رواية تائهة في سرايا صفوان الفصل السابع 7 بقلم خديجة جلفة
تائهة في سرايا صفوان :
الفصل السابع
+
......
+
الساعة الثالثة بعد منتصف الليل
دوى صوت تهشيم عالي بالقصر ،لينتفض الجميع على أثره ...، خرج سامي مهرولًا وخلفه مريم التي تحمل ابنها الباكي من هذه الأصوات تهدهده
+
كما خرجت سمية ومنال أيضًا مفزوعين على هذا الصوت الذي شق سكون الليل .
-
+
الصوت جاي من فوق في جناح وليد .. !!
هتفت بها سمية التي كانت أقربهم لطابق العلوي وهي تصعد لأعلى فصعدوا ورائها .
وبالفعل كانت هذه الأصوات تنبع من حجرة وليد ،أصوات تهشيم زجاج وتحف تضرب بالحائط .
توجه الجميع لباب الغرفة المغلق يدقونه بعنف هاتفين بأسمه
_ وليد ... افتح يا بني .. ايه الـ بيحصل جواا .. ولييد ..!!
قالتها منال بقلب خاىف على ابنها فلذة كبده وما مِن إيجابه .
أقترب سامي يدق الباب بعنف شديد وهو يهتف بصوت عالي :
_ افتح الباب دا .... وليد متعملش في نفسك كدا كل حاجه هتتحل بهدوء ... افتح عشان أمك هتموت من خفها عليك ... افتااااااح
ثم ضرب الباب بشدة وهو يهتف بكلمته الأخيرة بعنف شديد .
نظر لمنال وسمية الذين يطرقون الباب فهتف وهو يستعد لكسر الباب بجسده :
_ ابعدو ..!!
استمعوا له وابتعدوا عن الباب واحتضنت سمية منال بينما مريم تقف تبكي كحال ابنها .
دفع الباب بجسده بعنف .. مرة ،الثانية ،الثالثة ،الرابعه ... إلى أن وجده يُفتح ،ليس من دفعاته بينما من الذي ظهر خلف الباب وهو يرتدي قميص أبيض مفتوح تلطخ بالدم ،والعرق يتصبب من جبينه .
فتح لهم وليد ثم ما لبث أن اصطدم جسده بعنف في الأرض الصلبه فاقدا للوعي...!
1
****************
_تيتا حضرتك هنا ..
هتفت بها وهي قادمة لها تحمل طفلًا بين ذراعيها ،لتنظر لها الجدة وهي تبتسم وتقول :
_ مستنياكي من بدري ..
رفعت منكبيه ببرائه وهي تذم شفتاه قائلة:
_ معلش بقا ..، عقبال ما جبت دا 'ثم رفعت يداها قليلًا وتشير برأسها بما تحمل' بصي ... الـ هناك دا قالي خوديه خليه معاكي ... 'ورفعته تقبل رأسه وتشتم رائحته' ياااه .. بحب ريحه الاطفال دي جدًا
أخرجت الجدة من بين أثوابها قماشه بيضاء ملفوفه وفتحتها تحت اعين الأخرى التي تتابعها بذهول .. لتجدها تمد يدها بثلاث بذرات في كفها، فاحكمت الإمساك بالرضيع بيد والأخرة مدتها لتأخذ منها البذور
والجدة تقول :
_ وخدي دول كمان ..
تلمست زهرة وهي تنظر لهم بذرتي سوداء خشنه الملمس لكن تفوح منهم رائحه عطره جذابة.. وأخرى ملمسها ناعم
تابعت الجدة قائلة وهي تشير لبعض المناطق الذابلة:
_ روحي ازراعيهم هناك ...، ودي كمان
ثم.أخرج لفافة أخر غير التي كانت معها، وفتحتها ليظهر بذرتين، أمسكت واحدة منهم وأعطتها لزهرة، وهتفت:
- خدي يا بنتِ، روحي حطيهم في الأرض دي، وهاتي الـ على أديكي دا....
ضمت الصغير لها تتشبث بهِ، وأومأت قائلة:
- لاء أنا عايزاه،... هتخديه ليه!!
وقفت إلهام تجذب الرضيع بحدة، ثم احتضنتهُ قائلة:
- الـ معاكي دول الـ ليكِ دا هيجي معايا،... يلا روحي ازرعيهم...
نظرت زهرة للمكان التي أشارت لهُ إلهام، ثم اشمئزت ملامحها، وهي تقول:
_ايه دا ..!! دي كلها دبلانه يا تيتا
دفعتها الجدة قائلة :
_ روحي بس ...
اندفعت بضع خطوات لتتوقف تنظر حولها قائلة بتيه:
_... طب ... طب محدش هيساعدني ، مش هعرف لوحدي
أخبرتها إلهام بصوت حاد :
_... لاء ، انتي الـ هتزرعيهم لوحدك وهتراعيهم لحد ما يكبروا ،والأرض الدبلانه دي هيبقا كلها عمار ..، ركزي بس واوعي تغلطي .. الغلطة بفوته والـ يفوت هيموت ...!!!
هيموت يا زهرة اوعي تنسي .. الغلطة بفوته ..
الله أكبر الله أكبر ...
قامت فزعه من مكانه وجسدها يرتعش ،لتقم على اثرها قمر التي باتت الليلة بجوارها ..،أقتربت تضع يدها على كتفيها فانتفضت فزعه لتقول قمر بصوت هادئ:
_ اهدي يا زهرة مالك يا حبيبتي ...
أرتمت زهرة في أحضانها تهتف ببكاء:
_ بـ..بابا وحشني اوي ...
أدمعت عين قمر لتقول بصوت متحشرج:
_ وأنا كمان .. ماما وحشتني
مرت دقيقتين حتى قالت زهرة وهي تمسح دموعها :
_ قومي بينا نصلي وندعيلهم ..
ابتلعت ريقها قائلة بحرج:
_ معلش روحي انتي.... انا عندي ظروف
اصطنعت ابتسامه هادئ وهي تردف :
_ طيب ..ارتاحي انتي
استلقت على السرير تجذب الغطاء لعنقها، ثم تحسست تلك النجمة في انفها تتذكر كيف أعطتها لها والدتها ،وهو الذكرى الوحيدة التي استطاعت الأحتفاظ بها وجلبها معها لمصر هي وبعض الصور ..
خرجت زهرة قاصدة المرحاض لتلقي بإلهام تجلس على أحد المقاعد تصلي ،فتعجبت كيف علمت القبلة..!!
توجهت هي إلى المرحاض لتتوضئ ثم خرجت تجذب إسدالها لتجد إلهام وقد انتهت فقالت :
_ تقبل الله ..
_ منا ومنك يا حبيبتي ...، كويسة دلوقتي
_ اهه الحمدلله ..
أرتدت الإسدال ثم قالت وهي تتوجه للقبلة:
_ هصلي وعايزه حضرتك في موضوع
_ وأنا كمان .. بس صلي الاول
3
*******************
+
تجلس وهي تحتضن وجهه لقلبها وتبكي بصمت على حالهِ الذي لا تعلم من المتسبب به ، أقترب سامي منها وقال بحزن:
_ روحي نامي يا ماما أنا هفضل جمبوا ،أنا دخلت سمية بالعافية ومش هسيبك تقعدي كدا
مسحت عينها وقالت :
_ لا يا حبيبي روح أنت ..، أنا قولت مش هتحرك من جمبوا ..، روح يابني شوف مراتك وابنك الـ على صرخه واحده دا ..
_ يا ما..آآ
قاطعتها منال قائلة بهمس غاضب:
_ يووووه أنت ليه مصمم تتعبني يا بني.، ماكفايه الـ مرمي على السرير لا عارفه ايه الـ فيه ولا ايه الـ حصل ، امشي على فرشتك يا سامي ومتعصبنيش الله لا يسيئك كفايه كدا ... خلينا نخلص من الليل الـ مش باينلوا نهار دا ...!!!!
أبتعد عنها قائلًا بخنوع :
_ حاضر يا امي ' ثم أقترب يقبل أعلى رأسه ' متزعليش مني أنا مش هممني غير صحتك بس..
أمسكت كفه الذي وضع على كتفها تربت عليه قائلة بصوت جاهدت لتخرجه متزن:
_ روحي يا حبيبي أنا هبقا كويسه طول منا جمبوا كدا
_ طيب ... أنا مش هنام لو حصل حاجه ناديلي أو رني عليا
_ماشي يا سامي حاضر
تركها وذهب هابطًا للأسفل يقصد غرفته ، أما منال فقد جذبت الغطاء تدثر وليد جيدًا وهي تجمع شعره الطويل في جانب واحد ، ثم أخذته بين أحضانها وهي تتذكر ماحدث منذ ساعة
"عودة للوراء"...
وضعت كفيها على فمها بصدمة وهي ترى ابنها يتهاوى أرضًا ،ليهرع إليه سامي يحاول أن يفيقه ..، وأقتربت منال تضرب وجنتيها برقه تنادي بأسمها
_ وليد ... قوم يا حبيبي مالك ..، وليد قوم يا قلب أمك ..
وضع سامي يده تحت رجليها والأخرى أسفل ظهره ثم رفعه عن الأرض وتوجه غرفة اخرى غير تلك فلم يعد به اثاث صالح للإستخدام .
وضعه على الفراش ، فاقتربت منال تجذبها لأحضانها، وقامت سمية بأخذ زجاجه عطر من أعلى التسريحة تبخها على يدها وتقربها من أنفه يستنشقها ،...فتح عينيه بيطئ ليجد أمه وسامي وسمية ، مد يده يجذب كف أمه يرفعها لفمه قائلًا بصوت مجهد ومتعب:
_ ماتقلقيش عليا ... أنا .. أنا كويس
رفعت كفها لها تقبله وهي ترجت خصيلاته للخلف وتقول :
_ وأنا هعوز ايه أكتر من كدا يا بني
نظر لاخته التي تجلس بجواره تبكي فقال مبتسمًا لها :
_ مش عايز عياط ...، أنا لسا مامتـ...
قاطعته وهي تلقي نفسها في أحضانها وتقول بصوت متقتطع:
_ حرا...حرام عليك... مـ..متقولش كدا
أخذ نفس عميق ثم قال :
_ روحوا ناموا وسبوني
جلس سامي على المقعد وقال :
_روحوا يا جماعه انتوا وأنا هفضل جمبوا متقلقوش
_أنا قولت كلكوا ..
جففت سمية دموعها قائلة برفض :
_لاء يا سامي .. ، ماما تعبانه خليها تروح تستريح وأنت روح ناملك شويا قبل ما تروح الشركة وأنا هقضل معاها مش هروح الكلية بكرا ...
كاد وليد أن يرفض إلا أن منال قالت بهدوء :
_اتفضلوا أنتوا الإتنين على أوضتكوا مش عايزه أشوف حد فيكوا ...
_بس...
_انا قولت يلاا .... !!!
قالتها بحزم مقاطعه اعتراض سامي ليقوم ويأخذ سمية التي ترسم عليها معالم الرفض ثم توجهت معه للخارج ..
مرت ربع ساعة حتى عاد سامي مجددًا بعد أن ادى صلاة الفجر ،يطالبها بالذهاب للنوم
"عودة للوقت الحالي"
قبلت رأسه للمرة الألف وهمست بحزن:
_ياترى ايه الـ فيك يا وليد وصلك لكدا ..
1
********************
دلف غرفته حزينًا فقابلته مريم بعد أن هدأت ابنها وغفى للنوم بصعوبة .
قالت وهي تجلس بجواره على الفراش تحتضن كفه:
_مالك يا حبيبي .... إن شاء الله وليد هيبقا كويس وأحسن
استمعت إلى شهقاته فنظرت له مصدومة وهي تجذبه لأحضانه تحتضنه بشدة وتربت على ظهرة :
_شششش .. خلاص أزمة وهتعدي إن شاء الله
هتف بنبرة حزينة :
_ماتعرفيش .. حسيت بأيه لما وقع كدا ..!!،مريم أنا .. أنا من غير وليد ولا حاجه ، أنا سامي صفوان عشان وليد في ضهري ومعايا .. ، بس ...بس من غيروا ولا حاجه ، أنا معنديش استعداد اتيتم مرتين .. وليد بالنسبالي كل حاجه
أبتعد عن احضانها يمسح دموعه فأمسكت مريم يده قائلة بمرح قليلًا:
_انت بتتكسف تعيط قدامي ولا ايه ..
أمسك يدها يقبلها وقال بحب :
_أنا اتكسف من الدنيا كلها إلا أنتي باجي عندك وببقا ضعيف محتاجك جمبي ومعايا وبس ..
تنهدت بحزن على حالهِ، ثم اتجهت نحو السرير، وهي تجذبهُ معها، وجلست القرفصاء، ثم جعلتهُ يستلقي، ووضعت رأسهُ على قدمها، مسدت على شعرهِ الكثيف، ثم انحنت تقبلهُ، فوق خصلاتهِ، هاتفة بصوتٍ هادئ:
- متقلقش يا حبيبي، هيكون كويس ان شاء الله،.. نام وارتاح
+
*****************
لم ينم حتى الآن والإبتسامه تعلو شفتاه عندما يتذكر ردة فعل عمته عندما أخبرها بمطلبه
"عودة للوراء"....
امتلئت السيارة بصوت ضحكاتها بينما اغتاظ سراج وقال:
_هو أنا قولت نكته يا عمتي وانا معرفش ، هتدهاني صح
كادت أن تغلق فمها إلا أنه ضحكت مرة اخرى مما جعل غضب سراج يتصاعد .. حتى احمرت وجنتيه حنقًا
_ وعايزها بعرض وعليه تخفيضات ولا تاخد اتنين والتالته هدية
ثم ضحكت ملئ فمها مرة أخرى ، ليقبض الأخر على يده ضاربًا باب السيارة بعنف قائلًا وهو يجذ على أسنانه :
_ والله لولا إنك أخت أبويا بس ..
تلقى ضربة على صلعته وهي تهتف بمكر :
_ هتعمل ايه يا بن سلطانه ..
أبتسم إبتسامه بارده وقال :
_هقوم أبوسك .. يلا يا عمتي بقى انتي مش نفسك تستري بنتك
ضربته في كتفه وهي تقول:
_ اتلم يلا .. يعني شايفها عريانه يا خويا!!، كلامك دبش زيك!، وبعدين جاي بعد عزا الراجل تقزلي عايز اتجوز بنتك.... والله انك بجح!
ألتوي فمه وهو يهتف بحسرة:
_ بقولها جوزني بنتك تقولي عزا الراجل. .... الحي ابقى من الميت يا عمتي ..
أرجعت ظهرة للوراء قائلة بخبث:
_والله البنت لسا فاضلها سنتين جامعه .. وخمس سنين شغل تثبت نفسها و....
_عمتييييي...!!! أغزي الشيطان يا حبيبتي ، وقوليلي نيجي نتقدم امتى ..، لحسن يمين بالله اخطفها وامشي
_ تخطف مين يا حبيب عمتك، انتَ فاكر نفسك كبرت ومش هقدر عليك، دانا احطك تحت رجلي واكحلك بالكحل الأسود النار دا زي زمان ... فاكر ولا افكرك ..!!!
أغمض عيناه يتذكر تلك اللحظات اللعينه عندما تشتكي امها لها فتقوم بعقابه بالكحل الاسود الحارق ، فقد كان يجلس طوال النهار يعاني من شدته
أخبرته وهي مبتسمة :
_كلم وليد وشوفوا وإذا كان عليا فأنا موافقه ياسيدي ....أنا مش هلاقي لبنتي عريس ذيك
"عودة للوقت الحالي"
ظل يوزع ابتسامته بين الحين والأخر في غرفته كالأبله ..، يمني نفسه باليوم الذي ستكون ملكه فيه
على صوت رنين هاتفه فتعجب عندما نظر في الساعه التي تتوسط الحائط انها الرابعه، وازداد تعجبه عندما رأى المتصل ...!!
..............
.........
.....
..
.
1