رواية عشقت من الصعيد الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم حنين عماد
24=الرابع والعشرون 24 /
محاولة التأقلم على بُعد شخص كان جزءاً من روحك بحد ذاته انتقام .. فجأة تصبح الذكريات كفيلة بإحراقك من الداخل .. هل تعرف معنى ان يحبك شخص ارهقته الحياة بشدة .. هذا يعني انه استثناك من قانونه الذي وضعه .. قانونه الذي وضعه ليحافظ على ما تبقى من روحه .. قانونه النابع من رغبته في تكوين العلاقات التي تلاشت بسبب قسوة الحياة .. قانونه الذي تناساه من اجلك انت فقط لتأتي أنت وبكل قسوة تصفعه على قلبه الذي نبض لأجلك .. تجعل الانفاس التي تحتل صدره ناراً اكثر من كونها هواء .. ناراً تحرق روحه التي تعلقت بك وقلبه الذي هتف بـ اسمك .
. تجلس على ذلك المقعد بحديقة المنزل وهي تنظر امامها بشرود .. مر شهر .. شهراً كاملاً كان كفيلاً بخلق فجوة كبيرة بينها وبينه .. فجوة هو من صنعها ببُعده وجفاءه ومعاملته التي تغيرت 180 درجة .. فجوة مماثلة لتلك التي تسكن قلبها كلما رأت مزاحه مع تلك المدعوة قمر وخاصة وقد زادت زياراتها للمنزل وزادت احاديثها معه التي على غير المعتاد اصبح يُجاريها بها وكأنه يقصد جرح تلك التي كتب عليها قدرها ان تكون زوجته .. كتب عليها قدرها ان تحبه ولا تحب سواه .. كتب عليها قدرها ان ينزف قلبها وان تسكن الدموع عينيها وان يحتل الألم روحها وكل هذا بسبب ذلك القاسي .. ذلك الذي ترى العشق مازال يلمع بعينيه ولكنه يتصرف بما يُكذب عشقه .. هل بالفعل مازال يعشقها .. هل أحبها من الاساس ام هي من كانت تتوهم ذلك .. ترى الحب يسكن نظراته وترى القسوة تحتل كل افعاله .. وإن كان يحبها لما يفعل ما يفعل .. لما يحكم على قلبها وقلبه بالشقاء .. يا الله ما تلك الدوامة التي تعيش بها .. دوامة كبيرة دخلتها بدون ارادتها ولكنها ستخرج منها .. تحتاج للراحة .. تحتاج ان ترتاح .. تحتاج ان تبتعد لعل عقلها يهديها لحل لتلك المعضلة .. لعلها تقدر على البعد او يكون بعدها هو الصفعة التي ستُفيق من يعيش في قسوته متجاهلاً إياها .. نعم ذلك هو الحل الوحيد
...: إيمان .. إيمان
نطق بها عبد الحميد والذي اصبح يتحرك بحرية اكثر بكرسيه خاصة وقد عمل سالم على إنشاء ممر مسطح من الرخام ممتد من بوابة المنزل الداخلية حتى بوابة المنزل الخارجية ماراً بحديقة المنزل الواسعة عسى ان يكون الهواء و الشمس فيهما الشفاء لوالده الحبيب .. نظرت إيمان ناحية جدها الذي يقترب منها بكرسيه المتحرك وهو يبتسم ابتسامة صافية ليقف بكرسيه بجانبها ويردف
عبد الحميد(بهدوء): بجالي ساعة بنادم عليكي يا بتي
إيمان(بابتسامة بسيطة): معلش يا جدو كنت سرحانة شوية
عبد الحميد(بابتسامة بشوشة): وسرحانة في ايه يا ست البنات؟
إيمان(بعيون شاردة): في الدنيا .. في احوال الدنيا اللي بتتغير .. في الناس اللي فجأة بيبعدوا عننا بعد ما كانوا اقرب ناس لينا
عبد الحميد(وهو يضيق نظراته): تجصدي مين بحديتك ديه؟
إيمان(بانتباه وهروب): ماقصدش حد انا بتكلم عامة يعني .. ماتاخدش في بالك ..(ثم ابتسمت بهدوء لتردف).. قولي ايه اخبارك دلوقتي وايه اخبار رجلك ؟
عبد الحميد: الحمد لله يا بتي احسن
إيمان: الحمد لله .. يلا بقا شد حيلك علشان ترجع تقف على رجليك من تاني وتيجي تشوفني في المحكمة بس المرة دي تيجي تباركلي بعد ما اكسب القضية
عبد الحميد(بابتسامة صافية): ان شاء الله يا حبيبتي
صمتت إيمان قليلاً لتردف بعد تردد
إيمان: جدو .. انا عايزة اطلب منك طلب
عبد الحميد: ست البنات تؤمر مش تطلب
إيمان: انا عايزة ارجع القاهرة
عبد الحميد(بذهول يشوبه الحزن): ايه؟! ترچعي؟! ليه يا بتي؟! اني ضايجتك في حاجة؟!
إيمان(بلهفة): لا لا لا يا جدو حضرتك ملكش دعوة بالموضوع خالص
عبد الحميد: اومال مين اللي له دعوة عاد .. حد في البيت زعلك؟ جوليلي بس واني..
إيمان(مقاطعة بنبرة هادئة): صدقني يا جدو ماحدش له دعوة .. الحكاية فيا انا .. انا اللي محتاجة ابعد شوية .. محتاجة ابعد علشان اعرف افكر
عبد الحميد: تفكري في ايه عاد .. اني مافاهمش حاچة واصل , ما تفهميني يا إيمان الموضوع
إيمان: لما افهم انا الاول هفهمك يا جدو .. اهم حاجة بس حضرتك تقنع ماما انها تسيبني انزل لوحدي
عبد الحميد(بذهول): وه! كمان عايزة تنزلي مصر لحالك؟!!
إيمان: انا محتاجة اكون لوحدي .. محتاجة اقعد لوحدي علشان اعرف اخد قرار
عبد الحميد: ولو فرضنا اني وافجت وخالك وافج وامك كمان وافجت .. چوزك هيوافج تنزلي مصر لحالك إكدة؟
إيمان(بنبرة يشوبها التهكم): جوزي .. جوزي مش فارق معاه وجودي من عدمه
عبد الحميد(باستغراب و شك): ايه الحديت الماسخ اللي هتجوليه ديه! .. هو زين اللي مخليكي عاوزة تعاودي مصر؟
لمعت عيناها بالدموع وكأن قلبها أصر ان يتولى هو الإجابة عن ذلك السؤال لتسرع هي بالوقوف رافضة ان تُفصح عن السبب .. رافضة ان تقر انها تريد الهرب منه ومن قلبها الذي كلما لمحه غفر له جرحه ليقوم هو بالتسبب بجرح جديد ليُعاد نزيف قلبها من جديد ويُسبب شرخ جديد في روحها .. هربت بعينيها وهي تتحرك لداخل المنزل
إيمان(بهروب): انا هروح اشوف خالتو عاملة ايه النهاردة .. عن اذنك يا جدو
نظر عبد الحميد في اثرها وقد تيقن من وجود سبب قوي يدفع حفيدته العنيدة للهروب .. سبب له علاقة بحفيده الذي يُخفي سراً قوياً وراء تصرفاته فتُرى ما هو ذلك السر وكيف سيُؤثر على علاقة القاهرية والصعيدي
///////////////////////
بذلك المنزل الصغير المجاور لسرايا المنياوي والذي اتخذه سالم المنياوي ليُحوله لكُتاب صغير تقوم فيه ابنته بتدريس الاطفال ذوي الاعمار الصغيرة والظروف المادية الصعبة حتى لا يشعروا انهم أقل ممن في اعمارهم .. لم يكن احد يتصور ذلك العدد من الاطفال الذين توافدوا للكتاب حتى الذين يذهبون للمدرسة يأتون في ايام اجازاتهم ليجلسون برفقة ابنة عمدتهم ذات القلب الابيض التي تلعب معهم وتمزح وتُعاملهم برفق مُعوضة ذلك الجزء الناقص بحياتها ليحبوها ويحبوا الذهاب للكتاب من اجلها هي فقط .. تجلس دعاء وفي احضانها يجلس بدر ذو السنة وبضعة اشهر الذي حضر مع ابيه معتز الراوي الذي لم يكن ليتأخر عن صديقه وبالتأكيد لم يكن ليُفوت تلك الفرصة المثالية ليكون برفقة من دق قلبه لأجلها لتزداد سعادته حين عرضت ان تهتم هي ببدر الصغير خلال مدة عمل معتز وذلك بالطبع بعدما اسرها هذا الطفل الجميل بملامحه البريئة منذ ان وقعت عيناها عليه فأحست وكأنه جزء منها .. تبتسم دعاء وهي تردد الكلمتين اللتان كتبتهما على السبورة بالطبشور الأبيض
دعاء: ميم ألف ميم ألم .. ماما
الاطفال(بترديد وراءها): ماما
دعاء: بيه ألف بيه ألف .. بابا
الاطفال: بابا
دعاء(وهي تتمايل في جلستها برفق وبدر في احضانها): ماما .. بابا
الاطفال(وهم يتمايلون مثلها): ماما بابا
اخذت دعاء تكرر تلك الكلمتين لتردف بعد فترة بابتسامة
دعاء(بابتسامة حنونة): شاطرين .. احفظوا الكلمتين دول زين وتيچوا بكرة بكير عشان نلحجوا نلعبوا شوية , تمام؟
الاطفال: تمام
قالها الاطفال وبدأوا بالانصراف لترفع هي بدر بين يديها مردفة بابتسامة
دعاء(بحنان): بدر .. بدر البدور
ضحك بدر ليتراقص قلبها بفرح لتبدأ التكلم بدندنة وهي تحركه برفق بيني يديها
دعاء: ماما .. بابا .. ماما .. بابا
بدر(بهمهمة طفولية وهو ينظر لها): م-ا .. م-ا
دق قلب دعاء بعنف لتنظر له بصدمة .. تلك أولى كلماته .. أولى كلماته قالها وهو بين احضانها ويشير بيده لها وابتسامة جميلة تزين ملامحه البريئة .. قربته دعاء منها لتردف بعد تصديق
دعاء: انت جولت ايه يا بدر؟!
ظل بدر ينظر ليديه بطفولية لتكرر هي وقد اهتزت نبرتها
دعاء: بدر, جولت ايه؟ انت جولت ماما مش إكده؟
بدر(وهو ينظر لها مرة ثانية): ممممامممما
لمعت الدموع بعيون دعاء لتردف بنبرة شابها الحزن
دعاء(وهي تقاوم رغبتها في البكاء): صوح ماما بس اني مش ماما
بدر(وهو يمسك يديها بيديه الصغيرتين): م-ا-م-ا .. م-ا-م-ا
انسابت دمعة من عين دعاء لتحتضن بدر بقوة وهي تغمض عينيها وتتمنى لو انه بالفعل كان ابنها .. تتمنى لو كانت تستحق تلك الكلمة .. تتمنى لو كانت ستسمعها يوماً ما
معتز: احم احم
دعاء(بانتباه): استاذ معتز
معتز(وهو يلاحظ دموعها): استاذ ايه عاد , ديه ولدي باينه إكده مزعلك واصل
دعاء(بابتسامة وهي تمسح دموعها): بدر .. وهو فيه حد يجدر يزعل من بدر
معتز(وهو يقف امامها وينظر لعينيها): اومال ايه سبب دموعك الغالية دي؟
توترت دعاء من جملته .. طوال سنين زواجها من ممدوح لم يُشعرها ان دموعها غالية بل كان يتفنن في طرق يجعل بها الدموع تزور عينيها
معتز(وهو يلاحظ صمتها): اني اسف لو بتدخل في حاچة مليش فيها
دعاء(بهدوء): لاه العفو .. اني بس عيني وچعاني هبابة
معتز(بقلق وهو ينظر لها): سلامتك, تحبي اروح معاكي للحكيم؟
للمرة الثانية يقول ما لم يقله ممدوح ابداً .. كان يرى تألمها ولم يفكر في طلب الطبيب لها .. كان يراها تعاني من الحمة ويخرج تاركاً إياها برفقة خالتها غير مبالي بها وكأنها ليست زوجته .. نظرت دعاء لمعتز وكان عقلها يقوم بعمل مقارانات كان ممدوح الخاسر فيهن جميعاً .. طوال مدة الشهر الذي تواجد به معتز بالقرية كانت له مواقف معها سربت بعض المشاعر الجميلة لها .. مشاعر خافت منها فهي لن تتحمل ان تُجرح مرة اخرى .. اجبرت نفسها على الخروج من شرودها لتردف وهي تبتسم ابتسامة صغيرة وتنظر لبدر
دعاء(بابتسامة حنونة): على فكرة .. بدر جال اول كلمة النهاردة
معتز(بلهفة وفرحة): صوح؟! كلمة ايه؟!
تولى بدر الإجابة عن سؤال معتز ليردف بتلعثم طفولي جميل وهو يبتسم لدعاء
بدر: ممامما ممامما
نظرت دعاء له وقد ارسمت ابتسامة بسيطة على وجهها ليردف معتز
معتز(بهدوء وهو ينظر لها): بدر جال اللي كنت عايز اجوله ومتردد
ارتبكت دعاء من جملة معتز ليردف بدون مقدمات وهو يحمل بدر على يده
معتز: دعاء .. اني عايز اتجوزك
دعاء(بتوتر وخجل): ايه اللي هتجوله ديه؟!!
معتز: بجول الحجيجة .. بدر محتاچ لأم تكون حنينة عليه وتحبه كيف ولدها صوح
دعاء(وهي تهرب بعينيها): لو على بدر هو في عيني من غير حاچة...
معتز(مقاطعاً بنبرة يشوبها العشق): الموضوع ماهواش بدر وبس ..(ثم اردف بعيون لامعة).. أني كمان محتاچ ست تملى عليا حياتي
دعاء(بعد صمت قصير): انت اي ست تتمناك
ابتسم معتز بفرحة لتختفي ابتسامته حين اكملت دعاء بنبرة تحمل الحزن في طياتها
دعاء: بس اني مانفعكش
معتز: ليه؟
دعاء(وهي تبتلع غصة): انت تستاهل واحدة تكون ست صوح .. واحدة تجدر تچيب اخ او اخت لبدر ..(ثم أكملت بألم).. مش أرض بور
معتز(بنبرة قوية وحادة): جطع لسان اللي يجول عليكي إكده
لمعت عيون دعاء وهي تنظر له .. تنظر لملامحه الغاضبة وكأنها سبته هو .. تضحك داخلها بتهكم , هو لم يتحمل انها تقول ذلك على نفسها في حين ان من كان يُسمى زوجها كان يقول تلك الكلمة واسوأ منها غارزاً خنجر إهانته المسموم بقلبها .. انتبهت دعاء لمعتز الذي اقترب منها بخطواته مردفاً
معتز(بعيون لامعة وهو ينظر لها): انتي ست الناس كلهم
دعاء(بنبرة يسكنها الألم): اني مابخلفش
معتز(بنبرة هادئة): واني ماعايزش غيرك وأهو بدر عندينا هيكون ولدنا احنا التنين
صمتت دعاء ولم تعقب على كلامه فقلبها كان يدق بقوة وخاصة وهي ترى عيونه تلمع بشئ تخاف ان تصدقه وتسلم قلبها له فتجرح من جديد .. طال صمتها ليردف معتز بتوجس
معتز(بتوجس): انتي .. لساتك بتحبي ممدوح؟
دعاء(بنبرة قوية): لو سمحت ماتچيبليش سيرته .. البني ادم ديه اني نسيته خلاص وماعيزاش اسمع اسمه واصل
معتز(وقد ارتاحت روحه): خلاص يبجى اخر السبوع كتب الكتاب
دعاء(بذهول): كتب كتاب مين؟!
معتز(بابتسامة): كتب كتابي اني وانتي
رغماً عنها ارتسمت شبح ابتسامة على شفتيها ولم ترد ليردف معتز
معتز: اعتبر السكوت علامة الرضا؟
كادت ان تجيبه ولكن الخوف بداخلها منعها .. خائفة من تكرار تجربتها .. خائفة ان تندم او يندم هو .. خائفة ان تُجرح مرة اخرى .. صمتت قليلاً لتردف
دعاء: اني محتاچة وجت افكر
معتز(بدقات قلب فرحة): معاكي لحد اخر السبوع فكري براحتك واني الدار عندي في خلال السبوع ديه هغيرلك كل حاچة فيه والعفش هچيبهولك چديد كمان وباجي التفاصيل هتكلم فيها مع زين والحاچ سالم
دعاء(بذهول): كل ديه عشاني اني؟!
معتز(بنبرة صادقة يسكنها العشق): انتي تستاهلي اكتر من إكده مليون مرة يا ست البنات
نظرت له دعاء وبداخلها صراع قوي بين قلبها وعقلها .. قلبها الذي يصرخ موافقاً لهذا الرجل الذي خطف قلبها من طريقة كلامه ومعاملته معها ليخطف قلبها أكثر حين رأت تعامله مع ابنه وكيف انه حريص على ان يمده بالحنان والحب وألا يجعله محروماً منهما ابداً .. لطالما تمنت ان يكون زوجها ليناً في التعامل حنوناً عليها وعلى اطفالها ولكن شاء الله ان يكون ممدوح اول بختها .. شاء الله ان ترى معه قسوة وجفاء وشدة لم تكن معتادة عليهم في منزل والدها .. شاء الله ان ترى كل ذلك لكي تحس بحلاوة العوض .. عوضها عن زوج قاسي وعن أطفال لم يُكتب لها ان تحملهم بأحشاءها .. عوضها بذلك الطفل الذي سرق قلبها ما ان وقعت عيناها عليه .. عوضها بذلك العاشق الذي ينتظر ان تكون حلاله لكي يبوح لها بما أخفاه لسنين بقلبه ولكن هل سيحين الوقت لكي يفصح عما يكنه لها ام انها ستتقيد بأغلال الخوف من المستقبل
///////////////////////
تنام بغرفتها والدموع تحتل وجهها .. دموع لم تغادر وجهها منذ ذلك اليوم المشؤوم الذي ظهر به مرة اخرى بحياتها لتضحى زوجته .. زوجة من تمنت الموت على الزواج به بعد ان كانت امنيتها ان تُكتب على اسمه .. زوجة من غرز خنجره بقلبها مرتين, مرة بخيانته ورحيله في الماضي ومرة حين عاد ليجبرها ان تكون له .. تشعر وكأنها ابتلعت قطعة زجاج وها هي تمر بجوفها وتنحر كل ما يُعيقها .. اغمضت عينيها بشدة وهي تتمنى ان يكون ما حدث مجرد حلم مزعج .. كابوس منه ستستيقظ
*فلاش باك*
تجلس بجانب والدها بصالة المنزل الواسعة والتي تضم اسرتها والمأذون فقط على عكس حديقة المنزل المنيرة التي تضم عدداً لا بأس به من كبار البلد الذي أتوا مهنئين زواج ابنة كبيرهم وأخت عمدتهم .. أتوا ومعهم زوجاتهم ليروها تماماً مثلما كانت بالماضي بل ربما صارت اجمل فالمرأة بعد سن الأربعين تجمع بين جمال وسحر وأنوثة العالم كله .. رأوها تجلس وقد ارتدت تيير من اللون البيج والذي اشترته صفاء بعدما رفضت رحمة ارتداء فستان زفاف كما تحلم كل بنت .. ارتدته مرة ولن ترتديه مرة ثانية .. تحاول رسم الابتسامة على وجهها ولكنها تأبى الظهور .. تأبى ان ترتسم مجاملة .. تأبى ان ترتسم كذباً وداخلها يصرخ وجعاً .. ها هي على وشك الزواج من آخر .. ها هي على وشك الزواج بعد ان عاهدت نفسها ان تعيش كالراهبة ليأتي هو ويجبرها على نكس قسمها .. يمر الوقت وتبدأ الهمهمات بين الحضور عن تأخر العريس .. نفس السيناريو يُعاد مرة ثانية .. نفس السيناريو من قلق يرتسم على وجه والدها وأخيها ومن توتر يرتسم على وجه صالحة حتى وإن حاولوا إخفاءه مراعاة لمشاعرها .. كان قلبها يُعتصر حرفياً .. ها هو السيناريو يُعاد .. لا .. لن تتحمل مرة أخرى .. وقفت بغضب وكادت بالتحرك لغرفتها هاربة حين صدح صوت طلقات نارية اعلن عن وصول العريس المرتقب الذي لم يعرف احد هويته فكل ما يعرفوه او بمعنى اصح اهتموا بمعرفته هو ان ابنة عبد الحميد المنياوي الصغرى اخيراً ستتزوج .. وسط اصوات الطلقات نطق المأذون وهو يفتح دفتره مبتسماً
المأذون: نتوكل على الله .. بسم الله الرحمن الرحيم .. مين وكيل العروسة؟
عبد الحميد: اني وكيلها
المأذون: ومين العريس؟
...: اني العريس .. حمزة عبد العزيز المنياوي
جحظت العيون وهم ينظرون ناحية الباب ويروه .. يروه بطلته المهلكة التي لم يخفيها الزمن .. يروه وقد ارتدى جلبابه الاسود الذي لائم مظهره المهذب فأصبح كالبدر ليلة تمامه .. جميع العيون معلقة به إلا عيناها فقد رفض جسدها ان يستدير .. في الواقع لم تكن بحاجة لتستدير فصوته محفور بذاكرتها .. كيف لها ان تنساه .. كيف لأي شخص ان ينسى حمزة المنياوي .. غصة احتلت حلقها وعصفت الدنيا بعقلها بقوة لتنتبه على صوت والدها الغاضب
عبد الحميد(بغضب): انت ايه اللي چابك إهنيه .. اطلع برا بيتي
اقترب منهم ببرود وكأنه لم يستمع لجملة عمه من الاساس لينحني قليلاً ويهمس بجوار اذنه
حمزة(ببرود): هدي نفسك يا عمي اومال .. العريس مش چاي
عبد الحميد(بحدة): مش چاي كيف يعني؟!!
حمزة(بابتسامة مستفزة): اني خطفته وكتفته .. بس ماتجلجش كتب كتاب رحمة هيوحصول بس عليا اني
عبد الحميد(بحدة وغضب): نجوم السما اجربلك
سالم(بنبرة قوية وهو يحاول السيطرة على غضبه): اطلع برا يا حمزة
حمزة(وهو يجلس على الكرسي): اهدى بس يا واد عمي وفكر فيها زين .. صدجني ديه احسن حل بدل الفضيحة اللي هتطول العيلة كلاتها
سالم(وهو يقبض على تلابيبه بغضب ويُجبره على الوقوف): جولتلك اطلع برا يا حمزة بدل ما اطلع عفاريتي عليك عاد
حمزة(وهو ينفض يدا سالم): مش طالع واسمعوني عاد .. انتوا عازمين ناس ياما , يرضيكم يعني ان بنتكم سمعتها تبوظ
عبد الحميد(بغضب حارق ونبرة قوية): اخرس يا واكل ناسك .. اني بتي اشرف منك يا كلب
المأذون: اهدى يا حاج .. وانت يا ولدي ماينفعش حديتك ديه
حمزة(ببرود مستفز): الناس بدأت تتكلم ودي الطريجة الوحيدة عشان تخرسهم , وافج يا عمي وخلينا نكتبوا الكتاب عاد
عبد الحميد(بنبرة قوية وهو يمسك صدره): يولعوا الناس .. اني .. ماهرميش بتي .. ولو انت اخر راجل في الدنيا .. ماهتتجوزهاش
قالها عبد الحميد وهو يقاوم تلك الآلام التي بدأت تسكن صدره .. كاد حمزة بالتكلم ليأتي الرد الصادم من رحمة
رحمة(دون ان تدير وجهها): اني موافجة
جحظت العيون بصدمة لينظر عبد الحميد لها ويردف بذهول
عبد الحميد: انتي هتجولي ايه يا بتي؟!!
رحمة(بانفعال ونبرة تخنقها الدموع): بجول موافجة .. موافجة
قالتها وهي تجري باتجاة غرفتها والدموع تتسابق على وجهها ليتألم قلب ذلك الذي يقف بالاسفل على ما فعله بها .. لم يكن يتصور ان يكون زواجه منها بتلك الطريقة .. لم يكن يتصور ان تكون من ملكت قلبه ملكاً له فقط لتحافظ على سمعتها وسمعة عائلتها .. يلعن نفسه على تلك الفكرة التي اضطر لتنفيذها لكي يضمن موافقتها على الزواج منه ولكنه لم يكن ليغامر بوجود احتمال رفضها له .. لم يكن ليتركها تصبح لغيره عناداً به فقط .. نعم يعلم انه اخطئ .. اخطئ بالماضي خطئاً واحداً دمر حياته .. خطئاً واحداً كان كفيل بهدم كل حلم بناه معها .. خطئ أصلحه بخطأ أكبر لتتوالى بعدها اخطائه ليقرر اليوم إضافة خطأ جديد بإرغامها على الموافقة عليه كزوج لها .. ربما هذا هو الخطأ الوحيد الذي لن يندم عليه؛ فعليه ان يجعلها ملكه حتى تصبح لديه فرصة ليتكلم معها .. يريد فقط ان يشرح لها ما حدث بالماضي .. يريد ان يقدم يعتذر عن تدميره لكل جميل بحياتها .. يريد ان يُبدي ندمه على ما فعل ولكن هل سيحظى بتلك الفرصة ام ان كل الفرص لم تعد متاحة
*عودة*
أصبحت زوجته .. أصبحت زوجة من لا يتشابه مع من الدق القلب له سوى في الملامح فقط .. بل ربما الملامح تغيرت .. لا تعرف .. فهي منعت نفسها حتى من النظر إليه .. لا تريد ان تراه .. لا تريد ان تلمحه عيناها .. لا تريد ان تُعيد لعقلها شعور انه مازال حياً فهو مات بالنسبة لها منذ ان ابتعد .. منذ ان خان .. منذ ان غرز خنجره بكل قسوة بقلبها .. دق خفيف على الباب قطع حبل أفكارها لتدخل إيمان وترى خالتها التي لم تغادر غرفتها منذ شهر .. منذ ان تزوجت بذلك الرجل الذي علمت لاحقاً انه حمزة المنياوي ابن عبد العزيز المنياوي شقيق جدها الذي توفى منذ حوالي سنة .. ذلك الرجل الذي علمت انه كان من المقرر زواجه من خالتها منذ 15 عاماً ليختفي قبل زواجه منها بيوم واحد تاركاً خالتها لتتلقى ذلك الخبر وهي ترتدي فستان فرحها الذي انقلب لعزاء .. تاركاً إياها تتسابق دموع الحزن لعينيها بدلاً من دموع الفرح .. تاركاً قلب ينزف خلفه وجرحاً لا يندمل ابداً
إيمان: خالتو .. حضرتك صاحية؟
قالتها إيمان وهي تتقدم لداخل الغرفة وترى جسد رحمة مُمدد على الفراش وقد وجهت الأخيرة ظهرها للباب غير راغبة برؤية احد اياً كان
إيمان(بنبرة هادئة وهي تجلس بجانبها على السرير): خالتو حبيبتي .. انا عارفة انك مجروحة وزعلانة بس صدقيني الجرح بيشفى لما بيلاقي ايد تطيبه والزعل بيقل لما حد يشيله معاكي
لا رد من رحمة لتتنهد إيمان وتردف
إيمان: انا هبقى في اوضتي لو حبيتي تتكلمي
قالتها ووقفت ولفت جسدها حتى تغادر الغرفة لتنطق رحمة بنبرة مبحوحة من فرط البكاء
رحمة: إيمان
نظرت إيمان لخالتها لتشهق داخلها حين رأت وجهها الذي انطفئ وعينيها اللتان زارهما الليل فصبغ اسفلهما بلونه الأسود الداكن وجعل حدقتيها ككاسات الدم لتجري نحوها بلهفة وكأن تلك التي امامها ليست خالتها وإنما صديقتها .. اخذت إيمان رحمة لأحضانها لتلف رحمة ذراعيها حول وسط إيمان والدموع تتسابق على وجهها والشهقات الحارقة تسكن صدها
إيمان(وهي تربت على ظهرها): بس يا خالتو .. بس يا حبيبتي
رحمة(بدموع حارقة ونبرة مجروحة): هو ليه رچع .. ليه .. اني كنت عايشة مليحة من غيره .. لأ .. ماكنتش مليحة .. كنت بكدب .. كنت بصبر نفسي وأجول اني مليحة علشان ارتاح .. ليه رچع تاني .. ليييييييه
لم تنطق إيمان بل زادت من احتضانها لرحمة لتخرج رحمة من حضنها مردفة بوجع
رحمة(بدموع كثيرة وانهيار): هو ليه عمل إكده .. ليه سابني زمان .. ليه خانني .. ليه بعد .. وليه رچع دلوكيت ليييييه
إيمان(وقد امتلئت عيناها بالدموع): اهدي يا خالتو .. اهدى علشان خاطري
رحمة(بنبرة منكسرة): هو اني وحشة جوي إكده .. كان سهل عليه انه يسيبني؟!!!
إيمان(وهي تنفي برأسها): لا يا خالتو والله لا
رحمة(بدموع): ولما هو لاه ليه هو عمل إكده .. دا اني من يوم ما وعيت عالدنيا واني ماشوفتش راچل غيره .. من واني صغيرة وهو في عيني راچلي وحبيبي .. ليه عمل إكده
صمتت إيمان لتكمل رحمة بقهر
رحمة(بعيون شاردة تلمؤها الدموع): كنت بعد السنين والشهور والايام .. كنت بستناه يچي من چامعته من مصر عشان اشوفه .. كنت بذاكر بس عشان اتخرچ وابوي وعمي يچوزونا كيف ما كانوا بيجولوا
لمعت عينيها وارتسمت ابتسامة حزينة على شفتيها لتردف
رحمة: لما اتخطبنا كنت بحضن يدي اللي فيها دبلته وبستنى اليوم اللي اشيلها من يميني واحطها في شمالي .. كنت بحضن يدي واني نايمة بعد ما عيني تكون نضرت چواباته اللي كنت شايلاها ومحافظة عليها وكأنها حتة مني .. لما جال انه خلص امتحانات وخلاص هبابة ويطمن عالنتيچة ويرچع كنت هطير من الفرحة .. كنت شايفة الكل فرحان بجوازتنا بس محدش منيهم كان فرحان جدي .. ابوي وعمي بدأوا يچهزوا للفرح واني كنت طايرة فوج سابع سما ..(اختفت ابتسامتها لتكمل بقهر).. لحد ما نزلت على جدور رجبتي
نظرت رحمة لإيمان التي تسابقت الدمعات على وجهها لتردف
رحمة(بألم يعتصر قلبها): تخيلي عروسة عريسها يختفي جبل فرحهم بشهرين ويتهرب من مكالماتها .. تخيلي عروسة تبجى لابسة فستان الفرح وتلاجي ابوها وعمها راچعين من مصر بعد ما نزلوا يدورا عليه ومالجيوهوش .. لجيوا چواب بيقول فيه انه ماهينفعش يتچوزني وهيتچوز واحدة زميلته وهيسافر معاها
سكنت الصدمة عيون إيمان لتردف رحمة بتهكم
رحمة(بعيون شاردة): لما جالولي إكده ماصدجتش .. جولتلهم حمزة لا يمكن يعمل فيا إكده .. جولتلهم انه مات وانهم مش عايزين يجولولي عشان خايفين عليا .. جولتلهم انه مات والحجيجة ان اني اللي مت .. مت من ساعة ما حسيته متغير معايا .. مت من ساعة ما بطل يرد على مكالماتي .. مت من اليوم اللي فضل فيه واحدة تانية عليا وسابني ليلة فرحي والناس عينيهم بتاكلني وبيسألوا عن السبب اللي خلى عريس يسيب عروسته يوم الفرح .. مت لما كلام الناس كان بيدبحني وينهش في سيرتي وسمعتي .. مت من زمان وچه دلوكت يكمل عليا لما حكم عليا اني ابجى مرته
إيمان(بدموع وهي تنظر لها): وافقتي ليه؟
رحمة(بانفعال ونبرة مبحوحة): كنتي عايزاني اعمل ايه عاد .. اعمل ايه واني شايفة كل حاچة بتتعاد جدام عيني .. كلام الناس .. خوف سالم وتعب ابوي .. كنتي عايزاني اعمل ايه .. اعمل ايييييه .. اعمل ايييييييييييييه
قالتها وبدأت تلطم على وجهها وهي تبكي بهستيريا لتحتضنها إيمان بقوة محاولة تحجيم انهيارها .. ظلت رحمة على تلك الحالة من الصرخات الممتئلة بالوجع والدموع الحارقة والجروح النازفة لتفقد قوتها تدريجياً وتهرب للنوم كعادتها طول ذلك الشهر لتقوم إيمان بتدثيرها بالغطاء جيداً قبل ان تطبع قبلة بسيطة على رأسها وتنسحب من الغرفة وقد رأت قصة أخرى خططها الحب لتنتهي نهاية مأساوية مثل حكايتها .. وقفت بشرفة غرفتها ومازالت الدموع تنساب من عينيها ولا تعرف أهي دموع على حال خالتها ام على حالها هي .. تغمض عينيها بقوة ليتألم ذلك الذي يقف متوارياً عن الأنظار يُمتع عينيه بالنظر لها من بعيد بعيون طفل محروم .. ينظر لها وكأنه ينظر لشئ حُرم عليه لمسه .. يضغط بيده على صدره وهو يغمض عينيه بألم ولا يعلم أهو ألم الفراق ام ألم آخر .. ألم حكم عليه بالافتراق عن الوحيدة من بنات حواء التي تمنى ان يقضي معها عمره كله حتى يلتقط اخر انفاسه .. الوحيدة التي جعلت قلب الصعيدي يدق لها فما هو سبب البُعد وهل بالفعل حُكم على قلبيهما بالفراق ام انه سيحدث ما يجعل الحقيقة تنكشف ويجبر تلك القاهرية العنيدة على الاعتراف انها عشقت من الصعيد
كاااااااااااااااااااااات .. كفاية لحد كدا النهاردة .. إلى اللقاء في الأحداث القادمة
ووويتبع
