رواية واشرقت في القلب بسمة الفصل الرابع عشر 14 بقلم الكاتبة شموسة
الفصل الرابع عشر
مساء الجمعة
جهل أم إنكار أم غفلة !!
صدمتنا في صورتنا عند من نحبهم تشغلنا أحيانا عن البحث عن الأسباب فيضحى جل ما يؤلمنا لحظتها كيف أننا كنا مذنبين في حقهم.
"اهدئي يا مليكة لأفهم"
قالتها بسمة وهي تجلس أمامها على الأريكة في جناح الأخيرة الخاص في بيت الصوالحة فقالت مليكة من بين دموعها وهي تحتضن ساقيها أمامها فوق الأريكة "لم أكن اتصور أبدا أني من الممكن أن أجرح مفرح يا بسمة .. هذا شيء صعب عليّ تحمله ..فلا أحد يعرف كم أبذل من جهد حتى لا أقصّر في حقه .. (وازداد نحيبها ) شيء صعب .. صعب جدا بل مؤلم لقلبي أن .. أن أكون السبب فيما شعر به خلال زواجه مني .. صعب يا بسمة أن يكتم في نفسه وأن .. وأن أكون …."
قالت بسمة تربت على ظهرها مواسية "اهدئي يا مليكة"
هتفت مليكة بانفعال من بين دموعها "كيف اهدأ ؟.. كيف ..أنا أشعر بذنب شديد ..أشعر بالتقصير ومفرح لا يستحق ذلك مني ..لا يستحق "
ناظرتها بسمة بحيرة ثم قالت بهدوء " هلا أخبرتني ماذا حدث لأفهم "
سحبت مليكة بضع أوراق من المناديل من العلبة جانبها وقالت بحرج وهي تمسح دموعها وأنفها "الأمر حساس قليلا"
ضيقت بسمة عينيها الزرقاوين وسألت "حساس من أي نوع"
رفعت مليكة انظارها لبسمة وقالت "أمر يخص علاقتنا الحميمية يقصد ..عدم تجاوب مني"
اتسعت عيني بسمة ولم تعرف بما ترد .. لكنها سألتها بعد قليل" وهل أنت كذلك؟"
مسحت مليكة عينيها وقالت بهدوء "أنا أعترف بأني لا أحب هذا الموضوع (ونظرت لبسمة التي تناظرها متفاجئة وغمغمت بتوسل ) أرجوك لا تنظري إلي بدهشة هكذا.. ولا توبخيني "
اسرعت بسمة بالقول مطمئنة " لا لا لن أفعل ذلك بالطبع .. لكن هل ناقشت نفسك وعرفت سبب هذا "
أسرعت مليكة بالقول " لا أريد أن أناقشها ..ولا أريد أن اتحدث في هذا الأمر إنه يخصني وحدي ..( وعادت للنحيب ) أو كنت أحسب بأنه يخصني وحدي .. طوال هذه السنوات أبذل مجهودا حتى لا أقصر في هذا الجانب بالذات لكني لم أكن أعي بأنه كان تعيسا بسببي .. وبعد أن علمت الآن أشعر بألم رهيب في قلبي .. أتألم لأني سببت له هذا الشعور رغما عني .. لأني كنت جاهلة باحتياجاته وكنت أحسبني أبذل ما في وسعي لإسعاده فاكتشفت ..فاكتشفت بأني لا افعل سوى اهانته كزوج "
غمغمت بسمة وقلبها يتمزق على حالة مليكة المنهارة "اهدئي"
لم تستمع إليها مليكة بل اضافت " قالها لي يا بسمة أنا لا اتلقى منك إلا الاهانة والاحباط .. أنا متزوج من جثة "
اقتربت بسمة أكثر وحاوطتها بذراعها تضمها إليها وهي تقول "أنا متفهمة للوضع ومتفهمة ما تقولينه لكن لا تقسي على نفسك يا مليكة ..أنا أراك تتعاملين مع الازمات بشجاعة وأثق في أنك ستجدين طريقة لتسعدي بها مفرح أنا واثقة منكما .. أنت وهو دوما اضعكما أمام عينيّ حينما اشعر باليأس .. ما شاء الله حبكما لبعضكما باقي رغم المحن لهذا أنا أكيدة بأنك ستجدين الحل لإسعاده بقدر استطاعتك "
غمغمت مليكة وهي تضع يدها على قلبها "لكني غير قادرة على تحمل فكرة أنه كان يعيش معي كل هذه السنين وأنا لا أرضيه "
قالت بسمة مشجعة "انظري للأمر بطريقة ايجابية إنه تكلم أخيرا وأنك ستقدرين على تعويضه أنا واثقة من ذلك "
قالت مليكة بإحباط شاردة "لا اعرف يا بسمة أشعر بالفشل .. فالأمر معقد بداخلي ..معقد ولا تسأليني عن السبب لأني أنا لا أعرف كيف أصفه أو احلله لكني .. لكني لا أريده "
قالت بسمة مشجعة " حسنا يا مليكة اهدئ حتى تستطيعي ايجاد حل ولا اعتقد أن الحياة بين أي زوجين تكون كاملة من كل شيء لكن وجود الحب بينهما يجعلهما يتخطيان الكثير من المصاعب"
عادت مليكة لنفس الفكرة التي تسيطر عليها منذ ليلة أمس " قلبي يؤلمني بشدة يا بسمة .. لم أكن أعلم بأني اظلمه طوال هذه السنين .. أنا أحبس أحزاني بداخلي .. وأحاول دوما أن أبعده عنها .. لا أحد يعلم قدر المجهود الذي افعله لأبقى ثابتة متوازنة .. لا أحد يعلم كيف احاول دفن الماضي لأنظر للمستقبل.. لا أحد"
ضمتها بسمة أكثر وقد اغرورقت عيناها بالدموع متمتمة" أفهمك .. أفهمك يا حبيبتي وصدقيني مفرح يعلم ما تبذلينه أنا أكيدة من ذلك .. (وشردت قليلا ثم عادت تقول مشجعة) أتعلمين بأنك كنت ولا زلت مثلي الأعلى في الصمود أمام المحن؟ .. صدقيني يا مليكة .. وطريقة تعاملك مع الاحزان والصدمات كانت ملهمة لي في محنة طلاقي وكانت دافعا لي لأكمل حياتي دون انكسار"
انفجرت مليكة في البكاء تدفن وجهها في كفيها تأثرا بما قالته صاحبتها .. فقد كانت في حاجة ماسة لسماع كلمة تشجعها على المواصلة ..بينما طبعت بسمة قبلة على شعرها شاعرة بقلة الحيلة ..
كم من لحظة تمر بنا نشعر فيها بالعجز عن تخفيف أوجاع من نحبهم ..فحتى اللسان يعجز عن إيجاد عبارات مواسية أو مشجعة مجبرين على الصمت ..
وكم من مرة تمنينا أن نمتلك ممحاة أو عصا سحرية لنمحو بها أوجاعنا وأوجاع من نحبهم .. لكننا لا نملك إلا المواساة ..لا نملك إلا الحب .. هو ما نقدمه لمن نحب في لحظات ضعفهم .. وهي كبسمة لم تقدر قيمة هذا إلا بعد أن مرت بمحنتها ولن تنس الدعم والمحبة التي تلقتهما من مليكة ومفرح ومن أمها .. ولن تنس طعم الاحباط والخذلان الذي تلقته من والدها وأخيها .
بعد قليل وضعت إحدى الخادمات على المنضدة كوبين من العصير وطبقا من الحلوى أمام بسمة ومليكة الجالسة تحضن ركبتيها وشعرها مسدلا على جانب واحد والتي كانت قد توقفت عن البكاء .. فشكرت بسمة الخادمة ثم سألت مليكة بعد مغادرة الخادمة للغرفة " وهل عدت وحدك أنت والاولاد .. ما أعرفه بأن مفرح لم يعد من العاصمة بعد ؟"
ردت مليكة موضحة " أنا من اتصلت ببشر صباح اليوم لأسأله متي سيعود وعلمت بأنه كان يستعد للعودة فتعللت بمذاكرة الولدين وطلبت منه أن يمر علينا ليعيدنا معه .. ولم يعترض مفرح .. كان يتهرب من مواجهتي وكنت أتهرب من مواجهته حتى أننا لم نتبادل ولا حتى كلمة واحدة منذ تلك المواجهة ليلة أمس.. فقط أرسلت له وأنا في الطريق رسالة لأعلمه بأنني سأذهب للسرايا فلم أكن قادرة على العودة للبيت أردت أن أنفرد بنفسي .. ورأيته قد شاهد الرسالة ولم يرد"
ساد الصمت قليلا ثم سألتها مليكة بعينين حمراوين منتفختين "وأنت كيف حالك؟ أراك شاحبة جدا"
ناولتها بسمة كوب العصير ثم هزت كتفيها وقالت بهدوء "لا شيء ..لا جديد"
قالت مليكة" أقصد ..أقصد كيف تشعرين؟"
عضت بسمة على شفتها ثم قالت بحشرجة "الحقيقة أن الوضع أصعب مما كنت أتوقع .. رغم أنه لم يمر سوى اسبوع تقريبا .. (ونظرت لمليكة تبوح بما لم تقدر على البوح به من قبل فقالت بخفوت متألم ) اشعر بفراغ كبير في قلبي يا مليكة وكأنه قد اضحى به ثقبا كبيرا ..وكأنني قد اصبت برصاصة تركت في صدري فراغا "
ناظرتها مليكة بتعاطف ومسحت بقايا دموع تحت جفنيها المنتفخين .. ولم تعقب فسألتها بسمة "بما أنك قد جربت الحب قبلي ..هل تعتقدين بأنني سأتحسن مع الوقت أم …. أنا أشعر بأن حالتي تسوء يا مليكة"
أجابت مليكة بصدق "أعتقد بأن هذا الأمر يختلف من شخص لأخر ومن حالة لأخرى.. هناك حب نتناساه مع الأيام وآخر يزيدنا عذابا يوما بعد يوم .. أسأل الله أن تكوني من النوع الأول وأن تنسيه خاصة وأن فترة علاقتكما ليست طويلة "
سألتها بسمة بنظرات متألمة "هل تعتقدي بأن مدة العلاقة تؤثر؟"
رشفت مليكة من كوب العصير تحاول التماسك والسيطرة على حالتها المنهارة وردت بهدوء " صدقا لا أعرف لأن مسائل الحب والعشق أراها لا تخضع لقانون معين"
أطرقت بسمة بملامح بائسة وقالت بلهجة متألمة" لماذا نحن بائسات بهذا الشكل؟.. لماذا يا مليكة؟ .. لماذا كل هذا الوجع الذي نلقاه؟.. لماذا بعد أن استطعت الوقوف على قدميّ ..بعد أن قررت ألا احتاج لأحد .. يظهر هو في حياتي .. لماذا ظهر في حياتي يا مليكة؟ .. لماذا أتى ولماذا رحل؟ .. ولماذا أشعر بهذا الوجع؟ .. ظننت بأني بعد كل ما مررت به قد أخذت نصيبي من الألم دفعة واحدة لم أكن أعلم بأن هناك المزيد ينتظرني"
على الرغم مما تعانيه غمغمت مليكة مشجعة "لا تقنطي من رحمة الله يا بسمة لعله خير .. "
قالت بسمة مستغفرة " استغفر الله العظيم .. حتى أم هاشم المسكينة وونس لم تسلما من الوجع والحزن "
اتسعت عيني مليكة وسألتها بجزع "أم هاشم وونس ؟!..ما بهما ؟؟!!"
××××
صباح اليوم التالي
"البنت تضيع منك يا عيد .. البنت تضيع وأنت لا تعرف ماذا تفعل معها .. رأسها أيبس من رأسك "
قالها عيد في جلسته على سجادة الصلاة يدفن رأسه بين يديه لا يعرف ماذا يفعل ..
كان يظن بأنها ستستسلم للجوع وتأكل لكنها لا تزال ترفض الطعام وتنام لوقت طويل .. حتى أنه قضى الليل مفترشا الارض بجوارها يقرب سبابته كل فترة أمام أنفها ليتأكد من أنها نائمة ولا تزال تتنفس .
تساءل في نفسه هل يذهب بها للعيادة الطبية الصغيرة بالبلدة ؟ إن الساعة لا تزال التاسعة صباحا فمن من الاطباء سيكون متواجدا في هذا الوقت ؟
أيؤجر سيارة ويحملها لأي مستشفى في المدينة؟
ضرب رأسه بيديه عدة مرات شاعرا بالشلل التام خاصة وأنه هو الأخر لم يأكل إلا لقيمات منذ أن اضربت ونس عن الطعام .. فقط لقيمات لتجعله يقف على قدميه ..
حاول التركيز واسترجاع اسماء من يعرفهم ويملكون سيارات يستطيع أن يطلب منهم المساعدة لنقلها لأي مستشفى في عاصمة المحافظة .. وأخذ يدعو الله في سره أن يجد مبررا يقوله للناس عن حالتها تلك فأفكار أهل البلد ستذهب تلقائيا لافتراض السوء ..
تذكر أم هاشم وشعر بالغيظ منها فقد جاءته مرتين متتاليتين وطردها ولم يسمح لها برؤية ونس لكنها لم تأت يوم أمس .
طرقات على الباب افاقته من شروده فاستجمع قواه التي هدها عدم الأكل واستقام واقفا يخرج من الغرفة إلى صالة البيت بلهفة.. آملا أن يجد من يستطيع أن يستعين به لنقل ونس لإحدى المستشفيات.
حين فتح الباب طلت عليه أم هاشم بطولها وسواد عباءتها ووشاحها فبادرها صائحا بتوبيخ" كنتِ تأتينني على مدى اليومين الماضيين وتظلين ملتصقة بالباب كالعلكة حتى اطردك لماذا حرمتنا من طلتك البهية يوم أمس ؟"
رفعت أم هاشم ذقنها بكبرياء تقول بخفة ظل وهي تعدل من وشاحها " لم استطع القدوم أمس لأني كنت أصارع للاحتفاظ بلقب عانس القرية ( ثم أضافت بلهجة متحدية ) لكني جئتك اليوم ولن اتزحزح من مكاني هذه المرة يا عم عيد إلا بعد أن أراها ولم آت وحدي بل جئتك بمن ستصرخ وتلم عليك أمة لا إله إلا الله إن منعتها من الدخول "
طالعها عيد باستنكار لتتنحى أم هاشم جانبا فتظهر نصرة وهي تقترب لاهثة تقول بفزع "ما بها ونس يا عم عيد؟.. ظننت بأنك قد منعتها عن العمل لكن أن تمنع أم هاشم عن زيارتها…."
قاطعها عيد قائلا بيأس وهو يفسح المجال للدخول" ها هي عندكم فقد تعبت .. أروني همتكم في اقناعها بالأكل"
اتسعت عيني أم هاشم متفاجئة وهتفت "ماذا تعني بهذا الكلام؟!!"
بينما اسرعت نصرة للداخل فتبعتها الأولى مصدومة.
في غرفة ونس بعد دقائق كانت نصرة ترفع جذع ونس الغائبة عن الوعي وتحتضنها باكية "سامحيني .. انشغلت بهمومي ولم أسأل عنك ..سامحيني"
هتفت أم هاشم في عيد بعصبية" ماذا فعلت يا عم عيد ؟!!"
رد عيد وصدره يعلو ويهبط من الخوف على ابنته "إنها ..إنها نائمة .. كانت ترفض الطعام منذ أربعة أيام ونائمة"
صرخت نصرة مولولة "أربعة أيام !!!.. يا ويلي .. يا ويلي "
تحركت أم هاشم تقول بسرعة "علينا بنقلها للمستشفى فورا "
قال عيد وهو يلحق بها وقد تملك منه الرعب بعد أن أكد له ردة فعلهما أنها ليست نائمة " سأبحث عن أحد يقلنا بسيارته"
خرجت أم هاشم تفكر هي الأخرى في وسيلة لنقل ونس وهمت بالاتصال ببسمة التي تنتظرها هي ونصرة لتطمئن على ونس بعد أن اتفقن على ذهاب نصرة وأم هاشم لبيت العم عيد .
في نفس الوقت وقفت سيارة مليكة أمام بيت عيد وترجلت الأخيرة منها تقول "السلام عليكم .. جئت لأطمئن على ونس "
صرخت أم هاشم مستجيرة "جئتِ في وقتك تماما يا مليكة نحتاج لنقلها للمستشفى بأسرع وقت"
هتفت مليكة بجزع" مستشفى !!"
××××
بعد عدة ساعات
فتح عيد باب الغرفة بهدوء في تلك المستشفى الفاخرة التي أصرت بنت الصوالحة على أن تنقل إليها ابنته فاقدة الوعي والذي لم يملك لحظتها حق الاعتراض على أي شيء في سبيل انقاذ فلذة كبده العنيدة يابسة الرأس التي فشلت كل المحاولات بعد إفاقتها لإقناعها لتناول الطعام .. حتى مليكة بسحرها عليها ومحبتها عندها لم تفلح ونصرة بدموعها لم تفلح ..وأم هاشم بعصبيتها لم تفلح أيضا.
تأمل جسدها المستلقي على السرير والذي يتصل به خرطوم صغير .. وتأمل نومتها منهكة .. لكنه لم يستطع الدخول.. فلو دخل سيهشم رأسها العنيد هذا الذي يرفض الطعام حتى الآن أو سيجلس بجوارها يبكي كالنساء.
أعاد اغلاق الباب ونظر إلى نصرة التي تسند رأسها بيدها في جلستها على أحد المقاعد في رواق المستشفى .. كان وجهها متورما من البكاء بينما اسراء تقف بجوارها لتواسيها .. أما أم هاشم فكانت تقف على الناحية الأخرى من الممر تستند على الحائط بوجه واجم .
قال عيد بحرج" أرجو ألا تخبرن أي أحد عن سبب اضرابها عن الطعام أنتن تعرفن كيف سيُقَوَّل الأمر وستلوك سيرتها الألسنة "
ردت أم هاشم مطمئنة" لست بحاجة لإخبارنا بهذا يا عم عيد فلن يفتح أحد منا فمه حتى مليكة قبل أن تضطر للمغادرة نبهتنا لهذا الأمر أيضا "
هتفت نصرة من بين دموعها بغيظ مكبوت "ولماذا لم توافق على العريس ها ؟!.. الشابين قمة في الاخلاق والشهامة ولم نر منهما شيئا قبيحا ومادام أحدهما قد تقدم لك رسميا لخطبتها أين المشكلة؟.. لماذا التعقيد ؟!"
ربتت اسراء على كتف أمها مواسية وغمغمت" اهدئي يا أمي واخفضي صوتك الجدران لها آذان من حقه أن يخاف على ابنته"
قال عيد ناهرا" لا تتدخلي يا نصرةولا تشعريني بأني أخطأت حينما أجبت على سؤالك الذي صدع رأسي منذ الصباح عن سبب اضرابها عن الطعام"
اشاحت بيدها تقول بتحدي "بالطبع سأتدخل لقد ربيتها معك .. أنا أول من تلقيتها بين يدي هاتين وهي لا تزال قطعة لحم حمراء .. كانت بكريتي حين كنت لا أزال حاملا في اسراء (وانفجرت في البكاء تلوم نفسها) لكني انشغلت عنها الفترة الماضية بهمومي .. أنا من قصرت"
قال عيد بامتعاض "ما دمت قد فشلت في اقناعها بالأكل فلا تقولي ابنتي .. (واشاح بيده يقول ) هيا اغلقي صنبور البكاء هذا وتعالي لأوصلك أنت وابنتك في طريقي.. فأنا ذاهب للبيت لإحضار ملابس نظيفة لها "
قالت نصرة بإصرار "لن أمشي من هنا بل سأبيت معها"
قال عيد بعناد "لن يبت معها سواي فاذهبي لبيتك يا نصرة فلا يصح أن يبيت أولادك وحدهم ..وأنت يا أم هاشم ابق معها قليلا حتى أعود"
هزت أم هاشم رأسها بينما ساعدت اسراء أمها على الوقوف وهي تقول" هيا يا أمي فجلستنا لا تفيد وسنزورها غدا صباحا إن شاء الله "
اقتربت بسمة آتية منبعيد تقول" السلام عليكم"
رد الجميع السلاملتقول بسمة" ألف لا بأس عليها يا عم عيد "
غمغم عيد " حفظك الله من كل شر يا باشمهندسة "
تكلمت أم هاشم قائلة " أنا وبسمة سننتظرك حتى تعود يا عم عيد لا تقلق على ونس "
هز عيد رأسه وتحرك مع نصرة وابنتها والنار تأكل قلبه قلقا على ابنته بينما اقتربت أم هاشم من بسمة تمسك بذراعها وتقول بشفقة" البنت ترفض الطعام يا بسمة ..ما رأيك أن أتصل بشامل هذا وأبلغه ربما يفعل شيئا"
صمتت بسمة تفكر قليلا ثم قالت" نفس الموضوع الذي تناقشنا فيه على الهاتف أنا ومليكة منذ قليل لكني أميل لرأيها بأننا لا نعرف إن كان شامل لا يزال متمسكا بها أم أنه كان يفعل ما فعل بدافع المسئولية تجاهها والشهامة فقط لا غير "
قالت أم هاشم بتعاطف" لكن البنت عنيدة والأطباء قالوا أن علينا اقناعها لتأكل "
غمغمت بسمة "فلننتظر للغد ونرى مدى استجابتها للعودة للطعام .. وأتمنى من الله أن يأتي شامل مرة أخرى أو يتحدث مع مفرح لو كان لا يزال متمسكا بها ..المشكلة أن مفرح لا يزال في العاصمة وغالبا لا يعرف ما حدث لونس أتمنى أن تخبره مليكة ( وغمغمت في سرها ) وإن كنت أشك أن في استطاعتها ذلك في الوضع الحالي "
صمتت أم هاشم قليلا ثم دعت بصدق" يا رب هونها على الجميع .. صحيح من يرى بلايا الناس تهون عليه بلواه "
هزت بسمة رأسها موافقة تشجع نفسها بأنها لا تزال قادرة على تلقي الصدمات بثبات وغمغمت" صدقتِ"
××××
بعد ساعة
ماذا لو أصرت هذه العنيدة على الاستمرار في الامتناع عن الطعام ماذا سيفعل ؟
فكر عيد مهموما وهو يفتح باب الخزانة ليخرج بعض من ملابسها ويضعها في كيس من البلاستيك .. واستدار ينظر لسريرها الخالي فدمعت عيناه ..
يشعر بأنه في كرب عظيم وبأن حياته كلها على وشك الانهيار .. فذلك الرجل المجهول الذي هدده بأخذ بيته من جانب وتلك العنيدة التي قررت معاقبته من جانب أخر.
مسح دموعه الصامتة وهم بغلق الخزانة قبل أن يلمح ذلك الشيء الأسود الصغير على الرف .. مد يده يمسك به وأخذ يتفحصه بعينيه الدامعتين بعدم فهم ..
ما هذا الشيء وماذا تفعل به في خزانتها ؟!!..
قلّبه في يده وفتح زرا جانبيا بلون مختلف لكن لم يحدث شيء فضغط على زر أخر جانبي لتصدر منه ذبذبات قوية اهتز لها الجهاز في يده فأجفل ورماه مفزوعا ..ثم وقف يحدق فيه لثوان بعدم استيعاب قبل أن يميل من جديد و يلتقطه بحرص ..
هاجمته الأفكار السوداء .. جاءت كلها لتنهش في رأسه وهو يخرج من البيت بعد دقائق حاملا هذا الشيء في يده يبحث حوله عن أي شخص يسأله عما يكون .
تحرك يهرول في الشارع رغم الألم في صدره حتى وصل لتجمع لبعض الفلاحين بالقرب من أحد الحقول فألقى السلام يقول" هل يعرف أحدكم ما هذا الجهاز أنا لم أره من قبل ؟"
تطلع أحدهم في الجهاز وضغط على الزر بسرعة قبل أن يحذره عيد فاصدر الجهاز ذبذباته الكهربائية أجفلت الواقفين وبدأوا يحدقون فيه باتساع عيونهم ليهتف أحدهم "بسم الله الرحمن الرحيم !.. ما هذا الشيء؟.. من أين أحضرته يا عم عيد ؟"
غمغم عيد بمراوغة" وجدته ملقى في الشارع أمام بيتي وأريد أن أعرف ما هو .. (وتطلع حوله يقول في سره )لابد أن استشير شخص ذو خبرة "
قال أحدهم "يبدو كماكينة حلاقة بالكهرباء"
وهم بوضعه على ذقنه وتشغيله ليسرع عيد بالإمساك بمعصمه قائلا باستنكار" يا غبي إنه يصدر كهرباء ألم تلحظ ذلك.. كيف سيكون ماكينة حلاقة !"
جف حلق الأخير بينما تكلم أخر "ربما صاعق للناموس يا عم عيد .. صوته وذبذباته كصاعق الناموس"
أمسك عيد بالجهاز يقلبه في يده بعبوس مفكرا فقال ثالث "ولماذا لا يكون جهاز تنصت "
ناظره عيد باستنكار ثم هب فيه قائلا بلهجة مستخفة "أتحسب نفسك في مسلسل رأفت الهجان (وغمغم وهو يعود ليقلب في الجهاز) تفسير أنه صاعق للناموس غريب لكنه وارد (وقال في سره) لماذا تحتفظ به في خزانتها ومن أحضره لها؟"
صدرت ضحكة ساخرة من خلفهم فاستداروا ليجدوا شابين صغيرين كل منهما يمشي بجوار دراجته الهوائية كانا قد توقفا ليشاهدا ما يحدث بفضول ليقول أحدهما ضاحكا "عن أي جهاز ناموس تتحدثون !.. إنه يبدو كصاعق كهربائي أريني "
اعطاه عيد الجهاز ليتفحصه الشابين الصغيرين قبل أن يؤكد أحدهما بثقة " أجل إنه صاعق كهربائي للدفاع عن النفس فحاذروا حتى لا تصعقكم الكهرباء واغلقوا هذا الزر للأمان "
غمغم عيد بعدم فهم "ماذا تعني (للدفاع عن النفس)؟"
قال الشاب الأخر بابتسامة" ألا تشاهد الأفلام الأجنبية يا عم عيد؟.. إنه للدفاع عن النفس وخاصة الفتيات يستخدمنه في حالة أن حاول أحدهم الاقتراب منهن يصعقنه به"
تسمر عيد للحظات قبل أن يقول الشاب الأخر وهو يقلبه "يبدو غالي الثمن ومن ماركة جيدة "
أخذ منه عيد الجهاز وقال باقتضاب" حسنا ..احسنت بإخبارنا "
سأله أحد الشابين" إن كنت لا تريده فاعطني إياه"
غمغم عيد وهو يغلق زر التشغيل الرئيسي ويضعه في جيبه "لا لا فإنه قد وقع أمام بيتي وبالتأكيد هو لأحد زبائني وسيعود ليسأل عنه"
واستدار يحيي الجميع ثم ابتعد وذهنه مشغولا بسؤال ملح من أين حصلت ونس على هذا الجهاز؟!"
××××
صباح اليوم التالي
لو كنت يوم انساك .. ايه افتكر تاني
بالي وخيالي معاك .. وكل وجداني
تسلل صوت عبد الحليم إلى شامل حتى من تحت الوسائد فاعتدل على السرير زافرا بقوة والشياطين تتراقص أمامه وتستفزه ..وأطرق برأسه يفركها بكفيه لعله يستطيع التخفيف من تلك النار التي تأكل في رأسه وقلبه معا.
لقد مر أكثر من أسبوع على أخر اتصال بينه وبين ونس ويكاد أن يجن لا يعرف شيئا عنها .. لا يعرف حالتها .. وقد طلب يدها من والدها ثلاث مرات وقوبل طلبه بالرفض.
الحب اللى في قلبي .. والدمع اللى في عيني
والنار اللى في جنبي .. والشوق اللى كاويني
طول بعدك ولا مره فاتوني …
لو انساك ازاي ينسوني ..
لو كنت يوم انساك .. ايه افتكر تاني
لقد حاول خلال الأيام الماضية أن يتأقلم على حقيقة عدم وجودها في حياته .. حاول أن يخبر نفسه بأنها بخير وبأنها قد تحزن لبعض الوقت لكنها ستتأقلم في النهاية على عدم وجوده وبأنه قد طلبها بالفعل من والدها وهو الذي لم يقبل ..
حاول كثيرا لكنه فشل في أن يخرجها من رأسه ..فشل في أن يستأنف حياته .. لا ينام ولا يأكل جيدا ولا يزال مستوى السكر في دمه يرتفع وحياته في حالة من الشلل التام ..
ليلة أمس قرر أن يذهب للبلدة لكن والده كان على موعد مع الطبيب فأجل سفره والحمد لله أن الطبيب طمأنهم على حالته ولهذا سيذهب اليوم ..فقد كان ينتظر شروق الشمس حتى يسافر إلى هناك متحججا كالسابق بمتابعة التوريدات الخاصة بالمطعم.
يا فايتني وهان حبي
على قلبك يا حبيبي
بادعيلك من قلبي
ماتشوفش تعذيبي
اندفع مغتاظا يترك السرير ويخرج من غرفته نحو إحدى الغرف التي تقع في نفس الطابق الذي يخصه هو وتوأمه .. غرفة يطلقان عليها (غرفة الألعاب) لأنها تحتوي على شاشة عملاقة يلعبان فيها الألعاب الالكترونية وتضم مكتبتهما الموسيقية والمكتبة الخاصة بهما من الكتب والروايات.
دخل شامل على كامل الجالس ساهما يعقد ذراعيه على صدره ويحدق في سقف الغرفة يستمع لصوت عبد الحليم الذي يملأ المكان فوقف الأول متخصرا يناظره بغيظ شديد.
لا اللى قاسيته كان على بالي
ولا اوهامه جت في خيالي
لو كنت يوم انساك
ايه افتكر تاني
اندفع شامل والتقط الريموت كنترول الخاص بنظام السماعات الموجود بالغرفة وأغلق الصوت ..فانتبه كامل وحرك رأسه ينظر إليه عابسا منزعجا ليقول الأخر "ارحمني .. ارحمني من بؤسك يكفيني ما أعانيه "
لم يقل كامل أي شيء .. فقط ظل ينظر إليه بعينين تنضحان بالألم الشديد .. فزفر شامل بعصبية وتحرك يغادر الغرفة وقد تعاظم الألم في صدره هو الأخر فغمغم متهكما " لم يكذب المثل الشعبي حين قال( اجتمع التعيس بخائب الرجاء )"
أما كامل فعاد يلقي برأسه للخلف ويحدق في سقف الغرفة صامتا ..
مستسلما لأفكاره ..
إنه في محاكمة صامتة مع الذات منذ أن غادر القرية ..عقله وأفكاره وقناعاته من جهة.. وقلبه العنيد العصي من جهة أخرى.. وهو بكينونته في قفص الاتهام .. وسط سيل من السجالات والمجادلات التي لا تهدأ ليل نهار..
يعترف بأن هناك قناعات اختلت أو تغيرت أو هدمت منذ أن قابل بسمة ..فبعد أن كان يعتنق بكل غرور ذلك المبدأ الذكوري الرافض للارتباط بامرأة تزوجت من قبل .. وبعد سجال عنيف موجع بين قلبه المعذب وقناعاته ..وصل لحل وسط أو لـ (لتحايل ) كما يراه عقله .. بأنه لايزال يرفض الفكرة في المجمل لكن الوضع مختلف مع بسمة نظرا لتورط مشاعره معها ..
هذا بشأن قناعته التي استطاع هزيمتها بقوة من أجلها لكن الإشكالية التي ليس لها حل هي مشاعر الغيرة ..
فكلما فكر في أن بسمة كانت ملكا لرجل أخر في يوم من الأيام يؤذي ذلك مشاعره ويجن جنونه وهو غير قادر على تحمل الأمر ولهذا لا يزال يخشى عليها من نفسه .
فك عقد ذراعيه ورفع يديه يفرك رأسه ليخفف من النيران التي تأكل فيه..
نيران الأفكار والسجالات ..
نيران الشوق واللوعة ..
نيران الغيرة .
هل هو قادر على تلجيم مشاعر الغيرة بداخله من زواجها السابق؟ ..
هل سيستطيع أن يتعامل مع جنون الغيرة عليها من عيون الرجال خاصة وهي بهذا الجمال الملفت؟..
أيمتلك الشجاعة الكافية للنزول عند رغبات القلب واتخاذ قرار بالارتباط بها؟ .
اعتدل في جلسته ومال بجذعه للأمام يستند بمرفقيه على فخذيه وهو لا يزال يمسك برأسه معقل أفكاره وقناعته ومنبع قراراته يطلب منه ومن قلبه الرحمة فلم يعد قادرا على المزيد من العذاب .
في نفس الوقت وقف شامل في غرفته أمام هاتفه يمسك به في تردد ..وللحظة فقد كل صبره وفعل ما يلح عليه على مدى الأيام الماضية .. اتصل بأم هاشم .. التي كانت لحظتها في الغرفة الداخلية للمشروع والتي اسرعت بالتقاط هاتفها وردت بلهفة "أستاذ شامل"
اتسعت عينا بسمة وتطلعتا في بعضهما ليأتيها صوت شامل يقول بلهجة محرجة "أنا آسف جدا جدا يا آنسة أم هاشم ..والله أنا أخجل منك خجل شديد لاضطراري للاتصال بك .. لكن اعتبريني حالة إنسانية وطمئنيني عن ونس"
قاطعته أم هاشم تقول " هل ستحكي لي قصة حياتك يا أستاذ شامل .. أنا انتظر هذه المكالمة منك اقسم بالله"
سقط قلب شامل بين قدميه وسألها بقلق "ماذا تعنين؟.. هل حدث شيء لونس؟!!"
××××
لماذا لا يقتنعون بأنها لم تعد تريد شيئا ؟
أي شيء.
لماذا لا يصدقون أنها لا تعاندهم ولا تتنظر منهم شيئا؟ ..
لماذا لا يدركون بأنها لم تفعل سوى الاستسلام؟ ..
فلمَ لا يتركونها في حالها؟!
في ظلامها ووحشتها..
في سكونها ..
في ذلك الركن البعيد القصيّ من الحياة كما قدر لها دوما أن تكون..
إنها تشفق عليهم لكن لم يعد لديها طاقة للمقاومة .. للمحاربة ..
لم يعد لديها طاقة ولا رغبة ..
فليتركوها وشأنها في هذا السكون البارد الرمادي الخالي من الالوان ..
فليتركوها مع أنيسها شامل الذي تحلم به كلما غفت .. وليكفوا عن إيقاظها فإنها تحتاج لغفوة طويلة هادئة معه .
من بين جفنيها المواربين ونومتها مستلقية على جنبها شاهدت والدها يتحرك في الغرفة جيئة وذهابا بتوتر ..
تشعر بالأسف الشديد عليه لكنها غير قادرة على فعل شيء حتى ما كانت تقوم به من مجهود طيلة عمرها لتبقى بعيدا عن دائرة الاكتئاب من أجله لم تعد قادرة على فعله الآن خاصة وهي تشعر بالذنب تجاه ما كان يعانيه في السابق منها وما عاناه مؤخرا حين اكتشف قصتها مع شامل ..وبعدما تيقنت أخيرا من أنها مهما فعلت لن تشعره أبدا بالفخر بها ..بل باتت تخشى من نفسها ومن اندفاعها ومن أنها لو تمتلك القدرة على الحركة لربما ذهبت للبحث عن شامل أو وجدت طريقة للاتصال به ..ووقتها لن يتحمل والدها ما ستفعله من حماقات ..
لاحظ عيد عينيها المواربتين فاسرع يقترب منها قائلا "ونس هل أنت مستيقظة ..أجيبيني يا بنت"
لم يتلق منها إلا حركة من رموشها فأسرع بوضع السماعة في أذنها ثم اخرج الصاعق من جيبه يريها إياه قائلا" من احضر لك هذا؟"
لم ترتبك .. ولم تخف .. فلم تعد تخشى شيئا فليقتلها لترتاح ويستريح منها .
التقط عيد دفترها وقلمها اللذيّن احضرهما لها من البيت ووضعهما على السرير بجانبها قائلا" أجبيني يا ونس من أين حصلت على هذا الشيء ؟"
حركت يدها بصعوبة تلتقط القلم ومن استلقائها على جنبها كتبت ببطء "شامل"
كانت تتوقع انفجاره .. لكنه لم يفعل بل تقبض بقوة يحاول ألا ينفعل بعد أن حذره الاطباء من تعرضها لأي انفعال .. وبعد أن صدّع ذلك الطبيب المتفزلك رأسه بأن لديها انهيارا عصبيا وميولا انتحارية .
سألها عيد "ولماذا احضره لك؟"
كتبت ببطء "حتى .. ادافع .. به .. عن نفسي "
طرقة على الباب قاطعتهما متبوعة بدخول الممرضة التي قالت ببشاشة" صباح الخير نريد أن نبدل لها ملابسها "
أخذ عيد الصاعق وأطرق برأسه مغمغما قبل أن يغادر الغرفة" وضعت كيس ملابسها في الخزانة"
قالها وتحرك يخرج إلى ممر تلك المستشفى الفخمة وهو لا يعرف كيف سيرد دين بنت الصوالحة التي أصرت على احضارها هنا .. خاصة وأنها منعت موظفي الاستقبال من اخباره حتى بالتكاليف بل ويشعر بأنه هو وابنته يعاملان باهتمام شديد من الموجودين ففهم بأنها وعائلتها قد أوصوا عليهما في المستشفى.
دمعت عيناه تأثرا ونظر حوله لا يعرف أين يختبئ بحالته هذه .. فأسرع ناحية الحمام الكبير في آخر الممر وحبس نفسه في احدى كبائنه يبكي وهو يتطلع في ذلك الصاعق .
هل من الممكن أن يكون هذا الشاب صادقا مع ابنته ..
حتى لو كان كذلك .. ماذا لو كانت نزوة شاب ثري يرغب في المغامرة ؟.
كلما مسح عم عيد تلك الدموع التي تسيل من عينه كانت تنهمر من جديد بشكل مغيظ..
لا يعلم كيف يتصرف وبمن يثق؟
نهر نفسه أن يفكر بهذه الطريقة وربه موجود فمسح دموعه بعناد مع نفسه وقرر أن يتوضأ ويصلي ركعتين يطلب من ربه تفريج كربه وكرب ابنته .
أما في غرفة ونس فبعد دقائق من مغادرة الممرضة للغرفة كان شامل يدخل الممر مهرولا يبحث عن رقم غرفتها .. فمنذ أن أخبرته أم هاشم قبل ثلاث ساعات عما حدث لها وهو في حالة سيئة فلم يتخيل أبدا أن يتطور الوضع إلى هذا الحد ..
وقف أمام باب غرفتها أخيرا وسحب نفسا عميقا يهدئ من روعه ثم طرق على الباب عدة مرات يستعد لمقابلة عصبية منفجرة من والدها أو ربما تطور الأمر للتسبب في احراجه في المكان كله لكنه لن يتراجع إلا بعد أن تعرف ونس بأنه موجود وبأنه قد أتى من أجلها ..
إن الطبيب المعالج لها رفض اعطائه اية معلومات عن حالتها لكنه استطاع التأثير بسحره على إحدى الممرضات فأخبرته بأنها مضربة عن الطعام .
بعد أكثر من طرقة على الباب دون إجابة فتحه ببطء وحرج بعد أن تأكد مجددا من رقم الغرفة ..واشرأب بعنقه يتطلع في الغرفة بحذر وهو يقول" السلام عليكم"
انتبهت حواسها المحتضرة لصوته لكنها لم تقدر على الحركة بينما أعاد شامل إلقاء التحية وهو يخطو خطوة حذرة متوترة للداخل "السلام عليكم"
استنفرت حواسها أكثر في الوقت الذي نظر شامل للسرير وانفجرت دقات قلبه ولم ير سواها في الغرفة رغم أنه لم يدقق فيما حوله ولم يعي ما يفعل بل ساقته قدماه إليها.
من بين جفنيها لمحته ونس كحلم .
كضوء يهزم ظلمة حالكة السواد حولها..
وتقافز قلبها في صدرها بجنون ليلقي تحية صاخبة مشتاقة مجنونة على قلبه الذي تمزق لأشلاء وهو يراها بهذه الهيئة فقال شامل بلوعة وألم" ونس"
اسمها منطوقا من بين شفتيه التقطته سماعتها وهي مستلقية على جانبها فكان كشربة ماء بعد أيام عجاف .. وتطلعت في ساقيه الطويلين تقتربان منها ولم تقوى على أن تحرك حتى رأسها لترى قسمات وجهه عن قرب ..لكنه كعهده دائما كان كريما سخيا معها فهبط على ركبة واحدة أمامها بجوار سريرها متحفظا ومحتفظا بمسافة بينه وبينها وكأن عقله نبهه بأن ما يفعله غير لائق.
من تحت جفنيها الثقيلين رأته شاحبا ..والتقطت أنفها رائحة عطره القوية التي باتت تحفظها فتأكدت بأنه ليس حلما .. أو ربما يكون.. لكن لا يهم ..المهم أن يكون بهذا الزهو والبريق .. فابتسمت بضعف بينما ظل شامل لثوان تلجم المشاعر لسانه.. فمن أين سيأتي بعبارات تعبر عما يراه أمامه وما يعذبه لحظتها .
حبيبته ومحاربته الصغيرة في هذا الوضع الذي يمزق نياط القلب ..
إنه مجرم..
هذا ما فكر فيه .. لقد سوّد لها حياتها وهو يحسب بأنه كان يُلوّنها .. اعطاها وعدا لم يستطع تنفيذه .. ورغم صدق نيته أذاها ..أذى شخصا استثنائيا مثلها ..
إنه بالفعل مجرم.
تأمل عينيها البنيتين اللتين تتطلعان فيه بسعادة رغم الوهن ورأسها المربوط للخلف بوشاح أزرق صغير وتلك الابتسامة المنهكة من بين ركام الهزيمة التي تزين وجهها الشاحب وتكلم بصعوبة " هل .. أذيتك إلى هذه الدرجة؟… اخبريني.. هل اذيتك لدرجة أن تتمني الموت يا ونس"
ابتسامتها الضعيفة اتسعت وهي تتأمل قسمات وجهه المتألمة البعيدة وتمنت أن يقترب حتى تلمسه وتتأكد إن كان حلما أم حقيقة.. ثم حركت يدها بصعوبة لتسحب طرف الدفتر من فوق المنضدة المجاورة فأسرع شامل بمد ذراعه لالتقاطه ووضعه بجوارها على السرير لتمسك ونس بالقلم تكتب ببطء" لا .. أنت .. كنت …أحلى ..شيء.. حدث .. لونس "
أمسك بالدفتر يقرأ وازدادت ملامحه تألما فأعاده لموضعه يقول بتأثر " إذن لماذا؟ .. لماذا هذه الحالة إن لم تكوني تعاقبيني أنا؟"
"أنا.. لا أعاقب ..أحدا ..أنا ..فقط ..قررت.. أن.. استسلم ..أن ..أظل ..في ..وضع ..السكون "
قرأ ما كتبت ثم أعاد لها الدفتر وهو يقول بلهجة عاتبة" دون مراعاة لحالتي ولحالة والدك المسكين؟"
"الحياة …بدون ..ونس ..أسهل"
قال بقلب مفطور ملجما مشاعر جامحة ترغب في ضم جسدها الفاقد للقوى أمامه .. ترغب في حملها وأخذها بعيدا "كيف تقولين ذلك والحياة بدونها لا تسوى شيء"
"بدون ..من ؟"
رد مؤكدا " بدون ونس .. حياة شامل نخلة بدون ونس عيد .. لا تسوى .. حياة باهتة خالية من الألوان "
"اقسم"
رفع أنظاره عن الدفتر ونظر إليها يقول بلهجة عاشقة "اقسم بالله أن الحياة بدونك يا ونس لا تسوى شيء "
"أريدك ..أن تقسم ..بشأن ..شيء أخر"
سأل شامل " ما هو ؟"
"أنني ..لم ..أكن ..مجرد ..حالة خاصة ..تدعو للشفقة ..أو فتاة …تتسلى ..بها"
آلمه قلبه بشدة وهم بالقول بأنه قد طلبها للزواج لكنه عاد ولجم لسانه فعلى ما يبدو أنها لا تعرف بطلبه للزواج منها وهو لا يعلم إن كان سينجح في اقناع والدها أم لا لهذا لم يرغب في أن يعدها بما لن يستطع تنفيذه فقال مؤكدا "اقسم بربي يا ونس أنت لا هذا ولا ذلك ..أنا جاد جدا في كل كلمة قلتها لك (وتقبض بقوة ليبقى في مكانه بجوار سريرها وأن يحافظ على تلك المسافة بينهما وأضاف بصوت متهدج ) أنت جنية وشقية "
أجهشت ونس فجأة بالبكاء فقال شامل بجزع "لا بالله عليك إياك والدموع ..لا تزيدي عليّ صعوبة ما أعانيه .. يعلم ربي بم أشعر الآن وأنت في هذه الحالة"
عادت لتكتب ببطء والدموع تسقط على الوسادة "لمَ ..قررت ..إذن ..مقاطعة ..القرية .. حتى لو ..كنت خسرت أموالك… وأفلست .."
عقد شامل حاجبيه وهو يشرئب بعنقه ليرى ماذا تكتب بينما استمرت ونس في الكتابة "ألم ..تعدني ..بأنك ..ستكون ..بالقرب …دوما ..حتى لو ..لم نستطع اللقاء؟؟ "
سحب شامل الدفتر ليتأكد مما التقطته عيناه وغمغم بعدم فهم" أفلست !!"
رفعت ونس ذراعها ببطء وسحبت منه الدفتر وكتبت "هل تحسبني ..كنت ..انظر ..لأموالك ؟ ! ! ! !"
قال شامل بحيرة" أنا لا أعرف عم تتحدثين لكني…."
قطع حديثه عندما لاحظ بأنها مدت يدها تحت الوسادة وكأنها تبحث عن شيء فراقبها حتى أخرجت له شيئا ومدت ببطء ووهن يدها إليه ..ففتح كفه ثم تطلع في الميدالية التي وضعتها فيه ..
كانت عبارة عن مصباح يخرج من فوهته مارد يشبهه كثيرا فدمعت عيناه وقال بصوت متهدج" يا ونس أنت تقتلين شامل بما تفعلين "
عادت لدفترها تكتب "هذا ..حتى ..تتذكرني .. تتذكر ..ونس .. حتى لو ..تزوجت ..من فتاة ..من.. المدينة ..و…ليست …معاقة …الق ..نظرة ..من وقت لأخر ..على هذه ..الميدالية .. وتذكر ..ونس ..التي ..كانت ..جنية ..وشقية.. وتحب .. الالوان "
انهمرت دموع شامل دون أن يدري وهو يقرأ ما كتبت ثم قال مشيرا لكفه المفتوح "أعدك بأني سأصحب هذه الميدالية دوما معي "
لم تستطع ونس التحكم في اندفاعها فمدت يدها لتضعها على كفه تطبقه فوق الميدالية وظلت لثوان ممسكة بقبضته المضمومة تهمس في سرها "أنت حقيقي ولست حلما .. وأنا ألمسك "
وكأن عيناها أخبرتاه بما قالت .. فلم يدر بنفسه إلا وهو يميل على قبضتها التي تحضن قبضته ويطبع قبلة بطيئة حارة على ظاهر يدها جعلت ونس تشهق وهي تتطلع فيه بقلب يضرب في صدرها بقوة ..
أسرع شامل باستعادة سيطرته على نفسه فوضع يدها على السرير بجوار الدفتر وهو يحاول السيطرة على مشاعره ويمسح دموعه لكنه لم يستطع تحجيم ما يريد أن يقوله فنظر بعمق لعينيها يقول بجدية "اسمعي يا ونس .. أنا لم اكذب عليك أبدا في كل ما قلته لك من قبل .. ووعدي لك بأن أحارب من أجلنا كان صادقا .. ولهذا أنا تقدمت لخطبتك من والدك الاسبوع الماضي لكنه رفض لأنه يخاف عليك كثيرا"
بدون أن تكتب لاح على وجهها المتسع العينين ما يعني " ماذا تقول؟؟؟"
فقال مؤكدا "اقول أني تقدمت للزواج منك لكن من الواضح أن والدك لم يخبرك"
هزت رأسها بلا مصدومة وهي تضم قبضتها ذات القُبلة إلى حضنها فقال شامل" ربما لأنه يظن بأني غير جدي لكني أخبرك هذا الآن لسببين .. السبب الأول لأثبت لك بأني صادق معك وبأنك بالفعل مميزة بالنسبة لي يا ونس .. والثاني لأطلب منك الدعم لأني في معركة لأقنع والدك بالموافقة على زواجنا واحتاجك معي .. احتاجك أن تكوني قوية ..ولن تكوني قوية إلا بعد أن تأكلي وتغادري المستشفى .."
ظلت تطالعه بعينين متسعتين تضم قبضتها إلى قلبها وقد نبهت كلماته كل حواسها غير مصدقة أو مستوعبة لما يقول في الوقت الذي اقترب عيد من غرفة ابنته وعقد حاجبيه حين وجد بابها مفتوحا لكنه تسمر مكانه متفاجئا حين لمح شامل الجالس على ركبته بالقرب من سريرها وسمعه يقول "لقد جئت اليوم مع والدي رغم مرضه لإقناع والدك .."
غلى الدم في رأس عيد فتلفت حوله يبحث عن أي شيء حاد ينقض به على هذا الوقح وتمنى لحظتها أن يحمل مثل الشباب مطواه للدفاع عن النفس لكن ما قاله شامل جعله يتجمد مكانه وعقله يأمره بأن يتريث ويراقب هذا الشاب قليلا لعله يستطيع أن يحكم عليه حكم نهائي.
أكمل شامل مشجعا " وعليك أنت الأخرى أن تكوني قوية لتقفي بجانبي كيف تقررين الاستسلام هكذا !.. أتسمين ما تفعلينه تشبثا بشامل ! ..لا اسمحي لي هذا فرار من المعركة وليس استسلاما"
بجسد مرتجف ويد مرتعشة أمسكت ونس القلم وكتبت "أنت ..تقول ..الصدق؟ .. أتريد ..ونس أن تكون ..مع شامل للأبد؟"
عقد عيد حاجبيه متسائلا ماذا كتبت له بينما رد شامل بجدية "سأفعل كل ما استطيع حتى أقنع والدك واقنع الجميع بنا ..لكني أريد أن تكوني قوية وألا تيأسي .. "
رغم صدمتها هزت رأسها بطاعة .. فاستقام شامل واقفا وهو يقول" هل تعديني بشيء؟"
ضيق عيد عينيه وأرهف السمع متقبضا ليقول شامل "أنا لا اعرف إن كنت سأستطيع العودة لأراك مرة أخرى أم لا فهذا سيكون حسب رد فعل والدك على زيارتنا له اليوم لكني أريدك أن تعديني ألا تنهزمي أبدا في معركتك مع الحياة وبأنك ستظلين تحاربين الظروف وتحاربين كل شيء ..هل ستعدينني بذلك؟"
هزت رأسها بطاعة وضعف فقال شامل "وستبقين على وعدك لي كما سأحافظ أنا على وعدي لك"
هزت رأسها بطاعة فأضاف شامل وهو يجبر نفسه بقوة على التحرك للخلف" أنا مضطر للمغادرة فقد تركت والدي في السيارة بالأسفل حتى آتي لأراك وعليّ أن أذهب لأبحث عن والدك لنتحدث "
تمنت ونس أن تطلب منه ألا يغادر ..
تمنت أن تتشبث بملابسه كطفلة صغيرة وحمدت ربها أنها غير قادرة على الحركة حتى لا تفعلها.
بينما أطرق عيد برأسه يفكر وقد أصابه الارتباك حينما علم بأن شامل هذا قد حضر مع والده ..قبل أن ينتبه لما يقوله شامل بالداخل" أنت وعدتني بأنك ستأكلين لذا سأطلب من الممرضة أن تحضر لك الطعام.. فكل منا عليه بتنفيذ وعده يا ونس .. وأتمنى أن تكتب لي زيارة أخرى لك أحمل فيها البشرى وأراك في حال أفضل .."
اسرع عيد بحركة مرتبكة بالابتعاد عن باب الغرفة فلم يكن راغبا في الاحتكاك به لحظتها أو مواجهته حتى لا يحضر والده ويضعه أمام الأمر الواقع بينما قال شامل وهو يغادر "اهتمي بنفسك من أجلي ومن أجل والدك يا ونس "
قالها وتحرك بسرعة مغادرا فشاهده عيد يخرج من الغرفة بخطوات واثقة فاسرع للاختباء في أحد الممرات .
بكت ونس لاختفائه وحضنت قبضتها فوق قلبها بينما ظل عيد واقفا في الممر صدره يعلو ويهبط من الانفعال ثم جلس على عقبيه يفكر .
أعليه أن يثق فيه؟ .. فبرغم شعوره بصدق نيته وما رآه بعينه من تأثر .. وبعد أن علم بذلك الجهاز الذي احضره لها كدليل على خوفه عليها ..لكنه خائف .. الأمر يصعب عليه تصديقه .. بل إن نفسه توسوس له بأنه ربما يكون هو وابنته جزء من لعبة كبيرة.
استقام واقفا وترك الممر الجانبي مقررا بأنه يحتاج لبعض الوقت مع نفسه ليفكر قبل أن يقابل شامل هذا ووالده لو كان قد صدق الحديث مع ونس .. فرفع سماعة الهاتف وطلب رقما ثم قال " أم هاشم .. هلا استطعت المجيء للبقاء مع ونس بعض الوقت .. إنها بخير لكني لا احب أن أتركها وحدها في مكان غريب ..إن كنت مشغولة هلا اتصلت بإسراء بنت نصرة احتاج لأن أذهب لمشوار"
قالت أم هاشم مطمئنة "لا تقلق أنا سأكون عندها بعد قليل"
شكرها بامتنان وتحرك يلقي نظرة على ونس فلمح الممرضة تحمل صينية وتدخل الغرفة فاقترب ببطء وفتح الباب بهدوء ليجد الممرضة تساعد ونس على الجلوس نصف مستلقية وبدت ابنته أمامه على استعداد لاستقبال الطعام فعاد يغلق الباب بهدوء وهو يغمغم بعينين دامعتين وقد تسارعت دقات قلبه فرحا " الآن فقط ستأكلين يا بنت الكلب !"
