اخر الروايات

رواية رزقت الحلال كامله وحصريه بقلم سارة محمد سيف

رواية رزقت الحلال كامله وحصريه بقلم سارة محمد سيف




                              

الظلام الحالك يسود الأجواء، وقد رُفع أذان العشاء منذ ساعات، من المؤكد أن الناس نيام في هذه الأوقات، لإنها إحدى قرى الصعيد، بالتحديد داخل محافظة سوهاج.
المعروف في صعيد مصر وبالأخص بتلك القرية، أن الناس يذهبون إلى أسرتهم بعد صلاة العشاء ليستيقظوا عند الفجر في كامل النشاط؛ مزاولين مهنة الزراعة والحرث التي تُمثل مهنة أغلب القانطين بها أو البعض الأخر فيما يخص الأثار والسياحة.
تسللت فتاة تتشح بالسواد من أخمص قدميها إلى أعلى رأسها، تتلفت حولها بقلق لتتيقن من خلو الطريق ثم أسدلت وشاحها الذي به درجة من الشفافية يسمح لها برؤية موطئ قدميها، أغلقت باب المنزل الداخلي خلفها بهدوء، تتوجس إيقاظ حارس البوابة الذي يغط في سبات عميق.
حاولت أن تكتم ضحكاتها على صوت شخيره الذي ينافس صوت صافرة القطار في الإزعاج، تقدمت من البوابة الرئيسية وقبل أن تغادر توقفت لحظات ثم استدارت عائدة إلى الحارس، أسندت خصرها بيدها ولوت شفتيها من أسفل الحجاب قبل أن تبتسم ابتسامة خبيثة تعبر عن نيتها الطفولية، اقتربت منه على مهل رافعة طرف التلحيفة الموجودة حول عنقه ووضعتها على وجهه لتخفي كلا أنفه وفمه، رغم ثقلها إلا إنها بدأت بالإهتزاز إثر تأثير تتابع أنفاسه المصاحب لشخير مرتفع الضجة.
تراجعت مسرعة قبل أن تخونها ضحكاتها فيلتغي الموعد الذي جازفت من أجله في الخروج من منزلها بتلك الساعة.
عبرت البوابة الرئيسية وأغلقتها خلفها بهدوء ولكن تركتها مفتوحة قليلاً حتى تستطيع العبور إلى الداخل مجدداً حين عودتها، وبمجرد خروجها حثت قدميها على المسير بسرعة.
***
فُتح باب الشقة بهدوء وتسلل الظل إلى الداخل على أطراف أصابعه محاولا عدم إحداث أي ضوضاء أو جلبه قد تتسبب في إيقاظ حرمه المصون من نومها، فإذا حدث وأفاقت من سباتها سيقضي المتبقي من الليل في جدال عقيم ينتهي بغضب كل منهما من الأخر ويجعل حياتهما أكثر تعكيرا.
انتشر الضوء في كل أنحاء الشقة معلنا فشله في التسلل خفية إلى الداخل دون أن تشعر به زوجته، فيبدو أنها كانت جالسة بانتظاره تتوعد له بليلة طويلة من الصراخ .. هذه هي عادتها منذ عدة أشهر، تجعل حياتهم كالجحيم في الأرض.
تنهد بصوت مرتفع يحاول أن يستعد نفسيا لما هو قادم بينما نهضت من مقعدها ووقفت أمامه بملامحها الغاضبة التي تسببت في إختفاء أي أثر لجمالها البديع، فقد تحولت زرقة عينيها الرائقة إلى قطعة جليد يتوعد بالدمار كما جمعت شعرها فوق رأسها مبعثرة بضع خصلاته كأنها تعلن استعدادها لمعركة ضارية.
بدأت الحديث مضيقة بين عينيها: كنت فين يا فادي ؟
أجابها بثبات: ف الشغل
- لحد الساعة إتنين بعد نص الليل ؟
- الشغل عايز كدا أقول لا ؟
- أومال لو كنت موظف ف الشركة مش صاحبها كنت عملت إيه ؟
تنهد صابرا: ما هو عشان أنا صاحبها باتأخر فيها
تكلمت بسخرية: لما حضرتك تشتغل للساعة دي، يبقى بلاها موظفين أحسن وأشتغل فيها لوحدك
- نجلاء، اقصري الشر أحسن، أنا جاي تعبان ومافيش خُلق للخناق
- ومين قال إننا بنتخانق؟ دا بس مجرد كلام، هو أنت لسه شوفت خناق
- ما أنا بأمهدلك عشان ما تدخليناش في مرحلة الخناق دي
- طب شغل واحد معاك تاني .. يشيل من عليك حمل الشغل دا كله ع الأقل يوفرلك ساعتين تلاته راحه
- أنا مش بأمن لأي حد وبعدين دا شغل مهم ما ينفعش حد غيري يعمله ... عن إذنك بقى أروح ارتاح شوية
- أه، عشان تنزل من النجمة وأصحى مالاقكش كالعادة
زفر بقوة قائلاً بتعب: تصبحي على خير يا نجلاء
ابتعد عنها متجهاً إلى غرفة النوم لكنها أوقفته بكلماتها الجارحة التي تُذكره دائماً بأنها هي السبب فيما هو فيه الآن: أنا كتير بأندم إني خليت بابا يديك الفلوس اللي فتحت بيها الشركة دي
استدار إليها نصف إستدارة وحدثها من فوق كتفيه: أول ما الشركة تقف على رجلها ويبقى معايا سيولة هأرجع لبابكي كل قرش أدهوني بالفايدة كمان لو تحبي
ابتسمت ساخرة: وهو أنت فكرك أنك لما ترجعله الفلوس يبقى خلاص مالوش جميل عليك ؟
بدأ الغضب البارد يلتمع في عينيه: ومين قالك إني ناكر للجميل ؟، إنتي اتكلمتي عن الفلوس وأنا بأطمنك أنها هترجعله تاني مش هأكلها عليه يعني
- أنت عارف كويس إن بابا مش بيفرق معاه الحاجات دي
ثم تابعت ببطء: مادام أنا مبسوطة
حدق بها بتركيز متسائلا: وإنتي مش مبسوطة ؟
عقدت ذراعيها وأدرات ظهرها قائلة بحزن: وهأنبسط إزاي يعني وأنت بتجيلي بعد نص الليل وبتمشي الصبح بدري ومش قادرة أقعد معاك ساعة على بعض
اقترب منها وأمسكها من كتفيها مديرا إياها لتواجهه، قال مبتسماً بحب: طب أنا مش بأشتغل عشان أظبط حياتي أنا وإنتي ؟، عشان تعيشي مرتاحه واللي تطلبيه يجيلك على طول
وضعت يديها على صدره العريض ونظرت إلى عينيه السود قائلة بدلال: أنا عايزاك أنت مش عايزة أي حاجه تانية
اتسعت ابتسامته وغمزها: يعني عندك استعداد ما تغيريش عربيتك كل سنة وتبطلي تروحي للكوافير 3 مرات في الأسبوع وما تشتريش كل شهر دولاب هدوم كامل وما تسافريش برا ؟
زمت شفتيها بطريقة جعلته يكتم ضحكته بصعوبة بينما أجابته على استحياء: بص العربية مش مهمه والسفر بردو مش ضروري أوي بس اللبس والكوافير أنا ما أقدرش أعيش من غيرهم .. أنا مش بأعمل حاجه في يومي غير إني أهتم بلبسي وشعري
أمسك ذقنها بين أصبعيه: يبقى تستحمليني شويه، أظبط الأمور وأثبت رجلي في العالم اللي أنا دخلته دا وبعد كدا هأفضل معاكي لحد ما تزهقي مني
تنهدت بقلة حيلة: وهو أنا ف إيدي حاجه غير إني استحمل واستنى ؟
ضمها إلى صدره حيث أصبحت دقات قلبه تصل إلى مسامعها: أه لو تعرفي بحبك قد إيه .. عمرك ما هتقلقي للدرجة دي
لفت يديها بقوة حول عنقه وهي تدفن رأسها بين طياتها: أنا بحبك أكتر مما تتخيل، حبي ليك مالوش حدود وهو دا اللي بيخليني هاتجنن عليك، وبخاف عليك من أي واحدة ممكن تاخدك مني
قبل وجنتها النضرة هامساً: إنتي مافيش منك أصلاً، فيه حد يسيب الأصل وياخد صورة ؟
همست بحنق: فيه ناس بتحب الرمرمه !
ضحك مبعداً إياها عن صدره: وأنا ف نظرك رمرام يا ست نجلاء ؟
هزت كتفيها: مش عارفه بقى
وضع يداً أسفل ركبتيها واليد الأخرى إلتفت حول خصرها ثم قام بحملها متجهاً إلى غرفتهما الخاصة، همس في أذنها هائماً: أنا بقى اللي هأعرفك
ابتسمت بخجل وقد عقدت ذراعيها خلف عنقه باحكام، هذا حبيبها الذي فضلته على جميع الرجال، فقط من دق قلبها من أجله.
***
طرقت بالهاتف على كفها في قلق، رفع زوجها نظره من فوق أسطر الكتاب المشغول في قراءته متنهداً: أنا نفسي أفهم إنتي بتقلقي نفسك ليه ؟ الراجل بيتأخر ف شغله مش عيب وبنتك بتقلق زيادة عن اللازم
ثم أضاف مازحاً: وحسب اللي أنا شايفه هي مش جايباه من برا
تنهدت: ما أنت سمعت صوت البت كان عامل إزاي، فضلت تعيط لحد لما دموعها نشفت، أكيد في حاجه أكبر من إنه اتأخر عليها
- يعني هيكون في إيه أكتر من كدا ؟
وضحت بهدوء قلق: يمكن يكون عارف واحدة عليها
اعتدل في جلسته وظهر على ملامحه الغضب: استغفري ربنا يا سمية، إن بعد الظن إثم، الواد ما شوفناش منه العيبه وقمة في الأخلاق، قوليلي حاجه واحدة عملها تخليكي تظني فيه كدا
أشاحت بيدها حيرة في أمرها: مش عارفه بقى أهو اللي جه ف بالي
عاد يستغرق في كتابه بعد أن قال لها: اهدي يا سمية وعقلي بنتك بدل ما تشعليلها أكتر، وبعدين إنتي عارفه بنتك أكتر من أي حد تاني، يعني دي تعمل العامله وتقول مش أنا .. فهميها تتعامل إزاي مع جوزها وسيبيهم سوا وياريت ما تتدخليش بأكتر من كدا خليها تعتمد على نفسها، هي هتفضل عيله لحد امتى ؟، وكمان إحنا مش هنفضلها العمر كله
أومأت موافقة فكل كلمة قالها زوجها لديه بها كامل الحق، وضعت هاتفها على المنضدة المجاورة وأمسكت بالمصحف تتلو آياته لتهدأ قليلاً ويخف قلقها.
بعد مرور دقائق معدودة، سمعت سمية المفتاح يدور في قفل الباب ويدخل ولدها الأكبر وقد ظهرت عليه ملامح الإعياء.
شهقت بفزع واتجهت إلى ابنها بقلب مفجوع: مالك يا حمزه ؟، وشك مخطوف كدا ليه ؟
حاول أن يرسم ابتسامة وإن كانت باهتة على شفتيه، قال يُطمئن والدته: مافيش حاجه يا ماما، أنا بس ما نمتش من يومين فعشان كدا تعبان
اقترب الأب مردداً: حمدالله ع السلامة يا ابني
ثم أضاف عندما رأى مظهره: بلاش تتعب نفسك زيادة في الشغل
سمية بحنان: اطلع خد دوش سخن عقبال ما أجهزلك لقمة تاكلها
حمزه بإرهاق: لا ما تتعبيش نفسك هأنام على طول عشان مسافر الصبح بدري لقنا
سمية بفزع: أنت لحقت ترجع من دمياط عشان تروح قنا !، يا حمزه مش كدا حرام عليك نفسك، ربنا هيحاسبك عليها وعلى اللي بتعمله فيها
لاحظ الأب إرهاق ولده وعدم قدرته على الحديث فأنهى الحوار: روحي إنتي حضري الأكل عشان ياكل وأنت روح استحمى وتعالى كُل
ثم أضاف بحزم عندما لاحظ بوادر اعتراضهما: اعملوا اللي بأقولكوا عليه من غير مجادلة وكلام كتير
تنهد حمزه ثم إتجه إلى غرفته ينفذ أمر والده بينما نظرت سمية إلى زوجها في ألم: هو هيفضل يقتل ف نفسه كدا لحد إمتى ؟
- إدعيله إنتي بس إن ربنا يريح باله ويهدي سره
- ما أنا بأدعي دايماً بس من ساعة البت اللي ما تتسمى دي وهو حاله اتقلب وبقى بيشتغل كأنه بينتحر، ربنا ينتقم منها
زجرها زوجها: خلاص يا سمية، ما تدعيش على حد كفايه إنك تدعيله هو بس
تنهدت متجهة إلى المطبخ: حاضر يا أحمد أديني سكت أهو
عاد أحمد إلى مقعده وتابع قراءة كتابه داعياً لابنه بصلاح الأحوال.
***
وقف أسفل شجرة المانجو الضخمة يفرك يديه ببعضهما ثم يرفعهما بالقرب من فمه لينفث فيهما أنفاسه لعلها تبعث بعض الدفء، رأته من على بعد وهو يسير ذهابا وإيابا، تبسمت وهي تقترب هامسة: أسفة لو اتأخرت عليك بس عقبال ما عرفت أخرج من البيت واتأكدت إنه الكل نام
اقترب منها متناسياً برودة الجو وابتسم: ولا يهمك أنا مستعد أقف 100 سنة من غير ما أزهق أو اشتكي المهم إني هأقابلك
ابتسمت بخجل، حاول أن يرفع الحجاب ليظهر وجهها لكنها نفرت إلى الخلف في فزع، قال مهدئاً: ما تخافيش أنا بس كنت عايز ارفع الطرحة دي عشان أشوف وشك .. ما تعرفيش وحشني قد إيه
تلفتت حولها بقلق ثم رفعت الحجاب مظهرة وجهها الذي أضاء بسبب ضوء القمر المسلط عليه فبدت كحورية قد هبطت من الجنان، رغم أنها من أقصى الصعيد إلا أنها تمتلك بشرة بيضاء ناعمة كالأطفال بسبب قلة تعرضها لضوء الشمس - فمن غير المسموح لها الخروج إلا في أضيق الحدود- عيونها البنية تلألأت نتيجة للحب الممزوج بسحر ضوء القمر كذلك البسمة الناعمة على شفتيها الكرزيتين؛ كل ذلك أضفى عليها سحراً خرافياً.
همس لها ولهاً: وحشتيني
نظرت أرضاً بخجل قائلة بصوت بالكاد سمعه: بس ..، ماينفعش اللي أنت بتقوله دا
ابتسم: طب طمنيني عنك .. أخبارك إيه ؟
هزت كتفيها: عادي زي كل يوم
أردفت بقلق: أنت طلبت تشوفني هنا وفي الوقت دا عشان تسألني على أخباري ؟
تنهد: لا، بس كنت عايز أقولك إني طلبت إيدك من أبوكي
لمعت عينيها بسعادة: وإيه اللي حصل ؟
- رفضني
سألته بحزن: ليه ؟
- عشان يتيم وماعنديش لا أب ولا أم، شغلي مش ثابت يعني إنهارده بأشتغل بس بكره يا عالم
- بس دي أرزاق بإيد ربنا، وأهلك مالكش يد ف موتهم
- قولي لأبوكي الكلام دا مش ليا أنا
زفرت بقوة: دا على أساس إني لو قولتله هيغير رأيه يعني
تابعت وهي تنظر له برجاء: طب وهنعمل إيه دلوقتي ؟
اقترب منها ولكن عندما لاحظ تراجعها تنهد متوقفا: مافيش غير حل واحد
سألته بلهفة: وإيه هو ؟
أجابها لهجة قوية كأنه لا يوجد أمامهما حل أخر: إننا نهرب سوا يا حياه !

+


     

                
-----------------

+




انهى عشاءه دون أن يشعر بأي مذاق خاص له، كل شيء أصبح بلا طعم منذ اكتشافه حقيقة من أحبها قلبه، تنهد بقوة لقد تسببت في كرهه لجنس النساء بأكمله، لم يعد يثق بأي امرأة سوى والدته .. حتى شقيقته لا يثق بها أيضاً مما يراه يحدث بينها وبين زوجها، يتعجب في كثير من الأحيان من قدرة فادي على تحمله لشقيقته، تلك المدللة التي ما تنفك تذكره بجميل والدها عليه، إذا كان في محله لكان تخلى عنها منذ أمد.
أفاق من أفكاره على صوت دقات خجلى على باب غرفته، اتجه ليفتح الباب فوجد شقيقته الصغرى بملامحها الطفولية التي يشوبها بعض الخوف.
نزل لمستواها وأمسك ذراعيها، ابتسم متسائلاً: إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي يا مي مي ؟
تجمعت الدموع في مقلتيها بغزارة وهي ترفع ذراعيها عالياً لتريه مدى كبر ما رأت عيناها الصغيرتين، فهم أنها رأت ما أفزعها فابتسم بحنان وضمها إلى صدره: ما تخافيش، أنا معاكي.
نظرت إليه بشك ولاحظ هو نظرتها تلك فعقد حاجبيه متسائلاً: إنتي عندك شك إني أقدر أغلب العو وأخليه هو اللي يخاف مني ؟
أومأت مؤيدة لكلماته، أبعدها عنه واقفاً في مكانه واسند جبينه بقبضة يده كعارضين كمال الأجسام أو كما يفعل بعض المصارعين قبل صعودهم لحلبة المصارعة.
نظر إليها وسألها بتحدي: لسه عندك شك بردو ؟
ابتسمت بسعادة وهزت رأسها مخرجة أي شك كان متواجداً بها، حملها بين ذراعيه وتوجه بها إلى خارج الغرفة ولكنها أبت ذلك متشبثة بباب غرفته.
نظر إليها متعجباً سلوكها، تبادلا النظرات قليلاً فأدرك مدى خوفها الذي يشتعل بداخلها جاعلاً إياها ترفض النوم بمفردها، تنهد بثقل: عايزة تنامي جنبي يعني ؟
أومأت بتردد، قبل رأسها ووضعها في سريره ثم اندس إلى جوارها وظل يداعب خصلات شعرها الذهبية حتى غطت في سبات عميق.
بعدما تأكد من استغراقها في النوم اعتدل في نومته عاقداً ذراعيه أسفل رأسه وعينيه تتأملان السقف في شرود، بدأ يتحدث بصوت مرتفع:
- تعرفي إني بأثق فيكي إنتي كمان، يمكن عشان بريئة ولسه الدنيا ما لوثتكيش زي غيرك، يااااااه لو تفضلي بريئة ونضيفه من جوه كدا على طول ... ههههههههه بس دا مش ممكن، مافيش واحدة بريئة في الدنيا دي، كلكوا خاينين ومايهمكوش غير مصلحتكوا.
ارتفع أذان الفجر معلناً اقتراب سطوع شمس يوم جديد، نهض ليتوضأ ويأوي إلى فراشه بعد أداء فرضه حتى يستطيع تحمل تلك المسافة التي تفصل بين القاهرة وقنا بالإضافة إلى بدأه العمل فور وصوله.
***
دلفت حياه إلى غرفتها متنهدة فقد مرت هذه الليلة بسلام دون أن يتم اكتشاف أمرها، ولكن فرحتها لم تدم ...
-كنتي فين يا حياه ؟
شهقت حياهفي فزع: زهرة ؟
نظرت إليها زهرة بحنق: أيوه زهرة، ما جاوبتنيش كنتي فين ؟
تنهدت حياه براحه فالحمدلله أنها شقيقتها زهرة وليست أي شخص أخر، إنها كاتمت أسرارها وصندوق أفعالها، بدأت في نزع الحجاب من فوق رأسها مظهرة شعرها المموج في حركات منتظمة، لقد كان شعرها يشبه شعر أغلب نساء الصعيد.
كررت زهرة سؤالها غاضبة: ما تنطقي، كنتي فين؟
حياه بهدوء ولا مبالاه: كنت بأقابل شادي.
استهجنت زهرة فعلتها وعبرت عن ذلك قائلة: بتقابليه ف ساعة زي دي ؟، دا الفجر أدن، لا دا إنتي أكيد اتجننتي !
لوت حياه شفتيها: اللي يشوف كدا ما يقولش إنك كنتي عايشه سبع سنين في القاهرة وإنك خريجة طب.
ضحكت ساخرة: يعني اللي بتعمليه دا عمايل واحدة خلصت ألسن السنة اللي فاتت؟
-مالها تصرفاتي بقى ؟
-يعني إنتي مش شايفه عمايلك ؟ حد يعمل اللي إنتي عملتيه دا ؟ .. ما فكرتيش لو حد من أهل البلد ولا من إخواتك أو أبوكي شافك هيجرا إيه ؟
إرتمت على المقعد المجاور لها وقالت بحزن: طب كنت أعمل إيه ؟ كان لازم أشوفه.
جلست زهرة على طرف الطاولة أمامها وأجابتها بتعقل: لو عايز يشوفك كان جه لبابا وطلبك منه مش يشوفك بالطريقة دي.
-ما هو طلب يشوفني عشان كدا
-إزاي يعني ؟
-بابا رفض أنه شادي يتجوزني.
سألتها بهدوء: ليه ؟ إيه السبب ؟
أجابتها باستنكار: عشان شادي شغله مش ثابت ومش ف مكان واحد وكل يوم ف بلد شكل، كمان عشان أهله متوفيين.
-إنتي مش ملاحظه إنك بتظلمي بابا ؟ .. إنتي عارفه كويس أوي بابا بيحبنا قد إيه ومستعد يعمل المستحيل عشان سعادتنا، كفايه إنه خاطر وخلانا نروح الجامعة ف القاهره وهو كان استحاله يخلينا نبات ليلة واحدة برا البيت حتى لو كان عند حد من أعمامنا.
-طب ليه ؟ ليه مش عايزني أتجوز شادي ... أنا بأحبه يا زهرة.
-وبابا يعرف منين إنك بتحبيه ؟
-يعني تفتكري أقوله ؟
-لا طبعاً ! إنتي اتجننتي ؟ .. مهما كان تحضر بابا بس ف الحاجات دي هيفضل صعيدي.
-يووووه بقى، حيرتيني معاكي !
-طب إنتي وشادي بيه وصلتوا لإيه في الكلام ؟
ترددت حياه في أن تخبر شقيقتها الكبرى عن عرض شادي ولكنها حزمت أمرها بالنهاية وأطلعتها: عايزنا نهرب سوا.
انتفضت زهرة صارخة: نعم ياختي ؟
لحقت بها حياه ووضعت يدها على فم شقيقتها متوسلة بصوت هامس: أبوس إيديك وطي صوتك.
تمالكت زهرة نفسها وأزاحت يدها: وإنتي قولتيله إيه ؟
- قولتله مش هينفع، ما اقدرش أعمل كدا مع أهلي.
-ومالك بتقوليها وإنتي زعلانه كدا ؟ .. ما دا الصح واللي المفروض يتقال.
-ما هو زعل مني وافتكر إني مش باحبه وإني مع بابا ف رفضه ليه.
-خلاص هو حر ف تفكيره، أصلاً واحد بالتفكير دا وبعد عرضه ليكي أنكوا تهربوا سوا يبقى ما يستاهلش ومش بيحبك أساسا.ً
استنكرت حياه غاضبة: هو عشان عايز يتجوزني بأي شكل يبقى ما بيحبنيش ؟
ربتت على كتفها مهدئه: لا، عشان مش عايز يتعب ولا يواجه عشانك، لو بيحبك فعلاً هيبقى عايز ياخدك في النور وقدام كل الناس، هيحارب عشان يوصلك مهما كان التمن .. بس هو اختار الطريق السهل، بس سهل ليه هو ونسي إنه بكدا بيسوء سمعتك وهيضر عيلتنا والله أعلم ممكن يعمل إيه ف بابا ..
-بس هو بإيده إيه يعمله يعني ؟
- بسيطة، يسيب الشغل اللي مش ثابت دا ويشوف شغلانه ثابتة وقتها بابا مش هيعترض.
- طب وأهله؟، يستعير أهل مثلاً ؟
- لا يا ستي مش هتوصل لدرجة الإستعارة، هو بابا قصده بس إنه مالوش كبير يتكلم معاه يعني مين اللي هيتفق معاه ف أمور الجواز والذي منه.
-هو يعني صغير ؟
-ماحدش قال إنه صغير بس هي الأصول كدا، وبعدين لما تحصل بينك وبينه مشكلة المفروض يبقاله كبير يتكلم بابا معاه وقتها، حد يعرف يجبلك حقك منه.
- لا إن شاء الله مش هنحتاج حد، ومش هنزعل من بعض.
ابتسمت شقيقتها بحنان: إنتي طيبة أوي يا حياه.
شردت بعيداً وهي تتحدث كأنها تحادث نفسها: اسمك مش لايق عليكي، بريئة وطيبة أوي عكس الحياه اللي مليانه شر وكره وبلاوي.
افاقت إلى نفسها وتابعت بجدية: الجواز مش كله عسل وحب زي ما إنتي فاكره، إنتي نسيتي ماما الله يرحمها وخناقها مع بابا كل فترة ؟ .. أهو بابا أطيب وأحن راجل في الدنيا وكان بيتخانق مع ماما اللي مافيش ست متفهمة زيها .. فما بالك إنتي الطايشة المتهورة وسي شادي بتاعك دا !
عقدت ذراعيها بضيق: قصدك إيه يعني بالكلام دا يا ست زهرة ؟
ضحكت زهرة ضحكة خافتة: قصدي أقولك إنه الحياه مش وردي زي ما إنتي فاكره
نظرت زهرة إلى الساعة المعلقه على حائط الغرفة الزهري: يلا روحي صلي الفجر والحقيه بقى، أنا كنت جايه أصلاً عشان أصحيكي تصلي
لثمت وجنتها بحب واحترام: ربنا يخليكي ليا يا زوزو
ضحكت زهرة: ماشي يا بكاشه ..أوعي خليني أروح أحضر الفطار.
- ماشي، هاصلي وأجي أساعدك.
- طيب يا ستي كتر خيرك.
كادت أن تغلق الباب خلفها عندما إلتفتت إلى حياه كأنها تذكرت شيئاً: حياه..
انهت لف حجابها استعداداً للصلاة ثم وجهت نظراتها إلى زهرة: نعم ؟
رفعت سبابتها محذرة: أوعي تفكري تسمعي كلامه والأحسن ابعدي عنه خالص .. أنا ماكنتش بارتاحله بس بعد اللي قاله دا أن مابقتش أطيقه.
أضافت غامزة قبل أن تغلق باب الغرفة خلفها: ماتنسيش اللي بيحب بجد مش بيفكر حتى يأذي اللي بيحبه ... واقتراحه دا لو عملتي بيه هيدمرك مش هيأذيكي بس! .. خلي الكلام دا حلقة ف ودنك.
شردت حياه حزينة، هي لم تحب غيره ويبدو أنها ستحرم منه، قررت أن تنفض هذه الأفكار خارج رأسها وقد صفت ذهنها ووقفت في خشوع بين يدي الله، فدائماً كانت زهرة تخبرها أن قلوبنا بيده وأرواحنا ملك له لذلك هو وحده القادر على إزالة همومنا وإرسال الراحة إلى بالنا.
***
جلست قرفصاء على سجادة الصلاة بعد إنتهاءها من صلاة الفجر تحمل بين يديها كتاب الله تتلو آياته بصوت ترهف له القلوب، مظهرة روعة كلماته التي تجعل القلب يدق إما شوقاً لذلك النعيم المذكور والوصف البديع لجنة الصابرين المتقين أو رهبة وخوفاً من عذاب النار.
ظلت على هذا الوضع حتى أشرقت الشمس، أغلقت مصحفها مصدقه ونهضت تؤدي ركعتي الشروق.
بعد تسلميها رفعت يديها ابتهالاً لربها تقول بقلب خاشع ونفس مكلومة ولكنها راضية: يا رب، يا رب، أنا عارفه أنه كل اللي بيحصل معايا دا قدري ومشيئتك وأنا ما اعترضتش ولا هاعترض ف يوم، أنا عارفه أنه "لو علمتم الغيب لأخترتم الواقع"، كل حاجه بتحصلنا مكتوبة ودا قدرنا، كل حاجه بسبب ولسبب، يا رب أنا على طول باترجاك ترجعلي بنتي، بنتي اللي ما شوفتهاش من خمس سنين، اللي مش عارفه ليها مكان ولا عارفه عنها حال، بس أنا متأكده إنك مش ناسيني ولا ناسيها، يا رب أحميها وأحفظها، وقفلها ولاد الحلال وأبعد عنها ولاد الحرام، خليها تكون قريبة منك تحكيلك وتفضفضلك، احفظها من كل سوء وكل شر.
توقفت أخر كلماتها على طرف لسانها فقد لجمتها عن الخروج تلك الدموع اللؤلؤية التي بدأت في الهطول؛ ليس اعتراضاً ولكن حزناً لذكرى ما حدث منذ خمس سنوات عندما فقدت ابنتها.
دار مقبض الباب ليسمح بدخول سيدة قد بلغ منها الكبر عتياً وترك الزمن بمشاكله ومصاعبه أثره على ملامح وجهها ليخفي شبابها الذي كان في يوم من الأيام وترك محله تجاعيد وحزن تشفق عليه النفوس.
-بتعيطي ليه بس يا حنان ؟
مسحت حنان دموعه ورسمت بسمة على ثغرها: مافيش يا تيته، تحبي تفطري جبنة قريش لوحدها ولا أحطلك عليها زعتر زي كل يوم ؟
تابعت ناهضة تطوي سجادة الصلاة: ما تنسيش تاخدي الدوا بتاعك عقبال ما أجهز الفطار.
تنهدت الجدة وهي ترى حفيدتها تتجه إلى المطبخ، برغم ما حدث وما يحدث معها ما تزال كما هي، لم تقهرها الدنيا ولم تُركعها صدمات الحياة، وما يدل ذلك إلا على حسن تربية ابنتها الحبيبة لتلك الفتاة.
تلاشت ابتسامتها التي ظهرت عند تذكرها لابنتها المتوفاة، لقد ظنت أنها وحيدة وقت وفاة ابنتها قبل سبعة عشر عاماً شعرت وقتها بالقهر والحزن، اعتقدت لفترة أنها اغضبت الله في شيء ما، اقترفت ما تسبب بحرمانها من ابنتها الوحيدة، لكنها فجأه أدركت أن الله لم يتركها وحدها تعافر في هذه الحياة بل مد عمرها لتبقى سنداً لحفيدتها حنان.
كانت حنان في المرحلة الثانوية عندما فقدت والديها معاً في حادث غرق العبارة أثناء عودتهما من العمرة، قبلها رفضت حنان أن يؤجل والداها تلك الفريضة من أجل امتحانات الثانوية العامة التي تصادفت أن تكون في نفس الموعد، ظلت تحوم وتدور خلفهما تحاول اقناعهما حتى اقتنعا بالنهاية ورضيا بما شاءت، رفض الطبيب سفر الجدة لأي سبب فجاء ذلك راحة لوالدة حنان "فاتن"، فسوف يكون هناك من يهتم بحنان خلال سفرها.
لكن شاء الله وأمره نافذ أن تغرق العبارة التي كانت تحمل فاتن وزوجها أثناء طريق العودة، أحست وقتها بأن الدنيا قد أنهرت ولن تعود كما كانت، أصابتها نوبة قلبية عند سماعها الخبر المفجع.
لمع في ذهنها ثبات حنان وقتها، كانت تبكي بهدوء دون أن تصرخ أو تعترض حينها حسدتها على ثباتها وفي الوقت ذاته خافت عليها أن تكون الصدمة سبباً في وقوعها أسيرة المرض.
بعد مرور أيام العزاء، استيقظت ليلاً لتتناول الدواء عندما سمعت صوت يخرج من الحجرة التي تقطنها حنان.
اقتربت بهدوء ونظرت عبر فتحة الباب الذي لم يكن موصداً، وجدتها تجلس كما رأتها قبل لحظات ، تفترش سجادة الصلاة وبين كفيها المصحف تتلو آياته بصوتها العذب.
دخلت إليها متسائلة: إيه اللي مسهرك لحد دلوقتي يا حنان ؟
- صدق الله العظيم .. مافيش يا تيته بأصلي قيام وقولت اقرأ قرآن وادعي لبابا وماما بالرحمة
-تعيشي وتفتكري يا حبيبتي
جلست بجانبها أرضاً وتابعت: إنتي بتكتمي جواكي ليه ؟ .. أنا عارفه إن موتهم صعب عليكي ومش عليكي لوحدك عليا أنا كمان بس طلعي اللي جواكي دا بأي شكل كسري أو صرخي .. أي حاجه بس بلاش اللي إنتي عاملاه ف نفسك دا!
- طب دا هيفيدهم بإيه ؟، مش لما ادعيلهم هيبقى أحسن ؟ .. عارفه يا تيته .. ف مرة سمعت شيخ ف خطبة الجمعة بيتكلم عن تصرفات الناس بعد موت ناس عزيزة على قلبهم، وقتها قال إن الدموع والعياط دا بيفيدنا إحنا عشان بيطلع اللي جوانا بس هما هيستفادوا إيه ؟، مش لو دعينالهم أو عملنا صدقة جارية باسمهم أحسن ؟، كمان قال إنه الصويت وحالة الضياع اللي بتحصل لبعض الناس دي وخصوصاً من ولادهم دا بيكون سبب في عذابهم لإنه بكدا هما ما فهموش ولادهم معنى الموت وإنه لكل أجل كتاب .. وأنا مش عايزة أكون سبب في عذابهم.
أكملت بتأثر: ماما كانت بتسمع معايا الخطبة دي وخلتني أوعدها إن لو حصلهم حاجه ما أعملش كدا وإني ادعيلهم كتير ويفضلوا على لساني ف كل دعاء.
خجلت الجدة من نفسها؛ حفيدتها التي تعتبر طفلة تتصرف هكذا أما هي فشعرت بأن الدنيا قد انتهت ولن تستمر مجدداً.
ربتت على كتفها سألتها بتردد: إنتي حاسه بالذنب إنك إنتي اللي أصريتي عليهم إنهم يسافروا ؟
أطرقت حنان قبل أن تقول بهدوء: أنا كنت حاسه بكدا ف الأول بس لما ماما جاتلي ف الحلم إحساسي دا راح
بتعجب استفسرت: شوفتيها ف الحلم ؟
- أيوه، جات وقالتلي إني ما أزعلش وما أحسش بالذنب .. بالعكس إني المفروض أفرح لإني كنت السبب ف إنهم ماتوا بعد العمرة بعد ما غسلوا نفسهم من الذنوب وماتوا قبل ما يرجعوا يعملوا ذنوب تاني، قالتلي إنهم كانوا هيموتوا ف المعاد دا مهما اختلفت الطريقة، وإنها تموت بعد العمرة أحسن ما تموت وه في سريرها وذنوبها لسه على كتافها.
أفاقت على الواقع حين نادتها حنان لتتناول فطورها، اتجهت إلى مائدة الطعام وهي تبتسم، لقد كانت حنان نعمة فاتن من بعد الله -عز وجل- إليها، عادت لوعيها وإدراكها ما تملك في مقابل ما خسرت، خسرت ابنتها ولكن عوضت بحفيدة بارة بها تحبها أشد الحب .. فالحمد لك يا الله كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
***
لحقت حياه بأختها في المطبخ، زهرة بالنسبة لها والدتها التي فقدتها منذ سنوات والأخت التي تحب مداعباتها والجدال معها بالإضافة إلى الصديقة التي تحمل أسرارها، إنها شقيقتها الكبرى ولكن لم تفكر في فارق السن بينهما فقد كانت دائماً كأنها توأمها.
طلبت منها زهرة بينما تقوم بتقطيع الخضراوات أن تذهب لتتأكد من استيقاظ الجميع بداية من والدهم وصولاً لأصغر أشقائهم.
همت بصعود الدرج عندما وجدت والدها يهبطه على مهل، ركضت في إتجاهه وقبلت وجنتيه باسمة: صباح الخير يا أحلى بابا
ابتسم الأب بحنو: صباح النور يا حياه، أومال فين إخواتك ؟
- زهرة فالمطبخ بتحضر الفطار وأنا هاطلع أصحي الباقيين.
-طيب يلا روحي صحيهم بسرعة عشان ورايا شغل كتير.
- من عنيا، أنت تأمر بس يا روقه وأنا عليا أنفذ.
ضحك قائلاً: إيه روقه دي يا بنت ؟، هو أنا من سنك ؟
تأبطت ذراعه وهبطت معه الدرجات المتبقية قالت بجدية: أنا أخاف أمشي معاك ف الشارع يفتكروك خطيبي يا روقه وتقطع نصيبي.
سحب ذراعه منها قائلاً بصرامه: روحي صحي إخواتك.
رفعت كفها في تحيه عسكرية وقالت بإقتضاب مصطنع: علم وسينفذ.
انطلقت تصعد الدرجات بسرعة، ابتسم والدها بعد انصرافها لكنها تلاشت عند تذكره من طلب يدها قبل يوم.
حدثت نفسها بصوت هامس أثناء صعودها: مش معقولة هأكلم بابا بزعل، أي نعم هو رفض إني أتجوز اللي بأحبه بس هو مايعرفش إني بأحبه، وبعدين لسه قدامنا فرص كتير مش من أول مرة هأزهق، كمان لو بابا عرف إني عايزاه ما أعتقدش هيرفض يعني دا بيحبني أوي وعايزني سعيدة بأي شكل .. يوووه بقى ربنا يستر ولساني ما يتسحبش من مكانه ويخليني أقول لبابا كلمة تزعله .. وهو اللي عمره ما زعلني قبل كدا! .. بس بقى بس، لما أروح أشوف الناس اللي نايمه دي وأنا اللي مانمتش ساعتين على بعض .. إهئ إهئ .. أنا بايني أتجننت ولا إيه ؟؟ هههه
دفعت الباب على نحو مفاجئ وصرخت سائلة: ظبطك بالجرم المشهود، بتعمل إيه عندك يا عم أنس ؟؟
انتفض أنس على إثر الصدمة وعندما رأها هتف بغضب: يا بنتي إنتي مش هتبطلي الأسلوب بتاعك دا ؟؟
وضعت يديها في خصرها: بنتك والأسلوب بتاعي ؟ .. أنت مش شايف إنك خدت عليا أوي يا سي أنس ولا إيه ؟
- أووووف بقى، إنتي إيه اللي جابك ؟
- جيت أقولك إن الفطار جاهز
عاد يجلس أمام حاسوبه قائلاً بعدم اهتمام: طيب طيب، روحي وأنا جاي وراكي.
علقت مستهزئه: أه، على العشا مش كدا ؟
قال بملل وهو يضرب على لوحة المفاتيح كاتباً بضعة كلمات: يا ستي قولت جاي.
اقتربت منه بهدوء وبدأت تقرأ ما كتبه من فوق أكتافه دون أن يشعر بها ظناً منه أنها غادرت الغرفة وأخيراً.
هتفت بصدمة: أنت بتحب يا أنس !
ارتعشت يديها الممسكة بالفارة وأغلق الصفحة التي كان يجري بها الدردشة بسرعة لكن ظهره ظل في مقابل وجه شقيقته.
أدارته ناحيتها وجلست على طرف الفراش تسأله بهدوء: مين دي ؟
لعلمه عن إصرار أخته وأنها لن تتركه حتى تعلم الحكاية بتفاصيلها وأيضاً خوفاً من إخبارها لوالدهما تحدث ببطء ونظره لا يتزحزح عن حذاءه المنزلي: واحدة.
- ما أنا عارفه إنها واحدة، حد قالك إني فاكراها واحد ؟، قصدي عرفتها إزاي .. اسمها إيه .. تعرفها منين؟
-اسمها داليا وعرفتها من النت .
-من النت ؟ إزاي يعني ؟
- عادي، اتعرفت عليها من الفيس، شوفتها ف جروب وكانت تعليقاتها وكلامها بيعجبني، حسيت تفكيرها نفس تفكيري بعتلها أدد وهي قبلته وبدأنا نتعرف على بعض.
-إممممم ... قولتلي.
وبعد صمت لثواني معدودة مرت على أنس كالسنوات، سألته: دي عندها كام سنة بقى ؟
تردد قليلاً قبل أن يقول باستسلام: 40.
-نعم ؟؟؟؟
لوى شفتيه وقال هازئاً: أنا عارف إنك مش هتفهميني.
-دي قد عمرك أربع مرات يا ابني، أفهم إيه بس ؟؟؟
توقفا عن الكلام عندما سمعت والدها يطلب منهم الإسراع حتى لا يتأخر عن عمله، نهضت من مكانها وأمرت أخيها: روح صحي محمود وأنا هاروح أشوف عصام
تبعها للخارج وقبل أن تتركه لترى شقيقها الأخر نظرت إليه متوعدة: وهنتكلم في الموضوع دا تاني بس لما نبقى لوحدنا
ابتعدت عنه، وجدت شقيقها عصام يقوم بفرز بعض الأوراق على الأرض، أخبرته أن موعد الإفطار قد حان فترك ما بيده ونزل بصحبتها.
سألته بصوت يشوبه الحزن أثناء نزولهما الدرج: لسه مصمم تسافر ؟
ابتسم ولكن إذا تم اعتبارها ابتسامة من الأصل: فات الكتير ما بقى إلا القليل .. كلها كام شهر وأخد الدكتوراه وأجي أقعد على قلبكوا بعد كدا
-يعني دي أخر مرة تسافر فيها؟
-قولي يا رب
-أنت بتوحشني أوي يا عصام
ضمها إلى صدره: وإنتي بتوحشيني أكتر، بس هانت إن شاء الله
أبعدها رافعاً نظارته الطبية ويفرك عينيه ليمحو الدموع المتجمعة بداخلها: بس بقى، عجبك كدا ؟، هتخليني أعيط والحاج يفتحلي موال.
مرت من أمامهما زهرة وهي تحمل طبقاً في يدها: حياه روحي هاتي طبق العيش والمخلل من المطبخ وأنت يا عصام يلا بسرعة بابا مستعجل.
عصام: طيب، أديني رايح أهو.

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close