إلى الداخل فأغلق الباب عليها بعد أن قال" أنا موجود هنا ..إن احتجت لشيء نادني ولا تغلقي الباب من الداخل ولا تتأخري وإلا سأدخل عليك "

أغلق الباب ثم وقف يحدق حوله غير مصدق أنه عاد لبيته ..لغرفته سالما دون أن يفقدها .. وأغمض عينيه قليلا فرأى النار التي كانت تحيط بها ليسرع بفتح عينيه مشفقا عليها فإن كان هو يحدث معه ذلك فما بال هي من تعرضت للموقف كله.

في نفس اللحظة كانت بسمة تتطلع في جدران الحمام حولها ولا تزال صور النار تظهر أمام عينيها المفتوحتين .

سمع كامل صوت الماء ففهم بأنها تغتسل فتوجه نحو الخزانة وأخذ يبحث في ملابسها والتقط منامة قطنية مريحة وملابس داخلية من أحد الأدراج ثم فتح الباب ومد يده ليعلق لها الملابس على المقبض من الداخل وعاد وأغلقه .. وانتظر حتى توقف الماء .

مرت خمس دقائق وسمع بعدها نحيبا فأسرع بالدخول ليجد بسمة قد ارتدت ملابسها لكنها تقف وسط الحمام شعرها يقطر الماء وعيناها تقطران الدموع .. فأسرع بلف المنشة حول شعرها وحملها ليخرجها إلى الغرفة .

حين وضعها في السرير قال لها "سأجعلهم يعدون لك شيئا لتأكليه حتى تتناولي المهدئ الذي صرفه لك الطبيب "

حركت رأسها بلا فقال كامل وهو يلتقط الكيس الصغير الذي يحتوي على الأدوية" إذن تناولي المهدئ وحاولي النوم"

سألته وهو يمنحها القرص وزجاجة الماء "كيف حال ذراعك ؟"

قال وهو يترك السرير ويخلع ملابسه متألما من ذراعه "سيكون بخير لا تقلقي"

قالها ثم دخل الحمام .

بعد قليل كانت بسمة منكمشة في السرير غير قادرة على التوقف عن البكاء .. فخرج كامل عاري الجذع يلف خصره بمنشفة وراقبته من خلف دموعها وهو يرتدي ملابسه قبل أن يقترب منها ويتمدد جوارها يمسح دموعها قائلا وهو يرسم ملامحها بعينيه ويتطلع في عينيها الزرقاوين المحاطتين بحمرة باكية "لا يزال لنا أنا وأنت عمرا يا بنت الوديدي .. فدعينا لا نضيعه في البكاء"

ازداد نحيبها فاستلقى على الوسادة بجوارها وسحبها إلى صدره يقول "حسنا لا بأس ..ابكي كما تريدين ولكن على صدري .. صدر زوجك كامل "

قالها وشدد من احتضانها يضمها بقوة هامسا وهو يستمتع بالشعور بنعمة البيت والأمان والحياة " الحمد لك والشكر لك يا رب .. الحمد لك والشكر لك "

××××

اشتدت حلكة الليل سوادا فزادت من سواد القلوب المظلمة.. لكنها أبدا لن تظلم قلبا مضاءً بالحب ..فالقلوب حين تحب تضاء ..

وقف جابر أمام بيت الحاج يحيى يشاهد العِجل الذي يُذبح ويتطلع في عدد من أهالي القرية البسطاء المنتظرين اكتمال ذبح العجل ليأخذوا منه نصيبهم .. فقد انتشر خبر ذبح جابر دبور عجلا لوجه الله فداء لعروسه التي كادت أن تلقي بنفسها في النار خلف صاحبتها .. أنتشر الخبر ككل الأخبار في مجتمع صغير كالنار في الهشيم ..

شعر بالراحة لأنه ذبح العجل .. ولا تزال صورتها وهي تندفع نحو البيت تزعجه من آن لآخر بينما صورة أخرى لم تتركه وشأنه منذ أن حضنها .. صورة ثوبها الجميل الذي كان يبرز سمرتها وكأنها تلمع كالذهب وشكل خطوط الحناء فوق يدها والتي كانت رقيقة وأنثوية .. أما احساسه بها وهي بين ذراعيه فكان مفاجئا له .. فلأول مرة تنتابه مشاعر حسية تجاهها ورغم أنه كان مجرد حضن عادي .. إلا أن حرارة جسده لم تخمد منذ تلك اللحظة..

شيء ما اشتعل بداخله لكنه لم يكن شيئا حسيا معتادا له كرجل .. إنه شيء أخر ..شيء اشتعل في أعماقه ..

تذكر في وقفته رائحتها .. هناك شيئا مختلفا في رائحتها أو ربما هي تضع عطرا ليس شائعا .. ودون أن يدري رفع جابر ذراعه ليشتم كم جلبابه وكأنه يبحث عن بقايا ذلك العطر قبل أن ينتبه لما يفعل ولوقفته في الشارع .. فأسرع بإنزال ذراعه واعتدل في وقفته يتنحنح ثم قال بابتسامة متهكمة يسخر من نفسه وهو يشعر بجسده الذي تعرق " ماذا يحدث معك يا جابر !"

أما صباح فكانت تراقب العجل الذي يذبح وهي تمصمص شفتيها بتعجب.. بينما يحيى يتطلع بسعادة في المشهد لجبر خاطر ابنة أخيه ..

في الوقت الذي كانت أم هاشم مستلقية في سريرها تحضن الوسادة وتحرك مقلتيها من تحت جفنيها وتبكي وهي تستعيد اللحظة التي كانت فيها بين أحضانه لتلهي نفسها عن التفكير في مشهد البيت المحترق..

في نفس الوقت كان وليد في بيته يصرخ بفرح" حامل .. أنت حامل يا مهجة"

تطلعت في وجهه باكية فلا تزال لا تصدق بأنها كادت أن تفقده اليوم ثم هزت رأسها بالإيجاب فرفعها وليد بين ذراعيه لأعلى ودار حول نفسه بفرحة .. لتصرخ مهجة ضاحكة "وليد أشعر بالدوار"

أنزلها برفق لتقف أمامه وجلس على السرير يحتضن كفيها ويرفع مقلتيه الزرقاوين يناظرها بعينين دامعتين يقول" هذا أسعد خبر سمعته في حياتي ..سيربط بيننا طفل يا مهجتي .. سيربط بيننا للأبد.. حتى لو قررت يوما أن تهجريني سيظل بيننا نقطة التقاء "

تألم قلبها من حديثه فألقت نفسها عليه تلف ذراعيها حول عنقه ثم قالت بعاطفة قوية لم تعد قادرة على كتمانها "ومن قال بأني استطيع أن أهجرك يا وليد .. كما أخطأت أنت أنا أيضا أخطأت .. لكني لن أقدر أبدا على هجرك .. لن أقدر على البعد عنك أبدا"

طالعها وليد بعينين ذاهلتين يقول بتأثر "مهجة !"

هجمت عليه الأخيرة وأمطرت وجهه بالقبلات وهي تقول "أحبك ..أحبك ..أحبك"

قالتها فاستلقى هو على السرير خلفه فأصبحت ممددة فوقه .. وظلت تمطر وجهه بالقبلات في هيستيريا.

××××

سمع كامل أذان الفجر ففتح عينيه بعد أن فشل في النوم رغم أنه مجهد إلى حد الإعياء..

كانت تصارعه الأفكار .. يحاسب نفسه .. ويعلن ندمه .. ويفكر فيما كان على وشك أن يفقد ..

تطلع في جسدها المسترخي بين ذراعيه .. ورغم أن كل خليه فيه كانت تعترض إلا أنه أبعدها بلطف عن صدره وتركها لتنام على الوسادة ثم غادر السرير ..

بعد دقائق كان ينزل إلى بهو الفيلا واقترب من غرفة والديه في الدور الأرضي وتحرج قليلا قبل أن يطرق طرقة خفيفة ..وحينما لم يأتيه رد تحرك مبتعدا قبل أن يُفتح الباب ويقول غنيم بقلق "كامل هل كنت تريد شيئا؟"

عاد إلى والده بخطوات بطيئة منكس الرأس كولد صغير وهو يقول بهدوء" كنت أرى إن كنت مستيقظا لصلاة الفجر أقصد ..أقصد ..أنا أعلم بأنك تستيقظ لصلاة الفجر فقلت.."

سأله غنيم" هل نصليه معا؟"

هز كامل رأسه في صمت فقال غنيم" سأحضر السجادة وآتيك لنصلي سويا"

بعد دقائق كان كامل يقف بجوار والده مستقبلا القبلة في خشوع ..وحينما سجد كان يردد كلمات الشكر بامتنان عظيم .. وبمجرد أن فرغ من الصلاة جلس صامتا يحدق في السجادة .. فتطلع فيه غنيم بصمت يشفق على ابنه من التجربة ويحمد الله على نجاته وعودته إليه سالما .

سأله بهدوء" كانت تجربة صعبة أليس كذلك؟"

فرفع إليه كامل عينين دامعتين وهز رأسه عدة مرات وهو يغمغم بصوت مبحوح" جدا يا أبي جدا .. وللحظة اعتقدت بأني سأفقدها كما فقدت أصحابي من قبل .. لكن هذه المرة شعرت بأني ميت لا محالة .. ميت بفقدها أو بالموت معها "

ربت غنيم على ظهر ولده وقال" حمدا لله على سلامتكما .. حمدا لله.. عليك أن تخرج شيئا شكرا لله على سلامتها "

فقال كامل " أخبرني وسأفعل أي شيء "

××××

فتح بدير باب إحدى الغرف فوجد وجدان تنام فيها بعد أن عاد ليجد غرفة نومه خالية .. ففهم بأن أخبار ما حدث قد وصلت إليها .. ليعود ويغلق الباب مرة أخرى ..فحبست وجدان دموعها وصوت بكائها بينما عاد بدير لغرفته يشعر بالضيق وبالحرج لا يعرف كيف سيواجه نظرات الناس التي بدأت تهمس وتتساءل عن سبب دخوله خلف بسمة للبيت المحترق .

بسمة التي كاد أن يتسبب في موتها .. والتي لا يعرف إن كان يفرح لسلامتها أم يشعر بالغل لأن زوجها قد ظهر أمامه وأمام أهل البلدة كحامي الحمى الذي انقذ زوجته من النار .. أم يشعر بالحزن لأنه كالعادة وصل إليها متأخرا ..

كل ما كان يعرفه أن مواجهته لأهل البلدة ستكون محرجة له وعليه أن يختلق سببا مقنعا يبرر به ما فعل ..

أما كامل نخلة .. لابد أن ينتقم منه عاجلا أم أجلا .



في نفس الوقت كانت كاميليا في غرفتها تقول في الهاتف باستنكار "عِجل!! .. عِجل فداء لسلامتها!! .. هل جن عقله!!"

قالت صاحبتها أماني" يبدو أن ما يقولونه أهل البلدة صحيحا وأنها سحرت له .. ابنة خالي حضرت حفل الحناء تقول لي كانت تجذب الأنظار رغم سمرتها وفستانها كان..."

قاطعتها كاميليا تقول بغيرة "وها هو الحفل قد انقلب وبالا على القرية كلها .. ألم أقل لكم إنها شؤم .. يا ليت البيت كان تفحم ببنت الوديدي هي الأخرى "

أضافت أماني وكأنها تتعمد حرق دمها "أهل البلدة لم يكفوا منذ ساعات عن وصف المشهد الذي ألقى فيه زوجها بنفسه في النار خلفها ثم أخوها ..يا الله يحكون الحكايات والروايات ويتغنون بالمشهد الذي اقشعرت له الأبدان"

شعرت كاميليا بأن الدماء تفور في رأسها في الوقت الذي قالت فيه أماني" ما لا أفهمه يا كاميليا لماذا تدخل أخوك المعلم بدير في الموضوع ودخل خلفها ؟!.. هل ما يقوله أهل البلدة حقيقي وأنه يعشق بنت الوديدي؟ "

صرخت كاميليا بغيظ " اذهبي يا أماني اذهبي لزوجك فالوقت متأخر"

قالت الثانية تمصمص شفتيها" زوجي نائم يا حبيبتي ..جاء بعد أن أطفأوا الحريق وانقلب يعطيني ظهره ويشخر الآن في غرفة النوم "

قالت كاميليا بعصبية" قلت اذهبي يا أماني سلام"

أغلقت الهاتف ووقفت تأكل في نفسها تشعر بحقد شديد وغيرة لا تريد أن تعترف لنفسها بها .. فغمغمت في سرها متوعدة " حسنا .. إن لم أقلبها زيجة شؤم فوق رأسك يا جابر لن أكون أنا كاميليا ( ثم رفعت الهاتف على أذنها مرة أخرى وقالت بعد برهة ) استيقظي يا أم عصفور لا وقت للنوم وطمئنيني هل جهزت كل شيء كما طلبت منك ؟"



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close