📁 آخر الروايات

رواية عذرا لكبريائي الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم الكاتبة انستازيا

رواية عذرا لكبريائي الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم الكاتبة انستازيا


24=رواية عذرا لكبريائي للكاتبة أنستازيا الفصل الرابع والعشرون
لا يمكنه ان يكون جاداً! أ. أنا حتى لم اخبره بمشاعري. لم أخبره بأنني أحبه! لم أعد اهتم بردة فعله ولا بتسلطه على اريد فقط ان ابوح له بما اشعر به وليحدث ما يحدث ويرضي غروره ولكن كل شيء إلا هذا! ما الذي فعلته له لأستحق عقاب كهذا؟!
أنا السبب! أنا السبب. لو لم أتدخل واوقفه لما أُصيب. لن اسامح نفسي!
من بين بكائي التقطت اذناي صوت مكابح سيارة قوي وبدون انتظار وجدت تيا وجوش يدخلان محدقان إلى المكان والفوضى بذهول قبل ان يصوبا اعينهما نحونا.
جوش: بحق الإله! ما المجزرة التي حدثت هنا تحديداً؟ لفت انتباهي صوت شهقات شارلوت فأسرعت انظر لليسار و أتجمد في مكاني بذعر!
أرجوا اننا لم نتأخر! تحركت نحوهما بينما ظلت تيا تقف متسمرة بصدمة.
انحنيت امامهما لأرى عنق شارلوت ينزف وتبدو كالطفلة المذعورة وهي تحتضن رأس كريس المستقرة في حجرها ورفعت عينيها المتوردة نحوي: سيد جوش علينا ان نتحرك بسرعة.
لحسن الحظ انني رافقت تيا التي كانت تنوي الذهاب لكريس وحدها، لو وصلت هنا من دوني فستبقى في مكانها كما هي الآن!
اعلم انها تحت تأثير الصدمة وتحاول تكذيب عينيها وعاجزة عن الحركة ولكن على ان اتصرف بسرعة ولا وقت اسمح فيه للمشاعر بالتدخل.
جثيت على الأرض واسرعت اسحب يدا كريس لألفها حول كتفاي واحمله على ظهري، وقفت شارلوت كذلك وهي تضع يدها على ظهره وكأنها تخشي سقوطه أو ان يصيبه مكروه.
اللعنة لو لم يكن يفوقني طولاً لكان الوضع أسهل!
تحركت نحو الباب قائلا بحزم: تيا تحركي.
نظرت إلى بعدم استيعاب وتبعتنا كما لو كانت تحت تأثير مخدر قوي المفعول!
وقوعها تحت تأثير الصدمة يظل أفضل من الإنفعال والصراخ فهي متعلقة به وقد تفقد عقلها حتماً!
بعد لحظات كنت أقود السيارة وقد اتسخت ملابسي بدماء كريس الذي وضعته في المقعد الخلفي وشارلوت تحاول ان تثبت وضعيته وتحيطه بذراعها ولم تتوقف عن البكاء!
تيا تجلس بجانبي وبالكاد تطرف بعينيها! إنه هدوء ما قبل العاصفة. ستنفجر في أي لحظة أدرك هذا جيداً.
علي ان اصل بسرعة فأنا ايضا متوتر من بكاء شارلوت وهي لا تيأس من محاولة إيقاظه.
كم هو مظهر صعب لأراك هكذا يا كريس!
فاقدا لوعيه وعاجزاً عن الحركة بوجه شاحب مليء بالكدمات والجروح.
ليس وكأنها المرة الأولى التي نجده فاقدا لوعيه فلطالما حدث ذلك بسبب باتريشيا. ولكنني ظننت ان الخطر قد تركه وشأنه! ليس الآن وهو يبلغ السابعة والعشرون.!
لا يجب ان يعلم ماكس بالأمر، ولا كلوديا التي اعرف كيف ستنهار وتفقد اعصابها.
علي ان اتأكد من سلامته أولاً، ذلك اللعين الجشع براد نجح بالفعل من الهروب من سجنه. بل وذهب مباشرة إلى منزل كريس مدركاً لوجهته.
لن أتهاون معه عليه ان يدفع الثمن.
انا قلق ايضا بشأن شارلوت، لا أدري ما الذي كانت تفعله في منزله بعد انفصالهما مؤقتا ولكن يا له من توقيت سيء جداً فهي أيضا مصابة.
لا يبدو جرحا واحدا فالدماء على عنقها تبدو متوزعة بطريقة ما!
اختلست نظرة لتيا لأرى تلك الصدمة لم تختفي عن وجهها. هذا أيضا سيء جداً!
بعد دقائق وعندما وصلنا للمشفى أُخذ كريس فوراً إلى غرفة العمليات وها نحن نقف في الممر ننتظر بفارغ الصبر وبقلق، وفي كل مرة يرن فيها هاتفي إما من ستيف او كلوديا او شخص آخر أقوم بتجاهله فوراً فبالرغم من كل هذا فانا كذلك أشعر بأن قواي وقدرتي على التحمل قد خارت.
اخبرني أحد الممرضين انه تم تقديم بلاغ من المشفى إلى الشرطة لأن حالة كريس كانت حالة التعرض للطعن ولهذا ذهبت معه للتحدث قليلا وعندما عدت وجدت شارلوت تجلس وقد أنهكها البكاء أخيرا لتهدأ وتحدق إلى الأرض تارة وإلى باب غرفة العمليات الذي يعتليه الضوء الأحمر تارة أخرى.
أما تيا فتجلس مقابلها على المقعد الآخر وقد ارتخت ملامحها وشحب وجهها ولم تنطق بحرف واحد حتى الآن!
تقدمت نحوهما وقلت بقلق: شارلوت. عنقك!
في هذه اللحظة اتت ممرضة وقالت: عذرا سيدي. ولكن علينا النظر إلى جرح الآنسة.
أومأت برأسي فأسرعت شارلوت تقول بحزم: أنا لن أتحرك ولا يهمني هذا الجرح.
ثم اشاحت بوجهها فقلت محاولاً اقناعها: شارلوت انتظارك هنا لن يأتي بنتيجة لكريس! طهري جرحك وانظري إلى مدى خطورته وعودي فوراً إلى هنا!
لن أتحرك.
لقد استمر الجدال دقائق عديدة حتى ان الممرضة قد غادرت مؤقتا بعد ان اخبرتها انني سأنجح في اقناعها ولكنني عجزت وفشلت! وحينها فكرت بأنه من السيء جعلها هكذا وعلى إخبار أحد أفراد اسرتها.
وهذا ما دفعني لأسأل تيا التي لا تزال على حالها: انا بحاجة لمكالمة احد أفراد اسرتها. هل تعلمين كيف اجد رقم أحدهم؟ هي منفعلة ولن أتمكن من الإستفادة من سؤالها.
مدت يدها نحوي دون ان تنظر إلى بوجهها المصدوم الشارد، كانت تعطيني الهاتف فتناولته منها باستغراب لأجدها تهمس: رقم إيثان لا زال في هاتفي.
إيثان! آه. شقيق شارلوت الذي كانت تيا تواعده.
اسرعت اخذ هاتفها باحثا عن إسمه وفورا ضغطت على زر الإتصال وانتظرت ولكنني لم أجد رداً، حاولت مرة أخرى والنتيجة نفسها ولكنني كنت مستمرا دون يأس حتى اتى صوتٌ منزعج: يدهشني انكِ لا زلتِ تحتفظين برقم هاتفي. ما الذي تريدينه الآن؟
ارتفع حاجباي وفكرت للحظة بأنه بالرغم من كل هذه السنوات فصوته المألوف لا يزال يحتفظ بعمقه المميز، لقد تذكرته جيداً الآن. كان مجداً في العمل ولافتاً للأنظار.
ولكن منذ تلك القضية اختفى تماما ولم أسمع بإسمه من تيا او ماكس.
اسرعت اتذكر الزمان والمكان وأقول بهدوء: إيثان؟ هل هذا أنت؟
لحظة صمت تلاها صوته المستنكر: من أنت!
آه. انا جوش! زوج عمة كريس إن كنتَ تذكرني.
هاه!
هذا ليس موضوعنا، لم أكن أريد قولها بهذه الطريقة ولكن وقع امر طارئ وأفضل ان تسرع إلى هذه المدينة يوجد مسألة مهمة جداً.
اتى صوته بهدوء وجمود: انا لازلت هنا ولكنني لن أذهب إلى أي مكان. سأعود إلى منزلي بعد قليل.
أسرعت اعترض: مهلاً! شقيقتك في المشفى وعنقها مصاب ولكنها ترفض معالجة نفسها. طالما انك هنا فلتأت إذاً وبسرعة من فضلك.
بدى مذهولا وهو يتلعثم: ش. شارلوت! هل هي بخير؟ كيف حدث ذلك! ما الذي أصابها تحديداً! ما الذي تفعله في هذه المدينة اصلاً!
اجبت باستغراب: كانت في منزل كريس.!
ذلك الوغد! لقد تجرأ بالفعل!
كريس أسوأ حالاً من شارلوت. هذا ليس الوقت المناسب، نحن في انتظارك في المشفى لذا أسرع.
أ. أنا قادم!
اغلقت الهاتف متنهداً واقتربت من تيا لأناولها هاتفها ولكنها لم تستجب، ذهنها لم يعد معها.
يا الهي!
وضعت الهاتف بين يديها وحينها همستْ بضياع: سأفقده. سيتركني وحدي.
جلست بجانبها مهدئا: رويدك يا تيا كريس سيكون بخير لا تقلقي!
نفيت ببطء: سيتركني وحيدة. لن يكون لي ظهراً استند عليه. سيرحل عني! كريس سيتركني حتماً، وأدرك جيداً أنني سأموت بعده فوراً!
لا تقولي هذا!
لو حدث له شيء. فلن يكون هناك لي دافعا بالإستمرار في هذه الحياة. أفضل الموت على سماع خبر سيء بشأنه. أريد الموت!
ظلت تتحدث بضياع وارتياب فزميت شفتاي بلا حيلة. وكل ما فعلته هو التربيت على كتفها بلطف.
مر الوقت ونحن ننتظر خروج كريس من غرفة العمليات، وأثناء انتظارنا سمعت خطوات تقترب مصدرة صوتا واضحا في الممر الذي يكاد يكون فارغاً، التفتُ لأرى شابا طويل القامة يقترب بوجه قلق.
علمتُ فورا أنه إيثان نظرا للشبه الكبير بينه وبين شارلوت ولأنني تذكرت ملامحه هذه أيضاً! لم يتغير بل بدى وكأن لقائي الأخير به كان في الأمس.
قبل ان اقول شيئا أو احييه أسرع نحو شارلوت واقفا امامها بذعر وهو يمسك بوجهها بعدم تصديق!
نظرت شارلوت إليه للحظة دون استيعاب ولكنها انفجرت فجأة لتبكي وتقفز لتعانقه قائلة: كريس مصاب بسببي! أنا السبب يا إيثان. لم يخرج حتى الآن! لو لم أوقفه واتدخل لما أُصيب.
رفع يديه يهدئها وهو يربت على رأسها بملامحه القلقة متسائلا: ماذا عنكِ؟ هل أنتِ بخير؟ ما هذه الدماء على ملابسك وعنقك!
حين كان يتفقدها لمحت تيا التي وقفت بوجه متفاجئ واقتربت نحوهما لتتساءل بنبرة ارتياب: ما الذي تقصدينه بأنكِ السبب؟
ابعدت شارلوت رأسها عن صدر إيثان ببطء واجابت من بين شهقاتها الباكية: لقد كان يتشاجر مع براد ولكنني تدخلتُ وطلبت من كريس التوقف. وبسببي ارخى دفاعه وطعنه براد ليهرب. تسببتُ في إصابته!
اقتربت منهم عندما تملكني توجس وشعور بعدم الإرتياح لأمر قد يحدث، وكنتُ محقا لأن تيا امسكت بشارلوت من قميصها بإنفعال شديد: ماذا! وتقولينها بكل بساطة! هل رأيتِ كيف هي حالته بحق الإله؟ هل كان عليك التدخل وحشر أنفسك! أخبريني. هل أنتِ سعيدة الآن؟ أنا لن أسامحك هل تسمعين هذا؟ هل تسمعين؟
نفيت برأسها وهمست بضعف: تيا أنا حقا. آسفة.
بماذا سيفيد أسفك! هل اعتذارك سيُخرج كريس؟ هل هذا كل شيء!
اسرعت احيل بينهما وكذلك إيثان الذي ابعد شارلوت ولكن تيا كانت عنيدة وهي تحاول الإقتراب منها بالرغم من منعي لها لتنجح في إمساكها من قميصها مجددا وتصرخ بكلمات منفعلة ساخطة فحاولت تهدئتها: هذا يكفي يا تيا! ما تفعلينه لن يفيد كريس بشيء!
انفعلت ببكاء وقد انفجرت هي الأخرى: وهل اعتذارها سيفيده! بل وأنني أخبرتها بأنه يعني لي كل شيء! هي تعيش بين عائلتها ولن تشعر بما أمر به! لديها والديها واشقاؤها ولن تفهمني! اخي وصديقي الوحيد طريحٌ بلا حيلة وهي كل ما تفعله الإعتذار! هل كان عليها التدخل في شجارهما؟ ماذا لو لم يخرج كريس؟ هل تعتقد بأنني سأستمر في هذه الحياة حقاً؟! سأقتلها وأفتل نفسي فوراً!
كان إيثان ينظر إليها بنظرات عميقة متضايقة بعض الشيء وفي الوقت انه يمرر يده على رأس شارلوت ليوقفها عن البكاء فأسرعت أقول برزانة: تيا سيتم طردنا من هنا! لا يجب ان نتسبب في الإزعاج اهدئي وفرغي غضبك في وقت لاحق. ولكن انظري إليها هي أيضا جريحة وتنزف مع ذلك لم تبالي سوى بكريس. نحن أيضا قلقون!
بكت تيا ومُزج صوت بكاؤها بصوت بكاء شارلوت مما جعل الممرضين والممرضات يحدقون إلينا بحيرة وإرتياب، عادت تلك الممرضة متجهة نحونا ونظرت لشارلوت وتيا بتوتر وتوجس قبل ان تتساءل بتردد: هل يمكنني تطهير جرحها الآن؟
نظرت بدوري لإيثان ووضحت له ان شارلوت كانت ترفض تضميد عنقها، نظر إليها بهدوء: هيا. لنذهب لتطهير جرحك وإيقاف النزيف.
نفيت شارلوت بعناد وبعين دامعة: أريد انتظار كريس.
لن نتأخر.
لا! ماذا لو خرج ولم أكن بجانبه!
بدلا من اهدار وقتك بالعناد دعينا نرافق الممرضة وننهي الوضع إن كنتِ تنوين انتظاره حقاً.
حاول إقناعها حتى رضخت أخيراً وذهبت معه وهو يمسك بيدها تقودهما الممرضة إلى إحدى الغرف القريبة.
كنت أجلس انا وتيا وفي كل حين أحدق إلى الساعة في معصمي.
نظرت إليها وهو تمسح أنفها المتورد بالمنديل وتنظر للأرض بصمت بعيون دامعة وشفتيها ترتجفان دون توقف.
ربع ساعة أو أكثر وعادت شارلوت وشقيقها وجلسنا جميعنا بتوتر.
قال إيثان بهدوء موجها حديثه إلي: عذرا سيد جوش على فظاظتي لم أقم بتحيتك.
نفيت برأسي بهدوء مماثل يجوبه تعب من الإنتظار: لا بأس. الأمر طبيعي.
ما الذي حدث تحديداً؟
هل تذكر الموظف براد الذي أوقع بك في قضية الاختلاس وورطك؟
لمعت عيناه الخضراوان بالدهشة وسرعان ما احتدتا ليقول بتهكم: بالطبع. ما خطبه الآخر؟!
لقد هرب من السجن وذهب إلى منزل كريس مباشرة وانتهى الأمر به هارباً. الشرطة تبحث عنه مسبقا ولا زلنا بانتظار الأخبار لنطمئن.
عقد حاجبيه بشيء من الإستنكار ونظر لشارلوت لثواني قبل ان يسألها: ما الذي كنتِ تفعلينه هناك؟
أخفضت رأسها بتردد وهي تجيب: ذهبت لأنهي مسألة الزواج ولكن حدث ما حدث.
متى ذهبتِ! انتِ لم تكوني في منزله قبل ساعتين عندما كنت أنا هناك!
ظهر الإرتباك على ملامحها بوضوح في حين ضاقت عينيه بتركيز وحزم!
أجابت على مضض: لقد. كان متعباً في الأمس، و. كما ترى!
كما أرى. ماذا؟
لم أستطع تركه كما ان الاجواء لم تسمح بذلك! فانتظرت في منزله وع.
هذا يعني انكِ كنت هناك منذ الأمس، ما أسألك عنه لما لم أراك هناك اليوم!
سألها بحدة فانتفضتْ بوضوح وأشاحت بنظرها بعيداً قبل ان تتمتم بتوتر: لماذا تسألني عن هذا الآن! إيثان انا حقاً متعبة ولستُ في مزاج يسمح لي بالحديث حول مشاكلك معه.
اومأ برأسه بغيض واشاح بوجهه للجهة الأخرى، تنهدت بعمق وبلا حيلة.
هكذا إذاً. لا يبدو راضيا عن علاقة شارلوت بكريس بعد ما حدث. من منا قادر على لومه! ولكن اعتقد بأنه لا يجب ان يخلط بين الأمور ويظلم شارلوت فلا ذنب لها بتلك المشاكل القديمة.
مر الوقت بطيئاً حتى اضاء اللون الأخضر مما جعلنا نقف بسرعة وبترقب، فُتح الباب ليخرج الأطباء.
رأيت السرير الذي يدفعه الممرضون ويستلقي كريس فوقه وكم ادهشني وافجعني وجهه الذي باتت الكدمات والجروح فيه أكثر وضوحاً وبروزاً! بل وشحوبه كمن لو كان جسد لا روح فيه!
تسمرت في مكاني ولكن شارلوت اندفعت نحوهم تتبعهم بسرعة وكذلك تيا.
وقفت انا وإيثان ننظر إلى الطبيب الذي اقترب فسألته بإهتمام وقلق: كيف حاله أيها الطبيب؟
ابعد الكمامة عن وجهه ليرخيها أسفل ذقنه وابتسم بهدوء ورسمية: تجاوز مرحلة الخطر، فقد الكثير من الدماء ولحسن الحظ ان فصيلة دمه ليست نادرة، سيبقى في العناية حتى تستقر حالته تماماً وحينها سننقله إلى غرفة أخرى.
انهى جملته وغادر فأخذت شهيقا عميقا واطلقته براحة!
الحمد لله! وأخيراً. لا يمكنني وصف راحتي النفسية الآن وسعادتي، تبعت تيا وشارلوت وخلفي إيثان.
باختصار كنا نتبع الممرضون حتى تم ادخاله إلى العناية، تم منعنا من مجرد الدخول عند المدخل فوقفنا نحدق جميعنا إليهم وهم يوصلون المغذي إلى يده وجهاز القلب وكذلك الأوكسجين.
شارلوت:.
لا يمكنني وصف الراحة التي أشعر بها لمجرد خروجه من غرفة العمليات! حالته لم تعد خطيرة. صدري يعلو ويهبط جراء شعوري بالإرتباك وانا انظر إلى الممرضين اللذين خرجوا من الغرفة فأسرعت اتساءل: أرجو المعذرة، ألا يمكنني الإطمئنان عليه اكثر والدخول ولو لبضع دقائق؟
أجابني الممرض وهو يغلق الباب: لا يا أنسة الزيارة ممنوعة حتى تستقر حالته ويُنقل إلى غرفة أخرى.
تقدمت تيا لتسأل بقلق: ومتى ستسقر حالته ويفيق؟
أتى رده بلباقة: حالياً نستبعد استيقاظه اليوم، ربما في الغد مساءً. لا داع للقلق سيكون الإشراف عليه مشدداً لا سيما وانه قد تم تقديم بلاغ من الشرطة بشأن حالته، وبالمناسبة قد لا يكون قادرا على التجاوب بسرعة حين يستيقظ لذا من الأفضل ان تنتظروا ليلتان حتى يصبح السيد واعيا تماماً.
أضاف مفكراً: ولكن ان استيقظ غداً وزال تأثير المخدر فسيُسمح لشخص واحد بالمبيت معه، ولكن بعد نقله من العناية. والآن أرجو المعذرة.
غادر الممرض وتركنا ننظر إلى باب العناية. تقدمت لأنظر من خلال النافذة الزجاجية إلى كريس الغائب عن الوعي. على الأقل أعلم انه بخير. هذا يكفيني.
حينها قال السيد جوش بأنه بحاجة للتحدث مع إدارة المشفى بشأن البلاغ ورحل.
فواصلت انا وتيا التحديق من خلال النافذة بجانب بعضنا، وقبل أن أتمكن من التفكير أكثر تفاجأت بيد تمسكني وتبعدني عن الباب، لم يكن سوى إيثان الذي جرني بهدوء لأسير بجانبه فتساءلت بحيرة: ما الأمر!
أجابني دون ان يلتفت: ما الذي تقصدينه؟ إنه بخير وستعودين معي للمنزل.
اتسعت عيناي: ماذا!
طرفت بعيني بلا استيعاب وحاولت إيقافه: إيثان انتظر من قال بأنني سأعود للمنزل! قلت لك انتظر أرجوك!
ظل يتجاهلني وحاولت مرارا و تكرارا انتزاع يدي دون جدوى!
تيا:
حدقت إليهما بإستياء وإنهاك.
بسبب خوفي على كريس تصرفت مع شارلوت بعنف ولكنني حقاً لا زلت غير قادرة على إستيعاب الأمر. أعلم ان وقوفي هنا أمام العناية لا فائدة ترجى منه ولكنني لستُ قادرة على الإبتعاد!
لقد انفجرت باكية في وجهها بسبب صدمتي التي حاولت تخطيها طوال الوقت وأنا أفكر. ماذا لو فقدته كما فقدت أبي! ماذا لو رحل كريس وتركني وحدي. ماذا لو وجدتُ نفسي وحيدة؟ أنا واثقة بأنني سألحق بنفسي بأذى كالإنتحار أو الجنون.
هو الوحيد الذي كان بجانبي عندما لم أجد أحداً حولي. كريس من كان يؤنس وحدتي بالرغم من لا مبالاته وشخصيته الصعبة، هو من كان يملأ على خلوتي ولم يجعلني من بعد صداقته أشعر بالوحدة واكتفيت بعلاقتي به!
ظننت بأنني سأخسره، ولو حدث هذا، فيعني أن حياتي صارت بلا طعم لا سيما وانني قد سبق وخسرت إيثان الشخص الذي أحببته ولا زلت.
وبذكره الآن وجدت قدماي تتحركان بسرعة طالما انه لا يوجد ما أفعله هنا، غادرت باحثة عن شارلوت وإيثان حتى خرجت من المشفى ولم أكلف نفسي عناء الإنتظار فيوجد إثنان صوتهما العالي يلفت الأنظار في حديقة المشفى.
لمحتهما يتحدثان او يتشاجران على الأغلب، اقتربت منهما وفي هذه اللحظة نظر كل منهما للآخر بغضب وحدة، تجاهلت الجو المشحون وقلتُ بهدوء يجوبه تردد: شارلوت، لقد كنتُ منفعلة قبل قليل ولم أقصد الصر.
ولكنني تفاجأتُ بها تسرع نحوي لتقف خلفي وكأنها تحتمي بي وتقول بحزم: لن أغادر حتى أرى كريس قد استعاد وعيه. لن تجبرني يا إيثان!
احتدت عيناه وزمجر بصوت حاد: أيتها المغفلة العنيدة! ما الذي حدث لرأسك! لماذا أنتِ قلقة بشأنه إلى هذا الحد؟ الم تقولي بأنك اتيت لإنهاء الزواج؟ لماذا إذاً تصرين على البقاء؟
ولكنه سرعان ما تدارك أمراً واقترب خطى صغيرة ينظر إليها خلفي بدهشة: لا تخبريني. بأنكِ أحببته! لا تقولي بأنه كان جاداً عندما قال لي أنكِ واقعة في حبه!
شعرت بيد شارلوت التي تمسك بي وهما ترتجفان لتجادله: كل ما أريده هو الإطمئنان عليه فقط وأعدك بأنني سأعود للمنزل بنفسي!
أنتِ لم تجيبي على سؤالي!
انا حقا منهكة ولم أعد استطيع مجادلتك يا إيثان. من فضلك اتركني حتى يستيقظ وسنتفاهم!
استمر شجارهما والتفت الكثيرون نحونا فانتابني القليل من الإحراج من هذا الوضع كما لو كنت أقف بين طفلان لا يجيدان سبل الحوار!
تدخلت مهدئة: حسنا هذا يكفي الجميع ينظر إلينا! شارلوت عودي إلى المنزل و.
ولكن نظراته نحوي أخرستني وألجمت لساني! بدى من الواضح ان صوتي في هذه اللحظة كان آخر صوت يريد سماعه! بل ولوى شفته بازدراء مما آلمني كثيرا وجعلني أسرع بإبعاد عيناي عنه لئلا اشعر بالضعف أكثر!
ولكنه في النهاية لم يرحم ضعفي وقال بحزم مشيرا إلي: حين أتحدث مع أختي لا تتدخلي. ما الذي تفعلينه بالوقوف بيننا على أي حال!
تفاجأت بنبرته وكلماته وطرفت بعيني أنظر إليه وكأنني أرجو أن أعود بالزمن لدقيقة فقط وانسحب قبل ان يخرسني بهذه الطريقة! حديثه معي هكذا وبهذه النبرة وتلك العينان التي لم تعد تنظران إلى بلطف حاني دليل واضح وكافي على أن مشاعره نحوي لم يعد لها وجود!
اجفلت لتدخل شارلوت بحدة: لا تتحدث إليها هكذا! نحن نحتضر قلقاً على كريس بينما انت مشغول بالنبش في أمور الماضي! توقف عن اقحام امور نستطيع تأجيلها لوقت لاحق!
رص على اسنانه بغضب: تحدثي إلى شقيقك الأكبر بإحترام يا شارلوت!
شعرت بها استاءت او انتابها الندم للحظة ولكنها همست بغيض: سأصمت ولكن دعني وشأني.
إلا أنه تقدم محاولاً الإمساك بيدها فأسرعت تحركني معها رغما عني لتتفادى ان يمسكها!
وهذا ما جعلني أُرغم كذلك على ان ارفع يداي على صدره محاولة تهدئته بصمت وابعاده عنها وعني! ولكنه لم يكن منتبها لذلك بل عيناه الخضراوان التي احدق إليها كالأسيرة المكبلة بالقيود لمعت بحنق وهو يهدد شارلوت وهي تجادله، في الواقع لم أكن اسمع أي صراخ لأنني كنت مشغولة بالنظر إليه! بدى في هذه اللحظة أن العالم المحيط بي لا أصوات فيه، ولا كائنات حية سوى إيثان فقط!، انه غاضب مع شقيقته بينما انا شاردة الذهن استغل هذه اللحظات الغير مناسبة في تأمل ملامح وجهه عن قرب! بل وان افكاري المنحرفة قادتني لرغبة عارمة معانقته وتقبيله لأدرك الواقع متذكرة خيانتي وغدري به واتراجع فوراً بإنكسار شديد.
ولا أدري كم مر من الوقت حتى سمعته يقول بحدة: حسنا يا شارلوت ستندمين على هذا، لا تلوميني على ما قد يحدث. سنرى إلى أي مدى سترغبين في البقاء هنا.
قالها واراد الإبتعاد ولكنني فاجأته بالتمسك به متشبثة بالجزء العلوي من معطفه!
نظر إلى بشيء من الدهشة وكذلك نظرت إليه بتوتر شديد!
طرف ببطء ولعدة ثواني قبل ان تأخذ الحدة مجراها على ملامحه وهو يبعد وجهه عني وكأنه قد ازدرد ريقه بصعوبة: ابتعدي.
حاول ابعادي وهو يتحرك مبتعدا إلا أنني لازلت متشبثة مما أثار استغرابه لتتسع عيناه، فأسرعت أهمس بتلعثم وصوت اتضح فيه ارتباكي: أود الابتعاد ولكن ازرار معطفك علقت بقميصي!
اخفض عيناه بعدم فهم يجوبه إمتعاض ونفاذ صبر ليجد ازرار معطفه قد تخللت الخيوط في قميصي مما جعلني أسرع قائلة: ا. انتظر.
قلتها وانا احاول اخراج ازرة معطفه من قميصي ولا أدري هل تخيلت ذلك بفعل مشاعري ام لا ولكنني شعرت به يحدق إلي.! وهذا ما جعل حركة يدي مضطربة غير متزنة!
شارلوت:
من يلقي نظرة خاطفة عليهما سوف يسيء الظن بلا شك! انهما قريبان من بعضهما جداً وهذا ما جعلني انظر إليها انتظر تحرير الازرة في معطفه وأقف مشاهدة بصمت كبعض الناس من حولنا!
كنت انظر إلى إيثان الذي يحدق إليها، فبالرغم من ان ملامحه كانت غاضبة. إلا أن عيناه لم تكونا كذلك! أنا لا أدري كيف أصف الأمر ولكن يبدو وكأنه ينظر إليها كشخص التقى بأخر ويرغب في حفظ تفاصيل ملامح وجهه! بدأت أتساءل بسبب هذه النظرات عن سر علاقتهما! هما يعرفان بعضهما بسبب العمل ولكن.
ما طبيعة هذه العلاقة أصلاً! هل هي زمالة أو معرفة سطحية؟
واصلت التحديق إليهما وانا ارفع يدي اليمنى امررها على الضمادة الموجودة على عنقي غارقة في أفكاري حتى رأيت تيا تبتعد عنه بسرعة قائلة: انتهيت.
رمقها بصرامة قبل ان يستدير: هذا جيد. لأنني كنت سأقوم بخلع معطفي وتركه لو طال الوضع.
اتسعت عيناي لكلماته الغير مراعية وتابعته أكاد أحرقه بنظري مغتاظة وهو يبتعد!
اقتربت من تيا بفضول لأراها تلاحقه بعينيها التركوازية الواسعة بأسى وخيبة أمل واضحة!
ما خطبهما تحديداً!
لم أدرك انها عادت لتوجه إهتمامها نحوي لأنني كنت مشغولة بالتفكير، ولكنني أفقت من شرودي عندما قالت بهدوء: هل أوصلك إلى منزل السيد ماكس؟
نفيت فوراً: لا! لن أذهب. لا يجب ان اعود هناك.
ثم ترددت كثيراً ومررت يدي على ملابسي المتسخة والمنكمشة لأتمتم: لقد رحل إيثان، ولا أعرف ما على فعله! لا يمكنني البقاء هنا بالرغم من أنني قلت هذا للتو!
أنتِ بالفعل حمقاء! هل قلت هذا بدافع العناد وحسب؟
أ. أعتقد هذا!
ما الهدف من افتعال شجار كهذا!
لا أدري، ربما كان على أن أنتقي كلمات أفضل وأتوقف عن مجادلته. ولكنه أغضبني! وكانه لا يبالي بما حدث لكريس.
أنت وأخاك. لا تختلفان إطلاقا! يبدو انكما ولدتما في هذا العالم لتكونا عبيدا للكبرياء.
احترت لجملتها متسائلة بعدم فهم: ما مدى عمق معرفتك به!
تجاهلت سؤالي نافية وهي ترمي المفتاح نحوي فالتقطته القي عليه نظرة، إنه مفتاح سيارة! ماذا أفعل به؟
بادرت أقول مقتربة نحوها: أنا لا أجيد القيادة!
أعلم. انتظريني في السيارة ريثما اتفقد جوش لأرى إن كان بحاجة إلى وسأعود.
أومأت برأسي موافقة فعادت هي لتدخل المشفى. استدرت على عقباي اخرج من حديقة المشفى واعبر المدخل وكم كان مظهري مريبا ومخيفا بالنسبة للناس وانا امشي بقميص ملطخ بالدماء وعنق مضمدة، بالإضافة إلى شعري الطويل المنسدل والمبعثر بإهمال وكأنه تعرض لشحنات كهربائية أدت إلى تنافره لتتخاصم كل خصلة مع شقيقتها الأخرى.
عندما وصلت لموقف السيارات كنت أضغط على الزر في مفتاح السيارة لأبحث عنها وأنا أتذكر انها سيارة حمراء من طراز وشركة معينة لذا بحثت بعيناي وانا أفكر بجملتها قبل قليل، عبيد للكبرياء هاه؟
لماذا قالت هذا عن إيثان؟ وأتساءل أيضا إن كان سيعود إلى منزلنا مباشرة، بذكر الأمر على أن أتصل بأمي وأطمئنها بشأني ففي الأمس فقدت وعيي ونسيت الإتصال بها. لحظة!
انا لم اتناول فطوري او غدائي حتى الآن! وفي الأمس لم أتناول عشاءي أو حتى شيء خفيف! على أن أنقذ جسدي أنا أسمعه يصرخ ويرجوني ولو بقطعة خبز متعفنة. بمجرد الإطمئنان على حالة كريس بدأت اشعر أن الهواء خفيف والإستنشاق بات أسهل بكثير.
من يصدق أنني تلك المجنونة التي كانت تصرف بطريقة هستيرية عليه!
سمعت صوت خافت للسيارة فعلمت بمكانها وركبت لأنتظر تيا، وبينما أنا أنتظرها لويت شفتي أشعر برغبة عارمة في لقاء ذلك الوغد براد والقنه درساً بنفسي ليندم على فعلته.
لن أنسى مشهد إصابة كريس طالما حييت، بل وأراهن على أنني سأحكيه لأحفادي كأول موقف مرعب أمر به!
فُتح الباب لتدخل تيا وتستقر خلف المقود فسألتها: ما الذي قاله السيد جوش؟
كل شيء على ما يرام أخبرني أنه لن يكشف الأمر للعائلة قبل ان تستقر حالة كريس كما وقع على إجراءات ليتم نقله إلى الجناح الخاص عندما يخرج من العناية. بالإضافة إلى أن الشرطة تبحث في أمر براد والأهم من هذا إلى أين أنتِ ذاهبة إن كنتِ لن تعودي إلى منزل عائلة كريس!
فكرت قليلا بحيرة، إن كنت لن أعود لمنزلي أو أذهب لمنزل السيد ماكس فأين على إنتظار عودة كريس لوعيه؟ هل انهي الأمر واعود لمنزلي وارتاح ثم اتي لهنا لاحقاً؟ ولكن تيا ستسلك طريقا طويلا بهذه الطريقة ولا أريد ان اتعبها او اهدر وقتها معي فيكفي ما حدث اليوم.
ما الذي على فعله؟
إن كنتِ تفكرين في قضاء الليلة في أحد الفنادق فانظري إلى نفسكِ جيداً، لو دخلت الفندق هكذا فسيتم استدعاء الطوارئ فوراً. تبدين وكأنك هاربة من عصابة ما.
أردفت بملل: يمكنك الإستحمام وتغيير ملابسك في شقتي.
و. ولكنك.
ابقي حتى اسأم منكِ وحسب، على أي حال ان لن أقدر على تحريك يداي أكثر لذا دعيني اتوجه إلى شقتي واصمتِ.
زميت شفتاي بتردد: لا أعلم.
لست في انتظارك رأيك.
قالتها وهي تبدأ في تحريك السيارة فنظرت إليها بطرف عيني بحيرة، من يصدق أنها تيا التي كانت تعاملني بتعجرف وتحاول استفزازي طوال الوقت! بذكر تيا القديمة. لماذا هي مختلفة معي الآن؟ بل منذ الأمس! هي لم تكن تطيقني حتى وتبدو على قيد الحياة بغرض اللعب بأعصابي أنا لن أنسى تصرفاتها! هل تكون مثل كريس تتقمص مئة شخصية مختلفة!
اقتحم عالم تساؤلاتي جسدي الذي يميل لليمين واليسار جراء تجاوزها للسيارات بسرعة فالتصقت في المقعد بذعر وهمست بريبة: ما الذي تفعلينه!
نظرت إلى ببرود وملل فانزعجتُ متسائلة وأنا أكاد اخترق المقعد: لا تجعلي الأمر يبدو وكأننا في فيلم سينمائي! هل نحن مطاردون أم ماذا؟!
علقت بتثاقل: أكره الإنتظار كثيراً، الديك مشكلة؟
بالطبع لدي! لماذا تقودين بتهور؟
أنا حرة في طريقتي بالقيادة.
حسنا كنت أتساءل عن تغيرها للتو واتضح انها تيا نفسها.!
تنهدتُ بعمق مستسلمة: افعلي ما شئتِ ولكن تأكدي من إيصالي وأنا على قيد الحياة لا أزال في الحادية والعشرون من عمري فقط.
بعد فترة اوقفتْ السيارة أمام مبنى كبير. ترجلنا من السيارة وصعدنا درجات مدخل العمارة لأتبعها إلى المصعد، ضغطت على الزر السابع وعندما دخلنا شهقت بخفة متناسية ان الإنعكاس على المرآة يعود لي! بحق الإله ما هذا المظهر المريع لا عجب ان الناس لا يكفون عن ملاحقتي بنظراتهم الهلعة!
أُغلق باب المصعد لأواصل التحديق إلى نفسي بعدم استيعاب! وجهتي منتفخ بسبب البكاء وشعري أقل ما يقال عنه أنه مجموعة من عشوش العصافير بل وكأنني أضع فوق رأسي شعرا مستعارا صُنع من القش!
نظرت إلى الضمادة على عنقي ومررت يدي عليها هامسة: هل ستترك سكينه أثراً يا ترى وأعيش بعنق مشوه؟!
اتى صوت تيا التي تبحث في حقيبتها عن شيء ما: لو كان حرقاً فسيأخذ وقتا طويلا ليختفي ولكنه جرح وليس بعميق. لا أظن بأنه يدعو للقلق.
يبدو انها وجدت ما تريد لتخرج مفتاحاً من حقيبتها وعندما فُتح المصعد خرجنا لننعطف يمينا وتفتح باب شقتها، دخلت قبلي وأضاءت الإنارة لتقول بفتور ولا مبالاة: لستِ بحاجة إلى دعوة خاصة.
أومأت برأسي وتبعتها مبتسمة بهدوء: سأكون ضيفة خفيفة.
دخلت ببطء أحدق إلى الشقة التي كانت ذات أثاث في قمة الأناقة، فما ان دخلت حتى وجدت غرفة الجلوس أمامي مباشرة وعلى اليمين يوجد ممر سلكته تيا، أغلقت الباب خلفي و أوصدته بالمفتاح لأعاود تأمل المكان. إنها غرفة الجلوس حديثة الطراز بأثاث أبيض وأسود مُزج لونهما بالزهري والبني ليعطي اندماج مريح ولطيف من الألوان.
إنها مجموعة من الأرائك وفي منتصفها عند الحائط شاشة تلفاز كبيرة رفيعة وحولها رفوف مليئة بالكتب والأقراص المدمجة وعلى جانبيها سماعات لتكبير الصوت بشكل طولي. بالإضافة إلى السجادة ذات الوبر البارز البني مؤكدة لي ان الجلوس فوقها سيكون مريحا أكثر من الأريكة بحد ذاتها.
ستظلين هنا؟
قالتها بملل فالتفتُ أنظر إليها بسرعة: آه! توصلتُ للتو فقط بأن أثاث شقتك مشابه لأثاث منزل كريس.
هو من اختار هذا الأثاث عندما رافقني لتغيير تصميم الشقة.
هكذا إذاً.
نزعت معطفها ووضعته على مرفقها لتقول بهدوء: أخرجتُ لكِ بعض الملابس، الماء ساخن فلقد قمت بتجهيزه قبل خروجي، استحمي واغتسلي من هذه الدماء. وإياك والتأخر فأنا أيضا بحاجة لأخذ حمام دافئ يريح أعصابي بعد ما حدث اليوم.
حسنا.
أشارت بيدها: غرفتي في نهاية الممر ستجدين بابها مفتوحاً.
أردفتْ مفكرة بلا حيلة وإمتعاض: لن أتمكن من إعداد العشاء كما أنها الرابعة مساءً فقط. سنتناول شيئاً خفيفاً وسأطلب من المطعم للعشاء عندما يحين الوقت.
كما تريدين. سأسرع للحمام.
في الواقع اعتراني شعور السعادة الشديد لمجرد ذكرها للطعام! فأنا اتضور جوعاً ولن أتمالك نفسي أكثر!
اتجهت لغرفتها بعد ان مررت بباب المطبخ، وجدت غرفتها مفتوحة كما وصفتها ولم أهتم بتفاصيلها لأنني بحاجة ماسة للإستحمام.
نزعت ملابسي وكنتُ حذرة أثناء الإستحمام لئلا أبلل مكان الضمادة في عنقي بقدر الإمكان. وفي أثناء وقوفي أسفل الماء الساخن لم يشأ عقلي التفكير بأي شيء، بل على العكس. كنتُ مسترخية إلى أقصى درجة شاكرة لهذه المياه لقدرتها على انتزاع التعب و تليين اعصابي.
عندما انتهيت خرجتُ الف المنشفة حول جسدي و خرجت من الحمام لأرتدي ما أخرجته تيا لي ووضعته على السرير، ناسبتني الملابس تقريبا فتيا ليست طويلة القامة أو قصيرة، بل متوسطة الطول مثلي تماما.
كنت أجفف شعري بالمنشفة عندما رأيتها تدخل الغرفة متمتمة: من الجيد أنك انتهيت، أرجو ألا تكوني قد اهدرتِ الماء الساخن كله!
ابتسمت: لا تقلقي، بالمناسبة هل لديكِ مج.
إنه هناك.
قالتها بهدوء مشيرة بعينيها إلى مكان بجانبي فارتفع حاجباي ونظرت حيث تقصد، إلى مجفف الشعر!
علقت ممازحة باستغراب: ش. شكرا يا قارئة الأفكار.
دخلتْ الحمام بينما اخذت مجفف الشعر وأسرعت بتجفيف شعري ثم قمت برفعه بإهمال وجلست على طرف السرير أغمض عيناي بتعب. أنا جائعة، ارجو ألا تطيل تيا في الحمام لأنني لن أجرؤ على طلب تناول الطعام هكذا.
مع أنني قررت هذا ولكن قدماي حركتني نحو باب الحمام لأتساءل: تيا. أنا جائعة!
أتى صوتها متثاقلاً: كنتُ أنعم بأفضل لحظة للهدوء والإسترخاء حتى سمعت صوتك. اذهبي للمطبخ وسترين طبقاً فيه بعض الشطائر قومي بتسخينها، أعدي لكِ كوبا من الشاي أو القهوة لو أردتِ. ابتعدي من هنا فقط.
ركضت نحو المطبخ ولعابي يكاد يسيل وانا افكر بالشطائر، أنا اسمع عصافير بطني تغرد بوضوح ومعدتي تتقلص بقوة.
رأيت طاولة في المطبخ أمامها كرسيان، اقتربت منها ووجدت الطبق وبدون تفكير أخذته لغرفة تيا وانا اتناول في طريقي الشطائر بنهم وعدم قدرة على الصبر أكثر، حتى أنني تجاهلت أمر تسخينه.
وبينما انا التهم الطعام وابدأ بالشطيرة الثانية لفت انتباهي الرف العلوي بجانب السرير و الذي وُضع عليه ألبوم كبير بعض الشيء.
وقفت بفضول وتناولته بحيرة. على أن استئذن أولاَ!
وضعته على السرير وتجنبت فتحه قبل ان اخبر تيا فانتظرت فترة من الوقت حتى خرجت بدورها وهي تضع المنشفة على جسدها وشعرها الأصهب القصير المبلل تتساقط منه قطرات الماء على كتفيها فتساءلتُ بفضول: ما هذا؟
البوم صور.
قالتها باستخفاف فزمجرت بإمتعاض: أوه حقاً؟ أدهشتني! اقصد. ما نوع الصور التي بداخله؟
تبدين فضولية جداً.
أ. أنا كذلك!
تحركت نحو المرآة وامسكت بالمجفف لتقول بهدوء: انها الصور التي التقطتها منذ صغري في المراحل الدراسية المختلفة حتى اليوم.
هل تسمحين لي بإلقاء نظرة؟
افعلي ما يحلو لكِ ولكن توقفي عن الثرثرة والسؤال عن كل شيء.
قالتها ببرود وهي تجلس على الكرسي المقابل للمرآة فأسرعت أستلقي على بطني، ووضعته أمامي وبدأت بتصفحه.
كانت الصفحات الأولى لتيا وهي صغيرة جدا، ابتسمت وانا اعبر بملامحي كم هي لطيفة آنذاك! لقد تغيرتْ كثيرا وباتت ملامحها أكثر حدة.
لفت انتباهي رجل ما يمسك بها ويبتسم بلطف مرتديا نظارة طبية ذو شعر أشقر فوجدت نفسي أتساءل: هل هذا والدكِ يا تيا؟!
انتظرتُ لحظات انظر إليها بترقب وهي تضع بعضاً من المرطب على يديها ثم تعاود تدليك رأسها وشعرها حتى اجابتني باختصار: نعم.
أومأتُ وعاودت أنظر إليه، من الواضح أنه كان شخص حنون وطيب القلب فلديه ملامح هادئة مسالمة جداً. لن أسألها لأنني أدرك كم سيكون صعبا الثرثرة حوله ولاسيما وأنه توفي ليتركها وحيدة وعانت كثيراً.
وبالطبع لم أرى صورة ولو واحدة لها برفقة والدتها فكما أذكر أخبرتني أنها توفيت بعد ولادتها مباشرة.
أكملت تصفح الصور حتى استوقفتني إحداها.
من الواضح أنه كريس!
لقد كانا يبدون أصغر وخمنت أنها في المرحلة الثانوية وعلى الأغلب العام الأخير! ولكن يا لها من صورة كئيبة اثارت امتعاضي واوقفتني عن مضغ الشطيرة، الا يمكنه ان يبدو مرحاً قليلا وهو يلتقطها؟ هو الآن يبتسم فما المشكلة في ذلك الوقت؟ ربما كان لا يزال يتظاهر بأنه لا يريد صداقتها ولم يسمح له عناده بالإبتسام. بلا شك. فهو كريس الذي أحبه وأدرك براعته في إظهار مشاعر غير متوقعة في لحظات غير مناسبة.
بعدها وجدت الكثير من الصور التي كانت لهما في أماكن مختلفة وتيا من تبتسم بسعادة وهي تتأبط ذراعه، وكلما تصفحت أكثر كلما ترتسم الإبتسامة على ثغر كريس شيئاً فشيئاً حتى رأيت صوراً يبتسم فيها بطريقة طبيعية.
وبينما انا منهمكة ومندمجة انهت تيا ارتداء ملابسها واقتربت لتجلس على السرير وتأخذ شطيرة لتتناولها وتلقي نظرة خاطفة إلى أي مرحلة قد وصلت.
وبينما هي تتلذذ بطعامها بهدوء وسلام افزعتها وانا اشهق بدهشة: إيثان!
عقدت حاجبيها بغيض وهي تسعل: سأقتلكِ!
آ. آسفة! ولكن.
عاودت أنظر للصورة بعدم استيعاب، فأقل ما يمكنني وصفه هو أنها وضعية حميمة جداً. إنها تقف بجانبه واضعة يدها على خصره بينما هو يحيطها بذراعيه! طرفت بعيني الخضراء ببطء وانا انقل بصري بين الصورة ووجهها الممتعض لأتساءل: هذه الوضعية.
أسرعت تقول وقد عاد الهدوء لوجهها: كان هذا منذ سنوات وانتهت علاقتنا.
هاه! هل. كنتما تتواعدان؟
اليس هذا واضحاً؟
زميت شفتاي للحظات مفكرة. تيا وإيثان؟
كيف هذا! هو حتى لم يذكر إسمها يوماً! هو لم يخفي علاقته بكريس من والداي فقط بل وحتى تيا! ما الذي يحدث تحديداً؟
بصراحة كان من الواضح انها تتمنى ألا أسألها بشأنه، بل وتنظر للجهة الأخرى بعيداً لتتفادى النظر إلى ولم يفتني الضيق والإستياء اللذان قاما ببسط عرشهما على ملامحها!
احترمت رغبتها هذه متمنية ان تتحدث من تلقاء نفسها وتخبرني بالأمر! الفضول سيقتلني ولكنني سأصبر أربعة وعشرون ساعة قبل ان اسألها. سأصبر حتى تنتهي المهلة.
بعد بضعة دقائق كنا قد جلسنا في غرفة الجلوس نشاهد التلفاز. ممسكتان بكوب من الشاي.
أخبريني.
رمقتها بتساؤل: ماذا؟
ما المشاعر التي تكنيها لكريس؟
انتفضت قليلا ولكنني أجبت أنظر للتلفاز بتوتر وبإذعان: حسناً. لا أدري إن كان على إخباركِ أو لا فأنا لا أعلم إن كنتِ ستعودين لمزاجك السيء الغريب ذاك أو ستسمرين بطريقتك هذه.
أضفت متنهدة بأسى: بعد ما حدث اليوم أدركت أن الصمت عن المشاعر أسوأ خيار وقرار قد اتخذته لا سيما وانني ظننت بأنني سأفقده وأكون سبباً في موته. لذا سأفكر قليلاً في الأمر وأرى ما على فعله.
لم تعطني إجابة واضحة. هل أعتبر إجابتك أحبه؟ .
مع الأسف.
همستُ بها وأنا أهز برأسي بتوتر، فابتسمتْ بسخرية لأحتار قليلا: ماذا؟ ما هذه النظرة!
تجاهلت سؤالي وأجابت بسؤال آخر: وهل أخبرته بمشاعرك ولو دون قصد؟! أقصد. ردة فعل قد بذرت منكِ!
لا! بالطبع لا.
قلتها محاولة ألا أتذكر أمورا كثيرة اقترفتها بحماقتي وانا امسك امامه لوحة كبيرة مكتوب عليها أنا واقعة في حبك ولكن تظاهر بأنك لم تقرأ شيئاً ! فلقد أبديت غيرتي في مرات معدودة كما كدت اتهور ذات مرة وأقبله وظننته نائماً ولكن اتضح انه ممثل عظيم يستحق جائزة الأوسكار!
لا أدري هل أصابني الجنون أم لا ولكنني وقفت أمامه مباشرة وجثيت لأمد يدي نحوه!
ما الذي سأفعله؟ أنا حتى لا اعلم! ولكن استقرت يدي على وجنته وهذا ما فاجأني.
لا زلت أحاول ان افهم ما الذي أحاول فعله! وكأن جسدي يتحرك من تلقاء نفسه ويتم التحكم به عن بعد!
وجنته باردة جداً مقارنة بيدي الدافئة! ارتخت ملامحي بشدة وانتابني ذلك الشعور مجددا ولكن هذه المرة خفقات قلبي كانت تخفق بشكل جنوني أكثر! ثم وكأن شخصا قام بالضغط على زر التحريك ليتحكم بي وقربتُ وجهي نحوه دون شعور وعندما لم تفصلني عنه مسافة تصلبت في مكاني بارتياب وكأن الزمن قد توقف لثانية عندما استوعبت أمر عينيه المفتوحتان اللتان تنظران إلى ثغري فشهقت بذعر ووقفتُ فوراً بل وأنني فقدت توازني لأسقط من أعلى هذه الدرجات القليلة لأستقر فوق رمال الشاطئ الناعمة.
لم أعر اهتماما لسقوطي بل رفعت رأسي فوراً أنظر إليه متمنية أن ما رايته كان من صنع خيالي ولكنني شعرت بالذعر وأنا أجده يحدق إلى باستخفاف شديد.
س. سحقا! ما الذي. دهاني!
هل كنت سأقبل ذلك الشيطان حقا؟ لماذا! ما الذي يحدث لي بحق السماء؟!
كنت أحدق إليه بعين متسعة حذرة وأسرعت أقف أقول بحزم وصوت عالي: إياك وأن تسيء فهمي!
عدت للواقع وانا ادفن رأسي في الوسادة وأهزها هامسة بإحراج: لم أكن أرغب في تذكر هذا لقد كان موقفي صعبا جداً. يا الهي!
شعرت بها تنظر إلى بعدم استيعاب واستغراب فأسرعت أستقيم متنهدة ومحاولة استعادة هدوئي، اسندت ظهري على الأريكة وارتشفت من الشاي بكل بساطة.
هذا غريب.
قالتها بإستخفاف فاحترت: ما الغريب!
تقولين بأنكِ لم تتصرفي معه بطريقة تظهر مشاعرك و لكنه يتحدث دائما كما لو كان واثقا جدا بأنك تحبينه. بل ومستعد لوضع رهان بأغلى ما يملك ليثبت ذلك.
ثم ضحكت بخفوت فجأة فارتفع حاجباي باستغراب بينما أكملت بإستخفاف: أعلم بأنه واثق من نفسه دائماً ولكنني أعلم جيداً بأنكِ تصرفت بحماقة تسببت في تغذية كاملة لغروره. هل أنا مخطئة؟
لويت شفتي بإستسلام: حسناً أنتِ الفائزة هل يرضيك هذا؟ نعم تهورت في بعض المرات وندمت على هذا.
ثم استوعبت أمراً لأسألها بسرعة: ماذا عنه؟ أنتِ صديقته المقربة وتعرفين الكثير من التفاصيل. ك. كيف تظنينه ينظر إلي؟ أقصد. هل حقا يكرهني كما يقول؟
أضفت بهدوء: لقد كان يتصرف معي بعدائية، وأنانية ولا مبالاة، لم أجد منه تصرف قد يجعلني أشك في كونه يكن لي ولو القليل من المشاعر أو أنه أمر سيحدث مستقبلاً، ولكن في الأمس عندما زرته في المنزل. كان يتصرف بغرابة وشعرت بانه يعاملني كما لو كان يعامل فتاة.
يحبها؟
انتفضت نافية بسرعة: لا! ربما يتملكها هي الكلمة الأنسب.
سمعتها تهمس بشرود: انه يملكك منذ تلك القبلة قبل أربعة سنوات.
انتهت جملتها. وكان المسيطر على هذه الجلسة هو صمتنا و ثرثرة التلفاز متردداً صوته في الغرفة.
لحظات من تحديق كل منا بالأخرى حتى شهقت بدهشة بينما شهقتْ هي بذعر لتقول: سيقتلني كريس!
عقدت حاجباي بعدم فهم ثم رددتُ بتعجب: لقد قلتِ قبلة أربعة سنوات. كيف تعرفين ان قبلتي الأولى كانت آنذاك! بل ما الذي تقصدينه بجملتك من أول حرف إلى آخره؟!
بدى وكأنها بدأت تحدق إلى وإلى الكوب حتى ارتخت ملامحها بأمل وراحة لتنفي: آه. علمتُ بذلك صدفة!
بالرغم من ذلك لم أستطع تصديقها.!
ولكن يوجد صدى لجملتها لا يزال يتردد في عقلي
انه يملكك منذ تلك القبلة قبل أربعة سنوات
قبل اربعة سنوات. كريس؟!
علي في المكان صوت شهقة أصدرتها أقوى من التي سبقتها ووضعت الكوب على الطاولة بقوة لتنسكب بضعة قطرات على الطاولة ونظرت إليها اطرف بعيني بذهول!
ذلك الشعور الذي انتابني بالأمس. بالتفكير بالأمر الآن لقد بدى مشابها كثيراً لتلك اللحظة قبل أربعة سنوات! لم يكن لأنني متعبة ومرهقة في كلا الموقفين. ولكن. يوجد شيء غريب كان مشابهاً تماما لذلك الموقف!
رأيتها تعض على شفتيها بتوتر فصرخت بدهشة وإندفاع: الشخص الغامض الذي سرق قبلتي الأولى كان كريس! أخبريني بأنكِ تمزحين! أرجوكِ قولي بأنكِ تمزحين معي لا فكرة لديكِ كم ستحطمين أحلامي! لا يمكنني تصديق هذا. كريس!
ولكنني تفاجأتُ بها تقول متداركة بسرعة برجاء: أرجوكِ لا تقولي بأن لساني قد زل وأخبرتك بالأمر وإلا سيلقنني درساً! ربما يدفنني حية تصرفي وكأنكِ علمتِ بالأمر وحدك!
اتسعت عيناي وكادت تخرجان من مكانهما بل وفغرت فاهي وشعرت بفكي يكاد ينخلع من وجهي ليسقط على الأرض!
غير معقول!
بل معقول! انها اللحظة ذاتها ولكن تختلف في المكان والزمان فقط! ذلك الشخص المجهول. لم يكن سوى كريس؟! حسناً تلقيتُ أقوى صفعة في حياتي.
لماذا فعل ذلك؟! ألا يدري بحق الإله كم كنت أشك في قواي العقلية وانا احسبه حلماً ثم اتراجع وأقسم بانه حقيقة؟ بل وجعلني أعيش أوهاماً كثيرة جعلت سقوطي في عالم الواقع قوياً مؤلماً! ما الذي كان يفكر به آنذاك!
للحظة انتابني شعور خيبة شديدة وألم مفاجئ في صدري لأهمس متسائلة بصوت أبح: لا تخبريني بأنه كان يرغب في استغلالي للإنتقام مني منذ ذلك الوقت!
لم تجب بل أشاحت بوجهها متظاهرة بأنها لم تسمعني! تركت مشاعر الضيق جانباً وقلتُ ببرود ارفع حاجباي بفتور: ظننت بأننا سنتحدث بصراحة وأخبركِ بشأن بعض الأمور التي تخص إيثان في فترة مواعدته لكاترين.
اجفلت تنظر إلى بدهشة لتتساءل بإندفاع ودهشة: هل هناك من يواعدها؟ تمزحين!
ابتسمتُ بخبث واقتربت منها لأجلس بجانبها وقلت بمكر: أخبركِ بشأنهما وتخبرينني بحقيقة ذلك الموقف. أعدكِ بأنني سأخفي الأمر عن كريس ولن أذكر اسمك. فقط اطفئي الحريق بداخلي وصوت التساؤلات لأنني لم أعد أحتمل! هيا لنتبادل المنفعة. اتفقنا؟
نفيت بحزم: لستُ حمقاء.
لقد وعدتك.
ظهر التردد على وجهها وهي ترمقني بشك قبل ان تزفر بقوة وتقول: نعم هذا صحيح. ذلك الشخص قبل أربعة سنوات كان كريس والآن انتِ لم تأتِ إلى شقتي أو تسمعي هذه الجملة مني مفهوم؟
مهلاَ! هل هذا كل شيء؟ أ. اقصد. كيف هذا! كنت حينها لم أبلغ الثامنة عشر حتى، كريس سيكون في الثالثة والعشرون هل هو مجنون ليقبل فتاة قاصر حينها؟
لوت شفتيها وقلبت عينيها بملل: يا الهي. انصتِ ولا تقاطعيني.
تيا:.
لم أتوقع ان اورط نفسي معها! انا واثقة بأن كريس سيشتعل غضبا لو علم بأنني من أخبرتها بالأمر ولا سيما وانه حاول جاهداً إخفاؤه عنها.
ظلت تحدق إلى بترقب وإهتمام شديد حتى اعتدلت متكتفة متظاهرة بالبرود وانا اتذكر وأعود بذاكرتي أربعة سنوات للوراء. وتحديداً أثناء مواعدتي لإيثان.
كنت أجلس بجانب كريس في السيارة، ليستقر هو خلف المقود وينظر بعينيه للمكان بحيرة ثم إلى ويتساءل: هل هذا هو المكان؟
هل هي فكرة جيدة يا كريس؟!
أضفت باستغراب: لماذا أنت مصر على زيارة إيثان في منزله! هو لا يعيش وحده على أي حال.
أجابني بهدوء: أنتما تتواعدان ولكن أمره لا يزال غامض جداً. اليس الأمر مريبا بالنسب?


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات