رواية واشرقت في القلب بسمة الفصل العشرين 20 بقلم الكاتبة شموسة
الفصل العشرون
دلكت سوسو جبينها بحرج شديد تشعر بأنها على وشك الإغماء ثم قالت بما اتفقا عليه هي وغنيم " كامل قابلها قبل عدة شهور حينما زار قرية الباشمهندس مفرح صديقه وابن عمتها فأعجب بها وطلبها للزواج واكتشفنا صباح اليوم هذه الصدفة الغريبة"
كانت إلهام لا تزال تتبادل النظرات مع بسمة فتحركت بدون وعي تتجاوز سوسو نحو بسمة التي استقامت واقفة مترقبة ترفع ذقنها بخيلاء وهي تشاهد إلهام تقترب وخلفها بانة وسوسو التي سقط قلبها بين قدميها ولم تدر ماذا سيحدث وكيف سينتهي هذا الموقف المحرج بينما وقفتا أم هاشم ومليكة بجوار صاحبتهما تدعماها بعد أن أخبرتهما من تكون .
بعينين مغرغرتين بالدموع اقتربت إلهام وقالت بحشرجة "بسمة"
قاومت بسمة شعورها بالتأثر لرد فعل إلهام وازداد تقبض يديها إلى جانب جسدها بينما تطلعت إلهام فيها بتدقيق تقول" كيف حالك يا بنيتي؟"
ردت بسمة باقتضاب تشعر بالحنين لهذه المرأة الطيبة" بخير الحمد لله "
تطلعت إلهام في فستانها وأناقتها وكأنها تحاول استيعاب ما يحدث ثم قالت وقد سالت دموعها "مبارك يا بسمة والله هذا يوم سعد وفرحة (واقتربت منها تحضنها بعاطفة صادقة ) مبارك يا حبيبتي ألف حمد وشكر لك يا رب "
قالتها بامتنان حقيقي فقد كانت تشعر بغصة كلما تذكرت أن ابنتها أخذت مكانها .. قد تكون بخبرتها في الحياة تعلم أنها قسمة ونصيب لكنها أيضا بخبرتها تعلم كيف يكون الطلاق نقمة في حياة بعضهن ..فكانت تحمل همها وتدعو لها .. كلما وجدت ابنتها سعيدة تدعو لها بأن تحظى بنفس السعادة ..ومن وقت لأخر كانت تسأل سيد عنها سرا متمنية أن تسمع عنها أخبارا سعيدة .
حافظت بسمة على تماسكها في حضن إلهام رغم شعورها بالتأثر بينما خرج كامل من باب الفيلا وتعرف على إلهام وبانة فتقبض بقوة وهو يقترب .
أبعدتها إلهام وأخذت تتأملها قائلة " لا تعلمي كم أنا سعيدة لأني رأيتك واطمأننت عليك .. ربي وحده شاهد أني كنت أدعو لك في صلاة الفجر أن يعوضك خيرا ويراضيك "
رسمت بسمة ابتسامة متسعة بمجرد أن لمحت كامل وردت بلهجة خرجت استعراضية رغما عنها وكأنها تداري جرحا "الحمد لله ربي عوضني بأكثر مما أتمنى"
لم يغفل عن كامل لهجتها الاستعراضية المزيفة كابتسامتها لكنه اقترب بهدوء يقول "السلام عليكم"
رفعت إلهام نظراتها إليه وقالت بسعادة "ألف مبروك يا ولدي احسنت الاختيار"
بلهجة مقتضبة حاول أن يلطف من حدتها رد كامل" بارك الله فيك يا خالتي "
فاجأته بسمة بمجرد أن اقترب بأن تأبطت ذراعه بكلتا يديها ونفس الابتسامة المزيفة الواسعة لاتزال تزين وجهها فأفلت كامل ذراعه منها ولفه حول ظهرها يضمها إليه بطريقة أكثر استعراضية في الظاهر وأكثر دعما في حقيقتها رغم مرارة الشعور الذي سيطر عليه لحظتها بينما تأملتها إلهام بكليتها من جديد وقالت بصدق "بسم الله ما شاء الله ربي وهبك جمالا يزداد عاما بعد عام يا بنيتي ..أدام عليك جمال وجهك وخُلقك "
كانت كلماتها مؤثرة بشدة لبسمة فتشبثت بطرف حلة كامل تقول بحرج "بارك الله لك يا خالتي"
تكلمت بانة أخيرا وقد بدأت في استيعاب المفاجأة "مبارك لك يا بسمة "
انتبهت بسمة لوجودها فغمغمت بهدوء "أشكرك يا بانة "
توجهت بانة لكامل تقول بلهجة مجاملة "مبارك يا كامل "
رد كامل بلهجة مقتضبة" شكرا لك "
هذه الثانية من المجاملات المتبادلة بين كامل وبانة أمامها أزعجت بسمة بشدة .. و تذكرت مشهد المشاجرة وسببها فلم تكن تدقق من قبل في هذا الأمر لكنها فجأة شعرت بنار تتقد في صدرها واستدارت تتطلع في وجه كامل الذي كان غامضا متحفظا بينما قالت إلهام وهي تترك العروسين" مبارك مرة أخرى تمم الله لكما على خير"
شعرت سوسو بالراحة وهي تتحرك معها هي وبانة لتبارك لشامل وعروسه وإلهام لا تزال تقول" نعم البنات اخترتم والله يا سوسو هانم "
استأذنت مليكة وأم هاشم لتعودا لمجلسهما لتتركا بسمة مع عريسها في الوقت الذي أبعدت بسمة نفسها عن كامل الذي تركها تفلت دون مقاومة لكن مزاجه وشعوره بالغيرة كانا أكثر منها بكثير .
جلست في صمت وهي لا تزال تختلس النظرات لبانة وتدقق فيها لاعنة هذا الحظ الذي يكرر فعلته معها وتساءلت ..
هل كانت بانة حبا حقيقيا لكامل؟! ..
أهي صاحبة القصيدة التي نسيها كامل في بيت الجد صالح؟
هل لا يزال يذكرها ؟
هل ستعيد الكَرّة مرة أخرى ؟
"يا ويلك يا بسمة .. يا ويلك .. أنت أخترت نهايتك بيدك هذه المرة .. كنت تعتقدين بأنك أصبحت حذقة وذكية.. بل أنت غبية .. ساذجة .. ضعيفة .. اخترت بمشاعرك .. اختيارك لكامل لم يكن لأنه الأكثر منطقية بل لأن مشاعرك تدخلت في هذا الاختيار .. وها أنت قد وضعت نفسك في منافسة أخرى يا بنت الوديدي "
قالتها بسمة لنفسها بضيق شديد بينما جلس كامل متقبضا بجوارها يتابع الحفل .
في ناحية أخرى من الحديقة كان رامز يتتبع خطوات شمس سماحة التي ترتدي فستانا بدون أكمام من قماش الساتان الكحلي المنقوش برسوم وردية اللون ومذيل بإطار عريض من الساتان الوردي ويحيط خصرها حزام وردي اللون به وردتان مع حذاء وردي كلاسيكي يناسب عمرها وبدون كعب .
وكعادته كان رامز صامتا منزويا يكتفي بعلاقات سطحية ومتباعدة عن الجميع سواء من أهل بلده أو من أهل البلد الذي يقيم فيه فبعد أن هنأ العريسين .. أخذ يلهو مع شمس التي كانت تدور حول نفسها لتنفش تنورة الفستان ثم تقع فيضحك رامز ويساعدها على الوقوف لتكرر الكَرّة مرة أخرى .
من بعيد لمحته أم هاشم فلكزت مليكة قائلة بطريقتها المازحة "اللهم صل على النبي .. من رأيتهم في هذا الحفل من شباب مثل الورد في كفة ومحطم قلوب العذارى هذا في كفة أخرى .. ما هذا الذي أراه !.. هل دعوا نجوم السينما إلى الحفل؟"
كتمت مليكة ضحكتها وقالت" اخرسي يا أم هاشم ستفضحيننا"
ردت أم هاشم بحنق " وما ذنبي أن هذا الحفل ملغم بما يجلب الذنوب ( وكسرت نظرتها المدققة فيه بصعوبة وهي تقول ) استغفر الله العظيم لماذا لا يراعون حينما يطلون بوسامتهم هذه القلوب الصغيرة مثل قلبي الذي لا يحتمل "
ربتت مليكة على فخذها تقول بلطف "بل قلبك كبير وعظيم يا حبيبتي "
غمغمت الأخرى بصوت عال تسأل نفسها "ترى هل يحب محطم قلوب العذارى هذا ..الباذنجان الأسود؟! "
ابتسمت مليكة دون رد وعادت بنظراتها مدققة في بسمة وكامل اللذيّن يجلسان بصمت وقد بديا متوترين بينما ونس وشامل في المقعدين المجاورين يتحدثان مع مفرح .. فجالت بنظراتها تبحث عن الولدين فوجدتهما قد اندمجا مع صبي وصبية أخرين من المدعوين ..
خارج بوابة الفيلا ترجل أحمد سماحة من سيارته ينفخ بغيظ فلم يستطع أن يتحمل وجود بانة وحدها في الحفل بعد أن تنازل أمام كلمة والده الذي لم يوافق على اعتذار بانة عن الحضور .. لقد تركها تذهب معهم لكنه لم يستطع تحمل فكرة أن تكون وحدها هناك أمام كامل نخلة بدونه فضغط على نفسه للحضور .
عدل من سترة حلته الصيفية الأنيقة على بنطال من الجينز الأسود ودخل من بوابة الفيلا تعلو وجهه علامات القرف.. فاستقبلته شمس الواقفة مع خالها تقول بترحيب وهي تجري نحوه" أحمد"
مال يستقبلها بين ذراعيه ويرفعها ليحملها على ذراعه ثم سأل رامز بوجه ممتعض" هل الأمن مستتب؟"
رد رامز ببرود مناكفا" وهل تتوقع أن يكون غير ذلك وأنا موجود معهم !"
سأله أحمد بامتعاض "ولمَ لا تجلس بجوار أختك وتتركها وحدها ؟"
رفع رامز حاجبا ورد باستنكار " وهل أحضرتها معي للحفل لأقف عليها حارسا !.. بناتنا يا باشمهندس أحمد الواحدة منهم بمائة رجل وأنت تعرف ذلك جيدا"
رغم تيقنه مما يقول رامز لكنها الغيرة اللعينة التي تجعله يتصرف بغباء أحيانا فقال بامتعاض وهو يتركه مبتعدا" متفزلك مثل أختك .. الآن عرفت من أين تشبعت بالفزلكة"
راقبه رامز وهو يبتعد وزينت شفتيه ابتسامة ثم أسرع يشعل سيجارة في عدم وجود شمس .
تفاجأت بانة بوجود أحمد ورغم جمود ملامحها إلا أن وجنتاها تخضبتا بشكل واضح وهي تراه يسلم على العم غنيم مباركا وهو يحمل شمس على ذراعه .
بعد دقائق اقترب منها وألقى سلاما مقتضبا ثم جلس بجوارها يضع شمس على المقعد بينهما .. فردت هي وأمه السلام بينما حدجها بطرف عينيه وهو يسألها" كيف الحال؟"
ردت بهدوء "الحمد لله"
نزلت شمس من فوق المقعد وتركتهما لتعود للعب بينما سألته بانة" لماذا حضرت ؟"
وضع أحمد ساقا فوق الأخرى وفرد ذراعه على ظهر مقعدها ثم مال بوجهه يقول بهمس متطلعا في وجهها الأبيض وحجابها البني "وهل كنت تتوقعين أن أتركك أمام عينيه .. جئت قناصا للعيون التي من الممكن أن تنظر إليك "
لم تستطع التحكم في الضحكة التي زينت وجهها وأسرعت بالإشاحة بوجهها تداريها ..فارتعش قلب أحمد ثم غمغم وهو ينفض غبارا من فوق ركبته" اشرقت الأنوار يا فندم .. فقد كانت سماءنا غائمة بهرمونات النكد خلال اليومين الماضيين"
عادت تنظر إليه وتقول باستنكار " أنا نكد يا أحمد؟!!!"
رد باستنكار مماثل "هل تقصدين بأني سبب النكد!!.. (ونظر لبطنها) الحمد لله لست منفوخا بالهرمونات مثلك لأكون نكدا"
غمغمت بتهكم" لاااااا أنت بالذات كالنسمة في يوم ربيعي "
قال ببرود وهو يرفع طرف حجابها فوق كتفها" احمدي ربك إذن على النسمة التي تعيشين معها"
قهقهت بانة رغما عنها وضربت كفيها ببعضهما متعجبة فشاركها أحمد الابتسام قبل أن يتطلع حوله في الحفل ويدقق في العريسين اللذين كانا أخر اهتماماته عند وصوله .. ثم توقفت عيناه عند بسمة وعقد حاجبيه مدققا فردت بانة على السؤال قبل أن يسأله " هي من تظن "
نظر إليها متسع العينان فأضافت" هي بسمة طليقة سيد"
عاد أحمد ليتطلع فيها ثم قال بعدم تصديق" كيف حدث هذا ؟؟؟؟!!"
ردت بانة" سأخبرك بما عرفناه"
أخذ شامل وونس يرقصان من جديد على دقات الطبول وانضم لهما شباب ورجال جاليته ليؤدوا رقصتهم المشهورة فتحرك شامل يسحب أخيه وحاول مع بسمة التي اعتذرت فاكتفى بسحب كامل للاصطفاف بجوار الراقصين واقترب من رامز المتابع بهدوء وسحبه هو الأخر وسيجارته ليصطف معهم وبدأوا جميعا يؤدون رقصتهم على أنغام الطبول .
وقفت ونس تراقبهم سعيدة بينما راقبت بسمة كامل وهو يرقص معهم في الوقت الذي تعلقت عيني بانة بأخيها الذي يشاركهم الرقص والسيجارة معلقة بشفتيه .
تحركت أم بسمة من مقعدها الذي تجلس عليه منذ حضورها بجوار اخواتها البنات وزوجات أخوتها اللاتي حضرن معها واقتربت من بسمة والسعادة لا تسعها فناظرتها الأخيرة وابتسمت .
جلست أمها مكان كامل وقالت وهي تمسك بيدها دامعة العينان" فليكتب لك الله السعادة يا بسمة يا بنت بطني"
ربتت بسمة على يد أمها .. فسألتها أمها بفضول" من هذه المرأة التي كانت تسلم عليك بحرارة قبل قليل ؟ "
لم يكن لدى بسمة مزاج للشرح خاصة وأن أمها لم تقابل إلهام من قبل فقالت هاربة" لا تشغلي بالك يا أمي معرفة قديمة "
وعادت عيناها تتعلقان بكامل لترى إن كان ينظر لبانة أم لا .. ورغم أنه لم يكن يفعل أو يهتم كما بدا أمامها لكن نار الغيرة بدأت تأكل فيها بشكل غير مسبوق وتساءلت ..
أيفعل كل هذا ليثبت لبانة أنه سعيد بدونها!.
حاول شامل سحب مفرح الذي يقف بجوار مليكة حتى يشاركهم رقص بلدهم لكن الأخير رفض بحرج رفضا باتا .. فعاد شامل للرقص هو وونس التي كانت قد حفظت الخطوات رغم عدم متابعتها للإيقاع بشكل دقيق بينما انخرط وليد في الرقص مع الشباب مقلدا ما يفعلونه وهو يضحك .. فراقبته مهجة بابتسامة ارتسمت على شفتيها رغما عنها معترفة بأنه سعيد اليوم بشكل واضح وقد اندمج وتآلف مع معارف كامل وشامل بسهولة .
بعد قليل دخلت من بوابة الفيلا تسونامي التي عادت من الخارج للتو لتتفاجأ بالعرس.. وبمجرد أن رأت العريسين اللذين جلس كل منهما ليرتاح من الرقص بجوار عروسه اقتربت تصيح بصوت عال لفت انتباه الجميع" ألف ألف مبروك يا شباب والله هذا يوم سعد وهناء لماذا لم تخبروني؟ "
اتسعت عيون التوأمين وتبادلا النظرات المندهشة بينما لفتت تسونامي أنظار الجميع بصوتها العالي ولبسها الملتصق بجسدها ترتدي تنورة قصيرة فوق الركبة مشقوقة من أحد الجوانب وبلوزة بدون أكمام ملتصقة بجسدها ومفتوحة بشكل مبالغ فيه من عند الصدر.. وشعرها الأشقر المصبوغ مفرودا على ظهرها .
نظرت الأخيرة لسوسو تضيف" ألف مبروك يا سوسو هانم لماذا لم تخبروني حتى أقوم بالواجب؟!"
ناظرتها سوسو من رأسها حتى أخمص قدميها وتطلعت في الموجودين بحرج شديد بينما قالت تسونامي "وبرغم هذا أنا بنت أصول ولن أفوت هذه المناسبة بدون أن أجاملكم في حفلكم .. سأتبرع برقصة للعرسان مجانا هدية مني لجيراني وخاصة غنيم بك "
كتم التوأمان الضحك بينما ناظرت سوسو غنيم باستنكار فتنحنح الأخير محرجا .
بحثت حولها تقول" أين مصدر السماعات أريد أغنية لأرقص عليها .. صابر الرباعي وعمرو دياب وهذه النوعية لن تسلطن خصر الراقصة تسونامي "
تطوع أحد الشباب الموجودين يساعدها في اختيار أغنية من هاتفه تصلح للرقص فوقع اختيار تسونامي على أغنية ( شيك شاك شوك ) ليسرع الشاب بتوصيل هاتفه بالسماعات بينما ناظرت ونس شامل بنظرة غاضبة جعلته يرفع يديه أمامها يقول ببراءة "أقسم بالله ليس لي بها أية علاقة إنها جارتنا"
بينما جلست بسمة تهز ساقها بعصبية وهي تتطلع بقرف في تفاصيل تسونامي التي بدأت في الرقص .
وضع كامل يده على ركبتها فناظرته باستنكار ليقول "اهدئي .. كيف لعروس أن تهز ساقها بهذه العصبية في حفل عرسها!!"
أوقفت هز ساقها لكنها قالت بغيظ "يبدو أن معارفك النسائية كثيرة يا أستاذ كامل "
رد كامل بهدوء "أنا الحقيقة لا أعرف من تقصدين بمعارفي النسائية الكثيرة .. لكن أتوقع أن هذا ليس المكان أو الزمان للحديث عن تلك الأمور .. ( واستدار إليها يقول بلهجة ذات مغزى ) أم أن هناك شيء أخر يزعجك إلى هذه الدرجة؟!"
سألته بتحفز "ماذا تقصد؟"
كانت عيناها الفيروزيتين تناظرانه بغضب فجز على أسنانه وأشاح بوجهه يقول باقتضاب" لا شيء"
قالها وشرد في معاناته الخاصة .. لم يكن يتوقع أن يفسد هذا اليوم بهذا الشكل .. كان يتوقع بأن صراعاته ومواجهته لماضيها سيؤجل بعض الوقت لم يكن يعلم بأنه سيكون لحوحا لمواجهته بهذه السرعة .
ظلت تسونامي تهتز وترقص في وسط الحديقة وتتحرك نحو شامل وكامل وتولي ظهرها وتميل نحوهما راقصة .. فغمغمت مليكة من وقفتها في ركن الحديقة "لا حول ولا قوة إلا بالله !"
دارى مفرح ابتسامة شقية ارتسمت على ثغره وكسر نظراته عن تسونامي بحرج ثم لكز مليكة يشير لها بمقلتيه على ولديه اللذان وقفا يتابعان تسونامي بفاهين فاغرين ووجنتين حمراوين ..فهمت مليكة بزجرهما للكف عن التطلع فيها لكن مفرح أوقفها يطلب منها ألا تضخم الموضوع .
قالت بهمس" ألا ترى كيف يحدقان فيها؟!!"
قال مفرح مازحا "أتركيهما الآن فهما يتلقيان صدمة حضارية"
في التفاتها وشعرها الطويل يرقص معها في الهواء لمحت تسونامي مفرح وتذكرته فاقتربت منه بخطوات راقصة وتجاوزت ولديه ثم وقفت ترقص أمامه وتميل عليه .. فشعر مفرح بحرج شديد بينما اتسعت عيني ولديه وهما يلويان عنقيهما يتابعان ما يحدث في الوقت الذي اتسعت فيه عينا مليكة بصدمة ومررت أنظارها بين تسونامي ومفرح الذي وقف محرجا وعيناه تختلسان النظر لمليكة التي ناظرت تسونامي باستهجان وغضب ..فتحركت الأخيرة تعود لمنتصف الحديقة بينما ظل مفرح محاصرا بنظرات مليكة وولديه فهتف باستنكار "لماذا تنظرون إلي هكذا والله لا أعرفها"
تخصرت مليكة تقول باستهجان "ولماذا قطعت تلك المسافة إليك أنت بالذات؟!!"
غمغم لها بلهجة متوارية عن ولديه" وسامتي جذبتها بالتأكيد .. هل أنت متزوجة من رجل عادي !"
ظلت تناظره بعينين تطلقان الشرر .. فتمنى لو استطاع أن يلتهم شفتيها المزمومتين الشهيتين أمامه في الوقت الذي سأل فيه إياد مستهبلا" لماذا تهتز هكذا بجسدها يا أبي!"
هدرت مليكة فيه موبخة" أخرس يا ولد وكف عن الوقاحة"
ضحكات مكتومة صدرت من مفرح وولديه ثم عاد الأخيران يراقبان تسونامي ورقصها ليميل إياد على أخيه ويقول بصوت وصل لمليكة ومفرح جيدا "رأينا راقصة حقيقية يا أدهم .. (وأخرج هاتفه يقول ضاحكا) سأخبر أصدقائي على الواتساب "
ناظرت مليكة مفرح تطلب منه التدخل فحاوطها بذراعه يلصقها به قائلا بهدوء "مرري الأمر الآن ولا تدققي عليه وسأتحدث معهما فيما بعد أعدك "
على بعد خطوات سحبت بانة انظارها عن رامز الذي وقف بجوار البوابة يدخن كعادته وعيناه تراقبان رقص تسونامي ثم نظرت حولها تسأل حماتها بجزع" أين شمس يا أمي؟"
ردت إلهام وهي تنظر إلى يمينها حيث الناحية الأخرى من الحديقة" لا تقلقي إنها أمامي أتابعها بأنظاري "
عادت بانة لأحمد الذي يتابع تسونامي بأنظاره وملامح غامضة على وجهه فسألته باستنكار" إلام تنظر ؟"
انتبه أحمد ورد ببراءة مصطنعة" أنا ؟؟"
أكدت له تهز رأسها "أجل أنت"
أختلس نظرة جانبية لتسونامي ثم عاد ينظر إليها قائلا بنفس البراءة "أنا كنت أنظر أمامي"
قالت باستهجان "تقصد كنت تنظر إلى تلك الراقصة"
رد مجادلا" لا .. أنا كنت أنظر أمامي وهي جاءت في مجال نظري "
قالت بتوبيخ "فكنت تنظر إليها!"
رد ببراءة مصطنعة " يا بنت الحلال كنت أنظر أمامي فحسب .. هل سأرفع أنظاري للسماء وأنا جالس ..أم ناحية اليسار إلى حيث البوابة .. هي من جاءت أمامي"
أمسكت بذقنه لينظر ناحيتها وقالت بغيظ "بل لليمين يا أحمد تنظر إلى اليمين"
غمغم بمغازلة " وهل هناك أحلى من اليمين وأهل اليمين !"
اقتربت تسونامي من شامل تميل عليه فعاد بجذعه للخلف في جلسته بجوار ونس التي تخصرت وناظرت الأخرى شذرا فغمزت لها تسونامي بتسلي وابتعدت إلى حيث يجلس كامل.
ناظرت ونس شامل بغيظ فقال بهدوء "صدقيني لا نعرفها مجرد جارة تتطفل عليّ أنا وأخي وفوجئنا بحضورها اليوم "
ضيقت عينيها فلف ذراعه حولها يقول بمناغشة وهو ينظر ليديها" هذه أول مرة أرى في حياتي نقوش حناء ملونة "
رفعت ذقنها بكبرياء ثم مدت يدها لجيب سترته الداخلي وسحبت هاتفه تكتب عليه "أنا شجعت صاحبة الصالون على أن تجربها معي فبعض العرائس لم يكن لديهن الجرأة لتجربة الجديد "
أخذ منها شامل الهاتف ليقرأ ثم قال بإعجاب واضح "الحقيقة شكلها رائع جدا (ثم اقترب من أذنها حتى لا يضطر لتعلية صوته مع الموسيقى وسألها بشقاوة ) وهل يدك فقط التي رسمتي عليها بهذه الحناء الملونة "
تابع مبتسما تدرج احمرار وجهها قبل أن تميل للأمام قليلا وتخبئ وجهها بكفيها فاتسعت ابتسامته وغمغم وهو يعيد الهاتف لجيب سترته الداخلي " هانت إن شاء الله وسأعرف الإجابة بنفسي ( ونظر في ساعته مغمغما ) لماذا طال هذا الحفل لا أعرف! "
أما العروسان الأخران فكانت بسمة تشيح بوجهها بعيدا عن تسونامي وهي تهز ساقها بعصبية بينما كامل يقابل ميوعة الأخيرة أمامه بوجه بارد متعالٍ جعلها تعود لأدراجها في وسط الحديقة بعد قليل .
على ناحية أخرى كانت أم هاشم تقف على بعد خطوتين من مليكة تترك لها بعض المساحة مع زوجها حينما اقترب منذ قليل ليقف بجانبها .. فوقفت أم هاشم تتطلع في تسونامي تارة وتختلس النظر لرامز تارة أخرى.. ليس فقط لأنه أوسم شاب في الحفل ولكن أيضا لأنها تستشعره وحيدا مهموما مثلها ..
كان الشعور بالوحدة يسيطر عليها بشدة .. فما أصعب أن تسافر أو تحضر مناسبة وحدك دون رفيق أو صاحب .. إنها ملتصقة بمليكة معظم الوقت لكنها تضطر للابتعاد بمجرد أن يقترب زوجها فتلح عليها الوحدة بشدة .
عادت تنظر لتسونامي التي أوشكت على أن تنهي فقرتها الراقصة وغمغمت بصوت عال "والله لا أرى أي رقص لكنها كمن تمسك بسلك كهرباء عاري فترتعش "
ردت إلهام التي كانت تجلس في المقعد المجاور لوقفتها مؤمنة على كلامها" صدقت والله "
ابتسمت أم هاشم وأضافت وهي ترى تسونامي قد أنهت فقرتها وتحيي الحاضرين "انتهت فقرة المغص الكلوي الحمد لله "
ضحكت إلهام ورفعت أنظارها نحوها تقول "أسعدك الله أنت خفيفة الظل "
ابتسمت أم هاشم ولم تعقب فسألتها إلهام بفضول "من طرف أي عروس أنت ؟"
ردت أم هاشم بهدوء" صاحبة العروس بسمة "
ابتسمت إلهام وغمغمت" العقبى لك (وانتبهت لما قالت فدققت فيها تقول) أعتقد بأنك لست متزوجة أليس كذلك؟"
ردت أم هاشم باقتضاب" لا "
قالت إلهام بمحبة " رزقك الله بالزوج الصالح يا ..."
وصمتت فقالت الأخرى" أم هاشم .. اسمي أم هاشم (واسرعت بالقول) هذا اسم مركب"
ضحكت إلهام وردت "أعلم بأنه اسمك وحدك .. رزقك الله بالزوج الصالح يا أم هاشم "
أمنت أم هاشم خلفها ثم لمحت شمس سماحة تقع على الأرض فأسرعت كل من أم هاشم وإلهام إليها .. لكن الأولى كانت أسرع في الوصول فأوقفتها تنفض ثيابها ومالت تقبلها وهي تغمغم" بسم الله ما شاء الله ربي يبارك فيها "
قالت إلهام لأم هاشم وهي تأخذ منها شمس وتحضنها " رزقك الله ما تتمنين يا بنيتي (وتطلعت فيها تضيف) والله لقد ارتاح قلبي لك "
ربتت أم هاشم على ذراعها بدفء وعادت معها إلى حيث كانت تجلس إلهام التي قالت وهي تفسح الأريكة بجوارها "لماذا تقفين هكذا تعالي وأجلسي بجواري "
قالت أم هاشم بلطف" تعبت من الجلوس شكرا لك "
ثم عادت لتنظر إلى ما يحدث حينما أسرع شامل بعد انتهاء تسونامي من وصلتها الراقصة بالعودة بسرعة لفقرات الحفل خوفا من اقتراح الأخيرة لوصلة ثانية فشغل أغنية لصابر الرباعي ودعا الثنائيات للرقص على شرف العرسان .
سحب كامل بسمة من يدها لتقوم من جلستها وشدها خلفه وسط اعتراضها وهي تقول" ماذا تفعل ؟"
رد ببرود وهو يقف أمامها" اساعدك في خطتك ..ألا تريدين إغاظة أناس معينين هنا .. وإيصال رسالة بأنك تتقافزين من السعادة بزواجك مني!"
امتقع وجهها وهتفت بإنكار" ما الذي تقوله!!"
قال بلهجة صلبة وهو يلف ذراعيه حولها رغما عنها " أقول الحقيقة الواضحة وضوح الشمس منذ أن انقلب وجهك لترسمي عليه السعادة المتناهية بمجرد أن رأيتهم .. ثم انقلب للنقيض بمجرد أن ابتعدوا "
تلجم لسان بسمة وأخذت تتطلع فيه من هذا القرب الشديد وتستشعر ذراعيه القويين يحيطان بها في الوقت الذي تسللت بينهما كلمات الأغنية تحاول السيطرة على تلك الهالة من الغضب والإحباط التي تحيط بالاثنين.
وأنا بين ايدك ..دوبت في مكانيونسيت معاك ...عمري و زمانيو الوقت فات وياك ثوانيقربني ليك سبني أعيش احساسي بيك
ارتبكت ونس وهي تقف أمام شامل الذي قال بهدوء" لا تقلقي اتركي نفسك لي "
لف ذراعيها حول عنقه وحضن جذعها يلصقها به بعد أن مال يقبل شعرها قائلا "تتبعي خطواتي "
بتحدى العالم كله وأنا وياك ..
وبقول للدنيا بحالها إن أنا بهواكوإن انت حبيبي و قلبي و روحي معاكقربني ليك سبني أعيش احساس هواك
سحب مفرح مليكة التي اتسعت عيناها تقول بهمس مفرح "ماذا تفعل؟؟!!"
غمغم وهو يقف أمامها" سنرقص مثل الثنائيات التي ملأت ساحة الرقص هل نحن أقل منهم"
قالت بحرج وهي تحيط ذراعيها بعنقه "وهل تعرف هذا النوع من الرقص !"
رد وهو يحيط ذراعيه بخصرها ويلصقها به "أنا لا .. لكن قلبي يعرف كيف يراقص مليكته وسيتولى الأمر"
ناظرته بحب فلصق جبينه بجبينها لتهمس باعتراض أمام خضار عينيه "مفرح ..الناس "
رد دون أن يغير من وضعه" نحن خارج القرية الآن دعينا نتنفس قليلا بالله عليك " أنا عشقي ليك عشق القمر ..
للنجمة و الليل و السهروالشوق إليك فوق الخيال ..
فوق احتمال كل البشرمن يوم لقاك حلوه الحياة
كان ذراع أحمد لا يزال فوق ظهر مقعد بانة وكأنه يعلن للجميع أنها ملكه بينما مد يده الأخرى ليتحسس بطنها ثم تعانقت العيون الساكنة بالعشق قبل أن يشبك أصابعه بأصابعها ويرفع يدها إلى فمه ليقبل ظاهرها وهو يقول "لولا أني متعمد عدم المشاركة في أي شيء في هذا الحفل كنت راقصت البونبون "
اتسعت ابتسامتها وضمت يدها في يده أكثر ثم عادا يتابعان في صمت رامز الذي يراقص شمس على أنغام الموسيقى يتحرك مع خطواتها الصغيرة ثم يمسك بيدها لتدور حول نفسها .
اتحدي بيك كل الوجود..
وياك أكون أو لا أكونأنا مش هعيش من غير هواك ..
أنا قلبي عاشق للجنونمن يوم لقاك ...حلوه الحياة
سحبت أم هاشم أنظارها من ساحة الرقص ونظرت حولها تغمغم لنفسها" ألن يفتحوا موائد الطعام لنملأ بطوننا على الأقل "
بينما ظلت مهجة تتبادل مع وليد النظرات عبر الحديقة فقد لازمت أمه وأخواتها منذ بداية الحفل وهو كان يتسامر مع من تعرف عليهم من الشباب لكن كل منهما كان يراقب الأخر خاصة مع كلمات الأغنية التي اخترقت قلبيهما بسهام من مرارة الخيبات .
بتحدى العالم كله وأنا وياك ..
وبقول للدنيا بحالها إن أنا بهواكوأن انتا حبيبي و قلبي و روحي معاكقربني ليك سيبني أعيش احساس هواك.كانت بسمة بين ذراعي كامل تقاوم بشدة الاستسلام لذلك الشعور بالخدر الذي يتسلل إليها بقربه .. ترفض أن تكون بسمة القديمة .. أو ربما تذكرها للماضي بوجود آل سماحة جعلها لا تريد أن تضعف .. خاصة وهي تواجه أول تحدي لها في حياتها الجديدة ألا وهو أنها غير قادرة على التعامل مع خاطرة أن كامل يفعل كل ما يفعل ليظهر أمام بانة بأنه سعيد.
تكلمت أخيرا ترد على جملته الأخيرة والتي تلجم لسانها حين لم تجد ردا عليه " لا تتحدث عن الاستعراض يا كامل فأنت أول المتهمين "
أبعد رأسه عنها يقاوم مشاعره التي اهتاجت من لمسها أخيرا ولأول مرة وقال بحشرجة "أنا استعرض !..لماذا؟!!"
ردت بتحدي " لتثبت لبانة التي حاولت التواصل معها من خلف ظهر زوجها بأنك لم تعد تفكر فيها "
لاحت الخطورة على وجهه وناظرها بغضب يقول بصوت هامس " أخفضي صوتك .. بم تهذين؟!! .. هل جننت!!"
قالت بلهجة متحدية هامسة رغم توترها من ملامحه الغاضبة" أليست هذه الحقيقة .. لقد تذكرت منذ قليل سبب المشاجرة ؟"
جز كامل على أسنانه يقاوم موجة غضب عارمة وهو يناظرها باستنكار ولم يدر بأنه قد ضغط على خصرها بقوة تحت أصابعه وهو يقول" أي جنون هذا الذي تقولينه !"
تأوهت بسمة ووقفت تنظر إليه بغضب بعد أن أفلتت من بين ذراعيه .. فناظرها كامل يحاول أن يقرأ ما تفكر فيه ..
نظرت بسمة نحو بوابة الفيلا تشعر بالاختناق لكنها لمحت والدها ووليد وهما يثرثران مع العدد القليل من أقاربها الذي حضر ..لكن شعورها بالاختناق كان يحاصرها .. يطبق على صدرها .. ومشاعر جمة متباينة ضاغطة متناقضة تحيط بها.. وبأنها بحاجة ماسة للتنفس.. بحاجة لمساحة وحدها.
أخذت تتلفت حولها من جديد ليسألها كامل بعبوس وهو يحاول سحبها إليه لاستكمال الرقص "بمَ تفكرين؟"
لم تسمح له بالإمساك بها وإنما تراجعت للخلف ثم استدارت فوجدت باب الفيلا الداخلي أمامها فأسرعت إليه مهرولة .
اسرع كامل خلفها بينما كانت عيون غنيم وسوسو متفاجئة بما يحدث ولاحظا أن البعض بدأ يتتبع العروسين الذين هرولا للداخل فقال غنيم بسرعة يسحب الانتباه عنهما "تفضلا يا جماعة العشاء جاهز "
توقف الثنائيات عن الرقص وغمغم شامل مقتربا من والده "ماذا حدث ؟"
قال غنيم بغضب" لا أعرف ماذا يفعل هذان المجنونان .. يكفينا فضائح من أول اليوم "
الوضع كله كان ضاغطا .. ومشاعر جمة تلاحقها .. تضغط عليها .. ترعبها ..
وكأنها تقف على ميناء (الحاضر) تستعد لركوب مركب نحو ( المستقبل ) يجرجر خلفه ثقل خيبات (الماضي ).
إلى إحدى الغرف في الطابق الأرضي لجأت بسمة لكن كامل لحق بها هاتفا بغضب "ماذا تظنين بأنك فاعلة ؟...كيف تتركيني بهذا الشكل المحرج أمام الناس !!"
استدارت إليه في ثورة عارمة ليست من طباعها وهتفت "آسفة يا أستاذ كامل أني أفسدت مظهرك أمام من تريد أن ترسم أمامهم صورة رائعة "
رفع سبابته أمامها محذرا بغضب شديد "اسمعي يا بسمة هذا الامر الذي تخوضين فيه بعدم فهم حساس جدا ويمس أخلاقي.. كما أنه يمس امرأة متزوجة.. ولهذا أنا لن أقبل منك أبدا التحدث فيه بهذه الطريقة.. إن كنت تريدين تفسيرا للموقف القديم أطلبي مني بدون افتراضات وتكهنات منك وأنا سأفسره لك ..أما غير ذلك فهو غير مسموح "
حينما دعاها باسمها الحقيقي دون تدليل كما يفعل دائما حزنت وكأنه قد نزع عنها تميزا .. وساقتها ظنونها لأن تغيره بسبب وجود بانة فتألمت بشدة .. ودعاها ذلك لأن تقاوم أي ضعف أمامه فرفعت ذقنها الجميل تقول بكبرياء مجروح "ومن قال بأني أريد تفسيرا؟.. أنا فقط لا أرغب في أن أكون جزء من كذبة تحاول رسمها ببراعة أمامها هي وزوجها "
شعر كامل بأن غضبه أوشك على أن يكون خارج حدود سيطرته فمرر أصابع يديه في شعره يغمغم " اللهم طولك يا روح .. أنظر ماذا أقول أنا وبم ترد هي !..( وأنزل ذراعيه يسألها مضيقا عينيه) هل أعتبر هذا غيرة؟"
ارتبكت بسمة .. ولم ترغب أبدا في أن تكون مثيرة للشفقة .. فأولته وجها باردا وردت بلهجة أبرد " غيرة! .. مِن مَن وعلى من؟"
آلمه لهجتها الحادة التي اصطدمت باعتداده بنفسه بينما أكملت هي مفسرة" أنا فقط أرفض أن أكون ...."
طرق بالعصا على الباب المفتوح أجفل بسمة وأخرسها وهي تتطلع في غنيم الذي وقف على باب الغرفة يقول بلهجة غاضبة" ماذا يحدث هنا بالضبط؟.. وكيف تتركان الحفل فجأة لتتشاجرا ؟!"
أطرقت بسمة برأسها معترفة لنفسها بأنها خرجت عن السيطرة بينما قال كامل مفسرا "إن بسمة مستاءة من وجود بانة وزوجها "
قال غنيم بلهجة حازمة "عليكما احترام الظرف الذي نحن فيه وتقدير موقفنا الحرج أنا وسوسو منذ بداية ارتباطكما لا أن تتصرفا كالأطفال بهذا الشكل "
شعرت بسمة بالخزي من تصرفها .. واعترفت بأن أهل كامل ليس لهم ذنبا فيما يحدث في حياتها من تعقيد .. ورغم شعورها بالغيرة إلا أنها اعترفت أيضا بأن كامل ليس له ذنبا هو الأخر.. يكفي مسايرته لها في الموقف الذي وضعا فيه ..فصمتت مطرقة برأسها ولم تعقب بينما قال كامل مشفقا على شعور بسمة بالحرج الواضح بوقفتها أمام والده "لا بأس يا أبي نعتذر وسنخرج حالا "
نظر غنيم لكليهما ثم تحرك مغادرا للغرفة فسحب كامل نفسا عميقا وقال بهدوء "سأكرر ما قلته لك من قبل .. الموضوع الذي تتحدثين فيه ليس كما تتصورينه .. إن أردت معرفة التفاصيل اسأليني وسأجيب .. والآن هلا عدنا للحفل وأجلنا الشجار ؟"
هزت رأسها موافقة وقد هدأ بعض من غضبها فأشار لها بيده لأن تخرج أولا .. فتحركت تمسك بطرف فستانها الذي يحف ذيله في أرضية الفيلا مصدرا صوت حفيف ناعم مصاحبا لنقر كعبي حذائها داعب أذني كامل الذي لحق بها في صمت .
عند باب الفيلا اقترب كامل ولف خصرها بذراعه شاعرا بتشنج جسدها فقال وهو يتطلع في المدعوين الذين يحملون أطباق الطعام "تحملي حتى تنتهي الليلة بسلام"
قالها وتحرك معها نحو الموائد يتقبل التهاني من هنا وهناك راسما ابتسامة ضعيفة على شفتيه لم تمس قلبه .
عند طرف أخر من الموائد اقتربت أم هاشم بصحنها من رامز المنهمك في اختيار ما يريد من الطعام بينما مليكة خلفها تقرصها بعد أن لحقت بها حتى لا تتمادى في شقاوتها.. لكن أم هاشم كانت تبعد يد مليكة من خلف ظهرها وهي تتطلع عن قرب في رامز الذي بدا متحيرا أمام الأصناف لا يعرف ماذا يختار .
تحرك رامز قليلا فتبعته أم هاشم تمسك بصحنها فارغا بينما وقف هو أمام صحن الأرز الكبير وغرف لنفسه فظلت تحدق فيه متمتمة بصوت خافت" اللهم صل على النبي!"
رد رامز تلقائيا دون أن يرفع أنظاره عما أمامه "علية أفضل الصلاة والسلام .. الأكل يبدو رائعا فعلا ..لكن لا عجب فالعريسان طباخان "
غمغمت بلهجة ذات مغزى" هو فعلا رائع جدا رائع بطريقة لا يمكن تصورها "
رفع رامز أنظاره إليها ورد عليها متبسما "المشكلة أن المرء يصاب بحيرة شديدة أمام تعدد الأصناف ( وقدم لها ملعقة كبيرة مملوءة بالأرز بعد أن انتهى من ملء صحنه قائلا ) هل تريدين؟ "
مدت أم هاشم له طبقها تهز رأسها في خرس فغرف لها فيه قليلا من الأرز ثم سألها إن كانت تريد المزيد فردت برقة مصطنعة جعلت مليكة الواقفة بجوارها من الناحية الثانية تشيح بوجهها بعيدا تداري ضحكتها "لا شكرا فأنا لا أكل الكثير من الأرز لأحافظ على رشاقتي "
قال رامز بلطف" أما أنا فأعشق الأرز"
قالها وهز رأسه بتحية مودعة يهم بالابتعاد فأسرعت أم هاشم تسأله" والباذنجان الأسود؟ .. هل تحب الباذنجان الأسود ؟"
تطلع فيها رامز عاقدا حاجبيه وهو يقول "نعم !!"
عدلت أم هاشم من حجابها بحركتها المختالة الفكاهية وقالت بصوت رقيق " أنا أعمل hr لشركة تجهيز وتغليف الخضروات الطازجة .. وكنا نجري استقصاءً لمعرفة عدد الناس الذين يحبون الباذنجان الأسود لنرى جدوى طرحه ضمن الخضروات التي نقدمها مغلفة "
حرك رامز مقلتيه بحيرة ثم رد بينما صوت ضحكات مليكة يأتيها من الخلف " أجل أحب الباذنجان الأسود"
اتسعت ابتسامتها حتى ظهرت غمازتيها المخبأتين تحت سمرة بشرتها وغمغمت "جبر الله بخاطرك يا أستاذ"
هز رامز رأسه وتحرك يغادرها وعلى وجهه علامات تعجب فقالت لها مليكة موبخة من بين ضحكاتها "ألن تكفي عن الشقاوة أبدا ..الرجل شعر بأنك غريبة الأطوار"
غمغمت بهيام" قال يحب الباذنجان الأسود يا مليكة"
ضربتها مليكة على ذراعها تقول" لا فائدة منك ولا مفر من شقاوتك .. افسحي حتى أعد طبقا لمفرح"
تحركت مليكة بجوار الطاولات تختار ما يحبه مفرح من أصناف بينما وقفت أم هاشم تتطلع في الطبق الذي يحتوي فقط الأرز وعادت لبؤسها تحدث نفسها "ليست شقاوة وإنما مسكنات لأداري ألم جرح نازف .. كلهم مهما بلغت وسامتهم مسكنات أمام الغالي"
سرحت بعين خيالها للحظات رأت فيها جابر يدخل من بوابة الفيلا ليحضر الحفل .. ورأته يقترب منها ليسألها ويطمئن إن كانت بخير ..
وتمنت بشدة أن تخبره بأنها ليست بخير ..
ليست بخير أبدا ..
وتمنت ..
أن تمسك بطرف جلبابه كطفلة صغيرة وتتبعه أينما ذهب في الحفل حتى لو لم يلحظ وجودها ..
تمنت ..
أن تكون قطعة خيط زائدة في طرف ثوبه ..
مجرد قطعة خيط ..
لن يعيرها اهتماما ولن يلاحظها أحد..
قطعة خيط لن تفسد مظهره ..
ليتها تلك القطعة من الخيط حتى ترافقه دوما أينما ذهب .
ابتسمت لهذه التخيلات و نفضتها عنها بقوة ثم تحركت شاردة أمام الموائد تبحث فيها عن صنف من الطعام يسد جوعها .
سلم أحمد على غنيم بعد قليل ومالت شمس من فوق ذراع والدها لتطبع قبلة على وجنته مودعة ثم تحرك مغادرا ليلحق بالحاج إبراهيم وإلهام وبانة الذين سبقوه مع رامز وخرجوا من باب الفيلا .. وقد تعمد أحمد ألا يسلم إلا على شامل سلاما باردا عابرا اقتضته المجاملة حينما وصل أول الحفل ..
بمجرد أن وصل بالقرب من بوابة الفيلا سمع من يناديه " انتظر يا أحمد "
استدار ليجد كامل يقف واضعا يديه في جيبي بنطاله فأنزل شمس وقال لها " هيا إلى خالك"
ونظر لرامز الواقف عند البوابة ليستقبل شمس فقابلها الأخير ثم وقف يراقب من بعيد لقاء أحمد وكامل بترقب .
سأله كامل بهدوء " هل وصلتك الرسالة التي أرسلتها لك مع رامز ؟"
وقف أحمد مثله يديه في جيبي بنطاله بوضع لا يقل عنه عنجهية وقال ينافسه في الغرور " والمطلوب ؟"
جز كامل على أسنانه وشعر بالغيظ وبرغبة في ضربه لكنه يعترف في قرارة نفسه بأنه مخطئ في حقه فقال بلهجة متكبرة " أنا فقط أردت أن أكرر لك أسفي وأؤكد لك أن نيتي لم يكن فيها أي رغبة في التعدي على حرمة بيتك .. (وأضاف بضيق لاضطراره للاعتراف ) وأعترف بأنه كان سوء تصرف مني"
سأله أحمد ببرود" هل انتهيت؟"
أدرك كامل بأن الأخر لن يلين فرفع ذقنه ولم يرد ..ليستدير أحمد مغادرا وهو يقول "وصلت المعلومة"
طحن كامل ضروسه ورفع قبضته أمامه وهو يشاهد ظهر أحمد المغادر ثم غمغم لنفسه " فعلت ما في استطاعتي فليذهب للجحيم هو وعنجهيته"
أمام بوابة الفيلا بعد قليل ودعت أم بسمة ابنتها بعينين دامعتين جعلت الأولى تتأثر بشدة ثم رفعت فاطمة عينان مترجيتان لكامل وقالت وهي تشدد على يده بكلتا يديها" ابنتي أمانة عندك يا كامل "
ربت كامل على يدها بمحبة وقال مطمئنا "لا تقلقي عليها يا حاجة فاطمة .. "
بعينين دامعتين تطلع عيد في ابنته التي بدت أمامه خاطفة للأنفاس بجمالها .. ثم اشاح بوجهه واضعا يديه في جيبي جلبابه يقول لها بامتعاض " تحقق لك ما تمنيته يا بنت عيد .. وأكرمك الله وسترك وأكرم والدك.. أتمنى فقط ألا تنسي الرجل العجوز الذي رباك "
انهمرت دموع ونس وأسرعت بإلقاء نفسها عليه تحضنه متأثرة فاستمر عيد بالإشاحة بوجهه والدموع تصر على الفرار من عينيه الغائرتين الصغيرتين .. وأصر ألا يخرج يديه من جيبيه حتى لا يتشبث بها كالأطفال ويفضح مشاعره التي تعتمل في صدره .. لكنه غمغم قائلا بحشرجة " هيا عودي لباقي المدعوين عليّ أن ألحق بالطريق قبل أن تشتد ظلمة الليل"
ابتعدت ونس عنه تناظره بعينين باكيتين تقولان الكثير رغم خرس صاحبتهما .. فأبعد عيد نظراته عن ابنته بصعوبة وقال لشامل الذي يقف بجوارها "هيا عد أنت الأخر للحفل لا تقفا هكذا دون داعي "
تحركت قدما عيد بصعوبة وهو يتطلع في فلذة كبده معترفا بأن الموقف أصعب مما توقع .. وكأن قلبه المتمثل في هذه الجنية التي كانت تجن جنونه ينتزع منه لحظتها فأسرع نحو السيارة التي تنتظره ..
ناداه شامل وقد اشفق عليه" يا حاج عيد"
توقف للحظة يمسح دمعة فقد السيطرة عليها فانهمرت واستدار إليه ليجد شامل خلفه مباشرة .. والذي مال عليه وقبّل رأسه يقول مطمئنا بلهجة متأثرة" لا تقلق عليها أبدا "
غمغم عيد وهو يشيح بيده مبتعدا " لست قلقا ..لست قلقا هيا عد لضيوفك ..السلام عليكم "
اسرع بالابتعاد ثم ألقى بنفسه في السيارة التي تنتظره بينما اقتربت ونس من شامل وقد ازداد نحيبها وهي تتطلع في والدها الذي يشيح بوجهه الناحية الثانية ليداري دموعه التي وجدت طريقها بين تجاعيد وجهه .. فلف شامل ذراعيه حولها يواسيها .
بعد أن سلمت مهجة ومفرح ومليكة على بسمة جاء دور أم هاشم التي حضنتها بقوة فتأثرت بسمة وهي تشعر بارتعاش جسد الأخيرة التي همست بتأثر "سأشتاق لك يا بنت الوديدي .. للمرة الثانية تتركيني وتذهبي للعاصمة لكني لست حزينة بل سعيدة من أجلك وأتمنى لك السعادة من كل قلبي"
ربتت بسمة على ظهرها وردت بعاطفة قوية " هذه المرة لن التهي بحياتي كالمرة السابقة بل سنظل على تواصل وسأراك كلما زرت البلدة ليس لأنك مديرة مشروعي ولكن لأنك صديقتي "
لم ترد أم هاشم بل شددت من احتضانها في الوقت الذي كانت فيه مليكة هي الأخرى متأثرة بوادع ونس .
بعد وداع حار للعروستين اسرعوا جميعا لركوب السيارات عازمين على العودة للبلدة .. وبعد أن جلس وليد أمام المقود لم يستطع الصمود وترجل مرة أخرى يتجه نحو بسمة التي كان يعلم بأنها لن تهتم بما يشعر به من مشاعر تأثر ومحبة تجاهها لكنه لم يستطع المغادرة دون أن يودعها .
تفاجأت بسمة بوليد القادم نحوها .. وقبل أن تستوعب كان يميل ويحضنها بقوة فارتعشت الدموع في مقلتيها وهي تنظر للمصابيح الضوئية التي تزين الشارع بينما همس وليد بلهجة صادقة دافئة بجوار أذنها" أعلم بأنك لم تسامحيني بعد .. لكني ويعلم الله سعيد من أجلك جدا وسعيد أن الله قد جبر بخاطرك .. وأعدك بأني سأتغير وأتمنى من الله أن أكون يوما أخا تفتخرين به يا أختي "
لم تستطع بسمة الصمود فهذا الأحمق بمثابة ابنها فربتت على ظهره تقول بصوت باك" أتمنى أن أراك دوما في أحسن حال يا وليد "
ابتعد عنها يتطلع فيها أمام انظار كامل الممتعضة والذي رفع حاجبا وهو يراه يمسك بيديها الاثنتين ويقبل ظاهرهما ثم مال يقبل جبينها فتدخل كامل يقول وهو يسحبها من ذراعها من بين يديه "ينادونك يا وليد"
بعينين دامعتين تطلع وليد في بسمة ثم تحرك للخلف خطوتين وهو لا يزال ينظر لها قبل أن يستدير نحو سيارته أمام عيني مهجة التي كانت سعيدة جدا من تصرفه .
بعد قليل أدخل كل عريس عروسه إلى حديقة الفيلا ليعودوا جميعا لباقي الضيوف في الحفل الذي لم ينتهي بعد .
شردت أم هاشم في كلمات الأغنية المنبعثة من مشغل الموسيقى في سيارة مفرح وهي تستند برأسها على النافذة تحدق في الطريق المظلم أمامها الذي ليس له أول من آخر .
ياريتك فاهمني بجد زي ما بفهمك
وتقرا اللي جوايا اما عيني تبصلك
يا حلمي اللي متأجل وانا هاموت و احلمك
يا عمري اللي ناقص عمر نفسي اكملك
في الوقت الذي مد مفرح من جلسته أمام المقود يده ليحضن يد مليكة التي شعرت بالحرج لربما أم هاشم تشاهدهما .. لكنه أصر على أن يشبك أصابعه بأصابعها ويسحب يدها ليضعها على فخذه يحرك إبهامه برفق على ظاهرها مع كلمات الأغنية مستشعرا فقد السيطرة التام على زمام أمره .
يا كل الكلام اللي بشفايفي بهمسه
يا املي اللي بتمنى اطوله أو ألمسه
يا هوا من زمان عايشة عشان بتنفسه
ياريت ابقى اخرك في الحياه دي و اولك
لفت أم هاشم طرف أحد الخيوط التي انفرط منها الخزر الأسود الذي يزين كم عباءتها السوداء حول أصبعها وهي لا تزال تحدق في الظلام .
لو اختار ما بين نفسي وما بينك هاعترف
بإن انت أغلى و أولى وكمان أولا
بحبك سنين في السر وما حدش عرف
وانا ادفع سنين تانيين واحبك في العلن
بعد دقائق توقفت السيارات العائدة للبلدة على الطريق للتزود بالوقود وابتياع المشروبات أو دخول الحمامات فترجل مفرح من السيارة بينما قالت أم هاشم لمليكة وهي تلمح سهم يعلن عن وجود مصلى للسيدات" سأتوضأ وأصلي العشاء يا مليكة اخشى أن أصل البيت متعبة فلا استطيع صلاتها "
هزت مليكة من المقعد الأمامي رأسها وهي تتفقد أدهم وإياد اللذان يجلسان بجوار أم هاشم فوجدت الأول يتابع شيئا على هاتفه بينما الثاني يسند رأسه للخلف على ظهر المقعد ويغط في نوم عميق .
ترجلت أم هاشم وتطلعت حولها في المكان الهادئ الساكن تحت جناح الليل الأسود وشكت في أن تجد المصلى مفتوحا لكنها حين اقتربت وجدت غرفة صغيرة مضاءة فأسرعت نحو الحمام الذي يبعد عنها بضعة أمتار لتتوضأ .
بعد دقائق سمت بسم الله وهي ترفع طرف عباءتها وتخطو من فوق الحاجز الخشبي أمام الباب لتدخل الغرفة الصغيرة التي يشع منها ضوء يميل للون الأخضر كلون السجاد المفروش .. وشعرت أخيرا بالراحة والسكينة .. بعد أن كانت تشعر بالاختناق الشديد .. فتوجهت نحو القِبلة ووقفت تضع حقيبتها أمامها ثم رفعت يديها تكبر وتبدأ في الصلاة .
حالتها النفسية سيئة عليها أن تعترف بذلك .. حالة من الضعف والهوان ومن ضيق الصدر لم تحدث لها من قبل .. وكأن قدرتها على المقاومة قد ضعفت .. وكأن السقم قد احتل روحها..
نهرت نفسها تحاول أن تقاوم ما تشعر به .. لكنها لم تستطع .. حين سلمت ناجت ربها تقول" يا رب .. اشعر بضعف شديد فامدني بالقوة .. يا رب أنا لا أحقد على أحد وأنت وحدك تعلم.. لا أحقد على أحد وأتمنى للجميع السعادة .. لكني تعبت يا رب .. تعبت وأريد أن أرتاح .. أشعر بالوحدة الشديدة .. وها هي بسمة تركتني ورحلت هي الأخرى ..( انهمرت دموعها وأضافت باكية ) يا رب أحاول ألا أقنط من رحمتك أحاول أن أصبر .. أدرب نفسي على الرضا لكن نفسي تعصاني أحيانا .. تخرج عن سيطرتي ..أحاول أن أهذبها لكنها تريد من مطامع الدنيا الكثير .. (واجهشت بالبكاء تتمتم) ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به.. ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به .. أشعر بأني لم أعد قادرة على التحمل يا الله .. لكني لا أريد أن اقنط من رحمتك .. لا أريد أن اقنط من رحمتك فماذا عليّ أن افعل .. ساعدني يا رب ونور بصيرتي وامنحني القوة"
" أنت قلتها بنفسك عليك ألا تقنطي من رحمة الله "
جاءها الصوت من خلفها فانتفضت تدير وجهها نحوه لتتفاجأ بامرأة عجوز تجلس بالقرب منها وتستند برأسها إلى الحائط فقالت أم هاشم بفزع" بسم الله الرحمن الرحيم !من أنت؟ ومتى دخلت؟!"
ردت العجوز ببساطة " دخلت قبل دقائق وأنت تبكين"
ظلت أم هاشم ممسكة بقلبها تحاول أن تهدئ من ضرباته المفزوعة وهي تغمغم "أفزعتني سامحك الله "
غمغمت المرأة بهدوء وهي تحرك سبحتها وتنظر في الفراغ "سامحنا جميعا وغفر لنا "
تطلعت فيها أم هاشم بتدقيق .. ترتدي عباءة سوداء قديمة الطراز مما كانت النسوة ترتديها منذ سنوات طويلة جدا .. لم ترها إلا على من هن في عمر الجدات .. تجلس متربعة وفي حجرها صرة من قماش قديم مهترئ وفي يديها سبحة خضراء ..
دققت أم هاشم قليلا في السبحة التي بدت تحت انعكاس الإضاءة الصناعية للمكان تشع لونا أخضرا لامعا وكأنها حبات كهرمان يضيء باللون الأخضر .. فعادت أم هاشم تتطلع في ملامح المرأة ببعض الفضول ..
كانت كبيرة في العمر إلى درجة كانت فيها تجاعيد وجهها كالأخاديد وعيناها كانتا ذابلتين تكادان تختبئان خلف ملامحها .. أما شفتيها فغائرتان كما لو أن صاحبتهما لا تملك أسنانا .. فسألتها وشعور بالتوجس ينتابها" وماذا تفعلين هنا في هذا المكان المقطوع وفي هذا الوقت من الليل ؟!!"
ردت المرأة بابتسامة هادئة "أبيع السِبَحْ .. حين لمحتك جئت خلفك لربما اشتريت مني فلم ابع سِبْحة واحدة منذ أيام"
عقدت أم هاشم جبينها وغمغمت" سِبح؟!"
قالت المرأة وقد دب فيها طاقة لا تتماشى مع هيئتها" أجل سبح "
وقامت بفتح السُرة القديمة وأخرجت منها أمام أم هاشم عددا كبيرا من السبح مختلفة الألوان والاحجام.. فتطلعت فيها الأخيرة لتقول المرأة باستعطاف" خذي مني واحدة يا ابنتي وسأدعو لك بما يريح قلبك "
لهجتها المترجية لمست قلب أم هاشم فسألتها وهي تتناول حقيبتها وتفتحها "كم ثمن الواحدة ؟"
ردت المرأة" ما ستدفعينه"
عقدت أم هاشم حاجبيها وسألتها" بكم تبيعين الواحدة يا حاجة ...."
صمتت قليلا وناظرتها بتساؤل فردت العجوز "أم جميل .. اسمي أم جميل .. وسأتركك تقدرين ثمن السبحة كما تريدين "
شاكستها أم هاشم وهي تعود لتنظر في حقيبتها تبحث عن النقود " يبدو أنك طامعة وماكرة يا أم جميل"
غمغمت أم جميل متبسمة بشفتيها الغائرتين " لا والله سأرضى بما ستجودين به حتى لو قطعة خبز .. أنا لا أرد رزق الله أبدا "
توقفت أم هاشم عن البحث في حقيبتها لثوان وقد أشفق قلبها على لهجة المرأة وكلامها وتساءلت في سرها كيف لامرأة مثلها أن تُترك لتسعى في طلب الرزق وهي في هذا العمر .. فعادت لحقيبتها وأخرجت مبلغا كبيرا من المال وأعطته للمرأة وهي تقول "حسنا يا حاجة أم جميل فليرزقك الله ويرزقنا معك"
أخذت العجوز المبلغ وقربته من عينيها تتفحصه قبل أن تهتف بفرحة" عوضك الله يا ابنتي وجبر بخاطرك (ومدت يديها بالسبح تضيف) هيا اختاري واحدة"
ردت أم هاشم وهي تعود لتنظر أمامها استعدادا للصلاة " لا أريد يا حاجة لدي سبحا كثيرة "
أمسكت المرأة بذراعها تقول بإلحاح" خذي مني سبحة ولا تكسري بخاطري بنيتي"
عادت أم هاشم تنظر إليها ..ثم للسبح الكثيرة بحيرة وذهبت عيناها تلقائيا نحو تلك السبحة الخضراء التي لا تزال تعكس الضوء بشكل جميل فقالت" أريد هذه "
انقلب وجه المرأة عابسا فجأة وهي تبعد عنها السبحة قائلة "لااااا هذه سبحة أم جميل "
ناظرتها أم هاشم باستغراب لتغيرها المفاجئ ثم قالت" أريد هذه كم ثمنها وسأعطيك ما تريدين "
ردت المرأة بصلابة" ليست للبيع يا ابنتي .. اختاري من هؤلاء "
تطلعت أم هاشم من جديد في السبح ثم مدت يدها باستسلام نحو سبحة بيضاء جميلة الشكل متفحصة فقالت أم جميل بلهجة غامضة" إن أردت نصيحتي خذي السوداء"
عبست أم هاشم وهي تتطلع في السبحة السوداء ثم سألتها باستنكار "ولماذا السوداء بالذات؟!!.. ألأني سوداء ستعطيها لي ؟!!"
ناظرتها العجوز بنظرة غامضة لم تفهم أم هاشم معناها ثم قالت "اسمعي ما تقوله لك أم جميل .. خذيها ولن تندمي .."
بتردد أمسكت أم هاشم بالسبحة السوداء وجادلتها تقول "لكنها تبدو سبحة رجالية"
بابتسامة احستها أم هاشم غامضة قالت المرأة" لن تندمي"
هزت أم هاشم رأسها باستسلام وذكرت نفسها بأنها كانت تقصد أن تعطي المال للمرأة على سبيل الصدقة فلن تدقق أي سبحة ستأخذها فقالت بهدوء "لا بأس على بركة الله"
أسرعت العجوز بإخراج كيسا قماشيا صغيرا من جيب عباءتها مربوطا على ما يبدو بشريط قماشي بجيبها ثم قبّلت المبلغ الذي اعطته لها أم هاشم ولمست به جبينها تشكر نعمة الله ودسته في الكيس الذي اعادته إلى جيبها .
فسألتها أم هاشم بمشاكسة "أخذنا السبحة أين الدعوة؟"
أمسكت المرأة بساعد أم هاشم بيدها ذات العروق البارزة وقالت وهي تطالعها بعينيها الصغيرتين الذابلتين " رفع الله من قدرك بنيتي ..ونصرك على من عادك ..وحقق لك ما تتمنين .. قولي آمين "
غمغمت أم هاشم" اللهم آمين"
أبعدت المرأة يدها عن أم هاشم تعيد السبح للصرة وتغلقها وهي تقول" أبشري إن شاء الله .. والله لن يمر الأسبوع حتى تنالي ما تمنيتيه"
رفعت أم هاشم حاجبيها وقالت بتهكم "هكذا ببساطة!"
عقدت المرأة حاجبيها وهتفت باستنكار وغضب " أتستكثرين شيئا على الله!!!"
أسرعت أم هاشم بالقول" استغفر الله لم أقصد هذا قصدت أنك حددت أسبوعا "
ابتسمت المرأة تقول بثقة ولهجة احستها أم هاشم غامضة "إن شاء الله كله مقدر ومكتوب .. وتذكري أم جميل"
ابتسمت أم هاشم باستهزاء ثم استقامت واقفة تنوي أن تصلي ركعتي السُنة فسمعت المرأة تقول" أبشري لك ما تمنيتيه يا بنت الشيخ (ثم أضافت وكأنها تحدث نفسها) كيف ستعبرين الشارع الآن في هذه الظلمة يا أم جميل!! "
غمغمت أم هاشم دون أن تستدير "انتظري لأفرغ من الصلاة وسأساعدك في عبور الشارع (ورفعت يديها ) الله أكبر "
بمجرد أن بدأت في الصلاة جاءها صوت مليكة التي اقتربت من المصلى تناديها" أم هاشم ألم تنتهي بعد؟!"
حين وجدتها مليكة تصلي وقفت على باب المصلى تنتظرها حتى انتهت أم هاشم واستدارت ترد على مليكة وهي تحمل حقيبتها" أنا آتية حالا"
ثم تسمرت تبحث في أرجاء الغرفة الصغيرة وتسأل مليكة "أين العجوز ؟!!"
عقدت مليكة حاجبيها وسألتها باندهاش "أي عجوز تقصدين؟!"
قالت أم هاشم باندهاش " العجوز بائعة السبح (وأسرعت تبحث في حقيبتها ثم أخرجت السبحة السوداء وأضافت) سمعتك دخلت بمجرد أن بدأت في الصلاة هل من المعقول خرجت المرأة دون أن تريها!!"
هزت مليكة كتفيها وردت نافية" لم أرى أحدا "
اقتربت منها أم هاشم وخرجت من المسجد ترتدي حذائها وهي تقول بحيرة" المرأة كانت تريد من يساعدها على عبور الطريق"
قالت مليكة وهما سائرتان تتطلعان حولهما "أي امرأة يا أم هاشم في هذا المكان المقطوع!"
تطلعت أم هاشم في هدوء الليل وظلمته حولها ثم سألت رجلا يرتدي زي العاملين في محطة البنزين" هل رأيت امرأة عجوز تسير من هنا منذ دقائق؟"
تطلع الرجل حوله ورد نافيا" لا لم أرى أحدا .. هل تاهت منكم !"
ناظرت مليكة أم هاشم التي سألت الرجل "هل تعرف امرأة عجوز تدعى أم جميل ؟!"
لاحت علامات النفي على وجه الرجل قبل أن يجيبها بهز رأسه بينما سُمع بوق إحدى السيارات يطلب منهما الاسراع فقالت مليكة تسحبها إلى حيث تنتظرهما سيارة مفرح مع الركب العائد للقرية" هيا يا أم هاشم تأخرنا"
تركتها الأخيرة تقودها .. فسألتها مليكة وهي تدقق في وجهها "هل كنت تبكين يبدو على وجهك؟"
ردت أم هاشم بكآبة "أنا فقط اشتاق لبسمة من الآن وأشعر بالوحدة"
طمأنتها مليكة وهي تتعلق بذراعها قائلة بدفء" لا تقولي هذا وأين ذهبت أنا .. "
غمغمت أم هاشم بمحبة" بارك الله فيك يا مليكة "
ثم عادت للتطلع في السبحة السوداء في يدها لتسألها مليكة وقد اقتربتا من السيارة "ما هذه السبحة ؟! إنها تبدو رجالية "
ردت الأخرى وهي تفتح باب السيارة "اشتريتها من المرأة العجوز "
قالتها وركبت بينما ركبت مليكة في المقعد الأمامي وتحركت السيارة على الفور.. فتطلعت أم هاشم حولها في الطريق المظلم الخالي نسبيا من المباني تبحث عن المرأة العجوز التي لم يكن لها أي أثر ثم عقدت حاجبيها تدمدم برهبة واندهاش " هل نادتني ببنت الشيخ أم أنني كنت أهذي؟!!!"
سرت القشعريرة في جسد أم هاشم وعادت تتطلع للسبحة السوداء في يدها بحيرة شديدة .
××××
"كامل نخلة ؟؟!! كيف حدث ذلك؟؟.. ومتى رآها ولماذا هي بالذات ؟!!"
قالها سيد منتفضا من جلسته على الأريكة في الخن فترك أحمد مقعده هو الأخر ووقف أمامه يسأله بلهجة متحفزة "لماذا انتفضت بهذا الشكل ؟؟.. ولم أنت متأثرا بالخبر ؟"
هتف سيد باستنكار" إلام تلمح يا ابن سماحة بالضبط!!"
رد أحمد بتحدي وهو يقترب منه أكثر "أنا لا ألمح لشيء أنا اسألك سؤالا مباشرا.. لماذا أنت مهتم كل هذا الاهتمام بالخبر؟.. أنا أخبرتك لأنه من غير المنطقي أن أحضر حفل الزفاف وأراها ولا أخبرك بما حدث "
تكلم سيد بلهجة معترضة هاتفا بصوته الجهوري " ما تحاول قوله يا أحمد غير مقبول "
استمر أحمد في مواجهته بإصرار مكشرا عن أنيابه " إذن فسر لي رد فعلك هذا"
رد سيد بعناد وهو ينظر في عيني أحمد" أنا لست ملزما بالتفسير ما دمت لم تفهم بنفسك"
بنفس اللهجة المستفزة سأله الأخر " هل أصابك الحنين لزوجتك السابقة؟! "
ضرب سيد كفا بكف مشيحا بوجهه يغمغم " لا حول ولا قوة إلا بالله! ..(وعاد يمسك بكتف قميصه قائلا بلهجة خطرة ) هل أنت غبي يا بني!.. أم ستعرفني وتعرف علاقتي بآية الآن!"
أبعد أحمد يد سيد عن قميصه بخشونة ورد بحمائية " أنا أتحقق من الأمر حتى لا تتعرض أختي لما يحزنها"
أطلق الثاني صوتا ساخرا من حنجرته وقال بتهكم "أنت بالفعل قد فقدت عقلك!"
"نهدأ يا شباب"
قالها وائل وهو يتحرك ليقف بينهما مهدئا بعد أن تبادل النظرات القلقة مع عمرو الذي تدخل هو الأخر يسحب أحمد من ذراعه قائلا "أحمد اهدأ وتعال اجلس من فضلك "
ظل أحمد متخشبا يتطلع في سيد بوجه مكفهرفقال وائل بالسيجارة الغير مشتعلة المعلقة بين شفتيه موضحا " يا بني افهم .. سيد لا يزال يشعر بالذنب تجاه طليقته .. وكونها ترتبط بشخص نعرفه ومن العاصمة أي من مكان بعيد عنها فالأمر يدعو للدهشة فعلا أن يكون الأمر محض صدفة"
قال أحمد مفسرا "ما فهمته من أمي وبانة أنه قد قابلها صدفة حينما زار قريبها في القرية وبأن قريبها هذا صديق التوأمين منذ عامين"
غمغم عمرو بلهجة متعجبة " سبحان الله على الأقدار والنصيب .. عموما أعتقد بأن عليك أن تطمئن عليها الآن يا سيد .. (وتحرك نحو وائل الذي أخرج الولاعة من جيبه وهم بإشعال السيجارة فسحبها من فمه وهو يضيف قائلا لسيد ) فها هي قد تزوجت مرة أخرى وعوضها الله بعائلة غنيم بك رجل محترم ووقور"
قال وائل باعتراض " ماذا تفعل ؟؟؟"
رد عمرو ببرود وهو يفتت السيجارة بين أصابعه " أبر بقسمي لأم ميري "
صرخ وائل وهو يرى السيجارة تتساقط مفتتة على المنضدة " كشفت رأسي ودعيت عليك أنت وأم ميري في ساعة واحدة .. "
لاحت الابتسامة على وجه عمرو وهو يراقب وائل الذي جلس يجمع قطع التبغ ووضعه في مطفأة السجائر ثم أشعل محتوياتها بالولاعة وأخذ يسحب الدخان الذي يخرج من احتراقها بانتشاء ويبخر به نفسه كالبخور .. فأسرع عمرو بإخراج هاتفه من جيبه وشغل الكاميرا يقول بلهجة لئيمة " من منكم يمتلك رقم هاتف أم ميري يا شباب؟.. أعتقد بأن هذا الفيديو يهمها "
رفع وائل أنظاره نحو الكاميرا وشحب وجهه فقال له عمرو مغيظا " ابتسم للكاميرا يا اكسلانس"
أما سيد فوقف صامتا مطرقا برأسه في حيرة أمام أنظار أحمد المرتابة وغمغم في سره "كنت أتمنى أن أشعر بالراحة عند سماعي بخبر زواجها لكني لا أعرف لمَ اشعر بالقلق!"
××××
كانت المطارق كالمناشير تكاد تشطر رأسها إلى نصفين فهي تعاني صداعا حادا منذ ليلة أمس مصاحبا لبكائها بشكل متواصل .
كل شيء حولها خانق ضاغط .. وكلما تذكرت أن بسمة كانت تحتفل يوم أمس بليلة حنتها للمرة الثانية وبأنها الآن سعيدة منتصرة بزيجتها الثانية في فيلا فخمة في العاصمة يتملكها الحسرة الشديدة على نفسها وحظها.
جاءتها الضحكات من الطابق الأرضي وكأنها شماتة فيها وفي خيبتها الـ ثقيلة .. فتركت السرير وأسرعت ترتدي عباءتها بعصبية وهي تتذكر أن سبب استيقاظها من غفوتها هو صوت الضحكات العالي بالأسفل .
إن البيت أضحى منذ صباح أمسمزارا لاستقبال المهنئين والمباركين بعودة الحاجة نجف من العمرة بعد طول غياب.. ورغم أنها تحججت بذلك الصداع وادعت المرض تاركة لحماتها مهمة استقبال ضيوفها والتزمت هي غرفتها .. لكنها غير قادرة على تحمل المزيد من الضيوف .. خاصة وأن خالات جابر وعمته الوحيدة اللاتي قد أتين اليوم من القرية المجاورة التي هي مسقط رأس أمه وخالاته ومحل إقامة عمته حتى يهنئن الحاجة نجف قد أطلن في جلستهن .
لقد نادتها حماتها عصر اليوم لتسلم عليهن .. فنزلت على مضض ترحب بهن ثم ادعت المرض كاليوم السابق وتحججت بالصداع وعادت لغرفتها ..
نظرت كاميليا لساعتها لتجدها التاسعة مساء فغمغمت وهي تنزل السلم بعصبية" كل هذا الوقت!! .. أليس لديهم أي إحساس ليقضين كل هذا الوقت وكأنهم في حفلة سمر!! .."
علت الأصوات من الصالة وسمعت كاميليا إحدى خالات جابر تقول ضاحكة" لا استطيع تصور الموقف يا نجف .. يبدو أنك أنت و زين قد قضيتما ذلك اليوم كله في الضحك"
ردت نجف ضاحكة "أجل وكلما تذكرنا الموقف انفجرنا ضاحكين"
قالت عمة جابر بلهجة متأثرة" والله اشتقت لهذا الولد ولخفة ظله"
فتكلمت إحداهما وهي تنظر لهاتفها" عابد ابني يستعجلني في العودة"
ردت نجف "جابر في الطريق .. أخبريه بما حدث ..قولي له جابر أقسم عليكن ألا تذهبن إلا حينما يحضر ليوصلكن بنفسه .. لقد اقترب "
حينما نزلت كاميليا تجز على أسنانها لمحت في الغرفة المجاورة للسلم ميس مع اسراء فتفاجأت بوجودها واندفعت تدخل الغرفة تقول بلهجة استهزاء" والله جميل جدا .. أخيرا حضرت سعادتك !"
رفعت إسراء أنظارها عن الكتاب في يدها تتطلع في كاميليا التي تقف أمامها يدها في خصرها وتناظرها بعصبية فاتسعت عيناها متفاجئة من حالتها وسألتها بهدوء" وعليكم السلام يا أم ميس أنا هنا منذ ساعتين هل حدث شيء؟"
ردت كاميليا بلهجة ساخرة "كل هذا ولم يحدث شيء؟!!.. ألم يكن موعدك اليوم عند العصر!"
لم يعجب اسراء طريقة كلامها.. لكنها تماسكت كعادتها أمام استفزاز هذه المرأة المستمر ..لشعورها بأنها حمقاء وردت " أنا أخبرت أبا ميس بأنني سأتأخر اليوم لحضوري حفل زفاف ونس ولم أرغب في تأجيل الحصة لأن ميس لديها اختبار نهاية العام غدا"
هتفت كاميليا باندفاع وقد استفزها هدوء اسراء وبرودها "أولا اسمه المعلم جابر وليس أبو ميس .. ثانيا أتمنى أن تحصل ميس هذه المرة على درجات جيدة بدلا من النتيجة السيئة التي حصلت عليها في الاختبار الذي خضعت له الأسبوع الماضي حتى نشعر بأن المبلغ الذي ندفعه لك له مقابل"
قاطعتها اسراء مدافعة بلهجة حازمة " أولا أنا لا اسمح لك بالحديث معي بهذه الطريقة .. ثانيا اختبار الأسبوع الماضي كان اختبار تجريبيا للتدرب على الامتحان.. ولقد سألت معلمة فصلها بما أني أصبحت أعمل في نفس المدرسة عما حدث لميس.. فأخبرتني بأنها كانت مريضة في هذا اليوم في الفصل .. فربما كان هذا هو السبب .. ولقد جعلت ميس تجيب عليه مرة أخرى هنا أمامي في الحصة وحصلت على درجة عالية والحمد لله.. ومجددا أقول لك لن أسمح لك بالحديث معي بهذه الطريقة"
نظرت نجف لضيفاتها بحرج شديد من صوت كاميليا العالي الآتي من إحدى الغرف الداخلية بينما تبادلت أخواتها تحريك شفاههن يمينا ويسارا في الوقت الذي ردت فيه كاميليا بخيلاء " حبيبتي تسمحين أو لا تسمحين هذا شيء يخصك.. نحنندفع لك مقابل نتيجة وليس صدقة لذا سنرى ماذا ستفعل البنت في اختبار الغد "
انتفضت اسراء واقفة أمام عيني ميس المذعورة ولملمت حاجياتها تقول" وأنا سأغادر الآن ولي حديث مع أبا ميس"
استفزها ما قالته اسراء وقد كانت بحاجة لمن تفرغ فيه طاقة الغضب التي تفور في رأسها فهتفت بصوت عال دون مراعاة لوجود الضيفات" قلت لك اسمه المعلم جابر .. وأنا هنا من لها الكلمة العليا في هذا البيت .. حينما تريدين الاعتذار عن موعد تحدثيني أنا .. وحينما تريدين مناقشة أي شيء يخص البنت تتحدثين معي أنا"
أخذت اسراء حقيبتها وتحركت نحو الباب فناظرتها الأخرى بنظرة متعالية وشفتين مزمومتين في الوقت الذي دخلت فيه نجف تقول بلهجة موبخة "لماذا صوتك عال يا كاميليا (ونظرت لإسراء التي قابلتها عند باب الغرفة تقول معتذرة) لا تؤاخذينا يا حبيبتي"
بضيق شديد غمغمت إسراءوهي تتجاوز كاميليا وحماتها "بل لا تؤاخذيني أنت يا حاجة أنا مغادرة السلام عليكم"
مرت اسراء في طريقها على الجالسات في الصالة اللاتي كن يناغشنها ويمازحنها حينما حضرت ويسألنها ماذا تعمل وهل هي مرتبطة أم لا فهتفت إحداهن بحزن عندما رأتها مغادرة " انتظري يا بنيتي إلى أين أنت ذاهبة؟"
غمغمت اسراء باقتضاب وبوجه مكفهر تداري رغبة شديدة في البكاء شاعرة بجرح كرامتها "عليّ أن أذهب السلام عليكم"
أخذت عمة جابر العجوز تهز ساقها بعصبية وتحاول التماسك وهي تسمع ما يدور بين نجف وكاميليا التي لا تزال تتحدث بصوت عال.
بينما قالت نجف بلهجة موبخة" لقد تعاملت مع البنت بقلة ذوق "
حاولت كاميليا التحكم في أعصابها حتى لا تنفجر في وجه حماتها لكنها كانت في حالة من فقد السيطرة على كل شيء حولهافهبت فيها "أنا أفعل في بيتي ما يعجبني ولن تعلميني ما يصح ومالا يصح يا خالتي"
لم تجد لديها من الطاقة النفسية ما يجعلها تتجمل في تعاملها مع حماتها كالسابق .. بل لم يعد لديها طاقة للتجمل مع أي شيء يخص حياتها .. فقد وصلت لقناعةبأنها لم تكسب أي شيء ذا قيمة بتجملها وتحملها.
أما نجف فحاولت التماسك كعادتها أمام حماقة زوجة ابنها وقالت بصوت خافت "أخفضي صوتك هذا إنه يصل للضيوف كفانا فضائح"
اندفعت كاميليا تقول بلهجة متهكمة مشيحة بيدها في وجه الأخرى فأصدرت أساورها صوتا متحديا "والله ما أعرفه عن الضيوف أنهم يغادرون بعد ساعة أو اثنين لكن هؤلاء من أهل البيت فهن يشرفوننا من قبل العصر فلا داعي للشعور بالحرج يا خالتي"
امتقع وجه نجف وهي تتطلع فيها بغير تصديق وللحظات خرس لسانها أمام وقاحتها في الوقت الذي هبت فيه عمة جابر تقول متجهة نحو باب البيت "أتعرفين يا نجف .. العيب ليس عليها .. العيب عليكِ أنت وابنك على صبركما على قليلة التربية هذه (وهتفت في أخوات نجف تقول بعصبية ) هيا هل تنتظرن حتى تطردنا بنت العسال؟!"
أخرجت كاميليا رأسها من باب الغرفة تهتف باستنكار والجنون يتراقص في عينيها "من تقصدين بقليلة التربية يا حاجة ؟!"
رفعت عمة جابر انظارها عن حذائها الذي كانت ترتديه بعصبية وقالت" لن أرد عليك .. فأنت حتى لا تستحقين مغبة الرد"
تدخلت نجف تقول وهي تقترب من أخت زوجها" بالله عليك يا أم ياسين لا تغضبي هي لم تقصد أي شيء كنا نتحدث عن أمر أخر"
أشاحت المرأة بيدها وقالت بقرف" ستظلين تدارين وتدافعين كعادتك يا نجف .. تستحقين منها كل ما تتلقينه ..فهذه الأشكال من البشر لن يقدروا أبدا كرم أخلاقك"
خرجت عمة جابر من البيت بينما هتفت كاميليا من عند باب الغرفة وقد خرجت أعصابها عن السيطرة كليا" تقصد من بعبارة ( هذه الأشكال ) !!"
قالت إحدى خالات جابر بلهجة موبخة قبل أن تخرج" ألن تحجمي لسانك هذا أم أنك لم يعد يعجبك أحد !.. نحن ذاهبات يا نجف وأخبري جابر بأن خالاته وعمته يخبروه بأنهن لن يدخلن بيت لا يُحترمن فيه ولا يُحترم فيه صاحبه"
كانت نجف تشعر بالغضب الشديد وبالضغط العصبي في هذا الموقف المحرج جدا في الوقت الذي دخل فيه جابر من بوابة البيت الخارجية يقول لعمته التي يرتسم على وجهها علامات الغضب" آسف يا عمتي بأني تأخرت"
قابلته في منتصف ساحة البيت في الخارج بإشاحة من يدها وهي تقول بقرف" ابتعد عني بلا عمتك بلا زفت"
تفاجأ جابر بمزاجها الناري لكنه تكلم بلطف معتادا على عصبيتها فقال مناغشا" ما بك يا أم ياسين ..والله كان لدي أمر هام في المحل وها أنا قد جئت لأوصلكن رغم أني لم أجد الفرصة لأجلس معكن"
تركته مغادرة بخطوات عصبية تخرج من البوابة وهي تقول "والله لن أركب سيارتك بعد الآن ولن أزور بيتك طالما قليلة التربية هذه في بيتك"
تطلع جابر في ظهرها المغادر متفاجئا ونظر لخالاته اللاتي يهرولن خلفها ثم اسرع بالخروج للشارع للحاق بعمته قائلا "ماذا حدث يا عمتي أخبريني؟! .. (وفتح باب السيارة) تعالي لأوصلك وأخبريني ماذا حدث"
تركته المرأة متجهة بعصبية نحو الشارع الرئيسي وهي تبرطم" لقد أقسمت بأني لن أركب سيارتك ولن أدخل بيتك مادامت بنت العسال فيه"
هتف جابر بعصبية والدم يغلي في عروقه "كاميليا حسابها معي عسير إن كانت قد تصرفت معكن بغير لباقة .. لكن يا عمتي لا يصح أن أترككن تغادرن وحدكن .. لقد أقسمت بألا تذهبن إلا بعدما أوصلكن .. أتريدين إهانتي يا عمتي!"
استدارت تهتف بصوت عال موبخة" كن رجلا على أهل بيتك أولا ثم تعال وأقسم علينا كما تريد"
قالتها واستدارت تكمل طريقها إلى حيث الشارع الرئيسي بينما وقف جابر يتطلع حوله شاعرا بالإهانة ليرى إن كان هناك من يمر وسمع بكلامها غير خالاته قبل أن يتماسك ويتحرك خلفها يقول بصوت متحشرج" يا عمتي انتظري أين ستذهبين وحدك في هذا الوقت؟!! "
واستدار للخلف إلى حيث خالاته يهرولن للحاق بعمته وسألهم بلهجة خطرة" ماذا فعلت كاميليا؟"
قالت إحداهن وهي تسير بجانبه" اسمع يا جابر هذه ليست أول مرة نشعر فيها بأننا غير مرحب بنا في بيتك .. وبصراحة لا يعجبنا طريقة زوجتك في التعامل مع أمك "
اتسعت عيني جابر بغير تصديق بينما أكملت خالته وهي تنهت "أكثر من موقف حدث أمامنا لمعاملة غير لائقة من زوجتك لأمك ونحن أكيدون بأنها تتلقى منها أسوأ من ذلك .. لكن كما تعرفها نجف صموتة صبورة ودوما كانت تخبرنا بأنها لا تريد أن تخرب بيتك وتشرد ابنتك .. لكن يا بني الأمر فاق الحد وقلة الأدب زادت .. يكفي بأننا كنا نقلل من الزيارات حتى لا نلقى وجه زوجتك العكر هذا .. لكننا اضطررنا للحضور اليوم لتهنئة اختنا (وأضافت حين وصلوا جميعا للشارع الرئيسي ) نحن كنا ننوي المكوث ساعة واحدة لكنك أنت من اقسمت علينا ألا نغادر إلا حينما تأتي لتوصلنا .. وابني منذ ساعات يلح في السؤال هل يأتي ليأخذنا بسيارته وأخبره بأنك ستأتي لتقلنا أي أننا لم نرغب في الاثقال على زوجتك أو نسبب لك أي حرج"
كان ما يسمعه جابر صادما .. رغم عدم اندهاشه أن تصدر هذه التصرفات من كاميليا لكنه لم يكن يعلم أنها بهذه الجرأة لأن تتصرف بهذا الشكل الوقح مع عائلته وما قالته خالته للتو من أنها تعامل والدته بعدم احترام جعل شياطينه تصور له رد فعل شديد العنف والإجرام.
لمح عمته تحاول الإشارة لتوكتوك فأسرع بنفض ما يعتمل في صدره من غليان وغضب وتطلع حوله يبحث عن وسيلة آمنة لإيصال خالاته وعمته.
لمح سيارة أجرة جماعية فارغة فأشار لها لتتوقف وحين دقق في السائق حمد ربه بأنه يعرفه وخلال دقائق كانت عمته قد صعدت بعد إلحاح من خالاته إلى السيارة وصعدت خلفها الباقيات وجابر يوصي السائق وهو ينقده مبلغا كبيرا "لن أوصيك يا شعبان كل واحدة توصلها إلى بيتها وتتصل بي لتعطيني التمام"
قال الشاب بثقة "لا تقلق يا معلم جابر إن لم تحملهن السيارة أحملهن فوق رأسي"
غمغم جابر رغم وجومه "عشت"
قالها وحاول التطلع في عمته فأشاحت الأخيرة بوجهها للناحية الثانية بغضب بينما السيارة تتحرك بهن .. ليندفع جابر عائدا لبيته والشياطين كلها تعربد حوله في غضب شديد.
حينما وصل سمع صوت كاميليا تصيح بجنون" ماذا تقولين أنت؟!!"
هتفت أمه ببحة صوت أوجعت قلبه واستنفرت حمائيته "أقول بأنك قليلة الأدب والتربية"
هتفت كاميليا والشياطين تتراقص حولها "أنت لن تعلميني الأدب والتربية .. احفظي لسانك واعلمي مع من تتحدثين"
كان المشهد أصعب من تحمل جابر فتصلب أمام الباب لثوان يتطلع في المشهد متسع العينين بذهول بينما هتفت أمه بغضب شديد " بل قليلة الادب والتربية .. لقد تحملتك كثيرا لعلك تتعقلين لكنك تماديت ظنا منك بأني هبلاء .. ألا يكفي ما فعلتيه اليوم بأنك قابلتيهن بوجه مقلوب وتركتيهن وصعدت لغرفتك!!"
تخصرت كاميليا وهتفت بلهجة متهكمة "وما الذي كان مطلوبا مني إن شاء الله! .. ألا يكفي تحملي على مدى يومين ضيوفا تدخل وضيوفا تخرج دون مراعاة لحالتي المرضية!!"
قالت نجف بسخرية مُرة " ألف سلامة .. كنا نطمع في جلوسك مع أهل زوجك ولو لربع ساعة كنوع من الترحيب .. لم نكن نطلب منك أن تضيّفيهن لا سمح الله فقد قمت بالواجب بنفسي وأنا في أشد الحرج أمام أخواتي اللاتي سألنني أين ذهبت زوجة ابني وأنا أضيفهن بنفسي"
شهقت كاميليا باستنكار ووقفت متخصرة فرنت أسوارها الذهبية وهي تقول "وهل أحضرني ابنك إلى هذا البيت خادمة لك ولأهله إن شاء الله!"
"بل احضرتك لتكوني سيدة هذا البيت وأنت لا تستحقين أن تكوني كذلك"
استدارتا على صوت جابر فهتفت أمه بوجه ممتقع " جابر!"
بينما شحب وجه كاميليا وهي تراه يقترب منها في حالة من الغضب الشديد قائلا " لقد طفح الكيل وفاض يا كاميليا واليوم أنت وضعت نهايتك بنفسك فالبيت وصاحب البيت الذي اهنتيه خسارة في انسانة وضيعة مثلك"
انفجرت تصيح باستنكار " أنا وضيعة يا جابر!!"
تقبض بقوة هادرا فيها وهو يخرج الهاتف من جيبه " أجل وضيعة ولا تستحقين العيش في هذا البيت لحظة واحدة"
صرخت في وجهه بجنون " بيت !..بيت!.. بيت !.. أي بيت هذا الذي تتحدث عنه وكأنه لم يبني أحد بيتا غيرك .. أنظر لبيوت الأثرياء لتعلم كيف تكون البيوت على أصولها قبل أن تتحدث بلهجة محدثي النعمة هذه.."
خرست فجأة حينما صفعهاجابر على وجهها بقوة جعلتها ترتطم بالمقعد بجوارها بعنف وتتمسك به حتى لا تقع شاعرة بألم شديد في أذنها وعلى خدها .. بينما أسرعت أمه نحو ميس التي خرجت من الغرفة التي كانت تقف فيها مختبئة من الخوف عند شجار جدتها وأمها وأخذتهاودخلت الغرفة ووقفت على بابها لا تعرف ماذا تفعل هل تواسي الصغيرة أم تبقى مع ابنها حتى لا يتهور أكثر على زوجته خاصة وهي تراه في حالة من الغضب والانفعال لم تره عليها من قبل .
أما جابر فأمسك بشعر كاميليا يرفعها قائلا بغضب" ألم أقل لك بأنك لا يناسبك إلا الرجل الهمجي ؟.. أنت طااااالق يا كاميليا.. طالق"
شهقت أمه تضع يدها على فمها بينما اتسعت عينا كاميليا وتطلعت فيه لثوان تستوعب ما حدث للتو والطنين في أذنها يزداد وراقبته وهو يخرج هاتفه .
طلب جابر رقم بدير لكنه وجد هاتفه مغلق فأسرع بالاتصال بعماد وبادره قائلا بمجرد أن فتح الخط " لقد طلقت أختك فارسل أحدا ليأخذها فورا .. فلن تبق في هذا البيت لحظة واحدة بعد الآن "
قالها وأغلق الخط ..فاندفعت كاميليا تقول "وهل سأنتظر لأن يأتي أحد ويوصلني .. تركت لك جنتك لتشبع بها"
واندفعت نحو الباب فصرخت ميس بلوعة "أمي"
تذكرت كاميليا ابنتها فعادت وأمسكت بذراعها بخشونة تجرها خلفها .. فنظرت ميس لوالدها تقول بنفس الصوت الملتاع "أبي"
وقف جابر مغمض العينين متقبضا بقوة يطحن ضروسه في محاولة لتلجيم غضبه .. فما كان يشعر به لحظتها كفيلا بأن يندفع خلفها ويقتلها في التو واللحظة بينما نظرت له نجف ثم أسرعت خلف كاميليا وميس لترى كيف سيغادران في هذا الوقت من الليل خاصة وأن كاميليا قد خرجت بعباءتها البيتية ودون غطاء للرأس ..
حينما وصلت نجف بخطواتها البطيئة إلى البوابة لمحت كاميليا تركب توكتوك قد تحرك بها على الفور مغادرا فوقفت تلهث قليلا قبل أن تعود للبيت غير مصدقة لتطور الوضع وانفجاره بهذا الشكل وبهذه السرعة .
حين عادت كان جابر يجلس على السلم يحدق في الفراغ أمامه كالتمثال فاقتربت منه تقول "جابر"
التفت إليها قائلا بغضب بارد"لماذا اخفيت عني ما تفعله معك؟! .. لماذا يا أمي ساعدتها على أن تقلل مني وتستهين بي بما كانت تفعله معك ومع أهلي .. لماذا لم يخبرني أحد إلى أي مدى وصلت وقاحتها ؟!"
قالت أمه باكية " يا جابر أنا أعلم بأنك تتحملها من أجل ميس وكنت أشفق عليك بشدة وأنا أراك تعيسا فلم أحب أبدا أن أكون سببا في خراب البيت"
استقام واقفا يهتف باستنكار والغضب يتطاير من عينيه شزرا " فارتضيت لك ولي ولأهلي الإهانة يا أمي؟!! .."
لم تجد نجف ما تقوله لابنها وهي تراه بهذه الحالة النادرة من الغضب بينما تحرك جابر يدمدم وهو يتجه نحو باب البيت " لديها كل الحق لتفعل هذا بي وبك وبأهلي .. كان عليّ أن أكون حيوانا معها منذ أول ليلة .. عمتي لها كل الحق أيضا فيما وصفتنيبأني لست رجلا لتحترمه "
هتفت نجف بقلق شديد من حالته "يا بني لا تفعل بنفسك هذا .. اهدأ وما كسر يمكن إصلاحه أنت قرصت أذنها الآن وإن شاء الله ما حدث سيجعلها ...."
استدار يهتف بغضب مقاطعا " لا .. ما كُسر قد كُسر منذ زمن ولم يكن هناك فرصة لإصلاحه .. وهذا البيت لن تدخله بنت العسال مجددا .. وسأريها جيدا الوجه الآخر من جابر دبور الذي استهانت به "
سألته بقلق "إلى أين أنت ذاهب الآن؟"
استدار إليها يقول بلهجة مخيفة" إلى المأذون فلن تبقي على ذمتي دقيقة واحدة "
××××
انفجر الجالسون في الضحك ثم قال يحيى وهو يضع يده على صدره ساعلا "يا الله !.. لم أضحك هكذا منذ زمن أسعدك الله يا محسن يا بني"
غمغمت صباح بلهجة معجبة" ما شاء الله عليك يا ولدي لديك خفة ظل لم أقابلها في حياتي"
ربت محسن على صدره شاكرا يشعر بالإطراء ثم نظر ليحيى نظرة محرجة ذات مغزى فقال الأخير لزوجته وبناته الأربعة الجالسات أمامه يشاركونهم السهرة" هلا تركتموني أنا والشاب قليلا نريد أن نتحدث لكنكم تجثمون فوق صدورنا منذ أن حضر"
اندفعت رباب تقول وهي تأكله بعينيها" هذا لأن محسن حديثه لا يمل منه يا أبي"
لكزتها أمها في جانبها وهي تقول من بين أسنانها" هيا يا بنات للداخل لنعد العشاء لمحسن"
توردت وجنتا رباب وارتبكت بينما قال يحيى بلهجة ساخرة "هذا العشاء نسمع عنه منذ ساعتين منذ أن حضر الشاب"
غمغمت صباح وهي تتحرك للداخل" لا تؤاخذوننا فالترحيب بمحسن قد ألهانا خاصة وأنه تعلل حينما وصل بأنه قد أكل قبل حضوره لكن الآن ليس له حجة"
قالتها وهي تسحب رباب للداخل بينما الأخيرة تتطلع في محسن بهيام.
على باب المطبخ قالت لها صباح بهمس موبخ "ألن تكفي عن التطلع في الشاب بهذه الطريقة أبوك سيلاحظ"
أطرقت رباب برأسها قليلا بحرج .. ثم عادت لتسأل أمها بلهفة "أي موضوع تعتقدين بأنه يريد أبي فيه لدرجة أن يطلب أن يحدثه على انفراد"
قالت صباح بابتسامة واثقة " قلبي يخبرني أنه يخص زواجه .. فقد ذكر أكثر من مرة أنه انتهى من توضيب شقته وأنها جاهز لاستقبال العروس لذا أقطع ذراعي إن لم يكن سيتحدث في أمر الزواج"
أمسكت رباب بذراع أمها تقول بلهفة "صحيح يا أمّة وهل تعتقدين بأنه سيطلبني أنا؟"
قالت صباح بثقة" بالطبع فأنت الثانية بعد سامية .. وهو يعلم بأن سامية مخطوبة ولا أعتقد بأنه سيطلب هند ويتخطاك"
قالت هند من المطبخ بمناكفة" ولماذا لا يطلبني أنا ! هل عليه أن يختار بترتيب العمر بيننا"
قالت رباب بغيظ" ألم تتهكمي عليه لأنه أسمر !!"
ردت هند ببرود" إن كان في الأمر زواجا فلا بأس سأتغاضى عن سُمرته"
هتفت صباح بهمس موبخة" اخرسن وكفين عن الثرثرة وانتهين هيا من تحضير العشاء "
قالتها وتحركت حتى أخر الممر المؤدي للصالة بخفة ووقفت خلف الستارة لتسمع ما يدور بين زوجها وضيفه فتبعتها رباب .
قال محسن بحرج وهو ينظر أرضا "الحقيقة يا خالي أنت تعرف كم أنا سعيد بأني وجدتك فأنت عائلتي الوحيدة هنا وباقي أعمامي وأخوالي في الجنوب"
ربت يحيى على فخذ قريبه بمحبة ورد "يعلم الله كم اشعر أنا أيضا بالسعادة حينما أراك يا ولدي بارك الله فيك واسعدك"
صمت محسن قليلا ثم قال بنفس اللهجة المحرجة" أنا تعبت من الوحدة.. وأرغب في أن أكمل نصف ديني واتزوج"
تهللت أسارير يحيى وقال "مبارك مقدما يا ولدي ومن سعيدة الحظ إن شاء الله؟"
تطلع فيه محسن بنظرات حائرة لا يعرف كيف يخبره بأنه يريد أن يصاهره لكنه يشعر بالحيرة منذ أيام ما بين رباب التي عليها الدور في الزواج بعد سامية و أم هاشم التي يرى أنه من واجبه الارتباط بها لأنها لن تجد من يقدرها في هذه القرية التي تبدو بالنسبة لهم مختلفة وفي الوقت نفسه متردد قليلا بشأنها لأنهما في نفس العمر .. وكان يريد أن يسأله عن عمر رباب فهو يخشى أن يكون فارق العمر بينهما كبير فقرر أن يسأل عن عمرها ليحسم أمره قبل الإعلان عن هوية عروسه فسأل سؤلا استهلاليا بحرج" هل تقبلني صهرا لك يا خالي؟"
أمسكت رباب بذراع أمها بحماس وكتمتا صيحات الفرح بينمااتسعت ابتسامة يحيى وقال بحبور" نحن نتشرف بك يا ولدي من من بناتي تقصد؟"
"ارحميني من تحقيقك يا وفاء"
قالتها أم هاشم بعصبية وهي تدخل من باب البيت بينما الأخرى التي كانت تنتظر وصولها منذ مدة مستمرة في سؤالها بلهفة "أخبريني يا أم هاشم بالتفصيل بالله عليك ..ماذا رأيت في فيلا العريس في العاصمة؟"
صمت يحيى ومحسن يتطلعان في الزوبعة السوداء التي دخلت تقول" السلام عليكم"
بابتسامة متسعة أظهرت بياض أسنانه اللؤلؤية قال محسن "وعليكم والسلام ورحمة الله .. من استفز شيكولاتة العائلة؟"
ردت أم هاشم بامتعاض مشيحة بيدها تشير على وفاء التي لا تزال تتعقبها بإلحاح "استفزتني (قلقاسة) العائلة"
انفجر يحيى ومحسن في الضحكبينما استمرت وفاء في ملاحقتها تقول بإلحاح" لن أتركك حتى تحكي كل ما رأيته بالتفصيل .. (وسألتها بهيام ) هل تحدثوا أمامك بلهجة بلدهم؟"
تجاهلتها أم هاشم وهمت بالذهاب إلى غرفتها فقال محسن ممازحا بعد أن غمز بعينه ليحيى "تأخرت يا هانم .. أين كنت وتركتيني بدون عشاء حتى الآن وقد كنت أعشم بطني أني سآكل محشي اليوم من يدك"
أشاحت بيدها وهي تتحرك للداخل قائلة بنفس المزاج السيء الذي اعتاد عليه محسن "مر علينا وقتا أخر يا كابتن فالمطعم مغلق الآن"
أتاها صوت ضحكته من الخارج بينما هتفت أم هاشم وهي تمر من جانب صباح وابنتها في أول الممر " علام تتلصصين يا صباح أنت وبنتك بوقفتك هذه؟!!"
اتسعت عينا صباح بحرج وهي تشير لها أن تخفض صوتها .. فتجاهلتها أم هاشم ذاهبة إلى غرفتها بينما وفاء لا تزال تلاحقها.
في الصالة قال محسن ضاحكا "سبحانك يا رب ..أم هاشم بكل تفاصيلها شكلها وعصبيتها وخفة ظلها حتى مهاراتها في الطبخ نسخة طبق الأصل من عمتي رِزْقَة رحمها الله.. والله يا خال كأني أراها بالضبط أمامي ولكن في صورة أصغر سنا"
غمغم يحيى قائلا" رحمها الله ورحم كل أمواتنا .. يقول المثل يخلق من الشبه أربعين (ثم سأله ) لم تخبرني أي من بناتي تقصد؟"
جاء صوت أم هاشم تهتف من الداخل بلهجة مهددة نزقة "اسمعي يا وفاء أنا مجهدة ومتعبة ولا أرى أمامي حاليا .. فابتعدي عن طريقي وإلا سألصقك في الحائط كما أفعل مع الناموس أو اعلقك مكان النجفة في السقف حتى الصباح "
قهقه محسن بينما ابتسم يحيى على ما سمعاه فقال الأول وقد عقد العزم " أم هاشم .. أطلب يد تلك النزقة العصبية التي بالداخل على بركة الله "
تهللت أسارير يحيى بينما حبست رباب صرخة بكفها وضربت صباح على صدرها شاهقة تهمس باستنكار " أم هاشم !!!"
