رواية سلام لعينيك الفصل السابع عشر 17 والاخير بقلم بلو مي
الفصل السابع عشر والأخير
سلام لعينيك
لم يشعر جهاد بأي ألم بعد ان كاد صوت الطلق الناري يصم أذنيه .. أهذا يعني أنه قد مات ؟؟ أحس بثقل كبير فوق جسده .. ففتح عينيه مذهولا ليدرك بأن مسدس ماجد قد سقط من يده .. وأن رأسه قد انحنى إلى الأمام كأنه قد نام فجأة .. بينما أحس بالرطوبة تغرق قميصه والسجادة الوثيرة من تحته شيئا فشيئا
أبعد جسد ماجد عنه فارتمى على الفور إلى جانبه بلا حراك .. وتمكن جهاد من رؤية الثقب الذي اخترق عنقه فتدفقت منه الدماء الغزيرة التي سبق ولطخت ملابسه.. استوعب الحقيقة ببطء شديد .. لقد مات ماجد
رفع عينيه نحو سلام التي كانت واقفة على بعد مترين .. ممسكة بين يديها بمسدسه هو الذي ألقاه قبل دقائق فقط من يده كي يقنع ماجد بتركها وشأنها
حدق مذهولا .. بجسدها الشامخ الرشيق .. ووقفتها الصلبة .. وملامحها التي اتسمت بالكراهية والتصميم .. وبريق الغضب الوحشي يلمع في عينيها الذهبيتين .. لم يستطع إزاحة عينيه عنها في تلك اللحظة .. فقد كانت سلام القديمة .. سلامه هو .. القوية والمحاربة التي أنقذت حياته قبل سنتين .. تقف أمامه كما عرفها آنذاك .. وها هي تنقذ حياته للمرة الثانية ..
وقف ببطء .. فساهم تحركه في إعادتها فجأة إلى الواقع .. أجفلت وهي تحدق به .. ثم إلى جسد ماجد الغارق في الدماء .. ثم إلى السلاح الرابض بين أصابعها .. انتفضت .. وكأنها قد أدركت ما قامت به .. وعلا وجهها ذلك التعبير الذي يعرفه جيدا .. التعبير الذي حمل الرعب والذعر .. والصدمة ..
اقترب منها بينما بدأت بالارتعاش .. فتراجعت إلى الخلف وجلة .. وكأن عقلها الباطن لم يسجل بعد حقيقة زوال الخطر عنها .. قال بهدوء :- اهدئي يا حبيبتي .. لقد انتهى الأمر .. انتهى .
نظرت إليه غير مصدقة .. ثم إلى ماجد مجددا .. قبل أن يسقط المسدس من يدها .. وتسقط فاقدة الوعي بين ذراعي جهاد .. الذي ضمها إليه بقوة غير قادر على كبح دموعه .. جثى على الأرض ممسكا بها .. يدس وجهه بين حنايا عنقها وخصلات شعرها يستنشق رائحتها بضعف .. ويحس برقة جسدها ملتصقا به .. لم يدرك بأنهما ما عادا وحيدين حتى سمع صوتا مألوفا يقول :- سيد جهاد
نظر إلى حارسه الشخصي الذي وصل متأخرا بعد أن اتصل به جهاد مباشرة قبل وصوبه إلى الشقة .. وبدا كأنه لن يمنحه ردا على نداءه .. وكأنه قد فقد حسه بالواقع قبل أن يقول أخيرا :- هل بلغت الشرطة ؟
:- الشرطة في طريقها إلى هنا
بالفعل .. دوى صوت صفارات سيارات الشرطة المميزة القادمة من بعيد .. بينما ازداد عناقه لسلام قوة وهو يهمس لها :- نعم ... لقد انتهى كل شيء يا حبيبتي .. انتهى كل شيء
بالكاد كان جهاد واعيا لأسئلة ضابط الشرطة .. عقله كان ما يزال مذهولا بالطريقة التي جرت عليها الأحداث .. ما زال غير قادر على استيعاب أن الكابوس قد انتهى أخيرا .. سنتان كاملتان .. قضاها هو غاضبا وقلقا من نوايا ماجد .. وقضتها سلام في معناة قاسية من ذكريات مريرة وخوف دفين من العار والفضيحة
لقد انتهى كل شيء .. أليس كذلك ؟
نظر إلى سلام التي كانت جالسة في زاوية الصالة .. ذاهلة منذ استعادت وعيها .. شاخصة النظرات .. ترتجف رغم البطانية التي تبرع حارسه الذي كان أكثر تماسكا منه بإحضارها لها من غرفة النوم .. يجلس إلى جانبها حسام .. يحاول التحدث إليها .. واستخلاص أي استجابة منها دون فائدة ...
نعم .. حسام كان هناك .. كما كان والده وفراس .. ليقفوا إلى جانبهما في هذه اللحظات الصعبة .. الكل كان مرتاحا لانزياح الكابوس عنهما أخيرا ... وقلقا أيضا من تأثير ما حدث على العروسين الجديدن .. بالأخص .. على العروس التي قتلت ماجد بيدها .. ماجد الذي ما تزال جثته حتى الآن في مكانها .. وقد قام أحدهم بتغطيتها بقطعة من القماش ..
لم يستطع هذه المرة الاتصال بعائلتها .. أولا .. لأنه عرف بأن خالتها لن تحتمل قسوة ما حدث .. وثانيا .. رغبته الشديدة بأن يكون هو من يعتني بسلام .. ويمتص منها آثار الصدمة
وكأن والده قد لاحظ معنى نظراته التي تجمدت فوق سلام .. فاقترب منه مربتا على كتفه قائلا :- أنت بحاجة إلى الراحة يا ولدي .. خذها من هنا .. تحتاج زوجتك للابتعاد عن هذا المكان .. خذها واعتني بها جيدا .. وأنا وشقيقك .. سنهتم بكل شيء .. ولا أظن حضرة الضابط يمانع
لم يسمع جهاد رد الضابط .. بل لم يمنح والده ردا .. اتجه نحو سلام حيث وقف حسام مفسحا له الطريق .. إلا أنه لم يجلس مكانه .. بل انحنى يحملها بين ذراعيه .. وغادر المكان بدون أي كلمة
ساد الصمت بينهما في السيارة بينما يقودها جهاد إلى خارج المدينة .. وهو يلقي النظرة القلقة تلو الأخرى نحو سلام التي ما زالت محتفظة بجمودها ..
فتح الحارس بوابة المزرعة أمامهما .. وسرعان ما اختفى تاركا لهما المكان .. حملها جهاد خارج السيارة وسار بها إلى داخل المنزل الصغير .. صعد بها إلى الطابق العلوي حيث مددها على أحد الأسرة العريضة .. وجلس إلى جانبها .. نظر إليها مطولا والدموع تغشي عينيه .. وقد غلبته مشاعره .. يا الله كم يحبها .. وكم يحتاج إليها .. كم يحتاج إلى أن يمنحها الحب والرعاية .. أن يعوضها عن كل ما عرفته في حياتها من ألم ومرارة بسببه .. أغمض عينيه تاركا الدموع تتجاوزهما .. أمسك رأسه بيديه وهو يتساءل .. كيف أستطيع أن أنسيها ما حصل .. كل ما حصل .. ليتنا التقينا يا حبيبتي في زمن آخر .. لا ماجد فيه .. ولا حتى عماد .. الغر الساذج الذي أفسد حياتك برعونته وجبنه .. كان متأكدا بأنه حتى لو اختلفت ظروف لقائهما .. فإنه كان ليحبها بنفس الطريقة .. وبنفس القوة .. لعرفها من بين مئات النساء .. وأدرك بأنها نصفه الآخر .. توأمه .. ملاكه الجميل القوي والشجاع ..
أحس بأناملها تلمسه برقة .. ففتح عينيه .. ونظر إليها بلهفة .. كانت عيناها الذهبيتان غارقتين بالدموع .. بنظرات حزن عميق وكأنها لم تحتمل رؤية ألمه .. بدون أن يقول أحدهما أي كلمة .. تمدد إلى جوارها .. وضمها إلى صدره بقوة .. فأجهشت بالبكاء وهي تحتمي بجسده القوي .. بكت وبكت كما لم تفعل يوما .. بكت الخوف والظلمة الذين عاشت فيهما السنتين السابقتين .. بكت الحب الكبير الذي تكنه لهذا الرجل وحاجتها الشديدة إليه .. بكت أحداث اليوم العنيفة والقاسية عليها .. بكت مستسلمة للمساته الحنون .. وهمساته الدافئة .. بكت حتى استسلمت للنوم أخيرا بين ذراعيه وهي تشعر في النهاية بالضعف والارهاق .. وبالأمان
فتحت سلام عينيها بتثاقل .. فتسلل نور الصباح عبر النافذة ليجبرها على إغلاقهما مجددا .. قبل أن تعود لتفتحهما مع سماعها لصوت جهاد يقول بدفء :- صباح الخير
نظرت إليه حيث كان جالسا على مقعد خشبي إلى جوار السرير .. بدا وكأنه كان جالسا هنا منذ فترة طويلة ينظر إليها أثناء نومها .. فاحمر وجهها وهي تسحب الملاءة إليها وقد أدركت بأنها شبه عارية .. وتمتمت :- أين نحن ؟
قال برقة :- ألا تذكرين ؟ لقد أحضرتك إلى مزرعة عائلتي مساء الأمس .. كنت مرهقة للغاية .. وخلدت إلى النوم على الفور تقريبا ..
بالكاد كانت تذكر ما حدث بعد أن أطلقت النار على ماجد .. صور مشوشة مرت على مخيلتها .. رجال كثر يروحون ويجيئون .. أشخاص يتحدثون إليها .. جهاد يحملها .. جهاد يضمها وهي تبكي .. جهاد ينزع عنها ملابسها ..
تمتمت بحرج :- لقد نزعت عني ملابسي
عبس قائلا :- لقد اضطررت لهذا .. فهي .. لم تكن نظيفة
أغمضت عينيها بقوة .. نعم .. فقد لطختها دماء ماجد التي أغرقت قميص جهاد .. هو أيضا كان قد بدل ملابسه بأخرى بسيطة .. لم تملك إلا أن تتساءل إن كان قد نام إلى جانبها فوق السرير .. لاحظ جهاد تشنجها فقال :- لقد أرسل لنا أبي فطورا طازجا .. اعددت المائدة في الحديقة .. سأنتظرك حتى ترتدي ملابسك .. بالمناسبة .. لقد وجدت لك شيئا من ملابس سارة القديمة
غادر الغرفة تاركا إياها وحيدة .. فاستغرقت لحظات طويلة تفكر فيها بما هو قادم .. ماذا بعد أن مات ماجد ؟ .. ما الذي سيحدث لهما الآن ؟
أخذت حماما سريعا .. وارتدت الفستان الصيفي الوردي القصير .. وجمعت شعرها المبلل على شكل ذيل حصان ..
ثم نزلت إلى الطابق السفلي .. وخرجت إلى الحديقة بساقين مرتعشتين .. كمن يسير نحو المشنقة بقدميه .. كانت تعرف بأن لا مفر لها من مواجهتها لجهاد .. وحديثها معه .. يجب أن يضعا النقاط على الحروف .. أن يفتح كل منهما قلبه للآخر .. يجب أن يضعا حدا لحياتهما المتقلقلة .. وجدت الطاولة الصغيرة إلى جوار البركة .. وقد تراصت فوقها الأطباق الساخنة .. لم يكن هناك وجود لجهاد .. سمعت ضجة قادمة من المطبخ فعرفت بأنه هناك .. لم تتجه نحو الطاولة .. بل سارت ببطء بين الحدائق الغناء .. تتأمل الأشجار التي بدأت تطرح أوراقها المصفرة احتفالا بقدوم الخريف .. مالت نحو وردة حمراء .. وقربت أنفها منها لتستنشق عبيرها العطر .. فتذكرت ذلك الصباح الذي زرع فيه جهاد وردة مماثلة حلف أذنها .
أتاها صوته من الخلف يسألها :- كيف تشعرين الآن ؟
التفتت إليه .. وتأملت بلهفة وسامته الشديدة .. كانت ذقنه نامية .. ووجهه شاحبا بسبب قلة النوم وإرهاق الساعات الأخيرة .. بدا لها في هذه اللحظة أقرب إلى المريض الأسير الذي ساعدته على الهرب قبل سنتين
قالت بجفاف :- ولم لا أكون بخير ؟ لا داعي لكل هذا القلق
قطب قائلا :- لقد أطلقت النار لتوك على رجل بالغ .. هل تلومينني على قلقي عليك ؟
صمتت للحظات وهي تنظر إلى وجهه المتوتر .. قبل أن تقول بهدوء :- هل سيخف قلقك إن أخبرتك بأنني لست نادمة على الإطلاق على ما حدث ؟ .. وأن شعرة في جسدي لم تهتز عندما أطلقت النار على ماجد ؟
نظر إليها مليا .. قبل أن يقول بهدوء :- وهل هذه هي الحقيقة ؟
اغرورقت عيناها بالدموع .. ولكنها حافظت على هدوءها وهي تقول :- قبل سنتين .. قبل هروبنا من وكر ماجد .. لمحت مسدسه مرميا في إحدى الغرف .. لم أفكر حتى بإمكانية استخدامي له في أي ظرف كان .. حملته بكل بساطة .. ورميته من النافذة
لم يقل شيئا .. وإن كانت عيناه الخضراوان تتحدثان بالكثير وهو يراقب الجهد الكبير الذي تبذله لتحافظ على رباطة جأشها .. أكملت بصوت اهتز رغما عنها :- هل تعرف كم مرة خلال السنتين السابقتين .. كرهت نفسي .. وحقدت عليها .. ولمتها لأنها لم تمتلك الجرأة على الاحتفاظ بذلك السلاح بدلا من رميه .. هل تعرف كم مرة أغمضت عيني و تخيلت بأنني قد استخدمته حقا .. وقتلت به ذلك السافل قبل أن يلمسني .. ثم فتحت عيني لأعود إلى الواقع المرير .. حيث أنا مجرد امرأة ضعيفة لم تستطع حتى الدفاع عن نفسها أمام هجوم وحش كماجد
طعنه الألم في قلبه وهو يقترب منها قائلا بعنف :- توقفي عن لوم نفسك يا سلام .. ما كنت بقادرة على رد هجومه عنك .. ذلك الرجل المريض كان ليفعل المثل لأي فتاة غيرك كانت في مكانك
صرخت به بانفعال وقد فقدت أعصابها :- كنت لأستطيع المحاولة على الأقل لو أنني لم أفقد الوعي كالبلهاء وتركته يفعل بي ما يشاء .. لكنت صرخت .. ورفست .. وضربت .. حتى اضطر لقتلي في النهاية بدلا من أن ...
تعالت شهقاتها وهي تستسلم أخيرا لضعفها .. أخفت فمها بيدها والدموع تسيل من عينيها أنهارا .. فقطع المسافة بينهما بخطوتين وسحبها ليضمها إلى صدره بقوة .. فتملصت منه وهي تهتف بألم :- لا .. يجب أن تسمع كل ما لدي .. من حقك أن تعرف كل شيء .. أن تعرف ما مررت به بالضبط منذ تلك الليلة .. يجب أن أتحدث .. أحتاج إلى أن أتحدث حتى لو خسرتك بعد هذا ..
قال وقلبه يتمزق لرؤية معاناتها :- لنجلس على الأقل ونتحدث بهدوء يا سلام .. وأنا مستعد لسماعك حتى النهاية
هزت رأسها قائلة :- لا .. سأقول ما لدي هنا .. لا مزيد من التظاهر بالتهذيب والاحترام .. لن تكون هناك إلا الحقيقة والحقيقة فقط ..
مسحت دموعها .. وقالت دون أن تنظر إليه :- بعد أن قيدني داخل سيارته .. لم أتوقف عن ركله ومقاومته حتى صفعني بقوة أفقدتني الوعي .. لم أعرف ما حدث بعد ذلك .. إذ استيقظت لأجد نفسي ملقاة على قارعة طريق مهجور .. لماذا لم يقتلني ؟ لا أعرف .. ولكنني تمنيت ألف مرة لو أنه قتلني بدلا من أن يتركني أواجه مصيرا أبشع من الموت ..عدت إلى البيت شبه مذهولة مما حصل .. في الواقع .. أبى عقلي أن يصدق أبدا ما حصل .. ظل جزء مني يمنحني الأمل الزائف بأن ذلك الرجل لم يلمسني .. رغم يقيني من الحقيقة المرة .. أبيت أن أزور طبيبة مختصة لأنني لم أرغب بأن تؤكد لي مخاوفي .. فضلت أن أعيش على أمل ووهم .. كانا يتبخران في كل مرة كنت أرى فيها ماجد في كوابيسي يهاجمني ويقيدني .. في كل مرة يقترب فيها مني رجل او يلمسني .. في كل مرة أرى فيها عروسين جديدين أدرك بأنني لن أعرف يوما سعادتهما .. الألم كان كبيرا .. ولكنني نجحت في إخفاءه .. ما الفائدة من إخبار خالتي بالحقيقة ؟ ما الذي سأجنيه من لجوئي إلى الشرطة غير فضح نفسي .. وفضح علاقة عماد بماجد .. لقد ظننت حقا بأني بدأت أتجاوز الصدمة .. وأنني نجحت في تناسي الألم الدفين حتى ظهرت أنت في حياتي يا جهاد
تشنج جسد جهاد .. وتلوى الألم داخل أحشاءه .. مهما كان ما ستقوله مؤلما .. فسيسمعه .. ويتفهمه .. وهو ليس غافلا عما فعله بها طوال الأشهر السابقة
تمتمت :- رؤيتك من جديد زرعت داخلي الكثير من المشاعر الغامضة .. كنت سعيدة لأنك قد نجوت .. متألمة من الذكريات الصعبة التي عادت تهاجمني من جديد .. ومذعورة لأنك مسست جانبا حاولت قتله من أعماقي .. الجانب الأنثوي مني .. المتلهف إلى حماية وحب رجل .. عندما طلبت مني الزواج .. رفضتك باستماتة .. إلا أن قلبي كان يتحرق شوقا ولهفة لمستقبل سعيد معك ..لا يمكنك أن تتخيل كم كان الأمر مؤلما .. أن أرفض ما تمنيته طوال حياتي .. أن أرفض امتلاك بيت .. وزوج .. وعائلة .. أن أكون أما وزوجة لرجل يفتخر بي ويحبني
تهدج صوتها .. وتقطعت كلماتها الأخيرة وهي تذرف الدموع .. اشتدت قبضتا جهاد إلى جانبيه .. أحس بأنه قادر في هذه اللحظة على تحطيم كل ما تصل إليه يداه .. أو أن ينهار باكيا كطفل صغير ..
أحاطت جسدها بذراعيها كي تمنح نفسها القوة .. واكملت باكية :- ليلة زفافنا .. دعوت الله كثيرا أن يرأف بي .. أن يكون ما أعرف بأنه قد حصل .. لم يحصل حقا .. أن أكون لك عروسا طاهرة .. نقية .. تستحق حبك واحترامك .. خشيت أن تلمسني .. حاولت منعك ولكنني لم أستطع .. بكل بساطة .. كنت متلهفة لأن أعطيك .. أملا في أن أكسب جزءا من حبك .. وساعدني على هذا عدم وجود أي ذكريات لي عن اغتصاب ماجد لي ..
قال فجأة بصوت متهدج :- لا تكملي .. أرجوك .. أعرف أي نذل كنته تلك الليلة .. أعرف جيدا ما سببته لك من ألم بكلماتي الجارحة
هزت رأسها قائلة :- لم تكن تعرف يا جهاد .. أظن ان الله قد استجاب لدعائي بأن زرع في قلبك الحلم والرأفة بي .. ومنعك من فضحي بين الناس .. هل تظن أي رجل آخر كان ليقبل بإيواء عروسه في بيته ساعة واحدة بعد اكتشافه عدم عذريتها ؟ .. أنت لم تكن تعرف ما حدث قبل سنتين .. وأنا رفضت إخبارك .. لأنني ما كنت لأحتمل على الإطلاق نظرة الاشمئزاز والقرف في عينيك وأنت تتخيل ذلك الرجل يلوثني .. ظنك بأنني خاطئة .. اهون علي ألف مرة من أن أرى الشفقة في عينيك .. وأراك تبقيني معك رأفة وإحساسا بالمسؤولية .. ثم تنفر مني شيئا فشيئا حتى تعجز عن النظر في وجهي ..
قال بخشونة :- لا أفهم كيف فكرت بهذا .. بحق الله أنا السبب في كل ما حصل لك .. كنت لأغضب في البداية .. نعم وأمتعض أحيانا حين أفكر بما فعله بك .. ولكن حبي لك كان ليهزم كل شكوكي ومخاوفي . لأنني ما كنت لأقبل بأن أعيش لحظة واحدة بدونك .. حتى عندما ظننت بأنك خاطئة .. وأنك قد منحت قلبك وجسدك لرجل آخر .. هل ظننت بأن نبلي هو ما دفعني لإبقائك ؟ لا يا عزيزتي .. أنا لم أكن يوما نبيلا .. بكل بساطة .. لقد كنت عاشقا حتى النخاع .. عاجزا عن السماح لك بالخروج من بيتي خشية ألا تعودي .. كرهت ضعفي .. وقاومته .. أخطأت في حقك مرارا فقط كي أخفي مشاعري عنك ..
قالت لمرارة :- كيف تقول هذا ؟ .. كيف لك أن تنسى إن كنت أنا عاجزة عن النسيان ؟ لم أستطع أبدا مسامحة نفسي على ما حصل .. على ضعفي وغبائي .. على ..
قاطعها جهاد قائلا :- ها قد منحك الله الفرصة لتعوضي عن ذلك الخطأ يا سلام .. لقد منحك القوة لتقفي على قدميك .. وتقتلي ذلك الرجل بيديك كما لم تفعلي قبل سنتين ..
هزت رأسها قائلة :- ربما ما كنت لأتمكن من فعلها لو لم ...
صمتت وهي تشيح بوجهها بعيدا .. فاقترب منها أكثر .. وأدارها إليه .. ونظر إلى عينيها الدامعتين قائلا برقة :- لو ماذا يا سلام ؟
نظرت إلى وجهه الحبيب .. وفكرت بأنها حتى الآن غير مصدقة لوجوده معها .. امام عينيها .. في متناول يديها .. قبل ان تفكر .. كانت يدها تمتد غريزيا لتلمس صدره الصلب .. فأحست بخفقات قلبه تتسارع تحت أناملها .. همست غير غافلة عن تأثير لمستها عليه :- لو لم تكن حياتك أنت مهددة من قبله .. ما كنت لأسمح له بأن يمسك بسوء .. لقد عاهدت الله يوما على أن أبذل حياتي لإنقاذك .. وحمايتك من شر ماجد .. بالأمس .. رؤيته وهو يصوب سلاحه نحوك .. وإدراكي بأنك قد تموت بيديه في أي لحظة .. جعلتني أدرك بأن كل مخاوفي وآلامي .. أهون علي ألف مرة من قضاء لحظة واحدة بدونك إلى جواري
أمسك وجهها بين يديه .. ونظر إليه قائلا بصوت أجش :- هل تقولين الحقيقة يا سلام ؟ .. هل تمسكك بي حقا يضاهي تمسكي بك .. ؟ هل ستمنحينني السعادة في السماح لي بتعويضك عن كل ما سببته لك من ألم طيلة هذه السنوات ؟
سالت دموعها .. وهي ترفع يدها نحو ذقنه الخشنة .. وتلمسه مجيبة عن سؤاله دون ان تتكلم .. فما كان منه إلا أن مال نحوها يقبلها بشوق حارق قابلته هي بلهفة مماثلة .. للحظات طويلة أمسك كل منهما بالآخر .. غارقا بين أحضانه وقبلاته .. حتى تركها جهاد أخيرا لتلتقط أنفاسها .. ضمها إليه بقوة مغمضا عينيه وهو يقول بانفعال :- لا أصدق حقا بأنني سأكون يوما شاكرا لماجد .. فهو السبب في لقائنا رغم كل ما فعله بنا .. وهو الذي أعادك إلي من جديد بعد أن يئست من استعادتك ..
همست بين طيات قميصه :- لست مضطرا لهذا .. فقد أدركت صباح الأمس بأنني أدمر ما تبقى من حياتي بالاستسلام لمخاوفي .. عرفت بأنني أستطيع متابعة حياتي .. الزواج مجددا .. إنجاب الأطفال .. إنشاء عائلة .. أن أفعل كل ما أريده دون خوف .. إلا أن هذا كله لن يساوي شيئا إن فعلته من دونك
رفعت رأسها إليه .. وتركته يقرأ المخاوف الجمة في عينيها وهي تقول :- نستطيع معا أن نهزم الماضي ببناء مستقبل جديد .. أليس كذلك ؟
تأمل وجهها الجميل مدركا بأنه مستعد لقضاء حياته القادمة كاملة في النظر إليه .. ثم همس زارعا الطمأنينة في قلبها .. :- نستطيع معا أن نهزم الذكريات السيئة .. بصنع أخرى جديدة .. ذكريات سعيدة نكون فيها معا .. وإلى الأبد
قبلها مجددا .. ومنحته هي قلبها وروحها ومشاعرها ... حملها إلى الداخل .. وكل منهما عارف بأن مشوارهما لم ينته .. بل ابتدأ في هذه اللحظة .. وأن جهادهما لأجل حماية حبهما ومحاربة كل الوساوس .. سيستمر طويلا .. ولكنهما أيقنا كذلك بأنهما كما واجها الكثير من المصاعب معا .. فهما قادرين على النجاح في مهمتهما الصعبة معا في سبيل تحقيق السعادة ... عرفت سلام بأنها قادرة على أن تخاطر وتثق به تماما في هذه المعركة .. هو الإنسان الذي تحب وتعشق .. الإنسان الذي نجح قبل سنتين في نزع السلام من قلبها بنظرة واحدة .. ثم أعاده إليها من جديد محملا هذه المرة بحبه الخالص والأبدي
