اخر الروايات

رواية حارة الربيع الفصل الثالث 3 بقلم خضراء القحطاني

رواية حارة الربيع الفصل الثالث 3 بقلم خضراء القحطاني


البارت الثالث ~حارة الربيع _
سلمى بتبتسم بهدوء:مش قادرة يا ماما، عندي امتحان تشريح، ومخي كله عضم دلوقتي.
فاطمة:يا رب تنجحي وتفرحيني وتبقي دكتورة تشرف العيلة كلها.
في نص البيت، السلالم القديمة بتصرصر، وأحمد الحفيد الكبير نازل من فوق، لابس جلابية بيضا، وبيوزّع السلام بصوته العالي:صباح الخير على أحلى عيلة في مصر!
فاطمة من فوق؟ أنا جبت العيش السخن من الفرن!
الحاجة وداد من المطبخ:تعالى خد الشاي، وادي طبق الفول لصفية، عشان ما تنفجرش من الزعيق!
أحمد:يلا بينا نبدأ اليوم بدعوة حلوة ومعلقة فلافل!
بعد صلاة الجمعة، البيت كله كأنه تنفض من الغبار، ريحة الطهارة والسكينة مالية المكان.
الحاجة وداد بتفرش سجادة الصلاة الكبيرة في نص الحوش، حواليها الورد الصناعي اللي هي زرعاه بنفسها، وتقول:اللي هتحفظ النهاردة خمس آيات، ليها تمرية بالعسل من إيدي.
صفية، فاطمة، وانتصار قاعدين حواليها، كل واحدة معاها كرسي صغير، وكتاب تفسير.
رنا وملك وهاجر البنات الصغيرين قاعدين بين رجليهم، بيقلّبوا في الكتيبات الصغيرة.
فاطمة بابتسامة:عارفة يا ماما أنا كنت نسيت ريحة الهدوء ده، من ساعة ما الدنيا دخلتها زحمة.
الحاجة وداد:اللي ما بيفتحش قلبه للقرآن، عمره ما يحس بالونس… حتى لو وسط مليون شخص.
انتصار:بس إحنا فعلاً اتونسنا… بقينا نحب الجمعة مش علشان الأجازة، علشان قعدتك دي يا حاجة.
بعد الجلسة، السيدات يقعدوا على الترابيزة الطويلة في البلكونة، ويفرشوا قماش وألوان وخرز.
صفية بتشتغل في كروشيه لغطا صينية،
فاطمة بتخيط أكياس قماش مطرزة،
انتصار بتعمل سلال خوص،
والبنات حواليهم، بيتعلموا، وبيضحكوا، وكل شوية واحدة تقول ملك:يا ماما دي غرزة عدّلة ولا مقلوبة؟ أنا مش فاهمة حاجة!
هاجر:يا سلام، بصّي غرستي أنا أنضف منك!
رنا بفخر:أنا عملت دايرة طلعت شبه بطاطساية!
والضحك يعمّ المكان، والأشغال اليدوية تتعلّق بالحبل في البلكونة، كأنها لوحات فنية.
في ساحة جنب البيت، أحمد، خالد، أدهم، ورضا بيلعبوا ماتش كورة حامي،
كلهم لابسين تريننجات قديمة، والشراب طالع من الشبشب، وبيتحمسوا كأنها نهائي كاس العالم.
أحمد وهو بيعدّي:هات يا رضا هات الباص ما تبصليش كده، دي كورة مش طابونة!
أدهم:مستر أحمد، بعد الجون ده هنفتح أكاديمية، إيه رأيك؟
خالد ساخر:أكاديمية إيه؟ دي رجلك كانت هتخبط في الحيطة وانت بتشوط!
ييجوا الأطفال الصغيرين يتفرجوا، والستات يزعقوا من فوق انتصار:أوعوا تكسروا الإزاز يا ولاد المرة اللي فاتت شباك أوضة النوم اتخرم!
أحمد ضاحك:هنلعب بشياكة يا طنط زي برشلونة أيام زمان.
يأذن المغرب، وريحة الطبيخ تطلع من كل شباك،
الكل يدخل يتوضى، ويلبس جلبيته أو طرحة الصلاة،ويجتمعوا في الصالة الكبيرة الرجال على اليمين، الستات على الشمال،
الحاجة وداد تصلي بيهم ركعتين، وبعدها تقول:اللي حافظ حاجة يقولها، واللي قلبه متدايق ندعيله.
هاجر تقول دعاء، أحمد يرتّل، وفاطمة تمسح دمعتها بهدوء، وملك تسلّم على أمها بعد الدعاء البيت كله نور، مش من الكهرباء،لكن من البركة اللي ساكنة فيه دارهم الكبيرة، اللي عمرها ما بتضيق بأهلها.
مالك الرفاعي في أواخر الثلاثينات شعره بني غامق، دائمًا مرتب ببساطة عيناه رماديتان تميلان إلى الزُرقة، فيها نظرة صبر وتأمل
بشرته قمحية فاتحة طويل القامة، متوسط البنية
أسلوب لبسه هادئ وأنيق، غالبًا يرتدي قميص بألوان ترابية وساعة جلد قديمة كان طبيبًا نفسيًا سابقًا، لكنه ترك الطب واتجه للعمل في مجال التأهيل المجتمعي ودعم الناجين من الصدمات.
عاش فترة طويلة في العزلة بعد وف*اة خطيبته، لكنه عاد للحياة تدريجيًا عبر مساعدة الآخرين.
هادئ جدًا، لا يتكلم كثيرًا، لكنه حاضر دائمًا يملك طريقة في الكلام تطمّن، مش تنظّر.
ينصت أكثر مما يتكلم.
يعطي إحساسًا بالأمان لمن حوله، لكنه لا يسمح لأحد بالتسلل إلى قلبه بسهولة.
عنده فلسفة شخصية عن التعافي، مؤمن إن كل إنسان يملك داخله بذرة شفاء.
مالك أكثر غموضًا، ويميل للعزلة.
يحمل في داخله ذن*ب لم يصرّح به أبدًا، ويتجنّب العلاقات العاطفية لأنه يرى نفسه غير صالح للحب مرة أخرى.
لكنه حين يحب، يحب بصمت، وبثبات، وبدون وعود بل أفعال.
مركز إعادة تأهيل نفسي بسيط غرفة جلسات جماعية
في مساء هادئ، الشمس بتغيب، والضوء الذهبي داخل من الشبابيك
كانت جالسة في آخر الصف، تحاول ما ترفعش عينيها في إيدها دفتر صغير، وإيدها التانية بتشد طرف كمها، كأنها بتحاول تخبي نفسها من كل العيون.
دخل هو.
خطواته هادئة، لا سريعة ولا بطيئة.
كان مختلف مش بالطريقة اللي تخليك تنبهر، لكن بالطريقة اللي تخليك تاخد بالك من سكوته.
جلس على الكرسي، وفتح دَفتره.
مفيش ترحيب صاخب، مفيش ابتسامة مجاملة، مفيش جُمل محفوظة.
بس قالها بنبرة هادئة، صافية كإنها مية مالك:مافيش حد بييجي هنا صدفة بس في ناس بتتأخر، وناس بتخاف، وناس بتفكر ترجع.
إنتِ جيتي وده لوحده خطوة تستحق التقدير.
رفعت عينيها بخجل.
كانت متوقعة تلاقي شخص زي باقي الأطباء كلمتين محفوظين ونظرة شف*قة.
لكن هو كان بيسمعها من غير ما تتكلم.
سألها سؤال بسيط مالك:لو كان في كلمة واحدة بتوصف حالك دلوقتي هتكون إيه؟
اتلخبطت بصّت في الورق وبعد تفكير طويل، همست:ضاي*عة.
ابتسم، ابتسامة صغيرة ما وُلدتش من شفقة إنما من فهم عميق، وقال مالك:اللي بيحس إنه ضاي*ع، غالبًا لسه ما اكتشفش هو مين مش ضاي*ع، بس تايه جوه زحمة مش صوته.
وإحنا هنا، بنهدّي الزحمة.
نظرت له للمرة التانية ولأول مرة، من شهور، ما خ*افتش.
ماحستش إنه جاي ينقذها بس حسّت إنه هيصاحبها وهي بتحاول تنقذ نفسها.
ملتزم مش بشكل صارم، لكن صادق جدًا مع ربنا.
بيصلّي كل الفروض، ويواظب على صلاة الفجر جماعة في المسجد.
بيحب يختم القرآن كل شهر، وبيقرأ في كتب ابن القيم وابن عطاء الله السكندري. 



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close