رواية بين الامس واليوم الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم انفاس قطر
بين الأمس واليوم/ الجزء الثاني والثلاثون
+
للمرة الثانية يتعالى رنين هاتفها مع تصاعد مشاعر نفورها الغريبة من صاحب الاتصال
+
ختاما قررت أن ترد.. فرغم أنهما لم يتعاشرا بعد.. فهي أصبحت تعرف أن أبرز صفاته هي العناد والتصميم
+
مادام قرر أن يضايقها الليلة باتصاله.. فلا شيء سيرده
+
ردت بهدوء حازم: ألو..
+
جاءها صوته العميق الساخر أبدا: ألو حاف كذا؟!
+
ردت عليه بتهكم رغم أنها فهمت فورا قصده غير البريء: اشرايك أغمسها لك بالسمن؟؟
+
رد عليها بذات التهكم: صدق همش على كرشش.. على طول سمن مرة وحدة..
+
ردت عليه بسخرية: أحب أجاوب الناس على قد تفكيرهم..
+
فرد عليها فورا: إلا وأنتي صادقة.. كل وعاء بمافيه ينضح..
1
كاسرة بنبرة مقصودة: أنا أبي أدري ليه مكلف على نفسك اتصال بدون سبب..
+
كساب بحزم: ومن قال بدون سبب.. أنا متصل أبلغش بشيء..
+
كاسرة قاطعته بحزم بالغ: أمي بلغتني.. مشكور.. وصل الخبر.. يعني دايما اتصالاتك بدون سبب
+
ويوم صار عندك شيء مهم تقوله.. رحت تقوله لأمي.. وهي ما قصرت بلغتني.. وأنت خلاص مالك دور
+
حينها ابتسم كساب بخبث: هذا كله متضايقة عشان ما أتصلت لش أول أبلغش.. اشتقتي تسمعين صوتي؟؟
+
بس على العموم أنا متصل أبلغش بشيء أمش ما تدري فيه..
+
أمش قالت لش بنسافر ليلة زواجنا.. بس ماقلت لها أني بأخذش من القاعة للمطار على طول.. فجهزي نفسش لذا الشيء
+
يعني ممكن ترجعين لغرفتش في الأوتيل تبدلين بسرعة.. ونطلع..
+
رغم صدمة كاسرة البالغة مما قاله إلا أنها لم تظهر صدمتها وهي تهمس بثقة: وليش ذا الاستعجال؟؟
+
كساب ببرود: والله الحجز جاء كذا..
+
كاسرة حينها همست ببرود مشابه: زين كساب أنت ماشاء الله عندك أخت وخالة.. ممكن هم يبلغوني بذا التفاصيل.. مافيه داعي تتعب نفسك..
+
كساب حينها هتف لها بثقة: أخليهم يبلغونش لو أنا وأنتي ما بيننا تواصل..
+
لكن أخليهم يبلغونش وأنا أقدر أبلغش بنفسي هذا اسمه عبط..
+
كاسرة تريد انهاء الاتصال لذا همست بحزم: خلاص صار عندي خبر..
+
شيء ثاني..؟؟
+
حينها همس لها كساب بنبرة متلاعبة خافتة مثقلة بدفء مدروس: إيه.. فيه.. قولي لي تصبح على خير حبيبي عشان أسكر..
+
كاسرة حينها شعرت كما لو أن أحدهم صفعها على وجهها بكل قوته.. وطنين مرتفع يمزق تلافيف مخها بشكل مفاجئ
+
صرت على أسنانها بغضب وهي تهمس بحزم بالغ: بصراحة مثل وقاحتك ما شفت..
+
حينها ارتفعت قهقات كساب على الطرف الآخر بينما شعرت هي أنها ستنفجر منه
+
كانت ستغلق الهاتف في وجهه لولا أنها أوقفتها نبرته المتلاعبة بمهارة
+
وهو يهمس بها بخفوت مثير: خلاص أنا أقول تصبحين على خير حبيبتي
+
قال (حبيبتي) وهو يصر على أحرفها ببراعة دافئة بصوته المثقل رجولة وعمقا
+
بينما كاسرة سارعت لإغلاق الهاتف في وجهه وهي تنتفض غضبا من أسلوبه الرخيص في التلاعب
+
ولأنها رغما عنها شعرت بتأثر عميق غريب كرهته.. وشيء ما داخلها ينتفض مع همساته الدافئة التي لامست منطقة محظورة لم تمس مطلقا من قبل..
+
رغم أنها ليست المرة الأولى التي تسمع فيها غزلا.. بل سمعت غزلا أشد من ذلك وهي تتعرض للمعاكسات في الأماكن العامة..لم يثر فيها سوى الرغبة بصفع المعاكس
+
هذه المرة ترغب أيضا لو كان كساب أمامها لتصفعه.. ولكن مع تلك الرغبة كان هناك إحساس غريب مجهول... كرهته حتى النخاع!!
+
بينما هو على الطرف الآخر كان يهدف إلى شيء آخر من هذا التلاعب.. استراتيجية حرب تسمى تخدير مشاعر العدو..للوصول لمرحلة أخرى
+
يتمنى بالفعل أن يرى هذه الصبية حينما تسلم رايتها.. يريد أن يشعر بها أنثى تذوب من كلماته.. ترتعش من همساته التي سيتفضل بها عليها
+
يريد ربما أن يرضي غروره حينما يرى أنه أخضع هذه الأنثى القوية لما يريد..
+
وما يريده هو أن تكون هي كما يشاء
+
يريد إعادة صنعها كيف يشاء مادامت قد ارتبطت به وأرتبط بها..
6
يعلم أنها مهمة عسيرة.. ولكن ليس عليه
+
ليس عليه هــو !!
+
***************************************
+
اقترب آذان الفجر .. هو لم يعد ولم يتصل.. ولم يرد على اتصالاتها ورسائلها حتى.. تكاد تذوب قلقا.. وحزنا..
+
حتى وإن كان غاضبا منها.. فلا يليق مطلقا أن يتصرف تصرفات المراهقين هذه
+
فكلاهما شخصان ناضجان.. من المفترض أن يتعاملا مع مشاكلهما بالنضج الكافي..
+
ألا يكفي أنه رفض مجرد الجلوس والتحاور..رغم أنه دائما يتبجح أنه يرفض ترك مشاكله معلقه
+
ثم بعد ذلك خرج بطريقة أقل مايقال عنها غير مهذبة.. ثم بعد ذلك كله يقتلها بالقلق عليه..
+
هذه الليلة هي الليلة الأولى بعد زواجهما التي تكون فيها وحيدة من غيره
+
الليلة الأولى التي تقضيها ساهرة بعيدا عن حضنه
+
لا تنكر أبدا أن شعورا مرا بالخواء تسرب إلى روحها.. وهي تجلس على سريرها وتنظر إلى مكانه الخالي جواره..
+
وتهمس بألم وهي تميل لتمسح المكان: الله لا يخلي المكان من راعيه..
+
تنظر لساعتها.. لم يبق على آذان الفجر شيئا.. من المفترض أن يكون في دوامه الآن.. فكيف يكون ذهب وهو لم يعد لارتداء بدلته العسكرية
+
سالت دموعها حارة لاهبة رغما عنها..
+
شعرت أنها عاجزة عن سحب أنفاسها وضيق عميق يطبق على روحها
+
أسندت رأسها لركبتيها التي ضمتها لصدرها وهي تجلس على سريرها لتهدر مزيدا من دموعها ودعواتها أن يحفظه المولى وألا يريها شرا به
+
رنة رسالة انتزعتها من حالتها.. التقطت الهاتف بلهفة.. بقلق.. وتوتر.. سمت باسم الله وهي تفتحه:
+
" أنا في الدوام
+
طوّل العشا شوي.. فطلعت للمعسكر على طول"
+
حينها ألقت بالهاتف جوارها وهي تشهق شهقات خافتة
+
تبكي لأنها اطمئنت عليه بعد كل هذا الشد
+
وتبكي لأنها غاضبة منه .. أولا تجاهل اتصالاتها ورسائلها كل هذا الوقت الطويل
+
ثم حين يرد عليها.. يستكثر أن يتصل بها.. و يرد عليها بهذه الرسالة الباردة..
+
******************************************
+
" والله ماهقيت الموضوع بيعدي كذا.. اللهم لك الحمد والشكر
+
كنت قاعد ماسك على يدك وأنا أشوف أشلون يدك ترجف وعيونك تولع
+
وأدعي ربي وأقول يا الله سترك.. يا الله سترك"
+
عبدالله يسند رأسه للخلف بإرهاق عميق وهو يهمس بنبرة موجوعة:
+
حتى أنا ماهقيت أني بأمسك أعصابي.. أنت بنفسك شفت أشلون كانت هي ومحاميها قاعدين يستفزوني
+
تدري يا صالح كل ماطرى علي مشهد موت خالد.. أحس أني أبي أقوم أنط في حلقها.. وكل ماجيت بأقوم طرا علي حسن
+
أقول فيه واحد مات وواحد حي.. من اللي محتاجني أكثر..
+
ساعتين التحقيق كانت عذاب .. حسيت أني بأموت من القهر والوجيعة
+
صالح يبتسم وهو يربت على كتف عبدالله : الحمدلله يا ابن الحلال.. المهم أنه خلاص خلصنا.. وبكرة راجعين لديرتنا..
+
عبدالله يهمس بشجن موجوع: والله مافيني صبر..
+
ثم أردف بألم عميق: ظنك إن ابي بيبطي لين يسامحني ؟؟
4
***********************************
+
طرقات هادئة ترتفع على باب غرفة غانم الذي كان يستبدل ملابسه.. هتف بحزم: دقيقة ياللي عند الباب..
+
ثم فتح ليجد نجلاء أمامه.. هتف بترحيب وهو يقبل جبينها: حيا الله أم خالد.. ياهلا والله بالغالية..
+
حين دخلت لاحظ هالات سوداء حول عينيها توحي بإرهاق يخفي خلفه حزنا وتوترا وقلقا يتجاوز الإرهاق وكل معانيه
+
غانم مد يده ومسح خدها بحنان وهو يهتف بقلق: نجلا اشفيش؟؟
+
تفاجئ غانم بل فُجع بها ترتمي على صدره وتنتحب.. فنجلاء بالذات معروفة لدى الجميع بسيطرتها على نفسها.. ونادرا جدا ما رآها غانم تبكي
+
لذا علم أن خلف البكاء أمرا جللا لذا شدها لحضنه وهو يهددها: نجلا عسى ماشر ليش ذا الدموع؟؟
+
قولي لي جعلني فداش.. أفا عليش.. تبكين وإلا تتضايقين وغانم موجود..
+
نجلاء منذ سمعت حوار فهد وهزاع البارحة وهي دوامات صراع مزقت روحها.. لم تستطع أن تنم مطلقا وعشرات الصور المتخيلة الكريهة تقفز لذاكرتها
+
لا تستبعد أبدا فكرة أن صالح قد يتزوج.. فهو سبق أن خطب أرملة عبدالله
+
لكنها حينها لم تقلق.. لأنها كانت تعلم أن جوزا لن توافق عليه
+
فهي بداخلها كانت مطمئنة أنه سيبقى لها..
+
ولكن أن يتزوج وبهذه الطريقة الجارحة لها..
+
لم يفعلها وهي غاضبة في بيت أهلها.. فيفعلها الآن بعد أن عادت إليه
+
(ولكن هل أنتي فعلا عدت إليه يا نجلا؟؟
+
أتخدعين نفسكِ أم تخدعينه؟!)
+
(حتى ولو.. نعم.. عدت له وأنا الآن في بيته
+
لا يجوز أن يتصرف معي هكذا
+
يريد أن يتزوج من حقي أن يحترمني ويصارحني
+
لا أن يتزوج في السر ثم يريد أن يسكنها في بيتي)
+
(الآن أصبح بيتكِ وأنتِ من هربت من البيت وصاحبه؟؟)
+
(نعم بيتي.. وقبل ذلك زوجي
+
لا يهمني البيت.. يهمني صاحبه
+
يستحيل أن أتنازل عن صالح لسواي)
+
(صحوة متأخرة جدا هذه الصحوة
+
الآن تريدين صالح
+
أين كنتِ طوال الأشهر الماضية وهو يرجوكِ ويسكب مشاعره تحت قدميك
+
دون أدنى رحمة منك)
+
(جرحني.. جرحني..!!
+
وجرح الغاليين غال)
+
(واعتذار الغاليين أ ليس غاليا مثلهم؟!)
+
(مرهقة أنا..
+
يكفيني مابي لا تزدها علي أرجوك
+
أشعر أني على شفير هاوية وأنتظر فقط من يدفع بي حتى أهوي)
+
غانم تنهمر مشاعره مع هذه الباكية بين ذراعيه ولا تجيب عن تساؤلاته: أم خالد بس قطعتي قلبي.. وش اللي يخليش تبكين كذا؟؟
+
نجلاء بين شهقاتها: صالح تزوج علي أو بيتزوج علي..
3
حينها تصلب جسد غانم وشعرت هي بذلك وهو يبعدها عن حضنه لينظر إلى وجهها الذي تفجر احمرارا واضحا في بياضها
+
وهو يهتف بغضب: وذا البكاء كله عشان صالح تزوج او بيتزوج
+
إذا هو ماعرف قيمتش.. هلش يعرفونها
+
مابه شيء يستاهل دموعش..
+
وصالح مهما صار يظل أخي وأنتي أختي..بغيتيه.. فهو رجالش وأبو عيالش.. ومهوب أول رجّال ولا أخر رجال يعرس
+
ما بغيتيه.. بيت هلش مهوب عاجز منش
+
حينها جلست نجلاء على السرير وهي تنتحب: هذا وأنا جايتك أبي مساعدتك تسوي فيني كذا
+
غانم يتنهد: زين أشلون تبين أساعدش.. تبين أهدد صالح وأقول له لو عرست على أختي كفختك...
+
تراني حاضر
+
نجلاء تحاول تهدئة نفسها: لا أبي خدمة أبسط من كذا..
+
صالح جاي بكرة على رحلة من أمريكا ما أدري بالضبط أي وقت..
+
وأنت عارف فيه كم طيارة تنزل المطار جايه من عدة ولايات في أوقات مختلفة ويمكن يكون بيسافر ترانزيت..
+
أبيك تعرف بالضبط على أي طيارة هو..
+
غانم هز كتفيه: هذي سهلة.. أقدر أطلعها من السيستم.. وغيرها؟؟..
+
نجلاء بتردد: أبيك تستقبله وتشوف من هو جايب معه.. لأنه مهوب راضي حد يستقبله ولا يقول لأحد هو متى جاي
+
وقلبي قارصني من ذا السالفة.. وخصوصا أنه طلب إن البيت يتشطب في السر
+
هذا كله ما تشوفه شيء مريب..
+
حينها هتف غانم بغضب: ماهقيتها منك ياصالح.. عرس وفي السر
+
يبي يعرس على بنتنا.. يأتي ويبلغنا لأن السنع كذا
+
والله ماهقيتها منه أبو خالد...
+
نجلاء تختنق ضيقا: الحين أنت سويتها سنع ومهوب سنع.. أنا ما أبي صالح يعرس علي.. في السر وإلا في العلن..
+
غانم يشير بيده : خلاص خلاص.. الحين وأنتي قاعدة بأطلع لش على أي طيارة جاي... هذا لو كان حجزه على الخطوط القطرية
+
غانم أنهى عبارته وتناول هاتفه ليقوم باتصال سريع .. وكما هو معروف حجز الطائرات يكون باسم العائلة
+
لذا أعطى الطرف الآخر اسم عائلته قبل اسم صالح..
+
الطرف الآخر بنبرة مهنية: أي واحد تسأل عنه
+
صالح خالد آل ليث الـ
+
وإلا عبدالله خالد آل ليث الـ..
4
غانم شعر كما لو أن قنبلة تفجرت في منتصف رأسه وريقه يجف تماما وهو يسأل بحذر:
+
نعم عيد ما سمعتك..
+
الطرف الآخر بنفس النبرة المهنية: أقول عن أي واحد تسأل
+
صالح خالد آل ليث الـ
+
وإلا عبدالله خالد آل ليث الـ..
+
غانم شعر بعينيه تغيمان وروحه تُسحب منه وهو يحاول أن يهتف باصطناع فاشل:
+
خلاص خلاص شكرا.. بأكون هناك..
+
ثم جلس بجوار نجلا على سريره.. شعر أن قدميه عاجزتان عن حمله..وأنه سيهوي ساقطا على الأرض
+
نجلاء استدارت له بقلق وسألته: وش فيك غانم؟؟
+
غانم لا يستطيع حتى النظر إليها يخشى أن تفضح نظراته صدمته الكاسحة
+
(معقولة عبدالله يرجع من الموت
+
مستحيل.. مستحيل..
+
مـــســــحـــيــــل !!
+
بس الاسم.. نفس الاسم
+
ومع صالح على الطيارة
+
عبدالله
+
عبدالله حي؟؟ معقولة؟؟
+
إذا كان فعلا حي.. فتصرفات صالح كلها مبررة الحين ومفهومة)
+
غانم يقفز لينتزع من الدولاب لباس الطيارين... رغم أنه عاد للتو من المطار
+
ففي رأسه موال ما..
+
سيكون على متن الطائرة التي ستسافر بعد قليل.. لتعود في الغد.. سيسافر حتى لو كمساعد ثالث.. أو مجرد عضو في الطاقم
+
لأنه هذه الطريقة الوحيدة ليسافر.. فليس هناك وقت ليحجز كمسافر..
+
لابد أن يتأكد بنفسه لن يستطيع الانتظار للغد..
+
نجلاء تفجر قلقها أمواجا عاتية.. وهي ترى غانما يتحول لآله لا تفكر..
+
وهو ينتزع ملابسه ويتجه بها للحمام ويلبس في أقل من دقيقة وينزل راكضا دون أن يغلق أزرار قميصه حتى
+
ودون حتى أن يسمع نداءاتها ورجاءاتها الحارة التي تحولت بعد ذلك لشهقات عالية وهي تنهار على رخام غرفته البارد..
+
*********************************
+
كانت نائمة بعد الليلة المريعة التي قضتها البارحة
+
من بعد صلاة الفجر استلقت على فراشها.. حاولت تنحية ألمها من تصرف منصور جانبا.. ولكنها لم تستطع.. قضت وقتا طويلا تفكر قبل أن تنام
+
لا يخلو بيت من المشكلات.. ولا توجد علاقة بين زوجين تخلو من المنغصات
+
تعلم ذلك جيدا..
+
ورغم أن منصور بدأ بالفعل يستحوذ على جزء كبير من تفكيرها ومشاعرها
+
ولكن شخصيته الحادة المسيطرة توتر شخصيتها الرائقة الهادئة..
+
قد تقول أنهما قد يكونان هكذا متناسبان.. وهي بمرونتها تحتوي صلافته وتشدده..
+
ولكن الاحتواء في العلاقة الزوجية لابد أن يكون متبادلا
+
لا يمكن أن تكون هي الطرف المحتوي طوال الوقت.. سيأتي حينها يوم تُستنفذ كل مرونتها وتنفجر..
+
ولشد ما تخشى ذلك.. فهي ليست هكذا.. ولطالما احتملت الكثير طوال حياتها..وأكثر من ذلك بكثير... ولكن أ لم يئن الأوان لترتاح؟!
+
كانت هذه هي أفكارها حينما نامت وهي تشعر بصداع شديد..مازالت تشعر به حتى وهي نائمة..
+
فليلة البارحة كفيلة بتفجير أقوى صداع.. لم تتناول شيئا من بعد الغداء لأنها لم تتعشَ بعد مغادرة منصور
+
عدا البكاء والتوتر وجلستها الطويلة المتصلبة في انتظاره
+
فهل تحول الصداع لطرقات ناعمة على عضدها الآن؟!
+
طرقات ناعمة على عضدها.. ثم همسات دافئة في أذنها.. ثم قبلات حانية على صدغها ويديها..
+
فتحت عينيها بخفة ثم عادت لإغلاقها لشدة إحساسها بالألم في رأسها وانتفاخ عينيها..
+
همست بألم دون أن تفتح عينيها: جيت حبيبي؟؟ وإلا ممنوع أقول حبيبي؟؟
+
منصور تمدد جوارها وهو يدخل ذراعه تحت رأسها ثم يضمها لصدره وهو مازال بلباسه العسكري الكامل حتى الحذاء والقبعة العسكرية
+
ويهتف وهو يبتسم: إلا حبيبش ونص.. وإلا عندش حبيب غيري؟؟
+
حينها دفنت عفراء وجهها في صدره وبكت بشفافية: دام حبيبي ونص.. ليه اللي سويته البارحة..؟؟
+
منصور اعتدل جالسا بميل وهو يُجلسها معه ثم هتف بجزع: تبكين يا قلبي؟؟ أفا عليش.. ترا حتى منصور ما يستاهل دموعش
+
سامحيني يالغالية.. أدري زودتها البارحة بس والله من غلاش عندي..
+
عفراء تجلس بشكل مائل وهي مازالت تسند رأسها لصدره وتهمس من بين دموعها التي تسيل بصمت وعيناها مازالتا مغلقتان:
+
تدري منصور.. والله ماهمني اللي قلته البارحة كثر ماهمني اللي سويته فيني عقب
+
يعني ماهان عليك تطمني عليك وانا محترقة من المحاتاة
+
منصور بمودة شاسعة: سامحيني ياقلبي.. والله العظيم التلفون على الصامت في مخباي.. ما أحب كل شوي أرد إذا كنت في جمعة رياجيل كبيرة
+
ومع إنه والله العظيم إن العشا ماطب حلقي بس السهرة طولت شوي
+
ويوم شفت الساعة إلا دوامي مابقى عليه شيء
+
طلعت للمعسكر دايركت وبدلت هناك.. وكان عندنا تدريب مبكر..
1
وقتها شفت اتصالاتش حتى المسجات مالحقت أفتحها.. طرشت لش على السريع
+
ووالله العظيم إن قلبي قارصني عليش.. وعقب ماقريت المسجات ودريت إنش متروعة علي كذا
+
حتى الدوام ماقدرت أكمله.. رجعت بسرعة عقب ماخلصت شغلاتي الضرورية..
+
ها سامحتيني وإلا لا.. لأني أنا ترا ماسامحت نفسي..
+
عفراء تقبل صدره مكان رأسها وتهمس بإرهاق: ما أقدر أزعل عليك ياقلبي.. بس تكفى ما تسويها فيني مرة ثانية.. حتى لو كنت زعلان علي..
+
منصور يهتف بحنان: زين يوم أنتي منتي بزعلانة.. بطلي عيونش أشوفها..
+
عفراء بصوتها المرهق: حاولت منصور بس ماقدرت.. عيوني منتفخة.. ورأسي بينفجر من الصداع.. شكله الضغط مرتفع عندي..
+
منصور بجزع: ضغط..؟؟ ثم أردف بغضب من نفسه: كله مني.. كله مني.. يالله قومي أوديش المستشفى..
+
عفراء برفض رقيق: مافيه داعي.. بس تكفى عطني بنادول من جنبك.. وبأنام شوي.. وبأقوم زينة.. أبي أنام بس..
2
منصور يتصل بالخادمة في الأسفل حتى تحضر حليبا باردا حتى لا تتناول المسكن على معدة خالية.. ثم يلتفت لعفراء ويهمس لها بحنان مصفى:
+
والله يا قلبي مالي وجه منش .. سامحيني يالغالية..
+
أنا بأخليش تنامين الحين لكن لو رجعت وانتي تعبانة بأشلش غصب وأوديش المستشفى
+
كان عندي موعد العصر.. خلاص بأروح له الحين.. عشان أتفرغ لش
+
.
+
.
+
.
+
.
+
منصور كان متوجها لموعده حين رن هاتفه.. نظر للاسم ثم التقطه رد بابتسامة: هلا والله بالغالية..
+
صوتها الرقيق: الله يغليك عن ربعك..
+
رد عليها بمرح: أبي أكون غالي عند خالتش وبس..
+
ردت عليه مزون بابتسامة: وأنت غالي عند خالتي.. وعلى طاري خالتي أتصل عليها ماترد علي.. مهوب عوايدها راقدة لذا الحزة..
+
منصور يرد عليها بهدوء: خالتش راقدة.. تعبانة شوي.. توني خليتها الحين..
+
حينها أشرق وجه مزون وهي تهمس بخجل باسم تخفي خلفه سعادة عارمة:
+
مبروك ياعمي.. بس توه ما يبين وحم.. صح وإلا أنا غلطانة؟؟
+
حينها انفجر منصور ضاحكا: ياحليلش يامزون.. وين راح مخش؟؟..
+
بتباركين لنا إن شاء الله قريب.. بس مهوب الحين تو الناس..
+
وجه مزون اشتعل احمرارا وهي تسب نفسها
+
(صدق إني ملقوفة.. حامل وإلا مهيب حامل..
+
مالقيت حد أبارك له إلا عمي..
+
بس اللي صار.. فلتت الكلمة)
+
همست بخفوت تخفي خلفه حرجها: زين أقدر أروح لها..
+
منصور بحنان: والله يأبيش هي الحين نايمة... تعالي العصر..
+
.
+
.
+
.
+
بعد نصف ساعة
+
" ها يا دكتور؟؟ طولت فحوصك"
+
الطبيب يرفع عينيه عن الأوراق أمامه استجابة لعبارة منصور الحازمة.. ويبتسم:
+
شوف يا أستاز منصور..
+
زي مائلت لي تمام في الفحص اللي عملته ئبل..
+
أنت عندك مشكلة بسيطة خالص.. وعلاجها سهل خالص كمان.. ومضمون بإزن الله مية في المية..
+
منصور بحزم: هذا كله أنا عارفة.. متى بنبدأ العلاج.. وأهم شيء متى بيعطي نتيجة..
+
الطبيب بابتسامته المهنية: ست سبع شهور بإزن الله وتكون في السليم..
+
منصور قفز بشكل حاد وهو يميل على مكتب الطبيب ويهتف بغضب: نعم وش قلت؟؟
+
الطبيب رغما عنه انكمش قليلا وهو يرى طول منصور الفارع يميل عليه وهتف بصوت أخفت: بائول ست سبع شهور بس..
+
منصور شد له نفسا عميقا ثم عاود الجلوس وهو يهتف بثقة: أنا ما اقدر أصبر حتى شهر واحد.. أبي نتيجة فورية..
+
الطبيب بذات النبرة المهنية: استاز منصور اللي بتئوله مش منطقي خالص
+
دا طب.. مش سحر زي أفلام الكارتون..
+
يعني الدوا لازم ياخد وئته ومفعوله.. عشان يجيب نتيجة
+
حينها وقف منصور وهو يهتف بحزم: هذا أخر كلام..؟؟
+
الطبيب هز كتفيه: أكيد أخر كلام.. ولو رحت لألف دكتور هيئول لك نفس الكلام..
+
منصور بحزم بالغ: خلاص مع السلامة..
+
الطبيب باستغراب: والعلاج؟؟
+
منصور بذات نبرته الحازمة: خلاص ما أبي أتعالج..
+
الطبيب باستغراب أشد: استاز منصور.. كلو بإزن الله.. بس لو أنته ماخدتش العلاج.. مستحيل يصير حمل
+
منصور يغادر: بعد ست وإلا سبع شهور الله عالم وش يصير..
+
منصور غادر العيادة وضيق غاضب يتصاعد في روحه على كل الأطباء الفاشلين..
+
كان صعبا عليه أن يتخذ قرارا بالعلاج.. لأنه كان مقتنعا بعدم رغبته بالأطفال..
+
ولكنه رأى أن الوسيلة الوحيدة التي ستربط عفرا به هي طفل..
+
فإذا كانت مستعدة أن تتخلى عنه من أجل ابنة ماعادت تحتاجها
+
فمن باب أولى أنها ستتمسك به من أجل طفل هو من يحتاجها..
+
بدت الفكرة له أول مافكر بها : مقيتة وجارحة ومهينة.. أن يفكر هو العقيد منصور أن يربط امرأة به رغما عنها
+
ولكنه كما قال لعفراء.. فكر بطريقة العساكر.. الأهم فالمهم..
+
والأهم عنده هو عفرا.. وعفرا فقط..
+
بعد ذلك بدت له الفكرة غير سيئة إطلاقا.. بل مثيرة وجذابة وإنسانية لأبعد حد..
+
يكون أبا.. ولطفل من عفرا..
+
وبعد ذلك وهو يجري الفحوصات سيطرت فكرة الطفل عليه تماما وهي تلغي كل أفكاره البالية القديمة
+
فعلا شروط وأنت على البر مختلفة حينما تدخل البحر..
+
هو الآن يريد درزينة من الأطفال إن كانت عفراء أمهم..
+
لكن بما أن العلاج يريد وقتا.. يريد أن يضمن قبلا أن عفراء ستبقى معه.. ومن أجله هو
+
فهو لا يستطيع منعها من زيارة ابنتها طوال هذا الوقت..
+
ورغم كل الضيق الذي يشعر به لفشل مخططاته ولكنه لن يستسلم.. لن يتخلى عن عفراء بعد أن وجدها..
+
لذا فلينقل معركته إلى ساحة قتال أخرى
+
*******************************************
+
عاد منصور بعد صلاة الظهر محملا بضيقه المتزايد الذي لم يظهره للسطح..
+
دخل إلى غرفة نومه متسللا بهدوء حتى يرى إن كانت قد نهضت من نومها
+
ولكنه تفاجأ أنها غير موجودة والغرفة مرتبة ومبخرة..
+
رغما عنه لا يستطيع دفع هذا الألم المتزايد الذي يطبق عليه بشراسة
+
حينما يتخيل حياته تعود خالية من وجود عفراء.. ولمسات عفراء ..وحنان عفراء
+
أي حياة هذه؟؟ الحياة ستكون محض قبر موحش بدونها..
+
تنهد وهو يغلق باب الغرفة لينزل بحثا عنها ليتفاجأ بها خلفه.. متأنقة له كعادتها..مبتسمة كعادتها
+
قبل جبينها وهو يسألها باهتمام: شأخبارش الحين؟؟
+
ابتسمت له برقة: طيبة مافيني شيء.. كنت أدلع عليك بس..
+
منصور بحنان: واللي تبي تدلع ومش منزلها..؟؟ ليه ماقعدتي ترتاحين في غرفتش..؟؟
+
عفراء برقة: رحت أسوي لك غدا مخصوص.. مهوب كفاية إنك ماتعشيت البارحة.. واكيد ماتريقت اليوم..
+
منصور مد ذراعه ليلف بها كتفيها ويعود بها لغرفتهما وهو يهتف بمودة مصفاة:
+
لا تعبين نفسش تكفين.. أنا باكل أي شيء حتى لو شاهي وخبز..
+
عفراء تبتسم: حضرت العقيد يتغدى شاهي وخبز.. لا والله مايكون
+
منصور بولع حقيقي أخفى خلفه حزنه وتوجسه من المجهول: الله لا يخلي العقيد منش ..
+
والعقيد يسألش يقول متى تبي تسافرين لجميلة تراه حاضر
+
شعر بارتعاش كتفيها تحت ذراعه وهي تهمس بتردد عذب: يعني لو بغيت أسافر عقب عرس كساب على طول.. مايأثر على شغلك؟؟
+
منصور بثقة: شغلي باخلصه قبل عرس كساب.. بكرة أو بعد بكرة باخلصه إن شاء الله
+
وتبين عقب عرس كساب على طول رحنا..؟؟
+
حينها مدت عفراء جسدها وهي تقف على أطراف قدميها حتى تطوق عنقه وهي تهمس بسعادة غامرة: مشكور يابو زايد مشكور.. الله لا يحرمني منك..
+
************************************
+
" ياحياها الله عروستنا"
+
مزون بحرج: أي عروسة خالتي الله يهداش.. أنتي العروس..
+
عفراء تبتسم: أي عروسه الله يهداش أنتي.. عقب ماشاب ودوه الكتاب..
+
مزون تبتسم وهي تميل على كتف خالتها تقبله: وأحلى عروس بعد.. وهذا أنا شايفتش قدامي منورة
+
ليه عمي خرعني عليش وقال تعبانة... وإلا العم العزيز يبي يزحلقني بس
+
عفراء بمودة: لا والله كنت تعبانة شوي بس الحين زينة..
+
حينها ضحكت مزون وقالت: تدرين خالتي شر البلية مايضحك.. اليوم جبت العيد عند عمي
+
يوم قال لي تعبانة.. قلت له على طول مبروك..حسبتش حامل..
+
يا الله ياخالتي.. فشلني عمي من قلب...
+
غصة مجروحة قفزت فورا لحنجرة عفراء وهي تشعر بألم صدمة موجعة استنزفت مشاعرها الرقيقة..
+
وبدلت فرحتها الشفافة التي شعرت بها اليوم..إلى حزن امتهان موجع لكرامتها وأنوثتها
+
(حتى مع بنت أخيه وبنت أختي.. عادي عنده يبين إنه مايبي عيال مني
+
ماحتى احترمني قدامها
+
أشلون الحين أحط عيني في عينها)
+
لم يمر حتى يوم واحد على مافعله بها البارحة حتى يطعنها طعنة جديدة اليوم!!
+
عفراء تشاغلت بصب الشاي لمزون وهي تنحي عبراتها التي تجمعت في حلقها جانبا وتحاول أن تتحدث بنبرة طبيعية:
+
خلش مني أنا وعمش منصور.. ما تشوفين أنش طولتي وأنتي تفكرين في سالفة عيال آل ليث
+
حينها غام وجه مزون بشفافية وهمست بذات الشفافية: تعبت خالتي من كثر ما فكرت.. أقدر قول لش قراري وخلاص..
+
عفراء باستغراب حنون: أكيد تقدرين
+
مزون بهدوء شفاف: ما أبي ولا واحد منهم..
12
عفراء بصدمة: من جدش؟؟ وش ذا ؟؟ يأمش فكري زين هذا عرس مهوب لعبة
+
مزون هزت كتفيها: والله فكرت وصليت واجد.. وهذا للي الله هداني له..
1
صعب علي خالتي أرضى بواحد وأرفض ولد عمه..يمكن لو كان واحد منهم هو اللي تقدم لي كان تفكيري اختلف
+
بس الحين الله سبحانه خلاهم يخطبون مع بعض عشان أرفضهم كلهم..
4
عفراء بذات الصدمة: خلش من ذا الخبال والأفكار المثالية.. زين وكلهم تقدموا.. ترا ماحد منهم يدري بخطبة الثاني
+
مزون بعذوبة شفافة: بس يوم أوافق على واحد منهم.. الثاني بيدري.. تخيلي فشيلته وحتى ضيقه من ولد عمه..
+
عفراء باستغراب غاضب: كيفه هو وولد عمه.. يحلون مشاكلهم بنفسهم.. فكري في مصلحتش وبس..
1
مزون تنتهد: خالتي أنتي خايفة انه ماعاد يجيني خطاطيب.. صح؟؟
+
وحدة مثلي ويجيها اثنين ماعليهم كلام.. وترفضهم.. تكون تردي نصيبها.. هذا تفكيرش صح؟؟
+
عفراء بجزع حنون: أشلون طرت ذا الأفكار على بالش.. يابنتي مهوب زين نطب النصيب الزين يوم ياتي.. والا الخطاطيب يا مالش من الخير جاي..
+
مزون عاودت التنهد بعمق أكبر: على قولتش خالتي..الخير جاي
+
وترا ياخالتي واحد+واحد= اثنين.. يعني لاحظي ماحد خطبني لين خليت الطيران حتى الطيار اللي كان معي..
+
معنى كذا أن العيب الكبير مهوب فيني لكن في دراستي وشغلي..
+
ومعنى كذا لي نصيب عاده جايني الله ما كتبه..
+
شفتي ياخالتي الشينة اللي فلوس ابيها تنفقها هذي أنا..
+
كنت أقول أول حتى لو أنا مهوب حلوة.. المثل يقول (الدراهم مراهم تخلي الوحشة حلوة واللي مش فاهم فاهم)
+
بس أثر الطيران عيب غطى حتى على حلاوة الفلوس
+
وهذا هو العيب انكشف.. لو لي نصيب بياتي..
+
عفراء بغضب: مزون وش ذا الكلام السخيف.. أنتي مافيش قصور ومهوب أنتي اللي تزينها الفلوس
+
ثم أردفت بحنان : أنتي على قولت ابن فطيس:
+
زينش يزينه فعل أبيش وجدش....... وأنتي بدورش للنقا كسابة
+
مزون بألم: خلاص خالتي خلي لكل وحدة قناعتها.. أنا فعلا ما أبي أتزوج الحين والمشكة بيني وبين كساب ما انحلت..
+
عفراء رفعت حاجبا وأنزلت آخر: قولي إن السالفة فيها كساب.. بدون ذا الخرابيط كلها..
+
مزون نظرت لساعتها: خلاص ردي صار عندش بلغيه عمي وكساب
+
وعلي الحين بيجي يأخذني
+
حينها انتفضت عفراء بخفة: مزون حبيبتي اقعدي عندي عمش يقول عنده بكرة شغل من فجر وماراح يرجع إلا بكرة في الليل متاخر
+
امسي عندي الليلة..
+
عفراء تريد أن تبقى مزون عندها كدرع تحتمي به من منصور الذي تشعر بغضب عميق منه.. ولا تريد أن يكونا لوحدهما الليلة
+
فرؤيته دون حاجز حامي ستفتح جروحها التي بدأت تتكاثر منه...
+
مزون أجابتها بمودة: يا ليت أقدر بس تدرين ابي ما يرضى
+
بس أوعدش بكرة أجيش من بدري وأسهر عندش لين متأخر
+
الليلة خلي حضرت العقيد يشبع من قعدتش بدون عزول..
+
عفراء تنهدت بوجع (شيدريش أني أبيش تقعدين عزول)
+
لم تكن عفراء مطلقا تريد أن تبقى وحيدة مع منصور هذه الليلة
+
فبقائهما وحيدين سيفتح مساحة للبوح هي غير مستعدة لها مع تعاظم تجريح منصور لها.. حتى وصل إلى حد السخرية بها أمام ابنتها
+
مزون غادرت.. وخلا المكان على عفراء
+
وأعشبت مساحات الألم التي وجدت لها مرتعا خصبا من غضب وعتب وألم..
+
قد تقبل أي شيء منه إلا أن يهينها أمام أبنائها.. تقبل بأي شيء إلا أن يكسر صورتها أمامهم..
+
فكيف واتته الجرأة أن يذكر أمام مزون أنه لا يريد أطفالا منها؟؟
+
أي زواج هذا الذي يكون خاليا من أدنى احترام مفترض بهذه الصورة
+
تنهدت بعمق لاسع.. وزفرت غضبها بحرارة..
+
رغم أن عمر زواجها القصير لم يخل من إساءات منصور لها
+
ولكن من بين كل الإساءات هذه كانت الأعظم بلا مقارنة..
+
ما بينهما - مهما كان جارحا- صداه محدود بينهما
+
لكن أن ينقله خارج حدودهما فهذا يعني انتشارا لا محدودا لصدى الجرح..
+
فهل كان يهدف من ذلك إلى الانتقام منها لما حدث البارحة حينما ناقش شرطها؟!
+
أ يعقل أن منصور قد ينحدر إلى هذا التفكير المنحط الدنيء؟؟ أ يعقل؟؟
+
ثم كيف يكون حقا له أن يناقش شرطها ويغضب منه
+
بينما شرطه لا يُمس ولا يُناقش كأنه حقيقة مُسَلمة لدرجة أن يُشرك مزون فيه بأي صورة حتى لو كان مزاحا؟؟
+
ألا يكفي معرفة كساب له إحراجا لها؟؟ بينما شرطها له سر بينهما لا يعرفه سواهما
+
فهل هكذا الشهامة في عرفك يامنصور؟؟
+
ألا يكفي أنه فعلا بدأت تسيطر عليها رغبتها بإنجاب طفل منه..باتت تتخيل أطفالا يشبهونه.. ولهم نفس عنفوانه الآسر
+
ولكنها يستحيل أن تضايقه بهذا الطلب وهي تقمع هذه الرغبة التي هي حقها الطبيعي
+
ثم بعد ذلك يزيدها عليها بتصرفاته..
+
كيف يريدها أن تقتنع أنه يحبها وحريص عليها لدرجة هذا الغضب الهادر من شرطها.. وهو يتصرف معها على ها النحو الذي يثبت أن كلامه محض ادعاء وكذب
+
فكلامه شيء وتصرفاته تثبت عكس مايقول..
+
تستطيع أن تخبره ببساطة أن شرطها كان خط حماية لحياة مجهولة معه لا تعلم كيف ستكون
+
وأنها لو أيقنت أنه سيكون الحماية والاحتواء لها ولابنتها .. فشرطها لا داعي له
+
ولكنه لم يشجعها على ذلك وهو يثير في روحها قلق دائم من حياتها معه..
+
التهمها هذه الأفكار وهي تدور في البيت.. تحاول الالتهاء فلا تلتهي عن أفكارها
+
كانت غارقة في أفكارها وهي تجلس على أريكة في صالة الطابق العلوي
+
حين فوجئت بمن ينحني عليها من الخلف ويقبل رأسها..وهو يلقي السلام
+
ردت السلام بهدوء
+
استدار ليجلس جوارها وهو يهتف بحنان: أشلونش الحين يا قلبي؟؟
+
(قلبك يا النصاب؟!) هكذا قالت عفراء في ذهنها وهي ترد بنبرة محايدة: الحمدلله تمام..
+
تبي عشا؟؟
+
مد يده ليطوق كتفيها وهو يشدها ناحيته ليقبل خدها وهو يجيب: متعشي في المجلس..
+
ولكنه فوجئ بها تنفض كتفيها وتنهض.. فهي لا تستطع تقبل لمساته بعد ما تظنه فعله
+
حينها هتف بحزم غاضب وهو مازال جالسا وهي واقفة: عسى ماشر؟؟
+
عفراء بذات النبرة المحايدة وهي تستعد للمغادرة: مافيني شيء تعبانة وأبي أنام..
+
فوجئت به يقف وينتزعها من عضدها بحزم: ياويلش مرة ثانية تخليني وأنا أتكلم معش..
+
عفراء همست بنبرة حزم لم يعتدها منها: أيش بتسوي يعني؟؟ بتضربني؟؟
+
ولو سمحت فك يدي لأنك آجعتني..
+
منصور أفلت عضدها وهو يهتف بحزم: مهوب أنا اللي أمد يدي على مرة..
+
بس أنتي الليلة منتي بطبيعية.. خليتش المغرب مافيش شيء
+
عفراء تشعر أنها تريد أن تبكي وتمنع نفسها وهي تدفع القوة في عروقها:
+
يعني ما يحق لي مرة أزعل أو أتضايق وأنت تستحملني شوي..
+
منصور بذات النبرة الحازمة التي حملت هذه المرة دفئا عميقا: أنا استحملش عمري كله..
+
بس أظني أنش صرتي عارفتني.. أسلوب المراوغة ما أحبه..
+
وأنتي مبين أنش زعلانة مني.. قولي لي أيش اللي مزعلش..
+
عفراء حينها تنهدت بألم رغما عنها.. وشعر منصور أن تنهيدتها نفذت من صدره
+
ولم يشعر بنفسه وهو يحتضن وجهها بين كفيه ويهتف لها بحنان مصفى:
+
وتنهيدة بعد .. أفا يا الغالية.. وش اللي مضايقش؟؟
+
أدري أني أجيب الهم والضغط... بس والله ذا المرة ما ظنتي إني سويت شيء
+
علميني منصور أبو دم ثقيل وش سوى؟؟
+
عفراء اشاحت بوجهها لتبتعد عن مدى كفيه.. حينها تأخر منصور للخلف وهو يهتف بحزم عاتب: وحتى أقل لمسة ما تبينها مني... والله أن الزعلة كايدة..
+
شوفي خرابيط خلني بروحي.. وأبي أختلي بنفسي.. هذي ما أبي أسمعها
+
الحين تقولين لي وش اللي مزعلش مني؟
+
حينها رفعت عفراء عينيها الغائمتين له وهمست باختناق:زين يوم أنت حريص على الحوار ليش أمس طلعت وخلتيني وأنا أقول لك اقعد نتفاهم
+
وإلا بس هذا حقك بروحك؟؟
+
وعلى العموم خلنا في اليوم...تشوف إن الكلام اللي قلته لمزون مايزعل.. ليش تسوي فيني كذا يا منصور؟؟
+
ممكن أقبل منك أي شيء إلا إنك تفشلني في عيالي..
+
منصور بصدمة: أنا فشلتش في مزون.. شكلش تخيلين شيء ماصار..
+
عفراء بألم أكبر: وبعد شايف إن اللي أنت قلته لها مافيه شيء.. خلاص منصور.. ما قصرت.. تصبح على خير..
+
منصور بغضب: وش تصبح على خير ذي.. تقطين الكلمة وتروحين.. مافيه.. اقعدي وفهميني..
+
حينها جلست عفراء وانخرطت في بكاء خافت وهي تشهق: بس منصور حرام عليك .. لازم توصلني لأخري.. ارحمني الله يرحم والديك
+
منصور حينها استعد لمغادرتها لغرفته وهو يهتف بغضب حازم: ذا اليومين ما أدري وش فينا... شياطيننا متركزة.. الله يكفينا شرها..
+
بأخليش يأم جميلة.. بأروح أنخمد وراي شغل من فجر..
+
وانتي اشبعي بالتفاهم مع روحش يمكن توصلين مع روحش لحل لمشاكلش مع رجّالش اللي طلعتيه من السالفة..
+
عفراء رفعت عينيها وهي ترى ظهره داخلا لغرفتهما ثم يغلق الباب خلفه بدوي هائل كأنه سيحطم الباب
+
انتفضت من الصوت وهي تستغرب قوله لها أم جميلة.. هي بالفعل تحب أن يُقال لها أم جميلة.. ولكنها المرة الأولى التي يقولها لها منصور
+
( أ هذه رسالتك الجديدة يا منصور
+
فلست زوجتك عفرا
+
ولكن أم جميلة فقط
+
أ تشير إلى أنني قد أختار جميلة عليك.. لذا يجب أن أكتفي بكوني أما لها وليس زوجتك وشريكة حياتك؟؟
+
ماذا أفعل يا منصور إن كنت لا تسمح لي أن أكون أما لسواها..
1
هل تظن أنه لو كان بيننا أطفال أنني قد أتركك..
+
أقسم لك أنني لا أريد تركك بدون أطفال.. فكيف لو كان هناك مايربط بيننا..
1
أريد أطفالا تكون أنت والدهم..
+
ولكنك ترعبني من الحياة معك..
+
تعبت يا منصور.. تعبت ونحن ما زلنا في أول الطريق
+
يا لك من رجل مستبد متسلط.. لا تكتفي بأوساط الحلول ولا أوساط المشاعر!!)
1
قضت عفراء ليلتها جالسة في الصالة.. صلت هناك وأخذت من سجاجيد وأجلة الضيوف
+
لم تدخل على منصور ولم تستبدل ملابسها ولم تأخذ سجادتها
+
تشعر أنها منهكة تماما من التعب والتفكير .. تمددت بشكل مائل على الأريكة ونامت..
+
صحت على هزات حانية على كتفها ..فتحت عينيها ..حين رأت وجه منصور القريب وملامحه المرهقة شعرت أن عبرتها قفزت لحلقها
+
وقف وهو يهمس لها بعتب عميق مخلوط بالحزم: قومي نامي في غرفتش.. المتوحش اللي بيأكلش طالع لشغله..
+
البارحة ماجاني نوم.. وأنا أقول كل شوي بتجيني.. لأني كنت أظن أنه مايهون عليش تنامين بعيد عن حضني
+
مادريت قلبش قاسي كذا..
+
أنهى عبارته.. ونزل.. وعفراء يتنازعها الاستغراب والألم من أشياء ثلاثة..
+
كلامه العاتب لها وهو يحملها مسؤولية ماحدث كله ويبرئ نفسه..
+
وأنه نزل بثوبه وغترته.. وليس بلباسه العسكري..
+
وأنه كان يحمل حقيبة صغيرة في يده!!
2
****************************************
+
في صالة الانتظار لصعود الركاب
+
مازالت البوابة لم تفتح.. ولكن لم يعد به صبر..
+
قضى البارحة ليلة منهكة في رحلته وهو يتطفل على الطاقم كعضو زائد لم يكن له عمل..
+
ولم يستطع مطلقا أن ينام.. وهو لم يكن قد نام قبلها.. ليصبح له يومين متواصلين لم ينم.. وهاهو يدخل اليوم الثالث..
+
كان يريد الوقوف عند البوابة تماما حتى يراهما فور وصولهما.. ولكنه رأى أن هذا سيكون محرجا له ولهم.. عدا أنه مازال عاجزا عن التصديق
+
يريد له جوا ومكانا يستطيع التحكم بنفسه فيه
+
لذا بقي جالسا في زاوية الصالة ينتظر وصول الركاب
+
علاقته بابناء عمه علاقة أخوة خاصة.. فإن كان الله لم يرزقه بأخ سوى بصالح الصغير قبل عام.. فلطالما اعتبر ابناء عمه خالد أخوة له
+
كان خبر وفاة عبدالله فاجعا له كما كان فاجعا لصالح وفهد وهزاع
+
وماهزَّ غانم أكثر أنه يعلم قُرب عبدالله من عمه.. كان يعلم أن فجيعة عمه هائلة في هذا الشاب الذي انطفئت شمعة حياته في زهوتها
+
لم يكن أبلها كي لا يلاحظ أن عمه منذ وفاة عبدالله وهو يزداد وهنا وضعفا يحاول إخفائه خلف صلابته المعتادة
+
لطالما شعر غانم بغصة كلما رأى حسن الصغير .. طفل يتيم لم يعرف له أبا ..
+
وغصة أخرى حين يرى شدة شبهه بعبدالله.. صورة من والده.. وكأن الله عز وجل يريد أن لا ينتهي امتداد عبدالله
+
فإذا بأصل هذا الامتداد موجود.. لم يمت.. أي صدمة هذه؟؟
+
يفكر غانم الآن بعمه.. عمه بالذات.. كيف ستكون ردة فعله..
+
كانت هذه أفكار غانم.. حينما التقطت عيناه الجسدان اللذان يعبران البوابة
+
انتفض بعنف حاد..كأنما أصابته حمى حقيقية..
+
أحدهما رآه منذ أيام فقط.. لكن الآخر مضت سنوات منذ آخر رآه..
+
هـــو بذاته.. يبدو أكبر قليلا.. لكنه هــو.. هو عبدالله.. طوله وعرضه وحتى وسامته التي لم يستطع أحد منهم منافسته فيها
+
رغم كل ما فعله غانم وهو يأخذ هذه الرحلة ويأتي بنفسه لواشنطن حتى يتأكد
+
لكنه في داخله كان عاجزا عن التصديق.. إذا كان لم يمت فأين كان طيلة السنوات الماضية؟؟
+
وهاهي شكوكه كلها تتفجر أمامه وعيناه تتبعان بصدمة الشقيقين حتى جلسا انتظارا لموعد صعود الطائرة بعد دقائق..
+
كان يحاول أن يقف فلا يستطيع.. وتفكيره يعود مرة أخرى لعمه.. بل حتى لوالده..
+
إذا كان هو لم يحتمل رؤية عبدالله حيا.. ومازال عاجزا عن الاستيعاب ومشاعره تضغط عليه بعنف غير معقول.. خليط من سعادة وصدمة هائلتين..
+
فكيف ستكون ردة والده وقبل ذلك ردة فعل عمه؟؟
+
قلقه يتصاعد عليهما من شدة الصدمة..
+
ختاما حاول شد نفسه وهو يتوجه لهما..
+
حينها كان صالح وعبدالله مستغرقان في الحديث.. الذي قطعه عليهما الظل الطويل الذي وقف جوارهما وهو يضع يده على كتف عبدالله
+
عبدالله رفع عينيه..شهق بصدمة.. ليقفز بعدها مباشرة.. وهو يحتضن غانما دون تفكير
+
لم يفكر حتى كيف أن غانم هنا.. أو لماذا؟؟
+
لم يشغل نفسه سوى بفرحة عميقة اخترقت قلبه الذي أثقله الحرمان
+
سعادة عميقة وهو يرى رائحة أخرى من روائح أهله الطيبة تقف أمامه.. أراد أن يطفي بعضا من شوقه.. جوعه لكل واحد منهم.. أراد أن يشعر باحتواءهم يسكن أيام غربته وضياعه..
+
بادله غانم الحضن بحضن أشد وكأنهما كلاهما يريدان تعويض سنوات متطاولة مرت دون سلام.. دون تحية.. دون دفء مودتهما المتبادلة!!
+
ووعشرات الذكريات المشتركة تغتال أفكار كل منهما!!
+
صالح يهمس بابتسامة : فكوا ياجماعة الخير.. فضحتونا.. يفكرونكم تسوون فيلم هندي..
+
صالح لم يستغرب رؤية غانم.. فغانم طيار وارجع رؤيته إلى رحلة مصادفة..
+
أفلت كل منهما الآخر وكلاهما يحاول منع عبرة متجبرة من القفز لحلقه..
+
وغانم يهتف بترحيب عميق عميق: الحمدلله على سلامتك..
+
ليجيبه عبدالله بتأثر أعمق: الله يسلمك.. بارك لي إن عيني قرت بشوفتك..
+
غانم بشجن: وين كنت ذا السنين كلها؟؟
+
قبل أن يجيب عبدالله سارع صالح ليجيب بنبرة حاول أن تكون غاية في الطبيعية:
+
صارت له شوي مشاكل.. توه خلص منها.. وموته خبر وصلنا بالغلط..
+
نظر غانم لصالح .. وفهم أنه لا يريد التحدث في الموضوع أو الأسباب.. وفي ختام الأمر غانم لم يهتم بالسبب.. مادام ابن عمه أمامه سليما معافى
+
فأين كان قبل ذلك لا يهمه بأي حال من الأحوال.. فهو من معرفته لعبدالله يعلم أن السبب لن أبدا يصل إلى الدين أو الشرف.. وماعدا هذين الأمرين لا يهمه..
+
لذا رد بمودة عميقة: المهم إنه قدامي مافيه إلا العافية .. غير كذا ما يهمني..
+
عبدالله بلهفة: أشلون عمي؟؟ وأشلون أم غانم وخواتك؟؟ واخوانك الصغار؟؟ صالح علمني إنه صار عندك تالي أخت وأخ..
+
غانم ابتسم: كلهم طيبين وبخير .. وإيه عندنا صالح ومها..
+
صالح يبتسم بسعادة: سميي صالح طير حوران.. وعمك مهوب هين.. جاب اثنين قبل يحيلونه للتقاعد
+
أما عاد خواته.. تحشم.. تسأل عن المدام وأنا موجود..
+
حينها التفت غانم وهمس له بابتسامة كبيرة: أما على طاري المدام.. شكلك بتعلق من كراعينك إذا رجعت الدوحة..
1
غانم يضحك: أفا ياذا العلم.. ليه وش مزعل أم خالد علينا..
+
غانم يضحك: مرتك الجديدة أنت رايح تجيبها من أمريكا
+
غانم أخبر صالحا الحكاية على عجالة وهو يضحك.. ومعها سبب حضوره وهم يتجهون لداخل الطائرة..
+
بينما عبدالله كان فقط يستمع باستمتاع حد الوجع.. حتى النخاع
+
أن يجد نفسه يعود لجوه الأسري.. مشاكلهم الصغيرة ...مشاحناتهم الدافئة...
+
كل هذا دفع دفئا شفافا إلى روحه المثقلة بالبرد والجمود..
+
************************************
+
بعد حوالي 14 ساعة..
1
الطائرة تحط في مطار الدوحة الدولي
+
ينزلون ثلاثتهم لأرض المطار.. قلب أحدهم يذوب..يذوب.. يذوب
+
حينما لفحت وجهه حرارة الجو.. شعر كما لو أن هذه الحرارة تنزل في روحه بردا وسلاما..
+
رغما عنه سالت دموع حاول جاهدا كبحها فلم يستطع.. لم يظن أنه قد يعود إلا في أحلامه العذبة المستحيلة
+
بقيت الدوحة وأهلها حلما مستحيلا عذّب ليالي سهده الطويلة بمشاعر لا قياس لها من الألم والشوق والوجع
+
كم ليلة صحا من نومه وهو يئن كأنين الملسوع..الذي يشعر بسريان السم في جسده.. يشعر أن جسده وروحه يتمزقان ألما لايستطيع رده
+
لأنه كان يرى في الحلم أنه هنا ثم حين ينتفض من السعادة ويقفز.. يجد نفسه هناك..
+
ليبدأ في أنين مكتوم ينزف فيه جروح قلبه.. أنين سريان السم في الجسد..
+
أنين يكتمه بوضع طرف اللحاف في فمه حتى لا يوقظ الصغير النائم جواره بشدة أناته التي ترتفع بحرقة يشعر بألمها تمزق أمعائه
+
ويبقى يئن.. ويئن.. حتى صلاة الفجر.. ينحني حينها على سجادته ويدعو ربه بلوعة:
+
أشعر أني أموت يا الله.. وروحي تذوي
+
أعلم أن الموت أفضل من هذه الحياة.. ولكن هذا الصغير لا أحد له سواي
+
أبقني بقوتي من أجله..
+
أرجوك يارب.. كل ليلة أشعر أنك ستنزع روحي من مكانها
+
أعلم أن ذنبي كبير.. ولكن رحمتك أكبر يارب العالمين
+
حينما ينهي صلاته ودعواته الطويلة.. يعود ليلقي جسدا متهالكا بجوار خالد الصغير.. يضمه لصدره.. وينام
+
ساعات قليلة قبل أن ينهض لينخرط في حياة باردة مملة موجعة..
+
لا يوجد فيها سوى خالد وفيصل.. وأنينه الليلي الموجوع وأحلامه تأخذه إلى بلده وأهله..
+
ثم اليوم يجد نفسه هنا.. هنا في بلده.. وقريبا يرى أهله..
+
( أحقا أنا هنا؟؟
+
أ حقا لست أحلم؟؟
+
أ هذه أنتِ الدوحة؟؟ أيام الطفولة وليالي الصبا وابتسامات الشباب؟؟
+
أ حقا لست أحلم؟؟
+
إن كنت أحلم فلا توقظوني أرجوكم.. لا توقظوني
+
ماعاد في روحي مكان للأنين والحرقة والحسرة)
+
أيقظه من أفكاره يد صالح تشده: عبدالله مطول وأنت واقف على الدرج؟؟ الناس كلهم نزلوا
+
حينها التفت عبدالله وهمس لصالح باختناق: صحيح يا صالح أنا في الدوحة؟؟
+
ابتسم صالح بألم وهو يشعر بألم شقيقه: ليه الحر ذا كله ماعطاك كف على وجهك وقال لك مرحبا بك أنت في الدوحة؟؟
+
حينها أكمل عبدالله الخطوات المتبقية للأسفل ثم سجد ليقبل أرض المطار
+
صالح بصدمة كان يشد عبدالله وهو يهتف بغضب: وش تسوي يا الخبل؟؟
+
عبدالله ابتسم وهمس بكل شجن العالم: أنا نذرت لو الله كتب لي أرجع يوم للدوحة هذا أول شيء بأسويه.. أحب أرضها..
+
غانم وصلهما من خلفهما وهو يهمس بتأثر يخفيه خلف ابتسامته: والله وصاير الأخ حساس.. عقب ماترس روسنا فلوع..
+
+
أكملوا طريقهم وغانم يأخذهم معه على باص الطاقم وصالح يهتف لهما: غانم يأخيك أبيك أنت تأخذ عبدالله لبيتي
+
وأنا باكلم فهد وهزاع ينتظرونكم هناك.. وتراني مخليها مفاجأة لهم..
+
ومابغيتهم يستقبلوننا في المطار ينصدمون قدام العالم...
+
وأنا بأروح أجيب حسن ولد عبدالله وبجيكم هناك...
+
