اخر الروايات

رواية سلام لعينيك الفصل الرابع عشر 14 بقلم بلو مي

رواية سلام لعينيك الفصل الرابع عشر 14 بقلم بلو مي


الفصل الرابع عشر
الحقيقة
لم يتوقف جهاد لحظة واحدة عن السير جيئة وذهابا في أنحاء قاعة الانتظار لغرفة الطوارئ التبعة لأحد أكبر مستشفيات المدينة .. وقد عصف به القلق والتوتر .. فبدا غي واعي لخالة سلام التي أجهشت في البكاء على بعد امتار منه وقد انهمك عماد في تهدئتها دون فائدة
كان من الممكن ان يندم جهاد على استدعائه لعائلة سلام فور اقتحامه الحمام فور سماعه الضجة المكتومة الصادرة عن الداخل .. ورؤيته لسلام ساكنة على الأرض محاطة ببركة من الدماء
فقد فكر على الفور بانها سترغب بوجود عائلتها حولها .. وربما لن ترغب برؤيته هو بعد ما حدث بينهما في وقت سابق
بالماد سمع غمغمة الخالة من بين دموعها عن حظ ابنتها العاثر وعن هذا الزواج الذي لم يجلب لها إلا الحزن .. فقد كانت حواسه كلها مركزة نحو باب الغرفة الذي انفتح ليخرج منها الطبيب فأسرع نحوه يسأله بلهفة :- كبف هي الآن ؟
سرعان ما كان عماد وامه يجاورانه وقد اتسعت أعينهما بقلق وتوسل في انتظار ما سيقوله الطبيب الذي قال متوترا :- إنها بخير .. من حسن الحظ أنها قد وصلت قبل فوات الأوان .. فقد الكثير من الدماء .. ومن الواضح أنها كانت تعاني أساسا من فقر دم وسوء في التغذية
قال جهاد بقلق :- هل أستطيع رؤيتها ؟
رمقه الطبيب بنظرة باردة وهو يقول :- إنها نائمة الآن .. وبفضل عدم إزعاجها حتى أستدعي الطبيب النفسي المناوب لرؤيتها
ضربت الخالة صدرها بلوعة وهي تقول :- ولماذا تحتاج صغيرتي إلى طبيب نفسي .. إنها ليست مجنونة
:- إنه إجراء طبيعي يتخذ عادة بعد أي اشتباه بمحاولة انتحار
امتقع وجه جهاد .. وأحس بثقل يجثم فوق صدره .. بينما هتفت الخالة مذعورة :- اتظن بان سلام قد حاولت الانتحار ؟ أنت مخطئ يا دكتور لأن سلام ليست من هذا النوع .. لن تقدم أبدا على فعلة كهذه ؟
سأله عماد متوترا :- هل أنت متأكد يا دكتور ؟
أما جهاد .. فلم يتفوه بحرف واحد .. فقد كان هذا اول ما خطر بذهنه عندما رأى زجاج المرآة المهشم .. والدماء المتدفقة من يد سلام ومعصمها الممزق
آخر ما توقعه هو أن تحاول سلام قتل نفسها .. لم بفكر بهذا حتى في أسوأ تخيلاته .. ولكن عندما يتذكر الطريقة السيئة التي عاملها بها منذ زواجهما .. وكيف نبذها منذ ساعات بعد أن بثها كل حبه وشغفه .. لا يستغرب رغبتها في الخلاص من حياتها معه .. حتى ولو بقتل نفسها
قال الطبيب :- قد يكون الأمر مجرد حادث .. فالجروح التي أصابت يدها ومعصمها ليست منتظمة بحيث تدل على قطع متعمد
أسرعت خالتها تقول :- لابد ان يكون حادثا .. لماذا قد ترغب سلام بإنهاء حياتها
هنا .. التفت الطبيب إلى جهاد قائلا ببرود :- هذا ما أرغب بمحادثتك به يا سيد جهاد .. انت زوجها ..أليس كذلك ؟.. أريد أن أتأكد قبل أن اتخذ أي إجراءات رسمية إن كانت السيدة سلام تتعرض لسوء المعاملة
أجفل جهاد .. وظن لوهلة بأن الطبيب قد عرف كل شيء عن مشاكله مع سلام .. صاحت الخالة يجنون :- هل تعرضت ابنتي لسوء المعاملة ؟
استدارت نحو جهاد تصيح بحقد :- ستدفع الثمن غاليا ثمن ما فعلته بها .. لن تبقى ابنتي في بيتك لحظة واحدة
أمسك عماد بذراعها مهدئا وهو يخاطب الطبيب :- ما الذي تقصده بالضبط بسوء المعاملة يا دكتور ؟
لم يكن جهاد قادرا على الدفاع عن نفسه .. إذ كان مدركا تماما لذنبه .. ولكن صدمته كانت عنيفة عندما قال الطبيب :- اعني العنف الجسدي بالطبع .. السيدة الممددة في الداخل تعاني من آثار عنف جسدي غير طبيعي بالمرة
قال جهاد بصعوبة :- لقد سقطت مساء الأمس عن الكرسي .. لابد ان يترك هذا الحادث بعض الآثار والرضوض
رمقه الطبيب بنظرة ازدراء تام وهو يقول :- بالإضافة إلى الرضوض .. هناك آثار جروح قطعية .. وحروق حديثة في أماكن غير ظهرة للعيان .. كل الدلائل تشير إلى تعرضها إلى التعذيب والقهر الجسدي والنفسي بالتالي .. من واجبي إبلاغ السلطات عن الحوادث المشابهة واكنني رغبت في التأكد إذ لم تبد لي من ذلك النوع عديم الضمير على الإطلاق .. ولكن كما تعلم .. المظاهر تخدع أحيانا
أمسك عماد أمه مانعا إياها من الهجوم على جهاد وهي تهدد وتوعد.. بينما كان جهاد مأخوذا تماما بكلمات الطبيب
قال عماد مخاطبا الطبيب :- هل تستطيع أمي رؤية سلام لدقائق فقط على الأقل ؟
:- على ألا تحدث أي ضجة .. وألا تثير معها هذا الموضوع لحاجتها الشديدة إلى الراحة النفسية قبل كل شيء
أدخلها عماد إلى الغرفة التي استقرت فيها سلام .. بينما استدار الطبيب نحو جهاد قائلا :- انا آسف يا سيد جهاد .. أنا أعرف من تكون .. ومن يكون والدك .. ولكن إن اتضح لي بأنك المسؤول عن جروح زوجتك فسأضطر لإجراء الترتيبات اللازمة
قال جهاد متوترا وهو غير قادر بعد على استيعاب الحقائق التي بدأ يستوعبها :- لا يمكنك أن تصدق بأنني قادر على إيذاء زوجتي بهذا الشكل
قال الطبيب بجفاف :- ولم لا أصدق ؟ لقد صادفت حالات أسوأ .. وغالبا ما كان الزوج شبيها بك .. ناجحا وثريا . ومدللا بحيث يظن نفسه قادرا على فعل أي شيء دون حساب
دوى صوت عماد من خلفهما يقول :- أنت مخطئ يا دكتور .. انا متأكد بأن السيد جهاد لا يمكن أن يؤذي سلام بهذه الطريقة
استدار الاثنان نحوه فلاحظا شحوب وجهه .. والمرارة في عينيه البنيتين .. فبدا لجهاد وكأنه قد كبر في العمر فجأة .. سأله :- هل تعرف إذن من سبب هذه الجروح لسلام
رد بلهجة كئيبة :-
بالتأكيد أعرف .. فمن سبب هذه الجروح والإصابات لسلام .. هو سلام نفسها .. وليس أي شخص آخر
بالنسبة للطبيب .. بدأت الأمور تبدو منطقية .. أما جهاد .. فقد أمسك بكتفي عماد وهزه غير مصدق :- ما الذي تقوله ؟ كيف تؤذي سلام نفسها ولماذا ؟
ارتسم الحزن على وجه عماد وهو يقول :- لقد اكتشفت الأمر منذ فترة طويلة .. استيقظت بعد منتصف الليل .. ودخلت إلى المطبخ لأشرب كوبا من الماء .. وهناك وجدت سلام تجرح نفسها بسكين المطبخ وهي تبكي بانهيار .. كانت صدمتي كبيرة في تلك اللحظة .. جعلتني أعدها بألا أخبر أحدا وأنها في المقابل لن تفعلها مجددا .. أخبرتني بأن هذا يريحها عندما تمر بحالة يأس واكتئاب شديدة
سأله الطبيب باهتمام وتفهم :- هل تعرضت قبل هذا لحادث أثر بها كثيرا ؟
تحاشى عماد النظر إلى جهاد قائلا :- نعم .. فبلها بأشهر قليلة مررنا بموقف صعب أثر علينا جميعا
همهم الطبيب بضرورة وصول الطبيب النفسي لرؤية سلام .. ثم ابتعد عنهما .. هنا .. واجه عماد جهاد الذي بدا شاحبا كالأموات وقال بيأس :- لقد ظننتها توقفت عن هذا بالفعل .. وإلا لأخبرتك .. أو أخبرت أي أحد وأجبرتها على تلقي المساعدة ... ولكن من الواضح أن ما حدث قبل سنتين قد أثر بها كثيرا ؟ ألم تتحدثا في الأمر أبدا ؟
هز جهاد رأسه نفيا عاجزا عن الكلام .. بينما قال عماد :- إنه خطأي أنا .. عندما هربت تلك الليلة من ماجد قبل عودته .. عدت إلى البيت فورا .. ولم تكن سلام هناك .. قلقت عليها كثيرا .. وظننت ماجد قد أمسك بكما ..ولكنها عادت بعد ساعات وقد بدت في حالة يرثى لها .. تعانقنا وبكينا طويلا .. ولكننا لم نتحدث في الأمر على الإطلاق .. ربما كان الحديث ليخفف عنها قليلا .. ولكن من الواضح أنها بعد كل هذا الوقت لم تتخطى أبدا ما حدث .. وكل هذا بسببي أنا
رمى نفسه على أحد المقاعد مخفيا رأسه بين يديه قائلا :- ما الذي سأقوله لأمي ؟ كيف سأحكي لها ما فعلته ؟ لقد أخفيت عنها الحقيقة لسنوات ... والآن لن تسامحني أبدا على هذا
كان جهاد مصابا بصدمة عنيفة لم تسمح له باستيعاب نحيب عماد .. كل تفكيره كان مركزا نحو سلام فقط
لقد اكتشف فجأة أي أناني كان يجسده .. طوال الوقت
لقد ركز منذ البداية على نفسه فقط .. ناسيا ما حوله .. عندما رأى سلام مجددا أرادها .. ولم يفكر برغباتها الأخرى
ليلة زفافهما .. فكر بخيبته هو .. ولم يفكر بمشاعرها وألمها الخاص حتى أنه لم يفكر بتأثير ما حدث قبل سنتين عليها .. ركز على ما عاناه هو ناسيا ما قد تعرضت له في سبيل إنقاذ حياته
... عندما فتحت سلام عينيها فوجئت بتواجدها في غرفة ناصعة البياض إلى جوار خالتها الدامعة العينين .. والتي أسرعت تسألها بلهفة :- كيف تشعرين الآن يا صغيرتي ؟
استغرقت سلام لحظات كي تستوعب ما يحدث .. فنظرت إلى يدها المضمدة لإحكام .. وتأوهت قائلة :- يا إلهي .. كم أنا بلهاء .. لابد أنني قد أثرت ذعركم
هزت خالتها رأسها قائلة :- لا تقولي شيئا يا حبيبتي .. وانا سأنادي الطبيب ليراك
قالت سلام باكتئاب :- لا أحتاج إلى طبيب .. أريد فقط أن أخرج من هنا
فتح الباب في تلك اللحظة ليطل منه جهاد بقامته الطويلة .. خفق قلبها لرؤيته .. وانقبض بألم لذكرى ما حدث بينهما .. ولكن عندما لاحظت شحوب وجهه .. والارهاق في عينيه الجميلتين ..أدركت قلقه الشديد عليها .. وأحست بالذنب لما سببته من ازعاج لغيرها
قفزت خالتها تصيح فيه :- اخرج من هنا وإلا استدعيت الامن
قال بهدوء :- أرغب فقط بمحادثة سلام
:- لن أسمح لك بالاقتراب منها بعد الآن
ذهلت سلام لموقف خالتها العنيف من جهاد .. فأمسكت يدها قائلة :- خالتي أرجوك .. لا تغضبي .. جهاد سيحدثني فقط
بعد جهد تمكنت سلام من إقناع خالتها بالخروج قليلا .. إلا انها لم تخرج قبل أن تنظر إلى جهاد محذرة وتخاطب سلام :- إن احتجت إلى أي شيء نادني ... سأمون خلف الباب مباشرة
أغلقت الباب خلفها فساد الصمت بينهما مشبعا بالتوتر .. أخذت تعبث بطيات المراءة غير قادرة على النظر إليه .. حتى قال بهدوء :- كيف أنت الآن ؟
تمتمت :- بخير
ثم قالت مصرة على عدم النظر إليه :- آسفة لما سببته لك من إزعاج .. لابد أنك غاضب مني
لم تسمع جوابه .. ولكنها أحست به يقترب .. فقالت مرتبكة :- وآسفة أيضا على معاملة خالتي لك .. لا اعرف حقا ما أصابها
قال بهدوء :- أنا اعرف
نظرت إليه بحيرة .. فصدمها قربه منها .. وما صدمها أكثر .. ذلك التعبير الذي ارتسم على وجهه وكان هموم الدنيا تقع فوق كاهله .. امازال ما حدث ليلة الامس يغضبه ؟
قال بحزن :- تظن أنني عاملتك بطريقة سيئة .. اضطرتك لمحاولة الانتحار خلاصا مني
أطلقت ضحكة ارتباك وهي تقول :- وما الذي يجعلها ...
بترت سؤالها عندما استوعبت الحقيقة .. نظرت مجددا إلى يدها المضمدة .. وقالت باضطراب :- لا يمكن أن تكون قد حسبت بأنني قد حاولت قتل نفسي ؟
نظرت إليه فعرفت من الحزن في عينيه بأنه يشارك خالتها الظنون .. فهتفت بضحمة مفتعلة :- لقد كان مجرد حادث .. لقد غضبت كثيرا وضربت زجاج المرآة بيدي فتهشمت وجرحتني
وعندما لن تلحظ أي تغيير في ملامحه قالت بصوت مرتعش :- أنت تصدقني .. أليس مذلك ؟ .. انا لن أؤذي نفسي متعمدة أبدا
:- ليس هذا ما يقوله عماد
أغمضت عينيها بقوة وقد انتابها خوف ويأس كبيرين .. عماد .. لماذا فعلت هذا ؟ لقد وعدتني بالصمت .. همست بضعف :- كان هذا في الماضي
هز رأسه قائلا ك- رأي الطبيب يؤكد انك ما زلت تؤذين نفسك يا سلام .. العلامات واضحة تماما على جسدك .. ولا اعرف كيف غفلت عنها ولم أرها
قالت بعنف محاولة تغيير مجرى الحديث :- ربما لأنك لم ترغب برؤية ما هو أبعد من السطح
أومأ برأسه موافقا .. ولكنه عاد يسألها :- لماذا يا سلام ؟ لماذا كنت تؤذين نفسك .. لقد كدت تخسرين حياتك هذه المرة .. ألم تفكري أبدا بمخاطر تصرفات كهذه ؟ ..
اعتدلت في جلستها هاتفة بخشونة :- وكأنك تهتم إذا مت او عشت
لم يعلق جهاد .. إذ كان يعرف بانها تمتلك كل الحق في إبداء الغضب .. قال :- أعرف بانني أسأت معاملتك يا سلام .. وربما هذا هو السبب الذي دفعك لاتخاذ تلك الطريقة لتخفيف ألمك الداخلي 0.. ولكن الأمر بدأ منذ سنوات يا سلام
هزت رأسها متمتمة بشيء من الاضطراب :- لا أريد التحدث في الامر
أصر وهو يجلس على المقعد المجاور للسرير قائلا :- علينا أن نتحدث عن تلك الحادثة يا سلام .. لقد انقذت حياتي .. وأنا لم أشكرك أبدا كفاية على هذا .. ولم أفكر أبدا بتأثير ما حدث عليك .. لقد خاطرت بنفسك وعرضتها لغضب ماجد .. وأنا بأنانيتي توقف تفكيري عند اللحظة التي أوهمته فيها بموتي
دفعت الملاءة وهي تصيح به بانفعال :- اخبرتك بانني لا أريد التحدث في الأمر
حاولت النهوض ولكنه تحرك فجأة من مكانه وأمسك كتفيها ليمنعها ... فأخذت ترتعش محاولة إيقاف الضجيج الذي أخذ يدوي في أذنيها . والصور المتلاحقة التي تأبى التوقف .. انهمرت دموعها وهي تهز رأسها بقوة وهي تهتف متوسلة :- أرجوك .. أرجوك توقف
ولكنه كان في حالة لم تسمح له بالتوقف .. كان في حاجة ماسة إلى أن يعرف ... وحاجته منعته من رؤية الحالة التي وصلت إليها سلام
سألها وهو ينظر إلى عينيها :- ما الذي فعله بك ماجد يا سلام ؟
أطلقت صرخة بدت كصوت حيوان يتألم .. وأخذت تنتفض منتزعة نفسها منه .. ومنكمشة على نفسها تحاول محو صورة الوجه الضاحك بسخرية .. واليدين القاسيتين .. مقعد خلفي بالي .. وحزام قديم يقيد معصمها بقسوة
غطت أذنيها بيديها وهي تصرخ وقد فقدت إحساسها بالزمن :- توقف .. توقف ارجوك
تراجع جهاد إلى الخلف كان حية قد لدغته .. وقد امتقع وجهه مجسدا لكل علامات الرعب والصدمة .. اخفى وجهه بين يديه وهو يردد بذهول :- يا إلهي .. يا إلهي
لم يستطع رؤيتها تبكي بحرقة ... لم يستطع مواجهة الواقع الذي اتضح له أخيرا .. فاندفع مغادرا الغرفة وهو يحس بنفسه يكاد يختنق
اما سلام .. فقد عرفت في تلك اللحظة بان كل شيء قد انتهى .. لقد عرف جهاد الحقيقة .. وأي شيء الآن لن يمكنه من النظر إلى وجهها مجددا .. لقد خرج جهاد من حياتها تماما وإلى الأبد هذه المرة



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close