رواية بين الامس واليوم الفصل الخامس والخمسون 55 بقلم الكاتبة انفاس قطر
بين الأمس واليوم/ الجزء الخامس والخمسون
+
ست أشهر مضت.. منذ ارتحل..
+
تمر الأيام علي بطيئة متثاقلة..غاية في الثقل!!
+
هي كانت من قبله تمر بطيئة!!
+
وأنا أدعو الله أن يأخذ أمانته بعد وصلت أرذل العمر.. واشتقت إلى لقاء ربي!!
+
فكيف من بعده؟!! كيف من بعدك يا بني؟؟
+
أصبحت أشعر بشروق الشمس وغيابها سكاكين تنغرز في روحي..
+
لأني أعلم أن هذا يوم جديد يمر علي من بعده!!
+
عمري ضعف عمره مرتين..
+
والحياة كلها كانت أمامه.. بينما أنا حياتي أصبحت خلفي!!
+
ومع أن ذاكرتي كانت بدأت تضعف ومنذ سنين.. لكن منذ غادرني..
+
وذكرياتي معه.. حتى تلك التي كنت نسيتها.. تمزقني وأنا أستعيدها مرارا وتكرارا..
+
حفيدي الأول.. وفرحتي الأولى.. الولد الذي لم يرزقني الله به
+
أذكر أول مرة حملته وأنا أكبر في أذنه وادعو له بالصلاح..
+
وكم كان صالحا وبارا..!!
+
كلماته الأولى ومناغاته ترن في أذني ولا تفارقني..
+
حين قال (أبي) قالها لي... فلم يكن له أب غيري.. فقد وُلد يتيما..
+
وحتى بعدها كنت أنا فقط والده!!
+
حين خطا خطوته الأولى كان متجها لي..
+
ومنذ ضعفت وضعف بصري وهو من يقودني دون يتذمر أو يشكو.. مجرد طفل صغير حينها!!
+
لم يقل لي يوما أريد أن أذهب لألعب.. لم يتركني وهو جواري ملتصق بي.. فخذه الصغيرة ملتصقة بجنبي..
+
يا الله ماكل هذا الوجع!!
+
ارحم شيبي وضعفي.. ماعاد القلب يحتمل المزيد..ارحمني برحمتك..
+
وإن كان مازال في العمر بقية.. فمنَّ علي بنعمة النسيان التي باتت حلما بعيدا المنال..
+
يا الله ياكريم
+
إذا كنت قد أذقتني حسرة فقد ولدي..
+
فلا تذق أبا عبدالرحمن مثلها!!
+
يكفيه رؤية عبدالرحمن حي ميت طوال الأشهر الماضية..
+
يا الله لا تذقه الحسرة التي ذقتها!!
+
فإن كنت أنا أستطعت الاحتمال.. فهو لن يحتمل فراقه.. لن يحتمل!!
1
************************************
+
ست أشهر مضت منذ تركني..
+
حاولت الاعتصام والصبر والتجلد وأنا أقول هذا قدر الله وحكمته
+
وإن كان قد أخذ ابني.. فلحكمة منه سبحانه!!
+
وأنا مؤمنة ومصلية..
+
وأعلم أنه إن شاء الله في خير حال في عالم خير من عالمنا..
+
هكذا كنت أصبر نفسي..
+
ولكن كيف للقلب المكلوم أن يستوعب كل هذا الوجع؟؟
+
كيف له أن يستوعب خلاء المكان بعده؟؟
+
أيام العزاء كدت أموت لشدة ماتجلدت..
+
وخصوصا وأنا أرى انهيار وضحى وعيناها تتبعاني أينما ذهبت..
6
وكأنني مصدر القوة لها.. تنتظر انهياري لتنفجر تماما..
+
تجلدت وتجلدت وتجلدت.. حتى ماعاد جلدي يحتمل التجلد.. وشعرت به يتفطر كما انفطر قلبي..
+
أصبحت هاربة على الدوام من البيت..
+
غالب وقتي أقضيه في بيت أم عبدالرحمن..
+
نتشاطر وجع ماعاد في الاحتمال.. في خفية عن الأعين التي تراقبنا..
+
كلانا نبكي ابننا الذي رحل.. ونبكي جزعا أن يرحل الآخر!!
+
كنت أكره أن أعود للبيت...
+
وكيف أعود وكل شيء هناك يذكرني به..
+
هذه الستائر هو اختار لونها.. وهذه الأرائك هو اشتراها..
+
بل حتى أواني المنزل كان معي عندما اشتريتها..
+
هنا جلست وهو يمر علي في الصباح.. مقبلا رأسي وأنا أدعو له بالتوفيق وبحفظ رب العالمين!!
+
وهنا جلست أنتظره عائدا من رحلته والقلق يعتصرني إن تأخر ساعة واحدة..
+
وهاهو الآن لن يعود مهما انتظرته..
+
بدأت الحسرة تأكل روحي شيئا فشيئا..
+
كرهت حالة القلق الذي أثرتها في أبنائي وأنا أظنهم لا يلاحظون..
+
لأتفاجأ يوما بهم ثلاثتهم.. بل أربعتهم وسميرة معهم.. يأتون لأخذي من بيت عمتهم بعد رحيل مهاب بثلاث أسابيع..
+
ويذهبون بي إلى بيت آخر..
+
إنه بيت كساب الذي عرضه على تميم حين علم أنه يبحث عن بيت ليأجره..
+
لم يسمحوا لي أن أعود للبيت حتى.. ولم يحضروا حتى قشة واحدة من بيتنا القديم..
+
حتى ملابسي لم يحضروها.. وكأننا نبدأ كلنا حياة جديدة..
+
خيرا فعلوا.. حتى وإن كانت ذكراه أبدا ثابتة كالوسم في الروح ولا أحتاج شيئا يذكرني..
+
ولكني كنت فعلا على وشك الإصابة بالجنون والذكريات تخنقني من كل ناحية في ذلك البيت..
+
هأنا أشغل نفسي بالكثير.. ختمت حفظ القرآن الكريم..
+
وهأنا أقرأ كل ليلة آيات كثيرة أدعو أن يكون أجرها لمهاب..
+
صبرني يا الله بعده.. وأدخله فسيح جناتك..
+
واللهم أرضه.. كما أرضاني..
+
اللهم أرضه.. كما أرضاني..
+
اللهم أرضه.. كما أرضاني..
+
************************************
+
يا الله يا امهاب ما أقساك!!
+
أ لم تقل لي دوما وأنا صغيرة.. إذا ضربكِ أحد ما.. فاخبريني حتى أضربه!!
+
وعدتني أنك ستدافع عني دوما..
+
فأين أنت الآن؟؟
+
هاهي الحياة تضربني وتصفعني وتركلني وجعا من بعدك..
+
وأنت لست هنا لتدافع عني!!
+
ما أشد مرارة الأيام بعدك.. مرارتها كمرارة العلقم الذي سكن روحي ورفض أن يغادر..
+
ظننت أني في لحظة من اللحظات سأموت لا محالة..
+
فما كنت أشعر به وجع ظننت أنه لن يسكنه إلا الموت..
+
ولكن سبحان الله!!
+
الحياة تستمر.. والمؤمن مبتلى!!
+
ومهما بدت الحياة صعبة بعد أحبابنا فهي تستمر!!
+
هانا أعمل.. وأدفن نفسي في العمل!!
+
أصبحت أشعر أن حياتي تتمحور حول هؤلاء الأطفال الصم..
+
سعادتي رهن بابتسامتهم..
+
وحزني الحاضر دائما رهن بدموعهم..
+
أقنعت سميرة أن تعمل معي..
+
وهاهو وجودها معي يخفف علي كثيرا من وجع الحياة!!
+
***************************************
+
***************************************
+
ست أشهر مضت وهو ذات الحال.. غيبوبة أشبه بالموت..
+
وإن كان هناك من يموت فهو أنا..والده..
12
أشعر أن أجزاء روحي تتساقط شيئا فشيئا مع كل يوم جديد يمر علي وهو لا تحسن في حاله..
+
بل أشعر أن مابات يحول بيني وبين لفظ أنفاسي الأخيرة.. وهو وجود أنفاسه في الحياة..
+
حالما تختفي هذه الأنفاس سأختفي معها..
+
لا أفارقه أبدا.... عدا ثلاث ساعات فقط بين منتصف الليل وقبل آذان الفجر..
+
أترك عنده أحد الصبيان وأطلب منه أن يتصل بي فورا لو حدث أقل شيء..
+
أعود لأبيت في مجلسي.. حتى يرى الجميع سيارتي أمام البيت..
+
خوفا على أهل بيتي... ولكني لا أستطيع حتى دخول البيت من بعده!!
+
الكل يحاولون في أن أغادر قليلا على أن يتنابوا معي..
+
ولكن لا أستطيع.. لا أستطيع مفارقته..
+
أعلم أني أهملت بيتي وبناتي.. ولكن أوصي تميما وعبدالله دائما في أهل بيتي..
+
والاثنان لا يقصران..
+
وخصوصا عبدالله الذي أعلم أنه من يتولى مسئولية البيت التي تركتها له..
+
لا أفارق عبدالرحمن لأني أخشى أن أتركه فيحدث أحد أمرين..
1
أما أن يتحرك أو حتى ترمش عيناه وأنا غير موجود..
+
أما ما أخشاه أكثر.. أن تحين ساعته وأنا لست موجودا حتى أوجهه للقبلة وأتشهد على رأسه مادام لا يستطيع التشهد..
+
كنت أحلم بأولاده.. فإذا الحلم يتحول فقط أنني أريده جواري على أي حال كان!!
+
حتى وإن لم يصح من غيبوبته.. ليبق جواري..
+
فأي حياة لا يكون هو فيها؟!!
+
************************************
+
ست أشهر مضت وابني في غيبوبته..
+
والغريب أنه خال تماما من أي كسور أو أي إصابات..
+
كان مصابا برضوض شديدة.. ولكنها كلها تعافت..
+
ومع ذلك مازال لم يصحُ..
+
وأنا لا أمل الانتظار.. ولن أمله!!
+
مادامت أنفاسه وأنفاسي في الحياة.. سأبقى أنتظر!!
+
عبدالرحمن يا بني.. أمك تحتاجك.. حتى متى كل هذا النوم؟؟
+
كل يوم تشرق شمسه.. أركض للمستشفى.. أقول اليوم لعل وعسى..
+
أبقى أرأقبه حينا.. أتحسس جسده حينا.. وادعو له في كل الأحيان
+
حتى يقترب آذان الظهر ويجبرني فاضل على المغادرة..
+
وأنا أشعر أن روحي تركتها خلفي..
+
حتى تفكيري طوال اليوم شارد.. ليس معي.. حتى أعود إليه!!
+
ماعدت أشعر بطعم أي شيء في الحياة..
+
فأي طعم للحياة هو لا يتذوقه..؟؟
+
حتى حسن الصغير الذي كنت أرى الحياة في ابتسامته..
+
يجلس في حضني.. يتمسح بي.. يشد برقعي.. يريدني أن ألتفت له..
+
سامحني ياصغيري.. ليس نقصا في غلاك.. والله يعلم..
+
ولكن ماعدت أشعر بشيء..
+
وكأن كل شيء رهن بعودة هذا النائم!!
+
************************************
+
ست أشهر مضت وعبدالرحمن على حاله..
+
لا أعلم هل هذه رحمة به حتى لا يعلم برحيل امهاب ..
+
فأنا مازلت لا أتخيل كيف ستكون ردة فعله حين يصحو ويعلم..
+
أصبحت الحياة باهتة باردة..
+
والغريب أنها ليست كذلك بسبب غياب عبدالرحمن فقط..
1
بل ربما كان السبب الأكبر هو غياب والدي..الذي حتى في تواجده تشعر أن روحه غائبة هذه الأيام!!
8
البيت ماعاد به حياة بعدك يافاضل!!
+
عبدالرحمن كان كالنسمة الهادئة.. في كثير من الأحيان لا أشعر حتى بوجوده في البيت..
+
ولكن والدي كان اعصارا يشعل البيت بالحياة..
+
أتخيل ارتعاشي حين أسمع صوته الغاضب أو حتى صوت صفق الأبواب تعبيرا عن غضبه..
+
يا الله كم اشتقت لتلك الأيام!!
+
ربما من الأشياء التي كنت أجهلها عن نفسي..
+
أنني لم أكن أنام حتى أسمع صوت خطواته يطل علي ليلا ويتأكد أنني نائمة قبل أن يغلق الباب..
+
رغم أني في تلك الأيام كنت أرتعب حين أشعر بدخوله.. وكأنه إعلان عن حضر تجول..
+
وكنت أجهل سبب الأرق الذي يصيبني حين يكون غائبا في رحلات القنص.. ولا أعرف لذلك سببا..
+
الآن أصبحت أعرف السبب!!
+
حين أزور عبدالرحمن لا تتوقف دموعي عن الانهمار..
+
بداية كان من أجل عبدالرحمن.. ولكن عبدالرحمن حالته استقرت تماما..
+
ودموعي الآن هي لحالة والدي..
+
لا يجلس حتى.. وعيناه تتبعان كل سنتيمتر مربع من جسد عبدالرحمن.. يبحث عن بادرة حياة..
+
أو يحرك أصابعه أو مفاصل قدميه ويديه.. لأنه يخشى حين يصحو أن يعاني من تصلبهما.. لذا يريد أن يحافظ على مرونتها..
+
بقدر مابكيت وارتعبت حين أصاب عبدالرحمن ما أصابه.. وأنا أخشى أن يتركنا وحيدين مع والدي..
+
بقدر ما أبكي الآن.. لأني أريده يصحو من أجل والدي..
+
تبقى شهرين على تخرجي..
+
لا أعلم حتى كيف استطعت الحضور والدراسة والنجاح.. ولكن لأقل أنني فعلتها من أجل والدي فقط.. حتى لا أخيب ظنه بي!!
+
فقد كنت أريد الاعتذار عن الفصل بعد حادث عبدالرحمن.. ولكن والدي كان من رفض وبشدة..
+
استغربت حتى اهتمامه بالموضوع في خضم انشغاله بعبدالرحمن..
+
ظننت أنه لن يهتم أبدا.. ولكني قلت لابد من إستئذانه..
+
لذا فوجئت برفضه وهو يبرره أنه من الأفضل أن تكون شهادتي بيدي لأني لا أعلم مايكتبه الله في الغيب!!
+
************************************
+
ست أشهر مضت..
+
أصبح عمر حسن الآن أربع سنوات.. وهو يمضي للخامسة..
+
يا الله ياعبدالرحمن أ لم تشبع من كل هذا النوم؟؟
+
حسن يسأل عنك دائما.. ويسأل متى ستصحو؟؟
+
موجوعة ياعبدالرحمن من بعدك.. وإحساس اليتم يخنقني..
+
لن تتخيل كم أثر فيني غيابك!!
+
ستكون سعيدا عندما تصحو و ترى كم أصبحت قذرة..
+
قذرة بمفهومي!! ومتوازنة بمفهومك!!
+
فلكثرة الساعات التي تمضي وأنا أرأقبك بسكون.. أنسى أن أغسل يدي كل ساعة..
+
ولا أستحم ولا أستبدل ملابسي سوى مرتين.. مرة حين أعود من عندك ظهرا والأخرى ليلا ..
+
وستكون أسعد حين تعلم أني قصصت كثيرا من طولة لساني من أجلك..
+
فلساني ماعاد فيه إلا الدعاء لك..
+
وأخشى أن أضايق به أحدا فيغضب مني الله ولا يستجيب دعائي..
+
أما التغيير الأكبر ياعبدالرحمن فهو تغيري من ناحية عبدالله..
+
التغير الذي أنا أشعر به.. ولكن لم أسمح لنفسي أن أشعره هو به..
+
أنا لست ناكرة جميل ياعبدالرحمن..
+
وأعترف أنه لولا وجود عبدالله ماذا كنت سأفعل أنا ووالدتي وشعاع من بعدك أنت وانشغال والدي معك..
+
أتخيل لو أن هذا الحادث حدث وعبدالله لم يظهر..
+
كنت سأترمل مرتين وأتيتم مرتين!!
+
كيف كان حالنا سيكون؟؟
+
عبدالله الآن من يتولى مسؤولية بيت والدي كاملة.. تميم أيضا لا يقصر أبدا..
+
ولكن تميم لديه من المشاغل والحزن مايكفيه...
+
الحياة بيني وبين عبدالله ساكنة تماما..
+
ماعدت أعارضه.. أو أضايقه.. أو اشتمه.. ولكني أيضا أعلم أني لا أريحه..
+
فبقدر ما يغمرني بعاطفته وحبه وحنانه بقدر ما أعاني من الجمود والتبلد..
+
لا أنكر أنني حاولت الخروج من شرنقة جمودي.. ولكن لم أستطع لم أستطع.. فهذا أرث ليال متطوالة من الألم..
+
أصبح أكثر ما أخشاه أنه سيأتي يوم ويمل مني.. أنا مللت من نفسي.. لا أعلم كيف مازال يحتملني..
+
وما أخشاه أكثر أن يكون قد ملَّ مني فعلا.. ولكنه صابر علي لإحساسه بالمسئولية تجاهي وتجاه أسرتي!!
+
فأنالم أعد أتخيل للحياة معنى ولا نكهة بدون عبدالله ووجوده..
+
ولو تركني.. لا أعلم ما الذي سيحدث لي.. قد أموت!!
+
وهذا القلق بدأ يتصاعد في روحي من عدة أشهر.. أخشى بالفعل أن يتركني..
+
أريده أن يبقى بجواري.. وأريد أطفالا آخرين منه..
+
يشبهونه كما يشبهه حسن.. لا أريدهم أن يشبهوني أنا..
+
ولكن الحمل تأخر.. والغريب أنني أساسا لم أتناول حبوب منع الحمل..
+
فقد كنت أنتظر دورتي الشهرية الأولى بعد زواجي والتي لم تأتِ إلا خلال أيام حادثة عبدالرحمن وعزاء مهاب..
+
نسيت الموضوع تماما في خضم انشغالي بك.. لأكتشف أنه ثلاثة أشهر مرت بعد حادثك وأنا لا أتناول مانعا ولم أحمل..
+
حينها أصبت بما يشبه الجنون.. أريد أن أحمل.. أريد طفلا آخر يربطه بي.. ويمنعه من تركي!!..
+
ولم يخيب الله رجائي ودعائي..
+
أنا حامل ياعبدالرحمن.. حامل.. أنا الآن في الشهر الثاني..
+
ومازلت لم أخبر أحدا.. بودي أن أخبر عبدالله..
1
ولكن لا أعلم هل الوقت مناسب أو لا؟؟
+
أو ربما كان الحاجز الذي بنيته حول نفسي هو مايمنعني!!
+
*****************************************
1
ست أشهر مضت على تحولها..
+
لا أعلم هل أحمد الله على الهدوء الذي نعيش فيه..
+
أم أشتاق لأيام جنونها وتناثر حممها!!
+
مطلقا لم تعد لصفعي بموال كراهيتها بعد ماحدث لشقيقها وانشغالها الدائم به!!
+
ويكون بودي أن أسألها كل يوم:
+
إن كنتِ لا تكرهينني فلماذا لا تقولين أنكِ تحبينني مادمت أصدح بمشاعري لكِ ليلا ونهارا؟؟..
+
وهاهي ساكنة.. رقيقة.. غاية في العذوبة.. وغاية في البرود والجمود!!
+
الغريب أنه كلما زدت أنا ولعا بها.. كلما شعرت أنها تزداد جمودا!!
+
ما أخشاه أن جمودها ماهو إلا كراهيتها بدأت تتحول لكراهية أعمق تكتمها في داخلها..
+
حبي لها يتزايد بصورة غريبة مضاعفة.. ماعدت أعترض.. فهذا ماكتبه لي رب العالمين!!
+
ولكن جمودها يقتلني!! شيء في روحي يذوي كلما رأيتها تصفع لهفتي بالجمود..
+
مشروع إكمالها لدراستها تأجل عن غير رغبتي!!
+
أتمنى أن تكمل دراستها لأني حينها سأشعر أنني أصلحت كل أخطائي..
+
وربما ينهار حينها كل مايبعدها عني!!
+
ومازلت مصرا أن تكمل.. ولكن مع حالة عبدالرحمن الفكرة بأكملها مؤجلة حتى يمن الله عليه بالشفاء..
+
حتى الحمل.. لم أطلب منها أن تترك المانع.. لأني لا أريد اجبارها على الحمل في ظروفها الحالية..
+
وبقدر ما أتمنى طفل آخر منها.. أكون معها في حمله يوم بيوم..
+
بقدر ما أنا قلق ألا نكون مع حالتنا غير الطبيعية أهل لهذا الأمر..!!
+
**********************************
+
**********************************
+
ستة أشهر مضت..
+
خلال هذه الأشهر الستة اختلطت السعادة بالحزن في أقصى معاني كل منهما..
+
سعيد أنا بل في غاية السعادة لانصلاح الوضع بيني مزون.. وعلاقتنا الفريدة تعود لسابق عهدها..
+
بل أقوى مما كانت..
+
لأن التجربة القاسية التي مررنا بها.. صقلت هذه العلاقة وعمقتها!!
+
أما أيام الحزن فهي ماكانت قبل ستة أشهر تماما وماتلتها من أيام..
+
كأن ماحدث حدث بالأمس فقط..
+
حين تلقيت اتصالا من ثرثار ما..
+
"سيارة نسيبك توها سوت حادث قدامي
+
الحق على الرجّال.. الحادث شين والدعمة من صوب بابه.. يمكن إنه يودع الحين"
+
ربما هو قدر الله عز وجل لي أن أكون من يواجه المصائب في لحظتها الأولى..
+
فقد كنت قريبا من موقع الحادث أعاين أحد مشروعاتي..
+
حين وصلت كانوا يخرجونهم من السيارة..
+
حين رأيت السيارة.. أصبت بما يشبه الجنون وأنا أحاول الوصول لامهاب..
+
علمت أن من كان يقود يستحيل أن يعيش.. فالاصطدام كان بالكامل من ناحيته..
+
أردت فقط أن ألقنه الشهادة.. ولكن المسعفين صدموني أن من كاد يقود كان أسلم روحه فور الاصطدام..
+
لأتفاجأ بالصوت الجزع الخائف المكسور الذي أعرفه جيدا يصرخ بجزع مؤلم:
+
العيال وينهم.. يا امهاب.. ياعبدالرحمن.. وينكم؟؟
+
امهاب طيب؟؟ يا امهاب؟؟ وينك يأبيك؟؟
+
كان يقف بين رجلي شرطة يريدون أن يقودوه لسيارة الأسعاف الثانية.. حتى يتأكدوا فقط من عدم وجود ارتجاج مخ فقط..
+
لأنه لم يصب حتى بخدش واحد..
+
اتصلت بعلي ليلحق بي.. وحتى يبق هناك حتى أوصّل الجد وأعود له..
+
وتبعتهم للمستشفى وبقيت معه حتى أعدته معي لبيتي.. ليس على لسانه سوى سؤال واحد..
+
"امهاب طيب؟؟ امهاب وينه؟؟"
+
لم أستطع أن أجيبه بشيء..وسؤاله يخنقني..أن ترى انكسار سنوات عمره الجليلة وهو يسأل كطفل مذعور!!
+
أحضرته لوالدي في المجلس.. ليتولى هو مسئوليته..
+
وتبقت أمامي المهمة الصعبة..
+
إبلاغ "كاسرة " ... لم أتخيل أن المهمة ستكون صعبة ومؤلمة حتى رأيتها تقف أمامي..!!
+
كانت تذهب وتعود وهاتفها بيدها.. تنتظر اتصالا من والدتها يبلغها عن سبب تأخر جدها وشقيقها..
+
حين رأتني وقفت وسكنت.. لدرجة أنني شككت أنها توقفت عن تنفس الهواء..
+
كنت أنظر لها وأهمس ماذا ستفعل هذه القوة في خضم الحزن؟؟
+
وكيف تعرف هاتان العينان الدموع؟؟
+
همست بصوت مبحوح وكأنها تسبر خفاياي: جدي لا.. جدي لا.. جدي لا..
+
همست لها بسكون: جدش طيب..
+
حينها جلست وهي تضع يدها على رأسها.. وتهمس وهي تتنتفس بعد الاختناق:
+
الحمدلله يارب..
+
ولكنها عادت لتقفز وتختنق من جديد: وجهك فيه حكي من يوم دخلت..
+
تميم فيه شيء؟؟
+
لا أعلم لِـمَ استبعدته هو بالذات؟؟ هل كانت تحميه حتى من مجرد الخيالات؟؟
+
لم أكن أريد إيذاءها ولكنها يجب تكون مع أسرتها الآن وهم يتلقون الخبر
+
همست بذات السكون: امهاب يطلبش البيحة..
1
لا أعلم ما الذي حدث لها.. كما لو أن أحدهم سحب لون وجهها وإشراقته فجأة..
+
و وجهها يتحول لشحوب أشبه بشحوب الموتى..
+
لم تبكِ.. لم تصرخ.. لم تندب..
+
كل ماقالته بنبرة ميتة: ودني لأمي الحين....
+
كانت مزون تخبرني حينها.. أنها تخشى على كاسرة.. لأنها لم تر دمعة واحدة لها طوال أيام العزاء..
+
بينما كانت شقيقتها تبكي بهستيرية.. وأمها تبكي بسكون..
+
ولكن مالا تعلمه مزون.. أن كاسرة بكت طويلا وكثيرا..
+
ليال كثيرة ماعدت أعرف عددها.. كانت تبكي على صدري حتى أشعر أن صدري غرق من غزارة دموعها..
+
وأنه احترق من لهيبها!!
+
في الليلة الأولى حاولت أن تهرب عني بدموعها.. كانت تبكي في خفية عني..
+
ولكني اقتحمت خلوتها..
+
بكاءها مؤلم خافت أشبه بالأنين.. بل كانت تئن فعلا.. كما لو أنها تنزف دمها مع دموعها..
+
لم أسمح لها بالهروب.. ربما أكون حاصرتها..
+
وأنا أشدها رغما عنها لاحتضنها وأسكن نشيجها...
+
كما فعلتُ في كل ليلة بعدها..
+
**************************************
+
ستة أشهر مضت..
+
وماعاد شيء كما كان..
+
حياتنا كلها تغيرت من بعدك..
+
يا الله ما أقسى مرارة بعدك.. والأقسى كان كتماني لمقدار وجعي..
+
طوال أيام العزاء كنت أتماسك..
+
أحاول أن أكون صمام الأمان..
+
كنت أعلم أن والدتي تنتظر انفجاري لتنفجر.. كما كانت وضحى تنتظر انفجار والدتي لتنفجر هي بدورها..
+
بينما أن كان صمام أماني هو جدي..
+
لو أني رأيت دمعة واحدة تخر من عينيه.. لا أعلم ما الذي كان من الممكن أن يحدث لي..
+
ورغم محاولات التماسك في العزاء وأمام والدتي..
+
إلا أنني بعيد عنها.. بكيت.. بكيت كثيرا.. بكيت كأن هذا الوجع مخزن في روحي منذ دهور!!
+
كساب رفض قطعيا أن أبات في الأيام التي تلت رحيل امهاب بعيد عنه..
+
لا أعلم هل كان يخشى من انهياري بعيدا عنه..
+
أم كان يريد أن يكون شاهدا على هذا الانهيار؟؟
+
حاولت كثيرا اقناعه أنني لابد أن أبات عند والدتي.. ولكنه رفض قائلا سأخذك الساعة الواحدة ليلا وأعيدك الساعة السادسة..
+
وفعلا كنت لا أغادر حتى أتأكد أن أمي ووضحى في فراشهما الذي بات فراش مشترك للألم...
+
وأعود لهم في وقت مبكر.. وأحيانا بعد صلاة الفجر مباشرة..
+
في أول ليلة حين تأكدت أنه كسابا نام.. اعتزلت في غرفة الجلوس..
+
كرهت أن يرى دموعي.. وربما خجلت أن أطلب مؤازرة لم أقدم له مثلها..
+
أطلقت العنان لدموعي التي كنت أشعر بها طوال اليوم كسكاكين على أعتاب عيني تمزقها لأنها تريد طريقا للنزول..
+
لأتفاجأ به يوقفني ويشدني إلى حضنه.. حينها انهرت.. تماما كما أراد أن يراني!!
+
بكيت وبكيت وبكيت وانتحبت وأفرغت كل طاقة الدموع عندي..
+
كما كنت أفعل كل ليلة وأنا أبكي على صدره حتى أنام وهو يهدهدني كطفلة!!
+
والغريب أنني كنت أصحو من النوم جزعة.. تخنقني الكوابيس..
+
لأجده مازال على نفس الوضعية الصعبة من الجلوس ومتيقظا.. كما لو كان يحرس حزني!!
+
يا الله يا مهاب.. أ كان يجب أن ترحل حتى تعلم مقدار غلاك!!
+
ليتك تعلم كم يأكلني الندم كل كل لحظة مرت عارضتك فيها..
+
على كل مرة وقفت في وجهك..!!
+
على كل مرة ضايقتك بعنادي..!!
+
لو كنت أعلم فقط أن بقائك معنا قصير هكذا..أقسم أنني لم أكن أضايقك بشيء..!
+
والإحساس الغريب الذي أشعر به.. أن مادام مهاب رحل دون أريحه بمهادتني!!
+
فليس هناك من يستحق بعده!!!
+
إن كان مهاب لم يحضَ بهذه المهادنة.. فلن يحضى بها غيره..
+
وخصوصا أن غيره لم يسع مطلقا لهذه المهادنة..
+
مازال غريبا غامضا كأول يوم عرفته فيه!!
+
مازالت العلاقة بيني وبين كساب كما هي.. مد وجزر!!
+
بينما كل شيء آخر في حياتي تغير..
+
أسرتي بكاملها انتقلت جواري.. وطلبت من كساب أن يفتح بابا بيني وبينهم يكون مفتاحه معي.. ففعل ذلك..
+
من الأمور التي أنا عاجزة عن شكر كساب عنها هو أنه حينما رأى ضيقي من حال أمي المتردي.. وعلم ببحث تميم عن بيت للايجار..
+
لأنه يريد بيع بيتنا.. وبناء بيت جديد على أرض اشتراها مؤخرا..
+
فعرض كساب على تميم بيته.. ولكن تميم رفض إلا أن يأخذ كساب الإيجار..
+
كساب وافق.. وقال له أعطني الإيجار الذي كنت ستعطيه لأي بيت آخر..
+
ولكن مالا يعلمه تميم.. أن المبلغ الذي يدخل لحساب كساب يتم تحويله لحسابي
+
لأن كسابا أساسا كان قد حلف ألا يأخذ شيئا..
1
وها أنا أعيد تحويل المبلغ ولكن بزيادة عليه إلى والدتي.. حتى لا تعلم أنه هو ذاته مبلغ الإيجار فيغضبون جميعا..
3
تسألني أمي دائما.. ماذا سأفعل بكل هذا المال؟؟..
+
فأقول لها أنا أعمل.. وكساب لا يقصر علي مطلقا..
+
وهذه حقيقة فعلا..
+
كساب من الناحية المادية لم أرَ أكرم منه!!
+
ولكن من الناحية العاطفية أعجز عن التحديد وتتساقط المسميات..
+
حينا غاية في الكرم..
+
وحينا آخر غاية في البخل!!
+
لا تمر ليلة واحدة لا نتعارك أو نختلف في الرأي أو نحتد..
+
ولكن يستحيل أن أنام أو يتركني هو أنام بعيدا عن حضنه..
+
من أطراف الحديث التي أسمعها من خالته عفراء.. شبه كبير بينه وبين عمه..
+
ولكن كما علمت من مزون وليس من عفرا فعمه.. كان عاشق متيم لا يتوانى عن التصريح بحبه لها..
+
لا أتخيل أن كساب قد يقول لي في يوم من الأيام أنه يحبني..
+
ربما أصاب بسكتة قلبية حينها من الصدمة!!
+
من أسوأ ماعانيته خلال الأشهر الماضية.. سفرات كساب المتعددة..
+
يسافر على الأقل مرة كل شهر.. وتمتد السفرة بين يومين لعشرة أيام..
+
حينها أشعر كما لو أنني مصابة بعدم التوازن.. الإحساس الذي لا يظهر لأحد ولا حتى له هو..
+
فربما نسيت.. أو تناسيت أني متيمة بهذا الكساب الغبي!!
+
لم أستغرق وقتا طويلا بعد زواجنا لأعرف كم أصبحت أحبه!!
+
يبدو كما لو كان طبخني على نار هادئة.. واستمتع هو كثيرا بهذا..
+
وفي الوقت الذي كان فيه هو طباخ ماهر.. وجعل مشاعري تنضج له كما أراد..
+
كنت أنا طباخة فاشلة.. لأني مازلت حتى الآن عاجزة عن مجرد إشعال النار تحت القدر.. فكيف بإنضاجها؟؟
+
مر على زواجي سبعة أشهر..
+
وأقصى ما أتمنى الآن هو طفل!!
+
لأني أعلم أن حياتي مع كساب سيأتي لها لحظة ما وتتوقف عند نقطة معينة..
+
لا أريد طفلا لأجبر كساب على يرتبط بي..
+
فأنا يستحيل أن أفكر هكذا..
+
وحتى لو فكرت فأنا أعلم أن كسابا لو أراد تركي.. فلن يربطه بي ولا حتى عشرة أطفال!!
+
أريد جزءا من روح كساب تبقى معي حين يتركني.. لذلك أريد طفلا منه..
+
كل شهر يمر تزداد لهفتي لهذا الطفل.. وكل شهر يمر يخيب ظني..
+
ومالم أخبر به أحد أني أجريت الفحوص لأتأكد من حالتي..
+
وقلت لكساب أني ذاهبة مع فاطمة لأنها هي من تريد إجراء فحوص..
+
وهأنا أنتظر النتائج بقلق !!
2
**********************************
+
**********************************
+
ستة أشهر مرت على ليلة زفافي..
+
ستة أشهر مرت على صفعته لي..
+
يا الله كم يبدو ذلك الزمن بعيدا..!!
+
وكأن تلك الليلة كانت بوابة ولوجي لحياة جديدة..
+
عدنا في الليلة التالية مباشرة حين علمنا بالخبر..
+
ويا الله ما كان أقسى تلك الأيام..!!
+
ومرارة الفقد تحول كل شيء عداها إلى شيء تافه حقير..
+
صفعة تميم لي وحتى شكوكه ماعاد لهم قيمة أمام كم الحزن الذي اخترقني وأنا أرى وضحى في انهيارها..
+
وأمي مزنة في تماسكها الهش.. وحتى كاسرة في صمودها الموجع..
+
والجد في حزنه الصامت العميق!!
+
وحتى تميم في انهياره الضائع..
+
حين أتذكر الحالة الهستيرية والقهر المرعب بل حالة الجنون التي أصابتني حين أخبرتني وضحى بشكوك تميم..
+
أجدها تبخرت أمام حزن تلك الأيام!!
+
ماعدت أستطيع أن أفكر دقيقة بنفسي وأنا أركض من مكان لآخر ونقابي على وجهي لأخفي آثار مابوجهي..
+
والجميع يظنه خجل عروس ماعاد يوجد مثله!!
+
كنت أقول سأبقى معهم حتى تمضي بهم سفينة الحياة قليلا..
+
فلا يمكن أن أكون قليلة الأصل وأتركهم وهم على هذه الحال..
+
ولكن الأشهر مرت ومازلت هنا.. وأنا أتولى مسئولية البيت كما هو مفترض من زوجة صاحب البيت..
+
والغريب أنني أبقى من أجل أمي مزنة فقط..
+
أصبحت أسعد لحظاتي حين أرسم ابتسامة على وجهها.. أو حين تنهرني بحنان "بس يا الخبلة!!"
+
من أجلها مستعدة أن أرتكب كل الحماقات.. وأروي كل النكت السخيفة حتى أرى واحدة من ابتساماتها المتباعدة!!
+
كنت أحبها منذ أيام صداقتي مع وضحى.. ولكن كانت محبتي لها كمحبة أم صديقتي اللطيفة بدون تمييز..
+
لكن حين سكنت معها وعرفتها... شيء عميق ربط بيننا..
+
باالتأكيد أحب أمي بجنون.. ولا أحد يشارك أمي مكانتها..
+
ولكن أمي هي الأم كما نعرفها جميعا.. حنونة.. متفانية.. بذلت كل جهدها لتربيتنا أفضل تربية !!
+
ولكن مزنة شيء مختلف.. مختلف.. شيء تريد التعلم منه والتماهي به
+
مزنة مقاتلة حقيقية..
+
واكتشفت أنها أورثت أبنائها كلهم ذات الروح المقاتلة..
+
حتى وضحى التي كنت أظنها لينة مهادنة.. هأنا أكتشفها من جديد في الحياة العملية..
+
لا يستطيع أحد أن يدوس لها على طرف.. أو أن يقلل من قدرها.. أو حتى يسيء إلى أحد من طلابها..
+
حينها من فعل ذلك سيندم على أنه تجرأ على مجرد التفكير بذلك..
+
العمل هناك متعة حقيقية.. وأنا أكتشف عالما جديدا كان مجهولا بالنسبة لي..
+
فرغم اهتمامي الغبي بتميم لكني لم أفكر مطلقا بتعلم إشارة واحدة..
+
لأني كان لدي حلم أكثر غباء أنه هو من سيعلمني لغته.. إشارة إشارة..
1
رسمت أحلاما ساذجة لليالي طويلة نقضيها سويا.. وهو يعلمني الإشارة ويكتب لي معناها..
+
ولكن الآن رغم أني أصبحت أعرف الكثير من لغة الإشارة وتعلمتها بصورة سريعة أثارت العجب..
+
إلا أنني يستحيل أن أشير بإشارة واحدة لتميم.. فذكرى إشارتي الاولى له لا أستطيع إزالتها من عقلي..
+
حتى وإن كنت ماعدت أحقد عليه بسببها.. ولكن ألم كهذا يصعب نسيانه!! يصعب نسيانه بالفعل!!
+
بيني وبين تميم لا يوجد شيء إطلاقا.. لا تواصل حميم بيننا كزوجين ولا بأي طريقة..
+
و الغضب... ماعدت غاضبة منه..
+
فمرارة الحزن طهرتني تماما.. فتميم كاد يموت من شدة الحزن لفراق أخيه..
+
وما رأيته فيه من الحزن والقهر جعلني أشفق عليه..
+
ولكن ليس إلى درجة إحياء مشاعري البريئة التي كانت له..
+
فهذه المشاعر ماتت واندثرت..
+
هانحن.. أنا وهو نتشاطر جناحا.. وأنا أهتم بكل مايخصه وترتيبه كزوج يفترض علي القيام بواجباته.. لكن عدا ذلك لا شيء بيننا..
+
أعلم أن أسرته تلاحظ ذلك.. فوضحى تعرف الحقيقة.. وأمي مزنة ليست غبية لتعلم أن هناك أمرا ليس طبيعيا..
+
والغريب أنه لا مانع لدي من المضي في هذه الحياة..
+
ماذا أفعل؟؟
+
أطلب الطلاق لأعود لأسرتي.. ثم ماذا؟؟
+
يجبر عمي خالد فهدا أو حتى هزاعا على الزواج بي ؟!!
+
أعلم تماما أن هذا ماسيحدث..
+
حالي هكذا أفضل بكثير... أعيش حياة استقلالية مع أسرة أحبها كثيرا.. أعني وضحى وأمي مزنة..
+
بل حتى تميم لو أراد أن نبني حياة زوجية كاملة معا فلن أمانع.. ولن أمنعه شيئا هو من حقه..
+
فلسنا أول زوجين ينشئان أسرة ولا وجود لأي حب بينهما..
+
وأنا أعلم أنه سيكون والدا جيدا.. فهو حنون ومتحمل للمسئولية من الطراز الأول..
+
وهذه صفات الوالد المفترض!!
+
ولكن تميما متنازل عن هذا الحق.. فربما يخشى أن يُصدم أنه ليس الرجل الأول كما يظن بي فتنهار مشاعره الهشة الرقيقة..
1
حتى أفكاره المريضة ماعادت تهمني..
+
ليفكر كيف مايشاء..
+
فأنا أصبحت أؤمن بالمقولة التي تقول "واثق الخطوة يمشي ملكا" مثل أمي مزنة تماما!!
+
*********************************
+
ستة أشهر مضت..
+
ستة أشهر مضت وأنا أشعر كما لو أن روحي شُطرت.. وجسدي شُطر
+
وكيف لا أكون من بعد "عضيدي" ؟!!
+
أصبحت أعرف الآن ألم من لا أخ له.. وإحساسه بالوحدة دون سند أو عضيد..
+
أصبحت أفهم جيدا المثل الموجع القائل : يد واحدة لا تصفق..
+
سابقا لأني أعلم أنه في البيت لم أكن أقلق على أمي وشقيقاتي إلا حين يسافر..
+
لكن أنا الآن في حالة قلق دائم..
+
رجل وحيد في بيت من النساء.. وأنا أوزع جهدي بين بيتي وبيت عمتي التي لها من قلقي نصيب وافر..
+
مرهق على الدوام.. ومشغول بعشرات الأشياء.. بين عملي وأسرتي وبناء بيتي!!
+
ولكن مايرهقني أكثر من كل الأشياء.... هــــي..
+
ســــمـــيــــرة..
+
حين أدخل للبيت أعلم اني سأجدها تضحك.. أو ربما تقفز على المقاعد..
+
أو تثرثر على أمي حتى تطردها أمي..
+
ولكني أعلم أيضا أنها فور رؤيتها لي ستنطفئ ابتسامتها المشرقة..
+
وتنزل عن المقاعد.. وتتوقف عن الثرثرة..
+
كما لو أنني جالب للكآبة من الطراز الأول!!
+
لا ألومها..فأنا حين أتذكر مافعلته بها.. أجدني عاجزا عن مسامحة نفسي..
+
فكيف تسامحني هي وأنا حتى لم أطلب السماح..
+
وكيف أجرؤ على طلب السماح؟؟
+
كما لو أنك تقتل إنسانا ثم تقول له أنا آسف.. سامحني..
+
كنت أتوقع أنها بعد مرور شهر أو شهرين على الأكثر ستطلب الطلاق
+
وكنت مستعدا لذلك..
+
ولكن الأشهر مرت.. وارتباطها بالبيت يتزايد.. وارتباط من في البيت بها..
+
وأنا على رأسهم..!!
+
لم أعد أستطيع تخيل بيتنا من غيرها..
+
فهي من تجعل أمي تبتسم..
+
وهي من تشعرني أن كل همومي تتضاءل حين أراها
1
وأنا أعلم عمق الجرح الذي تحمله في روحها ومع ذلك تبتسم!! وإن لم تكن الإبتسامة لي..
+
لو حدث وابتسمت لي يوما.. سأسجل ذلك التاريخ ضمن أهم التواريخ في حياتي..
+
مع تاريخ ميلادي ربما!!
+
فابتسامتها ستكون ميلادي الجديد الذي انتظره بشغف وقلق..
+
قلق لأني أعيش في رعب أنها سيأتي يوم تقرر فيه تركي.. وقبل أن تبتسم لي!!
+
أريدها أن تبقى في حياتي بأي صورة هي تريدها..
2
أنا حتى لم أجرؤ على تكدير طهرها بقبلة خوفا أن تتخذها عذرا لتهرب مني..
+
طهرها الذي ماعدت أشك فيه مطلقا.. بل أراهن عليه بحياتي!!
+
لو أن وضحى فقط لم تتدخل بيننا.. لا بإشارتها السخيفة.. ولا بإفشاء شكوكي بعد ذلك..
2
كنت لأعلم بعد العشرة أي مخلوقة طاهرة هي.. فمن يعرفها ويعيش معها يستحيل أن يتطرق إلى ظنه أي شك بها!!
+
ولكن مابت أشك فيه.. أنها أصبحت خبيثة بل مجرمة خبيثة!!
+
وإلا فما معنى تباسطها في اللباس أمامي في الأونة الأخيرة..؟؟
+
بعد أن كانت طول الأشهر الأولى بالكاد أرى اطراف أصابعها وهي في بيجامات طويلة واسعة..
+
لا أعلم هل تتصرف بعفوية لأنها اعتادت عليّ وعلى وجودي.. أم أنها تتصرف بخبث مقصود أو غير مقصود؟؟
+
الآن أصبحت العودة المسائية للبيت بمثابة الاستعداد لليلة جديدة من التعذيب
+
رغم أن كل ماترتديه هو محض بيجامات تشبهها فعلا بشقاوتها وحيوية ألوانها وقصاتها..
+
بعيدا عن تلك البيجامات الكئيبة التي انا أشتاق لأيامها الهادئة..
+
مع أنني حتى في كنت في تلك الأيام أحترق وأتصبر..
+
ولكني الآن أترمد... أترمد وأخشى أنه ماعاد للصبر عندي مدى طويل!!
1
أما أغرب مايحدث بيننا.. أنها ترفض أن تستجيب لإشاراتي مع أني أعلم أنها أصبحت تفهم لغة الإشارة بشكل ممتاز وتشير بشكل جيد..
+
بل تصر أن نتواصل عن طريق الكتابة !!
+
وهذا التواصل اساسا هو في حدوده الدنيا..
+
" أين ساعتي الفلانية؟؟
+
أين وضعتِ أوراق عملي التي أحضرتها بالأمس؟؟"
+
وهكذا...
+
لا أعلم ماذا تقصد من ذلك..
+
ربما هي رسالة أنها لن تتواصل معي بطريقتي.. لأنها لا تريد صاحب الطريقة بل تنتظر الفرصة للتخلص منه!!
1
*******************************
+
********************************
+
هأنا أكاد أدخل شهري التاسع..
+
وأخيرا.. يا الله هونها علي!!
+
مضت علي أشهر الحمل الماضية ثقيلة طويلة..
+
فحملي كان غير مستقر.. والأطباء منعوني من الحركة..
+
لذا حتى عملي الذي تخاصمت مع منصور من أجله لم أستطع أن أذهب إليه وأنا أقدم على إجازة طبية مشفوعة بالتقارير..
+
وكأن منصور يهتم؟!!..
+
أشك في أحيان كثيرة أن منصورا نَسيني!! رغم أنه عن بالي لا يغيب مطلقا!!
+
لم يحاول مطلقا مصالحتي حتى بعد انتهاء أيام وحمي المريعة.. وحاجتي له مع حالتي الصحية المتدهورة..
+
لم يكلمني ولو لمرة واحدة ليسأل عن حالي..
1
أعلم أنه يكلم الجميع حتى جميلة ولكن أنا لا..
+
بل أنه ذهب لزيارة جميلة ست مرات خلال الأشهر الماضية.. مرة كل شهر.. وكأنه يريد أن يغيظني لأني عاجزة عن السفر..
1
والغريب أن جميلة باتت مفتونة به تماما.. ولا يغيب عمها منصور عن لسانها لدقيقة واحدة طوال مكالمتي لها..
+
هذا ماكان ينقصني.. أن تقف ابنتي في صفه!!
+
بل هي الآن أصابتني بالجنون لكثرة ما تتهمني أنني من أخطأت في حق عمها العزيز منصور وأني من يجب أن أعود له..
+
لأنها تريد ان ترانا سوية حين تعود للدوحة...
+
ماذا أقول لها؟؟
+
أ أقول أنه لم يبذل أي محاولة لنكون سويا؟؟
+
رغم أني تعبت وأنا أنتظر تذكره لي!!
+
يبدو أنها حين تعود للدوحة ستضطر لرؤيتنا كلا على حدة..
+
يا الله لا أتخيل أنني سأراها أخيرا.. أكاد أموت شوقا لها..
+
مضت ثمانية أشهر منذ آخر مرة رأيتها..
+
أشعر أن الأيام القليلة المتبقية على عودتها لا تريد أن تمضي أبدا..
+
أريد أن أراها.. أخبرتني أنها استعادت وزنها بالكامل..
+
كنت أريد أن أراها عبر كاميرا الحاسوب ولكنها رفضت..
+
قالت أنها تريد مفاجئتنا...
+
وكم طال اشتياقي لهذه المفاجأة!!
+
*******************************
+
هذه الليلة أنا غاضب..
+
غاضب من الجميع.. من زايد ومن علي ومن مزون ومن جميلة..
+
كلهم كانوا يعلمون بحال عفرا الصحي السيء ومع ذلك لم يخبرني أحد..
+
كلما سألتهم عنها أجابوني باللباقة المقيتة "على خير حال!!"
+
وأما من كنت أتحاشى سؤاله.. فهو من أخبرني بالحقيقة..
+
طوال الأشهر الماضية لم أسأل كساب عن حال خالته.. كنت أسال الجميع إلا هو..
+
لأنني أعلم إن سألته.. سيجدها فرصة ليسمني بكلامه الملغوم وفي النهاية لن أخرج بفائدة.. فلماذا أسأله أساسا...
+
لكن الليلة لم أجد سواه في المجلس..
+
ولم أطق صبرا ألا أسال..
+
لينظر لي بطريقته التي أكرهها لأنه تشبه طريقتي الباردة المتكبرة:
+
مهتم يعني ياعمي؟؟ بصراحة ماقصرت!!
+
أجبته بغضب: أنت بتحكي مثل الأوادم وإلا ليتتك كف على وجهك أعلمك السنع..
+
أجابني ببرود ساخر: لا كف ولا شيء.. وليش الخساير.. كلها كلمة ورد غطاها..
+
خالتي تعبانة واجد مثل ماكانت طول الشهور الماضية.. وأنت زايدها عليها باهتمامك الواضح فيها!!
+
حينها قفزت وأنا أصرخ بغضب أشد: أشلون تعبانة واجد على قولتك وأنا كل يوم مافيه حد ماسألته..
+
وكلهم يقولون إنها طيبة..
+
نظر لي بنصف عين : مافيه حد ماسألته عنها ؟!!
+
وأنا يا ترا كنت من ضمنهم؟؟ أو أنت سألتني أنا عنها؟؟
+
أنا ماني بمسؤول عن اللي هم قالوه لك..
+
حينها لكزته في كتفه بغضب: أنت أكيد تكذب علي.. مستحيل كلهم يكذبون وأنت الصادق..
+
حينها اعتدل وهو يهتف بغضب مشابه لغضبي:
+
أنا ماقلت إلا الصدق.. وأنت صدق اللي تبي..
+
خالتي حملها كان غير مستقر.. وممنوعة من الحركة بعد..
+
يعني لو خالتي طيبة على قولتك.. وش لدّها تروح لبنتها وهي كبدها تقطع عليها؟؟
+
وش لدّها ماتروح لشغلها؟؟
+
حينها صمتت.. كانت هذه الأسئلة تدور برأسي..
+
وجرحني لأبعد معرفتي أنها لم تذهب لمدرستها.. وأنا أقول:
+
كانت المدرسة مجرد عذر اخترعته للهرب مني!!
+
سعيدة بتركي بينما أنا أموت في اليوم ألف مرة بعيدا عنها..!!
+
أما عدم سفرها لجميلة.. فجميلة قالت لي أنها حلفت عليها ألا تحضر من أجل حملها..
+
ولم أتخيل أن هناك تفسيرا آخر..عدا مصاعب الحمل العادية!!
+
انتفضت بغضب عارم وانا أصرخ في كساب:
+
قوم ادع لي خالتك تجيني في مجلس الحريم الحين...
+
*********************************
+
مضت ثمانية أشهر بالتمام والكمال..
+
وسنعود للدوحة قريبا جدا..
+
يا الله اشتقت لكل شيء.. والدي.. أشقائي..مع أنهم زاروني قبل فترة.. ولكن لم تُشبع الزيارة القصيرة شوقي لهم..
+
مشتاق للتدريس.. وطلابي..
+
وابن شقيقي .. فقد أصبح عندي ابن شقيق مازلت لم أراه..
+
فزوجة جاسم أنجبت ولدا قبل عدة أشهر..
+
لا أتخيل أنني قد أصبحت عما.. تقتلني اللهفة لآراه..
+
سيكون مولودي الأول بنت إن شاء الله حتى أزوجها له..
+
فيبدو أنني تأثرت بطبائع البدو!!
+
ولكن ما أنا مشتاق له إلى درجة تتجاوز كل حدود الشوق ومسمياته..
+
المخلوقة التي كانت معي طوال الأشهر الثمانية..
+
جميلة ذاتها !!
+
فلأني خرجت معها مرافقا من الدوحة.. فيبدو أنها لم تستطع تجاوز هذه الفكرة..
+
وهأنا أحترق للعودة للدوحة حتى نبدأ بفكرة أخرى.. وتقتنع أني لست مرافق فقط ولكن زوج أيضا..
+
قررت أن أقيم لها حفل زفاف كبير.. فهي تستحق أن تشعر بإحساس العروس الذي سُلب منها..
+
ولكني أترك هذه الفكرة كمفاجأة لها حتى نعود الدوحة..
+
مع بدء تحسنها.. وتغير نظرتي لها.. وشعوري بقلقها من ذلك إلى درجة التهرب مني.. أقنعت نفسي كما لو أننا في فترة خطوبة..
+
أليس هذا ماكان سيحدث لو أني خطبت؟؟
+
كنت سأخرج مع خطيبتي وأراها وأجلس معها ونتكلم.. ودون أن يحدث شيئا بيننا حتى يحين موعد الزفاف..
+
أقنعت نفسي بذلك حتى أستطيع الصبر..
+
ولكن الصبر في حالة جميلة كان جارحا وقاسيا لأبعد حد..
+
علمت أنها جميلة كما هو اسمها منذ بدأت تتحسن وتبرز تفاصيل وجهها الجاف..
+
ولكن اكتمال الصورة كان شيئا يفوق الخيال..
+
لم أتخيلها مطلقا بكل هذا الجمال.. والأجمل هو روحها الشفافة كروح طفلة..
+
شيء عذب يأسرك دون أن تشعر..
+
أستغرب أن من كان لها كل هذا الجمال.. والعود الريان النابض بالحياة.. تضحي بهما لأنها تريد أن تكون رشيقة..
+
وأما ماعذبني أكثر وأكثر.. أن هذه الصورة الموجعة الموغلة في الحسن والبهاء
+
كانت تكتمل رويدا رويدا أمام ناظري.. وأنا أنضج كذلك رويدا رويدا..
+
كما لو أنك زرعت لك بذرة جافة لا معالم للحياة فيها..
+
ثم أخذت تراقب كيف بدأت الحياة تدب فيها شيئا فشيئا..
+
حتى أصبحت برعما صغيرا ينمو قليلا قليلا.. ثم أصبحت وردة بالغة الجمال والنضارة..
+
أو فاكهة شديدة الحلاوة ناضجة ممتلئة بالحياة..
+
وأنت محظور عليك حتى مجرد الاقتراب للمسها أو شمها أو حتى تذوق القليل منها..
+
مع أنك من قضيت الليالي الطويلة تعتني بها ولا شيء يشغلك سواها..
+
فكيف يكون حالك؟؟؟
+
لذلك أنا مستعجل بكل لهفة للعودة للدوحة..
+
وهذه الأيام نجهز للعودة.. ومازالت هي ترفض بإصرار أن تذهب معي لشقتي..
+
تقول أنها ستغادر من المصحة للمطار مباشرة..
+
وسنسافر هذه المرة من جنيف قريبا منا..
+
وربما خيرا فعلت حين رفضت الذهاب معي.. فأنا أعلم أنني مع حالتي المأساوية هذه لا يمكن أن أؤتمن..
+
وأنا أريد أن نعود للدوحة لأقيم لها حفل زفاف أولا...
+
*****************************************
+
مضت ثمانية أشهر منذ خرجت من الدوحة وأنا أظن أني أخرج منها ولن أعود لها إلا جثة ربما..
هأنا أعود ممتلئة بالحياة والحماس وبشيء من الضيق أيضا..لأني اعتذرت للفصل الثالث..
كنت أريد أن أعود لأدرس هذا الفصل وخصوصا أنني كنت تقريبا استعدت وزني كاملا..
ولكن الأطباء رفضوا وقالوا أنني لابد أن أخضع لما يشبه جلسات العلاج النفسي مع مراحل العلاج الأخيرة حتى لا تعود لي الحالة مرة أخرى
حاولت إقناعهم أنني شفيت من هذا الجنون.. ولكنهم رفضوا ومعهم خليفة وعمي زايد وعمي منصور..
طلبو أن أتمهل حتى أنهي علاجي بالكامل..
قلت المهم أن أعود قبل ولادة أمي..
يا الله كم أنا مشتاقة لهذا الصغير..!!
لم يبق شيء في أسواق جنيف لم أشتريه له.. رغم أني لا أعلم ما جنسه!!
كما اشتريت كذلك كثيرا لابن شقيق خليفة..
فهو متلهف جدا لرؤيته..
وحين أتذكر خليفة وحالته هذه الأيام.. أشعر بحزن شفاف ينغرز في روحي..
يبدو كما لو كان متلهفا للعودة والتخلص مني..
أشعر بقلق عميق.. لا أعلم كيف ستكون حياتنا معا حين نعود للدوحة..
فهو لم يقل لي شيئا أبدا..
لم أسمعه مثلا يقول أنه طلب إعداد غرفة لنا في بيت أهله.. أو سكن مستقل..
لم أسمعه مطلقا يتحدث عن أي مخططات مشتركة لنا حين نعود..
كل ما يتحدث عنه هو التجهيزات للعودة..
وكأن كل ما بيننا سينتهي على أعتاب الطائرة التي ستنزلنا في الدوحة..
لا أريد أن أجبر خليفة على الحياة معي إن كان لا يريد..
فجميله علي سيبقى في عنقي حتى أموت.. فما قام به من أجلي لم تقم به حتى أمي!!
