رواية في قبضة الامبراطور الفصل التاسع عشر 19 بقلم ميار عبدالله
في قبضة الإمبراطور
الفصل التاسع عشر
دقة أولي ودقة ثانية
ما الفرق بين الدقتين
اختلاف العمر .. نضوج ربما ؟!
ربما كان الأول ساذجًا والثانى أشد سذاجة ؟!
تنشقت عبير الصباح وهى تنظر الى النيل بشرود شديد ، خروجها من حياة سراج ... مجرد حل لم تجد بديلا عنه ، سراج متحفز بشدة لكل فعل وحركة تقوم بها ... لم تجد سوى ما فعلته ليلة أمس .. أن تنتزع نفسها من بين ذراعيه و تسحب حقيبتها التى أعدتها أمس وتغادر الى مكان لا يعلمه أحد .
فترة تحتاجها للتفكير مليًا .. سراج أصبح شخص خطرا على حياتها وقد شعرت برضوخها له ، زفرت بحرارة وهى تلمس بأناملها صندوق خشبي متوسط الحجم به جميع أوراقها.. بل مشاكلها النفسية ولم تجد سوى ورقة ترحبها بسعة صدر لتبث شكواها .
أجفلت ما إن شعرت بيد توضع على كتفها ،التفت اليه لترى نضال ينظر إليها بتبرم شديد ... زم شفتيه وقال
- هربتي ليه ؟
شعرت به يجلس بجوارها ، مستندًا بذراعيه على المقعد الخشبي و ممدا بساقيه الطويلة ، همست أسرار باختناق
- نضال .. حياتنا مينفعش تستمر بالطريقة دي
رفع نضال عيناه نحوها ليرى دمعة فرت من عينيها ، شدها بقوة اليه واحتضن وجهها بكفيه قائلا بحنق
- بصيلي يا أسرار .. خوفتى منه ؟
عضت أسرار على شفتها السفلى بحرج ، لا تعلم كيف ستكون حياتها بدون نضال .. نضال المدافع الأول والحامي لحياتها لولا الفارق العمر الذى بينهما لربما كنت له مشاعر خاصة ؟! ... يكفي انه الرجل الوحيد الذي يؤازر محنتها ... نضال بالنهاية أخ انجبته الحياة لها ، ابتسمت بمرارة شديدة
- خوف ؟ .. نضال اعتقد دي اخر كلمة ممكن تقولها ليا
زفر نضال بحنق ... تلك الغبية أخبرها بعدم موافقته للزواج من سراج ، بل كاد ان يزهق روحها حينما أخبرته قبل عقد القران بأسبوع ،مرر أنامله على خصلات شعره وهو يكاد أن ينتزع خصلات شعره من جذورها .. صاح بنبرة قاسية
- هتروحي فين ؟
هزت اسرار كتفيها بلا مبالاة ، هبطت بعيناها الى الساعة المزينة برسغها .. هذا موعد استيقاظ سراج ، أجلت حلقها واجابت
- أى حتة مبقتش فارقة كل الامكان زي بعضها
ابتسامة خبيثة شقت شفتيه وهو يرى ذلك الخوف المنجلى فى عينيها وهي تنظر الي ساعة يدها مرتين كل دقيقة ، يكفي ان تلك الحمقاء ايقظته من نومه قبل أن يكتشف كالابله مثل زوجها باختفائها بلمح البصر ، غمغم بمشاكسة
- سراج طلع مش سهل
حدجته بنظرة مميتة من عينيها الباردتين لتهمس بنبرة ذات مغزى
- وفرح كذلك ... ارجعلها يا نضال .. انت محتاج ست تحنن قسوة قلبك ومفيش غيرها
لاحظت التجهم الذى تجلى فى وجهه ،اقتربت تلمس كتفه لتشعر بتصلب جسده تحت اناملها ، همست بنبرة ناعمة
- هي الوحيدة المناسبة ليك .. تعرف تطلع شحناتك السلبية وتستحملك وتراعي شمس الغانم .. عايز ست تريحك مش ست تقعد تناكف معاها اظن ان حيلك اتهد بعد جنونك
رغم عنه ابتسم بدفء وهو ينظر الى عينيها ، هز رأسه يائسًا وهو يعلم اعتراضها على اتخاذ نهج والده ... هو لم يختار ذلك الطريق ابدًا ... بل ذلك الطريق اغراه بقوة وظن ان ما يفعله سيجعل الجميع يلتفت إليه ... يستمع إلى نصيحة من احدهم الذين امتنعوا عن تعليمه خبرات الحياة بل تركوه يتخبط بكل قسوة بمفرده ، لكن يد حانية تساعده .. تشجعه علي الوقوف دائمًا وعدم الانكسار
يد اخبرته إن وقع فليقع على ظهره
وقتها ينظر الى السماء ... ينظر إلى أعلى نقطة بإمكان عيناه المجردة الوصول إليها .. ليستطيع الوقوف مرة أخرى بصلابة وعزم شديد .
أجاب نضال بسخرية
- الحاجة الوحيدة اللي عملتها صح انها سميتها شمس
زفرت اسرار بيأس .. ذلك المجنون إن عثر على طريقها قبل اختفائها لا تضمن ردة فعله ، تخشي أم تخاف ؟ أم الأجدر بها انها تشعر بالشعورين معًا ... سراج رجل مجنون ولا تستطيع أن تأمن لردة فعله .. صاحت اسرار
- انا محتاجه امشي دلوقتي .. طولت
غامت عيناه وهو يكتم ضيقه ليقول
- متبعديش يا أسرار
- مش بإيدى
صاح بلهجة حادة وهو ينهض هو الآخر ، يسير بجوارها وهو يراها ممسكة بصندوق خشبى محتضنة إياه بقوة الى صدرها
- سراج غير ضياء يا أسرار واكيد استحالة يقبل اللى حصل
قاطعت طريقه وهى تقف بكامل جسدها أمامه لترد بحدة
- سراج هيكون بين نارين يا نضال .. مكنش بأيدى اللي عملته بس لازم يعرف هى عملت ايه فيا .. مكنتش عايزة اهز صورتها هي ف الاخر امه
اشتعلت النيران في عينىّ نضال وهو يتذكر ما فعلته تلك الشمطاء الحقيرة ، اللعنة كيف تفكر تلك الحقيرة بل كيف تجرأت وفعلتها وهي تستبيح بلحم عرضها ، غمغم نضال بقسوة
- انتى لو تسيبيني يا اسرار
ياليت ... ضياء خيب املي كثيرًا ، وأخشى رد فعل سراج ، بالنهاية هي امهما .. تمتمت بنبرة ساخرة
- اخدت حقي خلاص .. واعتقد عمره ما هيقبل أبقى على ذمته بعد اللي هيشوفوه
مدت بالصندوق إليه وهو يعلم أن الصندوق مرسل إلى سراج وما هو سوى رسول ، حمل الصندوق بيديه وقال بنبرة غامضة
- تستحقي الحب يا اسرار
غمزت بمشاكسة وهي تشير إلى قلبه
- أنت أحق بيه مني
شيعها نضال بعينه حتى صعدت الى سيارتها وانطلقت الى طريق غير بارز معالمه ، عاد يقع عينه على الصندوق وهو يفكر في عدد اللكمات التي سيتلقاها من ذلك البوهيمي !!
*******
قضت رهف يومها بصحبة جيهان ، لا تصدق ابدًا شادية وجيهان شقيقتان ؟ ... إنهما مختلفتان فر الملامح والتصرفات رغم هيئة ملابسهما المتشابهة ، لكنها تستأنس وجود الفتاتين جدًا بصحبة فريال التى اطمأنت انها عادت الى البيت مرة أخرى ، كانت جيهان تساعدها فى تلميم اشيائها من الغرفة لتستعد لوصول وقاص الى المشفي في أى لحظة كما اخبرها وعودتهما إلى القرية، صوت نقرات على الباب جعل رهف ترفع بعيناها نحو الطارق الذى هتف بصوت رخيم
-مساء الخير
صفرت جيهان ما إن أبصرت باقة الزهور وغمزت لرهف بمكر انثوي لتقول
-اهووووو نزار مشرفنا بالورود
تفاجأت رهف من وجود نزار في العاصمة بل فى المشفي تحديدًا ، نظرت الى جيهان التي تتلاعب بحاجبيها بمكر .. تعلنها صراحة أنها من جعلته يستر الى هنا ... توعدت لها رهف بشدة وهى تسمع الي تعليق نزار الحانق
-بلا غلاظة جيهان
وضعت جيهان يدها على قلبها بتأثر لصوته الشامى لتصيح بنبرة سخيفة
-انت مدوب نص البنات بلهجتك دي ...اهدى كده ووريها وش الخشب بتاع المطعم عشان تفوق
عقد نزار جبينه وهو يغمغم بصلابة
-جيهان لبرا اذا سمحتي
رفعت جيهان حاجبها ، ابتسمت بمكر ... الشيف العظيم واقع في حب تلك الغبية ، لم تراه جدي بتلك الدرجة .. كان يستطيع أن يرسم أعلى درجات ضبط النفس أمام سماجتها لكن الأن
السيد متشوق للانفراد بأميرته ، مصمصت شفتيها وصاحت بتبرم
-ايه لزمة لو سمحتي بعد تهزيئك
أجلت رهف حلقها و همست بنبرة جادة الي جيهان
-جيهان
زفرت جيهان وهي ترسم الغضب لكن داخلها يكاد يرقص سعادة ، امسكت بهاتفها الذي وضعته جانبًا لتقول بنبرة متهكمة وهي ترمق نزار بضيق
-افضي المكان للحبايب لما نشوف حد هيتحرك فيكم ولا نقعد سنتين عقبال مااشوف ابو الهول ينطق
أبتسم نزار ما إن وصلته رسالتها ، رأى تلك الشعلة المتمردة في عيني جيهان ما ان علمت انها لم تستفزه بقدر المستطاع كما حدث منذ قليل ، تنفس الصعداء ما إن غادرت واغلقت الباب خلفها لينظر نزار إلى رهف وعيناه بهما اسفًا ليقول وهو يقدم باقة الزهور إليها
- حمدلله علي السلامة
تلعثمت وقد تخضب وجهها من الخجل لتهمس
-الله يسلمك
لا يعلم نزار كيف قدم إلى هنا ؟ .. هاتف شادية متسائلا عن حالة رهف وسبب تغيبها عن العمل ، لتأتيه الصاعقة حينما أخبرته بايجاز ان حادث قد وقع لها ... لم تفسر له وهى تخبره أنها فى طريقها للمطار ، لذا لم يجد سوى الاتصال بـ جيهان التى تصنعت البكاء الهستيري وهى تخبره عن وجودها فى العناية المركزة ... ذلك الخبر جعل قلبه يختض بعنف وضيق شديد أعتري صدره ... شيء عنيف يكتم انفاسه ، لا يعلم كيف جاء إلى هنا ؟ لا يتذكر أي شيء ... كل ما فعله أنه قدم على وجه السرعة ملبى نداء قلب يصرخ بقوة نحو المشفى سائلا عن اسمها في مكتب الاستقبال ليخبره عن رقم غرفتها ، ما إن استعلم حالتها بتفحص وهو يكتشف أن ذراعها قد خلع عن موضعه ، خر ساقطًا على أقرب مقعد وهو يلتقط انفاسه بصعوبة و صوت لهاثه يتردد في أذنيه.
وقتًا طويلا مر عليه وهو يحاول تجميع ما تشتت منه قبل أن يغادر المشفى لاقرب محل زهور ويعود بباقة مناسبة ، تنهد وهو يكتم ما يجيش فى صدره وهو يراها تفرك يديها بقوة ، صاح بنبرة ماكرة
-طبعا مرتاحة لا عندك طبخ ولا نفخ "مشغلة"
يعلم كيف يضغط على زر الاشتعال عندها ، توقفت يداها عن الفرك لترفع عيناها تنظر اليه بجنون
-بتقر يعني
ابتسم بخفة وقال بنبرة هادئة
-لا سمح الله مو هيك القصد ...بس بظن انك مرتاحة بغيابك من المطعم
تهكمت ملامح رهف وهي تضع ساعديها على صدرها قائلة
-انت معترف يعني أنك انسان متسلط وعايز ...
رأت ذلك الجنون في عينيه الراكدتين ، جنونًا مريبًا أرسل قشعريرة لسائر اطراف جسدها وهى تستمع إلى صوته الرخيم
- شو ؟
ترددت وهى تسدل اهدابها ،تخفي تأثيرها جيدًا منه .. تعلم أن عيناها تفضحانها دوما ، لتهمس
-بلاش لان فيها قطع رقاب
انفجر نزار ضاحكًا وهو لا يصدق تلك .. تخشي منه ، يشعر بها كلما يتقرب خطوة تعود للخلف ، خفت ضحكاته ما ان استمع الى تعليقها الجريء
-ضحكتك حلوة بدل ما تكشر وتـ....
ظهرت لمعة فى عينيه الراكدة ، عضت على شفتها السفلى بتوتر وهي تقول بصراحة
- مش بعاكس ولا بجامل بقول الحقيقة
انفجر نزار مقهقهًا ... تلك المرأة تنتقم منه ، تذكر أنه مدح جمالها فى حفل زفاف شقيقها ، اسدل اهدابه وهو يخفي تأثيره عليها ليغمغم
- ليش حاسس اني سمعت هالكلام قبل هيك
في الخارج ،،،
كانت بيسان تتلصص عليهما ، لا تصدق انه جاء للعاصمة من أجل تلك الفتاة وهى تظن أن أمر جلل جعله يأتي إلى هنا لتتبعه هى بسيارتها دون أن يشعر بها ... يجب أن تخبر والدتها وخالتها بتعجيل مراسم تلك الخطبة المزعومة ، توعدت لرهف بالكثير وهى لن تجعلها تأخذ نزار منها
نزار لها هى فقط ، اجفلت على شخص وضع يده على كتفها ، استدارت لتقع عيناها على جيهان .. الفتاة اللامعة ، تآكلها الحنق و جيهان تحاول تذكر ملامح تلك المرأة
- يا آنسه في حاجه ؟
تمتمت بيسان بغيظ شديد
- مفيش
رفعت جيهان حاجبها وقالت وهي تعقد ذراعيها علي صدرها
- بتدوري على حد ؟
هربت بيسان من امامها وهي تركض فارة منها ، جعدت جيهان جبينها ... ذلك الوجه لا تعلم لما تتذكره جيدًا ؟!! ، القت نظرة عابرة عبر الزجاج وهى تري الانسجام السحري بينهما .. تنهدت زافرة بحرارة وهى تبعثر خصلات شعرها الفضية ، ترى من هو الرجل سيكون مدله بحبها وعيناه لا تحيد عنها ، تعرف فقط هويته و تقسم أنها لن تتركه من يديها ... فجاة شهقت بقوة ما إن تذكرت هوية تلك الفتاة
- البت دي مش غريبة عليا ... البت الملزقة للواد الملزق
عينا الفتاة كان بهما شررًا ناريًا ، انقبض قلبها وهي تهمس بتوتر
- مش مطمنة
******
الأمر الذى اتخذته لاعادة بناء حياتها كان بمساعدة اسيا، اسيا التي ضمتها تحت جناحها وهى تخبرها عن النظام العمل المكتبي المختلف نهائيًا عن مضيفة الطيران ، رغم أن الأمر مملا بعض الشيء ... لكن هذا العمل اتخذته تحدي لها وله.
يجب أن تثبت له ان غيابها لإعادة تكوين نفسها ... يجب أن تعود محاربة لساحة المعركة مرة أخرى .
لكن اليوم الذى جعل سعادتها تنقلب منذ أن علمت بمجيء شقيقته إلى عنوان مكتبها ، لا تعلم كيف حصلت على العنوان ... لكنها ما يهم أنها هنا الآن، رغمًا عنها تفحصت مارية ملامح شادية السمراء المشابه لسمار بشرة ماهر ويعود ذلك فضلا لطبيعة الطقس فى موطن والدها .. عيناها البندقية تشبههان عيناه كثيرًا وإن كانت عيناه بهما غلظة وقسوة مغلفة ... ضيفتها بكوب من القهوة وانتظرت سماع ما جاءت إليه ....
ما إن القت شادية قنبلتها حتى هبت مارية واقفة ، زمت شفتيها منفجرة بجنون
- هو اتجنن
ارتشفت شادية القهوة وهى تستمتع بمذاقها ، لتقول بجدية
- كان لازم تعرفي بأي شكل ... بلاش غباء منك وروحي رجعيه
تعثرت و وتقهقرت جيوشها النارية ، ارتمت على المقعد خائرة القوى لتهمس بتردد
- لكن ... !!
وضعت شادية قدح القهوة على الطاولة المستديرة التي أمامها لتقوم من مجلسها وهى تقترب من مارية تشدد من أزرها ، صاحت بصلابة
- ماهر لو مرجعش ليكي ... مش هيبص في وشك
تجمعت الدموع فى مقلتيها حتى تشوشت الرؤية ، ضيق تنفس اعتراها وهى تحاول ان تلتقط أنفاسها بصعوبة ، انحدرت الدموع دون أدنى تحفظ وهى تهمس بحشرجة
- شادية انا
تنهدت شادية وهى تزفر بيأس ، تلك المرأة تحتاج من ينتشلها من تخبطاتها وليست هى من تشد ماهر ، سحبت حقيبتها وهى تفتحها تخرج بطاقة دعوة الخطبة
- واضح انى افتكرت انك بتحبيه .. وخسارة انى جيت هنا بدون فايدة
وضعت البطاقة بين يديها لتقول بجدية
- ده كارت دعوة الخطوبة ... فكري معندكيش غير ايام محدودة
غادرت شادية وبقت مارية تحدق في بطاقة الذهبية بشرود ... تأملت البطاقة وهي تود أن تمزق البطاقة وهو إربًا ، همست بإنهيار
- يعني انا اصلح من نفسى علشان استحقه يختار أول ست تجيله
صدر صوت شقيقتها آسيا الساخر
- مارية متبقيش غبية .. اخته لو محستش ان اخوها بيحبك مكنتش جت
رفعت مارية عيناها تتطلع إلى شموخ شقيقتها وعنفوانها ، ملامح اسيا كانت تشبهها إلى حد كبير قبل أن تتعرف علي نضال ، بل قبل أن يكسرها ... تلعثمت وهى تجفف دموعها بكف يديها قائلة
- لكن
سحبت آسيا البطاقة وهى تنظر الى ميعاد الخطبة المزعومة ، تبرمت شفتى آسيا وقالت بتهكم
- الخطوبة فاضلها ايام .. العريس مستعجل انه يتخلص منك باسرع وقت
شعلة نار اشتعلت في فؤادها ، ماجت عيناها الشبيهة بعيني القطط وهي تنظر الي آسيا لتهب من مجلسها قائلة
- مش هسيبه ليها .. ماهر ليا انا
ستعود إلى أرض العاصمة ، ذلك النذل الجبان ستريه كيف يختار إمرأة غيرها وقلبه يستسلم بإرادته لها .
*****
استمع نضال الى صوت جلبة فى الخارج وصوت إعتراض سكرتيرته الحازمة من الدخول إلى مكتبه سابق ميعاد ، مما جعل نضال يترك أوراق العمل و قام من مقعده وهو يعد سرًا ... ثلاثة .. إثنان ... واحد
بدأ العرض ..
اقتحم سراج باب مكتبه وهو يلهث من فرط النيران المندلعة في صدره ، وضع نضال كفيه فى جيب بنطاله وهو يشير بحزم بالخروج الى السكرتيرة التي قدمت خلفه وملامح الأسف يعتري وجهها، خرجت وأغلقت الباب خلفها لتعود الي مكتبها .
عينان متوعدة وأخرى ساخرة ، الاولى تخرج لهيبًا والثانية مستمتعة بالعرض السيرك المقدم له ، اقترب سراج وهو يمسكه من تلابيب سترته بحزم شديد لينفجر في وجهه هادرًا
- هي فييييييييين
ابتسامة ساخرة زينت ثغره وهو يرفع يداه ليزيح قبضة سراج قائلاً
- اهدي يا وحش ورق اعصابك ، لولا اني مقدر ظروفك كنت عملت تصرف تاني
رفع سراج قبضة يديه وهو علي وشك لكم ذلك الأحمق ، ابيضت شفتاه وهو ينفجر في وجهه
- نضااال بلاش تستفزني انت مش قدي
قابله برود يذكره ببرود إمرأته ، سبها بداخله وسب ذلك الأحمق الذي أمامه ، تلك المرأة جعلته يبحث عنها كالمجنون في منزل عائلة عمها التي استقبلت الخبر بصدمة ، يعلم أن نضال هو الوحيد المقرب لها من عائلتها ، ولكم يمقت مجيئه إلى ذلك الماجن .
ذلك الرجل يذكره دائمًا بأيام شبابه الطائشة ، يتذكر ايام عربدته ، زفر قائلا بنفاذ صبر
- فين اسرااار ؟
أجاب نضال ببرود
- معرفش
عاد سراج يتمسك بكمي قميص نضال الباهظ الثمن لينفجر في وجهه صائحًا
- بقولك راحت فين
غمغم نضال بجمود
- انت جاي تفش غلك فيا ... روح شوف مراتك راحت فين
كز سراج علي اسنانه وهو ينفجر بغضب
- انت الوحيد المقرب ليها .. يا اخى نفسي افهم علاقتكم ببعض ازاى
رأي لمعة التسلية فى عينىّ نضال ليهمس نضال بمكر
- عايز تعرف مسمي علاقتنا يعنى ؟
لكمه سراج بقوة علي جانب وجهه ، مما جعل جسد نضال يتراجع عدة خطوات للخلف اثر قبضة سراج ، لمس نضال موضع القبضة وهو ينظر إليه بشراسة شديدة ... يستطيع أن يحول ذلك المكتب لحلبة مصارعة ، لكن يوجد ما هو أهم .. اقترب نحو مكتبه وهو يأخذ صندوق أسرار ليقول بنبرة غامضة
- بعتتلى هدية مخصوص ليك
نظر سراج بحاجبين معقودين الى الصندوق الخشبى الذي رآه قبلاً ، تناول منه الصندوق وهو يقول
- ايه ده
غمغم نضال بلا مبالاة
- شوفها
ازدرد لعاب سراج ، يخشى أن داخل الصندوق به مصيبة ... بل كارثة ستحل على سماء الجميع !!!
******
تمللت فريال فى نومها بعد تلك الليلة العصيبة ، تتذكر استيقاظها من الكوابيس المفزعة لكن ذراع حانية كانت تطمئنها وتبث لروحها إطمئنانًا لم تستأنه قبلاً ، فتحت جفنيها بنعاس شديد ليقابلها عينان شديدة الحلكة ، اتسعت عيناها البنية بجحوظ وهى تعتدل في رقدتها لتهمس بصوت ابح
- وقاص
وكأنه وجد متنفس لغضبه ، كان يراقب استسلامها للنوم لمدة ثلاث ليالى فى فراشهما ، وكأنها تهرب من واقعها ، تلك الغبية المغفلة تشجعت امام ذلك الجرذ لساعة أو ساعتين ، والساذجة الأخرى جيهان التى أقرت بكل شيء عندما لم تستطيع اقتفاء أثرها ، ابتسم بشراسة وقال
- اخدتي حقك بايدك .. استريحتي كدا .. نارك بردت
ازدردت ريقها بتوتر وهي ترى أنامله تنغرس في لحم جسدها ، تأوهت بوهن هامسة
- وقاص
حدجها بنظرة مميتة جعل لسانها ينخرس لتطبق شفتيها وهي تراه ينتفض قائمًا من الفراش وكأنه يشعر بالقرف منها !!
- ريحي انتي تعبانة ، رايح اشوف رهف
انتفضت من مضجعها وهي تتمسك به ، رباااه تخشى أن يهجرها ، لن تتحمل هجره ابدًا ... يكفي تلك الكلمات المطمئنة التى كان يبثها فى داخلها كلما استيقظت من كابوس يؤرق مضجعها ، سدت عنه الطريق وهي تهمس بتوسل
- وقاص اسمعني
لن يسامحها على ما فعلته ، لن يسامحها ابدًا ، قبض على ذراعها بخشونة وهو يقربها منه حتى اصطدمت بنيتها الضعيفة ببنيته الضخمة ، ارتعبت وارتجف جسدها بشوق وهي تسمعه يصيح بلهجة مميتة
- قولتلك حقك وهجيبهولك ... ممكن تقوليلي ايه كان هيجرى لو بنت خالك مبلغتنيش باللى حصل... ممكن تفهميني ايه هيحصل، للدرجة مش واثقة فيا
أهانت رجولته وجرحت كبريائه بفعلتها ، عضت شفتها السفلى وهي تحارب الدموع التي تجمعت في عيناها ، لمست وجهه بكفيها وقالت
- وقاص ابدا .. انا واثقة بيك جدا والله ، بس انا عارفة لو اخدت الخطوة قبلي ووصلتله عمري ما هحس اني اخدت حقي
لفحت انفاسًا ساخنة وهى ترى شحوب وجهه وشفتيه التي ابيضتا وقبضة يداه اللذان يحاربهما بقوة كى لا يدك عنقها ، همست باستجداء
- انتي علمتني يعني ايه الدفا من جديد ... علمتني الحب يا قاص والحنية .. مشاعر كتير ادفنت جوايا انت أحيتها من جديد
هز راسه ساخرًا ، هو المصلح النفسي إذا لها ، شعر بالاختناق الى ما توصل اليه ... انتزع يديها وقال بجمود
- لطاما كل واحد بيعرف ياخد حقه بايده ، ظهرتى ليه قدامي
سارعت تقاطعه
- لان انا عايزاك ومحتجالك جدا
لم تعترف بحبها ، ما تشعره نحوه لم يصل للحب اطلاقا ، هز وقاص رأسه وهو يفكر بسخرية ... هل تتوقع تلك الساحرة أن تحل من جديد ؟ .. سخر وهو يقول
- وايه كمان ؟
تلعثمت وهي تري توحش عيناه ، لا تعلم لما شعرت ان ما ستقوله لن يعجبه
- قلبك ده يقدر يدفى قلوب اللى حواليك
ابتسم بسخرية وهو يمسك عضدها يسحبها اليه بقوة ليهمس بخطورة
- وانا ؟
اتسعت عيناها و ارتجفت اوصالها وهو يقول
- انا مين يقدر يصلح غلطاتى ... يقبل عيوبى
بهت وجهها وهى تفكر فى إبعاد ما قاله ، أي عيوب وغلطات يتحدث عنها ؟! تمتمت بارتجاف
- وقاص انا معاك يا حبيبي .. فكرت كتير وخوفت اقولك تيجى تحبسني هنا ، كان لازم اطلع خوفي وقهرتي
صدر ضحكة خشنة وهو يهمس بخطورة
- تعرفيني كويس يا فريال
امتنعت عن الرد وهي تنظر اليه بتفحص ، تحاول استكشاف كلماته الغامضة ، تحاول ان تراه بصورة مختلفة .. كيف تضعه فى صورة أخرى ؟! .. نظرت الى عينيه بشرود لتجده يقول
- انا مش بصورة ملاك زي ما انتي متخيله
ثم تركها .. بل نبذها بالمعني الحرفي لتنظر الى الباب الذى خرج منه بشرود .. ماذا يقصد ؟!
*******
تنفس سراج بحدة وهو ينظر الى الصندوق الخشبى الصغير ، لا يعلم لما هو غير مطمئن اطلاقا .. حك ذقنه وقد حسم امره وهو يفتح الصندوق .. أخرج الاوراق وهو يراهم مرتبين ومتدرجين فى الالوان من الأقدم إلى الأحدث .. أمسك ورقة تحولت صفراء بفعل الزمن وهو يقرأ بصوت مسموع لما كتبته ، يبدو الخط طفولي بعض الشيء
" رأيته صدفة فى النادى بملامحه الخشنة وغرته التى تسقط على جبهته مما اضاف العبثية لملامحه.. فتاة بطبعى لا تستطيع أن تلفت انتباه شابًا جريئًا مثله ، حتى أنا لم أقدر على لفت انتباه لقلة خبرتى لكن حينما رأيته ينتقل من إمرأة لأخرى فى النادى علمت أنه ليس أميرى المناسب "
عبس وعقد جبينه وهو يترك الورقة وسحب التى تليها ، ليتلهم سطور كلماتها
" أتذكر رؤيته حينما كنت فى حفلة النادى .. كنت ارتدى العوينات ويداه كانت ملتفة حول خصر امرأة شقراء ، كنت أنا بالنسبة للمرأة لا شيء .. لا اعلم كيف مراهقتي الغبية إنجذبت إلى رجل عابث مثله !!! "
ازدرد ريق سراج وهو لا يدع عقله التفكير للحظة ، سحب الورقة التى تليها
" نضجت وكبرت .. إكتشفت ان الحياة ليست بالوردية التى توقعتها ، بل يوجد ما هو أهم وأولها الدراسة ، اجتهدت كثيرًا وانا ادفن انثوتى التى تتصارع كثيرًا للخروج .. دفنتها حية وانا اتطلع الى المستقبل .. مرحى لقد نجحت "
دلك سراج عنقه وهو يزفر بحنق ، كظم غيظه وهو يسحب الورقة التى تليها
" لم اتوقع أن القدر يسخر مني لتلك الدرجة ، نعم قررت ان اترك جانبى العاطفى جانبًا لكن أن اراه مجددًا فى حفلة خطبتى !!.. لقاء عابر من عينيه العابثة ، رأيت نظرة الإعجاب تلمع فى عينيه ليتفشى بداخلى غرور انثوي لكنني وئدت ما شعرت به ما إن هبطت عيناى على خاتم خطبتي ، فخطيبي لا يستحق الخيانة ابدًا وقلت الحياة ستعوضني خيرًا !! "
زمجر سراج بوحشية ... تلك ... كيف .. كيف لم يشعر .. كيف لم يشعر بوجودها ، رباااه كيف ... سحب ورقة أخرى وهو يلمس اثار دموع من صاحبة الرسالة .. دمعات استقبلتها الورق واحتضنتها عندما علمت أنها الملجأ الوحيد للتنفس عن وحدتها ومشاركة مشاعرها المرهفة
" تزوجت خطيبى .. دفنت مشاعر المراهقة ، نعم استطعت ونجحت نجاحًا ساحقًا ،كنت مجرد سلعة .. عمى اعتبرني بضاعة يتاجر بها امام الجميع ، لم اعترض .. لكن نظرات حماتى هى أكثر ما رعبتني .. توقعت انني سأحصل على الراحة لكنه كان مجرد باب من أبواب الجحيم "
تهدجت انفاس سراج وهو يغمض جفنيه للحظات ... مصرًا على المتابعة ، أعطته تلك الاوراق لانها تعلم انها لن تستطيع أن تواجهه ...... تلك الماكرة، سحب ورقة أخرى وهو ينهش حروفها وكلماتها
" إهانة تلقيت ... حاولت المعاملة بالحسنى لكنها رفضت ، تعاملنى وكأننى لا ارقى لطبقتها الراقية ، اتهامات باطلة ألقتها فى وجهى .. وزوجي كان يصدقها ، الذى من المفترض أن يكون الحامى الخاص بى تركنى !!! "
اجلي حلقه وهو يسحب ورقة أخرى
" صدمة أودت بحياة زوجي بسببها هى ، بسبب اصرارها على تركِ للمنزل .. كانت تريد منى الخروج لكن إلى أين سأرحل وانا لن اجد من يتلقفني بذراعيه يخبرنى انه معى دائمًا وابدا ؟!! "
تحشرج صوت سراج وهو يمسح دمعة فارة من عينيه
- يالله
تابع قراءة ورقة أخرى ... حروف كلماتها كانت سريعة وكأنها تفش حنقها ومقتها فى الورقة التى تحملت قسوتها
" صبرت كثيرًا حتى بلغ صبرى متنهاه ، ما قالته فى حقي .. اننى مجرد امراة فاسقة تتنقل من فراش لآخر من شركاء زوجى .. بل تلصصت على وانا فى مركز السيدات لتجعل شخصًا يلتقط صورًا فاضحة وترسلها الى زوجي الذى من صدمته لم يتحمل وقضى أيامه الاخيرة فى العناية المركزة .. لذا بدأت انتقامى الخاص "
اتسعت عيناه بذهول ... صدمة جعلته يعيد ما كتبته ، والدته بعثت شخصًا خلفها ليأخذ صورًا لها وتبعث الصور لأخيه ... لا يتصور حقد والدته يصل بها إلى تلك الطريقة .. سحب ورقة أخرى وهو يقرأ ما بها
" عذرًا ورقتي اهملتك كثيرًا لكن لم يكن شيء جديد فى حياتى أخبرك به إلا اننى تزوجته ، القدر عاد يسخر منى من جديد وهو يعيدني اليه ... رغمًا عنى تأثرت به ، منذ اعوام وانا صغيرة بلهاء انتظره ان يلقي بنظرة ولو خاصة لى ، لكن هو كما هو ... رغم الشيب الذي بدأ يغزو شعره الا هو إنه رأيته سابقًا بوهيمى .. شهواني يرغب امرأة تدفء فراشه لا أكثر "
شهواني !!! حدق سراج فى تلك الكلمة ، أهذا ما استطاعت أن تصفه به منذ أن اقترب منها ؟! ... زم سراج شفتيه ورغم عنه دقة خائنة فى قلبه وهو يرى كلمات عشقها المتوارية وكأنها تخجل الاعتراف بها ، رباااه صاح بها سراج ، ملكة الجليد تحبه منذ مراهقتها التعيسة ..
عقد جبينه بضيق وهو يرى أنه سحب آخر ورقة ، قرأ رسالتها
" سراج .. لم اجد سوى تلك الاوراق لتعرف عنى كما رغبت ، لا تسألني لما بعثتها الآن .. يوجد أوراقى الأخرى خاصة لشيراز هانم اعتقد ان مشاعري لها الاجدر بى ان احتفظ بها لنفسي ، إهمالي لحرف الراء لانني كنت اعاني منذ فترة طفولتى حتى مراهقتى لنطق حرف الراء بوضوح ، لكن عزمت على النطق بالحروف الصحيحة وإعطاء كل حرف حقه ونجحت مثل سلسلة نجاحات عملي ، اخترت تلك النهاية لأنها الأفضل لى ولك ... ارجو ان ترسل ورقة طلاقى لنضال .. أعرف كيف ساتواصل معه ، أشكرك على الايام السابقة سراج وحظًا موقفًا لعملك الذي تحبه بشغف .. سأشق طريقًا آخر بعيدًا عن الجميع ولا أعلم ماذا يخبئه القدر لى من أشخاص آخريين"
استقام سراج من جلسته ، نضال ... تريده ان يطلقها ويرسل الورقة لنضال لتصل إليها ، ذرع الارض جيئة وذهابا وهو يفكر فى الأشخاص الآخرين ، كم رجلا تقصد ؟؟ الكثير صحيح !! .. تلك المرأة تستطيع أن تجعل الرجال يلفوا أعناقهم لرؤية فتنتها التى تظهرها بكل وقاحة ... صاح بتوعد
- اجيبك يا اسرار واقسملك ما هخليكي تشوفي نور الشمس إلا بإذنى
*****
لا تصدق فرح اتصال تلك صاحبة عمل المشبوهة بها ، تخبرها بوجود زبون خاص ... لقد هددتها واخبرتها ان ستفضحها فى منطقتها وجيرانها إن لم تأتي .
وها هي الآن تقف أمامها مذلولة ... تعلم أن طريق العهر يناسبها ويناسب شخصيتها ، هذا ما تستحقه للحصول على المال الوفير ونسيانه
تمتمت فرح الى صاحبة العمل ، السيدة الأربعينية عابسة الوجه وهى تحاول أن تعدل قرارها
- انا قولتلك انها كام اسبوع واجيلك
نعم مجرد ايام لتنهي أيام عدتها وتلتفت الى عملها الجديد ، نظرت اليها صاحبة الشقة وهى تتفحصها بضيق
- والله يا عنيا انتى اللي جيتي هنا وطلبتي الشغلانة ، ومحدش ضربك على ايدك وقالك تعالى
عضت فرح على شفتها السفلى وهي تنظر الى الرجل الذي خرج من الغرفة مغلقًا سحاب بنطاله والمرأة تتبعه خلفه وشرشف بالكاد يغطي عريها ، كانت على وشك التقيؤ وهي تجد أن تلك المرأة تقترب من سيدة الشقة تعطيها المال لتغمز المرأة بشقاوة فى حديث أعين لا تعلمه ، تمتمت فرح بقلق
- لكن ... !!
اعترضت السيدة قائلة وهي تصيح بلهجة حادة
- بدون لكن يا عنيا الزبون مستنيكى على نار من اول ما شاف صورتك ، شرفيني وارفعي راسنا وانتى وشطارتك بقي في السعر ، الزبون لازم يتكيف
همت بالرفض لكن وجدت رجلاً غليظًا سحب ذراعها متوجهًا بها الى احدى الغرف ، تسمع الى ضحكات خليعة ورقص بذيء من النساء للرجال لتبتلع ريقها وهي تنساق كالشاة إلى الذبح حينما دفعها الرجل إلى غرفة وأوصد الباب ليمنع عنها الفرار .
اختنقت أنفاسها وهي تنظر الى الغرفة تتفحص اضائتها الخافتة التى منعتها من رؤية الرجل لترى ظله وهو يقف مواجها لها ، ارتعدت أوصالها واصوات الضحكات الخليعة من الخارج تصلها ، أصوات السباب اللاذع يصلها بكل وضوح ... جحظت عيناها وكتمت شهقتها حينما استمعت إلى أصوات رجل وإمرأة في الغرفة التي بجوارها يصل هو الآخر بوضوح ، لا تعلم لما حاسة اذنها تعمل بقوة لكنها لم تنتبه سوي لنبرة الرجل
- اقلعى
اطلقت صرخة ثم كتمتها بكف يدها وهي تعود للخلف عدة خطوات، صوت الضحكات الخليعة تطن اذنيها .. شل عقلها وجسدها عن العمل وهى تهمس بإضطراب
- ايه؟
- احنا لسه هنتكلم بقولك اقلعي .. خليني أشوف سعرك يستاهل ولا لأ
صوت الرجل لم تستطيع أن تميزه وصوت الطنين فى اذنها بدأ يزعجها ، علمت انها فى كارثة .. كارثة سقطت فيه بغبائها ، انتفضت ما إن استمعت الى تعليق الرجل
- واضح انك بتيجي بالطريقة التانية وماله ، خلينا فى العنف
ودت الصراخ .. لكن لسانها ألجم بطريقة فظيعة وهى تشعر بإقتراب ظله الضخم نحوها ، سيأكلها ... سيفترسها حية .. غمغمت اسمه بضياع
- نضال
انفاس حارقة لسعت بشرتها وهى تشعر بانامله تتجرأ للمس مفاتنها ، عضت على شفتيها وهي تنكس وجهها ارضًا .. نزع بلوزتها والقاها ارضًا وانامله اتجهت نحو البنطال ليفتح سروالها ، دس بوجهه فى عنقها وهو يتنفس عطر جسدها بنشوة ..
لا تشعر .. لا تتحرك ..كل أجهزتها ومراكز الحس والشعور توقفت عن العمل ، هي غير قادرة على الاستيعاب أن رجلا يلمسها ، قبلاته تتناثر علي طول جيدها لتسمع صوته الساخر وهو يهمس في اذنها بإغواء
- الصراحة ازعل جدًا انك قدرتى تنسينى بالشكل ده
يتبع...
الفصل التاسع عشر
دقة أولي ودقة ثانية
ما الفرق بين الدقتين
اختلاف العمر .. نضوج ربما ؟!
ربما كان الأول ساذجًا والثانى أشد سذاجة ؟!
تنشقت عبير الصباح وهى تنظر الى النيل بشرود شديد ، خروجها من حياة سراج ... مجرد حل لم تجد بديلا عنه ، سراج متحفز بشدة لكل فعل وحركة تقوم بها ... لم تجد سوى ما فعلته ليلة أمس .. أن تنتزع نفسها من بين ذراعيه و تسحب حقيبتها التى أعدتها أمس وتغادر الى مكان لا يعلمه أحد .
فترة تحتاجها للتفكير مليًا .. سراج أصبح شخص خطرا على حياتها وقد شعرت برضوخها له ، زفرت بحرارة وهى تلمس بأناملها صندوق خشبي متوسط الحجم به جميع أوراقها.. بل مشاكلها النفسية ولم تجد سوى ورقة ترحبها بسعة صدر لتبث شكواها .
أجفلت ما إن شعرت بيد توضع على كتفها ،التفت اليه لترى نضال ينظر إليها بتبرم شديد ... زم شفتيه وقال
- هربتي ليه ؟
شعرت به يجلس بجوارها ، مستندًا بذراعيه على المقعد الخشبي و ممدا بساقيه الطويلة ، همست أسرار باختناق
- نضال .. حياتنا مينفعش تستمر بالطريقة دي
رفع نضال عيناه نحوها ليرى دمعة فرت من عينيها ، شدها بقوة اليه واحتضن وجهها بكفيه قائلا بحنق
- بصيلي يا أسرار .. خوفتى منه ؟
عضت أسرار على شفتها السفلى بحرج ، لا تعلم كيف ستكون حياتها بدون نضال .. نضال المدافع الأول والحامي لحياتها لولا الفارق العمر الذى بينهما لربما كنت له مشاعر خاصة ؟! ... يكفي انه الرجل الوحيد الذي يؤازر محنتها ... نضال بالنهاية أخ انجبته الحياة لها ، ابتسمت بمرارة شديدة
- خوف ؟ .. نضال اعتقد دي اخر كلمة ممكن تقولها ليا
زفر نضال بحنق ... تلك الغبية أخبرها بعدم موافقته للزواج من سراج ، بل كاد ان يزهق روحها حينما أخبرته قبل عقد القران بأسبوع ،مرر أنامله على خصلات شعره وهو يكاد أن ينتزع خصلات شعره من جذورها .. صاح بنبرة قاسية
- هتروحي فين ؟
هزت اسرار كتفيها بلا مبالاة ، هبطت بعيناها الى الساعة المزينة برسغها .. هذا موعد استيقاظ سراج ، أجلت حلقها واجابت
- أى حتة مبقتش فارقة كل الامكان زي بعضها
ابتسامة خبيثة شقت شفتيه وهو يرى ذلك الخوف المنجلى فى عينيها وهي تنظر الي ساعة يدها مرتين كل دقيقة ، يكفي ان تلك الحمقاء ايقظته من نومه قبل أن يكتشف كالابله مثل زوجها باختفائها بلمح البصر ، غمغم بمشاكسة
- سراج طلع مش سهل
حدجته بنظرة مميتة من عينيها الباردتين لتهمس بنبرة ذات مغزى
- وفرح كذلك ... ارجعلها يا نضال .. انت محتاج ست تحنن قسوة قلبك ومفيش غيرها
لاحظت التجهم الذى تجلى فى وجهه ،اقتربت تلمس كتفه لتشعر بتصلب جسده تحت اناملها ، همست بنبرة ناعمة
- هي الوحيدة المناسبة ليك .. تعرف تطلع شحناتك السلبية وتستحملك وتراعي شمس الغانم .. عايز ست تريحك مش ست تقعد تناكف معاها اظن ان حيلك اتهد بعد جنونك
رغم عنه ابتسم بدفء وهو ينظر الى عينيها ، هز رأسه يائسًا وهو يعلم اعتراضها على اتخاذ نهج والده ... هو لم يختار ذلك الطريق ابدًا ... بل ذلك الطريق اغراه بقوة وظن ان ما يفعله سيجعل الجميع يلتفت إليه ... يستمع إلى نصيحة من احدهم الذين امتنعوا عن تعليمه خبرات الحياة بل تركوه يتخبط بكل قسوة بمفرده ، لكن يد حانية تساعده .. تشجعه علي الوقوف دائمًا وعدم الانكسار
يد اخبرته إن وقع فليقع على ظهره
وقتها ينظر الى السماء ... ينظر إلى أعلى نقطة بإمكان عيناه المجردة الوصول إليها .. ليستطيع الوقوف مرة أخرى بصلابة وعزم شديد .
أجاب نضال بسخرية
- الحاجة الوحيدة اللي عملتها صح انها سميتها شمس
زفرت اسرار بيأس .. ذلك المجنون إن عثر على طريقها قبل اختفائها لا تضمن ردة فعله ، تخشي أم تخاف ؟ أم الأجدر بها انها تشعر بالشعورين معًا ... سراج رجل مجنون ولا تستطيع أن تأمن لردة فعله .. صاحت اسرار
- انا محتاجه امشي دلوقتي .. طولت
غامت عيناه وهو يكتم ضيقه ليقول
- متبعديش يا أسرار
- مش بإيدى
صاح بلهجة حادة وهو ينهض هو الآخر ، يسير بجوارها وهو يراها ممسكة بصندوق خشبى محتضنة إياه بقوة الى صدرها
- سراج غير ضياء يا أسرار واكيد استحالة يقبل اللى حصل
قاطعت طريقه وهى تقف بكامل جسدها أمامه لترد بحدة
- سراج هيكون بين نارين يا نضال .. مكنش بأيدى اللي عملته بس لازم يعرف هى عملت ايه فيا .. مكنتش عايزة اهز صورتها هي ف الاخر امه
اشتعلت النيران في عينىّ نضال وهو يتذكر ما فعلته تلك الشمطاء الحقيرة ، اللعنة كيف تفكر تلك الحقيرة بل كيف تجرأت وفعلتها وهي تستبيح بلحم عرضها ، غمغم نضال بقسوة
- انتى لو تسيبيني يا اسرار
ياليت ... ضياء خيب املي كثيرًا ، وأخشى رد فعل سراج ، بالنهاية هي امهما .. تمتمت بنبرة ساخرة
- اخدت حقي خلاص .. واعتقد عمره ما هيقبل أبقى على ذمته بعد اللي هيشوفوه
مدت بالصندوق إليه وهو يعلم أن الصندوق مرسل إلى سراج وما هو سوى رسول ، حمل الصندوق بيديه وقال بنبرة غامضة
- تستحقي الحب يا اسرار
غمزت بمشاكسة وهي تشير إلى قلبه
- أنت أحق بيه مني
شيعها نضال بعينه حتى صعدت الى سيارتها وانطلقت الى طريق غير بارز معالمه ، عاد يقع عينه على الصندوق وهو يفكر في عدد اللكمات التي سيتلقاها من ذلك البوهيمي !!
*******
قضت رهف يومها بصحبة جيهان ، لا تصدق ابدًا شادية وجيهان شقيقتان ؟ ... إنهما مختلفتان فر الملامح والتصرفات رغم هيئة ملابسهما المتشابهة ، لكنها تستأنس وجود الفتاتين جدًا بصحبة فريال التى اطمأنت انها عادت الى البيت مرة أخرى ، كانت جيهان تساعدها فى تلميم اشيائها من الغرفة لتستعد لوصول وقاص الى المشفي في أى لحظة كما اخبرها وعودتهما إلى القرية، صوت نقرات على الباب جعل رهف ترفع بعيناها نحو الطارق الذى هتف بصوت رخيم
-مساء الخير
صفرت جيهان ما إن أبصرت باقة الزهور وغمزت لرهف بمكر انثوي لتقول
-اهووووو نزار مشرفنا بالورود
تفاجأت رهف من وجود نزار في العاصمة بل فى المشفي تحديدًا ، نظرت الى جيهان التي تتلاعب بحاجبيها بمكر .. تعلنها صراحة أنها من جعلته يستر الى هنا ... توعدت لها رهف بشدة وهى تسمع الي تعليق نزار الحانق
-بلا غلاظة جيهان
وضعت جيهان يدها على قلبها بتأثر لصوته الشامى لتصيح بنبرة سخيفة
-انت مدوب نص البنات بلهجتك دي ...اهدى كده ووريها وش الخشب بتاع المطعم عشان تفوق
عقد نزار جبينه وهو يغمغم بصلابة
-جيهان لبرا اذا سمحتي
رفعت جيهان حاجبها ، ابتسمت بمكر ... الشيف العظيم واقع في حب تلك الغبية ، لم تراه جدي بتلك الدرجة .. كان يستطيع أن يرسم أعلى درجات ضبط النفس أمام سماجتها لكن الأن
السيد متشوق للانفراد بأميرته ، مصمصت شفتيها وصاحت بتبرم
-ايه لزمة لو سمحتي بعد تهزيئك
أجلت رهف حلقها و همست بنبرة جادة الي جيهان
-جيهان
زفرت جيهان وهي ترسم الغضب لكن داخلها يكاد يرقص سعادة ، امسكت بهاتفها الذي وضعته جانبًا لتقول بنبرة متهكمة وهي ترمق نزار بضيق
-افضي المكان للحبايب لما نشوف حد هيتحرك فيكم ولا نقعد سنتين عقبال مااشوف ابو الهول ينطق
أبتسم نزار ما إن وصلته رسالتها ، رأى تلك الشعلة المتمردة في عيني جيهان ما ان علمت انها لم تستفزه بقدر المستطاع كما حدث منذ قليل ، تنفس الصعداء ما إن غادرت واغلقت الباب خلفها لينظر نزار إلى رهف وعيناه بهما اسفًا ليقول وهو يقدم باقة الزهور إليها
- حمدلله علي السلامة
تلعثمت وقد تخضب وجهها من الخجل لتهمس
-الله يسلمك
لا يعلم نزار كيف قدم إلى هنا ؟ .. هاتف شادية متسائلا عن حالة رهف وسبب تغيبها عن العمل ، لتأتيه الصاعقة حينما أخبرته بايجاز ان حادث قد وقع لها ... لم تفسر له وهى تخبره أنها فى طريقها للمطار ، لذا لم يجد سوى الاتصال بـ جيهان التى تصنعت البكاء الهستيري وهى تخبره عن وجودها فى العناية المركزة ... ذلك الخبر جعل قلبه يختض بعنف وضيق شديد أعتري صدره ... شيء عنيف يكتم انفاسه ، لا يعلم كيف جاء إلى هنا ؟ لا يتذكر أي شيء ... كل ما فعله أنه قدم على وجه السرعة ملبى نداء قلب يصرخ بقوة نحو المشفى سائلا عن اسمها في مكتب الاستقبال ليخبره عن رقم غرفتها ، ما إن استعلم حالتها بتفحص وهو يكتشف أن ذراعها قد خلع عن موضعه ، خر ساقطًا على أقرب مقعد وهو يلتقط انفاسه بصعوبة و صوت لهاثه يتردد في أذنيه.
وقتًا طويلا مر عليه وهو يحاول تجميع ما تشتت منه قبل أن يغادر المشفى لاقرب محل زهور ويعود بباقة مناسبة ، تنهد وهو يكتم ما يجيش فى صدره وهو يراها تفرك يديها بقوة ، صاح بنبرة ماكرة
-طبعا مرتاحة لا عندك طبخ ولا نفخ "مشغلة"
يعلم كيف يضغط على زر الاشتعال عندها ، توقفت يداها عن الفرك لترفع عيناها تنظر اليه بجنون
-بتقر يعني
ابتسم بخفة وقال بنبرة هادئة
-لا سمح الله مو هيك القصد ...بس بظن انك مرتاحة بغيابك من المطعم
تهكمت ملامح رهف وهي تضع ساعديها على صدرها قائلة
-انت معترف يعني أنك انسان متسلط وعايز ...
رأت ذلك الجنون في عينيه الراكدتين ، جنونًا مريبًا أرسل قشعريرة لسائر اطراف جسدها وهى تستمع إلى صوته الرخيم
- شو ؟
ترددت وهى تسدل اهدابها ،تخفي تأثيرها جيدًا منه .. تعلم أن عيناها تفضحانها دوما ، لتهمس
-بلاش لان فيها قطع رقاب
انفجر نزار ضاحكًا وهو لا يصدق تلك .. تخشي منه ، يشعر بها كلما يتقرب خطوة تعود للخلف ، خفت ضحكاته ما ان استمع الى تعليقها الجريء
-ضحكتك حلوة بدل ما تكشر وتـ....
ظهرت لمعة فى عينيه الراكدة ، عضت على شفتها السفلى بتوتر وهي تقول بصراحة
- مش بعاكس ولا بجامل بقول الحقيقة
انفجر نزار مقهقهًا ... تلك المرأة تنتقم منه ، تذكر أنه مدح جمالها فى حفل زفاف شقيقها ، اسدل اهدابه وهو يخفي تأثيره عليها ليغمغم
- ليش حاسس اني سمعت هالكلام قبل هيك
في الخارج ،،،
كانت بيسان تتلصص عليهما ، لا تصدق انه جاء للعاصمة من أجل تلك الفتاة وهى تظن أن أمر جلل جعله يأتي إلى هنا لتتبعه هى بسيارتها دون أن يشعر بها ... يجب أن تخبر والدتها وخالتها بتعجيل مراسم تلك الخطبة المزعومة ، توعدت لرهف بالكثير وهى لن تجعلها تأخذ نزار منها
نزار لها هى فقط ، اجفلت على شخص وضع يده على كتفها ، استدارت لتقع عيناها على جيهان .. الفتاة اللامعة ، تآكلها الحنق و جيهان تحاول تذكر ملامح تلك المرأة
- يا آنسه في حاجه ؟
تمتمت بيسان بغيظ شديد
- مفيش
رفعت جيهان حاجبها وقالت وهي تعقد ذراعيها علي صدرها
- بتدوري على حد ؟
هربت بيسان من امامها وهي تركض فارة منها ، جعدت جيهان جبينها ... ذلك الوجه لا تعلم لما تتذكره جيدًا ؟!! ، القت نظرة عابرة عبر الزجاج وهى تري الانسجام السحري بينهما .. تنهدت زافرة بحرارة وهى تبعثر خصلات شعرها الفضية ، ترى من هو الرجل سيكون مدله بحبها وعيناه لا تحيد عنها ، تعرف فقط هويته و تقسم أنها لن تتركه من يديها ... فجاة شهقت بقوة ما إن تذكرت هوية تلك الفتاة
- البت دي مش غريبة عليا ... البت الملزقة للواد الملزق
عينا الفتاة كان بهما شررًا ناريًا ، انقبض قلبها وهي تهمس بتوتر
- مش مطمنة
******
الأمر الذى اتخذته لاعادة بناء حياتها كان بمساعدة اسيا، اسيا التي ضمتها تحت جناحها وهى تخبرها عن النظام العمل المكتبي المختلف نهائيًا عن مضيفة الطيران ، رغم أن الأمر مملا بعض الشيء ... لكن هذا العمل اتخذته تحدي لها وله.
يجب أن تثبت له ان غيابها لإعادة تكوين نفسها ... يجب أن تعود محاربة لساحة المعركة مرة أخرى .
لكن اليوم الذى جعل سعادتها تنقلب منذ أن علمت بمجيء شقيقته إلى عنوان مكتبها ، لا تعلم كيف حصلت على العنوان ... لكنها ما يهم أنها هنا الآن، رغمًا عنها تفحصت مارية ملامح شادية السمراء المشابه لسمار بشرة ماهر ويعود ذلك فضلا لطبيعة الطقس فى موطن والدها .. عيناها البندقية تشبههان عيناه كثيرًا وإن كانت عيناه بهما غلظة وقسوة مغلفة ... ضيفتها بكوب من القهوة وانتظرت سماع ما جاءت إليه ....
ما إن القت شادية قنبلتها حتى هبت مارية واقفة ، زمت شفتيها منفجرة بجنون
- هو اتجنن
ارتشفت شادية القهوة وهى تستمتع بمذاقها ، لتقول بجدية
- كان لازم تعرفي بأي شكل ... بلاش غباء منك وروحي رجعيه
تعثرت و وتقهقرت جيوشها النارية ، ارتمت على المقعد خائرة القوى لتهمس بتردد
- لكن ... !!
وضعت شادية قدح القهوة على الطاولة المستديرة التي أمامها لتقوم من مجلسها وهى تقترب من مارية تشدد من أزرها ، صاحت بصلابة
- ماهر لو مرجعش ليكي ... مش هيبص في وشك
تجمعت الدموع فى مقلتيها حتى تشوشت الرؤية ، ضيق تنفس اعتراها وهى تحاول ان تلتقط أنفاسها بصعوبة ، انحدرت الدموع دون أدنى تحفظ وهى تهمس بحشرجة
- شادية انا
تنهدت شادية وهى تزفر بيأس ، تلك المرأة تحتاج من ينتشلها من تخبطاتها وليست هى من تشد ماهر ، سحبت حقيبتها وهى تفتحها تخرج بطاقة دعوة الخطبة
- واضح انى افتكرت انك بتحبيه .. وخسارة انى جيت هنا بدون فايدة
وضعت البطاقة بين يديها لتقول بجدية
- ده كارت دعوة الخطوبة ... فكري معندكيش غير ايام محدودة
غادرت شادية وبقت مارية تحدق في بطاقة الذهبية بشرود ... تأملت البطاقة وهي تود أن تمزق البطاقة وهو إربًا ، همست بإنهيار
- يعني انا اصلح من نفسى علشان استحقه يختار أول ست تجيله
صدر صوت شقيقتها آسيا الساخر
- مارية متبقيش غبية .. اخته لو محستش ان اخوها بيحبك مكنتش جت
رفعت مارية عيناها تتطلع إلى شموخ شقيقتها وعنفوانها ، ملامح اسيا كانت تشبهها إلى حد كبير قبل أن تتعرف علي نضال ، بل قبل أن يكسرها ... تلعثمت وهى تجفف دموعها بكف يديها قائلة
- لكن
سحبت آسيا البطاقة وهى تنظر الى ميعاد الخطبة المزعومة ، تبرمت شفتى آسيا وقالت بتهكم
- الخطوبة فاضلها ايام .. العريس مستعجل انه يتخلص منك باسرع وقت
شعلة نار اشتعلت في فؤادها ، ماجت عيناها الشبيهة بعيني القطط وهي تنظر الي آسيا لتهب من مجلسها قائلة
- مش هسيبه ليها .. ماهر ليا انا
ستعود إلى أرض العاصمة ، ذلك النذل الجبان ستريه كيف يختار إمرأة غيرها وقلبه يستسلم بإرادته لها .
*****
استمع نضال الى صوت جلبة فى الخارج وصوت إعتراض سكرتيرته الحازمة من الدخول إلى مكتبه سابق ميعاد ، مما جعل نضال يترك أوراق العمل و قام من مقعده وهو يعد سرًا ... ثلاثة .. إثنان ... واحد
بدأ العرض ..
اقتحم سراج باب مكتبه وهو يلهث من فرط النيران المندلعة في صدره ، وضع نضال كفيه فى جيب بنطاله وهو يشير بحزم بالخروج الى السكرتيرة التي قدمت خلفه وملامح الأسف يعتري وجهها، خرجت وأغلقت الباب خلفها لتعود الي مكتبها .
عينان متوعدة وأخرى ساخرة ، الاولى تخرج لهيبًا والثانية مستمتعة بالعرض السيرك المقدم له ، اقترب سراج وهو يمسكه من تلابيب سترته بحزم شديد لينفجر في وجهه هادرًا
- هي فييييييييين
ابتسامة ساخرة زينت ثغره وهو يرفع يداه ليزيح قبضة سراج قائلاً
- اهدي يا وحش ورق اعصابك ، لولا اني مقدر ظروفك كنت عملت تصرف تاني
رفع سراج قبضة يديه وهو علي وشك لكم ذلك الأحمق ، ابيضت شفتاه وهو ينفجر في وجهه
- نضااال بلاش تستفزني انت مش قدي
قابله برود يذكره ببرود إمرأته ، سبها بداخله وسب ذلك الأحمق الذي أمامه ، تلك المرأة جعلته يبحث عنها كالمجنون في منزل عائلة عمها التي استقبلت الخبر بصدمة ، يعلم أن نضال هو الوحيد المقرب لها من عائلتها ، ولكم يمقت مجيئه إلى ذلك الماجن .
ذلك الرجل يذكره دائمًا بأيام شبابه الطائشة ، يتذكر ايام عربدته ، زفر قائلا بنفاذ صبر
- فين اسرااار ؟
أجاب نضال ببرود
- معرفش
عاد سراج يتمسك بكمي قميص نضال الباهظ الثمن لينفجر في وجهه صائحًا
- بقولك راحت فين
غمغم نضال بجمود
- انت جاي تفش غلك فيا ... روح شوف مراتك راحت فين
كز سراج علي اسنانه وهو ينفجر بغضب
- انت الوحيد المقرب ليها .. يا اخى نفسي افهم علاقتكم ببعض ازاى
رأي لمعة التسلية فى عينىّ نضال ليهمس نضال بمكر
- عايز تعرف مسمي علاقتنا يعنى ؟
لكمه سراج بقوة علي جانب وجهه ، مما جعل جسد نضال يتراجع عدة خطوات للخلف اثر قبضة سراج ، لمس نضال موضع القبضة وهو ينظر إليه بشراسة شديدة ... يستطيع أن يحول ذلك المكتب لحلبة مصارعة ، لكن يوجد ما هو أهم .. اقترب نحو مكتبه وهو يأخذ صندوق أسرار ليقول بنبرة غامضة
- بعتتلى هدية مخصوص ليك
نظر سراج بحاجبين معقودين الى الصندوق الخشبى الذي رآه قبلاً ، تناول منه الصندوق وهو يقول
- ايه ده
غمغم نضال بلا مبالاة
- شوفها
ازدرد لعاب سراج ، يخشى أن داخل الصندوق به مصيبة ... بل كارثة ستحل على سماء الجميع !!!
******
تمللت فريال فى نومها بعد تلك الليلة العصيبة ، تتذكر استيقاظها من الكوابيس المفزعة لكن ذراع حانية كانت تطمئنها وتبث لروحها إطمئنانًا لم تستأنه قبلاً ، فتحت جفنيها بنعاس شديد ليقابلها عينان شديدة الحلكة ، اتسعت عيناها البنية بجحوظ وهى تعتدل في رقدتها لتهمس بصوت ابح
- وقاص
وكأنه وجد متنفس لغضبه ، كان يراقب استسلامها للنوم لمدة ثلاث ليالى فى فراشهما ، وكأنها تهرب من واقعها ، تلك الغبية المغفلة تشجعت امام ذلك الجرذ لساعة أو ساعتين ، والساذجة الأخرى جيهان التى أقرت بكل شيء عندما لم تستطيع اقتفاء أثرها ، ابتسم بشراسة وقال
- اخدتي حقك بايدك .. استريحتي كدا .. نارك بردت
ازدردت ريقها بتوتر وهي ترى أنامله تنغرس في لحم جسدها ، تأوهت بوهن هامسة
- وقاص
حدجها بنظرة مميتة جعل لسانها ينخرس لتطبق شفتيها وهي تراه ينتفض قائمًا من الفراش وكأنه يشعر بالقرف منها !!
- ريحي انتي تعبانة ، رايح اشوف رهف
انتفضت من مضجعها وهي تتمسك به ، رباااه تخشى أن يهجرها ، لن تتحمل هجره ابدًا ... يكفي تلك الكلمات المطمئنة التى كان يبثها فى داخلها كلما استيقظت من كابوس يؤرق مضجعها ، سدت عنه الطريق وهي تهمس بتوسل
- وقاص اسمعني
لن يسامحها على ما فعلته ، لن يسامحها ابدًا ، قبض على ذراعها بخشونة وهو يقربها منه حتى اصطدمت بنيتها الضعيفة ببنيته الضخمة ، ارتعبت وارتجف جسدها بشوق وهي تسمعه يصيح بلهجة مميتة
- قولتلك حقك وهجيبهولك ... ممكن تقوليلي ايه كان هيجرى لو بنت خالك مبلغتنيش باللى حصل... ممكن تفهميني ايه هيحصل، للدرجة مش واثقة فيا
أهانت رجولته وجرحت كبريائه بفعلتها ، عضت شفتها السفلى وهي تحارب الدموع التي تجمعت في عيناها ، لمست وجهه بكفيها وقالت
- وقاص ابدا .. انا واثقة بيك جدا والله ، بس انا عارفة لو اخدت الخطوة قبلي ووصلتله عمري ما هحس اني اخدت حقي
لفحت انفاسًا ساخنة وهى ترى شحوب وجهه وشفتيه التي ابيضتا وقبضة يداه اللذان يحاربهما بقوة كى لا يدك عنقها ، همست باستجداء
- انتي علمتني يعني ايه الدفا من جديد ... علمتني الحب يا قاص والحنية .. مشاعر كتير ادفنت جوايا انت أحيتها من جديد
هز راسه ساخرًا ، هو المصلح النفسي إذا لها ، شعر بالاختناق الى ما توصل اليه ... انتزع يديها وقال بجمود
- لطاما كل واحد بيعرف ياخد حقه بايده ، ظهرتى ليه قدامي
سارعت تقاطعه
- لان انا عايزاك ومحتجالك جدا
لم تعترف بحبها ، ما تشعره نحوه لم يصل للحب اطلاقا ، هز وقاص رأسه وهو يفكر بسخرية ... هل تتوقع تلك الساحرة أن تحل من جديد ؟ .. سخر وهو يقول
- وايه كمان ؟
تلعثمت وهي تري توحش عيناه ، لا تعلم لما شعرت ان ما ستقوله لن يعجبه
- قلبك ده يقدر يدفى قلوب اللى حواليك
ابتسم بسخرية وهو يمسك عضدها يسحبها اليه بقوة ليهمس بخطورة
- وانا ؟
اتسعت عيناها و ارتجفت اوصالها وهو يقول
- انا مين يقدر يصلح غلطاتى ... يقبل عيوبى
بهت وجهها وهى تفكر فى إبعاد ما قاله ، أي عيوب وغلطات يتحدث عنها ؟! تمتمت بارتجاف
- وقاص انا معاك يا حبيبي .. فكرت كتير وخوفت اقولك تيجى تحبسني هنا ، كان لازم اطلع خوفي وقهرتي
صدر ضحكة خشنة وهو يهمس بخطورة
- تعرفيني كويس يا فريال
امتنعت عن الرد وهي تنظر اليه بتفحص ، تحاول استكشاف كلماته الغامضة ، تحاول ان تراه بصورة مختلفة .. كيف تضعه فى صورة أخرى ؟! .. نظرت الى عينيه بشرود لتجده يقول
- انا مش بصورة ملاك زي ما انتي متخيله
ثم تركها .. بل نبذها بالمعني الحرفي لتنظر الى الباب الذى خرج منه بشرود .. ماذا يقصد ؟!
*******
تنفس سراج بحدة وهو ينظر الى الصندوق الخشبى الصغير ، لا يعلم لما هو غير مطمئن اطلاقا .. حك ذقنه وقد حسم امره وهو يفتح الصندوق .. أخرج الاوراق وهو يراهم مرتبين ومتدرجين فى الالوان من الأقدم إلى الأحدث .. أمسك ورقة تحولت صفراء بفعل الزمن وهو يقرأ بصوت مسموع لما كتبته ، يبدو الخط طفولي بعض الشيء
" رأيته صدفة فى النادى بملامحه الخشنة وغرته التى تسقط على جبهته مما اضاف العبثية لملامحه.. فتاة بطبعى لا تستطيع أن تلفت انتباه شابًا جريئًا مثله ، حتى أنا لم أقدر على لفت انتباه لقلة خبرتى لكن حينما رأيته ينتقل من إمرأة لأخرى فى النادى علمت أنه ليس أميرى المناسب "
عبس وعقد جبينه وهو يترك الورقة وسحب التى تليها ، ليتلهم سطور كلماتها
" أتذكر رؤيته حينما كنت فى حفلة النادى .. كنت ارتدى العوينات ويداه كانت ملتفة حول خصر امرأة شقراء ، كنت أنا بالنسبة للمرأة لا شيء .. لا اعلم كيف مراهقتي الغبية إنجذبت إلى رجل عابث مثله !!! "
ازدرد ريق سراج وهو لا يدع عقله التفكير للحظة ، سحب الورقة التى تليها
" نضجت وكبرت .. إكتشفت ان الحياة ليست بالوردية التى توقعتها ، بل يوجد ما هو أهم وأولها الدراسة ، اجتهدت كثيرًا وانا ادفن انثوتى التى تتصارع كثيرًا للخروج .. دفنتها حية وانا اتطلع الى المستقبل .. مرحى لقد نجحت "
دلك سراج عنقه وهو يزفر بحنق ، كظم غيظه وهو يسحب الورقة التى تليها
" لم اتوقع أن القدر يسخر مني لتلك الدرجة ، نعم قررت ان اترك جانبى العاطفى جانبًا لكن أن اراه مجددًا فى حفلة خطبتى !!.. لقاء عابر من عينيه العابثة ، رأيت نظرة الإعجاب تلمع فى عينيه ليتفشى بداخلى غرور انثوي لكنني وئدت ما شعرت به ما إن هبطت عيناى على خاتم خطبتي ، فخطيبي لا يستحق الخيانة ابدًا وقلت الحياة ستعوضني خيرًا !! "
زمجر سراج بوحشية ... تلك ... كيف .. كيف لم يشعر .. كيف لم يشعر بوجودها ، رباااه كيف ... سحب ورقة أخرى وهو يلمس اثار دموع من صاحبة الرسالة .. دمعات استقبلتها الورق واحتضنتها عندما علمت أنها الملجأ الوحيد للتنفس عن وحدتها ومشاركة مشاعرها المرهفة
" تزوجت خطيبى .. دفنت مشاعر المراهقة ، نعم استطعت ونجحت نجاحًا ساحقًا ،كنت مجرد سلعة .. عمى اعتبرني بضاعة يتاجر بها امام الجميع ، لم اعترض .. لكن نظرات حماتى هى أكثر ما رعبتني .. توقعت انني سأحصل على الراحة لكنه كان مجرد باب من أبواب الجحيم "
تهدجت انفاس سراج وهو يغمض جفنيه للحظات ... مصرًا على المتابعة ، أعطته تلك الاوراق لانها تعلم انها لن تستطيع أن تواجهه ...... تلك الماكرة، سحب ورقة أخرى وهو ينهش حروفها وكلماتها
" إهانة تلقيت ... حاولت المعاملة بالحسنى لكنها رفضت ، تعاملنى وكأننى لا ارقى لطبقتها الراقية ، اتهامات باطلة ألقتها فى وجهى .. وزوجي كان يصدقها ، الذى من المفترض أن يكون الحامى الخاص بى تركنى !!! "
اجلي حلقه وهو يسحب ورقة أخرى
" صدمة أودت بحياة زوجي بسببها هى ، بسبب اصرارها على تركِ للمنزل .. كانت تريد منى الخروج لكن إلى أين سأرحل وانا لن اجد من يتلقفني بذراعيه يخبرنى انه معى دائمًا وابدا ؟!! "
تحشرج صوت سراج وهو يمسح دمعة فارة من عينيه
- يالله
تابع قراءة ورقة أخرى ... حروف كلماتها كانت سريعة وكأنها تفش حنقها ومقتها فى الورقة التى تحملت قسوتها
" صبرت كثيرًا حتى بلغ صبرى متنهاه ، ما قالته فى حقي .. اننى مجرد امراة فاسقة تتنقل من فراش لآخر من شركاء زوجى .. بل تلصصت على وانا فى مركز السيدات لتجعل شخصًا يلتقط صورًا فاضحة وترسلها الى زوجي الذى من صدمته لم يتحمل وقضى أيامه الاخيرة فى العناية المركزة .. لذا بدأت انتقامى الخاص "
اتسعت عيناه بذهول ... صدمة جعلته يعيد ما كتبته ، والدته بعثت شخصًا خلفها ليأخذ صورًا لها وتبعث الصور لأخيه ... لا يتصور حقد والدته يصل بها إلى تلك الطريقة .. سحب ورقة أخرى وهو يقرأ ما بها
" عذرًا ورقتي اهملتك كثيرًا لكن لم يكن شيء جديد فى حياتى أخبرك به إلا اننى تزوجته ، القدر عاد يسخر منى من جديد وهو يعيدني اليه ... رغمًا عنى تأثرت به ، منذ اعوام وانا صغيرة بلهاء انتظره ان يلقي بنظرة ولو خاصة لى ، لكن هو كما هو ... رغم الشيب الذي بدأ يغزو شعره الا هو إنه رأيته سابقًا بوهيمى .. شهواني يرغب امرأة تدفء فراشه لا أكثر "
شهواني !!! حدق سراج فى تلك الكلمة ، أهذا ما استطاعت أن تصفه به منذ أن اقترب منها ؟! ... زم سراج شفتيه ورغم عنه دقة خائنة فى قلبه وهو يرى كلمات عشقها المتوارية وكأنها تخجل الاعتراف بها ، رباااه صاح بها سراج ، ملكة الجليد تحبه منذ مراهقتها التعيسة ..
عقد جبينه بضيق وهو يرى أنه سحب آخر ورقة ، قرأ رسالتها
" سراج .. لم اجد سوى تلك الاوراق لتعرف عنى كما رغبت ، لا تسألني لما بعثتها الآن .. يوجد أوراقى الأخرى خاصة لشيراز هانم اعتقد ان مشاعري لها الاجدر بى ان احتفظ بها لنفسي ، إهمالي لحرف الراء لانني كنت اعاني منذ فترة طفولتى حتى مراهقتى لنطق حرف الراء بوضوح ، لكن عزمت على النطق بالحروف الصحيحة وإعطاء كل حرف حقه ونجحت مثل سلسلة نجاحات عملي ، اخترت تلك النهاية لأنها الأفضل لى ولك ... ارجو ان ترسل ورقة طلاقى لنضال .. أعرف كيف ساتواصل معه ، أشكرك على الايام السابقة سراج وحظًا موقفًا لعملك الذي تحبه بشغف .. سأشق طريقًا آخر بعيدًا عن الجميع ولا أعلم ماذا يخبئه القدر لى من أشخاص آخريين"
استقام سراج من جلسته ، نضال ... تريده ان يطلقها ويرسل الورقة لنضال لتصل إليها ، ذرع الارض جيئة وذهابا وهو يفكر فى الأشخاص الآخرين ، كم رجلا تقصد ؟؟ الكثير صحيح !! .. تلك المرأة تستطيع أن تجعل الرجال يلفوا أعناقهم لرؤية فتنتها التى تظهرها بكل وقاحة ... صاح بتوعد
- اجيبك يا اسرار واقسملك ما هخليكي تشوفي نور الشمس إلا بإذنى
*****
لا تصدق فرح اتصال تلك صاحبة عمل المشبوهة بها ، تخبرها بوجود زبون خاص ... لقد هددتها واخبرتها ان ستفضحها فى منطقتها وجيرانها إن لم تأتي .
وها هي الآن تقف أمامها مذلولة ... تعلم أن طريق العهر يناسبها ويناسب شخصيتها ، هذا ما تستحقه للحصول على المال الوفير ونسيانه
تمتمت فرح الى صاحبة العمل ، السيدة الأربعينية عابسة الوجه وهى تحاول أن تعدل قرارها
- انا قولتلك انها كام اسبوع واجيلك
نعم مجرد ايام لتنهي أيام عدتها وتلتفت الى عملها الجديد ، نظرت اليها صاحبة الشقة وهى تتفحصها بضيق
- والله يا عنيا انتى اللي جيتي هنا وطلبتي الشغلانة ، ومحدش ضربك على ايدك وقالك تعالى
عضت فرح على شفتها السفلى وهي تنظر الى الرجل الذي خرج من الغرفة مغلقًا سحاب بنطاله والمرأة تتبعه خلفه وشرشف بالكاد يغطي عريها ، كانت على وشك التقيؤ وهي تجد أن تلك المرأة تقترب من سيدة الشقة تعطيها المال لتغمز المرأة بشقاوة فى حديث أعين لا تعلمه ، تمتمت فرح بقلق
- لكن ... !!
اعترضت السيدة قائلة وهي تصيح بلهجة حادة
- بدون لكن يا عنيا الزبون مستنيكى على نار من اول ما شاف صورتك ، شرفيني وارفعي راسنا وانتى وشطارتك بقي في السعر ، الزبون لازم يتكيف
همت بالرفض لكن وجدت رجلاً غليظًا سحب ذراعها متوجهًا بها الى احدى الغرف ، تسمع الى ضحكات خليعة ورقص بذيء من النساء للرجال لتبتلع ريقها وهي تنساق كالشاة إلى الذبح حينما دفعها الرجل إلى غرفة وأوصد الباب ليمنع عنها الفرار .
اختنقت أنفاسها وهي تنظر الى الغرفة تتفحص اضائتها الخافتة التى منعتها من رؤية الرجل لترى ظله وهو يقف مواجها لها ، ارتعدت أوصالها واصوات الضحكات الخليعة من الخارج تصلها ، أصوات السباب اللاذع يصلها بكل وضوح ... جحظت عيناها وكتمت شهقتها حينما استمعت إلى أصوات رجل وإمرأة في الغرفة التي بجوارها يصل هو الآخر بوضوح ، لا تعلم لما حاسة اذنها تعمل بقوة لكنها لم تنتبه سوي لنبرة الرجل
- اقلعى
اطلقت صرخة ثم كتمتها بكف يدها وهي تعود للخلف عدة خطوات، صوت الضحكات الخليعة تطن اذنيها .. شل عقلها وجسدها عن العمل وهى تهمس بإضطراب
- ايه؟
- احنا لسه هنتكلم بقولك اقلعي .. خليني أشوف سعرك يستاهل ولا لأ
صوت الرجل لم تستطيع أن تميزه وصوت الطنين فى اذنها بدأ يزعجها ، علمت انها فى كارثة .. كارثة سقطت فيه بغبائها ، انتفضت ما إن استمعت الى تعليق الرجل
- واضح انك بتيجي بالطريقة التانية وماله ، خلينا فى العنف
ودت الصراخ .. لكن لسانها ألجم بطريقة فظيعة وهى تشعر بإقتراب ظله الضخم نحوها ، سيأكلها ... سيفترسها حية .. غمغمت اسمه بضياع
- نضال
انفاس حارقة لسعت بشرتها وهى تشعر بانامله تتجرأ للمس مفاتنها ، عضت على شفتيها وهي تنكس وجهها ارضًا .. نزع بلوزتها والقاها ارضًا وانامله اتجهت نحو البنطال ليفتح سروالها ، دس بوجهه فى عنقها وهو يتنفس عطر جسدها بنشوة ..
لا تشعر .. لا تتحرك ..كل أجهزتها ومراكز الحس والشعور توقفت عن العمل ، هي غير قادرة على الاستيعاب أن رجلا يلمسها ، قبلاته تتناثر علي طول جيدها لتسمع صوته الساخر وهو يهمس في اذنها بإغواء
- الصراحة ازعل جدًا انك قدرتى تنسينى بالشكل ده
يتبع...
