اخر الروايات

رواية واشرقت في القلب بسمة الفصل السابع عشر 17 بقلم الكاتبة شموسة

رواية واشرقت في القلب بسمة الفصل السابع عشر 17 بقلم الكاتبة شموسة


الفصل السابع عشر
تطلع كامل في تفاصيل البيت من حوله بفضول وبدا له تقليديا أكثر من اللازم بل إنه لا يدل على أن صاحبه رجل ثري ومن عائلة كبيرة كسليمان الوديدي .. فهو بعكس بيت العمدة وبيت الجد صالح اللذان يحتويان على أثاث فخم فلا يشابههما هذا البيت إلا في الضخامة والاتساع .. فالأثاث فيه بسيط وتقليدي ولولا أنه يعرف الحاج سليمان ومدى ثرائه لتصور أنه لعائلة متوسطة الدخل فلا شيء فيه يدل على ثراء صاحبه ..
أهنا تربت بسمة ؟..
ترى هل احبت هذا البيت وتمتلك فيه ذكريات سعيدة ؟
قال الحاج سليمان مرحبا بطريقته المبالغة "أنرتنا يا كامل يا ولدي؟"
رغم شعوره بلزوجة هذا الرجل وعدم تقبله لأن يكون هذا هو حماه رسم كامل ابتسامة ضعيفة على وجهه ولم يعقب متسائلا لماذا تأخرت بسمة في مقابلته .. لقد انتهى من كوب الشاي الذي قدمته له الحاجة أم بسمة الجالسة قبالته تتأمله بتدقيق يشعره بالحرج .
غمغمت الأخيرة بترحيب شديد" أنرتنا يا حبيبي أخبرني هل تفضل طعاما معينا؟"
تنحنح كامل ورد برزانة " أنا آكل كل الطعام ..لكني لا أريد أن أتعبك يا حاجة فأنا متعجل اليوم ولن استطيع أن أبقى على الغداء "
قال سليمان بعتاب" وهل هذا يجوز ! "
رد كامل "عليّ أن أعود للعاصمة فورا أنا وتوأمي فلدينا اشغالا معلقة "
سأله سليمان بفضول " وأين هو الآن هل هو عند مفرح ؟"
رد كامل باقتضاب يشعر بالاختناق لكرهه للثرثرة" إنه عند خطيبته "
غمغم سليمان ممتعضا" آه البنت الخرساء ..الحقيقة تفاجأنا كلنا باختيار أخوك لبنت القللي ..فلا تؤاخذني البلدة مليئة بفتيات أكثر منها جمالا وحسبا ونسبا"
انقلبت مقلتي كامل يناظر سليمان بنظرة جعلت الأخير يقول مستدركا بحرج "سبحان الله كله نصيب"
تكلم كامل بصوت هادئ "إنها عنده أغلى ممن هن أكثر جمالا ومالا ونسبا "
قال سليمان متحرجا "بالطبع ..بالطبع (ثم صاح في زوجته) أين بسمة يا حاجة تعجليها"
قامت فاطمة تقول "حاضر (ثم استدارت لكامل تسأله) سأحضر لك عصيرا ما دمت قد انتهيت من الشاي"
استشعر كامل طيبتها واستشعر سعادتها بوجوده فغمغم بلطف لا يخرج لأي أحد وهو يتطلع في عينيها الزرقاوين مدركا لحظتها من أين حصلت بسمة على زرقة عينيها "شكرا لك ولكن صدقا لن أقدر "
دخلت بسمة تقول بصوتها الرخيم ذي البحة" السلام عليكم "
استقام كامل واقفا ببطء بينما قال سليمان "أخيرا جئت يا بسمة "
لم ترد بسمة ولم يقل كامل أي شيء بل ظلا واقفان بصمت مرتبك .. ليقطع سليمان الصمت قائلا" أنا سألحق بصلاة الظهر قبل أن تفوتني ثم أعود ..وأنت أعدي لكامل بك العصير يا أم وليد .. "
تحركت فاطمة مغادرة الغرفة مع زوجها وقد تُرك الباب مفتوحا بينما وقف كامل وبسمة يحدقان في بعضهما ..وهال كامل ما رآه .
كان بها شيئا مختلفا ..أو مفقودا ..
شيئ يذكره بلقائهما أول مرة في خيمة الطباخين ..
عيناها كانتا رماديتين حزينتين كغابة موحشة مقبضة ..
ولم يكن يعلم قبل الآن عيناها يتغير لونهما..
بينما بدا وجهها منتفخا وجفونها متورمة ..
فأدرك بأنها قد تضررت كثيرا ..
أما بسمة فطلبت من قلبها التنحي جانبا فلم يعد له مكانا .. فلا وقت للحب ولا للتورط فيه .
سألها بحشرجة" كيف حالك؟"
ردت بلهجة متألمة "تقصد بعد ما تسببت لي فيه؟!"
سألها باستهجان "هل تلومينني !!"
ردت بسخرية مرة " وهل هناك أحد أخر يمكن أن ألومه!"
قال بصوت خافت غاضبا والشرر يتطاير من عينيه " أكنت تريدين مني أن أترك لهذا الوقح أن يتجاوز معك!!"
تكتفت ترفع ذقنها وتقول بكبرياء " كنت سأتصرف بشكل أكثر هدوء حتى لا تحدث فضيحة"
قال مستهجنا "عن أي هدوء تتحدثين لا أفهم! "
لاح الألم فجأة في عينيها رغم أنها حاولت بشدة ألا تبدو أمامه مثيرة للشفقة فسحب كامل نفسا عميقا وقال " عموما اعترف بأني بالغت في رد فعلي"
عقبت بلهجة ساخرة متألمة " ولهذا أتيت وتقدمت للزواج مني؟! "
أدرك كامل بأنها مجروحة وتداري وجعا عظيما .. وجع وجد صداه في قلبه هو أيضا فسألها مراوغا وهو يضع يديه في جيبي بنطاله "هل هذا ما تعتقدينه ؟"
بلهجة ساخرة متهكمة قالت متصنعة التفاجؤ " لا تقول! .. هل أعجبك ؟.. هل وقعت في غرامي أنت الآخر ؟!!..فذلك المعتوه كان أيضا واقعا في غرامي وأنا الآن أعاقب بسبب مشاعره هذه .. (ووقفت تضع يدها في خصرها وتقول بلهجة مستعرضة ساخرة ) ها ..أخبرني هل أعجبك جمالي كامل بك؟ .. عموما لو كان هذا حقيقيا فلن اندهش فهذا أمر اعتدت عليه منذ صغري .. حتى أني مطلوب مني الآن أن أختار من بين ثلاثة عرسان دفعة واحدة "
كالطائر المذبوح الذي يؤدي رقصته الأخيرة بكبرياء مزيف .. بدت أمامه ..
وعلى الرغم من ذلك ناظرها كامل بنظرات خطرة في صمت بعد أن جرحت كبريائه الذكوري الذي يتحفظ في الأوقات العادية على الاعتراف بأمور الحب والعشق فما بال الآن وفي هذا الموقف المعقد بينهما .. فتحصن خلف صلفه وغروره معترفا بأنه حتى لو تنازل عن كرامته في تلك اللحظة ليخبرها بالحقيقة فالبوح بأية مشاعر لن تستقبلها بسمة بشكل صحيح حاليا .. وأدرك بأنها مشوشة وغير متزنة بعد كل ما مرت به .. فتقبض بقوة في جيبي بنطاله ورد بلهجة ساخرة يتقنها "يؤسفني أن أخبرك بأنك مغرورة قليلا "
أطلقت بسمة ضحكة باردة خالية من الحياة وغمغمت ساخرة "أنظر من يقولها !!.."
وقف يناظرها بمقلتين مقلوبتين صامتا وحائرا بين لهفة قلبه وزمجرة كرامته .. فأمسكت بسمة بين عينيها بسبابتها وابهامها تغمغم" يا إلهي هذا أغرب حديث بين اثنين يتحدثان بشأن الزواج (وأشارت له على الأريكة خلفه تقول بهدوء) تفضل من فضلك "
لم يتحرك ولم يخرج يديه من جيبيه بل قال "هل أرسلت إلي لتخبريني بأني السبب فيما حدث لك ؟"
قالت بثقة مزيفة " أليست هذه الحقيقة؟!"
سألها بهدوء وقد استشعر بأنها تريد أن تصل لنقطة معينة "والمطلوب ؟"
ضيقت عينيها تسأل " أريد أولا أن أعرف لماذا فعلت ما فعلت بطلب الزواج مني .. هل تجامل مفرح ولا تريد أن تخسر صداقته فقررت التضحية بنفسك والزواج من مطلقة ؟!!"
جاراها للنهاية ليعرف ماذا تريد فرد ببرود "من ناحية التضحية فكلامك صحيح.. ولكن ليس من أجل مفرح ولكن من أجل أخي ..فهو كما تعلمين قد خطب ونس ووالدها متردد بشأن هذا الارتباط ولهذا لم أرغب في أن يتحدث الناس عني بما يعطل زيجة أخي "
"اممم فهمت "
قالتها تداري ألما جديد يضاف لآلامها وكأنها كانت تهتم بالإجابة .. رغم أنها قررت ألا تهتم .. بينما أكمل كامل " بالإضافة لأني رجل أتحمل مسئولية أفعالي .. ورأيت أن تصرفي كان له رد فعل أضخم وأكثر مبالغة مما توقعت لذا قررت أن أتحمل مسئولية ما تسببت فيه "
عقدت ذراعيها أمام صدرها وسألته بهدوء "وماذا بشأن السفر ألم تخبرني بأنك ستهاجر؟"
رد كاذبا " الحقيقة قد تأجل الموضوع مؤقتا"
نظرت أرضا تفكر برهة فتمنى كامل أن ينهي هذا الجدل العقيم وأن يأخذ تلك الحمقاء التي تدعي الصلابة إلى حضنه ويعتذر لها بالنيابة عن الجميع ويحثها على تبكي وتفرغ أنهار الدموع المحبوسة في مآقيها .
تمنى بشدة أن يضمها إليه بقوة ليخفيها بين ضلوعه عن العيون ..
تمنى أن يخبرها بأنه موجود وسيظل موجودا فلن تبقى وحيدة بعد الآن .
رفعت إليه أنظارها تقول بذقن مرفوع "اسمع يا استاذ كامل كما قلت بأنك قررت أن تتحمل مسئولية ما تسببت لي فيه.. واعترفت بأنك ترغب في الزواج مني لإنقاذ زيجة توأمك .. وأنا أقدر لك صراحتك وأجدها مناسبة لظروفي جدا .. لذا دعنا نعقد صفقة يستفيد منها الطرفان"
ما توقعه كان صحيحا بأن لديها غرض ما من تلك المقابلة فطحن ضروسه وتماسك ليستمع وقلبه لا يزال متألما لحالتها الماثلة أمامه بينما أكملت بسمة " أنا أوافق على طلبك ولكن شرطي أن يكون زواجا صوريا فقط أمام الناس"
تفاجأ كامل وصدم لكنه حافظ على غموض ملامحه بينما أكملت بسمة بلهجة حاولت أن تكون عملية لكنها خرجت متألمة رغما عنها "فمن الجيد أنك لا تفكر فيّ كزوجة "
هم كامل بالنفي لكنها اسرعت بالقول "وهذا يريحني جدا ويرفع عني الضغط "
خرس كامل ووقف أمامها محتارا بينما أكملت بسمة توضح فكرتها.. "أنت ستنقذ زيجة توأمك وستجامل مفرح صديقك وأنا سأتخلص من إلحاح أهلي عليّ بالزواج لفترة ..سأقوم فيها بتثبيت قدمي وتطوير عملي وهناك شرط أخر ألا وهو أني سأستمر في عملي وسأحضر لمباشرته أكثر من مرة في الشهر ..وسينتهي هذا الزواج أو الاتفاق بعد مدة حين يطلب أحد الاطراف من الاخر الانفصال"
صمتت تتطلع في عينيه العميقتين ..
من أين أتت بتلك الثقة في أن تعرض عليه فكرة غريبة وحساسة كهذه ؟!
وهل لو كان مهاب مكان كامل الآن كانت ستتكلم بهذه الـ أريحية وكأنه سيتفهم وجعها؟..
ولماذا تبذل مجهودا حتى تبقى ثابتة متحفظة قوية ومتماسكة أمامه ..
لماذا لا تترك نفسها تنعم ولو لدقائق بالــــ وهم ..
بأنه يريدها ..
بأنه فارس الأحلام في حكايات البنات المراهقة الذي أتى بحصانه الأبيض لينقذها .
لماذا لا تتشبث بالوهم فهو مخدر رائع لآلام الروح؟ .
ولماذا لا تضيف على مطالبها أن يكون لها حق اللجوء إلى حضنه فما أصعب الشعور حين تقف وحيدا ضعيفا متألما لا تملك وطنا يحتويك .
مرت الثواني عليها بطيئة وصعبة بينما ملامحه تزداد صلابة وغموضا أمامها .. وللحظة ندمت على ما قالت ليس استهجانا للفكرة فهي ما تتمني أن تحققه لتنتقم لكنها شعرت بأنها ربما تهورت بعرض الفكرة عليه بهذا الشكل الفج الصريح ..
المشكلة أنها لا تتقن ألاعيب النساء ولا تحبذها .. هي دوما صريحة وواضحة وليست من النوع المتلون أو المراوغ ولن تقبل لنفسها بأن تخدعه هو أو غيره بالموافقة وليس في نيتها الاستمرار في الزواج.
أما كامل فأدرك الوضع جيدا ..ورغم الحاح كرامته المهانة عليه لكن قلبه وحبه لها فازا في المعركة على كبريائه وعنجهيته .. ورغبته في حمايتها واخراجها من هذه البلدة كان الأكثر أهمية في تلك اللحظة فقال بهدوء "لي شروط أنا الأخر "
تماسكت وهي ترفع له ذقنها بكبرياء زائف مترقبة فأوضح كامل "ستتعاملين مع هذا الزواج بجدية فيما يخص صون كرامتي كزوج .. وثانيا لن يعرف أي فرد من العائلتين بهذا الاتفاق وسنبدو أمامهم زوج وزوجة طبيعيان"
هزت رأسها موافقة تتحكم في رغبة في اظهار امتنانها وراحتها لكنها تحتفظ بنفسها باردة غير مبالية فهذا يخدر مشاعرها كلها الحزينة والمجروحة منها والهائمة الولهة أيضا.
بهدوء وثقة قال كامل "و أنا أوافق"
××××
"اتركني يا بسطاويسي سأحرق البلدة كلها"
دفعه الأخير قائلا بغضب "اهدأ يا بدير هل فقدت عقلك؟.. يكفي أن البلدة كلها باتت تعلم الآن أنك طلبتها للزواج ورفض طلبك وبعد ما حدث أي رد فعل منك سيسئ لك وللعائلة كلها "
كان صدر بدير يعلو ويهبط بانفعال والنار تأكل في قلبه فقال متوعدا "سيرى مني هذا الغريب ما يليق به .. رصاصة طائشة ستنهي حياته "
هدر بسطاويسي في لحظة نادرة من الغضب ليست من شيمته "أنت بالفعل قد فقدت عقلك .. إنك أول شخص ستشير عليه أصابع الاتهام يا غبي لو حدث ذلك ..هل ستضيع حياتك من أجل امرأة !"
ناظره بدير بألم وغمغم بقلب محروق "ستضيع مني للمرة الثانية يا بسطاويسي"
ابتعدت وجدان عن التلصص على غرفة الضيوف لا تعرف إن كان عليها أن تفرح بأن قوبل طلبه بالرفض أم تحزن على حالته المزرية .. كل ما تعرفه أنها تشعر بالراحة وبأن شعورا بالخيبة والخذلان والمرارة وكسرة النفس سيصاحبونها للأبد.
في الغرفة قال بسطاويسي " أنت بحاجة لأن تترك القرية وتذهب لأي مكان لتريح أعصابك بعيدا عن الجميع بضعة أيام ..أعرف سمسارا يؤجر شققا في إحدى القرى السياحية سأجعله يؤجر لك شقة هناك تستجم فيها وتريح أعصابك وتمتع عينيك بما لذ وطاب من النساء هناك .. (واضاف مغادرا وهو يناظره بقرف ) ربما تخلصت ساعتها من ذلك العفريت الملقب ببسمة الذي يلبسك !"
اغلق الباب خلفه .. بينما أسند بدير رأسه بين يديه في جلسته على الأريكة يحاول ألا يفقد اتزانه حتى لا يخسر أكثر من ذلك فيكفيه ما حدث ..لكنه لن يسكت ابدا .. لن يترك انتقامه ابدا.. لابد أن ينتقم من هذا الرجل الذي أخذها منه.. لابد .
××××
بعد ثلاثة أيام
في الصباح
" قلت أريد أن أريح أعصابي يا أمي"
قالتها مهجة بانفعال لتقول نحمده بغيظ "أنت هنا منذ ثلاثة أيام وكلما سألتك عن السبب تخبريني بهذه الجملة وزوجك لم يظهر .. والناس ستتساءل عن سبب وجودك هنا"
قالت مهجة بترجي " أرجوك يا أمي لا تضغطي عليّ حتى لا اتخذ قرارات لن تعجبك "
عقدت نحمده حاجبيها تسأل بارتياب " ما معنى هذا الكلام؟"
غمغمت مهجة "لا شيء لا تشغلي بالك"
"ماذا يحدث ؟"
قالها مفرح وهو ينزل من الطابق العلوي فهتفت نحمده "ألن تأمر هذه البنت أن تعود لبيتها الناس ستأكل وجوهنا إنها لا تزال عروس!"
لم يعلق مفرح وإنما قال " صباح الخير يا أم مفرح (ثم قال لمهجة) تعالي أريدك"
ناظرته نحمده بغيظ بينما لحقت مهجة به في إحدى الغرف فأغلق الباب واستدار يقف أمامها متخصرا يطالعها بملامح جدية .. فتقبضت تواجهه .. ليقول" أنا تركتك لترتاحي وترتبي أوراقك "
انفجرت مهجة فجأة في البكاء فقال مفرح بحزم وتهديد "مهجة لا أريد انفجارات عاطفية لأن ذلك سيشوش على حكمتي وتعقلي في التعامل مع الأمر .. ما تفعلينه هذا أقل رد مني عليه هو أن أذهب لابن الوديدي اوسعه ضربا حتى يموت في يدي وقتها فقط سأشعر بالراحة .. لذا أريد أن تتحدثي معي بعقلك واتركي العاطفة جانبا "
مسحت مهجة دموعها ورفعت رأسها تحاول التماسك قائلة "أنا لن أكمل معه"
انقبض قلب مفرح ووضع أمام شيئين متناقضين خوف عليها من خوض تجربة ليست بالهينة .. وفي الوقت ذاته لا يريدها أن تبقى معاقبة بسوء اختيارها الذي حذرها منه من قبل فقال بهدوء ورزانة " اسمعي يا مهجة تعلمين جيدا أني سأساندك في أي قرار ستتخذينه مهما كان الطريق صعبا ووعرا ..ومهما كانت الاعتراضات ..لأن الأمر لن يكون وقعه هينا فأنت متزوجة من ابن خالك ..لكن دعيني أناقشك في هذا القرار "
قالت مهجة ممتنة " أنا بالفعل بحاجة للتفكير بصوت عال "
سألها مفرح "هل هذا بسبب الموقف الأخير فقط أم أن هناك أسبابا أخرى تضاف على ذلك؟"
هزت رأسها المطرقة أمام أخيها ثم قالت "ليس هناك شيء أخر فهو يعاملني جيدا ويحبني بجنون "
ذكرها مفرح "وانت تحبينه يا مهجة .. تذكري مناقشتنا حينما تقدم للزواج منك قلتي أنك تحبيه"
قالت بلهجة بائسة " ولازلت يا مفرح بل وأكثر .. وهذا هو ما يضغط على أعصابي أنا لست خائفة من لقب مطلقة ولا أخشى شيئا ربما لأني أعلم بأنك ستدعمني وأن أبي مهما عارض لن يرضى لي بما لا أطيق .. لكنك كنت على حق حين قلت بأن الناس لا يتغيرون بسهولة هذا إن تغيروا .. أنا تصورت بأن الحب سيكفي .. وحاولت التعامل مع تهوره وحماقاته بصبر لكن ما حدث أظهر لي أني كنت كمن ينقش على الماء .. أن الطريق طويل وصعب وغير مضمون النتائج"
قال مستهجنا "فقررت الاستسلام!"
نفت مهجة "لا"
جادلها مفرح مؤكدا " هذه هي الحقيقة .. هل تسمين هذا حبا !"
سألته بحيرة "ماذا تقصد؟"
رد موضحا " أن تستسلمي من أول جولة انهزمت فيها في أمر يخص شريك حياتك .. أين ايمانك بنفسك وحبك له؟.. من نحبهم نتمسك بهم ما داموا لا يتعمدون أذيتنا ..لا أطلب منك تعذيب نفسك أو الاستمرار في علاقة فاشلة لكن اطلب منك أن تكوني قد استوفيت كل المحاولات مع شريكك ..خاصة لو كان هذا الشريك يحبك"
قالت بلهجة متألمة " لكنه خذلني يا مفرح ..في أول امتحان لرجولته خذلني .. حاولت التماسك ..حاولت التماس الاعذار .. لكن حين لطم بسمة على وجهها صدمت صدمة عمري .. لم اصدق أنه تجرأ على فعل ذلك"
عقد مفرح حاجبيه يقول متفاجئا" هل فعلها!!!"
قالت باكية" أجل أمامي وأمام أمه"
مسد مفرح على لحيته عدة مرات مستاء بشدة ومشفقا على بسمة .. وتمنى أن تتم الامور على خير بين بنت خاله وصديقه لتبتعد عن البلدة كلها رغم أنه يشعر بأن هناك شيئا قد تم بين كامل وبسمة قبل يومين حينما طلبت أن تجلس معه لكن كامل لم يقل شيئا غير أنها اشترطت على أن يبقى مشروعها كما هو وأن تباشره من فترة لأخرى لكنه لم يشعر به سعيدا كما توقع .. على أية حال يعلم بأن بسمة ربما سترتبط بكامل حتى تخرج من أزمتها لكنه متفائل بأن مشاعر كامل نحوها ستسعدها وتعوضها.
عاد من شروده حين سمع مهجة مستمرة في استرسالها تقول "لحظتها قارنت بين تصرفك وتصرفه وشعرت بخيبة الأمل الشديدة تيقنت بأن الحب بدون أن تملك ثقة في تصرفات الأخر واحترام له لا يكفي "
رد مفرح بهدوء" هل تريدين رأيي؟"
"بالطبع"
أوضح مفرح " هذه المقارنة ظالمة يا مهجة .. المقارنة بيني وبينه ليست عادلة .. أنا أكبر منه عمرا وخبرة وهو مر بضغط شديد .. ألسنة الناس قاسية وهو لا يزال طائشا يحكمه دمه الحامي وحماس الشباب كلنا نخاف من ألسنة الناس يا مهجة حتى أنت من تقولينها بشجاعة سأنفصل لابد أنك قد فكرت ولو للحظة في كلام الناس"
أطرقت برأسها تقول " أكثر شيء جعلني مترددة هو معرفتي بأنه سيتألم لقراري هذا .. وبأني سأؤذيه بشدة ..لكني لا أريد لقلبي أن يسيطر على أفكاري مرة أخرى"
قال مفرح بإصرار " يا مهجة أنا أرى أنك استسلمت من أول جولة .. لا انكر كما قلت أن تصرفاته كانت طائشة ومتهورة وغير مدروسة .. وأنه لم يحاول أن يتريث ويفكر بل طاح كالثور الهائج .. لكن ما تطلبينه أيضا فوق طاقته واستسلامك للهزيمة من أول جولة شيء محبط لي أنا شخصيا "
قوست شفتيها لأسفل فأضاف مشفقا " أنا أقول هذا لك لتتخذيه كمبدأ عام في حياتك"
ازداد تقوس شفتيها وقالت "هل هذا معناه أنك تطلب مني العودة له ؟"
رد مفرح بحيادية " لا هذا ولا ذاك فكما قلت لك أنت ستأخذين القرار وتتحملين تابعاته وستتحملين النتائج بشجاعة.. وصدقيني كل شيء في الدنيا مهما كان حلوا له جانبه السلبي حتى في الحب"
قالت مجادلة "وهل هناك جانب سلبي في حبك لمليكة "
سؤالها لمس الجرح بداخله لكنه تجاهله قائلا بشقاوة وهو يهرش في لحيته" طبعا يكفي بأني مضطر أن أبقى مخلصا لها للأبد ولن استطيع مثلا أن اتزوج ثانية وثالثة ورابعة لأن ذلك سيؤذي مشاعرها "
اتسعت عينا مهجة وقالت بصدمة" حتى أنت يا مفرح! .. أنت بالنسبة لي أيقونة العشق .. فارس الأحلام "
ضحك مفرح وضربها على مؤخرة رأسها يقول " إن لم توجد هذه الرغبات بداخلي وأسيطر عليها من أجلها .. فأين الابهار في كوني مخلصا لها إن كنت مبرمجا من الأساس على ألا أنظر إلا لها يا ذكية !"
توردت وجنتيها وهي تطالعه فدوما كانت قصته مع مليكة وحبه لها رمزا للحب الذي يتحدى الصعاب ..
أضاف مفرح بجدية " الحب نعم لا يصنع المعجزات لكن من الممكن استخدامه كسلاح قوي ..قرارك هذا ربما كنت سأفرح به لو كنت مازلت على البر لم توافقي على الإبحار معه (وأكمل بامتعاض ) تعرفين أني لا أطيقه لا هو ولا أبوه لكن يا ست البنات أنت أبحرت معه بالفعل.. ولازلت في بداية الرحلة وأي زوجين عاديين ليس بينهما هذا الحب الذي تدعينه يمران بأمواج عاتية وأمطار غزيرة وعواصف وأحيانا دوامات لاختبار مدى قوة العلاقة بينهما ..لكنك مع أول ضربة للمركب قررت القفز منها .. أين ذلك الحب الذي تتشدقين به! ..أين إعطاء الحبيب أكثر من فرصة ! .. تعلمين أني لا أشجعك على أن تكوني ضعيفة ذليلة لتقبلي بعلاقة مؤذية لكن هذا أيضا لا يعني التصرف برعونة"
قالت بارتباك "أنا…"
قاطعها يؤكد بلهجة موبخة " أجل قرارك هذا الذي اتخذتيه لم تضعي في حساباتك أهلك وسمعتك في البلدة .. هذه ليست شجاعة يا مهجة .. الشجاعة حينما تستوفي كل محاولاتك للإصلاح ثم تتخذين القرار بعدها وأنت ضميرك مستريح أنك حاولت .. أما في حالتك هذه فأنا أرى أنه تهور وحماقة لا تقل عن حماقة وليد ..خاصة وأن الموقف بعيد عنكما انتما الاثنين "
قالت بحنق طفولي " لكني حزينة وغاضبة منه بشدة يا مفرح ولا اطيقه"
قلدها متهكما " (لا اطيقه ! ) .. كما قلت لك وجود الحب بينكما سلاح قوي في يدك عليك باستخدامه بذكاء "
ضيقت عينيها تسأله " ماذا تقصد؟"
لمعت عيني مفرح وقال "سأخبرك "
××××
بعد الظهر
"يا الله المكان هنا مريح للأعصاب يذكرني بمسقط رأس أبي أليس كذلك يا حاج غنيم؟"
قالها شامل بمجرد أن دخلت السيارة القرية وهو يستدير بوجهه للمقعد الخلفي حيث يجلس والديه قاصدا لفت انتباه والدته الصامتة طوال الطريق لكن الأخيرة لم تعلق بل ظلت تتطلع في الحقول الخضراء من النافذة بينما رد غنيم وهو يختلس النظرات لزوجته "هذا حقيقي نفس الأجواء والخضرة"
نظر شامل لكامل الذي يجلس خلف عجلة القيادة والغارق في أفكاره ثم عاد للصمت متخوفا من أن تتصرف والدته بهذا البرود وهما ذاهبان لزيارة عائلتي ونس وبسمة للاتفاق على تفاصيل الارتباط .
بإصبعه نغز غنيم خصر زوجته التي ناظرته بعبوس فبادلها النظرة بعتاب لكن الأخيرة لم تستطع التغلب على حالتها ..صحيح لا تعارض وليست حزينة لكنها ليست متحمسة أيضا .
قال غنيم مناغشا "ذكرتني بالذي مضى يا شامل ..كنت انتظر سوسو كل يوم وهي عائدة من المدرسة ..كانت تمشي كالغزال "
صفق شامل بكفيه بخشونة قائلا بمزاح" يا عيني على الغزال يا عيني !"
ابتسم كامل وطالع في المرآة أمامه والدته التي توردت وجنتيها ولملمت شفتيها حتى لا تبتسم بينما استرسل غنيم" وكان الناس يقولون لي كيف وأنت في السابعة والعشرين من عمرك تنظر لفتاة مراهقة في السادسة عشرة لكني كنت مصرا.. (ونظر لسوسو بحب قائلا ) ذكريات جميلة في الوطن .. لا زلت أذكر أمكما بمريلة المدرسة وضفائرها يا ويلي من ضفائرها الطويلة والغرة على جانب واحد .."
تحكمت سوسو في ابتسامة تصر على الظهور ودفنت وجهها في النافذة بجوارها أكثر بينما أضاف غنيم "كانت تتعمد الإبطاء أمام مطعم أبي أو تحضر صديقاتها عندنا بالمطعم وتختلس النظرات بعينيها الساحرتين نحوي"
استدارت سوسو بسرعة تقول نافية" لم يحدث"
قال غنيم بنظرة ذات مغزى "يا سوسو!..لقد اعترفت لي حينما تزوجنا "
غمغمت بحرج "لم يحدث يا غنيم أبدا"
ضحك كامل بينما صفق أخيه بنفس الخشونة قائلا بمناغشة "يا سوسو يا صاحبة النظرات المختلسة "
شمخت بأنفها وقالت" إنه يتوهم أنا لم أنتبه له أبدا قبل أن يرسل لي تلك الرسالة "
صيحات أعجاب خرجت من فاهي التوأمين .. بينما قهقه غنيم .. ليقول كامل لوالده في المرآة "لم نعرف بهذه القصة كنت أعرف فقط أنك كنت تخشى من رفض والدها لفارق العمر بينكما ولأن أسرتها من المحامين والقضاة ووالدك وأجدادك طباخين واصحاب مطاعم"
أدارت سوسو وجهها المتورد للنافذة بدلال أنثوي بينما قال شامل متحمسا" احك لنا عن الرسالة يا أبي"
قال غنيم وهو ينظر لزوجته التي تدفن وجهها في النافذة "جاءت مرة مع صاحبتها للمطعم كما كانت تفعل عصر كل خميس بعد خروجهن من المدرسة .. فأمرت النادل أن يضع ورقة صغيرة مطوية تحت فنجانها عبرت فيها عن مشاعري ووقفت من بعيد أراقبها "
سأل شامل بحماس" وماذا حدث؟"
رد غنيم "حين غادرت وجدتها قد وضعتها مطوية كما هي تحت الفنجان وفيها مبلغا على سبيل الإكرامية"
انفجر غنيم وولديه ضاحكين بينما استمرت سوسو في التحكم في وجهها حتى لا تضحك ليقول غنيم بعدها "فعلمت بأنها موافقة وذهبت لوالدها في نفس اليوم مساء"
عقد كامل حاجبيه وسأله "وكيف علمت بأنها وافقت لقد وضعت لك بقشيشا !"
نظر غنيم لسوسو ثم قال " أولا لأنها حين وجدت رسالتي أنزلتها تحت الطاولة لتقرأها دون أن يراها صاحباتها ولو كانت تقصد الرفض كانت مزقت الورقة ووضعتها مع البقشيش لكنها تعمدت التدلل والمناكفة "
قال شامل بإعجاب" أووووه لست هينة أبدا يا سوسو"
قالت سوسو تدافع عن نفسها" أنا لم أرغب في اهانته لا أكثر "
تكلم شامل متهكما " هذا على أساس أن البقشيش لم يكن إهانة له!! "
رد عليه كامل متفكها" إهانة ناعمة يا ولد"
ضحك شامل ليضيف غنيم وقد ألحت الذكريات على رأسه "والدها رفض في البداية .. قال لي إنها لا تزال تدرس وأنت في السابعة والعشرين من عمرك ..قلت له سأنتظرها عامين حتى تنتهي من الدراسة الثانوية (ونظر لسوسو يضيف) لا زلت أذكر حتى لون الفستان الذي اطلت عليّ به حين ذهبنا أنا واسرتي لنخطبها رسميا "
حدجته سوسو بدلال أنثوي ثم عادت لتتطلع في النافذة بكبرياء بينما شرد كامل يفكر ..
هل سيأتي اليوم الذي يعود فيه بالذاكرة ليتذكر كل تفصيلة تخص علاقته ببسمة ؟
هل سيستطيع أن يقنعها بعد الزواج بحبه؟..
هل سيقدر على أن ينسيها كل ما مرت به ؟.
والسؤال الأهم :
هل ستحبه بسمة يوما ؟.
نظر إليه شامل مواسيا وقد قرأ أفكاره وحزن بشدة لما آلت إليه الأمور بينه وبين بسمة فهو الوحيد الذي أطلعه على فحوى اتفاقهما.
سأله غنيم من المقعد الخلفي" هل أكدت على الحاج عيد بأننا سنمر أولا على بيت الوديدي يا شامل ؟.. لا أريد أن يأخذ الرجل الأمر بحساسية "
رد شامل مطمئنا" أبلغته يا أبي"
لاحظ شامل أن كامل قد انحرف يمينا متخذا طريقا جانبيا فقال معترضا" لماذا؟؟؟ "
رد كامل ببرود متعمد "حتى لا نمر من أمام بيت هبلائك وتضعف .. علينا أن نزور بسمة كلنا كعائلة"
هتف شامل متوعدا "كامل أنت مصر أن اكسر عظامك اسمها ونس ..ونس يا زفت ونس .. "
××××

بعد قليل كانت سوسو تجلس في غرفة الضيوف في بيت الوديدي تتطلع حولها بوجوم على البيت التقليدي بينما الحاج سليمان يقول للجميع" أنرتمونا والله يا غنيم بك"
رد غنيم مبتسما "هذا نوركم يا حاج سليمان"
في الطابق العلوي قالت بسمة في الهاتف" لا تقلقي عليّ يا مليكة وكامل موافق على كل طلباتي كما قلت لك تحملا منه لمسئولية ما حدث.. وبصراحة أجد أن الأمر مريحا بالنسبة لي وسيجعلني استفيد .. فهذا الزواج الصوري سيجعلني أنتقم من الجميع كما قلت لك .. المهم لا تبالغي في قلقك عليّ يا مليكة "
شحب وجه بسمة فجأة حينما وجدت أمها تقف مصفرة الوجه على باب الغرفة فقالت بسرعة" سأذهب الآن يا مليكة سلام "
قالت فاطمة بحشرجة وهي تضرب على صدرها "زواج صوري !!.. ما معنى هذا الكلام؟! "
لم تكن ترغب في أن تعلم أمها بالذات فقد كان من ضمن اهدافها بهذه الخطة أن تفرح أمها ولو لبعض الوقت .. فأسرعت تقول مبررة "يا أمي أنا اضطررت لهذا فأنت رأيت بنفسك ماذا حدث لي"
سألتها فاطمة "ولماذا ليس زواجا حقيقيا؟!!"
ردت بسمة موضحة "لأن كامل ينوي أن يهاجر ..وأنا لا أريد أن أربطه بمكان لا يريده ..ولا أريده أن يشعر بأنه متورط لأن قدره كان معي "
كان ما تقوله صعب الفهم بالنسبة لعقليتها البسيطة فسألتها باستهجان "وهل وافقك هو على ذلك ؟!!"
أجابتها بسمة مؤكدة " وافق يا أمي ومشكورا قرر مساعدتي"
بحزن شديد اطرقت فاطمة برأسها لتقول بسمة محذرة" لا أحد يعرف هذا الأمر يا أمي سوى مليكة .. ألا تريدين سعادتي ؟"
رفعت إليها فاطمة عينين حزينتين وغمغمت "هذا كل منايا يا بسمة "
قالت بسمة " وتريدين قطع ألسنة الناس عني؟"
هزت المرأة رأسها "طبعا"
قالت بسمة تحاول أن تخفف عنها الصدمة "إذن أنا أقول لك أني سعيدة بأن الأمر سيتم بهذا الشكل ..لا أريد أن أتورط عاطفيا ثم أخسر مجددا لن اتحمل الخسارة يا أمي أبدا "
قالت فاطمة بحيرة "والله يا بسمة أنت متعلمة وذهبت للمدارس صحيح ..لكني لا أتوقع أن هناك رجلا سيوافق على هذا إلا إذا كان يطاوعك فقط وبعد أن تصبحي زوجته لن تستطيعي أن تقولي لا "
قالت بسمة لتطمئنها "سنرى يا أمي إلام ستؤول إليه الأمور"
ضربت فاطمة على صدرها تقول باستنكار "هل من الممكن أن يكون به عيبا أقصد ..أقصد .."
احمرت وجنتي بسمة وردت" يا أمي بالله عليك ما هذا الكلام .. هو فقط شهم ويريد أن يتحمل مسئولية ما حدث .. هيا لننزل للضيوف "
سحبتها بسمة معها بينما غمغمت فاطمة تحدث نفسها" لا لا الرجل طول وعرض ما شاء الله لا أتوقع بأنه لا يصلح للزواج "
بعد قليل سحبت بسمة نفسا عميقا ودخلت تشعر بتوتر شديد وكأنها عروس حقيقية.. وتذكرت رغما عنها تلك اللحظة البعيدة قبل ثمان سنوات حينما زارهم سيد مع الحاج سماحة ليطلب يدها بعد أن قابلها في حفل زفاف لعائلة ثرية في مركز المحافظة .. كان سيد على علاقة وقتها بالعريس .. لكن وقتها كانت بسمة أخرى .. أما ما تشعر به الآن هو مزيج مختلط من مشاعر كثيرة .. خوف ..ترقب ..ارتباك ..واشياء كثيرة لا تملك الوقت لترجمتها خاصة بعد أن التقت عيناها بعينيه العميقتين اللتين كانتا في استقبالها بمجرد أن دخلت .
ارتبكت بسمة أكثر وسخرت من نفسها مما تشعر وكأنها مراهقة.. فوضعت الصينية التي تحملها على المنضدة ..ثم استدارت لتمد يدها للحاج غنيم الذي قال معجبا" ما شاء الله لا قوة الا بالله ما هذا الجمال !"
مال شامل على كامل يقول هامسا "أبشر سقط والدك في بحر عينيها "
تحكم كامل في ابتسامة بينما نظر شامل لأمه الواجمة التي تتطلع في بسمة بتدقيق من رأسها حتى أخمص قدميها وهمس لأخيه ضاحكا "سوسو تمارس دور الحماة من الآن استر يا رب مع ونس المسكينة اليتيمة .. "
همس مفرح " علام تتهامسان؟"
لعب له شامل حاجبيه مغيظا ولم يرد .
تطلعت سوسو في بسمة بعين أنثى متفحصة فاقتربت منها بسمة تحاول الحفاظ على وجهها هادئا من أي انفعالات تموج في صدرها خاصة قلبها الذي تشك في أن المتواجدين كلهم يسمعونه وسلمت عليها بهدوء فأسبلت سوسو جفنيها وهي تسلم عليها بأناقة قبل أن تهرب الأولى لتجلس بين والدتها وأخيها الصامت منذ بداية الجلسة ..
على الناحية الأخرى كان يجلس كامل الذي لم يرفع عينيه عنها ..بينما دخلت بعض المساعدات لتضعن باقي صواني الضيافة أمامهم .
قال غنيم بلهجة عملية "نريد أن نتفق على التفاصيل يا حاج سليمان "
تكلم سليمان بسعادة "ما بين الأهل لا يوجد تفاصيل يا غنيم بك "
قال غنيم "بارك الله لكم .. نحن جاهزون فولداي سيعشان عندي في الفيلا بعد الزواج .. لهم في الطابق الثاني جناح لا ينقصه أي شيء .. والعروس ما عليها إلا أن تجلب حقيبة ملابسها .. وهدية العروس أو ما تسمونه الشبكة فستكون بالقيمة التي تحددونها حسب العرف في قريتكم"
من تحت جفنيها المسبلين أخذت سوسو تدقق في بسمة واعترفت لنفسها بأنها أكثر جمالا مما توقعت بل إنها فاتنة تستحق أن توضع على أغلفة المجلات واعترفت بأنها لم تتوقع بأن تجد في القرى من هن بهذا الجمال الأخاذ ..
تطلعت في ملابسها فستان أرجواني بخصر مرتفع وذلك الوشاح الخفيف الذي لا يغطي إلا نصف رأسها ..واعترفت بأنها تبدو لطيفة رغم جدية ملامحها ووجومها .
أما كامل فكان لا يزال يختلس النظرات لها حينما قاطع الحديث قائلا "أنا أرى أنه لا داعي لإطالة الوقت ولا داعي لفترة خطبة ليس لها معنى فلنعقد القران دون تأجيل"
تنحنح سليمان وناظر مفرح ووليد براحة ثم قال "لا يوجد لدينا مانع على بركة الله"
التقت عيني كامل بعيني بسمة التي اسبلت أهدابها سعيدة لأنها ستتخلص من هذا المكان قريبا بينما قال كامل "إذن هل نعقده غدا ؟"
ضحك سليمان وقال" لا تتعجل يا عريسنا"
تدخل مفرح قائلا" علينا أن نعرف الاجراءات أولا لأن الزواج سيعقد بالمحكمة وليس على يد مأذون القرية "
قال غنيم مقترحا "ما رأيكم في الاسبوع القادم؟.. وسأقترح على الحاج عيد أن يكون شامل هو الأخر في نفس اليوم"
اتسعت ابتسامة الأخير ..وتبادل النظرات مع مفرح وكامل بينما انطلقت الزغاريد عالية من الخارج تطلقها النسوة المساعدات ..
عاد كامل وبسمة لتبادل النظرات .. ورغم الحزن الكامن في القلوب انتصرت الفرحة لثوان ..في الوقت الذي نظر وليد نظرة واجمة لمفرح الذي يتجاهله منذ بداية الجلسة.
قال الحاج سليمان بلهجة استعراضية "أين الغداء يا حاجة فاطنة ؟"
قال غنيم "دائما عامر يا حاج سليمان لكن لابد أن نذهب للحاج عيد فهو ينتظرنا "
هتف سليمان غاضبا "ما هذا الكلام!!.. والله لن تغادروا إلا بعد الغداء لقد اقسمت "
غمغم غنيم بلهجة عاتبة "لماذا القسم يا حاج سليمان!!"
استقامت بسمة لتلحق بأمها التي غادرت لإعداد السفرة فأمسكت بها الأخيرة بمجرد أن خرجت من باب الغرفة تقول هامسة "يا بسمة كيف ستفرقين بين التوأمين ؟!!"
ابتسمت بسمة وغمغمت "استطيع يا أمي لا تقلقي"
اختلست فاطمة النظر عبر الباب وقالت "هل أنت متأكدة من هو العريس بينهما انهما متطابقان بشكل مرعب!! "
قالت بسمة مطمئنة" أجل يا أمي أنه ذو القميص الرمادي"
سألتها هامسة" قلتِ ما اسمه؟"
ردت بسمة عليها وهي لا تزال تشعر بالذنب من التسبب في قتل فرحتها منذ قليل بما عرفت "اسمه كامل يا أمي ..هيا لنتعجلهن فيبدو أن الضيوف في عجلة من أمرهم"
قالتها وتحركت تسبقها للمطبخ بينما اختلست فاطمة النظر عبر الباب لكامل تتأمل طوله وعرضه .. ثم تحركت تدمدم بخفوت "هذا الطول والعرض لن يكون به عيب أن شاء الله (واستدارت تنظر له مجددا وعادت تحدث نفسها) كامل مثل اسمه بإذن الله.. ابنتي هي الهبلاء وهو يطاوعها لا أكثر "
بعد قليل كانت سوسو تجلس أمام المائدة العامرة بكل ما لذ وطاب تحدق في الطعام باتساع عينيها ..لتقول الحاجة فاطمة عبر المائدة وهي تضع لها صدر ذكر بط على طبقها "كلي يا سهيلة هانم لماذا لا تأكلين !"
قالت سوسو مفزوعة وكأنها قد لدغها عقرب " لا لا بط لا "
تنحنح شامل الجالس بجوارها ومد يده يأخذ من يد الحاجة فاطمة قائلا "سلمت يدك "
قالت فاطمة بحرج "والله يدي نظيفة جدا والبط صعب تقطيعه بالسكين "
شعرت سوسو بالاستياء لتسببها في إحراج المرأة فقالت بلهجة أكثر لطفا "لا بأس كلنا نقطع الطعام بيدينا سلمت يدك"
تدخل كامل يقول بهدوء" أمي لا تأكل البط"
قالت فاطمة متفهمة "لا بأس .. "
ومدت يدها تلتقط واحدتين من الحمام المحشي لتضعها أمامها فابتعدت سوسو بجذعها للخلف تمسك في بجانبي الكرسي الذي تجلس عليه متحاشية النظر إليه فرفعت إليها فاطمة مقلتيها الزرقاوين باستفهام ليقول شامل ضاحكا وهو يأخذ الحمام "ولا الحمام يا حاجة فاطمة"
قالت سوسو بلطف" شكرا لذوقك لكن…"
تدخل كامل مرة أخرى ليقول بهدوء" أكل البط و الحمام غير منتشر في بلدنا"
اتسعت عيون أفراد عائلة الوديدي متفاجئين بينما قال مفرح ضاحكا من الطرف الأخر للمائدة "تفاجأت مثلكم حينما علمت منهما بهذه المعلومة لأول مرة "
تدخل شامل يقول ضاحكا وهو يمد يده لذكر بط أخر ويقوم بتقطيعه بيديه "لكن أنا وكامل وأبي نأكل كل شيء والبط يقطع باليد أسهل يا حاجة فاطمة"
لكز كامل أخيه بمرفقه يقول من بين أسنانه "ارحم نفسك "
قال شامل ببراءة وهو يفصل الورك "كنت أقطع قطعة لأبي"
مال وليد الذي كان يلعب بالطعام أمامه دون شهية على مفرح يقول بوجوم" اليوم مساء سأمر لأعيد مهجة إن شاء الله فيكفي هذا القدر من المبيت خارج البيت "
رد عليه مفرح بامتعاض "حين تأتي تعال مع خالي لأن مهجة لا تريد العودة "
اشتعل الغضب في عيني وليد وهم بالصياح لكنه نظر حوله وتماسك حتى لا يثير فضيحة وعاد ليلعب في الطعام وهو يطحن ضروسه.
أما بسمة .. فظلت تراقب سوسو التي كانت تحرك الارز في طبقها بالملعقة دون أن تقربه .. فسألتها "لماذا لا تأكلين؟"
غمغمت سوسو بحرج "أعتذر بشدة لكني لا أقوى على الأكل الدسم "
قالت فاطمة مدافعة "الأرز بالسمن بالبلدي ألا تحبين السمن البلدي! "
تطلعت سوسو في الأرز المخلوط بالشعرية أمامها وقالت باستياء من اضطرارها للكسر بخاطر المرأة الطيبة" آسفة بشدة أنا لا أكل الكثير من الدهون آسفة سامحيني"
قالت فاطمة بحزن" لا أعرف هذه المعلومة والله سامحيني ..المرة القادمة اخبريني ماذا تحبين من الطعام وأنا سأطبخه لك "
تركت بسمة مقعدها فجأة فتطلع فيها الجميع لتقول" أنا سأتصرف "
صاحت سوسو بحرج" لا لا أرجوك لا تشغلي بالك "
قالت بسمة بهدوء" لا يصح ألا تأكلي في بيتنا"
راقبها كامل وهي تغادر وتحكم في ابتسامة تتراقص على شفتيه كقلبه السعيد جدا رغم كل شيء ..بينما حدج غنيم زوجته بنظرة موبخة جعلت الأخيرة تطرق بملامح طفلة مذنبة في حرج شديد.
طلبت بسمة من إحدى المساعدات أن تستأذن وليد لاستخدام المايكرويف في شقته لأنها لا تتحدث معه منذ ذلك اليوم .. فدخلت المرأة محرجة ومالت على وليد هامسة فأومأ لها برأسه ..
أخذت بسمة ما اخرجته من الثلاجة واسرعت تصعد إلى شقة وليد ..ثم نزلت بعد قليل تحمل طبقا مسطحا من الصيني ودخلت لتناوله لسوسو عبر المائدة فالتقطه غنيم قائلا "سلمت يدك يا عروسة ابني"
بحرج ورغم احتفاظها بجديتها غمغمت بسمة "أرجو أن يكون مقبولا "
قالت سوسو بحرج وهي تتطلع في صدور الدجاج المتبلة وبجانبها بعض الخضروات المقطعة" جميل سلمت يدك"
هربت بسمة من عيني كامل الذي لم يرفعهما عنها منذ أن دخلت ومن تلك الابتسامة التي تستفزها على جانب فمه.. ودفنت وجهها المشتعل في الطبق أمامها مختلسة النظرات من تحت اهدابها لسوسو التي بدأت تأكل واعترفت بسمة لنفسها بأن هذه السيدة الأنيقة جدا تبدو طيبة ولطيفة..
بعد ساعة كان آل الوديدي على باب البيت يودعون عائلة غنيم ومفرح الذي سيرافقهم لبيت عيد القللي .. فقال شامل للحاجة فاطمة بلهجة معجبة قبل مغادرته" الطعام كان رائعا يا حاجة سلمت يدك"
غمغمت الأخيرة بسعادة شديدة "بالهناء والشفاء يا حبيبي" ودققت فيه بارتباك ترفع إليه مقلتين زرقاوين حائرتين غير متأكدة إن كان هو العريس أم لا .. فلاحظ شامل ذلك وسحب أخاه الذي يقف يديه في جيبي بنطاله يتطلع في بسمة التي تقف تحضن نفسها وقال من بين أسنانه" ألن تودع حماتك !"
تركه وحيا بسمة مغادرا بينما مد كامل يده يسلم على الحاجة التي تطلعت فيه تقول بعفوية" أنت لست مبتسما مثل توأمك ..لكن قلبي مطمئن لك"
شعر كامل بالإطراء فشدد على يديها بكلتا يديه مستشعرا طيبة قلبها .. لتطلق فاطمة زغرودة طويلة وتبعتها النسوة يطلقن الزغاريد فأحس كامل بالحرج ونظر لبسمة نظرة سريعة ثم خرج من باب البيت ليلحق بعائلته.. بينما قال مفرح بسعادة شديدة "مبارك يا بنت خالي "
وقفت بسمة تودعهم على الباب وعيناها تختلسان النظر للجيران اللذين يطلون من الشرفات ويقفون أمام الأبواب يراقبون ما يحدث بفضول ومنهم من بدأت بالزغردة للمجاملة .
شعور بالانتصار .. بالتشفي .. تملك من بسمة رغما عنها ..
لقد كانت تتجاهلهم منذ أن عادت قبل ثلاث سنوات والآن هم من أجبروها على ذلك .
قاد شامل سيارة آل غنيم بينما ركب كامل في سيارة مفرح وبادره بالقول بمجرد أن تحركت السيارة" أعتقد الآن من حقي أن أحصل على رقم هاتف بسمة أليس كذلك ؟"
ناظره مفرح بنظرة جانبية وغمغم بمناكفة وهو يمسد على لحيته عدة مرات" سأفكر في الأمر"
قال كامل بغيظ "مفرح .. اعطني إياه وإلا سأحصل عليه من وليد "
قال مفرح ببرود مغيظا "كم ستدفع ؟"
فهدر الآخر بغيظ "مفرح لن يعجبك ردي"
××××
وكأن الزغاريد لها أجنحة ..
وكأنها طارت لتلف القرية كلها بخبر خطبة بسمة الوديدي لأحد التوأمين الثريين .
خبر انتشر في البلدة بسرعة البرق وتباينت القلوب في استقباله ..ما بين سعيد وحاقد .
لكن عائلة العسال كان لها وضعا خاصا ومعقدا في استقبال الخبر .. فعماد العسال تلقاه شامتا في أخيه الأكبر .. شاعرا بالسعادة بأنه قد خسر .. يسعده دوما أن يخسر أخاه .
وجدان انهارت في بكاء حار من رقدتها في سريرها منذ تلك الليلة التي ذهبت فيها لبسمة .. وأخذت بمجرد أن سمعت خبر زواج بسمة الوشيك وذهابها للعاصمة تقبل ظاهر يدها وباطنها تحمد الله وتشكره ..
صحيح قلبها تحطم إلى أشلاء.. ولن يعود أبدا كما كان ..
وصحيح أن الجرح لن يطببه أي شيء ..
لكن يكفي أنها ستعود لدائرة الأمان بعيدا عن الشعور بأنها مهددة وفي خطر .
على الناحية الأخرى وفي بيت جابر دبور كان هناك من توشك على الموت.
لقد فازت عليها ..
انتصرت ..
أخذت كل شيء ..
كالعادة حصلت بسمة على كل شيء ..
كالعادة هي الأفضل ..
حتى كونها مطلقة ولا تنجب لم يعقها لأن تتزوج للمرة الثانية ممن هو أكثر شبابا وثراء ووسامة ..ولم يسبق له الزواج .
هذه المرة فازت عليها بنت الوديدي بالضربة القاضية ..
وهي التي تحملت عيشتها مع زوج معقد كئيب عتيق الطراز من أجل أن تبقى متفوقة عليها بزوج وابنة ..
لقد ضاع كل شيء هباء ..
ضاع ما صبرت عليه هباء ..
ضاع عمرها من أجل لا شيء .
تحركت كاميليا جيئة وذهابا في غرفتها منذ أن علمت بأمر الزغاريد التي انفجرت في بيت الوديدي منذ قليل ..
رأسها سينفجر وكأنه يوشك أن يتفتت إلى شظايا ..
إنها الغبية فها هي بنت الوديدي استغلت جمالها أحسن استغلال ..
ها هي ستعود للعاصمة من جديد وربما سافرت خارج البلاد مع زوجها ..
وهي ستبقى في هذه القرية الصغيرة الخانقة حتى تموت ..
حتى بدير يبدو أنه قد استسلم .. فقد سافر إلى مكان ما منذ أمس ويغلق هاتفه ..
العالم كله ينهار من حولها وتشعر بالنار تأكل في قلبها ..
لو بيدها لذهبت وأشعلت النار في بيت بسمة حتى تموت محروقة ..
من أين تأتي بهذا الحظ ؟..
من أين ؟
لابد أن هناك سرا لهذه المحظوظة .
حتى الخرساء لها حظ أفضل منها ..
أهي مؤامرة كونية لإحراق قلبها !!
انفجرت في البكاء بانهيار وهي تضرب رأسها بيديها تشعر بأنها ستموت ..
لابد أن هناك حل فلن تتحمل الوضع بهذا الشكل ..
ستموت ..
تقسم بأنها ستموت .
في نفس اللحظة كان بدير يقف في شرفة إحدى الشاليهات المطلة على البحر يتلقى نفس الخبر على الهاتف وما كان منه إلا أن ضرب الهاتف في الحائط فنزل مهشما على الأرض.. ثم مال يستند بذراعيه على ظهر كرسي أمامه يمسك به بقوة .. وهو رفع عينين يختلط فيهما الغضب والحقد بالدموع ..
قبل أن يضرب بالكرسي في الحائط فينزل بجواره الهاتف .
××××
دخل آل غنيم ومعهم مفرح إلى غرفة ذات أثاث متواضع في بيت عيد القللي.. وعند أريكة تقليدية مرتفعة أكثر من اللازم عن الأرض وهو شكل تقليدي قديم للأريكة في هذه المنطقة.. حاولت سوسو الجلوس عليها إلا أن قامتها القصيرة لم تساعدها على ذلك ..
بعد بضع محاولات فاشلة قررت بحنق الارتكان بجسدها نصف واقفة عليها يدها فوق الأخرى باستسلام .
بمجرد أن خرج العم عيد من الغرفة بعد الترحيب بهم اقترب كامل يقول وهو يكتم الضحك" لماذا تجلسين بهذا الشكل يا سوسو ؟"
رفعت إليه أنظارها النارية بينما انفجر شامل ضاحكا و حاول مفرح ألا يضحك حتى لا يحرجها.
مد كامل ذراعه لها لتستند عليه لأن الاريكة ليس لها يدين فضربته على ذراعه تقول بعصبية" ابتعد من أمامي الآن"
اقترب غنيم منها يتحكم في ضحكته بصعوبة شديدة قائلا بلهجة موبخة لولديه" علام تضحكان .. أ لأنكم نخل تفعلون هذا مع عقلة الإصبع خاصتي! "
أدارت له سوسو وجهها تحدجه بنظرات نارية مستنكرة فمنحها غنيم ذراعه لتستند عليه وتصعد فوق الأريكة ثم ضربت ذراع كامل الممدودة والذي يحاول أن يكتم الضحك.
إلى غرفة ونس دخل عيد يقول بتوتر" ماذا تفعلين عندك؟"
قالت نصرة موبخة "أنت متوتر أكثر من اللازم يا عم عيد اهدأ قليلا"
غمغم عيد بغيظ "اسكتي أنت"
تنهدت نصرة ترفع عينيها للسماء بيأس قائلة" سامحك الله لن أرد عليك "
انتهت اسراء من تعديل الوشاح الوردي حول وجه ونس الأبيض والذي يغطي نصف رأسها فوق فستان بألوان متداخلة من الوردي والزهري والبنفسجي فتطلع عيد فيها ومط شفتيه يداري تأثرا بهيئتها الساحرة ثم تمتم "هيا الناس ينتظرون "
تركها فأمسكت ونس قلبها من فرط الحماس تهدئه لتقترب منها نصرة وتعطيها التعليمات وهي تمسك بصينية فوقها كؤوس لامعة اعارتها لها أم هاشم بينما أعارتها اسراء طقما من الاطباق والشوك من جهازها الذي تخزنه حتى تقدم فيه الحلوى للضيوف .
ارتبكت ونس فقالت نصرة "تطلعي أمامك ولا ترتبكي وضعي الصينية بهدوء على الطاولة أمامهم واجلسي برقة "
بعد ثوان دخلت ونس والصينية تهتز بين يديها بشكل ملحوظ وعيناها تدوران في المكان بفضول لم تستطع كبحه حتى بدا أن الصينية ستسقط من يديها فهب شامل واقفا واسرع إليها يحمل عنها الصينية ثم وقف متسمرا يحدق في وجهها وعيناها التي يراها مكحلتان لأول مرة فازداد اللون البني فيهما توهجا بينما طلاء شفاه وردي على شفتيها وهي تطالعه بابتسامة متسعة فانفجرت دقات قلبيهما تعزف سلاما متناغما .
تنحنح كامل الجالس بجوار الباب وهو يشد توأمه من قمصيه فتحرك على الفور ليضع الصينية فوق المنضدة .
اتجهت انظار الجميع إلى ونس وتكلم غنيم "بسم الله مشــــ"
قطع كلامه حينما تحركت ونس فجأة تهرول إلى خارج الغرفة وكأنها قد نسيت شيء ..
فتطلعت سوسو باتساع عينيها في زوجها الحائر بينما غمغم عيد بحرج شديد "ستحضر بقية الصواني"
هتفت سوسو بذعر " بط مرة أخرى لا بالله عليكم! "
سعل شامل عدة مرات يغطي عما قالته أمه في الوقت الذي لكزها كامل الجالس بجوارها فتطلعت لزوجها التي يناظرها بعتاب بعد أن اتفقوا ألا يذكروا أنهم قد تناولوا الغداء عند الودايدة حتى لا يحزنوا عيد أو يدفعوه لفهم الأمر بشكل خاطئ لأنهم رفضوا دعوته على الغداء من قبل حضورهم من العاصمة متعللين بضرورة السفر قبل حلول الظلام ..
غمغمت سوسو بحرج" أقصد ..أقصد لا داعي لأي طعام ..فأنا لا آكل وأنا على سفر"
ربت مفرح على فخذ عيد متمتما بلباقة "مبارك يا رجل يا طيب .. "
ردد عيد كلمات مجاملة ثم غمغم في سره "الهمها بالرزانة والتعقل يا رب حتى لا يكسر بخاطرها "
دخلت ونس تحمل صينية أخرى عليها اطباق من الجاتوه والحلوى واقتربت تضعها على المنضدة ثم وقفت أمامهم تشبك يديها أمامها .
سألها غنيم مناغشا" هل هناك شيئا آخر ستحضرينه ؟"
تطلعت فيها سوسو مدققة متفحصة بينما هزت الأخرى رأسها نافية ليقول غنيم مشيرا بيده "تعالي.. اقتربي لأرى عن قرب تلك الشقاوة التي تتراقص في عينيك"
نظرت ونس لشامل ثم اقتربت بوجنتين مشتعلتين من غنيم الذي استقام واقفا وقال مناغشا "يا الله ما هذا الكم من الشقاوة والمكر في عينيك!! .. أعان الله هذا الرجل الطيب عليك "
أشارت ونس على نفسها ببراءة مصطنعة ما يعني أنا !!
فرد غنيم متهكما وهو يغمز لها بعينه "لا بل أنا "
اتسعت ابتسامة ونس فمد غنيم يده يقول "مرحبا ونس"
سلمت ونس عليه ليقول مشيرا على الأريكة المقابلة" سلمي على حماتك "
استدارت ونس تضغط شفتيها ببعضهما وهي تقترب من سوسو التي وقفت تطالعها بهدوئها الذي بدا مخيفا فسلمت عليها الأخيرة تقول برزانة "أهلا ونس "
فجأة ألقت ونس نفسها على سوسو باندفاع تحضنها مبتسمة .. فأجفلت الأخرى قبل أن يذوب لها قلبها لكنها تنحنحت وربتت على ظهرها ..
ابتعدت ونس عنها تتطلع فيها بابتسامة ثم أخرجت دفترها تكتب شيئا ثم رفعته أمام سوسو التي عقدت حاجبيها تقرأ بصوت عال "أنا عيناي تشبه عيني شامل (ثم رفعت إليها أنظارها تقول باعتراض وكبرياء ) أنا عيناي أوسع من عينيه بكثير "
حركت ونس سبابتها أمام سوسو نافية ثم عادت تكتب في الدفتر وترفعه لتقرأ سوسو "تقصدين نظرة العين ولَحْظها؟"
أومأت ونس برأسها ثم أدارت وجهها لتنظر خلفها من فوق كتفها لشامل بينما قال كامل مناكفا "عيناها كعيني شامل فقط !! لا حول ولا قوة إلا بالله! "
انقلب وجه ونس وحدجته بجانب من عينها قبل أن تهز رأسها بالإيجاب متحدية فقال كامل بامتعاض" عليك بفحص نظرك إذن "
كتبت ونس بإصرار " أنا اتحدث عن نظرة العين"
عادت تنظر لسوسو التي كانت لا تزال تتفحصها بتدقيق كبير ثم انتبهت فجأة ورفعت سبابتها بما يعني سأعود بعد قليل وتحركت مهرولة تترك الغرفة.
تطلع الجميع في اثرها باندهاش قبل أن يقول غنيم لعيد "نريد أن نتفق على التفاصيل يا حاج عيد"
مدققا في هاتفه منح كامل ساعده في نفس جلسته بجوار الباب لوالدته لتعود للصعود على الأريكة العالية والتي أخذت تتحسس مرتبة الأريكة القاسية اسفل منها بانزعاج تاركة البقية يتحدثون عن التفاصيل.
بينما كامل كان منشغلا بهاتفه حيث كتب لبسمة على الواتساب" مساء الخير"
وظل مترقبا للرد غير مصدق بأن الحواجز بينهما تتلاشى شيئا فشيئا .. فها هو يستطيع أن يتحدث معها في الهاتف أخيرا.
اقتربت ونس من الغرفة .. فقطع شامل تركيزه مع ما يدور من مناقشات بين والده والعم عيد ومفرح بينما اسرع كامل دون رفع رأسه بفرد ساقه الطويلة أمام باب الغرفة فشهقت ونس متفاجئة ثم كشرت ملامحها تناظره بغيظ.
همس شامل بغيظ ينادي أخيه متوعدا بينما الآخر إدعى عدم الانتباه .. لتلكزه سوسو هامسة بتوبيخ" هل أنت ولد صغير يا كامل!!"
رفع كامل رأسه عن الهاتف مستهبلا وسحب ساقه بسرعة وكأنه لم يكن منتبها ثم عاد يتطلع في هاتفه فدخلت ونس ووقفت أمامه تلوي شفتيها وهي تناظره بامتعاض ..
رفع كامل انظاره لها يقول بتحفز صبياني "لماذا تنظرين إلي بهذا الشكل؟ .. اسمعي أنا سأكون في مقام اخيك الأكبر وعليك التعامل معي بكل توقير واحترام "
رفعت ونس زاوية شفتها العليا بينما ظلت سوسو تتأمل ما في يدي ونس باندهاش قبل أن تتسع ابتسامة الأخيرة وهي تقترب منها تمنحها أصيصا صغيرا ملونا مصنوع من الصلصال الحراري .
أمسكت سوسو الأصيص بمفاجأة بينما تراقص قلب شامل في صدره وهو يرى جنيته الساحرة متفردة في تصرفاتها .
كتبت ونس لسوسو في دفترها "هذه هدية لك لم أعرف أي أنواع الورود تفضلين وخشيت إن سألت شامل يخبرني بنوع من الورود لن استطيع احضاره فأشعر بالإحباط لهذا اخترت الريحان .. إنه بالتأكيد موجود في كل البلدان ورائحته جميلة وعطرة .. وهذا الأصيص أنا من صنعته ولونته بنفسي "
رفعت سوسو الأصيص أمام ناظريها تدقق في دقة وجمال النقوش الملونة عليه على هيئة أزهار صغيرة وغمغمت بإعجاب واضح" هل أنت من زخرفه بهذه الدقة؟"
أومأت ونس بالإيجاب .
الهدية لمست قلب سوسو ورغم احتفاظها بملامحها المتحفظة قالت "شكرا لك (وأكملت وقلبها يرتجف ) رائحة الريحان ذكرتني ببيت أبي رحمه الله (ثم نظرت لها تقول )لماذا لا تجلسين؟"
تحركت ونس تجلس بجوارها بوجنتين مشتعلتين فرماها شامل بنظرة مناغشة سريعة ثم عاد ليستمع لحديث والده والعم عيد .. فأخذت ونس تتأمل من تحت جفنيها المسبلين حماتها الجالسة بجوارها .. كانت أنيقة ولم تبد كبيرة في العمر كما تخيلتها ..وتطلعت في قدميها المعلقتين فوق الأريكة دون أن تصلا للأرض فابتسمت في الخفاء متعجبة كيف أن هذه السيدة القصيرة تنجب شابين ضخمين كشامل وكامل.
أما سوسو فأخذت تتطلع في أثاث الغرفة المتواضع البسيط والذي لم تستطع أن تنكر بأنه كان دافئا ونظيفا ..وألوان الفرش رغم رخص ثمنه كانت متناسقة مع لون السجادة المصنوعة من خيوط طولية من القطن تدعى ( كليم ) ..
لاحظ كامل أن بسمة قد قرأت الرسالة ولم ترد فأرسل لها يقول "أنا كامل"
حين لم ترد استقام واقفا ..وطلب رقمها بدون تفكير وهو يخرج من الغرفة بينما لفت انتباه سوسو لوحة على الحائط في برواز تقليدي قديم مقسومة لنصفين نصف يحمل صورة تبدو قديمة جدا لوجه امرأة ترتدي حجابا خمنت من ملامحها بأنها أم ونس والنصف الأخر كان لرسم مطرز بالخيط ..
سحبتها اللوحة إليها بشكل غريب فنزلت من فوق الأريكة وتحركت نحوها فراقبت ونس مشيتها الأنيقة الراقية بحذاء ذي كعب عال وتمنت أن تتعلم يوما أن تسير مثلها بهذه الأناقة ..
وقفت سوسو أمام اللوحة مأخوذة تحاول فهم العلاقة بين الصورتين حتى وضعتا في إطار واحد فاقتربت منها ونس ثم كتبت "هذه أمي"
نظرت سوسو في الدفتر ثم عادت ترفع انظارها للوحة وهي تقول "خمنت ذلك تشبهينها كثيرا .. ومن رسم هذا الرسم المتقن بالتطريز ؟"
اشارت ونس على نفسها بفخر ..فتطلعت فيها سوسو ثم عادت تنظر للوحة تقول "رائع جدا .. أنت موهوبة بالفعل "
اشتعلت وجنتي ونس لتسألها سوسو وهي تتطلع في تفاصيل اللوحة المرسومة بالتطريز لفتاة بشعر كستنائي مموج طويل يصل للأرض.. كما تحب أن ترسم نفسها ..وسط حديقة من الورود الملونة الكثيرة تطير طائرة ورقية "وهذه الفتاة هي أنت؟"
ضحكت ونس بحرج وأومأت برأسها ثم كتبت في الدفتر "أجل هذه أنا حينما أذهب للجنة والتقي بأمي .. أردت أن اتخيل بأني في الجنة معها ..لقد طلب مني وأنا في الثانوية أن أرسم لوحة بالخيوط فصنعت هذه ثم وضعتها بجوار صورة أمي حتى أكون بجوارها دوما"
تأثرت سوسو بشدة وقرصت الدموع عينيها ولم تعقب بل عادت تتطلع في اللوحة بإعجاب .
قال كامل في الخارج متحفزا" لماذا لا تجيبين"
جاءه صوتها ذا البحة على الهاتف لأول مرة ليدغدغ أعصابه وهي تقول" كنت سأتصل بمفرح اتأكد من أنه رقمك قبل أن أرد عليك أو أحظر الرقم "
عقد حاجبيه يقول متحفزا" وهل أنت معتادة على أن يرسل لك أحدهم رسائل عادية أو على الواتساب من أرقام غريبة ؟!"
ردت بسمة مراوغة" لا فقط كنت اتأكد"
لم يقتنع كامل .. وخمن بأنها ربما تتعرض لذلك بالفعل فطحن ضروسه وسألها بهدوء ظاهري "هل الامور تسير بخطى مرضية بالنسبة لك ؟"
ردت بهدوء " نعم الحمد لله .. وأنت هل اتفقتم مع العم عيد ؟"
قال كامل "سنحاول أن نقنعه أن يعقد شامل قرانه في نفس اليوم "
في الغرفة كانت سوسو لا تزال أمام اللوحة فقالت لونس "أحب تناسق ألوانك"
كتبت ونس " أنا أيضا أحب تناسق ألوانك ما ترتدينه الآن رائع ويدل على ذوق عالي في تناسق الألوان"
تورد وجه سوسو شاعرة بالإطراء بينما قال عيد منفعلا" لا تحسبني لأني رجل بسيط يا غنيم بك لن استطيع تجهيز ابنتي "
استدارت سوسو وونس لتشاهدا ما يحدث ليتدخل مفرح قائلا بلباقة " يا عم عيد اقسم لك بأن العريس في بلدهم يجهز كل شيء .. كما أن الفيلا ما شاء الله لن تحتاج شيء .. وهذا ما حدث بالضبط مع ابنة خالي بسمة صدقني"
صمت عيد شاعرا ببعض الراحة لهذا الخبر غير المتوقع فقد كان يحمل هم تجهيزها بما يليق بنسبهم ..بينما تدخل شامل يقول "أهم ما في الأمر يا عم عيد أن توافق على طلبنا"
ضيق عيد عينيه ليوضح شامل " أن اعقد على ونس الأسبوع القادم .. في نفس الوقت الذي سيعقد فيه أخي قرانه على بسمة الوديدي "
ردد عيد باستهجان" عقد قران الأسبوع القادم !!"
××××

في المساء
"طلاق لن أطلق وافعلوا ما تقدروا عليه"
قالها وليد صارخا وهو يقف في إحدى غرف بيت العمدة بينما نحمده تضرب على صدرها باندهاش من طلب مهجة في الجلسة العائلية التي ضمت العمدة وسليمان ومفرح ونحمده.
ناظرت مهجة وليد بنظرات محبطة فلا يزال ينفعل من أقل الاسباب بينما قال العمدة معاندا بسبب أسلوبه "أتعرف يا ابن سليمان .. ما قالته مهجة كان مستهجنا ومرفوضا مني بمجرد أن تلفظت به الآن أمامنا .. لكن رد فعلك هذا وتطاولك في مجلس الكبار سيجعلني أصر على التنفيذ .. وأرني أنت وابيك ماذا ستفعلان لتقفا أمام رغبة ابنتي"
ظل مفرح جالسا بصمت يحاول ضبط انفعالاته حتى لا يقع تحت تأثير اسلوب وليد المستفز بينما تدخل سليمان قائلا بمهادنة وهو يحدج ابنه بنظرات موبخة" ما الذي تقوله يا عمدتنا "
صرخت نحمده بذعر "عن أي طلاق تتحدثون ..إن ابنتي لا تزال عروس ..وفضيحتنا ستكون مدوية خاصة وانه ابن خالها "
هدر العمدة في زوجته قائلا" اسكتي أنت "
تدخل سليمان يقول "يا عمدتنا عصبية الشباب "
قاطعه العمدة هادرا "بل قل قلة أدب ..أن يقف أمام الكبار وبدون احترام لنا يرد عليها بهذا الرد المستفز .. كنت سأتفهم من ابنتي ما المشكلة لكني الآن لا أريد أن أعرف أي شيء وما تريده سينفذ"
صرخت نحمده تكاد تصاب بأزمة قلبية" يا حاج عبد الرحيم "
هدر فيها الرجل العجوز "قلت اسكتي يا نحمدو"
اندفع وليد نحو مهجة يترجم خوفه بل رعبه من تنفيذ ما طلبته بسحبها من معصمها ليجبرها على الوقوف ويجرها قائلا بعصبية "هيا إلى البيت"
استقام مفرح بسرعة واندفع نحوه يدفعه نحو الحائط فصرخت مهجة ونحمده بينما رفع مفرح سبابته يقول بتحذير" إياك .. هل سمعت إياك أن تحاول التعامل معها بهذه الهمجية سواء في حضوري أو في عدم حضوري سأمحوك من على وجه الأرض "
حاول وليد بذل مجهود خارق للتحكم في أعصابه وقال معاندا" أنا لن أطلقها .. حتى لو قتلتني .. سأموت وهي على ذمتي .. حتى لو رفضت العودة ستبقى على ذمتي وسأتركها كالمعلقة "
قال مفرح بهدوء "تستطيع مهجة أن ترفع عليك قضية خلع وتطلق نفسها من المحكمة"
اصفر وجه وليد رغم تمسكه بملامحه الجامدة بينما ضربت نحمده على صدرها صارخة "خلع .. يا لفضيحتي .. تقول خلع يا مفرح (ونظرت لزوجها وأخيها) انجدني يا عبد الرحيم انجدني يا سليمان "
غمغم العمدة بقرف "هذا الولد أنا لا أريد التعامل معه وما يقوله أخوها الكبير سينفذ"
نظرت نحمده لأخيها الذي قال لوليد صارخا" وليد تعال وقبل رأس زوج عمتك "
طحن وليد ضروسه وتحرك متقبضا يقترب من الرجل العجوز الذي اشاح بيده بقرف .. فمال وليد يقبل رأسه قائلا بصوت مبحوح" لا تؤخذني يا عمدتنا كنت منفعلا"
غمغم العمدة بقرف "ليست أول مرة يا ابن الوديدي "
وقف وليد يناظر مهجة من بعيد بنظرات عاتبة مجروحة تعني (أهنت عليك! ) فحاولت الأخيرة التماسك تشيح بنظراتها بعيدا عنه .
قال سليمان لمهجة ناصحا " يا بنت أختي الحياة الزوجية بها الكثير من العقبات أخبريني ماذا فعل وسأعـــ..."
قالت مهجة مقاطعة "لم أعد أريده"
صرخت نحمده فيها "هذا جنون وغباء تكلم يا مفرح كيف توافقها على ذلك سيرتنا ستكون على كل لسان فضيحتنا ستكون مدوية.. (وحدثت نفسها مولولة وهي تضرب على فخذيها ) يا لفضيحتي ..طلاق يا لفضحتي .. طلاق !..لازالت عروس يا ناس.."
تطلع مفرح في مهجة بينما بدأت نحمده ترتعش وتمسك بصدرها فأسرع مفرح إليها يقول مفزوعا" أمي"
اجتمع الجميع حولها وقد بدأت تتصبب عرقا فأمسكت مهجة بيدها تقول" يا أمي اهدئي أنت لا ترضين لي أن اعيش في تعاسة "
تألم قلب وليد مما قالت فأصعب ما مر ويمر به هو أن يكون قد خذلها لكنه لا يعرف كيف يتحكم في انفعاله .. انه يفقد السيطرة على ذاته عند التعرض للضغط ويتفوه بأشياء يندم عليها فيما بعد .. يكفي ما فعله مع بسمة .. لا يزال يشعر بالخزي من نفسه ويتجنب الاحتكاك بها منذ ذلك اليوم ولا يعرف كيف عليه أن يتصرف ليمحو فداحة تطاوله عليها .
بعد قليل قالت مهجة لنحمده التي تسند رأسها إلى كفها "سأعود يا أمي من أجل خاطرك أنت فقط (ونظرت لوليد تقول بلهجة ذات مغزى ) إما أن ينصلح حاله أو يأتي الوقت المناسب للانفصال"
بلع وليد طعما مرا في حلقه ولم يعرف إن كان عليه أن يتنفس الصعداء لقرارها بالعودة أم يقلق بشدة ..
كل ما كان متيقنا منه لحظتها بأنه قد خسر مهجة فؤاده ربما للأبد ..
خسرها بسبب حماقاته.
×××××
بعد اسبوع
بمجرد أن فرغ من الصلاة في مسجد الشيخ تيمور استدار ليسلم على من يجاوره في الصلاة ثم اتسعت عيناه هاتفا بمفاجأة "الشيخ زكريا !!"
اتسعت ابتسامة الشيخ زكريا بلحيته البيضاء وقال" كيف حالك يا جابر ؟"
مال جابر على يد الشيخ يقبلها قائلا بحشرجة والدموع قد تجمعت في عينيه" أنا بخير الحمد لله اشتقت لك يا شيخي "
قال الشيخ زكريا وهو يربت على فخذه " كله مقدر ومكتوب يا ولدي "
سأله جابر بلهفة ومحبة غامرة" هل أنت غاضب مني؟"
ابتسم الشيخ زكريا ورد" كيف وأنا جئت لأوصل لك أمانة من الشيخ تيمور !"
اتسعت عيني جابر وغمغم مذهولا" الشيخ تيمور جدك!!. ..وهل يعرفني؟!! .."
ابتسم الشيخ زكريا ابتسامة مشرقة وأجاب "هديتك تقف خارج المسجد "
أدار جابر وجهه إلى يساره حيث يقع باب المسجد ثم عاد ليسأل" أي هديـــــ … (وأجفل حينما لم يجد الشيخ زكريا فتلفت حوله مناديا ) شيخ زكريا !.. (واستقام واقفا ينادي) شيخ زكريا .."
حين وجد المسجد كله خاليا إلا منه أطرق برأسه حزينا وتحرك نحو باب المسجد بفضول قبل أن تتسع عيناه وهو يتطلع فيما يراه .
كان يقف أمام المسجد فرس أسمر اللون يناظره .. أو تناظره كما وقع في قلبه أنها انثى .. بعينين بنيتين .. وشعر بأن تلك العينان تقولان كلاما غير منطوق .. لكنه لم يفهمه.
شهق جابر وفتح عينيه ينادي "شيخ زكريا "
ثم تطلع حوله ليجد نفسه في غرفته وبأنه كان يحلم فتطلع في الضوء الذي يتسلل عبر النافذة ونظر في الساعة بجوار السرير ليجدها السابعة صباحا فغمغم باندهاش وحيرة "خير اللهم اجعله خير .. ما معنى هذا الحلم العجيب ؟!"
××××
بعد ساعة
دخلت الشاحنة الكبيرة لشركة المنتجات الغذائية الشهيرة إلى الشارع المؤدي لبيت الشيخ زكريا واتسعت ابتسامة محسن وهو يلمح أم هاشم آتية من عند بيت الشيخ من آخر الشارع في الوقت الذي خرج فيه جابر من بيته ولا يزال ذلك الحلم العجيب يسيطر عليه .
لفت انتباه جابر تلك الشاحنة التي دخلت للشارع للتو فتعجب من دخولها .. فليس في هذا الشارع ممر لها إلا بالانعطاف يسارا من أمام بيت الشيخ زكريا ليعود ويخرج من الشارع الخلفي.
كانت أم هاشم تمشي شاردة تفكر في بسمة وونس .. فاليوم عقد قرانهما وكم تمنت أن تكون معهما .. لكن عقد القران سيكون بالمحكمة في مركز المحافظة قبيل الظهيرة ومقصور على الرجال .. وحتى تمنع نفسها الضعيفة من الشعور بالغيرة تمتمت في سرها "ما شاء الله لا قوة الا بالله فليتم الله لهما على خير ويرزقنا مثلهما "
وتحركت تسرع الخطى لتلحق بالمشروع فقد أولتها بسمة مسئولية إدارته بالكامل منذ ذلك اليوم المشئوم وتمهيدا لانشغالها في الفترة القادمة .
مرت بجوار الشاحنة التي توقفت بنفس الشرود فأطل محسن من نافذتها حتى كاد أن يخرج بكامل جسده منها يقول بابتسامته البيضاء "يا صباح الخير على شبيهة جدتي "
وقفت أم هاشم ورفعت انظارها للنافذة العالية ثم ابتسمت لمحسن ترد الصباح ..فمد الأخير يده إليها بزجاجة عصير كبيرة قائلا "هذا كي تشربيه على الإفطار "
قالت رافضة "شكرا لك يا محسن لا أريد "
قال محسن بإلحاح "حلفتك بالغالية جدتنا ذهبية"
ناظرته بعتاب لإصراره ثم التقطت الزجاجة وهي تقول" شكرا لك "
بدأت في التحرك فسألها "هل خالي في البيت أم خرج؟"
قالت دون أن تستدير له "على وشك الخروج "
في وقفته على أول الشارع بجوار سيارته وقف جابر يتابع المشهد باستهجان وضيق.. بينما واصلت أم هاشم طريقها تتذكر كيف أن محسن يحرص على زيارتهم مرة أو اثنين في الاسبوع منذ ذلك اليوم الذي زار البيت فيه خاصة وأنه يسكن وحيدا في شقته في مركز المحافظة بعد وفاة والديه قبل انتقاله إلى هذه المحافظة .. وكيف أنه يلقبها بشبيهة عمته التي هي شبيهة الجدة الكبرى ذهبية ويمدح طبيخها مصرا على أن عمته رحمها الله كانت أيضا تتقن الطهي .. فابتسمت معترفة بأنه شاب طيب القلب لا تفارق الابتسامة وجهه .
انتبهت أم هاشم أخيرا لوقوف جابر بجوار سيارته فاختض قلبها في صدرها وأسرعت الخطى بعد أن وضعت الزجاجة تحت إبطها وكتفت ذراعيها وكأنها تمنع قلبها من القفز والهرولة إليه لمعانقته لعلها تخفف قليلا من ذلك العبوس الذي بات يلازمه مؤخرا ..
أسبل جابر جفنيه عند اقترابها بينما أذناه تلتقطان حفيف ذيل عباءتها السوداء قبل أن تدخل في مجال نظره .. ثم سمعها تلقي سلاما متعجلا خافتا وهي تسرع الخطى "السلام عليكم "
لم يدرك بأن صوته خرج غاضبا وهو يرد سلامها "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"
رفع عيناه بعد أن غادرت يراقبها حتى انعطفت في آخر الشارع ..وعاد ينظر للشاحنة التي وجدها قد وقفت أمام بيت الشيخ وشاهد الحاج يحيى يتحدث مع الشاب .
عاد جابر إلى سيارته يفتح بابها ويهم بالركوب لكنه توقف شاعرا بعدم الراحة .. بل بالضيق .. أو ربما الغضب الغير مبرر بالنسبة له لكنه لم يعط لنفسه أي فرصة حتى للتفكير بل أغلق باب السيارة وتوجه إلى بيت الشيخ .
أمام باب البيت وضع محسن كرتونة على الأرض فسأله يحيى مندهشا" ما هذا ولماذا؟!!"
قال محسن ببشاشة وهو يعود إليه "هدية مني لك يا خالي ..إنها عروض ترويجية للمنتجات ونحن كموزعين نأخذ منها نصيبا"
قال يحيى متحرجا "وما لزومه يا محسن !"
قال محسن وهو يعود للشاحنة " (النبي قبل الهدية ) فلا تردني خائبا يا خالي "
ابتسم يحيى وقال مشيرا على سائق الشاحنة" ألن تبقيا لتفطرا حتى ؟"
أشار محسن بلا وتحرك يركب شاكرا ومحييا يحيى والشاحنة تتحرك لتنعطف يسارا لتمر من أمام البيت ثم تعود للطريق مرة أخرى من الشارع الخلفي .
اقترب جابر يلقي السلام على يحيى فاستقبله الأخير مرحبا ليسأله جابر بعبوس" من هذا الشاب الأسمر لم أره من قبل "
أجاب يحيى بسعادة" انه قريب لنا من بعيد ..من فرع جدتي ذهبية في الجنوب رحمها الله "
هز جابر رأسه ثم قال" تشرفنا .."
قالها وأطرق برأسه يتطلع في ميدالية مفاتيحه صامتا فعقد يحيى حاجبيه ليضيف جابر بعد ثوان " يبدو أنه غير مطلع على عاداتنا "
سأله يحيى عاقد الحاجبين " لماذا .. هل صدر منه شيء؟ "
رفع جابر انظاره إلى يحيى يقول ناصحا " أرى أن تلفت انتباهه لأن الوقوف للتحدث مع أم هاشم في الشارع سيعرضها للقيل والقال"
قال يحيى موافقا " لديك كل الحق طبعا .. سأنبه عليه بذلك .. انه شاب محترم وطيب القلب جدا أشعر بالتفاؤل كلما قابلته "
هز جابر رأسه وغمغم" بارك الله فيه (وتحرك مغادرا) سأذهب لألحق بعملي استودعكم الله"
غمغم يحيى خلفه" في أمان الله"
عاد جابر إلى سيارته وشعور غامض بالضيق لا يزال يسيطر عليه وذلك الحلم الغريب لايزال يشغل مخيلته فغمغم بحيرة "ترى ما معنى هذا الحلم الغريب وما دلالته!"
××××
وقفت السيارات أمام المبنى فسأل وليد من المقعد الأمامي بسمة التي تجلس وحدها في المقعد الخلفي "هل تنزلين هنا أم أركن خلف السيارة الأخرى ؟.."
لم ترد عليه بل ترجلت بعد أن فتح لها كامل الباب فأطرق وليد برأسه لا يعرف ماذا يفعل معها فهي تتجنبه تماما .. مثلها مثل مهجة التي حاول مصالحتها تلك الليلة التي عادا فيها للبيت لكنها رفضت واخبرته بأنها عادت فقط حرصا على سمعة العائلة لكنها تنوي الانفصال عنه بعد مدة مما دفعه للمبيت في غرفة أخرى بعد أن تشاجرا .. ولا يزالان متخاصمان حتى الآن..
أما بسمة فأسبلت أهدابها تداري مشاعرها المتضاربة فمنذ الصباح وهي متوترة بشدة وقد ألحت عليها كل الاحاسيس المؤلمة من تجربة زواجها الأولى .
من تحت جفنيها المسبلين تأملت كامل في حلة نهارية أنيقة سترتها من اللون الرملي بنفس درجة فستانها الذي أرسلته لها سوسو من العاصمة فوق حذاء بني ذا كعب عال ووشاح خفيف فوق رأسها ..
دق قلب كامل بقوة وسعادة شديدة لأن هذه الفاتنة ستكون حلاله بعد دقائق .. ولا يعرف إن كان ذلك سيكسر الجمود بينهما بعدها أم لا .. فحديثهما على الهاتف قليل وعملي بدرجة مغيظة له ..خاصة وأنها تتعامل معه بتحفظ أكثر من ذي قبل ..
أمسك بمرفقها ليساعدها على أن تصعد بضع درجات أمام البناية التي سيتم فيها عقد القران فاختلست إليه النظر بزرقة عينيها المكحلتين اللتين كانتا رائعتين إلى حد التعذيب وشفتيها الجميلتين المطليتين بلون نحاسي وطابع حسن يثير فيه كل الشهوات المكبوتة .
من سيارة مفرح خرجت ونس بفستان رملي اللون أيضا لكنه بقصة مختلفة تناسب شخصيتها أرسلته سوسو أيضا في وقت سابق وحذاء بني بكعب متوسط ووشاح فوق رأسها.. فمد شامل كفه لها ليساعدها على أن تصعد نفس الدرجات أمام المبنى ..
تطلع فيها شامل ولوجهها المتورد من الخجل بينما عيناها تأملتا وسامته وأناقته ..فعقد شامل حاجبيه مدققا في وجهها قبل أن يشير لها بحركة مخفية على حاجبيها المختلفين بعد تشذيبهما فبديا مع كحل عينيها قد ازدادت جمالا ونضجا.
اتسعت ابتسامة ونس لأنه قد لاحظ وأسرعت بدفن وجهها في كفيها بحرج .. فقهقه شامل وضربها بخفة على مؤخرة رأسها وقد اشتعلت أعصابه .
بعد قليل وفي إحدى الغرف في المبنى كان الجمع البسيط من الحضور يقفون بدون وجود النساء إلا العروستين .. فكان مفرح شاهدا على عقد بسمة من جهة العروس بعد أن طلبت ذلك بنفسها في وقت سابق متجاهلة وليد الذي شعر بالحزن الشديد .. بينما كان مصطفى الزيني شاهدا على عقد ونس .. وتبادل التوأمان كل منهما الشهادة على عقد الأخر .
أمسكت بسمة بالقلم وعند خانة توقيع العروس ارتجفت وانتابها الخوف لكنها سمت بسم الله مسيطرة على مشاعرها لتفوز بما تخطط له .. بينما تنفس كامل الصعداء براحة فقد وضع قدمه على أول طريق الوصول إليها .. ومجرد أن اتمت التوقيع وتلقت التهاني من الموجودين اقترب كامل أمام نظرات الجميع في تلك الغرفة الضيقة وأمسك برأسها بين يديه ثم مال يطبع قبلة على جبينها الناعم .. جعلت قلبها يخترق صدرها في محاولة للوصول إليه لمعانقته وهي تسمع صوته الرخيم يقول بخفوت "مبارك يا عروس "
تقبل سليمان التهاني من الجميع بينما اقترب وليد منها يقول " مبارك يا بسمة أتمنى لك السعادة "
كلماته أضافت مرارة فوق مرارتها فأشاحت بوجهها غير قادرة حتى على التمثيل أمام الناس فخمن كامل بأنها مستاءة من أخيها .. ليبتعد وليد في صمت بعد أن تلقي المباركات من الباقين .
قال شامل بسعادة "ألا يوجد زغرودة يا بشر فنحن نتزوج .. اشهر عازبين في القطر العربي يتزوجان ؟
قهقه الجميع بينما أشار وليد من وقفته عند باب الغرفة لإحدى عاملات النظافة في المبنى يطلب منها أن تزغرد .. فأطلقت المرأة زغرودة طويلة وهو يمنحها اكرامية ليقول شامل "تحفظ عليها يا وليد حتى أنتهي أنا من عقد قراني "
وقفت بسمة تتهرب من عيني كامل بينما أمسكت ونس بالقلم ونظرت لوالدها المتأثر ولشامل .. فقال غنيم مشاكسا "هل ستتردين الآن وفي هذه اللحظة "
اتسعت ابتسامتها مع تورد وجنتاها وهي تميل لتوقع على العقد .
علت زغاريد من المرأة مرة أخرى بينما اقترب عيد من ابنته وحضنها وهما يرتجفان وقد كان الوحيد من بين الحضور الذي يشارك بسمة الشعور الكبير بالخوف من القادم ..بينما نظر التوأمان لبعضهما ثم تعانقا بخشونة وتأثر ومفرح يلتقط لهما صورا بهاتفه للذكري .. قائلا بمشاكسة " حمدا لله أني عشت حتى اليوم الذي رأيتكما عريسين يا فلذتا كبدي .. العقبى لكما حينما تتعقلان"
سأل كامل أخيه مشيرا على مفرح " من هذا؟"
رد شامل "ظننته آت معك "
قال مفرح ضاحكا "الآن يا اندال بعد أن ضمنتما العقود في جيبيكما تتنصلان من مفرح "
علت قهقهاتهم ثم غمز شامل لهما وتحرك نحو ونس التي كانت تقف أمام عيد فسحبها بكل جرأة ومال يقبل وجنتيها يمينا ويسارا متحكما في نفسه بقوة من التمادي لما يتوق إليه بشدة ثم طبع قبلة أخيرة على جبينها .
غطت ونس وجهها بكفيها بحرج بينما اتسعت عيني عيد يقول بغيظ بعد أن تلفت حوله " ماذا تفعل ؟"
ناظر مفرح صاحبه نظرة موبخة تجاهلها شامل ورد على حماه " زوجتي يا حاج عيد هذه أصبحت زوجتي بشهادة كل الواقفين .. وبموجب ورقة سأحملها معي في كل مرة سأزورك فيها حتى موعد الزفاف "
قال عيد مناطحا وهو يرفع رأسه إليه بعد أن أمسك بساعدها " إنها لا تزال في بيت والدها وعليك احترام ذلك"
بمناكفة قال شامل وهو يمسك بالساعد الأخر" وأنت أيضا عليك احترام أنها أصبحت زوجتي فلا تخبرني بعد الآن عن الدخول الذي بحساب والمواعيد التي بحساب "
قال عيد لغنيم" أترى ماذا يفعل ابنك يا غنيم بك "
رد شامل مغيظا" ابنه هذا أصبح زوج ابنتك وعليك من الآن فصاعدا أن تستسلم لهذه الفكرة"
ناظره عيد بغيظ بينما تدخل غنيم يوبخ شامل وهو يلكزه بعصاه قائلا " كف عن المزح بهذا الشكل واحترم نفسك "
كانت الرغبة في البكاء تلح على بسمة بشدة وتعاني من الصداع .. فتحركت تترك القاعة ليسألها وليد باندهاش "إلى أين؟"
توقفت وردت دون أن تستدير إليه" سأقف بالخارج لاستنشاق الهواء اشعر بصداع"
هم وليد بالذهاب خلفها لكن يد كامل ربتت على كتفه لتوقفه ثم خرج هو خلفها ..
بخطوات شاردة ذكرته بالمرة التي سار خلفها إلى السوبر ماركت سارت بسمة تخرج من المبنى وتقطع ساحته الواسعة .
إنها تشعر بالتيه والخوف والتردد ..
تشعر بأنها قد فقدت بوصلتها..
فرحتها ملطخة بالخيبات ..
انتقامها نفسه لا تعرف إن كانت تفعل به الصواب أم لا .. حياتها مع كامل كيف ستكون؟ ..
إنها خائفة ..
خائفة بشدة ووحيدة ..
وتخشى أن تخرج من تجربة الارتباط بكامل بوجع أكبر من التجربة السابقة فهذه المرة قلبها متورط وسيكون جرحا قاسيا..
لماذا أضحى خوفها من الفشل أكبر من رغبتها في الانتقام؟ ..
ورعبها الحقيقي من لحظة انتهاء هذه العلاقة .. لحظة الانفصال ..
تخشى أن تعتاد عليه .. أن تدمنه ..
تطلعت حولها في الشارع بغير هدى وكأنها تبحث عن ملجأ..
إنها وحيدة وتشعر بالتيه.
صوت فتح الأبواب أصدرته السيارة السوداء الضخمة التي تخص التوأمين فانتبهت بأنها كانت تقف قبالتها دون أن تشعر واستدارت خلفها لتبحث عمن فتح أقفال السيارة فوجدته واقفا على بعد أمتار يديه في جيبي بنطاله ..يتأملها بصمت .
بلعت ريقها الجاف فقال كامل" استريحي في السيارة ما دمت تعانين الصداع "
اقترب ببطء وبخطوات واثقة فسرقت كل خطوة منه خفقة من قلبها ليفتح لها الباب ويمد كفه مفتوحا أمامها ليساعدها على ركوبها ..
رفعت بسمة طرف فستانها ونظرت لكفه المفتوح أمامها ببعض التردد ثم مدت يدها تضعها فيه .. فأطبقت أصابعه الطويلة على عظام يدها اللينة باحتواء .
وتمنى لحظتها أن يضمها .
وتمنت لحظتها أن تلجأ إلى حضنه ليطمئنها.
نزلت درجتي السلم ثم صعدت لتجلس في المقعد الخلفي من السيارة .. وراقبته يتحرك مغادرا ليقطع الطريق للناحية الأخرى ولم تستطع أن تخمن أين ذهب فالميدان كان واسعا أمامها ..
عادت لتتأمل كفها الذي كان في كفه منذ ثوان وانهمرت دموعها .
وعاد لها الشعور بالوحدة والتيه .
بعد دقائق لمحته عائدا يحمل كوبين من الفايبر فوق علبة من الكرتون ..فأسرعت بمسح دموعها وراقبته وهو يستدير أمام السيارة ثم فتح الباب ..وقبل أن يتفوه بشيء كانت رائحة القهوة تدغدغ أعصابها .. القهوة التي تعشقها ..
مد كامل يده لها بأحد الكوبين قائلا" ربما ساعدك على التغلب على الصداع"
امسكت بالكوب ممتنة ثم عقدت حاجبيها وهي ترى أن الكوب لا يحتوي إلى على ربعه من القهوة بينما كوبه ممتلئ .. لكنها تحرجت من السؤال ورفعته لفمها لترشف منه قليلا قبل أن تتغير ملامحها وتعود لترشف رشفة أخرى سألته بعدها باندهاش" ما اسم هذا النوع من القهوة إنه ليس قهوة تركية ؟!"
لاحت ابتسامة على زاوية شفتيه في وقفته بجوار السيارة يشعر بالزهو أنه قد خمن ما يناسبها من القهوة لكنه لم يرد.
رشفت رشفة أخرى ثم قالت مبهورة " دوما كنت أقول لنفسي أنا أحب القهوة بكل أنواعها لكني لم أقابل بعد نوعي المفضل .. ونظرت في القهوة المركزة في الكوب وقالت وهذه هي ما كنت أبحث عنه بالضبط .. هذا هو نوعي المفضل ..إنه قوي مركز الطعم والرائحة ..(ورفعت رأسها إليه تسأله ) لماذا اخترته لي بينما اخترت لنفسك نوعا أخر .. ما اسم هذا النوع يا كامل أرجوك ؟"
تأمل زرقة عينيها المختلطتين بحمرة البكاء ومد ابهامه يمسح بقايا دموع تحت عينها اليسري قبل أن يرفع حاجبا ليقول بمشاكسة "كم ستدفعين لأخبرك باسمه ؟"



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close