رواية سيدة الشتاء الفصل السادس والعشرين 26 بقلم الكاتبة Blue me
البارت اا26
بين نارين
-=-=-=-=-=-=-=-
عندما فتحت اماني عينيها في صباح اليوم التالي .. كان اول ما أحست به هو الارهاق الشديد والرغبة في العودة إلى عالم النوم المريح والخالي من الهم .. حتى نبهتها حركة قادمة من خلف باب غرفتها المغلق .. في تلك اللحظة .. تذكرت كل ما حدث في الليلة السابقة فهبت من السرير بذعر وفكرة عودة صلاح تكاد تفتك بها .. ولكن باب الغرفة ظل مغلقا .. والحركة المكتومة والمتقطعة لم تتوقف .. تسللت نحو الباب وفتحت جزءا منه بحذر دون أن تصدر أي صوت .. وعندما ألقت نظرة عبره حبست أنفاسها وعجزت عن الاتيان بأي حركة
لقد كان هشام هناك .. جاثيا على إحدى ركبتيه امام باب الشقة الخارجي يحاول إصلاح قفله المكسور.. لم يكن وجود هشام في هذا الوقت المبكر من الصباح هو ما أثار اضطراب اماني .. بل مظهره المدمر بعد أن تخلى عن سترته .. وحل أزرار قميصه العليا حتى الصدر .. ورفع أكمامه حتى مرفقيه مبرزا عضلات ساعديه القوية
أحست بخفقات قلبها تتسارع امام جاذبيته الجسدية الطاغية رغم المسافة التي تفصل بينهما .. لطالما أدركت قوة بنيته حتى من خلال ملابسه الانيقة .. ولكنها أدركت الآن وخاصة عندما اعتدل واقفا ليدير المقبض مختبرا جودته .. مدى بدائية ووحشية تكوين جسده الرجولي الضخم .. كان طويلا للغاية .. ولم يكن الطول الفارع بالصفة النادرة بين رجال مدينتها .. ولكن أن يترافق طول قامته مع كمال وضخامة عضلات جسده المفتولة جعله يبدو بعيدا عن رجل الأعمال الانيق الطبع والملبس الذي عرفته دائما .. لقد بدا في هذه اللحظة أقرب إلى ذلك الشاب الذي لم يترك عملا شاقا ومهينا إلا وقام به كي يطعم نفسه وعائلته
انسحبت بهدوء مغلقة الباب خلفها . واستندت إليه بظهرها محاولة تهدئة خفقات قلبها المجنونة .. ما الذي أصابها ؟ .. لم تعتد أبدا على النظر إلى الرجال بهذه الطريقة المتفحصة والمقيمة .. حتى أثناء معرفتها لفراس .. لم تحتل جاذبيته الجسدية جزءا كبيرا من تفكيرها .. فهي بالكاد الآن تستطيع تذكر ملامح وجهه
تذكرت ما حدث ليلة الأمس والدعم الذي قدمه هشام لها .. لا يمكنها أن تتخيل ما كاد يحصل لو لم يصل في تلك اللحظة .. تكره الاعتراف بهذا .. ولكن ديونه عليها قد زادت كثيرا .. وما تخشاه هو ان يأتي ذلك اليوم الذي تصل فيه حاجتها إليه إلى حد المرض ..
تذكرت تعاطفه معها وتفهمه .. لقد تحدثت للمرة الاولى عما حدث بينها وبين والدها مع شخص غريب ببساطة وراحة .. وبدون تفكير .. والمصيبة أن رده عليها كان ما تحتاج إليه بالضبط
كلما زادت معرفتها به .. كلما أدركت مدى كمال صفاته ومثاليته .. إنه الرجل الذي ربط نفسه بها أمام الناس لينقذها من صلاح .. وينقذ سمعتها التي تلطخت في المدينة دون ان يطلب مقابلا لنفسه
وحتى الآن لم تر منه أي تصرف سيء ومعيب يثلج صدرها ويزيد من قناعتها بعدم وجود رجل يستحق احترامها
أخذت نفسا عميقا لتستعيد هدوئها .. ثم بدلت ملابسها استعدادا لمواجهته .. وعندما خرجت من غرفته أخيرا.. كانت تبدو أفضل وقد ارتدت سروالا من الجينز وكنزة رقيقة
رفع رأسه من خلف الجريدة التي كان يقرأها من حيث يجلس فوق الأريكة .. والتقت نظراتهما للحظات طويلة أشعرتها بالارتباك والرغبة بالعودة إلى غرفتها هربا من مشاعرها
قطع الصمت بصوته القوي :- صباح الخير
حاولت ان ترد فلم تستطع .. ولكنه تابع بنبرة هادئة :- كيف تشعرين الآن ؟
أجبرت نفسها على النطق فخرج صوتها متحشرجا :- أفضل بكثير
تنحنحت لتسلك حنجرتها ثم سألت :- منذ متى وانت هنا ؟
لم يمنحها ردا .. بل انتقلت عيناه من وجهها إلى جسدها الرقيق .. لم تكن نظراته تشبه بأي طريقة نظرات صلاح الوقحة والمهينة .. ولكنها أحست بالانزعاج .. فتململت في وقفتها قائلة بعصبية :- ألن تجيب عن سؤالي ؟
قال اخيرا:- ما الذي تظنينه أنت ؟
توترت وحاولت ان تستوضح تلك المعلومة التي عرفتها منذ البداية ورفضت الاعتراف بها .. ثم ارتدت متفاجئة وهي تهتف :- لقد بقيت هنا طوال الليل
انتبهت في تلك اللحظة إلى الوسادة والبطانية الإضافية المكومتين بترتيب فوق أحد المقاعد .. قال بهدوء :-
:- ما كنت لأتركك وحدك بتلك الحالة .. ومع باب بقفل مكسور
مررت يدها بتلقائية عبر شعرها لسدله فوق ندبتها وهي تحاول السيطرة على ارتباكها .. لقد قضى الليلة هنا .. في شقتها .. لا يفصل بينهما سوى باب وجدار ..
لم تستطع احتمال فكرة مراقبته لها أثناء نومها عند دخوله لأخذ الوسادة والبطانية .. ثم تذكرت طلبها الطفولي منه بان يبقى .. فاحمر وجهها خجلا .. لا تستطيع لومه ما دامت هي من طلب منه البقاء .. صح ؟
لكم تتمنى أن تختفي ليلة الأمس من ذاكرتها إلى الأبد عل إحراجها يخف قليلا ..
تمتمت متلعثمة :- لم تكن .. ليس هذا .. كيف ..؟
قال بحزم لطيف :- أماني .. اهدئي .. لم يحدث شيء ليلة الامس
أحاطت جسدها بذراعيها وأخذت نفسا عميقا حاولت به تمالك أعصابها وهي تقول :- لم أقصد هذا .. كيف بررت غيابك لعائلتك .. لوالدتك .. هل ...
عضت شفتها السفلى حرجا مما حدث في الليلة الماضية .. فقال :- اختلقت حجة ما .. وقصة مناسبة عن سفر مفاجئ إلى العاصمة .. لن اتجول في المدينة ناشرا قصتك
قالت بتوتر :- أنا متأكدة بأنك لن تفعل .. أشكرك على اهتمامك .. فانت لم تكن مضطرا للتورط بكل هذا .. كما انني واثقة بان الأريكة لم تكن مريحة
طبعا .. مع ضخامته وطول ساقيه .. لابد ان ليلته كانت قاسية .. قال ساخرا :- لقد عرفت ليال أسوأ
نهض واقفا فتراجعت غريزيا إلى الخلف .. عبس للحظات مخطئا تفسير خوفها .. فقلقها كان من تأثير جاذبيته عليها والذي اكتشفته حديثا
قال بجفاف:- أنت آمنة معي تماما يا اماني
أطلقت ضحكة عصبية وهي تقول :- أعرف هذا .. ولكن التخلص من عادة قديمة ليس سهلا
نظر إليها بعطف فخشيت بأن يعلق .. ولكنه أخذ الأمر ببساطة وقال :-
:- قد ينعشك تناول بعض الطعام .. لقد سمحت لنفسي بإحضار ما يؤكل خاصة بعد اكتشافي خلو ثلاجتك من أي شيء صالح للأكل
نظرت إلى طاولة الطعام الصغيرة التي امتلأت بأصناف متعددة من الطعام .. وعندما دغدغت الرائحة الشهية أنفها أصدرت معدتها ذلك الأزيز المميز فعرفت بأنها جائعة حقا
تمتمت :- أشكرك .. لم تكن ...
قاطعها :- لم أكن مضطرا لفعل هذا .. ولكنني فعلته .. من الأفضل أن نبدأ بتناول الطعام قبل أن يبرد .. لست بحاجة إلى إخبارك بأن شقتك هذه أشبه بالثلاجة
جلست فجلس مقابلا لها .. ووضع في طبقها الذي سبق أن وضعه بنفسه مع باقي أدوات المائدة .. قطعة من الكروسان الساخن وبعض الفطائر .. شكرته ثم قالت ردا على كلامه :-
:- إنها باردة وخالية من وسائل التدفئة .. ولكنني اعتدت عليها
بدأت بتناول الطعام سعيدة بمذاقه الشهي .. لاحظت بانه لا يشاركها الأكل .. بل يراقبها بدقة وهو يقول :-
:- لا تنسي بأنني قضيت الليلة هنا .. وأعرف تماما كيف يصبح البرد لا يطاق بالليل
احمر وجهها وقد أحست بالحرج من اطلاعه على سوء وضعها .. قالت بلا مبالاة :-
:- لا استطيع تحمل تكلفة مكان أفضل في الوقت الراهن .. ولكنني سرعان ما سأبدأ بالبحث قريبا
قل ببطء وهو يراقب كل انفعال منها :- لن يكون هذا ضروريا ما دمت ستنتقلين للإقامة في منزلي .. بعد زواجنا
كادت تختنق بطعامها عندما استوعبت كلماته .. رفعت رأسها إليه محدقة في وجهه الخالي من التعبير وقالت بحذر :-
:- كلانا يعرف بان خطوبتنا مؤقتة .. وان لا زواج سيتم في النهاية
اعتدل قائلا بحزم :- ليس بعد ما حدث ليلة الامس .. لقد سمعت ما قلته لابن عمك .. زفافنا سيتم بعد أسبوعين
حدقت به مصدومة للحظات قبل ان تهب واقفة بعنف أدى إلى سقوط كرسيها على الأرض وارتطامه به بدوي قوي .. صاحت بحدة :- لابد انك قد جننت
نهض ببطء من كرسيه وقد لمعت نظرة تحذير في عينيه نبعتها إلى وقاحتها في مخاطبته .. ولكنها لم تبالي .. بل تابعت :- أنا لن اتزوج منك
قال بحزم :- بل ستفعلين يا اماني .. أعرف مدى كرهك للفكرة .. ولكنها الطريقة الوحيدة الكفيلة بإبعاد صلاح إلى الأبد .. لقد اكتشف زيف خطوبتنا .. و إن ادرك بانني لم اكن جادا بما قلته ليلة الامس جول زفافنا فسيعود أكثر جنونا .. خاصا مع احتمال علمه ببقائي هنا طوال الليل .. وفي المرة القادمة .. قد لا اكون موجودا لإيقافه
ارتعد جسدها للفكرة .. ولكن ذعرا من نوع آخر تصاعد داخلها لاحتمال ارتباطها بهذا الرجل بزواج شرعي .. ابتعدت عنه وهي تقول بانفعال :- انا لن اتزوج بك أو بأي رجل آخر .. أنا حتى لا أحبك .. أو أحتمل البقاء معك في مكان واحد .. لا تستطيع إجباري على القبول بك
كانت الهستيريا تتصاعد خلا كلماتها تدريجيا حتى علا صوتها عن الحد .. وأدى إلى قطع هشام المسافة بينهما ليمسك بذراعيها ليهزها قائلا بحدة :- هلا هدأت قليلا
انتزعت نفسها من بين يديه صارخة :- لا تلمسني
تراجعت حتى التصقت بالجدار .. تلاحقت أنفاسها بشكل ظهر واضحا مع اهتزاز صدرها صعودا وهبوطا
استعادت خلال لحظة تفاصيل معركتها الطويلة التي خاضتها لسنوات في سبيل استقلالها ومقاومتها لكل من حاول فرض نفسه على حياتها وتسييرها كما يشاء .. لم ينجح والدها بهذا .. ولم ينجح صلاح .. ولن تسمح لهشام أيضا بان يمتلكها .. قالت بصوت حمل كل ما تحمله داخلها من حقد اتجاه الرجال :- لن تستطيع إرغامي على الزواج بك
ارتعدت عندما لمحت غضبه يتصاعد .. ويفوح من كل عضلة منتفخة في جسده .. كان غاضبا من تمردها .. من رفضها وخوفها غير المبرر منه.. والاهم .. من الكراهية التي كانت تقطر من عينيها ..اقترب منها وهو يقول ببرود :-
:- انت لست مخيرة يا اماني .. أمامك طريقان لا غير كما تعرفين .. إما ان تمضي حياتك كلها هاربة من صلاح وخائفة من نواياه نحوك ومن ان ينال مأربه منك في احد الأيام .. وإما الزواج بي والتمتع بحمايتي ورعايتي لك .. حتى ييأس صلاح من مطاردتك .. فأي منهما تختارين ؟
هزت رأسها عاجزة عن الاختيار بين طريقين احلاهما مر .. ثم وجدت نفسها تصيح في وجهه يائسة :- أنا أكرهك
تشنج جسده وكسا وجهه برود شديد .. اقترب فأطلقت شهقة مكتومة عندما ارتعش جسدها بعنف متأثرا بقربه .. إذ لفحتها قوة لا مرئية صدرت عن كل قطعة ثائرة في جسده .. أغمضت عينيها بقوة عندما تقلصت المسافة بينهما حتى أحست بأنفاسه تلفح وجهها .. قال بعد لحظات :- انظري إلي يا أماني
وعندما لم تستجب له كرر آمرا :- انظري إلي
فتحت عينيها ورفعتهما لتقابلا عينيه .. كان غضبه قد اختفى ليحل محله شيء آخر .. ذلك الشيء الذي رأته دائما في عينيه دون ان تفهمه او تحبه ..
قال بخفوت :- أنت لا تكرهينني
ارتعد جسدها عندما تسلل همسه عبر أذنها ليهز مشاعرها ويشل أطرافها .. أزاحت عينيها عن وجهه لتصطدما بصدره الأسمر القوي الذي برز من بين أزرار قميصه المفتوحة .. وعندما شعرت بأحاسيسها تتكدس وتثقل على اعصابها .. صرخت بانهيار:- بل أكرهك .. وأكره كل مل يتعلق بك .. انت مبتز وانتهازي .. كان يجب ان اعرف بانك لا تختلف عنه البتة .. أنت نسخة مكررة منه
شهقت بعنف عندما أمسك وجهها بين سبابته وإبهامه بقسوة ليجبرها على النظر إليه .. ارتعدت عندما رأت عينيه الداكنتين مظلمتين بغضب شديد اخافها .. تشنجت عضلات وجهه واستحال فمه إلى خط رفيع أبيض اللون
تكلم أخيرا فكان صوته منخفضا .. ولكنه مختلف بفعل الغضب .. مما جعل جسدها يقشعر خوفا :-
:- لم تمنعك هوية أبي سابقا من قبول مساعدتي
منعتها الصدمة من أن تتفوه بأي كلمة توضيحا لكلامها .. فتح فمه وكاد يثول شيئا ولكنه ابتعد عنها فجأة .. تناول سترته ثم غادر المكان بصمت تام
أحست اماني ببرودة المكان تزداد بعد رحيله .. وفجأة .. الشقة الصغيرة والضيقة أصبحت واسعة وفارغة بشكل كئيب .. أحاطت نفسها بذراعيها لتوقف رعشة جسدها وهي تتذكر نظرة عينيه قبل ان يتركها ويرحل .. لقد سببت الألم دون ان تقصد للإنسان الوحيد الذي وقف إلى جانبها منذ وفاة والدها .. لم يترك لها حتى فرصة التراجع عما قالته أو توضيحه
لا .. هشام لا يستحق منها ابدا ردة الفعل العنيفة التي واجهت بها عرض الزواج .. فهو لم يدع الوقوع في حبها .. لم يسع لامتلاكها والتحكم بها .. أو حتى يحاول ان يلمسها .. كل ما اراده هو مساعدتها في الخلاص من صلاح إلى الأبد
صلاح الذي ما زال يشكل تهديدا خاصة بعد ان يعرف ببقاء هشام في شقتها طوال الليل .. وهي متأكدة بانه سيعرف هذا بطريقة ما .. ولكن .. هل يستحق الأمر ان تقبل بعرض هشام وتتزوج منه ؟
نظرت إلى المائدة العامرة بالطعام .. وابتعدت عنها وقد اختفت شهيتها للأكل .. تكومت فوق الأريكة التي قضى ليلته عليها .. فأحست برائحته ما تزال عالقة بها ... لا .. ليست رائحة عطره الثمين .. بل رائحة الصابون الممزوجة بماء ما بعد الحلاقة .. ورائحته الرجولية الخاصة التي تنفستها جيدا عندما كان قريبا منها للغاية منذ دقائق
ستفعل هذا الصباح كما امرها بالضبط وتبقى في البيت .. ولكن صباح الغد ستراه مجددا .. وتصلح الأمور بينهما مهما كلفها هذا غاليا
بين نارين
-=-=-=-=-=-=-=-
عندما فتحت اماني عينيها في صباح اليوم التالي .. كان اول ما أحست به هو الارهاق الشديد والرغبة في العودة إلى عالم النوم المريح والخالي من الهم .. حتى نبهتها حركة قادمة من خلف باب غرفتها المغلق .. في تلك اللحظة .. تذكرت كل ما حدث في الليلة السابقة فهبت من السرير بذعر وفكرة عودة صلاح تكاد تفتك بها .. ولكن باب الغرفة ظل مغلقا .. والحركة المكتومة والمتقطعة لم تتوقف .. تسللت نحو الباب وفتحت جزءا منه بحذر دون أن تصدر أي صوت .. وعندما ألقت نظرة عبره حبست أنفاسها وعجزت عن الاتيان بأي حركة
لقد كان هشام هناك .. جاثيا على إحدى ركبتيه امام باب الشقة الخارجي يحاول إصلاح قفله المكسور.. لم يكن وجود هشام في هذا الوقت المبكر من الصباح هو ما أثار اضطراب اماني .. بل مظهره المدمر بعد أن تخلى عن سترته .. وحل أزرار قميصه العليا حتى الصدر .. ورفع أكمامه حتى مرفقيه مبرزا عضلات ساعديه القوية
أحست بخفقات قلبها تتسارع امام جاذبيته الجسدية الطاغية رغم المسافة التي تفصل بينهما .. لطالما أدركت قوة بنيته حتى من خلال ملابسه الانيقة .. ولكنها أدركت الآن وخاصة عندما اعتدل واقفا ليدير المقبض مختبرا جودته .. مدى بدائية ووحشية تكوين جسده الرجولي الضخم .. كان طويلا للغاية .. ولم يكن الطول الفارع بالصفة النادرة بين رجال مدينتها .. ولكن أن يترافق طول قامته مع كمال وضخامة عضلات جسده المفتولة جعله يبدو بعيدا عن رجل الأعمال الانيق الطبع والملبس الذي عرفته دائما .. لقد بدا في هذه اللحظة أقرب إلى ذلك الشاب الذي لم يترك عملا شاقا ومهينا إلا وقام به كي يطعم نفسه وعائلته
انسحبت بهدوء مغلقة الباب خلفها . واستندت إليه بظهرها محاولة تهدئة خفقات قلبها المجنونة .. ما الذي أصابها ؟ .. لم تعتد أبدا على النظر إلى الرجال بهذه الطريقة المتفحصة والمقيمة .. حتى أثناء معرفتها لفراس .. لم تحتل جاذبيته الجسدية جزءا كبيرا من تفكيرها .. فهي بالكاد الآن تستطيع تذكر ملامح وجهه
تذكرت ما حدث ليلة الأمس والدعم الذي قدمه هشام لها .. لا يمكنها أن تتخيل ما كاد يحصل لو لم يصل في تلك اللحظة .. تكره الاعتراف بهذا .. ولكن ديونه عليها قد زادت كثيرا .. وما تخشاه هو ان يأتي ذلك اليوم الذي تصل فيه حاجتها إليه إلى حد المرض ..
تذكرت تعاطفه معها وتفهمه .. لقد تحدثت للمرة الاولى عما حدث بينها وبين والدها مع شخص غريب ببساطة وراحة .. وبدون تفكير .. والمصيبة أن رده عليها كان ما تحتاج إليه بالضبط
كلما زادت معرفتها به .. كلما أدركت مدى كمال صفاته ومثاليته .. إنه الرجل الذي ربط نفسه بها أمام الناس لينقذها من صلاح .. وينقذ سمعتها التي تلطخت في المدينة دون ان يطلب مقابلا لنفسه
وحتى الآن لم تر منه أي تصرف سيء ومعيب يثلج صدرها ويزيد من قناعتها بعدم وجود رجل يستحق احترامها
أخذت نفسا عميقا لتستعيد هدوئها .. ثم بدلت ملابسها استعدادا لمواجهته .. وعندما خرجت من غرفته أخيرا.. كانت تبدو أفضل وقد ارتدت سروالا من الجينز وكنزة رقيقة
رفع رأسه من خلف الجريدة التي كان يقرأها من حيث يجلس فوق الأريكة .. والتقت نظراتهما للحظات طويلة أشعرتها بالارتباك والرغبة بالعودة إلى غرفتها هربا من مشاعرها
قطع الصمت بصوته القوي :- صباح الخير
حاولت ان ترد فلم تستطع .. ولكنه تابع بنبرة هادئة :- كيف تشعرين الآن ؟
أجبرت نفسها على النطق فخرج صوتها متحشرجا :- أفضل بكثير
تنحنحت لتسلك حنجرتها ثم سألت :- منذ متى وانت هنا ؟
لم يمنحها ردا .. بل انتقلت عيناه من وجهها إلى جسدها الرقيق .. لم تكن نظراته تشبه بأي طريقة نظرات صلاح الوقحة والمهينة .. ولكنها أحست بالانزعاج .. فتململت في وقفتها قائلة بعصبية :- ألن تجيب عن سؤالي ؟
قال اخيرا:- ما الذي تظنينه أنت ؟
توترت وحاولت ان تستوضح تلك المعلومة التي عرفتها منذ البداية ورفضت الاعتراف بها .. ثم ارتدت متفاجئة وهي تهتف :- لقد بقيت هنا طوال الليل
انتبهت في تلك اللحظة إلى الوسادة والبطانية الإضافية المكومتين بترتيب فوق أحد المقاعد .. قال بهدوء :-
:- ما كنت لأتركك وحدك بتلك الحالة .. ومع باب بقفل مكسور
مررت يدها بتلقائية عبر شعرها لسدله فوق ندبتها وهي تحاول السيطرة على ارتباكها .. لقد قضى الليلة هنا .. في شقتها .. لا يفصل بينهما سوى باب وجدار ..
لم تستطع احتمال فكرة مراقبته لها أثناء نومها عند دخوله لأخذ الوسادة والبطانية .. ثم تذكرت طلبها الطفولي منه بان يبقى .. فاحمر وجهها خجلا .. لا تستطيع لومه ما دامت هي من طلب منه البقاء .. صح ؟
لكم تتمنى أن تختفي ليلة الأمس من ذاكرتها إلى الأبد عل إحراجها يخف قليلا ..
تمتمت متلعثمة :- لم تكن .. ليس هذا .. كيف ..؟
قال بحزم لطيف :- أماني .. اهدئي .. لم يحدث شيء ليلة الامس
أحاطت جسدها بذراعيها وأخذت نفسا عميقا حاولت به تمالك أعصابها وهي تقول :- لم أقصد هذا .. كيف بررت غيابك لعائلتك .. لوالدتك .. هل ...
عضت شفتها السفلى حرجا مما حدث في الليلة الماضية .. فقال :- اختلقت حجة ما .. وقصة مناسبة عن سفر مفاجئ إلى العاصمة .. لن اتجول في المدينة ناشرا قصتك
قالت بتوتر :- أنا متأكدة بأنك لن تفعل .. أشكرك على اهتمامك .. فانت لم تكن مضطرا للتورط بكل هذا .. كما انني واثقة بان الأريكة لم تكن مريحة
طبعا .. مع ضخامته وطول ساقيه .. لابد ان ليلته كانت قاسية .. قال ساخرا :- لقد عرفت ليال أسوأ
نهض واقفا فتراجعت غريزيا إلى الخلف .. عبس للحظات مخطئا تفسير خوفها .. فقلقها كان من تأثير جاذبيته عليها والذي اكتشفته حديثا
قال بجفاف:- أنت آمنة معي تماما يا اماني
أطلقت ضحكة عصبية وهي تقول :- أعرف هذا .. ولكن التخلص من عادة قديمة ليس سهلا
نظر إليها بعطف فخشيت بأن يعلق .. ولكنه أخذ الأمر ببساطة وقال :-
:- قد ينعشك تناول بعض الطعام .. لقد سمحت لنفسي بإحضار ما يؤكل خاصة بعد اكتشافي خلو ثلاجتك من أي شيء صالح للأكل
نظرت إلى طاولة الطعام الصغيرة التي امتلأت بأصناف متعددة من الطعام .. وعندما دغدغت الرائحة الشهية أنفها أصدرت معدتها ذلك الأزيز المميز فعرفت بأنها جائعة حقا
تمتمت :- أشكرك .. لم تكن ...
قاطعها :- لم أكن مضطرا لفعل هذا .. ولكنني فعلته .. من الأفضل أن نبدأ بتناول الطعام قبل أن يبرد .. لست بحاجة إلى إخبارك بأن شقتك هذه أشبه بالثلاجة
جلست فجلس مقابلا لها .. ووضع في طبقها الذي سبق أن وضعه بنفسه مع باقي أدوات المائدة .. قطعة من الكروسان الساخن وبعض الفطائر .. شكرته ثم قالت ردا على كلامه :-
:- إنها باردة وخالية من وسائل التدفئة .. ولكنني اعتدت عليها
بدأت بتناول الطعام سعيدة بمذاقه الشهي .. لاحظت بانه لا يشاركها الأكل .. بل يراقبها بدقة وهو يقول :-
:- لا تنسي بأنني قضيت الليلة هنا .. وأعرف تماما كيف يصبح البرد لا يطاق بالليل
احمر وجهها وقد أحست بالحرج من اطلاعه على سوء وضعها .. قالت بلا مبالاة :-
:- لا استطيع تحمل تكلفة مكان أفضل في الوقت الراهن .. ولكنني سرعان ما سأبدأ بالبحث قريبا
قل ببطء وهو يراقب كل انفعال منها :- لن يكون هذا ضروريا ما دمت ستنتقلين للإقامة في منزلي .. بعد زواجنا
كادت تختنق بطعامها عندما استوعبت كلماته .. رفعت رأسها إليه محدقة في وجهه الخالي من التعبير وقالت بحذر :-
:- كلانا يعرف بان خطوبتنا مؤقتة .. وان لا زواج سيتم في النهاية
اعتدل قائلا بحزم :- ليس بعد ما حدث ليلة الامس .. لقد سمعت ما قلته لابن عمك .. زفافنا سيتم بعد أسبوعين
حدقت به مصدومة للحظات قبل ان تهب واقفة بعنف أدى إلى سقوط كرسيها على الأرض وارتطامه به بدوي قوي .. صاحت بحدة :- لابد انك قد جننت
نهض ببطء من كرسيه وقد لمعت نظرة تحذير في عينيه نبعتها إلى وقاحتها في مخاطبته .. ولكنها لم تبالي .. بل تابعت :- أنا لن اتزوج منك
قال بحزم :- بل ستفعلين يا اماني .. أعرف مدى كرهك للفكرة .. ولكنها الطريقة الوحيدة الكفيلة بإبعاد صلاح إلى الأبد .. لقد اكتشف زيف خطوبتنا .. و إن ادرك بانني لم اكن جادا بما قلته ليلة الامس جول زفافنا فسيعود أكثر جنونا .. خاصا مع احتمال علمه ببقائي هنا طوال الليل .. وفي المرة القادمة .. قد لا اكون موجودا لإيقافه
ارتعد جسدها للفكرة .. ولكن ذعرا من نوع آخر تصاعد داخلها لاحتمال ارتباطها بهذا الرجل بزواج شرعي .. ابتعدت عنه وهي تقول بانفعال :- انا لن اتزوج بك أو بأي رجل آخر .. أنا حتى لا أحبك .. أو أحتمل البقاء معك في مكان واحد .. لا تستطيع إجباري على القبول بك
كانت الهستيريا تتصاعد خلا كلماتها تدريجيا حتى علا صوتها عن الحد .. وأدى إلى قطع هشام المسافة بينهما ليمسك بذراعيها ليهزها قائلا بحدة :- هلا هدأت قليلا
انتزعت نفسها من بين يديه صارخة :- لا تلمسني
تراجعت حتى التصقت بالجدار .. تلاحقت أنفاسها بشكل ظهر واضحا مع اهتزاز صدرها صعودا وهبوطا
استعادت خلال لحظة تفاصيل معركتها الطويلة التي خاضتها لسنوات في سبيل استقلالها ومقاومتها لكل من حاول فرض نفسه على حياتها وتسييرها كما يشاء .. لم ينجح والدها بهذا .. ولم ينجح صلاح .. ولن تسمح لهشام أيضا بان يمتلكها .. قالت بصوت حمل كل ما تحمله داخلها من حقد اتجاه الرجال :- لن تستطيع إرغامي على الزواج بك
ارتعدت عندما لمحت غضبه يتصاعد .. ويفوح من كل عضلة منتفخة في جسده .. كان غاضبا من تمردها .. من رفضها وخوفها غير المبرر منه.. والاهم .. من الكراهية التي كانت تقطر من عينيها ..اقترب منها وهو يقول ببرود :-
:- انت لست مخيرة يا اماني .. أمامك طريقان لا غير كما تعرفين .. إما ان تمضي حياتك كلها هاربة من صلاح وخائفة من نواياه نحوك ومن ان ينال مأربه منك في احد الأيام .. وإما الزواج بي والتمتع بحمايتي ورعايتي لك .. حتى ييأس صلاح من مطاردتك .. فأي منهما تختارين ؟
هزت رأسها عاجزة عن الاختيار بين طريقين احلاهما مر .. ثم وجدت نفسها تصيح في وجهه يائسة :- أنا أكرهك
تشنج جسده وكسا وجهه برود شديد .. اقترب فأطلقت شهقة مكتومة عندما ارتعش جسدها بعنف متأثرا بقربه .. إذ لفحتها قوة لا مرئية صدرت عن كل قطعة ثائرة في جسده .. أغمضت عينيها بقوة عندما تقلصت المسافة بينهما حتى أحست بأنفاسه تلفح وجهها .. قال بعد لحظات :- انظري إلي يا أماني
وعندما لم تستجب له كرر آمرا :- انظري إلي
فتحت عينيها ورفعتهما لتقابلا عينيه .. كان غضبه قد اختفى ليحل محله شيء آخر .. ذلك الشيء الذي رأته دائما في عينيه دون ان تفهمه او تحبه ..
قال بخفوت :- أنت لا تكرهينني
ارتعد جسدها عندما تسلل همسه عبر أذنها ليهز مشاعرها ويشل أطرافها .. أزاحت عينيها عن وجهه لتصطدما بصدره الأسمر القوي الذي برز من بين أزرار قميصه المفتوحة .. وعندما شعرت بأحاسيسها تتكدس وتثقل على اعصابها .. صرخت بانهيار:- بل أكرهك .. وأكره كل مل يتعلق بك .. انت مبتز وانتهازي .. كان يجب ان اعرف بانك لا تختلف عنه البتة .. أنت نسخة مكررة منه
شهقت بعنف عندما أمسك وجهها بين سبابته وإبهامه بقسوة ليجبرها على النظر إليه .. ارتعدت عندما رأت عينيه الداكنتين مظلمتين بغضب شديد اخافها .. تشنجت عضلات وجهه واستحال فمه إلى خط رفيع أبيض اللون
تكلم أخيرا فكان صوته منخفضا .. ولكنه مختلف بفعل الغضب .. مما جعل جسدها يقشعر خوفا :-
:- لم تمنعك هوية أبي سابقا من قبول مساعدتي
منعتها الصدمة من أن تتفوه بأي كلمة توضيحا لكلامها .. فتح فمه وكاد يثول شيئا ولكنه ابتعد عنها فجأة .. تناول سترته ثم غادر المكان بصمت تام
أحست اماني ببرودة المكان تزداد بعد رحيله .. وفجأة .. الشقة الصغيرة والضيقة أصبحت واسعة وفارغة بشكل كئيب .. أحاطت نفسها بذراعيها لتوقف رعشة جسدها وهي تتذكر نظرة عينيه قبل ان يتركها ويرحل .. لقد سببت الألم دون ان تقصد للإنسان الوحيد الذي وقف إلى جانبها منذ وفاة والدها .. لم يترك لها حتى فرصة التراجع عما قالته أو توضيحه
لا .. هشام لا يستحق منها ابدا ردة الفعل العنيفة التي واجهت بها عرض الزواج .. فهو لم يدع الوقوع في حبها .. لم يسع لامتلاكها والتحكم بها .. أو حتى يحاول ان يلمسها .. كل ما اراده هو مساعدتها في الخلاص من صلاح إلى الأبد
صلاح الذي ما زال يشكل تهديدا خاصة بعد ان يعرف ببقاء هشام في شقتها طوال الليل .. وهي متأكدة بانه سيعرف هذا بطريقة ما .. ولكن .. هل يستحق الأمر ان تقبل بعرض هشام وتتزوج منه ؟
نظرت إلى المائدة العامرة بالطعام .. وابتعدت عنها وقد اختفت شهيتها للأكل .. تكومت فوق الأريكة التي قضى ليلته عليها .. فأحست برائحته ما تزال عالقة بها ... لا .. ليست رائحة عطره الثمين .. بل رائحة الصابون الممزوجة بماء ما بعد الحلاقة .. ورائحته الرجولية الخاصة التي تنفستها جيدا عندما كان قريبا منها للغاية منذ دقائق
ستفعل هذا الصباح كما امرها بالضبط وتبقى في البيت .. ولكن صباح الغد ستراه مجددا .. وتصلح الأمور بينهما مهما كلفها هذا غاليا
