رواية عشقت من الصعيد الفصل الاربعون 40 والاخير بقلم حنين عماد
عشقت من الصعيد
![]()
الخاتمة
قُلتها سابقاً وحان الوقت لأُكررها .. قد تجبرك الحياة على تقبل واقع لا تتمناه .. قد تموت بداخلك اشياء تحبها لتُبعث من رمادها اشياء اخرى ستعشقها .. قد تضطرك الظروف على تغيير مجرى حياتك لتكتشف فجأة انك على اعتاب حياة جديدة .. قد تُرغم على التواجد بمكان تكرهه لتقع في حبه دون ان تدري .. قُلتُ من قبل يكون الحمل خفيفاً حين يحمله اثنين ويلتئم الجرح سريعاً حين يجد يداً تُداويه .. يرتاح القلب بقرب من تألف الروح لهم وتأنس بوجودهم .. وحلاوة العوض قادرة على ان تُريح القلب من كل وجع زاره .. العوض يهدهد الروح ويمحو كل ذكرى سيئة سكنتها .. وأخيراً قُلت انه قد يقع قلبك بعشق لا يقدر الزمن على نزعه من داخلك .. تبقى ذكرياته مرسخة بداخل روحك تأبى ان تتلاشى .. تأبى ان تغيب .. تأبى تلك الأيام التي عشتها معه ان تطير من عقلك كما يطير الدخان في الهواء ويتلاشى ببطئ .. تأبى ان تنمحي .. فكيف تمحو ايام لها بعمق روحها اثر .. حينها احذر .. احذر ان يقودك عنادك لطرق لا رجعة منها .. احذر ان يتحكم فيك ويجعلك كالعروس الخشبية المربوطة بخيوط عديدة تحركها أصابعه .. احذر .. فإن قراراتك التي تأخذها بدافع العناد وحدك من ستدفع ثمنها .. اعطي فرصة ثانية لقلبك ولمن سكنوه ليلملموا قلبك المكسور ويُجبروه .. عساك تعود لتحس بمعنى الحياة .. عسى ندمهم الصادق يُمحي كل أثر لوجع وحزن زار روحك يوماً .. عسى وجودهم يُعيد شعورك بوجودك .. اطلق العنان لقلبك و بُح بما يسكنه ؛ فقليل البوح يموت غرقاً في صمته .. هن قررن البوح .. هن قررن تسليم قلوبهن لمن امتلكوها .. هن من تملك العشق من قلوبهن فهتفوا انهم عشقوا من الصعيد .. انظروا امامكم .. انظروا جيداً .. هل ترون سرايا المنياوي .. تلك السرايا التي تغيرت كثيراً عما كانت عليه منذ 5 سنوات .. نعم أعزائي 5 سنوات .. 5 سنوات مرت على عائلتنا الحبيبة .. عائلة المنياوي .. مرت بكل ما فيها من فرح وسعادة وضحك وبالتأكيد شابت بعض الأيام بوجود دموع لا يطول وجودها في عيون ساكني تلك السرايا .. فكيف يطول الحزن قلب اي منهم وحوله تلك العائلة المحبة .. تلك العائلة التي عشنا معها وشاركناهم حزنهم وفرحهم .. شاركناهم أدق التفاصيل وحان الوقت لنشاركهم تفاصيل آخر يوم لنا معهم .. هيا بنا نقترب ببطئ نحو ذلك المنزل الذي شهد على حكايات كثيرة .. هنا وُلدت قصص حب ساكني هذا البيت .. هنا رأى سالم المنياوي صالحة لأول مرة ليدق قلبه بين جنبات صدره لتلك التي صلحت اسماً وصفة .. هنا حمل حمزة رحمة الصغيرة بين يديه لأول مرة وسلم قلبه لها لتكون رحمة لقلبه .. وهنا تلاقت عيون معتز ودعاء لأول مرة ليقع قلبه في شباك عشقها وتكون دعاءه لسنوات .. وهنا ولدت قصة حب القاهرية والصعيدي .. قصة الحب التي بدأت بصدام ثم مشاكسات ثم عشق تشعب بالوجدان وامتدت جذوره بالروح والكيان .. عشق جعل ذلك الصعيدي القوي الجامد يهتف بأعلى صوته انه عاشق لتلك التي أسرت قلبه ما ان لمح طيفها الفاتن وجعل تلك القاهرية العنيدة التي لم ترضخ للحب أبداً تصرخ انها عشقت من الصعيد .. شهد هذا المنزل على الكثير وسيشهد على أكثر فمن يعلم ربما تولد بين جدرانه قصص عشق جديدة لقلوب صغيرة تسكنه .. هيا بنا نمر اولاً بحديقة السرايا .. هل ترون تلك الورود الحمراء .. هل لو اخبرتكم ان من زرعها هو زين المنياوي ستصدقون؟ ماذا؟! لن تصدقوا .. انتم أحرار ولكن تلك هي الحقيقة .. تلك الورود زرعتها أيدي ذلك الصعيدي مجاورة لذلك الحوض الكبير من النعناع البلدي ذو الرائحة القوية الذي زرعه سالم المنياوي لحبيبة قلبه التي تعشق الشاي الصباحي الممزوج بعيدان النعناع الطازج .. زرع سالم النعناع وزرع زين الورود ولكل منهم طريقة في التعبير عن حبهم .. فزين قد زرعهم لمن ملكت قلبه؛ فهو قد اعتاد ان يقطف وردة يانعة متفتحة كل صباح ليضعها على سريره مجاورة لتلك التي تسكن قلبه قبل ان يطبع قبلة بسيطة على وجهها الجميل ومن ثم يتحرك ليُوقظ بنفسه عبد الرحمن المنياوي الصغير المُتعلق بوالده كثيراً .. لا تظنوا ان زين وحده هو من يفعل ذلك, فكل عاشق يُهادي محبوبته بما تحبه .. على سبيل المثال منزل حمزة المنياوي أصبح يُحيطه الكثير من ورود الياسمين التي تعشق حبيبته رائحتهم .. وكذلك منزل الراوي فمعتز زرع الريحان والقرنفل البلدي لدعائة التي كانت تعشقهم منذ زمن ولم تخبر أحد بذلك السر ولكن بالطبع لا يُخفى شئ على ذلك العاشق فهو ما ان رآها وهي لم تتعدى 10 سنوات تشم الريحان والقرنفل في الحقول اثناء عودتها من المدرسة حتى ترسخ بعقله تلك الذكرى عن محبوبته وبدأ يعمل ليُعيد لحياتها كل ما تحب .. كل رجل من أبطالنا عاشق مميز ولكن للحق من يمتلكوا قلوبهم يستحقون ذلك .. انظروا معي لداخل مطبخ المنزل .. هل ترون ذلك .. نساء عائلة المنياوي تتحركن بحرية داخل ذلك المطبخ الواسع وكل منهم مشغولة بعمل أكلة يعشقها من يسكن قلبها .. هنا إيمان تصنع طاجن الارز المعمر الذي يعشقه زين والذي أصبحت ماهرة في إعداده .. وهنا تقف دعاء لتصنع الملوخية على الطريقة القاهرية التي تعلمتها من إيمان بعدما علمت من فرح اخت معتز انه أحب تلك الطريقة أثناء وجوده بالقاهرة .. وهنا تقف رحمة لتصنع الارز باللبن الذي يدمنه حمزة من يدها .. وهنا تقف صالحة لتقوم بحشو الحمام بالفريك الذي يحب سالم أكله من يديها .. وأخيراً هنا تقف صفاء التي أصبح أبيها عبد الحميد المنياوي لا يأكل إلا من يدها .. تقف لتصنع له صينية البطاطس بطريقة والدتها التي تُضفي طعم لذيذ لها .. كل منهن تقف وتتفنن في الإبداع في تلك الأكلة الكامنة بين يديها ليس لشئ سوى لترى ابتسامة رضا مرسومة على شفتي من يسكنوا قلوبهن وكأن الأكل هو طريقتهم في التعبير عن حبهم .. او ربما يطبقون ذلك المثل الشهير "أقرب طريق لقلب الرجل .. معدته"
...: هاتي بطرمان الزبدة يا دعاء
قالتها إيمان وهي تمد يدها نحو دعاء الواقفة خلفها بتلك العباءة الزرقاء الملائمة لجسدها المكتنز بطريقة شهية والذي زاد جماله حين حددت خصره بذلك الحزام الرفيع ليُعطيها مظهر جميل وفاتن لا يليق سوى بها هي .. دعاء المنياوي
دعاء(وهي تناولها إياه): اتفضلي يا خيتي .. عمتي .. البطاطس لسالها كتير؟
قالتها دعاء وهي تنظر نحو صفاء لتردف الاخيرة
صفاء: لاه يا حبيبتي انا هطلعها من الچرن عشان تهدى هبابة
قالتها لتضحك إيمان وهي ترى والدتها عادت لتلتقط بعض الكلمات الصعيدية مرة اخرى
إيمان: رجعنا للصعيدي يا ماما
صفاء(بابتسامة بسيطة): وهو انا كنت سيبته .. الحكاية كلها ان لساني كان واخد على كلام مصر بس الصعيد عمره ما طلع من قلبي
إيمان(بابتسامة واسعة): اوبااااا يا صفصف يا جااااامد
قالتها إيمان وهي تحتضن والدتها بسعادة لتبادلها والدتها ذلك الحضن الدافئ قبل ان تخرجها من احضانها بهدوء مردفة وهي تنظر لوجهها
صفاء: مش كفاية كدا بقا عشان ماتتعبيش
قالتها وهي تضع يدها على بطنها المنتفخة قليلاً لتبتسم إيمان وهي تضع يدها بجوار يد والدتها وتستشعر وجود تلك الجميلة الصغيرة بداخلها .. تلك الصغيرة التي تسكن باحشاءها منذ خمسة أشهر والتي لم يتبقى الكثير على انضمامها لعائلتنا الجميلة .. اخذت إيمان نفساً قصيراً قبل ان تردف بهدوء
إيمان(بابتسامة هادئة): انا خلاص خلصت اصلاً .. هحط الطاجن في الچرن وهقعد
ابتسمت وهي تنظر نحو صالحة التي علمتها تلك الكلمة لتبتسم الاخيرة وهي تسمعها وتتحرك نحوها بهدوء قبل ان تحاوطها بحنان مردفة
صالحة: اجعدي انتي يا بتي انا هحطه وهتابعه كمان
رحمة(بنبرة مزاح): وماتجلجيش هنبجى نجول لزين انك انتي اللي عملتيه
إيمان(بارتباك): وهو انا عاملاه علشان زين؟! انا عاملاه لينا كلنا
دعاء(وهي تكتم ضحكاتها): ايوة ايوة مفهوم
رحمة(بضحك ومزاح): ايوة طبعاً مفيش كلام
احمرت وجنتا إيمان بخجل لترتسم ابتسامات على وجوههن جميعاً قبل ان تختفي فجأة وتشكن شهقة صدورهن عندما نظروا نحو باب المطبخ ووجدوا أمامهم هذا المنظر الصادم!!!
///////////////////////
على الجانب الآخر من القرية وبالتحديد امام احد الارضي الزراعية الكبيرة يقف الحاج سالم المنياوي وهو ينظر بابتسامة سعيدة وهادئة لأراضيه التي كساها اللون الاخضر القادر على اسر القلوب وبث الراحة والسعادة في النفس .. يرى الشجر من حوله وقد أثمر بما لذ وطاب من الفاكهة وتنوعت محاصيل الأرض وقد حرص معتز على استغلال كل شبر بتلك الأراضي ليُحولها لقطعة من الجنة .. تتسع ابتسامة سالم وهو ينظر نحو ابنه الذي يُعطي للعاملين بالأرض بعضاً من المحصول سواء كان فاكهة او خضار منفذاً تعليمات أبيه حتى يُشعرهم انهم لا يعملون لديه بل يعملون معه وإن كانوا يتقاضون أجراً مقابل عملهم بالأرض فلابد ان يجعلهم يذوقون مما تعبوا في زراعته ورعايته لفترة طويلة حتى لا يأتي اليوم ويدخل الشيطان لهم من ثغرة شهوتهم لما لم يذوقوه .. يرى زين يُمازح العاملين ليشعر بالفخر بابنه وخليفته .. يفخر بتربيته التي حرص ان يزرع بذور التواضع بها وها هو يرى تلك الزرعة التي زرعها بابنه قد أثمرت .. ينظر بجانبه لمعتز الواقف بهدوء يُعطي تعليماته لرئيس العمال الذي ما ان تحرك مبتعداً حتى اقترب سالم من معتز واضعاً ذراعه حول كتفه مردفاً بابتسامة هادئة كملامحه الرجولية الهادئة والجميلة
سالم: عفارم عليك يا ولدي .. الارض بجت بتچيب ضعف محصولها وكل التچار بيشكروا في المحصول وكل ديه يرچعلك الفضل فيه بعد ربنا
معتز(بابتسامة بسيطة): اني ماعملتش حاچة يا حاچ سالم .. الخير اللي حضرتك وزين بتعملوه بيعودلكم في الارض وحب الناس ليكم
سالم(وهو يربت على ظهره بحنان): تسلم يا ولدي .. تسلم على حاچات كتير
معتز(بنبرة هادئة): اني ماعارفش حضرتك هتتشكرني على ايه .. هو فيه أب هيشكر ولده على واچبه
قالها معتز بابتسامة ونبرة صادقة قبل ان يردف بنبرة خفيفة
معتز(بخفة ومزاح): ولا حضرتك مامعتبرنيش كيف زين؟!
سالم: بالعكس يا ولدي .. اللي انت هتعمله إهنه في الارض واللي شوفته منيك في معاملتك مع بتي يخليك في غلاوة ولدي تمام
معتز(بابتسامة واسعة): خلاص يبجى ماتشكرنيش عاد .. حضرتك كيف أبوي الله يرحمه وبعدين الهدية اللي حضرتك هادتني بيها تخليني لو عشت عمري كله اردلك چميلك ديه ماهكفيش
ابتسم سالم حين فهم انه يرمي لزواجه من دعاء .. يرى حبه لأبنته الساكن عينيه .. ماذا يريد الأب اكثر من ذلك .. ماذا يريد أكثر من رجل يحب أبنته ويحافظ عليها .. ربت سالم على ظهره بحنان داعياً بقلبه قبل لسانه ان يديم سعادة عائلته جميعاً .. انتبه سالم لاقتراب زين منهما ليردف بنبرة هادئة
سالم: خلصت يا ولدي؟
زين: إيوة يابوي
سالم: اوعى يكون فيه حد مشي وهو نفسه في حاچة
معتز: ماتخافش يا حاچ سالم .. زين بيدي كل واحد اللي نفسه فيه وأكتر كمان .. ربنا يجدركم على فعل الخير
أمن سالم وزين وراء معتز ليردف زين بنبرة خفيفة
زين: مش يلا بينا عاد نعاودوا .. اني خلاص عصافير بطني هتموت من الجوع
معتز(بهمس وغمزة): عصافير بطنك ولا عصافير جلبك
قالها معتز بنبرة هامسة لزين ليدفعه الاخير بمزاح حين فهم انه يرمي لشوقه لتلك القاهرية التي ملكت قلبه وأصبح لا يقدر على الابتعاد عنها .. ابتسم سالم وهو ينظر لهما ولمشاكساتهما التي تطمئن قلبه على عائلته الجميلة التي يعشقها .. تحرك الجميع متجهين للدار وقلب كل منهم مشتاق لرؤية من تسكنه
//////////////////////////
...: هي حصلت؟! راجعلي بالهدوم مقطعة!!
قالتها إيمان بغيظ وحدة خفيفة لعبد الرحمن الواقف امامها بملامحه صعيدية وكأنه نسخة طبق الأصل من زين المنياوي .. نعم هو .. الشعر الاسود والعيون الحادة العميقة .. الملامح الرجولية المخلوطة بطفولة آسرة .. الجسد المفرود بغزة لا يقدر أحد على كسرها .. ينظر لوالدته الغاضبة والتي تقبض بين يديها على قميصه الابيض او ما كان يُسمى قميصاً .. فبعدما قطعت ياقته وتمزق احد أكمامه بذلك الشكل لم يعد يصلح ان يُسمى قميصاً .. نظرت إيمان لأبنها وهي تحاول ان لا تتأثر بملامحه التي تشبه ملامح من يسكن قلبها لتتفاجئ حين وجدته يردف بشجاعة غريبة على عمره
عبد الرحمن: اني ماغولوطتش
إيمان(بنبرة يشوبها الغضب الخفيف): انت كمان بتكابر؟! ايش حال راجعلي وهدومك مقطعة! إيه هتشتغل بلطجي على آخر الزمن؟!
عبد الرحمن: اني مش بلطچي .. انا كنت بنفذ كلام حضرتك
إيمان(وهي تضيق حاجبيها باستغراب): كلامي انا؟!!
عبد الرحمن(وهو يومئ برأسه): ايوة .. مش حضرتك جولتي ان العيلة خط احمر ومانجبلش أي حد يچي جنبها
إيمان: أيوة قولت كدا
عبد الرحمن: انا بجا كنت بدافع عن عيلتي وعن اللي يخصني
إيمان(وهي ترفع حاجبيها باستغراب): يخصك؟!
عبد الرحمن(بنبرة يشوبها الغيظ): ايوة .. منصور ومدكور ومسرور كانوا بيرزلوا على بدور ومنة وفريدة وأخدوا العرايس منيهم
إيمان: ودا يخليك تضربهم؟!
عبد الرحمن(بنبرة تحمل الغيظ والغضب داخلها): اني ماضربتهمش غير لما بدور عيطت .. محدش يزعل بدور
إيمان(بتهكم): ومنة وفريدة عادي!
عبد الرحمن(وهو ينفي برأسه ببراءة): لاه مش عادي بس منة عنديها بدر وفريدة عنديها يونس لكن بدور بتاعتي اني وبس
إيمان(بنبرة تهكم يشوبها الغيظ والمزاح): صلاة النبي أحسن انتم مقسمينها؟!! وبعدين ايه بتاعتك دي؟! هي عجلة!! و إيه منصور ومدكور ومسرور دول كمان .. دي اسامي اطفال ولا اسامي قُطاع طرق
عبد الرحمن(وهو ينظر لها بقوة): بصي يا ماما .. اني من الآخر إكده مش ندمان لأن عيلتي خط احمر ومحدش يجرب منهم ولا يزعلهم ابداً
نظرت إيمان نحو صغيرها وهي تحاول منع تلك الابتسامة من شق طريقها على وجهها .. اي صغير .. لا هذا ليس طفلاً صغيراً بل نسخة مصغرة منها ومن زوجها العزيز .. أخذ كل الطباع منهما حتى العناد والشخصية القوية وحمايتهم للعائلة .. هدأت نبرة إيمان لتردف وهي تنظر لابنها الذي رغم اعترافه بعدم ندمه إلا ان نظراته تسكنها الخوف من ردة فعل والديه .. يعلم ان الأمر لن يصل للضرب وهذا شئ مؤكد فهي وزين أخدوا عهد على انفسهما ان لا يعتمدوا هذا الاسلوب في التربية ولكن ما يخشاه هذا الصغير ان يأخذوا موقفاً منه .. هو قد يتحمل اي شئ إلا ان يُحزن أمه او ابيه
إيمان(بنبرة اهدأ): عبد الرحمن .. قرب
اقترب عبد الرحمن قليلاً لتردف إيمان بنفس النبرة
إيمان: اللي انت عملته دا غلط
عبد الرحمن: لاه اني...
إيمان(مُقاطعة بنفس النبرة): ماتقاطعنيش .. وماتكابرش .. انت غلطت في انك استخدمت الاسلوب دا .. من امتى واحنا بنضرب اللي يضايقنا حتى لو كان يستاهل الضرب فعلاً .. من امتى واحنا مش بنستخدم عقلنا
عبد الرحمن: يا ماما هو اللي استفزني
إيمان: وانت كدا اديته المفتاح اللي هيتحكم فيك بيه .. الغضب والعناد .. هو خلاص بقا عارف انه لو استفزك انت هتلغي عقلك وتتصرف بغضب أعمى .. قولي , هو مايقدرش بكرة يجيب اخوه الكبير يضربك؟
عبد الرحمن(ببراءة): ماعندوش اخ كبير
إيمان(وهي تمنع ابتسامتها على براءته): ابن خالته ابن عمه اي حد وخلاص .. يقدر يجيبه علشان يضربك زي ما ضربته .. وساعتها انت هتجيب حد يضربه وهتبقى الحكاية بلطجة مش أطفال بيلعبوا
عبد الرحمن: اني مش طفل .. اني راچل
إيمان: وهو الراجل بيكون راجل بكلامه ولا بأفعاله .. ماينفعش ايديك تكون سابقة لسانك وعقلك .. اللي عايز يحمي عيلته بيحميها بـ ده ..(قالتها وهي تشير لرأسه).. قبل ده ..(قالتها وهي تشير ليده).. فهمت؟
عبد الرحمن(وهو ينظر لها ببراءة آسرة): يعني اعمل ايه يا ماما؟
إيمان: قولتلي تعمل ايه أقولك انا بقا .. انت تدخل تغير هدومك زي الشاطر وبعدين تلبس طقم نضيف بدل اللي اتبهدل دا .. وتنزل معايا علشان زمان بابا على وصول ولازم نتجمع ونتغدا معاه ومع العيلة زي ما احنا متعودين .. وبعدين نقعد انا وانت بالليل نفكر في حوار استاذ مغلوب دا
عبد الرحمن(بتصحيح برئ): منصور يا ماما
إيمان(بابتسامة ونبرة مزاح): اسمه هيبقى مغلوب انت ايش عرفك ..(ثم نظرت له بجدية لتردف).. قولي يا عبده, هي دي اول مرة يدايق البنات؟
عبد الرحمن(وهو ينفي برأسه): لاه .. هو وأخواته مدكور ومسرور دايماً بيدايجوا بدور ومنة وفريدة ويغلسوا عليهم
هزت إيمان رأسها وقد تأكد حدسها من ان ذلك الصغير وأخوته هم من تسببوا في انفجار بركان غضب الصعيدي الصغير فهي تعلم ان ابنها رغم غضبه الكبير وعناده الشديد إلا انه ليس من السهل جعله يفقد أعصابه ويتصرف بتلك الطريقة .. رسمت ابتسامة على وجهها لتردف بهدوء
إيمان: يلا بسرعة غير هدومك وأنا هنزل اشوف الاكل
عبد الرحمن: حاضر .. ماما
إيمان(وهي تنظر له): أيوة يا حبيبي
عبد الرحمن(بتوجس): هو .. حضرتك هتجولي لبابا؟
إيمان(وهي تنزل لمستواه): بص .. هو انا لازم أقوله لأننا ماتعودناش نخبي حاجة على بابا .. بس أوعدك اني أخليه مايزعلش منك لو أنت وعدتني انها هتكون اخر مرة تتصرف بالطريقة دي
عبد الرحمن(بابتسامة بريئة): أوعدك يا ماما
إيمان(وهي تقرص وجنته بحب): قلب ماما يا ناس
///////////////////////////
تقف رحمة بغرفتها وعلى السرير الكبير وضعت تلك الشقية الصغيرة لتبدأ في تبديلها لملابسها وهي تستمع لتفاصيل الواقعة من خلال تلعثمها الطفولي الذيذ الذي يدغدغ قلبها .. تبتسم وهي تنظر لها.. لتلك الهدية الكبيرة التي لو ظلت تحمد ربها عليها عمرها كله لما أوفت حقها .. لتلك النعمة التي أهداها الله لها ومَنَّ عليها بها.. منة الله حمزة المنياوي .. الصغيرة ذات ال4 سنوات والتي تُعتبر النسخة المُصغرة من رحمة .. تشبهها في كل شئ إلا مشاكستها وثرثرتها التي أخذتها من والدها الذي يمكن ان نقول انه فعلاً عاد مُحباً للحياة حين حملها بين يديه لأول مرة .. شعر بقلبه ينتفض بين جنبات صدره ما ان داعبت رائحتها الطفولية الجميلة أنفه ليزداد دق قلبه حين ابتسمت ابتسامة أسرت قلبه .. ابتسامة مطابقة لابتسامة والدتها التي تعتلي عرش قلبه وتتربع عليه .. وكأن الله مَنَّ عليه بتلك الصغيرة كعلامة على مسامحته له .. مَنَّ الله عليه بها ليقرر هو تسميتها منة الله .. مَنَّ عليه بها لينعم في حياته .. مَنَّ عليه بها جزاء لتوبته وندمه الصادق ولكل ما فعل راغباً في محو ذنوب ماضيه .. مَنَّ عليه بها جزاء لذلك اليتيم الذي كفله في بيته وأحبه مثل ابنه وحتى بعد ان أتت منة حرص على ألا يُفرق بينه وبين منة في المعاملة .. كلاهما أولاده وكلاهما يسكنا قلبه وإن كان معظم القلب مسكون بتلك الجميلة التي لم يتوقف عن حبها يوماً والتي لم تتوقف هي عن عشقه ساعة .. انتبهت رحمة لمنة التي تُكمل حديثها بحماس طفولي
منة(بتلعثم طفولي): وبث كدا .. بدل ضلب مثلول بالفوكث في ثنانه وقاللي مث تعيطي ف انا ضحكت (وبس كدا بدر ضرب مسرور بالبوكس في سنانه وقاللي مش تعيطي ف انا ضحكت)
رحمة(بيأس من تلك الصغيرة): ماشي .. اتفضلي انزلي يلا عشان اشوف اخوكي
رفعت منة يديها نحو والدتها لتبتسم الاخيرة رغماً عنها وتقترب لتحملها حتى تنزلها ارضاً لتستغل تلك الصغيرة اقترابها من امها بذلك الشكل لتطبع قبلة عميقة على وجنتها قبل ان تجري وهي تردف بنفس التلعثم
منة(ببراءة): حبك خالث
ضحكت رحمة على تلك الصغيرة ذات القامة القصيرة .. القصيرة جداً .. تلك القادرة على جعل دقات قلبها تتواثب بقوة داخل صدرها تماماً كما يفعل والدها .. على ذكره تحركت لخارج الغرفة وهي تحاول رسم الجدية على وجهها بالأخص بعد ذلك المشهد الذي رأته كل النساء بالمطبخ .. الاطفال ممزقة ملابسهم ومتسخين وشعورهم مبعثرة بعشوائية ويقفون جميعاً امام زوجها العزيز الذي تلون اسفل عينه اليسرى باللون الازرق من أثر تلك الكدمة ويبتسم ابتسامة بلهاء غير ملائمة للموقف
///////////////////////////
بغرفة اخرى:-
دعاء(بقلق وهي تنظر لبدر): وريني إكده .. فيك حاچة؟ حد عورك؟ انت تعبان .. طب نروح المستشفى .. طب..
بدر(مُقاطعاً): اهدي يا ماما انا مليح والله
قالها بدر بهدوء بعدما رأى حالة والدته منذ ان رأتهم بذلك الشكل المزري .. استطاعت بدور الفرار منها باعجوبة ولكن لم يستطع هو تركها للقلق ينهش بقلبها الذي يحمل عاطفة أمومة كبيرة .. نظرت له لتردف بقلق وتأثر
دعاء(وهي تنظر لجسده بخوف): لأ اني عارفة ان انت تعبان مكان ما اتضربت
بدر(بفخر): اتضربت مين دا اني دغدغتهم
دعاء(بتهكم): وفرحان جوي انك دغدغتهم .. دا ابوك لما يعرف هيطين عيشتي وعيشتك
بدر(بارتباك): وهو هيعرف منين عاد؟!
دعاء: اني هجوله
بدر(وهو يقترب منها بابتسامة بريئة): لاه ماههونش عليكي .. دا اني بدر حبيبك وانتي امي حبيبتي اللي ماليش غيرها
دعاء(وهي تضيق عينيها بشك): واد انت! اوعاك تكون هتضحك عليا
بدر(وهو يطبع قبلة صغيرة على وجنتها): وهو اني اجدر اضحك على اچمل ام في الدنيا
ضمته دعاء لصدرها بعاطفة ام صادقة ليبادلها هو الضمة بيديه الصغيرتين لينتفضوا حين وجدوا منة الصغيرة ذات القامة القصيرة تندفع نحوهم وهي تردف بتلعثمها اللذيذ
دعاء(وهي تدخل الغرفة): بدول .. بدل .. يلا ددو هيحكي الحدوتة .. اجلو بسلعة يلا (بدر .. بدور .. يلا جدو هيحكي الحدوتة .. اجروا بسرعة يلا)
لمعت عيون بدر لينزل من على السرير ويجري نحوها ويخرج معها تاركاً دعاء تنظر في اثرهم بابتسامة يشوبها الخوف من القادم .. تخاف من ذلك الذي يلمع بعيون أطفال المنزل .. تخاف بشدة .. حاوطها خوفها حتى انها لم تشعر بمعتز الذي دخل الغرفة واقترب منها ليردف
معتز(وهو يربت على كتفها برفق): دعاء .. دعاء
انتبهت اخيراً لتنظر له وتردف بهدوء حاولت التحلي به
دعاء: معتز! انت چيت ميتى؟
معتز: لسة دلوكت .. مالك فيه ايه؟ انتي تعبانة؟
دعاء: لاه ماتجلجش
معتز(وهو يجلس بجانبها): ماجلجش كيف عاد .. فيه ايه يا دعاء بلاش تخلي عجلي ينشغل .. احكيلي
دعاء: بدر
معتز(بتوجس): ماله؟ عيان؟!
دعاء: لاه .. هيحب
معتز(وهو يضيق حاجبيه باستغراب): هيحب!
دعاء: إيوة .. هيحب منة وعبد الرحمن هيحب بدور
معتز(بابتسامة بسيطة): ما اني عارف
دعاء: عارف! عارف ومش خايف
معتز: وهخاف من ايه عاد؟!
دعاء(وهي تقف وتتحرك في الغرفة): هتخاف عليهم .. هتخاف من اللي ممكن يحصلهم بسبب الحب ديه
معتز(وهو يقترب منها): جصدك ايه؟
دعاء(بنبرة يشوبها القلق): جصدي ان الحب ديه خطر .. انت نسيت جمر واللي حصل من تحت راس الحب في السن ديه
فهم معتز قلق حبيبته .. فمازالت جروح الماضي لم تندمل بشكل نهائي .. اقترب معتز منها وحاوط كتفها بهدوء ليردف
معتز: اللي حصل لبت خالتك كان مجدر ومكتوب .. وبعدين هي ماكانتش هتحب زين هي كانت عايزة تملك كل حاچة وماتنسيش ان اللي حط الكلام ديه في دماغها كان خالتك الله يسامحها انما الولاد ماحدش لعب في دماغهم .. هما جلوبهم اتعلجت باللي شبهها
دعاء: في السن ديه؟!
معتز(وهو يرفع كتفيه بقلة حيلة): الچيل ديه مش زي چيلنا .. العيال في السن ديه شايفة وعارفة كل حاچة .. وبعدين انتي شايفة الوحش بس ليه؟ .. ما عمتك رحمة وچوزها كانوا هيحبوا بعض من السن ديه
دعاء(بقلق): ايوة بس..
معتز(مُقاطعاً بهدوء): مابسش يا حبيبتي .. اللي ربنا عايزه هيكون واحنا اللي علينا نوچههم وننصحهم ونصاحبهم عشان مايخافوش منينا ويحكولنا كل حاچة .. صوح؟
هزت دعاء رأسها ليُكمل معتز بابتسامة
معتز: ليكي عليا اجعد مع بدر واتكلم معاه وأفهمه .. أما بدور بجا ف أمها توعيها ولا ايه
هزت رأسها مرة اخرى ولكن تلك المرة بابتسامة قبل ان تندس بداخل احضان زوجها الحبيب .. ذلك الذي ينجح دوماً في هدهدة قلبها .. ذلك العوض الذي رزقها الله به فكان أجمل أقدارها
/////////////////////////////
بغرفة المكتب:-
يصدح صوت حمزة وهو يردف بحدة مفتعلة
حمزة(مدعي الغضب): اني مش عارف انتم اتچننتم ولا حصل ايه في دماغكم
ثم نظر ليونس الذي يضع يده على فمه كاتماً ضحكته وبالأخص حين غمز والده بعينه السليمة ليُكمل بنفس النبرة العالية
حمزة(بصوت عالي جداً): بتتخانجوا وبتجطعوا خلاچاتكم كمان .. المرة الچاية هتعملوا ايه .. هتشربوا بانچو
انفلتت ضحكة من يونس ليكتم حمزة فمه بيده وهو يردف بحدة ممازحاً
حمزة(بتعنيف خفيف): الله يخيبك هتفضحنا
يونس(بهمس وسط ضحكاته): مش قادر هفطس
حمزة(بجدية مضحكة): اخرس ومثل انك متأثر بدل ما نروحوا في داهية
ثم وقف ليُكمل تعنيفه الكاذب ليونس مكملاً بنبرة غاضبة مزيفة
حمزة(بغضب كاذب): وأنت يا استاذ يا كبير بدل ما تكون العاجل الراسي رايح تُضرب وتنضرب
يونس(بهمس): أضرب بس
حمزة(بهمس وفخر): چدع چدع ..(ثم تعمد جعل صوته عالي جداً).. وأني اللي عمال اجول ورايا راچل ورايا راچل بلا نيلة
يونس(بعبوس): ما كفاية بقا يا بابا حضرتك عارف اني راچل ونص
حمزة(بتهكم وهو يشير نحو كدمته): اتنيل .. انت مش شايف عيني ولا ايه
يونس(بضحك خفيف): معلش اصل فريدة لسة صغيرة مش بتعرف تنشن
حمزة(بغيظ): يبجى ماتحاولش تچود يا حنين .. يبجى تجف ساكتة لحد ما الخناجة توخلوص مش تحدف طوب وعلى الله حكايتها إكده
يونس: الحق عليها انها كانت بتساعد؟!
حمزة(بتذمر): لا الحج عليا اني .. دلوكت محمود يعرف من بته ويعلجك على باب السرايا ديه
يونس(بهيام): انا علشان فريدة اتعلق في البرج
كاد حمزة ان يرد على ابنه ليجد باب المكتب يُفتح وتطل من خلفه رحمة بملامح جامدة ليردف حمزة بنبرة حاول جعلها جادة وقوية
حمزة: تعالي يا رحمة .. تعالي شوفي ولدك وعمايله .. اني خلاص مش هسكت على اللي بيوحصول ديه .. اتفضل يا استاذ على اوضتك .. مفيش خروچ ولا لعب والرحلة اللي كنت عايزة تطلعها برضك مفيش
يونس(بتلقائية وهو ينظر له): الكلام ديه جد ولا تمثيل برضو؟!
جحظت عينا حمزة بشدة ولعن يونس في سره بينما عافرت رحمة بشدة لكي لا تظهر ابتسامتها من ذلك الموقف الكوميدي بالنسبة للبعض .. يتنحنح يونس ليردف
يونس(بارتباك من نظرات حمزة): انا شكلي عكيت الدنيا .. انا هروح اشوف فريدة واطمن عليها
وقبل ان يعترض اي احد اطلق العنان لقدميه لتلك الفريدة اسماً وصفة .. تلك التي دق قلبه الصغير لها ما ان حملها بين يديه بسبوعها وظل يتفنن في اختلاق الحجج حتى يظل مُلازماً لها طوال فترة عمل ورد بالمنزل حتى تعلقت به هي الاخرى وأصبحت اينما يذهب تتبعه كظله .. تقدمت رحمة من حمزة الذي مازال يضع كيساً من الثلج فوق عينه المصابة ليردف وهو يلاحظ اقترابها منه بنظرات لا بتبشر بالخير
حمزة(وهو يتراجع بتوجس): بجولك ايه اني مريض واللي بيچي على عيان ماهيكسبش
رحمة(وهي تنظر لإصابته): هتوچعك؟
قالتها بنبرة هادئة يشوبها القلق والخوف الصادق ليبتسم الاخير ويترك لها كيس الثلج لتضعه على عينه بهدوء مردفاً
حمزة: ماتجلجيش اني مليح
رحمة(وهي تنظر له): انت هتبجى مليح
قالتها وضغطت بقوة على عينه ليصرخ الاخير متوجعاً ويقع على الكرسي الكبير الموجود بالمكتب لتتحرك رحمة نحوه وتزيد من ضغطها على عينه مردفة بغيظ
رحمة(بغيظ): بجا بتضحك عليا وعمال تعيط على يونس وفاكرني هصدجك .. بتتفج مع ولدك عليا يا حمزة؟!
حمزة(بتبرير): يا حبيبتي اني آآآه..
رحمة(وهي تضغط بالثلج بشكل أكبر): رايح تتخانج مع عيال صغيرة يا حمزة !!!
حمزة(وهو ينظر لها ببراءة): اني برضك هعمل إكده .. اني كنت بحچز بيناتهم بس
رحمة(وهي تبتعد عنه بتعب): انتوا عايزين مني ايه عاد .. عايزين تچننوني .. تطيروا البرچ اللي فاضل في عجلي
حمزة: بعد الشر عنك وعن عجلك يا حبيبتي .. اجعدي بس .. اهدي
جلست رحمة وأغمضت عينيها بتعب ليقترب منها حمزة مردفاً بنبرة قلقة
حمزة(بخوف سكن نبرته): انتي تعبانة صوح؟
رحمة(وهي تنظر له): اني تعبت يا حمزة .. احنا ماحناش عيال صغيرة عاللي بتعمله ديه
حمزة(بنبرة هادئة تلقائية): وايه اللي بعمله .. اني بعيش حياتي مع ولادي .. بعوض العمر اللي راح .. انتي ليه دايماً محسسة نفسك انك كبيرة .. دا اني اللي اكبر منك فيا شباب عنيكي
رحمة(وقد جحظت عيناها): نعمممممم؟!! هتجول ايه؟! سمعني تاني إكده
حمزة(وهو يقف ويكتم ضحكاته): ماجصدش والله العظيم ماجصدش .. اني جصدي يعني انك ماتوهميش نفسك انك كبرتي .. انتي لساتك صغيرة
رحمة: صغيرة ايه عاد دا اني 46 سنة
حمزة(بابتسامة وهو يجلس بجانبها): وإيه يعني 46 .. انتي ماشيفاش سالم معدي الخمسين وكل يوم الصبح يخرچ مع العيال في الچنينة ويضحك معاهم وانتي أصبا من سالم ..(ثم أضاف بنبرة عاشقة يشوبها الغزل).. وأحلى من سالم
رغماً عنها ارتسمت ابتسامة خجولة على وجهها ليقترب حمزة منها ويردف بنبرة هادئة
حمزة: النهاردة مابيفكركيش بحاچة
رحمة(مدعية عدم الفهم): حاچة زي ايه؟
حمزة(بنبرة عميقة وهو ينظر لها): حاچة مهمة جوي جوي جوي
ابتسمت رحمة وهي تنظر له .. هي تعلم ان اليوم ذكرى زواجهم الخامسة .. من يُصدق انه قد مر 5 أعوام على زواجهم .. 5 أعوام منذ ان شاء قدرها إعطاء قصتها معه فرصة ثانية .. 5 أعوام على ذلك القرار الذي أخذته مرغمة بدافع الغضب ليتحول لأجمل قرار كان من الممكن ان تتخذه في حياتها .. انتبهت على يده التي تمسك بيدها ويده الاخرى التي تقدم هدية متوسطة الحجم مغلفة بشكل انيق ومُعطرة برائحة الياسمين الهادئة
حمزة(بنبرة عاشقة): كل سنة وانتي مرتي وبتي وخيتي وبت عمي وأم ولادي وأحلى حاچة في دنيتي
قالها وطبع قبلة عميقة على رأسها لتغلق هي عينيها بخجل وقد دبت القشعريرة في جسدها من ملمس شفتيه .. تلك القشعريرة التي تأبى ان تغادرها وإن أصبحت عجوزاً ذات 100 عام فستظل لمسة يديه لها تأثير لا يُستهان به عليها
حمزة: ماهتفتحيش الهدية؟
ابتسمت رحمة لتبدأ في فك التغليف ببطئ ليظهر أمامها مُجلد لقصائد الشعر باللغة العربية الفصحى .. ذلك المجلد الذي كانت تبحث عنه منذ اكثر من شهر والذي كلفت إيمان بالبحث عنه على الانترنت لتقوم الاخيرة بتسريب تلك المعلومة لزوج خالتها ومساعده على الحصول عليه راغبة في جعل السعادة تغمر خالتها الجميلة التي أحبتها منذ أول يوم رأتها به .. لمعت عيون رحمة بسعادة لتردف وهي تنظر له
رحمة(بعيون عاشقة): ربنا مايحرمنيش منيك يا واد عمي
حمزة(بنظرة عشق مماثلة): ولا يحرمني منيكي يا بت عمي
/////////////////////////////
...: يعني هي الحكاية إكده؟
قالها زين الذي عاد منذ دقائق وأخبره محمود بما حدث وبما قالته ابنته الصغيرة فريدة ليتحرك نحو المنزل راغباً في سماع القصة كاملة من ابنه قبل ان يُبدي اي ردة فعل ولكن حالت القاهرية دون ذلك فهي حرصت على ألا يتواجه مع ابنهما قبل ان تتحدث هي معه اولاً .. اخبرته كل ما عرفت لتردف بنبرة هادئة
إيمان: هو قاللي ان الولد دا وأخواته مش اول مرة يضايقوا البنات وان تصرفهم دا بغض النظر انه غلط إلا انه كان رد فعل على اللي الولد دا واخواته عملوه
زين(وهو يضيق عينيه بتفكير): العيال دول ولاد علي العربي؟
إيمان: ماعرفش ابنك ماقالش هما ولاد مين ..(ثم اردفت باستفهام).. مين علي العربي دا؟
زين(وهو يتحرك نحو شرفتهم): ديه واحد إكده متضايج من شغلنا واننا بنبيع المحصول باسعار اجل وبما يرضي الله .. بيجول اننا بنضربله شغله .. عايزنا نبيع ب3 أضعاف السعر كيف ما هو بيعمل
إيمان(بنبرة يشوبها الغضب الخفيف): عمله اسود ومنيل .. ما يولع هو وشغله هو هيتحكم في ماله ومال غيره
زين(وهو ينظر لها ويعود لداخل الغرفة): ما هو ديه اللي مضايجه .. انه مش عارف يتحكم فينا لأنه عارف مليح مين هي عيلة المنياوي وعارف انه لو فكر يجف جصادنا ماحدش هيلومنا عاللي هنعمله
صمتت إيمان تفكر قليلاً لتردف
إيمان: تفتكر الراجل دا يكون مسلط ولاده يضايقوا البنات ويتخانقوا مع العيال عشان يجر شكلك
زين(بنبرة عميقة تحمل الغضب داخلها): ديه اللي اني فكرت فيه واللي لو اتأكدت منه يبجى هو اللي چابه لروحه وهعديله درس يعلمه ماجربش مرة تانية من عيلة المنياوي ولا يمس فرد منيها لا كبير ولا صغير
ثبتت نظراتها عليه ودق قلبها بقلق .. ضغطت على شفتيها بتوتر قبل ان تنظر ارضاً وتبدأ في فرك أصابعها بارتباك وقلق ليُلاحظ زين ذلك ويتحرك نحوها ليكوب وجهها بيديه مردفاً
زين(بنبرة حنونة): مالك يا حبيبتي؟ وشك اتخطف ليه؟
إيمان: خايفة
ذُهل من تصريحها ليردف بنبرة خفيفة
زين(بابتسامة خفيفة): بجا إيمان حفيدة عيلة العطار وعيلة المنياوي بتجول انها خايفة؟
إيمان(بتأكيد): ايوة خايفة .. خايفة جداً كمان
زين: يبجى العيب عليا اني خليت الخوف يزور جلبك وخليتك تحسي إكده
إيمان(وهي تنفي برأسها): بالعكس .. انت من كتر ما محسسني بالأمان خايفة ل يضيع مني .. من كتر ما وجودك مقويني خايفة ل في يوم الاقي نفسي ضعيفة .. الاقي نفسي لوحدي
قالتها بنبرة مهزوزة وقد لمعت عينيها بالدموع لتمسك طرفي ياقة جلبابه وتردف بنبرة لم تُخفي ضعفها الذي يملؤها
إيمان(بنبرة مهزوزة من فرط مشاعرها): زين انت لو لا قدر الله حصلك حاجة انا هموت بعدك .. انا مش هقدر اعيش من غيرك
زين(بنبرة هادئة حنونة): واني چنبك ومعاكي لآخر نفس فيا يا بت عمتي .. يا مرتي وحبيبتي وبتي و..
كان يتكلم بابتسامة ونبرة خفيفة محاولاً تخفيف حدة الموقف ليقطع جملته حين وجدها تحتل صدره وتلف يديها حوله بقوة وقد أحس بنبض قلبها يتواثب داخل صدره ليحتضنها بهدوء ويملس على شعرها وظهرها مرة تلو الاخرى حتى أحس بضربات قلبها استعادت هدوءها بعدما تسربت رائحته لرئتيها مزيلة اي شائبة للقلق بها .. ظلوا على تلك الحالة لدقائق قبل ان يردف بنرة خفيفة
زين: بجولك ايه
نظرت إيمان له ليغمز لها بعبث مردفاً بنبرة خبيثة
زين(بعبث): انتي الحمل محليكي ولا ايه؟
احمرت وجنتيها بخجل وابتعدت عنه لتردف بحدة مصطنعة
إيمان: اتلم يا زين
زين(وهو يرفع حاجبه وينظر لها): دلوكت بعدتي عني! من شوية كان ناجص تفتحي صدري وتخشي چواته ودلوكت اتلم يا زين .. ماشي يا بت عمتي
إيمان(وهي تكتم ضحكاتها): بقولك ايه .. غير هدومك يلا علشان نتغدى
زين(بغمزة وهو يقترب منها): طب مفيش تصبيرة؟
إيمان(بتمنع): لأ
زين(وهو يعتدل بوقفته ويتحرك نحو الحمام): ماشي .. خليكي فاكراها يا بت عمتي
إيمان(بضحك خفيف): انا مابنساش حاجة يا ابن خالي
قالتها بنبرة خفيفة قبل ان تتجه نحو الدولاب لتُخرج له احدى الجلاليب الصعيدي على ذوقها مثلما اعتادت واعتاد هو الآخر لتضعها على السرير وتتحرك لخارج الغرفة حتى تحضر السفرة مع عائلتها الحبيبة
////////////////////////////
بغرفة عبد الحميد المنياوي الذي تجاوز ال85 ببضعة أشهر ورسم الزمن خطوطه على ملامحه الرجولية التي أصبحت مخلوطة بحنان كبير يسكنها كلما اجتمع حوله هؤلاء الصغار الذين هم قطعة من قلبه .. يعشقهم تماماً كما عشق آباءهم وأجدادهم فقد مد الله في عمره لا ليحمل أحفاده فقط بل ليحمل أولادهم ايضاً .. يبتسم بهدوء وينظر لهؤلاء الصغار الجالسين امامه ليردف بتساؤل
عبد الحميد(بتفكير): هو اني وجفت فين؟!
بدور: لما روحت مع مع چدي سالم وبابا وخالي زين للمسچد النبوي
عبد الحميد(بتذكر): إيوة صوح .. اني لما دخلت المسچد چسمي اترعش من الفرحة .. وجعدت اتشاهد .. المسچد حلو جوي جوي من چوا .. جريت الفاتحة ودعيت وصليت كيف ما صليت في مكة .. وچدكم سالم الله يستره فضل يساعدني اتحرك إكمني ماكنتش جادر عشان سني يعني .. دعيتله ودعيتلكم ودعيت كتير جوي لحد ما راحت عليا نومة وماعارفش كيف رچعت الفندج تاني
ضحك الصغار ليردف عبد الرحمن بعيون لامعة
عبد الرحمن: طب مكة احلى يا چدي ولا المدينة؟
نظروا جميعاً نحو عبد الحميد بفضول ليردف الاخير بابتسامة
عبد الحميد: ديه حاچة وديه حاچة تانية خالص .. المدينة انت بتكون في حضرة الرسول علية الصلاة والسلام
ردد الاطفال وراءه الصلاة على النبي ليُكمل هو
عبد الحميد: أما مكة انت بتكون في بيت ربنا .. بتتحدت معاه وبتحكيله وبتشكيله وبتترچاه يسامحك عاللي عملته زمان واللي غولطت فيه
منة(ببراءة): انا عايثة الوح (انا عايزة اروح)
عبد الرحمن(بعيون لامعة): واني كمان
بدر: واني كمان
يونس: واني كمان وناخد فريدة معانا
بدور(ببراءة وحماس): وانا وانا وانا
ابتسم عبد الحميد ليردف بهدوء
عبد الحميد: بإذن الله ربنا هيكتبهالكم وتروحوا .. بس ابجوا ادعولي هناك
منة(ببراءة وتلعثم): ليه يا ددو هو انت مث هتيجي معانا؟!
عبد الحميد(بعيون شاردة): الله اعلم يا بتي .. الله اعلم
قاطع حديثهم ذلك صوت الطرق على الباب الذي تبعه دخول صفاء بابتسامتها الصافية مثلها لتردف بهدوء وحنان
صفاء: يلا يا ولاد سيبوا چدكم يتغدى ويرتاح هبابة وانتم كمان روحوا اتغدوا
وقف الاولاد بطاعة ليتقدم كل منهم ويطبع قبلة على خد جدهم قبل ان يخرجوا من الغرفة لتتقدم صفاء وتجلس بجانب والدها وتبدأ في إطعامه ليأخذ هو لقمة صغيرة ويرفعها بيده التي استطاع اخيراً تحريكها نحو فم ابنته لتلتقطها منه بابتسامة قبل ان تطبع قبلة على يده وتُكمل إطعامه دون ان تختفي ابتسامتها من على وجهها ولو لثانية واحدة
////////////////////////////
بمنزل ممدوح الجبالي:-
يجري ممدوح نحو منزله بلهفة ليُنادي عليها ما ان وطأت قدمه داخل المنزل
ممدوح(بلهفة وصياح): وفاء .. وفااااء
خرجت صابرة من غرفتها بلهفة لتردف
صابرة(بقلق): مالك يا ولدي فيه ايه؟! بتنادم على مرتك ليه؟!
قبل ان يجيبها خرجت وفاء من المطبخ وهي تمسك في يدها اليسرى فوطة المطبخ وفي اليمنى المغرفة ليجري ممدوح نحوها ما ان لمحها ويسحبها لغرفتهما بسرعة مردفاً
ممدوح: معلش ياما .. هفهمك بعدين
قالها قبل ان يغلق باب غرفته عليه هو وزوجته تاركاً صابرة تنظر في اثرهما بابتسامة هادئة وبقلب يدعو لهم بهناء الحال والذرية الصالحة فهل ستستجيب دعواتها؟!
/////////////////////////
بداخل الغرفة:-
جفلت وفاء من فعلة ممدوح لتُصدم أكثر حين وجدته يحتضنها بقوة ويبدأ في البكاء وكأنه طفل صغير لتردف هي بلهفة
وفاء(بخوف): مالك يا ممدوح؟! فيه ايه؟!!
لم ينطق حرفاً وإنما أكمل بكاءه لتلف يديها حوله وتربت عليه وكأنه طفلها .. لا ليس وكأنه بل هو بالفعل طفلها .. منذ اليوم الذي صارحها فيه برغبته في الارتباط بها وهي شعرت بتلك الرابطة تتكون بقلبها نحوة .. ليس رابطة حب زوجة لزوجها وإنما حب الأم لطفلها .. فرحت بطلبه ذلك وزادت فرحتها حين رأت سعيه لتنفيذ طلبها الوحيد والذي كانت تضعه شرطاً لمن اراد الزواج منها .. ذلك المهر الغالي .. كتاب الله .. فقد كان شرطها ان يُتمم من يرغب الزواج منها حفظ كتاب الله بالتجويد والتفسير ويُشرف على حفظه وامتحانه خالها وهو الأمر الذي كان ممدوح أكثر من مُرحباً به وراغباً في تحقيقه ليس من أجلها فقط بل من أجله هو الآخر .. تحولت حياته منذ ذلك اليوم لتتمحور حول أمه وعمله وصلاته وحفظه للقرآن على أيدي الشيخ حسين ليُتمم حفظه في سنة واحدة فقط .. سنة واحدة فقط هي كل المدة التي استغرقها لحفظ كتاب الله كاملاً بالتجويد والتفسير وينجح في جميع اختبارات الشيخ حسين الذي رأى ان ممدوح اصبح يُطبق كل ما تعلمه في حياته وعندها فقط آمن على وجود جوهرته الغالية معه ووافق على زواجه منها .. منذ يوم زواجهم وحتى اليوم لم تراه يبكي بذلك الشكل سوى في اوقات الصلاة حين يتضرع لله ويدعوه ان يشفيه ويرزقه ويرزقها بالذرية الصالحة لتأمن هي وراءه بقلبها قبل لسانها .. انتبهت ليديه التي ارتخت من حولها لتخرجه من احضانها وتنظر له بهدوء يشوبه التوجس من تلك الحالة التي كان بها منذ دقائق لتردف بنبرة أم حنونة يشوبها القلق
وفاء: مالك يا ممدوح؟ فيك ايه؟
ممدوح(بنبرة مهتزة من فرط المشاعر): استچاب
نظرت له قليلاً وكانت تلك الكلمة كافية لتجعل طبقة خفيفة من الدموع تلمع بعينيها .. فلا يوجد سوى دعوة وحيدة يدعون بها ليلاً ونهاراً .. كوب وجهها بكفيه ليردف بنبرة متأثر
ممدوح(بدقات قلب متواثبة): الداكتور كلمني وجال ان نتيچة التحاليل اللي عملتها السبوع اللي فات طلعت .. خلاص .. ربنا استچاب وشفاني .. اني بجيت اجدر اخلف
هربت الدموع من عينيها قبل ان تُلقي بنفسها بين أحضانه ليُحيطها هو بذراعيه بقوة ودقات قلبه المتواثبة تضرب بصدره .. انسدلت دموع الفرح من عينيها وقد تضاعفت فرحتها .. فهي إن كانت فرحة لأنها ستصبح أماً هي فرحة أكثر لأجله هو وقد اقتربوا خطوة من ذلك الحلم الذي يتمناه .. يزيد ممدوح من احتضانها وهو يردد بداخله تلك الجملة التي قرأها من قبل وأحس بها تصفه بدقه .. فهو منذ ان رآها علم انها تستحق الأفضل ولكن كان بداخله شئ لا يُمكنه من رؤيتها مع غيره لذلك غير نفسه ليُصبح مناسباً لها .. لأنها تستحق ذلك .. والآن .. الآن اصبح قاب قوسين او ادنى من ان يحقق حلمه معها هي .. لم يتبقى سوى ان يشاء الله ويقول للأمر كن فيكون
///////////////////////////
يمر الوقت سريعاً وتتجمع عائلة المنياوي لمشاهدة ذلك المسلسل الذي أصبح عادة مسائية عندهم .. فبعد يوم شاق تملؤه الاحداث في حياة كل منهم يجتمعوا في نهايته ليُشاهدوا حلقة من مسلسل "أبو العروسة" في جو أسري حميم قبل ان يأخذ كل منهم ملكة قلبه ويتجه لغرفته أو منزله .. هنا تجلس صفاء بجانب والدها وتُطعمه الارز باللبن الذي صنعته رحمة احتفالاً بعيد زواجها والذي أكل حمزة نصفه وحده ليبتسم عبد الحميد وهو يأخذ ما بالمعلقة من ارز مخلوط باللبن والسكر الحلو الذي زادت حلاوته حين طبخته ابنته الحبيبة وأطعمته إياه ابنته الثانية التي تسكن قلبه تماماً كما سكنته والدتها ولم تُغادره حتى اليوم .. تجلس صالحة بجانب سالم وتمد يدها له بكوب الشاي الدافئ بالمخلوط بالنعناع الطازج ليرسم ابتسامة جميلة على وجهه وهو يلتقطه من بين يديه متعمداً ان يلامس أصابعها بخفة ليُلون وجهها بحمرة الخجل التي مازالت تعرف طريقها لقلبها الذي يدق بعشقه .. بجانبهم تجلس رحمة وعينيها مثبتة على غلاف ذلك المجلد وتملس عليه وكأنه قطعة غالية من المجوهرات .. بل هو عندها أغلى من كل مجهورات العالم .. تنظر له حينما أحست بنظراته المثبتة عليها لتتعانق عيونهم وكأنها تقول له تلك الجملة التي تعشقها .. "إني أحبك بروحي والروح لا تتوقف أبداً ولا تنسى" .. على مقربة منهم تجلس دعاء وبجانبها يجلس معتز ليستغل انشغالهم ويمسك بكفها ليتفاجئ حين وجدها لا تسحبه منه بل ضغطت عليه برفق لينظر لها وتبتسم هي له وكأنها تصف تلك الجملة التي تقول "لو أن للطمأنينة ملمس .. لكانت يدك" .. تجلس إيمان ببطنها المنتفخة لتبتسم حين وجدت زين يضع كفه على بطنها بابتسامة سعيدة وعاشقة دون ان يخجل من إظهار حبه لها .. تبتسم بخجل قليلاً ما يزور قلبها وتضع كفها فوق كفه لتداعب بإبهامها الناعم يده الخشنة قليلاً وعيونهم متعانقة بكلام وحدهم يفهموه .. وكأنه هو يقول لها بكل بساطة "أحببتك أيتها القاهرية العنيدة و بِتُ بكي متيم" لترد هي عليه "وأنا وقعت بعشقك أيها الصعيدي العنيد .. نعم .. عشقت من الصعيد" .. ينتبهوا جميعاً لبداية تتر المسلسل لتتوجه الانظار نحو شاشة التلفاز وترتسم الابتسامات على الوجوه وهم يستمعوا لكلمات تلك الاغنية التي تصف حياتهم بكل بساطة
قادرين يا دنيا نعيش وأحلامنا .. يوم بعد يوم نلاقيها قدامنا
صابرين اوي وراضيين .. ماشيين ومش خايفين
نتعب وماله مهما يوم شوفنا .. ولا مستحيل ولا صعب هيحوشنا
راميين حملنا ع الله .. طالبين ستره وياه رضاه
أوقات بيبقا العيب على الدنيا .. وساعات تبدل حزنها في ثانية
الدنيا أحلى كتير بمتاعبها .. بس اللي يفهم فيها حكايتها
على ايه نفكر فيها نحسبها .. ماهي كل حاجة ربنا كاتبها
الرزق ده بايد اللي خالقها .. واهي كل حاجة بتيجي في ميعادها
أيام بتكون قوية وقاسية على ناسها .. وساعات بتروق وبتشيلنا على راسها
أَيّام بتكون قَوِيَّة وَقاسِيَة عَلِيّ ناسَها .. وَساعات بتروق وبتشيلنا عَلِيّ رَأْسها
****
والدنيا لما تزيد اوي همومها .. نقدر بحبة صبر تغلبها
رافيعن راسينا مهما نشوف .. ناسيين التعب والخوف
ايد واحدة ماتسقفش ولا تقدر .. والحمل يبقا تقيل اوي ويكسر
مانشوف نصها المليان .. ونقول كل شيئ بـ أوان
أوقات بيبقا العيب على الدنيا .. وساعات تبدل حزنها في ثانية
الدنيا أحلى كتير بمتاعبها .. بس اللي يفهم فيها حكايتها
على ايه نفكر فيها نحسبها .. ماهي كل حاجة ربنا كاتبها
الرزق ده بايد اللي خالقها .. واهي كل حاجة بتيجي في ميعادها
أيام بتكون قوية وقاسية على ناسها .. وساعات بتروق وبتشيلنا على راسها
أَيّام بتكون قَوِيَّة وَقاسِيَة عَلِيّ ناسَها .. وَساعات بتروق وبتشيلنا عَلِيّ رَأْسها
إلى هنا تنتهي رحلتنا مع تلك العائلة الجميلة ولكن رحلتهم هم مستمرة .. فتلك العائلة مازال سيزور حياتها الكثير من الاحداث وإن كان أهمهم تلك الحفيدة الصغيرة .. اصغر حفيدة في عائلة المنياوي .. تلك التي قريباً ستشرفهم بحضورها وستُربى بالصعيد وقد يكون قدرها مربوطاً مع قاهري لنرى كيف سيكون الحال وقتها .. فهو لن يكون أول أو آخر شخص يقول عشقت من الصعيد
تمت بحمد الله
