رواية عذرا لكبريائي الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم الكاتبة انستازيا
28=رواية عذرا لكبريائي للكاتبة أنستازيا الفصل الثامن والعشرون
شارلوت:
أنا والسيد ماكس وجوش نجلس معاً في الحديقة على إحدى الطاولات القريبة من الأكواخ الصغيرة، فبعد ان رحلت تيا اقترح جوش ان نجلس في الخارج نستمتع بالطقس.
بصراحة هو بارد جداً ولكن لا بأس فنحن نحتسي القهوة معاً في حين السيد ماكس يشرب الشاي ذلك أنه مُنع من شرب القهوة.
لقد كانت السماء فوقنا ملبدة بالغيوم الداكنة، ويوجد نسيم من الهواء البارد يداعب شعري الذي اعيده خلف اذني في كل حين، حسنا إنها نصف ساعة فقط.
نعم، نصف ساعة تقريباً وسأرى جيمي.
احتضنت الكوب لأدفئ يداي.
الطقس أقل ما يقال عنه بأنه مذهل. البرودة تزداد في كل حين.
كم أعشق الشتاء!
كان جوش وماكس يتحدثان في أمور تتعلق بالعمل والشركة بينما كنت جالسة أحدق بالمكان بحيرة وأقرأ من المجلة واحتسي القهوة باندماج.
ثم تساءلت عما يفعله كريس وحده الآن، لابد وأنه يشعر بالملل.
فقط لو كانت الزيارة مسموحة لوقت أطول لما تركته! ليس وكأن السبب هو ساعات الزيارة وإنما ذلك الأحمق طردني من غرفته وأراد البقاء وحده. حسنا لا ألومه بعد ما سمعه من والداي.
حين يُسمح لي بالبقاء سأبيت معه في المشفى.
نعم. هذا ما قررته حينها بالفعل! ولم لا؟
ما الخطأ في هذا حتى؟
ص. صحيح أن الفكرة تشعرني بالإحراج قليلا.
ولكن. لا بأس!
فحالة كريس أهم بكثير مما أفكر فيه الآن.
أنا فقط لا أفهم نفسي، فعندما أُصيب شعرت برغبة عارمة بإخباره بمشاعري فوراً ولكنني الآن لا أستطيع التفكير بالأمر حتى! لا يمكنني تخيل نفسي أعترف له!
ارتشفت من القهوة مجددا حتى قال جوش بهدوء: ما رأيك بالفكرة يا شارلوت؟
رفعت رأسي نحوه بحيرة وعدم فهم فابتسم وعاود يسأل: ما رأيك بفكرة ماكس؟ لقد اقترح أن نذهب جميعنا لمخيم العائلة عندما يخرج كريس من المشفى ويتحسن.
ارتفع حاجباي ثم ابتسمت: مخيم! هذا. يبدو جيداً وممتعاً! وربما من الأفضل ان تقوموا بتغيير الاجواء من حولكم كذلك، كما سيكون ملائما لأننا في فصل الشتاء.
أمال ماكس برأسه: محقة، ولكنك بالطبع لم تسمعي ما قلته في البداية.
تورد وجهي فقال بلطف يجوبه سخرية: كنت أقول بأنني سأقوم بدعوة عائلتك أيضا، شقيقاك ووالديك.
ح. حقا!
أضفت بحماس: هذا بالفعل. رائع!
أكملت باستيعاب: ولكن. هل تظن بأن إيثان سيوافق حتى؟
غمز بخبث: سنتصرف بشأنه لا تقلقي. حتى لو اضطررنا لخطفه.
وهل سيوافق كريس أن تدعوه؟
وما شأن كريس! لا يحق له أن يعترض حتى.
علق جوش بإستخفاف: تماما. فلو تدخل كريس أنا واثق بأننا سنخيم بعد ما يزيد عن الخمسون سنة.
ضحكت بخفوت فابتسم مردفا وهو ينظر خلفي: غريب، لقد عاد جيمي مبكرا بعض الشيء عن الموعد.
التفت أنظر للخلف لأرى السيارة السوداء الفاخرة التي يقودها السيد مايكل ليوقفها أمام النافورة وينزل منها جيمي برفقة إحدى الخادمات!
وقفت فوراً: أرجو المعذرة.
أسرعت في خطواتي نحوهما وأنا أحدق إلى جيمي بشوق شديد!
أشعر بأنني أريد معانقته لأرفعه عاليا وأسمع ضحكاته.! الآن أفهم ما يعنيه أن تشعر المرأة بالأمومة تجاه طفل لم تلده! فأنا حقاً غير قادرة على ضبط نفسي وأنا أركض بسرعة لأصل إليه.
صرخت بإسمه فوقف هو والخادمة!
في حين نظرت إلى الخادمة بعين متسعة وبعدم تصديق كان هو ينظر إلى بدهشة حتى تقوست شفتيه للأسفل ولمعت عيناه بالدموع مما فاجأني ولكنني طرفت بعيني بعدم استيعاب عندما ركض باتجاه المنزل وصعد الدرج بخطى سريعة!
وقفت في مكاني بإحباط حتى ابتسمت الخادمة بلطف: مرحبا بعودتك آنسة شارلوت
نظرت إليها بإستياء، حسنا ما كان على أن أتوقع استقبالا حارا من جيمي بعد كل شيء.
من الطبيعي أن يكون غاضبا وحزينا، فلقد أراد دائما أن يصدق كوني والدته، وأرادني دائما بجانبه ولكنني خيبت أمله برحيلي فجأة.
علي أن أنهي المشكلة بحكمة.
تداركت الأمر وقلت للخادمة وانا اسرع للداخل: شكرا جزيلا لك.
صعدت الدرج واستدرت للجناح الأيسر متجهة لغرفة جيمي، ووقفت أمام الباب متنهدة بعمق وطرقته، لم يأت صوته ولم يستجب فقلت بمرح: جيمي، أتسمح لي بالدخول؟
لم يستجب كذلك فوضعت يدي على المقبض قائلة: سأدخل.
فتحت الباب بالفعل ولكنني لم أره في مكان الأريكة وعدة الألعاب والرسم فدخلت أكثر واتجهت يمينا نحو سريره فوجدته يجلس عليه بصمت وقدميه بعيدة تماما عن الأرضية.
أخذت شهيقا وعدت لأغلق الباب ثم توجهت نحوه بتردد.
جلست بجانبه على السرير فتفاجأت بعينيه تحدقان بالفراغ وتذرفان الدموع بصمت فشعرت بالغصة الشديدة هامسة: جيمي. أعلم بأنك غاضب ومستاء مني كثيرا ولا يمكنني لومك.
لم يعلق فاقتربت منه أكثر متمتمة بضيق: كنت مجبرة في ذلك الوقت على المغادرة يا جيمي، ولكن. أقسم بأنني لم أتعمد جرحك أو إزعاجك.
أردفت مبتسمة بتردد: أخبرني، ما الذي على فعله لتسامحني؟
همس بصوت مرتجف وهو يبكي: كان الجميع محقا، عندما أخبرت زملائي بأنني حصلت على أم قالوا بأنها لن تبقى معي كثيراً.
اتسعت عيناي ولمعتا بحزن وتأثر.
ومع ذلك اعترضت بجدية: غير صحيح! ها أنا أمامك يا جيمي! إنهم مخطئين بلا شك، فأنا والدتك وصديقتك كما تعلم وسأظل هكذا، وأتيت اليوم لأنني أعلم بأنك مستاء! وأعلم بأنني مخطئة، ولكنك يا جيمي ابني. وعليك ان تلتمس الأعذار لي قليلا، اليس كذلك؟
أضفت وأنا أحيط رأسه بين يداي محدقة إليه مباشرة: لا تفكر في أمور كهذه، أنا لن أتركك ولن أتعمد فعل هذا! حتى إن غبت عنك فترة فأنا سأعود بلا شك.
نظر بعينيه بعيداً وهمس بإستياء: ليس أمي فقط. أبي أيضا لا أراه كثيراً. الجميع يقولون بأنني ثري وسعيد. ولكن. ولكنني لا أريد سواكما!
ادهشني كثيرا تعبيراته وكلماته وزميت شفتي بإستياء، حاولت جاهدة أن أتمالك نفسي و غيرت ملامحي للمرح وقلت: والديك أيضا لا يريدان شيئا سوى جيمي! هل تعلم هذا؟
قطب حاجبيه بعدم اقتناع فأسرعت أقول مبتعدة قليلا ومبعثرة شعره: حتى وإن كان والدك يا جيمي لا يجلس معك كثيرا فإنه يحبك ولا يمكنه الإستغناء عنك! إنه يحبك ويكن لك مقدارا كبيرا من هذه المشاعر أكثر مما أكنها لك أنا حتى! لا تعلم كم يقلق بشأنك، وكم يرهق نفسه لأجلك أيضاً، ربما يكون مهملا قليلا ولكنه في النهاية والدك الذي يهمه شأنك أكثر من الجميع!
ظلت عينيه تلمعان حتى همس بحزن: أمي لماذا ذهبت؟ هل ستذهبين مجددا؟
كانت مجرد ظروف ومشاكل عابرة وتم حلها! لا تقلق، أنا لن أتركك مجددا أبداً.
تورد وجهه متسائلا: أتعدينني؟
ابتسمت بلطف وقمت بحني اصبعي البنصر على اصبعه: أعدك.
الست أجبرك على البقاء معي؟ و ماذا عن أبي متى سأراه؟
أضاف مترددا بضيق واضح: لم أره منذ الأمس. بل منذ اليوم الذي يسبق الأمس.
تنهدت بعمق ولم أعلم ما على قوله، ولكنني وجدت نفسي أقول بمرح: أولاً انت لست تجبرني أنا هنا لأنني أريد البقاء إلى جانبك دائما، ثم لا تقلق بشأن والدك ستراه إما في الغد او قريبا جدا.
ثم وقفت مردفة: أحظرت لك هدية لأعبر عن أسفي فهل تقبلها يا جيمي؟!
ب. بالطبع!
ثم قال بحماس: ما هي؟ أين الهدية؟
تساءل وهو يمسح اثر عن الدموع عن وجنتيه.
اتبعني إلى الغرفة المجاورة.
خرجنا نحوها بالفعل ودخلت غرفة كريس، وهناك ما ان دخلت حتى خفق قلبي بشدة.
بمجرد أن تذكرت أمور كثيرة حدثت في هذا المكان تحديدا تسارعت خفقات قلبي. ولم أدرك أنني وقفت كالمخدرة أنظر إلى تفاصيلها وكأنني لم أدخلها منذ سنوات!
ربما لا شيء مفرح استطيع تذكره بشأن الأيام التي قضيتها مع كريس.
ولكن.
ولكنها أيام ذات نكهة غريبة مميزة، في تلك اللحظات كنت اكن له الكره والحقد الشديدين!
ولكنني لم أكن لأتخيل أن هذه اللحظات ستكون ذات ذكرى مميزة بالنسبة لي.
فأنا واقعة في حبه لا محالة.
أمي؟
كانت نبرة جيمي كفيلة بإخباري أنه مل ترديد اسمي مرارا وتكرارا.
فتداركت الأمر متجهة بسرعة نحو الهدية باحثة عنها بنظري حتى وجدتها على الطاولة المقابلة للأريكة.
تناولتها قائلة بحماس: خمن يا جيمي، ما الذي أحضرته لك؟
وضع يده على رأسه هامسا بحيرة: بعض الحلويات؟
لا.
اقراص مدمجة كالتي يحضرها لي ستيف؟
لا.
إذاً. قصصاً مصورة؟!
ابتسمت وقمت بمدها نحوه: هيا افتحها وانظر بنفسك.
فعل ذلك فورا بحماس واضح جداً وعندما مزق التغليف اتسعت عينيه بسعادة فابتسمت لذلك أنا أيضا أترقب ردة فعله.
أ. أمي! إنها عدة رسم وتلوين!
إنها كذلك!
ضحك بفرح: هذا رائع!
ثم قام يفتحها وهو يتفقد كل جزء منها، الأقلام، والأوراق والألوان وغيرها من الأدوات بسرور وقد جعلني أشعر بسعادة تغمرني لمجرد رؤيته هكذا!
هل أنت راض عني الآن يا جيمي؟
نظر إلى وترك ما بيده وهو يزم شفتيه ثم وقف متجها نحوي هامسا بوجه متورد: أمي. هل أستطيع. ان اعانقك؟ انا سعيد جداً.
قالها والدموع تلمع في عينيه!
اسرعت أقول متداركة: ب. بالتأكيد!
أغمضت عيناي وانا احتضنه فأرخى رأسه على صدري متمتما: أنا سعيد جدا بوجودك الى جانبي. لا تتركيني مجدداً! لقد وعدتني بهذا.
نعم. لقد وعدتك ولن أخلف بوعدي لذا لا تقلق يا عزيزي.
وهكذا كنت قد انتهيت من موضوع تضايق جيمي مني.
فبعدها تناولنا الغداء جميعنا وتحدثنا بشكل طبيعي تماماً.
وفي اليوم التالي، كان السيد ماكس قد قرر زيارة كريس في الصباح الباكر بعد الفطور مباشرة فطلبت منه مرافقته ووافق فوراً. أما كلوديا وزوجها فأخبرانا ان نسبقهما، وبالمناسبة تيا من ستأتي لإصطحابنا فهي كذلك ترغب في زيارته مبكراً حتى تجد وقتا لأعمالها في وقت لاحق بعد الزيارة.
وفي حين كان ماكس ينتظر وصول تيا في غرفة الجلوس في الأسفل أسرعت بدوري لأقوم بتغيير الضمادة الموضوعة على الجرح في عنقي وطهرته جيدا وارتديت ملابس مناسبة.
وعندما تساءل جيمي إلى أين أنا ذاهبة وبقلق شديد، أجبته بحجة سريعة مقنعة.
(أنتَ تعلم يا جيمي بأنني عدت أخيرا، وعلى شراء بعض الملابس من أجل البقاء هنا).
لا يجب ان يعلم أن والده طريح في المشفى فمن يعلم كيف ستكون ردة فعله وهذا ما اتفقنا عليه جميعنا في الأمس.
وصلت تيا أخيرا وركب السيد ماكس بجانبها في حين جلست في الخلف.
وبعد لحظات من الحديث بينهما وجهت سؤالها لي: هل سيزوره والديكِ؟
ارتفع حاجباي مفكرة: نعم أظن هذا. أخبرتهما في الأمس قبل أن أنام بأنه سيسر بزيارتهم.
هكذا إذاً.
قالتها ثم انهت جملتها بابتسامة هادئة.
هل أتخيل أم أن تيا تلقي إهتماما كبيراً بشأن أمي وأبي؟
حسنا قد تكون مخيلتي وحسب.
وصلنا إلى المشفى وعندما ترجلنا من السيارة تقدمنا السيد ماكس بخطى صغيرة في حين لمحت تيا التي نظرت إلى انعكاسها على نافذة السيارة وهي تقوم بترتيب مظهرها وتبتسم بهدوء!
عقدت حاجباي باستغراب شديد ومع ذلك لم أعلق.
تبعت السيد ماكس والحيرة تغلفني من كل جهة بشأن تيا، وبعدها بلحظات وجيزة كانت تتبعنا، ولكن دعكم من كل هذا ها هي ذا مجددا تحدق إلى نفسها بتأمل في مرآة المصعد وتمرر يدها في شعرها وتتأكد من كون مظهرها جيد!
لو استمر الوضع هكذا فسأنفجر وأتطفل لأسألها عما يحدث!
وبصراحة لم أشعر بنفسي وأنا أًسجن في زنزانة أفكاري، إذ تقدمني الإثنان وبقيت أمشي وحدي بمسافة بعيدة بعض الشيء وانا أنظر إليها بشك وفضول. للمرة الثالثة إنها تنظر إلى انعكاسها على شاشة الهاتف! يا الهي. سأنفجر من الفضول!
سأسألها، حُسم الأمر.
قررت هذا بالفعل وتقدمت بخطى سريعة ولكنهما قد فتحا باب غرفة كريس مسبقا وتوقف قليلا بحيرة وانا ارى الإثنان ينظران للداخل بعين متسعة!
ما خطبهما!
أ. أيعقل! هل كريس بخير؟ أصابه مكروه؟!
حينها راودتني فجأة بضعة أفكار سوداء وسببت زوبعة في رأسي بشأن كريس، شعرت بانقباض شديد في صدري ولم أدرك أن قدماي تنافسان بعضهما لأصل إلى الغرفة بذعر وقلق، بل تجاوزتهما لأقف أمام الباب بأنفاس متقطعة.
ولكن!
تلك التعابير المذعورة سرعان ما تحولت إلى دهشة وعدم إستيعاب.!
أولين:.
وقف الثلاثة أمام الباب وتعلقت أعينهم على كريس بعدم فهم، وتحديداً إلى والدا شارلوت وسام اللذين كانوا يجلسون حوله.
بالطبع سيبدو الوضع مفاجئاً بالنسبة لهم ومن الصعب تداركه بسرعة.
فربما ظنوا ان أمرا كهذا سيحدث على المدى البعيد، فبعد حديثه ليلة الأمس سألني عن الطريقة المُثلى للتعامل معهم بعد ان اكتشف الحقيقة.
ولكن. الأهم هو أنه يتظاهر الآن بأنه يفعل هذا لأجل سبب محدد. يظنني حمقاء لأصدق أنه يقوم بمعاملتهم وكأن شيئا لم يكن ليشكل حزباً ضد إيثان الذي سيتفاجأ ليدرك أن كريس الآن يتعمق في علاقته مع شارلوت ووالديها وشقيقها. هذا الطفل.
لا يسعني سوى الضحك والسخرية من طريقة تفكيره! غروره لن يسمح له أن يعترف بأنه يفعل هذا لإعادة المياه إلى مجاريها وحسب.
ولكن، جزء كبير من تصرفاته يخبرني أنه يحاول توطيد علاقته بهم لسبب أهم.
علي الأغلب يريد الإحتفاظ بعلاقته بشارلوت كذلك وكان هذا محفزاً خفياً.
حدقت إليه بشرود للحظة وهو ينظر إلى الواقفون على الباب ثم ظهر تعبير ساخر على وجهه ولم يعلق.
كان الوضع كالآتي، كريس يجلس على السرير وفي يده قطعة صغيرة من الحلوى التي احضروها معهم من مدنتهم، بينما سام يمسك بالعلبة بأكملها ويتناول الحلوى محدقا إلى الثلاثة بترقب وحيرة. أما ستيفاني وزوجها ينظرون إلى شارلوت باستغراب.
اقتربت شارلوت تنظر إليهم بدهشة: أمي، أبي. ما الذي يحدث هنا؟
ابتسمت ستيفاني وكادت تتحدث لولا تدخل سام وهو يقف متكتفاً: لماذا كل هذا الإستنكار؟
طرفت بعينها بعدم استيعاب فتقدم ماكس ليهمس بعدم فهم: مارك، ستيفاني.!
حينها وقف مارك أخيرا وقال ضاحكا بإستهزاء: بربكم هل حدثت معجزة هنا؟ ألم يكن هذا من المتوقع حدوثه! كنا ننوي أن نكون هكذا منذ سنوات وها قد تحقق الأمر فما المشكلة تحديداً؟
ثم ابتسم بفخر وهو يضع يده على كتف كريس وأكمل بثقة: لقد قررنا طي الصفحات القديمة تماماً، نحن الآن ننظر للحاضر والمستقبل وحسب. اليس كذلك؟
قالها ينظر إلى كريس وستيفاني التي ابتسمت بمرح: منذ هذه اللحظة كريس هو الإبن المقرب لي وتليه شارلوت.
اتسعت عينا سام وهمس بشك: والتالي هو إيثان بلا شك؟ وماذا عني بحق السماء!
تدخلتُ نافية بهدوء: لا بأس سأعتني بك كما اعتنيت بستيف.
جادلني بدهشة: أتقصدين أنني الآن في قائمة المنبوذين حقاً!
كتمت ضحكتي أومأ برأسي ممازحة في حين طرفت تيا بعينها وبدى وأنها الوحيدة التي استوعبت الأمر لتتقدم بشيء من الحماس وتقترب نحو ستيفاني وتفاجأنا بها تمد يدها مصافحة: صباح الخير سيدة ستيفاني.
صافحتها مبتسمة: مرحبا عزيزتي تيا. كنا نتحدث عنكِ قبل قليل!
ح. حقا!
أعلم بأنكِ صديقة كريس المقربة منذ زمن بعيد لذا اود أن اعرف أي نوع من الأشخاص تكونين! لأكن صريحة معك كنت املك صورة لك أقرب للفتاة الجافة الباردة ولكنك على العكس تماما، تبدين لطيفة جداً وفوق ذلك جذابة.
اقتربي. لماذا لا زلتِ بعيدة
قيلت تلك الجملة لتقاطع ذلك الحوار بينهما، لم يكن سوى كريس الذي حدق إلى شارلوت بتمعن والتي بدورها اجفلت قليلا واقتربت بصمت تنظر إليه تارة وإلى عائلتها تارة أخرى.
لا زالت لم تستوعب الأمر، وكذلك ماكس الذي أغلق الباب خلفه ودخل وقد رسم الآن فقط ابتسامة هادئة وحرك رأسه بخفة نافيا: يا الهي أكاد لا أصدق. بات حلم الأمس حقيقة اليوم!
أضاف بفضول وإهتمام: منذ متى وأنتم هنا؟
أجابه سام متنهداً: قبل أكثر من نصف ساعة.
ثم اقترب من شارلوت واسند ذراعه على كتفها متمتماً بنبرة يائسة: تطورت علاقتهما به، في حين تم الإستغناء عني تماماً. أنا مغادر.
نظرت إليه شارلوت للحظة قبل ان تبتسم وقالت: كفاك سُخفا. انت تعلم أنك الفرد الأهم في عائلتنا. أنت المستشار الذي نحتاجه دائما.
ابتسم ابتسامة مضمرة: فات الأوان.
قاطعه مارك بحدة: كف عن خلق هذه الأجواء الدرامية السخيفة.
ضحكتُ بخفوت وعلقت: ياللقسوة. سام يمكن لشخص واحد فقط مواساتك في حالتك هذه.
امتعض فجأة: لا تقولي أنه ذلك الطفل المتعجرف!
أومأت في حين قالت شارلوت بسخرية: على الأقل ستيف يشاركك المعاناة. بالمناسبة لا أقصد كوني متطفلة أو مزعجة ولكن.
نظرت إلى والديها وكريس ثم استرسلت باستغراب: هل كل شيء على ما يرام الآن؟ كريس هل تم حل سوء الفهم تماماً!
نظر إليها بهدوء ومسح يده بالمنديل المعقم متمتماً: اليس هذا ما يجب ان يكون عليه الأمر عندما ينبغي لزواجك بي ان يستمر؟
حسنا. جملته هذه في غاية الحماقة والسخف! أولاً جعل الأمر كما لو كانت شارلوت من أرادت الزواج به في البداية! بل وتعمد ان يرمقها بنظرة ماكرة خلسة وهو يحاول ان يبث فيها شعور عدم الإرتياح لتظن أنه يفعل هذا لأجل مصلحة وحسب ويخفي رغبته الحقيقية!
انا يائسة واستسلم من تصرفات كريس. أنا حقا مُرهقَة!
جلست على الكرسي بلا حيلة وعقدت ساعداي على صدري لتضيق عينا شارلوت الخضراوان وهي تنظر إليه بشك لوهلة قبل ان يقول ماكس بسعادة: الكلمات لن تكفي لأصف سعادتي الآن. هذا يعني أنكم أخيراً ستتوافقون معاً، اليس كذلك؟ بالمناسبة مارك، ستيفاني منزلنا مفتوح لكما دائماً والجميع هناك سيرحب بكما في أي وقت.
أيدتُه: تماماً. ستسرنا دعوتكما.
شارلوت:.
أنا بين السعادة والحيرة! بل أنني أكاد أحلق من الفرحة وانا أرى امي التي تجلس بجانب كريس بكل اعتيادية واريحية. ولكنني أبدو كالطائر الذي حلق بسعادة ثم أُصيب وهو يرفرف بطريقة ملتوية!
هل هذا حقيقي؟ حتى أنني أراها الآن تضحك وتتحدث معه ليومئ لها برأسه!
إنه واقع بالفعل، والدليل على ذلك هو أنني أشعر بالألم الذي سببته لنفسي وأنا أضغط بيدي على الأخرى بقوة وأقرصها محاولة التأكد ما إن كان مجرد وهم!
وحينها تفاجأت عندما بدت الأشياء من حولي غير واضحة المعالم فأدركت أن دموعاً قد غشت الرؤية!
أسرعت أشيح بوجهي قبل ان يلمحني أي أحد ولكن ومع الأسف التقت عيناي بعينا كريس الذي كان يحدق نحوي بهدوء.
طرفت بعيناي عدة مرات حتى نجحت في السيطرة على نفسي سامحة للهواء بتجفيف دموعي فوراً.
لم أكن أظن أن هذا اليوم سيأتي حقاً، ظننت أنني سأموت قبل رؤيته يتحدث معهما.
بدأت الأمور تأخذ مجرى آخر بينهم! ولكني يدهشني كثيرا أن كريس تقبل الأمر بسرعة على عكس ما تخيلت! يا تُرى لماذا؟
ظننت أنه وبطبيعته الصعبة لن يسامحهما بسهولة. ولكن الوضع مرن جداً إلى درجة أنني أقف بتردد راغبة في قرع طبول الإحتفال وفي الوقت آنه متأهبة لأي حالة طارئة.
هل. أستطيع الآن البقاء معه؟ يمكنني الإستمرا في هذا الزواح بعد ان تحسنت علاقته بهما أخيراً؟ أيوجد أي عقبة الآن!؟
أريد البقاء إلى جانبه. أنا بالفعل لا أرغب في الإبتعاد عنه! وأدرك في قرارة نفسي جيداً أنني وابتعادي عنه أجني على نفسي واحكم عليها بالموت أو بالجنون كعقوبة مؤبدة. لأنني أعلم أن مشاعري نحوه ليست مجرد عاطفة مؤقتة ونزوة عابرة.
أحبه ومن الصعب انتزاع نفسي من شباكه!
هذا ما كنت أفكر به وأنا أرى سام يتجادل مع أبي بينما أمي تتحدث مع كريس وتيا في حين ماكس واولين كانا يتهامسان.
ابتسمت أحدق إلى وجهه بتأمل، أنظر إلى عيناه العسليتان اللتان كانتا في الأمس خاليتان من أي تعبير واضح في حين تنعكس فيهما الآن الراحة والهدوء. وإلى وجهه الذي بدأت تختفي منه الكدمات المُوزعة في أرجائه.
هذا. سيء!
أشعر بأنني على شفى حفرة من الإنفجار وأتوق لعناق كريس في هذه اللحظة! كيف من المفترض أن أتمالك نفسي بحق الإله؟
هذا ما كنت غارقة فيه عندما طُرق الباب وفُتح لتدخل كلوديا مبتسمة: صباح الخير جميعاً.
ثم اتسعت عينيها قليلا قبل ان يأخذ الحماس مجراه: ستيفاني! مارك، يا لها من فرصة سعيدة أخرى. منذ متى وانتما هنا؟
اجابها أبي مبتسما بتفكير: نوشك على أن نمضي ساعة هنا.
تقدمت كلوديا وصافحت أمي وأبي ثم سام بحرارة، لتقول أمي بابتسامة جانبية خبيثة: انتِ بلا شك قد وقعتِ في فخ ابني سام! هذا مؤسف جداً.
رفع سام حاجبه الأيسر وقال ببرود: عذرا؟ إلى من تتحدثين؟ ابنك؟ كان هذا في الماضي.
ضحكتُ بسخرية: بربك ألا زلتَ غارقاً في تلك الدراما السخيفة.
بعد دخول كلوديا بلحظات دخل ستيف وجوش معاً وبدى على وجه ستيف الغضب لدرجة أنه دخل دون أي كلمة وجلس على الكرسي المجاور لخاله ماكس الذي ينظر إليه بحاجبين مرفوعان.
تمتم سام باستغراب: ما خطب هذا الطفل!
علقت بحيرة: ستيف؟ هل أنت على ما يرام!
رمقني بإمتعاض ثم نظر إلى جوش وتكتف بغيض: أبي يعشق إحراجي أمام الآخرين. لقد طفح الكيل، قررت التبرؤ من هذه العائلة تماما. باستثناء خالي، حتى جيمي لم يعد يعاملني كالسابق!
ابتسمتُ بلا حيلة: ها أنت ذا مجدداً.
وقف سام متجها إلى ستيف ووقف أمامه مما دفعنا جميعنا للإستغراب، رفع ستيف عيناه نحوه بترقب: ماذا تريد أنت الآخر!
تنهد أخي ووضع يده على خصره: هل سيفاجئك لو أخبرتك أنه لك شقيق يكبرك سناً؟
سمعت أمي تهمس بملل: مزاجي لن يحتمل العاطفة الجياشة لدى سام.
نظرت إليها أؤيدها ضاحكة فابتسمت لي رافعة كتفيها بإستسلام.
زمجر ستيف بإنزعاج: عن أي شقيق تتحدث!
أجابه وهو يجلس بجانبه: اليس الأمر واضحا؟ كِلانا لا مكان له في هذا العالم! والدايّ يفضلان شقيقاي على بل وانضم ابن خالك للقائمة الآن وسرق مكاني الذي كنت متشبث به بأطراف اصابعي بصعوبة، بينما أنت لا أشقاء لديك ومع ذلك تتم معاملتك بقسوة، إنه تنمر عائلي.
رسم ستيف ابتسامة جانبية ساخرة: لن أنكر أنك تشبهني في هذه النقطة فقط. لك شرف مشاركتي في شيء معين.
بعد دقائق استقر الأمر بحديث كل شخص معين مع الآخر، فلقد بدت تيا منهمكة بحديثها مع أبي وكريس كثيراً! كنت أعلم أنه يوجد خطب ما في حماسها ولكنني لا زلت لا أفهم.
إنها تولي كِلا والداي إهتماما خاصاً وهذا واضح جدا، يا ترى ما الذي يجري معها!
ستيف وسام انخرطا في الحديث والضحك وكذلك الجدال وبدى الإثنان متأقلمان معاً جداً.
كلوديا وأمي تتحدثان معاً أيضا، ونفس الشيء بالنسبة لأولين وماكس وجوش.
وهكذا أدركت أنني الوحيدة التي تجلس تحدق للجميع من حولها!
هاه! لماذا؟ كان من المفترض ان نتحدث جميعنا معاً على الأقل حتى لا أشعر أنني أجلس وحدي كالمجنونة هنا!
الجميع يبدون منهمكين بالفعل، وهذا ما جعلني اتكتف بملل شديد واتثاءب بتثاقل.
وحينها أدركت انها فرصتي لإختلاس النظرات المطولة نحو كريس.
هذا ما ظننته ولكن الواقع قد أدهشني حين وجدته ينظر إلي، وعندما التقت اعيننا قال بهدوء: لماذا تجلسين بعيدةََ عني.
لأقل من الثانية كان الجميع قد صمت ولكنهم أسرعوا يكملون أحاديثهم ويستمرون في كلامهم معاً متظاهرين أنهم لم يسمعوا شيئاً.
بصراحة انتابني الإحراج كثيراً!
طرف بعينه ببطء وكاد يفتح فاهه ليقول شيئاً ولكنه توقف ونظر بإتجاه الباب وكذلك فعلنا عندما أفزعنا دخول شخص ما فجأة دون سابق إنذار، دون طرق أو استئذان!
أطَل شاب ذو حضور قوي، شعره أشقر اللون وعيناه زرقاوان، طويل القامة ويرتدي معطفا وملابساً سوداء ملفتة، بل وتفوح منه رائحة عطر التقطها أنفي بسرعة!، و مع أن ملامحه لم تكن حادة ولكن نظراته كانت كذلك! كان واقفا ينظر للغرفة ولم يكلف نفسه عناء النظر إلينا وإنما لكريس فقط!
تفاجأت بالنظرة الجافة الحادة التي وجهها نحوه في حين بدى كريس هادئاً جداً بطريقة غريبة وأشاح بوجهه بعيداً ينظر إلى الجهة الأخرى.
تحدث الشاب أخيراً ليقول بصوت متململ: إنها الغرفة. اتصل بي ما أن تنتهي.
قالها واستدار ليخرج في اللحظة نفسها التي دخل فيها رجل بدى في نهاية عقده الخامس وهو ينظر للشاب بتوتر شديد وسمعته يهمس بإضطراب وإنزعاج: توقف! انتظر يا رين أنت حتى لم تعرف بنفسك بعد!
ولكن المدعو رين خرج ولم يلتفت نصف التفاتة!
وقف هذا الرجل الذي أدركت فوراً وبلا أدنى شك أنه جوزيف. كان رجلا ممتلئاً بعض الشيء شعره داكن وله عينان بنيتان واسعتان.
منذ أن دخل المدعو رين وحتى الآن والجميع في حالة من الصمت المطبق!
ما الذي حدث فجأة؟ دخل دون سابق إنذار وبدى على ملامحه الإستعلاء بطريقة ما لدرجة انه لم يلقي على أحدنا نظرة خاطفة وإنما وجه جُل اهتمامه نحو كريس فقط!
حينها فقط سمعتُ صوتاً ساخرا متهكما لم يكن مصدره سوى كلوديا التي تكتفت واضعة قدما على الأخرى تنظر إلى جوزيف بإنزعاج شديد فلمحت ماكس يرمقها بنظرات مهدئة ومحذرة.
ثم وقف وابتسم بلطف وتقدم نحو جوزيف وهو يقول: مرحبا بك يا جوزيف.
بادله الإبتسامة فوراً وصافحه بحرارة: أهلا يا ماكس، مر وقت طويل منذ آخر لقاء يبدو أنك أفضل حالاً الآن اليس كذلك؟
تجاهلت حوارهما أنظر لسام ببلاهة لأقابل ملامحه المحتارة بشدة! حتى سمعت ستيف الجالس بجانبي يهمس لي: ذلك الذي داهم الغرفة فجأة هو رين، الإبن الأكبر للعم جوزيف. إنه في العمر نفسه مع كريس.
أملت برأسي بحيرة متسائلة بحذر: ما خطب تصرفاته؟
تقصدين وقاحته؟
أضاف مبتسما: لا أدري تحديدا. ولكنه لم يكن كذلك، كنت أسمع الجميع يقول بأنه كان لطيفا جدا ولكنني اشك في مصداقيتهم، حسنا ربما حدث تغير جذري في شخصيته فأصبح على ما هو عليه. كنت آنذاك لا أزال صغيراً ولا أدري ما الذي حدث ولكنني أعلم فقط أن مشكلة ما حدثت بينه وبين كريس.
ثم تمتم: اسمعي، قد يبيتون في منزلنا ولا أنصحك بأن تحتكي به!
ل. لماذا؟
لا سبب محدد.
بالرغم من إجابته تلك.
إلا أن نبرته كانت مليئة بالغموض!
ارتخت ملامحي قليلا وقد كنت أنوي التفكير قليلا ولكن طرقات خافتة على الباب لم تسمح لي بالغوص في بحر أفكاري، رفعت عيناي وكذلك الجميع لنرى فتاة تقف امام الباب!
بدت وكأنها تكبرني بأعوام قليلة فقط بل وأنها كانت تشبه ذلك المدعو رين فأيقنت أنها شقيقته، الوحيد الذي نطق في هذه اللحظة هو ماكس الذي قال بهدوء: أوليفيا، تفضلي بالدخول لماذا أنتِ مترددة!
دخلت الفتاة المدعوة بأوليفيا لأتمكن من رؤيتها بشكل أوضح، فتاة طويلة القامة نوعاً ما، رشيقة الجسد ولها شعر متوسط الطويل أشقر اللون تركته ينسدل على ظهرها، عينيها زرقاوان تلمعان بالحيرة وهي تنظر إلى الغرفة المزدحمة وبدى من الواضح ترددها قليلاً ومع ذلك ابتسمت بلطف: صباح الخير، مرحبا جميعاً أنا أوليفيا.
سمعت زفرة متهكمة من كلوديا مرة أخرى فنظرت إليها باستغراب لتقول بدورها بملل: أتساءل لماذا يبدو الهواء ثقيلاً في هذه الغرفة فجأة.
اخفض جوزيف عينيه بإحراج واضح في حين لم تعلق أوليفيا وإنما نظرت إلى والدها نظرة سريعة هادئة قبل أن تطرق برأسها.
يا الهي! الجو مشحون بطريقة لا تُصدق!
التفت ماكس قليلا بحيث يكون ظهره مواجها لهما ونظر لكلوديا بتحذير أقوى من المرة الفائتة فامتعضت ووقفت لتقول بحزم: كريس أنا مغادرة، سأزورك غداً.
رمقها كريس بهدوء وأومأ دون أن يعلق فاستنكرت صمته هو الآخر!
ما الذي يحدث الآن تحديداً؟! توقعت ترحيبا ولو لم يكن حاراً فعلى الأقل لطيفاً قليلاً!
تنهد جوش بيأس وهو ينظر لكلوديا التي اتجهت للباب لتخرج وعندما اقتربت من أوليفيا تعمدت دفع كتفها بكتفها وقالت بتهكم قبل أن تتوارى عن أنظارنا: عذراً. لم أنتبه.
خرجت فحك جوش وجنته بتوتر شديد وهو يصافح جوزيف: استميحك عذرا يا جوزيف أعتقد أن كلوديا متعبة قليلا وأعصابها منهكة. اسف لما بذر منها وعلى حدة طباعها يا أوليفيا.
مررت أوليفيا يدها على كتفها وقالت مبتسمة وهي تنفي بسرعة: لا بأس سيد جوش.
ابتسم جوش بهدوء ثم اعتذر منهم وخرج، يا الهي أنا مرتبكة كثيراً واختلس النظرات مع سام وستيف محاولة ان الهي نفسي من هذا الوضع الغريب!
كريس لا يتحدث ويكتفي بالنظر إلى حجره بصمت، وحتى أولين التي تجلس وتراقب الوضع بصمت تام، الوحيد الذي يبدو في وضع صعب هو ماكس!
حينها لمحت أوليفيا تنظر للباب باحثة عن شيء بعينيها حتى ابتسمت بمرح واشارت بيدها: اقتربي، لا داع للخجل.
مع من تتحدث؟ إنها تنظر إلى مستوى قريب من الأرض!
حينها اتضح الجواب وأنا أرى كائن صغير الحجم! كانت فتاة تطل بنصف وجهها من الباب بوجه متورد وبدت في رأيي لم تتجاوز الرابعة حتى!
يا الهي، هذه الفتاة تجبرني على كبح رغبتي في الركض نحوها ومعانقتها، مظهرها لطيف إلى درجة لا تُصدق!
حينها وأخيرا قالت أولين بابتسامة هادئة: بريتني؟ لماذا تقفين عندكِ هناك! ادخلي يا عزيزتي.
دخلت بالفعل وركضت فوراً نحو أوليفيا لتتعلق بساقها وتخفي وجهها فابتسمتُ ببلاهة بدون شعور وهمست: إنها لطيفة جداً!
أومأ سام بعيون تتلألأ ببريق مضحك وهو يكاد يبكي: أنظروا إليها! أشعر فجأة برغبة في الزواج لأرى هذا الحجم الصغير اللطيف كل يوم وسأمنع أبنائي من النمو!
ابتسم ستيف بسخرية: هذا فظيع!
اشارت أولين لها بأن تقترب نحوها: هيا يا بريتني لا داع للخجل، تعالي هنا، أنظري إليك ها قد أصبحت أشبه بالدمى، أخر مرة رأيتك فيها كنتِ لا تتجاوزين الخمسة أشهر.
ابتسم جوزيف مشجعا: اذهبي يا بريتني.
ولكن بريتني ظلت واقفة وفكرت في تشبيه السيدة أولين لها ب الدمى لأقول في نفسي أنها محقة، تلك الفتاة الصغيرة تبدو دمية بالفعل. لديها شعر قصير لونه مُزج بين الأشقر والبني، ولها عينان واسعتان مزج لونهما بين الأخضر والأزرق.
مررت أوليفيا يدها على شعر بريتني وقالت مبتسمة وهي تنظر إلى وإلى عائلتي: إنها شقيقتي بريتني، الأصغر في منزلنا بل وفي العائلة حتى الآن.
تجاهلت كل هذا الحوار أختلس نظرات سريعة نحو كريس، الن يتحدث ولو بكلمة؟
عندما كنت أنظر إليه نظر إلى هو أيضا صدفة، فرفعت حاجباي له باستغراب وكأنني أسأله متى سيبادر وأسمع صوته ولكنه بدلا من ذلك ظل ينظر إلى بهدوء وابعد عينيه ببطء ليقول وقد نظر أخيراً إلى جوزيف وأوليفيا مشيرا نحوي: سيد جوزيف، إنها زوجتي شارلوت، وهذه عائلتها.
ثم اشار لوالديّ وسام: والدتها السيدة ستيفاني ووالدها السيد مارك، وشقيقها الأكبر سام.
حينها وقف سام فوراً وقال بنبرته الجذابة المعتادة ينظر إلى أوليفيا: سررت بمعرفتك.
ابتسمت أوليفيا واقتربت بدورها لتصافحه فطرف سام بعينه قليلا قبل ان يكبت سعادته وهو يتظاهر بالرزانة: فرصة سعيدة.
نفيت برأسي باستسلام من تصرفاته وأيضا أمي التي تنهدت ووقفت: مرحبا عزيزتي.
وكذلك أبي وانا اذ وقفت لأرحب بها، صافحتها بلطف: أنا شارلوت، سعيدة بلقائك.
نظرت إلى بعينيها الزرقاء بلطف وعلى ثغرها ابتسامة ناعمة: أهلا شارلوت، أردت الإعتذار للجميع بشأن تصرف رين قبل قليل.
ثم نظرت لأبيها الذي زفر بلا حيلة: لن يتوقف عن إحراجي في أي مكان. أنا حقا آسف لما بذر منه!
نفي ماكس بسرعة: لا بأس تجاوزنا الأمر. لا بد وأنكم متعبون من الطريق اليس كذلك؟
أومأ جوزيف: الأمر لم يقتصر على المسافة، كانت الشوارع مكتظة اليوم ولا أدري لماذا.
علق ستيف مميلا برأسه: قرأت أنه يوجد بعض الفعاليات على الساحل وسيتوافد الزوار في هذه المدينة من كل مكان، قد يكون سبب الازدحام.
تدخل سام بإستيعاب وحماس: صحيح! أتيت لزيارة ذلك الساحل، المصور سايمون باولو سيكون هنا، على الحصول على توقيعه بأي طريقة.
ضحك ماكس: لا تخبرني أنك هنا لهذا السبب؟
اتسعت عينا أمي: لا يعقل! وأنا التي تساءلت لماذا كنت مفرطا بالحماس وارتديت ملابسك قبلنا كلنا، ظننت أنك تريد الإطمئنان على كريس!
لمحت كريس يبتسم بهدوء مما سبب لي العدوى أنا أيضا لأبتسم.
ولكن عندما انتبه لي أحدق إليه اسرع يمحي ابتسامته، حسنا هذا متوقع.
تقدم جوزيف نحو كريس وقال: هل أنت بخير يا كريس؟ دخلنا وثرثرنا فجأة أعلم أنه لسوء لباقة منا لذا اعذرنا على هذا التصرف.
نفي كريس: لا بأس. أنا بخير.
اقتربت أوليفيا كذلك وهي تمشي بصعوبة بسبب بريتني المختبئة خلف ساقها وقالت: ما حدث لك مؤسف بالفعل، أرجو أنك تتحسن فقط! هل كل شيء على ما يرام حقاً؟
نظر إليها بهدوء، ثم أومأ: نعم، إنني أفضل حالاً.
ثم وجهت اهتمامها نحوي لتقول بإهتمام: اعلم بأنني متأخرة ولكن مبارك لكما يا شارلوت، لو سمعت بالأمر مسبقا لأسرعت لأبارك لكما، أعذريني لهذا.
نفيت فوراً: ل. لا بأس تكفي كلماتك اللطيفة لذا شكرا لك.
متى تزوجتما!؟
أ. منذ فترة قصيرة، ربما شهر وبضعة أيام.
كيف تعرفتما على بعضكما؟ أشعر بالفضول!
فتحت فاهي لأجيبها ولكن كريس سبقني ليقول: نعرف بعضنا منذ زمن.
قالها باختصار فاستغربت اجابته تلك ومع ذلك ابتسمت مؤيدة: تماماً.
تساءلت أمي وهي تجلس بجانب كريس: بالمناسبة هل تدرسين يا أوليفيا؟
أجابتها تنفي بكلتا يديها: لقد تخرجت منذ عامين سيدة ستيفاني، أنا الآن أعمل في شركة خاصة.
أضافت موضحة: إنها شركة لتصميم الأزياء والأحذية والحقائب وكل ما يتعلق بها.
أمالت أمي برأسها معجبة: هكذا إذاً! يبدو العمل مناسباً لكِ فأنت أنيقة بمظهرك بالفعل، أرجوا ان تحققي نجاحا في الأيام القادمة.
شكرا، أرجوا هذا أيضاً، أنا على كل حال أحب عملي وطبيعته.
تمتم ستيف بهدوء يجوبه لامبالاة: ماذا عن رين؟ سمعت أنه فشل في وظيفتين حتى الآن بسبب سلوكه.
ستيف!
قالتها أولين بحزم وتحذير فأشاح بوجهه مبعثرا شعره هامسا بملل: حسنا حسنا. ولكن لا يمكنكم لومي إنها الحقيقة!
احتدت عينا ماكس وهو يرمقه خلسه فابتسم جوزيف: في الواقع هذا حدث بالفعل ولكنه الآن مستقر في العمل في إحدى شركات الأعمال، شهور قليلة وستكون شركتي جاهزة وحينها سأقرر أن أضمه للعمل معي.
نظرت لستيف وكذلك سام الذي همس له بسخرية: لسانك أوقح مما تخيلت!
لا يهم.
أضاف: على كل حال ان ابنه لا يطاق إطلاقا وستفهمون ما اعنيه لاحقا عاجلا أم آجلا. صحيح أن علاقتي به سطحية ولكنه لا يكف عن استفزازي والنظر إلى باستعلاء وكأنه كائن قد هبط إلينا من السماء! أكره تصرفاته.
تنهدت بهدوء: لن أستخدم أسلوبا كهذا حتى إن كان مع الأشخاص اللذين لا يستحقون احترامي!
ثم أكملت باستيعاب: ثم ربما المدعو رين لديه أسبابه.
نظر ستيف للأرض يحدق إليها بشيء من الشرود ولم يعلق.
ارتفع حاجباي بترقب وقبل أن اسأله وقف قائلا: خالي ماكس. سأسبقك.
وجهت أولين وماكس نظراتهما نحو ستيف، فبدى أنه شعر بالضغط تحت ذلك التأثير فأسرع يقول بلباقة: سيد جوزيف سنلتقي مجدداً في المنزل، سأكون في انتظاركم هناك.
بدى جوزيف يفكر قليلا قبل أن يقول: لا بأس يا ستيف، بالمناسبة أظننا سنغادر نحن أيضا الآن، كريس سنأتي لزيارتك مجدداً ولكن. كما تعلم رين في انتظارنا.
نظر إليه كريس للحظة وعندما ظهر بريق لامع ساخر في عينيه شعرت بماكس يتدارك الأمر ويقول بسرعة: صحيح يا جوزيف، ثم لا بد وأنكم منهكون من الطريق الطويل. لا بأس سنراكم هناك في المنزل.
أردف بلطف: سأوصلكم.
وقفت أولين كذلك فاحترت قليلا، لتقول بدورها: سأرافقكم.
لم يعترض جوزيف وحينها نظر إلى أمي وأبي وسام وقال: فرصة سعيدة جميعاً، وأنتِ كذلك يا شارلوت أشعر بالفضول للتعرف عليك أكثر، لم تسنح لنا الفرصة لنبارك لكما زواجكما.
أجبته: سررت بلقائكم، لا تقلق سيد جوزيف لا شك أننا سنتعرف على بعضنا أكثر.
حينها اتجهت بريتني الصغيرة إلى والدها فأمسك بيدها وقال وهو يتجه للباب: ارجو المعذرة.
تبعه ماكس وكذلك أولين فأسرعت أوليفيا تنظر لكريس بلطف: إلى اللقاء، كن حذرا واعتنِ بنفسك جيداً، أرجو ان تتحسن بسرعة.
رمقها بعين لا تعبير واضح فيهما وقد عجزت عن إطلاق مسمى مناسب لأصف فيها ردة فعله! ولكنه في النهاية قال: إلى اللقاء.
اكتفى بهاتين الكلمتين فقط فطرفت بعينها ببطء قبل ان تنظر لي ولعائلتي وتبتسم بلطف: أتمنى ان نلتقي مجدداً سيد مارك وسيدة ستيفاني. سام تبدو شخص لطيفا وظريفاً سأكون سعيدة بلقائك مجدداً.
ارتفع حاجبا سام وخُلقت حوله هالة من العظمة والغرور فجأة ولكنه ابتسم بثقة وجاذبية: وأنا كذلك. تلك الدمية الصغيرة أرجو أن أراها مجدداً أيضاً.
نرجو جميعنا هذا. حسنا إذاً، أرجو المعذرة.
وقفت امي واتجهت معها إلى الباب وهي تودعها بلطف، وعندما خرجت نظرت أمي إلى كريس للحظة مفكرة، فبادلها النظرات بشيء من الإستغراب والترقب، لتقول أخيراً: أعتقد بأنه علينا المغادرة نحن أيضاً، اليس كذلك يا مار.
مازال الوقت مبكرا.
توقف الزمن بالنسبة لي للحظة أردد كلمات كريس في عقلي، ولكن اتضح أن الزمن توقف بالنسبة لوالداي وسام كذلك!
فحدقنا جميعنا إلى كريس بشيء من الدهشة ليبدو وكأنه أجفل فجأة ويقول: أقصد.
قالها بتلعثم وهو يحول عينه بيني وبينهم بسرعة، إنه متوتر جداً بل وأنه التقط من على المنضدة منديلاً وكوره في يده دون أي سبب فوقفت انظر إلى إرتباكه هذا متسائلة في نفسي بسعادة إن كان قال ذلك دون شعور ويحاول الآن تسويغ الأمر.
إذاً فكريس ربما بالفعل قد قرر منح نفسه وعائلتي فرصة لإعادة المياه إلى مجاريها!
لماذا إذاً نظر إلى بتلك النظرات الماكرة عندما بدوت مستنكرة للأمر ومندهشة في البداية؟! ما الذي يفكر به بحق الإله؟
انتفضت على صوت سام وادركت انني ابحرت في عالم أخر بعيدا عنهم، لأسمعه يقول بخبث ساخر: أمي أبي، أنظرا إليه! يحاول جاهداً إخفاء مشاعره الحقيقية. حتى أنه لا يعلم ما الذي يجدر به قوله حتى الآن. بربك كن واضحا وصريحا لا داعي لكل هذه المراوغات المضحكة!
نظر إليه كريس بإنزعاج وزمجر: لا تفسر الأمور كما تريد!
إنني أنصت إلى تفسيرك. هيا!
قالها بإستخفاف ومكر فاحتدت عينا كريس لتسرع أمي بالتدخل ضاحكة: يكفي يا سام، كريس لا فكرة لديك كم أسعدتنا تلك الجملة البسيطة! لا داع للخجل يا بُني.
اتسعت عينيه ليقول فجأة بغضب: أنا لستُ خجلاً!
تنهد أبي بلا حيلة: حسناً حسناً، أنتَ لست خجلاً.
ولكنه أضاف بخبث فجأة: مظهرك يبدو لطيفا وانت تحاول إنكار رغبتك في بقائنا بشتى الطُرق. هل نجلس يا ستيفاني أو نرحل؟
أجابته أمي متظاهرة بالتفكير: نريد البقاء معه ولكن عليه أن يرتاح قليلاً، لذا سنعود في الغد بلا شك. صحيح؟
أومأ أبي فعلق سام بملل: يمكنكما الذهاب قبلي إلى المنزل، أريد حضور الفعاليات هنا.
تساءلت بحيرة: هل كنتَ جاداً!
ضرب كتفي بخفة بشيء من الإمتعاض: بالطبع جاد! أخبرتك ان سايمون باولو سيكون متواجداً، لا يمكنني تفويت هذه الفرصة.
هكذا إذاً!
علقت أمي موجهة حديثها لكريس: أرجو ان زيارتنا كانت خفيفة، بالمناسبة يا كريس، أريد فقط أن أعبر عما يجول في خاطري. كنت ولا زلت سعيدة جداً لمنحنا هذه الفرصة، سأكون عند وعدي، سأعمل على تعويضك عن كل شيء.
ابتسم أبي بلطف: عندما أتينا لزيارتك لن ننكر أننا واصلنا التفكير ووضعنا فرضيات كثيرة وكل منا يفكر بالطريقة التي سيكون عليها لقاؤنا بك اليوم، ولكن عندما دخلنا الغرفة وأجبتنا بتحية الصباح كان هذا كافيا بالنسبة لنا. كما أخبرناك، لن نلتفت إلى أي شيء من الماضي وانت ايضا عليك فعل هذا لتكسب راحة البال.
ليكن في علمكم.
قالها كريس بهدوء وقد نظر نحوهما وأردف بهدوء: أنا لا أرغب في رؤية إيثان أو حتى إرغام نفسي على الحديث معه.
تبادل أمي وأبي النظرات معاً في حين كنت أشد على معطفي بصمت، ليس وكأن سماع هذا لن يزعجني.
فالشخص الذي أحبه وشقيقي الأكبر ليسا على وفاق أبداً. وأنا التي كنت أتساءل في نفسي إن كنت سأواجه أي عقبة للبقاء إلى جانب كريس!
تنهد سام: لا تفكر كثيراً حتى لا تبدو مجرد كهل مثير للشفقة، أنظر إليك! دع كل هذا جانباً واترك هذه الأمور للوقت وحسب.
قالها ثم لوح بيده وهو يسرع للباب: لا يمكنني البقاء أكثر أخشى أن أتأخر عن الحصول على توقيع سايمون، أراك غداً.
خرج سام بالفعل على عجلة فاقتربت أمي من كريس تمرر يدها على كتفه: إلى اللقاء، لن أقلق بشأنك طالما السيدة أولين تعتني بك. شارلوت لا داع لتوصيتك بشأنه كذلك صحيح؟
أضافت مبتعدة عن السرير موجهة نظراتها نحوي: اعتني بنفسكِ أنتِ أيضاً، وإياك والبقاء بعيدة عن هاتفك هل سمعتِ؟
أومأت لها ورافقتهما إلى الباب حتى خرجا، أغلقته وأخذت شهيقا عميقاً ونظرت لكريس الذي كان يعتدل بصعوبة.
تقدمت لأجلس على الكرسي المجاور له وقلت فوراً ودون مقدمات: فاجأني التقدم السريع في علاقتك بعائلتي. لا تسيء فهمي ولكن. أنا حقاً لا زلت مندهشة. ومع ذلك لا يمكنني كبح سعادتي!
لماذا ظننتِ ان الأمر مستحيل؟
لا أدري! ربما لأنك كنت بالفعل تكرههما كثيراً.
السبب الوحيد الذي كنت أكرههما لأجله، هو لومي لهما على ما مررت به ولا سبب آخر. هذا كل شيء.
زميت شفتاي وشبكت يداي بصمت، وفي لحظات الصمت المطبق هذه فكرت في الزيارة الغريبة قبل قليل، في اقتحام المدعو رين للغرفة فجأة، وفي دخول والده وشقيقتيه وعدم التفات كريس أو عائلته نحوهم ومنحهم إهتماما أو حتى مجاملتهم! بدى الأمر بالفعل غريبا وغير مريح البتة.
ذلك الأب المدعو جوزيف، بدى شخص لطيفا هادئاً وبشكل ما شعرت بأنه كان متأهباً لذلك اللقاء الجاف.
هل كل شيء يدور حول خلاف كلوديا بخالة كريس فيكتوريا فقط؟ هل هذا كل شيء حقاً! إن كان الأمر كذلك. فلماذا القى رين على كريس تلك النظرة؟ ولماذا أوليفيا بدت بطريقة ما رسمية؟
أي شخص سيقول أن ذلك اللقاء كان مليئا بالمجاملات وكأن كلا الطرفين بالكاد يحتملان بعضهما!
تجاوزت أفكاري الفضولية ونظرت لكريس الذي كان ينظر إلى بترقب وبدى متململاً فطرفت بعيني بسرعة متسائلة: هل تريد شيئا؟ طعام؟ ماء؟ وما شابه؟
أضفت بحيرة: هل افتح التلفاز؟
نظر إلى نافياً: أريد أن أغسل وجهي وحسب.
أومأت برأسي فوراً واقتربت لأساعده، كان يعتدل بصعوبة ولكنني عاونته على ان يستند على قليلا حتى أخذ وضعية الجلوس على السرير وأنزل قدميه لتلامسا الأرض فقلت بحذر: هل أنت بخير؟
نعم.
ثم وقف ببطء فأسرعت أساعده لنتحرك ببطء نحو الحمام، وهكذا فتحت له صنبور الماء ليغسل وجهه ويمرر الماء في شعره.
رفع رأسه ينظر لنفسه في المرآة بتأمل قبل أن يزفر بإنزعاج متهكم.
بدى يحدق إلى الكدمات التي تكاد تختفي، وإلى الجرح الموجود على جانب شفته وبعض الخدوش الصغيرة على جبينه، وشيئا فشيئا احتدت عيناه العسليتان ليهمس بحنق: ذلك اللعين براد!
ناولته المنشفة متمتمة: دعكَ منه.
ساعدته في تجفيف شعره حتى انتهيت فتنهد هامسا بإنزعاج: سيكون لي لقاء معه حين أخرج من المشفى، أقسم بأنه سيندم.
تجاهلتُ قوله ذلك وأنا أنظر إليه بصمت، استرق نظرة لنفسه في المرآة قبل أن يرمقني بطرف عينه وتساءل بهدوء: أخبريني. هل راودتك أي شكوك بشأن علاقتي بوالديك؟
شكوك! مثل ماذا؟
امسك بالمنشفة ينظر إليها قبل ان يناولني إياها، أخذتها وعلقتها وبادرت أسأله مجدداً: لم توضح الأمر بعد! ما الذي تقصده؟ كل ما شعرت به هو الدهشة لأن الحال بينكم تحسن بطريقة مفاجئة، لن أنكر أنني شعرت بغرابة فقط لسرعة تطور الوضع، هذا كل شيء. ما الذي كنت تشير إليه أنت؟
ماذا لو قلت أنني أفعل هذا لأسباب خاصة؟
أردف بسخرية: على سبيل المثال، التقرب إليهما لإنتزاع فرصتك في الإنفصال مثلاً؟
ضحكت بسخرية: اسمح لي أن أقول أنك مجرد أحمق سخيف وسطحي التفكير، أولا لم يخطر على بالي فكرة مماثلة، ثانياً ليس وكأنني سأستبعد شيئاً فأنا الآن تعلمت التأهب لأي حدث مفاجئ. ولكن.
تكتفت أنظر إليه بتقييم وتمعن قبل ان اتمتم: ينتابني شعور أنك تكذب.
ارتفع حاجبه الأيسر وتسمرت عيناه علي، لا أدري كم مر من الوقت وهو يحدق إلى حتى وجدت نفسي أبادله النظرات بصمت.
عائلة لطيفة هاه؟
قالها بهدوء فجأة وكم استنكرت جملته هذه! لأهمس بعدم فهم: ماذا؟
كان لا يزال ينظر إلى حتى ابعد عينيه لثوان قبل أن يعاود النظر إلى مجدداً، لحظات حتى أجاب: ليس وكأنني أريد قول هذا، ولكن. ترديد والدتك ل سأعوضك وابتسام والدك ومرحه يشعرني بطريقة ما أنهما يتعمدان فعل هذا لدفعي بالشعور بالإحراج.
أطرقت برأسي متنهدة بلا حيلة: أنت تعلم بأنهم لم ولن يفكروا بهذه الطريقة! حاول أن تنظر للأمور من منظور أخ.
إنني أردد الآن متمنيا فقط لو كنت في تلك الليلة قد أغمضت عيناي للأبد حتى لا أكون في موقف كهذا.
أضاف بسخرية: أعترف بأنني كنت خائفا واخشى ان اغادر هذا العالم ولكنني لم أكن أعلم أن أمرا كهذا ينتظ
شارلوت:
أنا والسيد ماكس وجوش نجلس معاً في الحديقة على إحدى الطاولات القريبة من الأكواخ الصغيرة، فبعد ان رحلت تيا اقترح جوش ان نجلس في الخارج نستمتع بالطقس.
بصراحة هو بارد جداً ولكن لا بأس فنحن نحتسي القهوة معاً في حين السيد ماكس يشرب الشاي ذلك أنه مُنع من شرب القهوة.
لقد كانت السماء فوقنا ملبدة بالغيوم الداكنة، ويوجد نسيم من الهواء البارد يداعب شعري الذي اعيده خلف اذني في كل حين، حسنا إنها نصف ساعة فقط.
نعم، نصف ساعة تقريباً وسأرى جيمي.
احتضنت الكوب لأدفئ يداي.
الطقس أقل ما يقال عنه بأنه مذهل. البرودة تزداد في كل حين.
كم أعشق الشتاء!
كان جوش وماكس يتحدثان في أمور تتعلق بالعمل والشركة بينما كنت جالسة أحدق بالمكان بحيرة وأقرأ من المجلة واحتسي القهوة باندماج.
ثم تساءلت عما يفعله كريس وحده الآن، لابد وأنه يشعر بالملل.
فقط لو كانت الزيارة مسموحة لوقت أطول لما تركته! ليس وكأن السبب هو ساعات الزيارة وإنما ذلك الأحمق طردني من غرفته وأراد البقاء وحده. حسنا لا ألومه بعد ما سمعه من والداي.
حين يُسمح لي بالبقاء سأبيت معه في المشفى.
نعم. هذا ما قررته حينها بالفعل! ولم لا؟
ما الخطأ في هذا حتى؟
ص. صحيح أن الفكرة تشعرني بالإحراج قليلا.
ولكن. لا بأس!
فحالة كريس أهم بكثير مما أفكر فيه الآن.
أنا فقط لا أفهم نفسي، فعندما أُصيب شعرت برغبة عارمة بإخباره بمشاعري فوراً ولكنني الآن لا أستطيع التفكير بالأمر حتى! لا يمكنني تخيل نفسي أعترف له!
ارتشفت من القهوة مجددا حتى قال جوش بهدوء: ما رأيك بالفكرة يا شارلوت؟
رفعت رأسي نحوه بحيرة وعدم فهم فابتسم وعاود يسأل: ما رأيك بفكرة ماكس؟ لقد اقترح أن نذهب جميعنا لمخيم العائلة عندما يخرج كريس من المشفى ويتحسن.
ارتفع حاجباي ثم ابتسمت: مخيم! هذا. يبدو جيداً وممتعاً! وربما من الأفضل ان تقوموا بتغيير الاجواء من حولكم كذلك، كما سيكون ملائما لأننا في فصل الشتاء.
أمال ماكس برأسه: محقة، ولكنك بالطبع لم تسمعي ما قلته في البداية.
تورد وجهي فقال بلطف يجوبه سخرية: كنت أقول بأنني سأقوم بدعوة عائلتك أيضا، شقيقاك ووالديك.
ح. حقا!
أضفت بحماس: هذا بالفعل. رائع!
أكملت باستيعاب: ولكن. هل تظن بأن إيثان سيوافق حتى؟
غمز بخبث: سنتصرف بشأنه لا تقلقي. حتى لو اضطررنا لخطفه.
وهل سيوافق كريس أن تدعوه؟
وما شأن كريس! لا يحق له أن يعترض حتى.
علق جوش بإستخفاف: تماما. فلو تدخل كريس أنا واثق بأننا سنخيم بعد ما يزيد عن الخمسون سنة.
ضحكت بخفوت فابتسم مردفا وهو ينظر خلفي: غريب، لقد عاد جيمي مبكرا بعض الشيء عن الموعد.
التفت أنظر للخلف لأرى السيارة السوداء الفاخرة التي يقودها السيد مايكل ليوقفها أمام النافورة وينزل منها جيمي برفقة إحدى الخادمات!
وقفت فوراً: أرجو المعذرة.
أسرعت في خطواتي نحوهما وأنا أحدق إلى جيمي بشوق شديد!
أشعر بأنني أريد معانقته لأرفعه عاليا وأسمع ضحكاته.! الآن أفهم ما يعنيه أن تشعر المرأة بالأمومة تجاه طفل لم تلده! فأنا حقاً غير قادرة على ضبط نفسي وأنا أركض بسرعة لأصل إليه.
صرخت بإسمه فوقف هو والخادمة!
في حين نظرت إلى الخادمة بعين متسعة وبعدم تصديق كان هو ينظر إلى بدهشة حتى تقوست شفتيه للأسفل ولمعت عيناه بالدموع مما فاجأني ولكنني طرفت بعيني بعدم استيعاب عندما ركض باتجاه المنزل وصعد الدرج بخطى سريعة!
وقفت في مكاني بإحباط حتى ابتسمت الخادمة بلطف: مرحبا بعودتك آنسة شارلوت
نظرت إليها بإستياء، حسنا ما كان على أن أتوقع استقبالا حارا من جيمي بعد كل شيء.
من الطبيعي أن يكون غاضبا وحزينا، فلقد أراد دائما أن يصدق كوني والدته، وأرادني دائما بجانبه ولكنني خيبت أمله برحيلي فجأة.
علي أن أنهي المشكلة بحكمة.
تداركت الأمر وقلت للخادمة وانا اسرع للداخل: شكرا جزيلا لك.
صعدت الدرج واستدرت للجناح الأيسر متجهة لغرفة جيمي، ووقفت أمام الباب متنهدة بعمق وطرقته، لم يأت صوته ولم يستجب فقلت بمرح: جيمي، أتسمح لي بالدخول؟
لم يستجب كذلك فوضعت يدي على المقبض قائلة: سأدخل.
فتحت الباب بالفعل ولكنني لم أره في مكان الأريكة وعدة الألعاب والرسم فدخلت أكثر واتجهت يمينا نحو سريره فوجدته يجلس عليه بصمت وقدميه بعيدة تماما عن الأرضية.
أخذت شهيقا وعدت لأغلق الباب ثم توجهت نحوه بتردد.
جلست بجانبه على السرير فتفاجأت بعينيه تحدقان بالفراغ وتذرفان الدموع بصمت فشعرت بالغصة الشديدة هامسة: جيمي. أعلم بأنك غاضب ومستاء مني كثيرا ولا يمكنني لومك.
لم يعلق فاقتربت منه أكثر متمتمة بضيق: كنت مجبرة في ذلك الوقت على المغادرة يا جيمي، ولكن. أقسم بأنني لم أتعمد جرحك أو إزعاجك.
أردفت مبتسمة بتردد: أخبرني، ما الذي على فعله لتسامحني؟
همس بصوت مرتجف وهو يبكي: كان الجميع محقا، عندما أخبرت زملائي بأنني حصلت على أم قالوا بأنها لن تبقى معي كثيراً.
اتسعت عيناي ولمعتا بحزن وتأثر.
ومع ذلك اعترضت بجدية: غير صحيح! ها أنا أمامك يا جيمي! إنهم مخطئين بلا شك، فأنا والدتك وصديقتك كما تعلم وسأظل هكذا، وأتيت اليوم لأنني أعلم بأنك مستاء! وأعلم بأنني مخطئة، ولكنك يا جيمي ابني. وعليك ان تلتمس الأعذار لي قليلا، اليس كذلك؟
أضفت وأنا أحيط رأسه بين يداي محدقة إليه مباشرة: لا تفكر في أمور كهذه، أنا لن أتركك ولن أتعمد فعل هذا! حتى إن غبت عنك فترة فأنا سأعود بلا شك.
نظر بعينيه بعيداً وهمس بإستياء: ليس أمي فقط. أبي أيضا لا أراه كثيراً. الجميع يقولون بأنني ثري وسعيد. ولكن. ولكنني لا أريد سواكما!
ادهشني كثيرا تعبيراته وكلماته وزميت شفتي بإستياء، حاولت جاهدة أن أتمالك نفسي و غيرت ملامحي للمرح وقلت: والديك أيضا لا يريدان شيئا سوى جيمي! هل تعلم هذا؟
قطب حاجبيه بعدم اقتناع فأسرعت أقول مبتعدة قليلا ومبعثرة شعره: حتى وإن كان والدك يا جيمي لا يجلس معك كثيرا فإنه يحبك ولا يمكنه الإستغناء عنك! إنه يحبك ويكن لك مقدارا كبيرا من هذه المشاعر أكثر مما أكنها لك أنا حتى! لا تعلم كم يقلق بشأنك، وكم يرهق نفسه لأجلك أيضاً، ربما يكون مهملا قليلا ولكنه في النهاية والدك الذي يهمه شأنك أكثر من الجميع!
ظلت عينيه تلمعان حتى همس بحزن: أمي لماذا ذهبت؟ هل ستذهبين مجددا؟
كانت مجرد ظروف ومشاكل عابرة وتم حلها! لا تقلق، أنا لن أتركك مجددا أبداً.
تورد وجهه متسائلا: أتعدينني؟
ابتسمت بلطف وقمت بحني اصبعي البنصر على اصبعه: أعدك.
الست أجبرك على البقاء معي؟ و ماذا عن أبي متى سأراه؟
أضاف مترددا بضيق واضح: لم أره منذ الأمس. بل منذ اليوم الذي يسبق الأمس.
تنهدت بعمق ولم أعلم ما على قوله، ولكنني وجدت نفسي أقول بمرح: أولاً انت لست تجبرني أنا هنا لأنني أريد البقاء إلى جانبك دائما، ثم لا تقلق بشأن والدك ستراه إما في الغد او قريبا جدا.
ثم وقفت مردفة: أحظرت لك هدية لأعبر عن أسفي فهل تقبلها يا جيمي؟!
ب. بالطبع!
ثم قال بحماس: ما هي؟ أين الهدية؟
تساءل وهو يمسح اثر عن الدموع عن وجنتيه.
اتبعني إلى الغرفة المجاورة.
خرجنا نحوها بالفعل ودخلت غرفة كريس، وهناك ما ان دخلت حتى خفق قلبي بشدة.
بمجرد أن تذكرت أمور كثيرة حدثت في هذا المكان تحديدا تسارعت خفقات قلبي. ولم أدرك أنني وقفت كالمخدرة أنظر إلى تفاصيلها وكأنني لم أدخلها منذ سنوات!
ربما لا شيء مفرح استطيع تذكره بشأن الأيام التي قضيتها مع كريس.
ولكن.
ولكنها أيام ذات نكهة غريبة مميزة، في تلك اللحظات كنت اكن له الكره والحقد الشديدين!
ولكنني لم أكن لأتخيل أن هذه اللحظات ستكون ذات ذكرى مميزة بالنسبة لي.
فأنا واقعة في حبه لا محالة.
أمي؟
كانت نبرة جيمي كفيلة بإخباري أنه مل ترديد اسمي مرارا وتكرارا.
فتداركت الأمر متجهة بسرعة نحو الهدية باحثة عنها بنظري حتى وجدتها على الطاولة المقابلة للأريكة.
تناولتها قائلة بحماس: خمن يا جيمي، ما الذي أحضرته لك؟
وضع يده على رأسه هامسا بحيرة: بعض الحلويات؟
لا.
اقراص مدمجة كالتي يحضرها لي ستيف؟
لا.
إذاً. قصصاً مصورة؟!
ابتسمت وقمت بمدها نحوه: هيا افتحها وانظر بنفسك.
فعل ذلك فورا بحماس واضح جداً وعندما مزق التغليف اتسعت عينيه بسعادة فابتسمت لذلك أنا أيضا أترقب ردة فعله.
أ. أمي! إنها عدة رسم وتلوين!
إنها كذلك!
ضحك بفرح: هذا رائع!
ثم قام يفتحها وهو يتفقد كل جزء منها، الأقلام، والأوراق والألوان وغيرها من الأدوات بسرور وقد جعلني أشعر بسعادة تغمرني لمجرد رؤيته هكذا!
هل أنت راض عني الآن يا جيمي؟
نظر إلى وترك ما بيده وهو يزم شفتيه ثم وقف متجها نحوي هامسا بوجه متورد: أمي. هل أستطيع. ان اعانقك؟ انا سعيد جداً.
قالها والدموع تلمع في عينيه!
اسرعت أقول متداركة: ب. بالتأكيد!
أغمضت عيناي وانا احتضنه فأرخى رأسه على صدري متمتما: أنا سعيد جدا بوجودك الى جانبي. لا تتركيني مجدداً! لقد وعدتني بهذا.
نعم. لقد وعدتك ولن أخلف بوعدي لذا لا تقلق يا عزيزي.
وهكذا كنت قد انتهيت من موضوع تضايق جيمي مني.
فبعدها تناولنا الغداء جميعنا وتحدثنا بشكل طبيعي تماماً.
وفي اليوم التالي، كان السيد ماكس قد قرر زيارة كريس في الصباح الباكر بعد الفطور مباشرة فطلبت منه مرافقته ووافق فوراً. أما كلوديا وزوجها فأخبرانا ان نسبقهما، وبالمناسبة تيا من ستأتي لإصطحابنا فهي كذلك ترغب في زيارته مبكراً حتى تجد وقتا لأعمالها في وقت لاحق بعد الزيارة.
وفي حين كان ماكس ينتظر وصول تيا في غرفة الجلوس في الأسفل أسرعت بدوري لأقوم بتغيير الضمادة الموضوعة على الجرح في عنقي وطهرته جيدا وارتديت ملابس مناسبة.
وعندما تساءل جيمي إلى أين أنا ذاهبة وبقلق شديد، أجبته بحجة سريعة مقنعة.
(أنتَ تعلم يا جيمي بأنني عدت أخيرا، وعلى شراء بعض الملابس من أجل البقاء هنا).
لا يجب ان يعلم أن والده طريح في المشفى فمن يعلم كيف ستكون ردة فعله وهذا ما اتفقنا عليه جميعنا في الأمس.
وصلت تيا أخيرا وركب السيد ماكس بجانبها في حين جلست في الخلف.
وبعد لحظات من الحديث بينهما وجهت سؤالها لي: هل سيزوره والديكِ؟
ارتفع حاجباي مفكرة: نعم أظن هذا. أخبرتهما في الأمس قبل أن أنام بأنه سيسر بزيارتهم.
هكذا إذاً.
قالتها ثم انهت جملتها بابتسامة هادئة.
هل أتخيل أم أن تيا تلقي إهتماما كبيراً بشأن أمي وأبي؟
حسنا قد تكون مخيلتي وحسب.
وصلنا إلى المشفى وعندما ترجلنا من السيارة تقدمنا السيد ماكس بخطى صغيرة في حين لمحت تيا التي نظرت إلى انعكاسها على نافذة السيارة وهي تقوم بترتيب مظهرها وتبتسم بهدوء!
عقدت حاجباي باستغراب شديد ومع ذلك لم أعلق.
تبعت السيد ماكس والحيرة تغلفني من كل جهة بشأن تيا، وبعدها بلحظات وجيزة كانت تتبعنا، ولكن دعكم من كل هذا ها هي ذا مجددا تحدق إلى نفسها بتأمل في مرآة المصعد وتمرر يدها في شعرها وتتأكد من كون مظهرها جيد!
لو استمر الوضع هكذا فسأنفجر وأتطفل لأسألها عما يحدث!
وبصراحة لم أشعر بنفسي وأنا أًسجن في زنزانة أفكاري، إذ تقدمني الإثنان وبقيت أمشي وحدي بمسافة بعيدة بعض الشيء وانا أنظر إليها بشك وفضول. للمرة الثالثة إنها تنظر إلى انعكاسها على شاشة الهاتف! يا الهي. سأنفجر من الفضول!
سأسألها، حُسم الأمر.
قررت هذا بالفعل وتقدمت بخطى سريعة ولكنهما قد فتحا باب غرفة كريس مسبقا وتوقف قليلا بحيرة وانا ارى الإثنان ينظران للداخل بعين متسعة!
ما خطبهما!
أ. أيعقل! هل كريس بخير؟ أصابه مكروه؟!
حينها راودتني فجأة بضعة أفكار سوداء وسببت زوبعة في رأسي بشأن كريس، شعرت بانقباض شديد في صدري ولم أدرك أن قدماي تنافسان بعضهما لأصل إلى الغرفة بذعر وقلق، بل تجاوزتهما لأقف أمام الباب بأنفاس متقطعة.
ولكن!
تلك التعابير المذعورة سرعان ما تحولت إلى دهشة وعدم إستيعاب.!
أولين:.
وقف الثلاثة أمام الباب وتعلقت أعينهم على كريس بعدم فهم، وتحديداً إلى والدا شارلوت وسام اللذين كانوا يجلسون حوله.
بالطبع سيبدو الوضع مفاجئاً بالنسبة لهم ومن الصعب تداركه بسرعة.
فربما ظنوا ان أمرا كهذا سيحدث على المدى البعيد، فبعد حديثه ليلة الأمس سألني عن الطريقة المُثلى للتعامل معهم بعد ان اكتشف الحقيقة.
ولكن. الأهم هو أنه يتظاهر الآن بأنه يفعل هذا لأجل سبب محدد. يظنني حمقاء لأصدق أنه يقوم بمعاملتهم وكأن شيئا لم يكن ليشكل حزباً ضد إيثان الذي سيتفاجأ ليدرك أن كريس الآن يتعمق في علاقته مع شارلوت ووالديها وشقيقها. هذا الطفل.
لا يسعني سوى الضحك والسخرية من طريقة تفكيره! غروره لن يسمح له أن يعترف بأنه يفعل هذا لإعادة المياه إلى مجاريها وحسب.
ولكن، جزء كبير من تصرفاته يخبرني أنه يحاول توطيد علاقته بهم لسبب أهم.
علي الأغلب يريد الإحتفاظ بعلاقته بشارلوت كذلك وكان هذا محفزاً خفياً.
حدقت إليه بشرود للحظة وهو ينظر إلى الواقفون على الباب ثم ظهر تعبير ساخر على وجهه ولم يعلق.
كان الوضع كالآتي، كريس يجلس على السرير وفي يده قطعة صغيرة من الحلوى التي احضروها معهم من مدنتهم، بينما سام يمسك بالعلبة بأكملها ويتناول الحلوى محدقا إلى الثلاثة بترقب وحيرة. أما ستيفاني وزوجها ينظرون إلى شارلوت باستغراب.
اقتربت شارلوت تنظر إليهم بدهشة: أمي، أبي. ما الذي يحدث هنا؟
ابتسمت ستيفاني وكادت تتحدث لولا تدخل سام وهو يقف متكتفاً: لماذا كل هذا الإستنكار؟
طرفت بعينها بعدم استيعاب فتقدم ماكس ليهمس بعدم فهم: مارك، ستيفاني.!
حينها وقف مارك أخيرا وقال ضاحكا بإستهزاء: بربكم هل حدثت معجزة هنا؟ ألم يكن هذا من المتوقع حدوثه! كنا ننوي أن نكون هكذا منذ سنوات وها قد تحقق الأمر فما المشكلة تحديداً؟
ثم ابتسم بفخر وهو يضع يده على كتف كريس وأكمل بثقة: لقد قررنا طي الصفحات القديمة تماماً، نحن الآن ننظر للحاضر والمستقبل وحسب. اليس كذلك؟
قالها ينظر إلى كريس وستيفاني التي ابتسمت بمرح: منذ هذه اللحظة كريس هو الإبن المقرب لي وتليه شارلوت.
اتسعت عينا سام وهمس بشك: والتالي هو إيثان بلا شك؟ وماذا عني بحق السماء!
تدخلتُ نافية بهدوء: لا بأس سأعتني بك كما اعتنيت بستيف.
جادلني بدهشة: أتقصدين أنني الآن في قائمة المنبوذين حقاً!
كتمت ضحكتي أومأ برأسي ممازحة في حين طرفت تيا بعينها وبدى وأنها الوحيدة التي استوعبت الأمر لتتقدم بشيء من الحماس وتقترب نحو ستيفاني وتفاجأنا بها تمد يدها مصافحة: صباح الخير سيدة ستيفاني.
صافحتها مبتسمة: مرحبا عزيزتي تيا. كنا نتحدث عنكِ قبل قليل!
ح. حقا!
أعلم بأنكِ صديقة كريس المقربة منذ زمن بعيد لذا اود أن اعرف أي نوع من الأشخاص تكونين! لأكن صريحة معك كنت املك صورة لك أقرب للفتاة الجافة الباردة ولكنك على العكس تماما، تبدين لطيفة جداً وفوق ذلك جذابة.
اقتربي. لماذا لا زلتِ بعيدة
قيلت تلك الجملة لتقاطع ذلك الحوار بينهما، لم يكن سوى كريس الذي حدق إلى شارلوت بتمعن والتي بدورها اجفلت قليلا واقتربت بصمت تنظر إليه تارة وإلى عائلتها تارة أخرى.
لا زالت لم تستوعب الأمر، وكذلك ماكس الذي أغلق الباب خلفه ودخل وقد رسم الآن فقط ابتسامة هادئة وحرك رأسه بخفة نافيا: يا الهي أكاد لا أصدق. بات حلم الأمس حقيقة اليوم!
أضاف بفضول وإهتمام: منذ متى وأنتم هنا؟
أجابه سام متنهداً: قبل أكثر من نصف ساعة.
ثم اقترب من شارلوت واسند ذراعه على كتفها متمتماً بنبرة يائسة: تطورت علاقتهما به، في حين تم الإستغناء عني تماماً. أنا مغادر.
نظرت إليه شارلوت للحظة قبل ان تبتسم وقالت: كفاك سُخفا. انت تعلم أنك الفرد الأهم في عائلتنا. أنت المستشار الذي نحتاجه دائما.
ابتسم ابتسامة مضمرة: فات الأوان.
قاطعه مارك بحدة: كف عن خلق هذه الأجواء الدرامية السخيفة.
ضحكتُ بخفوت وعلقت: ياللقسوة. سام يمكن لشخص واحد فقط مواساتك في حالتك هذه.
امتعض فجأة: لا تقولي أنه ذلك الطفل المتعجرف!
أومأت في حين قالت شارلوت بسخرية: على الأقل ستيف يشاركك المعاناة. بالمناسبة لا أقصد كوني متطفلة أو مزعجة ولكن.
نظرت إلى والديها وكريس ثم استرسلت باستغراب: هل كل شيء على ما يرام الآن؟ كريس هل تم حل سوء الفهم تماماً!
نظر إليها بهدوء ومسح يده بالمنديل المعقم متمتماً: اليس هذا ما يجب ان يكون عليه الأمر عندما ينبغي لزواجك بي ان يستمر؟
حسنا. جملته هذه في غاية الحماقة والسخف! أولاً جعل الأمر كما لو كانت شارلوت من أرادت الزواج به في البداية! بل وتعمد ان يرمقها بنظرة ماكرة خلسة وهو يحاول ان يبث فيها شعور عدم الإرتياح لتظن أنه يفعل هذا لأجل مصلحة وحسب ويخفي رغبته الحقيقية!
انا يائسة واستسلم من تصرفات كريس. أنا حقا مُرهقَة!
جلست على الكرسي بلا حيلة وعقدت ساعداي على صدري لتضيق عينا شارلوت الخضراوان وهي تنظر إليه بشك لوهلة قبل ان يقول ماكس بسعادة: الكلمات لن تكفي لأصف سعادتي الآن. هذا يعني أنكم أخيراً ستتوافقون معاً، اليس كذلك؟ بالمناسبة مارك، ستيفاني منزلنا مفتوح لكما دائماً والجميع هناك سيرحب بكما في أي وقت.
أيدتُه: تماماً. ستسرنا دعوتكما.
شارلوت:.
أنا بين السعادة والحيرة! بل أنني أكاد أحلق من الفرحة وانا أرى امي التي تجلس بجانب كريس بكل اعتيادية واريحية. ولكنني أبدو كالطائر الذي حلق بسعادة ثم أُصيب وهو يرفرف بطريقة ملتوية!
هل هذا حقيقي؟ حتى أنني أراها الآن تضحك وتتحدث معه ليومئ لها برأسه!
إنه واقع بالفعل، والدليل على ذلك هو أنني أشعر بالألم الذي سببته لنفسي وأنا أضغط بيدي على الأخرى بقوة وأقرصها محاولة التأكد ما إن كان مجرد وهم!
وحينها تفاجأت عندما بدت الأشياء من حولي غير واضحة المعالم فأدركت أن دموعاً قد غشت الرؤية!
أسرعت أشيح بوجهي قبل ان يلمحني أي أحد ولكن ومع الأسف التقت عيناي بعينا كريس الذي كان يحدق نحوي بهدوء.
طرفت بعيناي عدة مرات حتى نجحت في السيطرة على نفسي سامحة للهواء بتجفيف دموعي فوراً.
لم أكن أظن أن هذا اليوم سيأتي حقاً، ظننت أنني سأموت قبل رؤيته يتحدث معهما.
بدأت الأمور تأخذ مجرى آخر بينهم! ولكني يدهشني كثيرا أن كريس تقبل الأمر بسرعة على عكس ما تخيلت! يا تُرى لماذا؟
ظننت أنه وبطبيعته الصعبة لن يسامحهما بسهولة. ولكن الوضع مرن جداً إلى درجة أنني أقف بتردد راغبة في قرع طبول الإحتفال وفي الوقت آنه متأهبة لأي حالة طارئة.
هل. أستطيع الآن البقاء معه؟ يمكنني الإستمرا في هذا الزواح بعد ان تحسنت علاقته بهما أخيراً؟ أيوجد أي عقبة الآن!؟
أريد البقاء إلى جانبه. أنا بالفعل لا أرغب في الإبتعاد عنه! وأدرك في قرارة نفسي جيداً أنني وابتعادي عنه أجني على نفسي واحكم عليها بالموت أو بالجنون كعقوبة مؤبدة. لأنني أعلم أن مشاعري نحوه ليست مجرد عاطفة مؤقتة ونزوة عابرة.
أحبه ومن الصعب انتزاع نفسي من شباكه!
هذا ما كنت أفكر به وأنا أرى سام يتجادل مع أبي بينما أمي تتحدث مع كريس وتيا في حين ماكس واولين كانا يتهامسان.
ابتسمت أحدق إلى وجهه بتأمل، أنظر إلى عيناه العسليتان اللتان كانتا في الأمس خاليتان من أي تعبير واضح في حين تنعكس فيهما الآن الراحة والهدوء. وإلى وجهه الذي بدأت تختفي منه الكدمات المُوزعة في أرجائه.
هذا. سيء!
أشعر بأنني على شفى حفرة من الإنفجار وأتوق لعناق كريس في هذه اللحظة! كيف من المفترض أن أتمالك نفسي بحق الإله؟
هذا ما كنت غارقة فيه عندما طُرق الباب وفُتح لتدخل كلوديا مبتسمة: صباح الخير جميعاً.
ثم اتسعت عينيها قليلا قبل ان يأخذ الحماس مجراه: ستيفاني! مارك، يا لها من فرصة سعيدة أخرى. منذ متى وانتما هنا؟
اجابها أبي مبتسما بتفكير: نوشك على أن نمضي ساعة هنا.
تقدمت كلوديا وصافحت أمي وأبي ثم سام بحرارة، لتقول أمي بابتسامة جانبية خبيثة: انتِ بلا شك قد وقعتِ في فخ ابني سام! هذا مؤسف جداً.
رفع سام حاجبه الأيسر وقال ببرود: عذرا؟ إلى من تتحدثين؟ ابنك؟ كان هذا في الماضي.
ضحكتُ بسخرية: بربك ألا زلتَ غارقاً في تلك الدراما السخيفة.
بعد دخول كلوديا بلحظات دخل ستيف وجوش معاً وبدى على وجه ستيف الغضب لدرجة أنه دخل دون أي كلمة وجلس على الكرسي المجاور لخاله ماكس الذي ينظر إليه بحاجبين مرفوعان.
تمتم سام باستغراب: ما خطب هذا الطفل!
علقت بحيرة: ستيف؟ هل أنت على ما يرام!
رمقني بإمتعاض ثم نظر إلى جوش وتكتف بغيض: أبي يعشق إحراجي أمام الآخرين. لقد طفح الكيل، قررت التبرؤ من هذه العائلة تماما. باستثناء خالي، حتى جيمي لم يعد يعاملني كالسابق!
ابتسمتُ بلا حيلة: ها أنت ذا مجدداً.
وقف سام متجها إلى ستيف ووقف أمامه مما دفعنا جميعنا للإستغراب، رفع ستيف عيناه نحوه بترقب: ماذا تريد أنت الآخر!
تنهد أخي ووضع يده على خصره: هل سيفاجئك لو أخبرتك أنه لك شقيق يكبرك سناً؟
سمعت أمي تهمس بملل: مزاجي لن يحتمل العاطفة الجياشة لدى سام.
نظرت إليها أؤيدها ضاحكة فابتسمت لي رافعة كتفيها بإستسلام.
زمجر ستيف بإنزعاج: عن أي شقيق تتحدث!
أجابه وهو يجلس بجانبه: اليس الأمر واضحا؟ كِلانا لا مكان له في هذا العالم! والدايّ يفضلان شقيقاي على بل وانضم ابن خالك للقائمة الآن وسرق مكاني الذي كنت متشبث به بأطراف اصابعي بصعوبة، بينما أنت لا أشقاء لديك ومع ذلك تتم معاملتك بقسوة، إنه تنمر عائلي.
رسم ستيف ابتسامة جانبية ساخرة: لن أنكر أنك تشبهني في هذه النقطة فقط. لك شرف مشاركتي في شيء معين.
بعد دقائق استقر الأمر بحديث كل شخص معين مع الآخر، فلقد بدت تيا منهمكة بحديثها مع أبي وكريس كثيراً! كنت أعلم أنه يوجد خطب ما في حماسها ولكنني لا زلت لا أفهم.
إنها تولي كِلا والداي إهتماما خاصاً وهذا واضح جدا، يا ترى ما الذي يجري معها!
ستيف وسام انخرطا في الحديث والضحك وكذلك الجدال وبدى الإثنان متأقلمان معاً جداً.
كلوديا وأمي تتحدثان معاً أيضا، ونفس الشيء بالنسبة لأولين وماكس وجوش.
وهكذا أدركت أنني الوحيدة التي تجلس تحدق للجميع من حولها!
هاه! لماذا؟ كان من المفترض ان نتحدث جميعنا معاً على الأقل حتى لا أشعر أنني أجلس وحدي كالمجنونة هنا!
الجميع يبدون منهمكين بالفعل، وهذا ما جعلني اتكتف بملل شديد واتثاءب بتثاقل.
وحينها أدركت انها فرصتي لإختلاس النظرات المطولة نحو كريس.
هذا ما ظننته ولكن الواقع قد أدهشني حين وجدته ينظر إلي، وعندما التقت اعيننا قال بهدوء: لماذا تجلسين بعيدةََ عني.
لأقل من الثانية كان الجميع قد صمت ولكنهم أسرعوا يكملون أحاديثهم ويستمرون في كلامهم معاً متظاهرين أنهم لم يسمعوا شيئاً.
بصراحة انتابني الإحراج كثيراً!
طرف بعينه ببطء وكاد يفتح فاهه ليقول شيئاً ولكنه توقف ونظر بإتجاه الباب وكذلك فعلنا عندما أفزعنا دخول شخص ما فجأة دون سابق إنذار، دون طرق أو استئذان!
أطَل شاب ذو حضور قوي، شعره أشقر اللون وعيناه زرقاوان، طويل القامة ويرتدي معطفا وملابساً سوداء ملفتة، بل وتفوح منه رائحة عطر التقطها أنفي بسرعة!، و مع أن ملامحه لم تكن حادة ولكن نظراته كانت كذلك! كان واقفا ينظر للغرفة ولم يكلف نفسه عناء النظر إلينا وإنما لكريس فقط!
تفاجأت بالنظرة الجافة الحادة التي وجهها نحوه في حين بدى كريس هادئاً جداً بطريقة غريبة وأشاح بوجهه بعيداً ينظر إلى الجهة الأخرى.
تحدث الشاب أخيراً ليقول بصوت متململ: إنها الغرفة. اتصل بي ما أن تنتهي.
قالها واستدار ليخرج في اللحظة نفسها التي دخل فيها رجل بدى في نهاية عقده الخامس وهو ينظر للشاب بتوتر شديد وسمعته يهمس بإضطراب وإنزعاج: توقف! انتظر يا رين أنت حتى لم تعرف بنفسك بعد!
ولكن المدعو رين خرج ولم يلتفت نصف التفاتة!
وقف هذا الرجل الذي أدركت فوراً وبلا أدنى شك أنه جوزيف. كان رجلا ممتلئاً بعض الشيء شعره داكن وله عينان بنيتان واسعتان.
منذ أن دخل المدعو رين وحتى الآن والجميع في حالة من الصمت المطبق!
ما الذي حدث فجأة؟ دخل دون سابق إنذار وبدى على ملامحه الإستعلاء بطريقة ما لدرجة انه لم يلقي على أحدنا نظرة خاطفة وإنما وجه جُل اهتمامه نحو كريس فقط!
حينها فقط سمعتُ صوتاً ساخرا متهكما لم يكن مصدره سوى كلوديا التي تكتفت واضعة قدما على الأخرى تنظر إلى جوزيف بإنزعاج شديد فلمحت ماكس يرمقها بنظرات مهدئة ومحذرة.
ثم وقف وابتسم بلطف وتقدم نحو جوزيف وهو يقول: مرحبا بك يا جوزيف.
بادله الإبتسامة فوراً وصافحه بحرارة: أهلا يا ماكس، مر وقت طويل منذ آخر لقاء يبدو أنك أفضل حالاً الآن اليس كذلك؟
تجاهلت حوارهما أنظر لسام ببلاهة لأقابل ملامحه المحتارة بشدة! حتى سمعت ستيف الجالس بجانبي يهمس لي: ذلك الذي داهم الغرفة فجأة هو رين، الإبن الأكبر للعم جوزيف. إنه في العمر نفسه مع كريس.
أملت برأسي بحيرة متسائلة بحذر: ما خطب تصرفاته؟
تقصدين وقاحته؟
أضاف مبتسما: لا أدري تحديدا. ولكنه لم يكن كذلك، كنت أسمع الجميع يقول بأنه كان لطيفا جدا ولكنني اشك في مصداقيتهم، حسنا ربما حدث تغير جذري في شخصيته فأصبح على ما هو عليه. كنت آنذاك لا أزال صغيراً ولا أدري ما الذي حدث ولكنني أعلم فقط أن مشكلة ما حدثت بينه وبين كريس.
ثم تمتم: اسمعي، قد يبيتون في منزلنا ولا أنصحك بأن تحتكي به!
ل. لماذا؟
لا سبب محدد.
بالرغم من إجابته تلك.
إلا أن نبرته كانت مليئة بالغموض!
ارتخت ملامحي قليلا وقد كنت أنوي التفكير قليلا ولكن طرقات خافتة على الباب لم تسمح لي بالغوص في بحر أفكاري، رفعت عيناي وكذلك الجميع لنرى فتاة تقف امام الباب!
بدت وكأنها تكبرني بأعوام قليلة فقط بل وأنها كانت تشبه ذلك المدعو رين فأيقنت أنها شقيقته، الوحيد الذي نطق في هذه اللحظة هو ماكس الذي قال بهدوء: أوليفيا، تفضلي بالدخول لماذا أنتِ مترددة!
دخلت الفتاة المدعوة بأوليفيا لأتمكن من رؤيتها بشكل أوضح، فتاة طويلة القامة نوعاً ما، رشيقة الجسد ولها شعر متوسط الطويل أشقر اللون تركته ينسدل على ظهرها، عينيها زرقاوان تلمعان بالحيرة وهي تنظر إلى الغرفة المزدحمة وبدى من الواضح ترددها قليلاً ومع ذلك ابتسمت بلطف: صباح الخير، مرحبا جميعاً أنا أوليفيا.
سمعت زفرة متهكمة من كلوديا مرة أخرى فنظرت إليها باستغراب لتقول بدورها بملل: أتساءل لماذا يبدو الهواء ثقيلاً في هذه الغرفة فجأة.
اخفض جوزيف عينيه بإحراج واضح في حين لم تعلق أوليفيا وإنما نظرت إلى والدها نظرة سريعة هادئة قبل أن تطرق برأسها.
يا الهي! الجو مشحون بطريقة لا تُصدق!
التفت ماكس قليلا بحيث يكون ظهره مواجها لهما ونظر لكلوديا بتحذير أقوى من المرة الفائتة فامتعضت ووقفت لتقول بحزم: كريس أنا مغادرة، سأزورك غداً.
رمقها كريس بهدوء وأومأ دون أن يعلق فاستنكرت صمته هو الآخر!
ما الذي يحدث الآن تحديداً؟! توقعت ترحيبا ولو لم يكن حاراً فعلى الأقل لطيفاً قليلاً!
تنهد جوش بيأس وهو ينظر لكلوديا التي اتجهت للباب لتخرج وعندما اقتربت من أوليفيا تعمدت دفع كتفها بكتفها وقالت بتهكم قبل أن تتوارى عن أنظارنا: عذراً. لم أنتبه.
خرجت فحك جوش وجنته بتوتر شديد وهو يصافح جوزيف: استميحك عذرا يا جوزيف أعتقد أن كلوديا متعبة قليلا وأعصابها منهكة. اسف لما بذر منها وعلى حدة طباعها يا أوليفيا.
مررت أوليفيا يدها على كتفها وقالت مبتسمة وهي تنفي بسرعة: لا بأس سيد جوش.
ابتسم جوش بهدوء ثم اعتذر منهم وخرج، يا الهي أنا مرتبكة كثيراً واختلس النظرات مع سام وستيف محاولة ان الهي نفسي من هذا الوضع الغريب!
كريس لا يتحدث ويكتفي بالنظر إلى حجره بصمت، وحتى أولين التي تجلس وتراقب الوضع بصمت تام، الوحيد الذي يبدو في وضع صعب هو ماكس!
حينها لمحت أوليفيا تنظر للباب باحثة عن شيء بعينيها حتى ابتسمت بمرح واشارت بيدها: اقتربي، لا داع للخجل.
مع من تتحدث؟ إنها تنظر إلى مستوى قريب من الأرض!
حينها اتضح الجواب وأنا أرى كائن صغير الحجم! كانت فتاة تطل بنصف وجهها من الباب بوجه متورد وبدت في رأيي لم تتجاوز الرابعة حتى!
يا الهي، هذه الفتاة تجبرني على كبح رغبتي في الركض نحوها ومعانقتها، مظهرها لطيف إلى درجة لا تُصدق!
حينها وأخيرا قالت أولين بابتسامة هادئة: بريتني؟ لماذا تقفين عندكِ هناك! ادخلي يا عزيزتي.
دخلت بالفعل وركضت فوراً نحو أوليفيا لتتعلق بساقها وتخفي وجهها فابتسمتُ ببلاهة بدون شعور وهمست: إنها لطيفة جداً!
أومأ سام بعيون تتلألأ ببريق مضحك وهو يكاد يبكي: أنظروا إليها! أشعر فجأة برغبة في الزواج لأرى هذا الحجم الصغير اللطيف كل يوم وسأمنع أبنائي من النمو!
ابتسم ستيف بسخرية: هذا فظيع!
اشارت أولين لها بأن تقترب نحوها: هيا يا بريتني لا داع للخجل، تعالي هنا، أنظري إليك ها قد أصبحت أشبه بالدمى، أخر مرة رأيتك فيها كنتِ لا تتجاوزين الخمسة أشهر.
ابتسم جوزيف مشجعا: اذهبي يا بريتني.
ولكن بريتني ظلت واقفة وفكرت في تشبيه السيدة أولين لها ب الدمى لأقول في نفسي أنها محقة، تلك الفتاة الصغيرة تبدو دمية بالفعل. لديها شعر قصير لونه مُزج بين الأشقر والبني، ولها عينان واسعتان مزج لونهما بين الأخضر والأزرق.
مررت أوليفيا يدها على شعر بريتني وقالت مبتسمة وهي تنظر إلى وإلى عائلتي: إنها شقيقتي بريتني، الأصغر في منزلنا بل وفي العائلة حتى الآن.
تجاهلت كل هذا الحوار أختلس نظرات سريعة نحو كريس، الن يتحدث ولو بكلمة؟
عندما كنت أنظر إليه نظر إلى هو أيضا صدفة، فرفعت حاجباي له باستغراب وكأنني أسأله متى سيبادر وأسمع صوته ولكنه بدلا من ذلك ظل ينظر إلى بهدوء وابعد عينيه ببطء ليقول وقد نظر أخيراً إلى جوزيف وأوليفيا مشيرا نحوي: سيد جوزيف، إنها زوجتي شارلوت، وهذه عائلتها.
ثم اشار لوالديّ وسام: والدتها السيدة ستيفاني ووالدها السيد مارك، وشقيقها الأكبر سام.
حينها وقف سام فوراً وقال بنبرته الجذابة المعتادة ينظر إلى أوليفيا: سررت بمعرفتك.
ابتسمت أوليفيا واقتربت بدورها لتصافحه فطرف سام بعينه قليلا قبل ان يكبت سعادته وهو يتظاهر بالرزانة: فرصة سعيدة.
نفيت برأسي باستسلام من تصرفاته وأيضا أمي التي تنهدت ووقفت: مرحبا عزيزتي.
وكذلك أبي وانا اذ وقفت لأرحب بها، صافحتها بلطف: أنا شارلوت، سعيدة بلقائك.
نظرت إلى بعينيها الزرقاء بلطف وعلى ثغرها ابتسامة ناعمة: أهلا شارلوت، أردت الإعتذار للجميع بشأن تصرف رين قبل قليل.
ثم نظرت لأبيها الذي زفر بلا حيلة: لن يتوقف عن إحراجي في أي مكان. أنا حقا آسف لما بذر منه!
نفي ماكس بسرعة: لا بأس تجاوزنا الأمر. لا بد وأنكم متعبون من الطريق اليس كذلك؟
أومأ جوزيف: الأمر لم يقتصر على المسافة، كانت الشوارع مكتظة اليوم ولا أدري لماذا.
علق ستيف مميلا برأسه: قرأت أنه يوجد بعض الفعاليات على الساحل وسيتوافد الزوار في هذه المدينة من كل مكان، قد يكون سبب الازدحام.
تدخل سام بإستيعاب وحماس: صحيح! أتيت لزيارة ذلك الساحل، المصور سايمون باولو سيكون هنا، على الحصول على توقيعه بأي طريقة.
ضحك ماكس: لا تخبرني أنك هنا لهذا السبب؟
اتسعت عينا أمي: لا يعقل! وأنا التي تساءلت لماذا كنت مفرطا بالحماس وارتديت ملابسك قبلنا كلنا، ظننت أنك تريد الإطمئنان على كريس!
لمحت كريس يبتسم بهدوء مما سبب لي العدوى أنا أيضا لأبتسم.
ولكن عندما انتبه لي أحدق إليه اسرع يمحي ابتسامته، حسنا هذا متوقع.
تقدم جوزيف نحو كريس وقال: هل أنت بخير يا كريس؟ دخلنا وثرثرنا فجأة أعلم أنه لسوء لباقة منا لذا اعذرنا على هذا التصرف.
نفي كريس: لا بأس. أنا بخير.
اقتربت أوليفيا كذلك وهي تمشي بصعوبة بسبب بريتني المختبئة خلف ساقها وقالت: ما حدث لك مؤسف بالفعل، أرجو أنك تتحسن فقط! هل كل شيء على ما يرام حقاً؟
نظر إليها بهدوء، ثم أومأ: نعم، إنني أفضل حالاً.
ثم وجهت اهتمامها نحوي لتقول بإهتمام: اعلم بأنني متأخرة ولكن مبارك لكما يا شارلوت، لو سمعت بالأمر مسبقا لأسرعت لأبارك لكما، أعذريني لهذا.
نفيت فوراً: ل. لا بأس تكفي كلماتك اللطيفة لذا شكرا لك.
متى تزوجتما!؟
أ. منذ فترة قصيرة، ربما شهر وبضعة أيام.
كيف تعرفتما على بعضكما؟ أشعر بالفضول!
فتحت فاهي لأجيبها ولكن كريس سبقني ليقول: نعرف بعضنا منذ زمن.
قالها باختصار فاستغربت اجابته تلك ومع ذلك ابتسمت مؤيدة: تماماً.
تساءلت أمي وهي تجلس بجانب كريس: بالمناسبة هل تدرسين يا أوليفيا؟
أجابتها تنفي بكلتا يديها: لقد تخرجت منذ عامين سيدة ستيفاني، أنا الآن أعمل في شركة خاصة.
أضافت موضحة: إنها شركة لتصميم الأزياء والأحذية والحقائب وكل ما يتعلق بها.
أمالت أمي برأسها معجبة: هكذا إذاً! يبدو العمل مناسباً لكِ فأنت أنيقة بمظهرك بالفعل، أرجوا ان تحققي نجاحا في الأيام القادمة.
شكرا، أرجوا هذا أيضاً، أنا على كل حال أحب عملي وطبيعته.
تمتم ستيف بهدوء يجوبه لامبالاة: ماذا عن رين؟ سمعت أنه فشل في وظيفتين حتى الآن بسبب سلوكه.
ستيف!
قالتها أولين بحزم وتحذير فأشاح بوجهه مبعثرا شعره هامسا بملل: حسنا حسنا. ولكن لا يمكنكم لومي إنها الحقيقة!
احتدت عينا ماكس وهو يرمقه خلسه فابتسم جوزيف: في الواقع هذا حدث بالفعل ولكنه الآن مستقر في العمل في إحدى شركات الأعمال، شهور قليلة وستكون شركتي جاهزة وحينها سأقرر أن أضمه للعمل معي.
نظرت لستيف وكذلك سام الذي همس له بسخرية: لسانك أوقح مما تخيلت!
لا يهم.
أضاف: على كل حال ان ابنه لا يطاق إطلاقا وستفهمون ما اعنيه لاحقا عاجلا أم آجلا. صحيح أن علاقتي به سطحية ولكنه لا يكف عن استفزازي والنظر إلى باستعلاء وكأنه كائن قد هبط إلينا من السماء! أكره تصرفاته.
تنهدت بهدوء: لن أستخدم أسلوبا كهذا حتى إن كان مع الأشخاص اللذين لا يستحقون احترامي!
ثم أكملت باستيعاب: ثم ربما المدعو رين لديه أسبابه.
نظر ستيف للأرض يحدق إليها بشيء من الشرود ولم يعلق.
ارتفع حاجباي بترقب وقبل أن اسأله وقف قائلا: خالي ماكس. سأسبقك.
وجهت أولين وماكس نظراتهما نحو ستيف، فبدى أنه شعر بالضغط تحت ذلك التأثير فأسرع يقول بلباقة: سيد جوزيف سنلتقي مجدداً في المنزل، سأكون في انتظاركم هناك.
بدى جوزيف يفكر قليلا قبل أن يقول: لا بأس يا ستيف، بالمناسبة أظننا سنغادر نحن أيضا الآن، كريس سنأتي لزيارتك مجدداً ولكن. كما تعلم رين في انتظارنا.
نظر إليه كريس للحظة وعندما ظهر بريق لامع ساخر في عينيه شعرت بماكس يتدارك الأمر ويقول بسرعة: صحيح يا جوزيف، ثم لا بد وأنكم منهكون من الطريق الطويل. لا بأس سنراكم هناك في المنزل.
أردف بلطف: سأوصلكم.
وقفت أولين كذلك فاحترت قليلا، لتقول بدورها: سأرافقكم.
لم يعترض جوزيف وحينها نظر إلى أمي وأبي وسام وقال: فرصة سعيدة جميعاً، وأنتِ كذلك يا شارلوت أشعر بالفضول للتعرف عليك أكثر، لم تسنح لنا الفرصة لنبارك لكما زواجكما.
أجبته: سررت بلقائكم، لا تقلق سيد جوزيف لا شك أننا سنتعرف على بعضنا أكثر.
حينها اتجهت بريتني الصغيرة إلى والدها فأمسك بيدها وقال وهو يتجه للباب: ارجو المعذرة.
تبعه ماكس وكذلك أولين فأسرعت أوليفيا تنظر لكريس بلطف: إلى اللقاء، كن حذرا واعتنِ بنفسك جيداً، أرجو ان تتحسن بسرعة.
رمقها بعين لا تعبير واضح فيهما وقد عجزت عن إطلاق مسمى مناسب لأصف فيها ردة فعله! ولكنه في النهاية قال: إلى اللقاء.
اكتفى بهاتين الكلمتين فقط فطرفت بعينها ببطء قبل ان تنظر لي ولعائلتي وتبتسم بلطف: أتمنى ان نلتقي مجدداً سيد مارك وسيدة ستيفاني. سام تبدو شخص لطيفا وظريفاً سأكون سعيدة بلقائك مجدداً.
ارتفع حاجبا سام وخُلقت حوله هالة من العظمة والغرور فجأة ولكنه ابتسم بثقة وجاذبية: وأنا كذلك. تلك الدمية الصغيرة أرجو أن أراها مجدداً أيضاً.
نرجو جميعنا هذا. حسنا إذاً، أرجو المعذرة.
وقفت امي واتجهت معها إلى الباب وهي تودعها بلطف، وعندما خرجت نظرت أمي إلى كريس للحظة مفكرة، فبادلها النظرات بشيء من الإستغراب والترقب، لتقول أخيراً: أعتقد بأنه علينا المغادرة نحن أيضاً، اليس كذلك يا مار.
مازال الوقت مبكرا.
توقف الزمن بالنسبة لي للحظة أردد كلمات كريس في عقلي، ولكن اتضح أن الزمن توقف بالنسبة لوالداي وسام كذلك!
فحدقنا جميعنا إلى كريس بشيء من الدهشة ليبدو وكأنه أجفل فجأة ويقول: أقصد.
قالها بتلعثم وهو يحول عينه بيني وبينهم بسرعة، إنه متوتر جداً بل وأنه التقط من على المنضدة منديلاً وكوره في يده دون أي سبب فوقفت انظر إلى إرتباكه هذا متسائلة في نفسي بسعادة إن كان قال ذلك دون شعور ويحاول الآن تسويغ الأمر.
إذاً فكريس ربما بالفعل قد قرر منح نفسه وعائلتي فرصة لإعادة المياه إلى مجاريها!
لماذا إذاً نظر إلى بتلك النظرات الماكرة عندما بدوت مستنكرة للأمر ومندهشة في البداية؟! ما الذي يفكر به بحق الإله؟
انتفضت على صوت سام وادركت انني ابحرت في عالم أخر بعيدا عنهم، لأسمعه يقول بخبث ساخر: أمي أبي، أنظرا إليه! يحاول جاهداً إخفاء مشاعره الحقيقية. حتى أنه لا يعلم ما الذي يجدر به قوله حتى الآن. بربك كن واضحا وصريحا لا داعي لكل هذه المراوغات المضحكة!
نظر إليه كريس بإنزعاج وزمجر: لا تفسر الأمور كما تريد!
إنني أنصت إلى تفسيرك. هيا!
قالها بإستخفاف ومكر فاحتدت عينا كريس لتسرع أمي بالتدخل ضاحكة: يكفي يا سام، كريس لا فكرة لديك كم أسعدتنا تلك الجملة البسيطة! لا داع للخجل يا بُني.
اتسعت عينيه ليقول فجأة بغضب: أنا لستُ خجلاً!
تنهد أبي بلا حيلة: حسناً حسناً، أنتَ لست خجلاً.
ولكنه أضاف بخبث فجأة: مظهرك يبدو لطيفا وانت تحاول إنكار رغبتك في بقائنا بشتى الطُرق. هل نجلس يا ستيفاني أو نرحل؟
أجابته أمي متظاهرة بالتفكير: نريد البقاء معه ولكن عليه أن يرتاح قليلاً، لذا سنعود في الغد بلا شك. صحيح؟
أومأ أبي فعلق سام بملل: يمكنكما الذهاب قبلي إلى المنزل، أريد حضور الفعاليات هنا.
تساءلت بحيرة: هل كنتَ جاداً!
ضرب كتفي بخفة بشيء من الإمتعاض: بالطبع جاد! أخبرتك ان سايمون باولو سيكون متواجداً، لا يمكنني تفويت هذه الفرصة.
هكذا إذاً!
علقت أمي موجهة حديثها لكريس: أرجو ان زيارتنا كانت خفيفة، بالمناسبة يا كريس، أريد فقط أن أعبر عما يجول في خاطري. كنت ولا زلت سعيدة جداً لمنحنا هذه الفرصة، سأكون عند وعدي، سأعمل على تعويضك عن كل شيء.
ابتسم أبي بلطف: عندما أتينا لزيارتك لن ننكر أننا واصلنا التفكير ووضعنا فرضيات كثيرة وكل منا يفكر بالطريقة التي سيكون عليها لقاؤنا بك اليوم، ولكن عندما دخلنا الغرفة وأجبتنا بتحية الصباح كان هذا كافيا بالنسبة لنا. كما أخبرناك، لن نلتفت إلى أي شيء من الماضي وانت ايضا عليك فعل هذا لتكسب راحة البال.
ليكن في علمكم.
قالها كريس بهدوء وقد نظر نحوهما وأردف بهدوء: أنا لا أرغب في رؤية إيثان أو حتى إرغام نفسي على الحديث معه.
تبادل أمي وأبي النظرات معاً في حين كنت أشد على معطفي بصمت، ليس وكأن سماع هذا لن يزعجني.
فالشخص الذي أحبه وشقيقي الأكبر ليسا على وفاق أبداً. وأنا التي كنت أتساءل في نفسي إن كنت سأواجه أي عقبة للبقاء إلى جانب كريس!
تنهد سام: لا تفكر كثيراً حتى لا تبدو مجرد كهل مثير للشفقة، أنظر إليك! دع كل هذا جانباً واترك هذه الأمور للوقت وحسب.
قالها ثم لوح بيده وهو يسرع للباب: لا يمكنني البقاء أكثر أخشى أن أتأخر عن الحصول على توقيع سايمون، أراك غداً.
خرج سام بالفعل على عجلة فاقتربت أمي من كريس تمرر يدها على كتفه: إلى اللقاء، لن أقلق بشأنك طالما السيدة أولين تعتني بك. شارلوت لا داع لتوصيتك بشأنه كذلك صحيح؟
أضافت مبتعدة عن السرير موجهة نظراتها نحوي: اعتني بنفسكِ أنتِ أيضاً، وإياك والبقاء بعيدة عن هاتفك هل سمعتِ؟
أومأت لها ورافقتهما إلى الباب حتى خرجا، أغلقته وأخذت شهيقا عميقاً ونظرت لكريس الذي كان يعتدل بصعوبة.
تقدمت لأجلس على الكرسي المجاور له وقلت فوراً ودون مقدمات: فاجأني التقدم السريع في علاقتك بعائلتي. لا تسيء فهمي ولكن. أنا حقاً لا زلت مندهشة. ومع ذلك لا يمكنني كبح سعادتي!
لماذا ظننتِ ان الأمر مستحيل؟
لا أدري! ربما لأنك كنت بالفعل تكرههما كثيراً.
السبب الوحيد الذي كنت أكرههما لأجله، هو لومي لهما على ما مررت به ولا سبب آخر. هذا كل شيء.
زميت شفتاي وشبكت يداي بصمت، وفي لحظات الصمت المطبق هذه فكرت في الزيارة الغريبة قبل قليل، في اقتحام المدعو رين للغرفة فجأة، وفي دخول والده وشقيقتيه وعدم التفات كريس أو عائلته نحوهم ومنحهم إهتماما أو حتى مجاملتهم! بدى الأمر بالفعل غريبا وغير مريح البتة.
ذلك الأب المدعو جوزيف، بدى شخص لطيفا هادئاً وبشكل ما شعرت بأنه كان متأهباً لذلك اللقاء الجاف.
هل كل شيء يدور حول خلاف كلوديا بخالة كريس فيكتوريا فقط؟ هل هذا كل شيء حقاً! إن كان الأمر كذلك. فلماذا القى رين على كريس تلك النظرة؟ ولماذا أوليفيا بدت بطريقة ما رسمية؟
أي شخص سيقول أن ذلك اللقاء كان مليئا بالمجاملات وكأن كلا الطرفين بالكاد يحتملان بعضهما!
تجاوزت أفكاري الفضولية ونظرت لكريس الذي كان ينظر إلى بترقب وبدى متململاً فطرفت بعيني بسرعة متسائلة: هل تريد شيئا؟ طعام؟ ماء؟ وما شابه؟
أضفت بحيرة: هل افتح التلفاز؟
نظر إلى نافياً: أريد أن أغسل وجهي وحسب.
أومأت برأسي فوراً واقتربت لأساعده، كان يعتدل بصعوبة ولكنني عاونته على ان يستند على قليلا حتى أخذ وضعية الجلوس على السرير وأنزل قدميه لتلامسا الأرض فقلت بحذر: هل أنت بخير؟
نعم.
ثم وقف ببطء فأسرعت أساعده لنتحرك ببطء نحو الحمام، وهكذا فتحت له صنبور الماء ليغسل وجهه ويمرر الماء في شعره.
رفع رأسه ينظر لنفسه في المرآة بتأمل قبل أن يزفر بإنزعاج متهكم.
بدى يحدق إلى الكدمات التي تكاد تختفي، وإلى الجرح الموجود على جانب شفته وبعض الخدوش الصغيرة على جبينه، وشيئا فشيئا احتدت عيناه العسليتان ليهمس بحنق: ذلك اللعين براد!
ناولته المنشفة متمتمة: دعكَ منه.
ساعدته في تجفيف شعره حتى انتهيت فتنهد هامسا بإنزعاج: سيكون لي لقاء معه حين أخرج من المشفى، أقسم بأنه سيندم.
تجاهلتُ قوله ذلك وأنا أنظر إليه بصمت، استرق نظرة لنفسه في المرآة قبل أن يرمقني بطرف عينه وتساءل بهدوء: أخبريني. هل راودتك أي شكوك بشأن علاقتي بوالديك؟
شكوك! مثل ماذا؟
امسك بالمنشفة ينظر إليها قبل ان يناولني إياها، أخذتها وعلقتها وبادرت أسأله مجدداً: لم توضح الأمر بعد! ما الذي تقصده؟ كل ما شعرت به هو الدهشة لأن الحال بينكم تحسن بطريقة مفاجئة، لن أنكر أنني شعرت بغرابة فقط لسرعة تطور الوضع، هذا كل شيء. ما الذي كنت تشير إليه أنت؟
ماذا لو قلت أنني أفعل هذا لأسباب خاصة؟
أردف بسخرية: على سبيل المثال، التقرب إليهما لإنتزاع فرصتك في الإنفصال مثلاً؟
ضحكت بسخرية: اسمح لي أن أقول أنك مجرد أحمق سخيف وسطحي التفكير، أولا لم يخطر على بالي فكرة مماثلة، ثانياً ليس وكأنني سأستبعد شيئاً فأنا الآن تعلمت التأهب لأي حدث مفاجئ. ولكن.
تكتفت أنظر إليه بتقييم وتمعن قبل ان اتمتم: ينتابني شعور أنك تكذب.
ارتفع حاجبه الأيسر وتسمرت عيناه علي، لا أدري كم مر من الوقت وهو يحدق إلى حتى وجدت نفسي أبادله النظرات بصمت.
عائلة لطيفة هاه؟
قالها بهدوء فجأة وكم استنكرت جملته هذه! لأهمس بعدم فهم: ماذا؟
كان لا يزال ينظر إلى حتى ابعد عينيه لثوان قبل أن يعاود النظر إلى مجدداً، لحظات حتى أجاب: ليس وكأنني أريد قول هذا، ولكن. ترديد والدتك ل سأعوضك وابتسام والدك ومرحه يشعرني بطريقة ما أنهما يتعمدان فعل هذا لدفعي بالشعور بالإحراج.
أطرقت برأسي متنهدة بلا حيلة: أنت تعلم بأنهم لم ولن يفكروا بهذه الطريقة! حاول أن تنظر للأمور من منظور أخ.
إنني أردد الآن متمنيا فقط لو كنت في تلك الليلة قد أغمضت عيناي للأبد حتى لا أكون في موقف كهذا.
أضاف بسخرية: أعترف بأنني كنت خائفا واخشى ان اغادر هذا العالم ولكنني لم أكن أعلم أن أمرا كهذا ينتظ