رواية عذرا لكبريائي الفصل الخامس عشر 15 بقلم الكاتبة انستازيا
15=رواية عذرا لكبريائي للكاتبة أنستازيا الفصل الخامس عشر
ردة فعلها كفيلة بجعلي أتمالك نفسي مفكرة بعقلانية بأنني الآن في عينيها زوجة كريس التي من الطبيعي ان يكون لها نصيب في تحمل مسؤولية أعماله ولو قليلاً!
ولكنني لا أعرف كيف من المفترض مقابلة ذلك الرجل حتى.
تظاهرت بالهدوء: حسنا إذاً. هل هو هنا؟
أشرت إلى غرفة الضيافة فأومأت: نعم، سأحضر كوبان من القهوة.
غادرت فوقفت بتردد أنظر لباب الغرفة.
أشعر بأنه لا ينبغي ان اقحم نفسي في أمور كهذه!
ولكنني في النهاية تحركت مرتدية لباس من الثقة والرزانة لأطرق الباب ثم دخلت مبتسمة بهدوء: مرحبا.
كان رجلاً بدى في عقده الخامس مرتديا بدلة سوداء رسمية وبدى الثراء محيطا به كهالة خاصة، وقف وهو ينظر إلى بإستنكار ونظرة تقييم لم تشعرني بالراحة.
وقفت امامه مباشرة امد يدي مبتسمة ليصافحني قائلا بصوت عميق: مرحبا.
أسرعت أقول: أنا زوجة كريس.
طرف بعينيه السوداوين وأومأ: أنتِ الآنسة شارلوت إذاً. أنا فابيان أحد زملاء السيد ماكس في العمل سررت بمعرفتك.
السيد ماكس! هكذا إذاً. هذا يعني أنه يعمل في الشركة مع ماكس ولكنه مضطر للتعامل مع كريس بطريقة مباشرة نظرا لأخذه منصب والده مؤقتا.
حييت به وجلست على الأريكة المقابلة وما هي إلا لحظات حتى دخلت الخادمة لتضع فنجان القهوة وتخرج.
قلت بلباقة: تفضل سيد فابيان.
رشف من القهوة وقال بنبرة تكاد تكون جافة: سأختصر الأمر آنسة شارلوت، أنا هنا لإحضار هذه الملفات وحسب، أرجو أن تسلميها لكريس مباشرة.
حسناً إذاً، سأفعل.
وضع الملفات التي كانت ثلاثة بألوان داكنة وبداخلها أوراق كثيرة، تناولتها ووضعتها في حجري فتمتم ببرود: يمكنني الإطمئنان الآن. لم أكن لأعطي أوراق بغاية الأهمية إلى تلك الخادمة المُلحة.
هاه!
طرفت بعيني ببطء فأضاف هامساً محدثا نفسه: إنني هنا منذ عشرة دقائق أحتمل إلحاحها.
حاولت جاهدة ان ابتسم: لا بأس سيد فابيان، كانت قلقة فقط فلا أحد في المنزل ليستلم هذه الأوراق.
لا يجب أن تثقي بالخدم إلى هذه الدرجة. أوراق كهذه قد تكلف الملايين آنسة شارلوت، ضياع ورقة واحدة كفيل بقطع أكثر من علاقة مع الشركات المعاونة.
ما هذا الرجل المتعالي! بدأت أشعر بأنه من الأفضل ان أغرب عن وجهه حالاً حتى لا تستفزني كلماته أكثر.
سيد فابيان، لماذا لم تسلم هذه الأوراق لكريس بشكل مباشرة؟
تكتف واضعا قدما على الأخرى متنهدا بملل: كان من المفترض ان يحدث هذا ولكن زوجك لم يحضر اليوم إلى الشركة فما كان مني سوى المجيء إلى هنا بنفسي.
كريس لم يذهب للعمل! أين هو إذاً؟! الا يفترض بأنه قد ذهب للشركة منذ الصباح؟
أين هو؟
سألته دون شعور فأجاب بنبرته السابقة: من يعلم. الآنسة تيا لم تكن في العمل أيضاً وكان من المفترض أنها مكلفة باستلام أي رسائل أو أوراق مهمة. أقترح أن توصي زوجك آنسة شارلوت بتخصيص المزيد من الوقت للشركة.
اتسعت عيناي محدقة إليه بصمت. كريس وتيا؟
ما هذا! أشعر بإنقباض في صدري.! و. ولكن، هذا ليس من شأني! كما أنهما مقربان و.
وماذا!
أنا حقا عاجزة عن تقبل كلماته هذه!
لمعت عينيه بالسخرية وتمتم: لا أدري ما الذي كان يجول في خاطر ماكس عندما أحضر ابنه إلى منصب الإدارة! الجميع يعلم بأنه لم يكن يريد ذلك المنصب منذ البداية، لن أنكر بأنه مجتهد في عمله ولكن منصب إداري؟ لا. ليس مناسب وإنما كثير جداً!
ارتفع حاجباي فتغير صوته لشيء من الإستخفاف والإنزعاج: لقد كنت مقربا من ماكس وتقاسمنا الكثير من المهام سوياً، لماذا لم يفكر جلياً قبل اتخاذ قرار كهذا.
تفاجأت بعيناه تلمعان بالغضب: كنت سأكون الأجدر برئاسة الشركة في غيابه عوضاً عن جلوس ذلك الدخيل على كرسي الإدارة.
تلى جملته ضربة قوية وجهتها بكلتا يداي للطاولة لأقف بحزم.
نظر إلى بدهشة فحدقت إليه بحدة وغضب.
هل قال الدخيل؟!
هل نعت كريس بذلك حقاً! أراهن على أنه أحد الأشخاص اللذين شهدوا حادثة زفاف باتريشيا كما قالت السيدة أولين. وإلا لما قال كلمة كهذه!
وجدت نفسي أقول بإنفعال: هذا كثيرا جداً سيد فابيان. كريس ليس دخيلاً!
ما الذي تعرفينه أنتِ آنسة شارلوت؟
قالها وقد اعتدل في جلسته وأضاف ببرود: الجميع يعلم أن كريس مكانه ليس هنا.
ما أعلمه بأنك تجاوزت حدودك كثيراً! من سمح لك بالتفكير بهذه الطريقة بحق الإله؟ من أنت لتضع نفسك في مكان الشخص القادر على تحكيم وتقييم الأمور؟ وُلد كريس ليشغل منصب والده ويحافظ على شركة العائلة وأعمالها الناجحة لا لتقول هراءك هذا.
اتسعت عيناه فأضفت بغضب: دعني أخمن. هل قلت دخيلا بناءً على ما حدث في زفاف والدته!
احتدت عيناه: لن تنطلي حيلة استبدال الزوج على أحد سوى السُذَج آنسة شارلوت.
وما شأن هذا بجهود كريس بحق الإله؟
شأنه بأنه لم يرغب منذ البداية في تولي أمور العمل ولكن انظري إليه الآن يشغل منصبا أكبر مما يستطيع حمله.
هل تغار منه؟
اتسعت عيناه لثوان قبل ان يصرخ بغضب وهو يقف: ما هذا السخف؟ أغار منه؟ لماذا على أن أغار من كريس!
أنت أدرى بالسبب. لماذا لا توضح أسبابك ودوافعك الشخصية للسيد ماكس الذي قلت بانك انجزت معه المهام سوياً؟ هاه؟
لقد تجاوزتِ حدودك في الحديث يا فتاة.
أردف بسخرية ملأها الحقد: اذهبي بنفسك لو تكرمتي بزيارة سريعة إلى الشركات المجاورة وانصتِ إلى القصة التي يتم تناقلها بشأن ابنه الغير شرعي منذ البداية وتورطه في قضية انتحار والدته قبل سنوات.
الجميع يعلم بأن والدته انتحرت. ما الجديد؟!
يوجد الجديد عزيزتي، فزوجك لم يكن موجودا في عزاء والدته طوال الوقت بل ولشهور أخرى مما يجعله ضمن دائرة الإتهام. أنا لن أقبل أبداً بشخص مثله ليكون رئيسا لأعمال قد امتدت لأكثر من عشرون سنة.
كريس لم يكن موجودا في العزاء؟!
لماذا؟!
تساءلت بنفسي بينما همس بإزدراء: من الطبيعي ان تدافعي عن زوجك. ولكن انظري إليه جيداً، لا شيء جيد بشأنه، الجميع يرى سوء علاقته بوالده وهذا أمر حتى الموظفين في أدنى طابق في الشركة يعلمون بشأنه، اختفائه التام عن عزاء والدته لا يزال أمرا غير مقبولاً، أن يحصل شخص بمكانه ومنصبه ويحمل اسم مثل اسم عائلته على طفل غير شرعي قبل الزواج متجاهلا الصحف التي توجه أعينها نحو رجال الأعمال لهو أمر مثير للغضب بلا شك.
رصيت على شفتاي بقوة محاولة قمع غضبي بشتى الطرق ولكنني عجزت وقلت بغيض: كريس ليس بحاجة للمنافقين أمثالك في حياته. كن شجاعا وأخبره بكل هذا في وجهه أيها الجبان.
اتسعت عيناه بعدم تصديق فأردفت بصوت عال ساخر: تلمياحاتك واضحة جداً. ما تقوله أن كريس في الحقيقة محل شبهة في وفاة والدته لأنه لم يتواجد في عزائها مشيرا إلى أنها لم تنتحر هاه؟، حسنا سيد فابيان، المجرم القاتل الذي تزوجتهُ أراهن على أنه يدوس بكلتا قدميه على أقوالك انت واشباهك المنافقين ويمضي دون اكتراث بكم. تتظاهر بأن السيد ماكس زميلك ولكنني لا أرى أمامي سوى شخص يطمع في رئاسة الشركة وينظر إلى كريس باستصغار واحتقار بسبب حادثة زفاف سخيفة مضى عليها سنوات عديدة. ألا تعتقد بأنك ترهق نفسك بالتفكير كثيراً؟
اكملت وانا احمل الملفات بنبرة مستفزة: انصحك بأن تريح عقلك سيد فابيان فالتقدم في السن له ضرائب كثيرة كما تعلم. كالتعرض للخرف أو الهلوسة وإعمال الدماغ بطاقة لا محدودة.
القيت بجملتي عليه وبنظرة احتقار أخيرة وأنا أخرج من الغرفة وأصعد لمكتب العمل وأضع الملفات على الطاولة.
يا الهي. لا أصدق هذا الرجل!
يالتفكيره السخيف! ما شأن كريس بما حدث في زفاف والدته بحق الإله؟ وما علاقة كل هذا بجهوده في العمل أصلاً! لا يمكنني أن أرى منافقا أسوأ من هذا اللعين المدعو فابيان.
بدأ باستفزازي باستصغار الخدم وبعدها في لوم كريس وانهى هراؤه بحديث فارغ.
هذا كثير جداً!
سأخبر السيد ماكس حتما بضرورة إقصاء هذا اللعين من العمل، ليس محلا للثقة. رغبت وبشدة في لكمه وكسر الفنجان فوق رأسه الفارغ.
هدأت من غضبي وانا أشاهد التلفاز في الغرفة محاولة بكل جهد تجاهل ما حدث، مر الوقت ببطء حتى حل المساء وأشارت الساعة للسادسة.
كنت أنزل الدرج امرر يدي على معدتي بجوع وانا اتجه لغرفة الطعام في اللحظة التي صادف دخول ستيف فيها للمنزل مبتسما وهو يحدق إلى هاتفه.
ابتسمت و وقفت أغير وجهتي نحوه منادية بإسمه فرفع رأسه نحوي ولكنه سرعان ما تغيرت ملامحه وقال بسرعة وهو يكاد يركض: آه مرحبا. على أن أصعد إلى غرفتي.
هاه!
وقفت في مكاني بعدم استيعاب وانا أراه يصعد بخطى سريعة دون ان يلتفت! ما خطبه بحق الإله؟!
بينما كنت متسمرة في مكاني افقت على باب غرفة الطعام الذي فُتح وخرج منه جيمي بحيرة لينظر إلي: أمي؟ الن تتناولي العشاء معنا!
أسرعت أجيبه مبتسمة: أنا قادمة. هيا.
دخلت معه وجلست بجانبه، كانت كلوديا وجوش كذلك معنا على الطاولة.
في منتصف العشاء سألت جيمي بإهتمام: لم تخبرني يا جيمي ما الذي فعلته في منزل شارلي؟
ترك الملعقة بحماس أفزعنا جميعنا: لقد كانت ألعاب شارلي الجديدة مسلية جداً! تلك الأرجوحة الكبيرة كانت سريعة! وذلك المسبح كان مليئا بالكرات الملونة والفقاعات الصابونية.
ضحكت على حماسه وكذلك كلوديا وجوش الذي تساءل مبتسما: ألم تكن جينيفر هناك يا جيمي؟
نفي جيمي: لا.
من هي جينيفر!
فكرت في هذا وسرعان ما أفزعني مجددا وهو يصف الألعاب التي قضى وقته باللعب فيها، لحظات من حديثه حتى دخل ستيف لغرفة الطعام فعلقت كلوديا بحزم: لا تتأخر مجددا عن العشاء يا ستيف.
أومأ برأسه بضجر: أردت تغيير ملابسي فلم يمر على وصولي المنزل سوى دقائق فقط.
تدخل جوش بإستيعاب: ظننت بأنني منعتك من الخروج قبل نهاية الأسبوع نظرا لما فعلته وذهابك إلى مركز الشرطة، هل تجاهلتني؟
بدى وكأن ستيف استوعب الأمر كذلك وأسرع يقول بتوتر وهو يجلس: أحد أصدقائي أراد مني الخروج برفقته فأخبرته أن يصحبني معه، لم أقد السيارة يا أبي أقسم لك!
لم يكن هذا ما اتفقنا بشأنه! لقد.
هيا يا أبي العزيز أنظر إلى الطعام اللذيذ أمامك أليس تجاهله هدراً!
سأتجاوز الموضوع هذه المرة فقط. ولكنني لن أتخطى فعلة مشابهة كما تعتقد.
أومأ برأسه مبتسما لوالده متخطيا الأمر فابتسمتُ دون أن أعلق وانا انظر إليه فرفع عيناه نحوي لثانية وما ان التقت أعيننا حتى أسرع ينظر لطبقه!
هذه لم تكن المرة الأولى. أنا لست حمقاء من الواضح انه يتجنبني بطريقة وبأخرى!
غريب. لماذا فجأة؟ هل فعلتُ شيئا أغضبه؟ ولكنني واثقة بأنني لم أفعل. ماذا هناك إذاً؟
ربما على سؤاله بشكل مباشر عندما تسنح الفرصة لي.
أكملت تناول طعامي أتحدث معهم وأضحك حتى انتهينا وذهبنا لغرفة الجلوس العلوية لمشاهدة التلفاز معاً.
لاحظت ستيف الذي يتجنب الحديث معي وكلما حاولت فتح موضوع معه أراه ينسحب بسرعة! أنا حقاً مستنكرة لتصرفاته معي ولازلت أفكر بالسبب الذي يقوده لتجنبي هكذا! غير معقول لابد وأنني فعلت شيئا دون أن أدرك وقد ضايقته.
في النهاية بدأ الجميع بالإنسحاب واحدا تلو الآخر وكذلك جيمي الذي حان موعد نومه وأتت آنا لتأخذه إلى غرفته، وجدت نفسي مع ستيف وحدنا أمام التلفاز فنظرت إليه بطرف عيني.
كان بيننا أريكة عريضة وكذلك الطاولة التي انتصفها المجلات وبعض الكتب.
فتحت فاهي لأتحدث ولكنه أسرع يقف متثائبا وأيقنت أنه تظاهر بالنعاس!
وقفت بسرعة واتجهت نحوه فانتفض وحدق إلى بشيء من التوتر والريبة.
أنت تتجاهلني. هذا واضح جداً.
ارتفع حاجبيه ونظر للفراغ قائلا: لست كذلك. أرغب في النوم لقد قضيت وقتا طويلا في الخارج.
كانت ساعات معدودة فقط.
أردفت بحيرة: لماذا تختلق الأعذار.
اقتربت منه بحزم فتراجع للوراء، كنت مستمرة في الإقتراب وهو يتراجع للخلف حتى تعثرت قدمه بالسجادة وكاد ان يقع لولا أنه استعاد توازنه وقال بإنزعاج: شارلوت ما الذي تريدينه؟
لماذا تتهرب مني؟
لم يجب بل ظل واقفا ومرر يده خلف عنقه دون أن ينظر إلى فتساءلت بعدم فهم: هل ارتكبت خطأً دون أن أعي؟ أو ربما قلت أمرا لم يكن على قوله! أخبرني فربما لم أنتبه لشيء قد ارتكبته دون قصد!
لم يجب على سؤالي وإنما انزل يده وهمس بهدوء: سأذهب إلى غرفتي.
تحرك فوقفت أمامه امنعه من الحركة فزم شفتيه بحزم ونظر إلى بصمت لأقول: ما خطبك يا ستيف! تبدو غريبا اليوم! أخبرني إن كنت منزعجا مني حتى أ.
لم تفعلي شيء.
قالها بنفاذ صبر وتجاوزني متجها للباب: لم تفعلي أي شيء لذا دعيني وشأني وحسب. لا داع لنتحدث أو نجلس في المكان ذاته.
استرسل بصوت منخفض: أريد فقط أن تبقي بعيدة عني.
اتسعت عيناي بدهشة وانا اراه يخرج! اتركه وشأنه؟! لا يمكنه أن يكون جاداً!
تحركت بعدم استيعاب لأجلس على طرف مسند الأريكة أحدق للأرض.
لا داع لنجلس في المكان ذاته، أو نتحدث، اتركه وشأنه؟ ما كل هذا! التفسير الوحيد أنني مصدر إزعاج بالنسبة له!
هل. تجاوزت حدودي بطريقة أو بأخرى في الأونة الأخيرة معه؟ أو ربما كنت أثرثر حتى ضاق ذرعا! ولكنني عاجزة عن استيعاب خروج كلمات كهذه من فم شخص مثل ستيف.
تنهدت بعمق شديد ووقفت متجهة للنافذة وانا أشعر برغبة في استنشاق الهواء بسبب ضيق قد اعترى صدري.
فتحت النافذة واتكأت عليها ليداعب نسيم الهواء البارد شعري، لم أسمع سوى صوت التلفاز المنخفض مع صوت حفيف أشجار الحديقة الكثيفة والنافورة التي يمتد ماؤها ويرتفع مصدرا صوتا تناغم مع الطبيعة الخلابة أمامي.
اعتقد ان شعوري بالراحة مع ستيف سببا في انزعاجي الآن لطلبه بأن أبتعد عنه واتركه وشأنه.
بل وكذلك تضايقي مما حدث مع المنافق فابيان وما سمعته من السيدة أولين هذا الصباح وكذلك إغلاقي للهاتف في وجه جوردن الذي وبلا شك يعلم بأنني تهربت بتلك الطريقة الساذجة.
ما الذي على فعله مع كل ما يشغل تفكيري!
هذا ما غرقت فيه وانا أشاهد سيارة تعبر الحديقة بسرعة حتى وصلت إلى النافورة ليُفتح بابها فوراً.
كريس!
نزل بخطى سريعة وأغلق الباب بقوة وصعد الدرج للمدخل!
لماذا يبدو على عجلة من أمره هكذا!
بغض النظر عن كل هذا. لا أنكر أنني سعيدة بعودته!
ابتسمت دون شعور بسرور، وخرجت من هذه الغرفة وفي هذه اللحظة اتت إحدى الخادمات وابتسمت لي بلطف ودخلت فخمنت بأنها سترتب المكان بعد جلوسنا جميعنا فيه.
عبرت الممر بغية نزول الدرج ولكنني ما أن وصلت حتى شهقت بذعر رغما عني عندما وجدت كريس في وجهي وقد صعد للتو فقط!
لم أُمنح فرصة التقط فيها أنفاسي فلقد رمقني بنظرة غاضبة وأمسك بيدي بقوة ليجرني خلفه فتحركت خلفه بدهشة وقلت: م. ماذا! لماذا تسحبني هكذا!
ولكنه لم يجب وإنما ظل ممسكا بيدي يجرني خلفه وانا أتبعه بعدم استيعاب وحيرة من أمري أنظر إلى يده التي تحكم إمساك يدي.
حسنا إنه غاضب وهذا واضح! ما المعركة الآن وما نوعها وما أسبابها؟!
اتجه إلى الغرفة التي خرجت منها للتو وفتح الباب بقوة لنجد الخادمة التي انتفضت لدخولنا المفاجئ، القى عليها نظرة حادة فتركت ما بيدها ومن وسائد الأريكة التي ترتبها وأسرعت للباب قائلة: أرجو المعذرة.
خرجت واغلقت الباب خلفها فزفرتُ بملل: ماذا الآن؟ ما هي جريمتي!
ترك يدي ووقف أمامي مباشرة فرفعت رأسي نحوه بترقب، وضع يديه بجانبه وقال بحزم: ما الذي قلتهِ للسيد فابيان تحديداً؟
لويت شفتي هامسة: ذلك المنافق.
احتدت عيناه العسليتان وظل مترقبا فتكتفتُ متسائلة بهدوء: ما الذي أخبرك به تحديداً؟
لم يقل شيئاً وإنما اتصل بماكس في المشفى وأخبره بأن يتعامل مع ما قالته زوجة ابنه وأن يأخذ بحقه لما تعرض له من إهانة في منزلنا. ما الذي قلتهِ بحق الإله!
اتسعت عيناي بقلق: هل السيد ماكس بخير؟!
زمجر بغضب: لا تراوغي بسؤال آخر!
لست أراوغك! ذلك الرجل مجرد منافق ولقي ما يستحقه. هو من بدأ على كل حال وكان على أن أقوم بالرد، لم أكن لأجلس مكتوفة الأيدي وهو يتجاوز حدوده.
ما الذي قلته؟ سألتك للمرة الثالثة يا شارلوت!
رصيت على شفتاي بقوة وأشحت بوجهي: وبكل وقاحة يطالب بحقه! ليكن في علمك فقط أنه يخدعكم ويحاول الحفاظ على صورته المثالية أمامكم، لقد ظل يتحدث بإستعلاء عن الخدم ثم أوضح بأنه الأحق في إدارة الشركة. لم أكن لأنصت إليه وأصفق لما يقوله!
تفاجأت به يدير وجهي نحوه ممسكا بذقني وفي صوته شيء من الدهشة: قمتِ بالتطاول عليه لأجل سبب كهذا! أخبريني بسرعة بالحقيقة!
هذه هي الحقيقة! لماذا قد يعمل شخص مثله معكم!
تركني ومرر يده في شعره محاولا تهدئة نفسه وهمس: سأنفجر في أي لحظة. حتما سأنفجر في وجهكِ ولن أتمالك نفسي! لماذا تتدخلين وتسمحين للسانك السليط بالثرثرة دون التفكير بالعواقب! أفسدتِ الأمر معه بحجة سخيفة كهذه! ما الذي تظنين نفسك فاعلة! هل هذه هي طريقتك في استرداد كرامتك.؟
عن أي كرامة يتحدث! لقد فعلت هذا لأنني لم أحتمل ما يقوله ذلك اللعين عنه! غضبت لأنه نعته بالدخيل!
همست بعدم تصديق: ألا بأس بهذا! أقول لك بأنه شخص منافق مخادع! إنه يعتقد بأنك غير مناسب لإدارة شركة والدك! بل وقال بأن.
قاطعني بغضب: وما الذي تفعلينه الآن؟ من وكلك محامية عني! ذلك الرجل له دور كبير في رفع قيمة أسهم الشركة وخسارته ستفتح أبوابا من خسائر الأرباح والعلاقات. ما الذي تفعلينه بحق الإله!
علقت بدهشة: هاه!
ضرب جبينه بخفة وهمس بغيض شديد: بل ويطالب بالإعتذار. أنتِ حقاً تشبهينه في إفساد كل شيء.
إنه يشير إلى إيثان!
نظرت للأرض لثوان ثم رفعت رأسي بحزم: هل هذا يعني بأنك تعلم مسبقاً بحقيقته؟
وما الجديد في ذلك!
هل تعلم ما يقوله خلف ظهرك!
وكل حرف يخرج من فمه.
لا يمكنك أن تكون جاداً!
تراجعت للخلف خطوات صغيرة احدق إليه بعدم استيعاب: هل تعلم بأنك. تجاري نفاقه أيضاً! مجاملتك تعني سقوطك في بئر النفاق لأجل مصالح العمل فقط!
ما الذي تفهمينه أنتِ؟! ما الذي تفهمينه في كون المرء يغلق أذنيه عما يقوله الآخرون لينجح! ما الذي تعرفينه عن كون المرء يجامل لأجل الصعود! أدرتُ قسما كاملا لأثبت كفاءتي بنفسي وها أنا ذا أدير الشركة لأعزز لنفسي وحسب! دعيه يتفوه بما يريد إن كان ذلك سيسمح لي بإثبات كفاءتي اللعينة في الإدارة! لم يقم ذلك الوغد بخداعي، أنا من أخدع نفسي وحسب لذا أخرجي نفسك من الموضوع ولا تحشري أنفك.
لا أستطيع تصديقك! أتعلم بأنه بالغ وتجاوز حدوده ليتحدث عن طفولتك بكل وقاحة!
انتفضت بشدة عندما ركل الطاولة القريبة من الباب بقدمه ليسقط ما عليها من مزهرية وما فيها من ماء وزهور!
نظرت إليها بدهشة ثم نحوه لأجده يخفض رأسه بفم مطبق.
ثوان فقط حتى قال بصوت مرتجف حانق: طفولتي مجرد عرض سينمائي معروض للجميع ولا يوجد بها أي نوع من الخصوصية كما تعتقدين، لا تضحكيني فتلك الطفولة اللعينة من الخطأ ان يطلق عليها اسم كهذا. الحرب التي بيننا لا يجب ان تشمل التعمق في أمور تخصني أنا. أنتِ وعائلتك السبب في كل الكوابيس التي تلاحقني لذا لا تتحدثي وكأنك اللطيفة المنقذة التي لم تحتمل الإساءة.
اقترب مني وأمسك بذراعي بقوة وقال بحقد: إنني مجبر إلى الإعتذار إلى ذلك اللعين والفضل يعود لكِ. أكره أن أتنازل وأقدم اعتذارا ولكنني مرغمٌ طالما أن الأمر يمسُ أعمال العائلة.
هل هذا ما أجنيه لوقوفي في وجهه! كان عليك أن تكون ممتنناً بدلا من لومي! هذا لا يمنع من كونك منافقا مثله تماما!
قلتها بإنزعاج ونبرة عالية فتركني واستدار بحدة: صحيح. أنا كذلك ولا أمانع في هذا، جميعنا منافقون في هذا العالم. لو لم نكن منافقون مع الآخرون فنحن على الأقل ننافق أنفسنا. أفيقي أيتها الطفلة القادمة من أرض السعادة وأنظري للعالم من حولك. نحن مضطرون للمجاملات والمنافقة لتستمر هذه الحياة البائسة. هذا العالم الوردي الذي تعيشين فيه سيتحطم ويتلوث تماماً عندما ينزع الجميع أقنعتهم. حتى أنتِ ستكونين واحدة منا عندما تتوقفين عن المجاملة. عالم بلا نفاق أو مجاملة لن يستمر ولن يدوم.
تسمرت في مكاني بعدم تصديق أنظر إليه عاجزة عن تحريك شفتاي لأجيب.
ما هذه الطريقة في التفكير بحق الإله!
كيف على أن أجيب في وضع مثل هذا!
تحدثي. ألا يوجد ما تقولينه! أعطني مبررك حالاً.
أنت مخطئ. لا يوجد ما أقوله الآن. ولكنك مخطئ!
ابتسم بسخرية مميلا برأسه: أرأيت؟ لا يوجد ما تردين به على الحقيقة التي ترفضينها.
هذه ليست حقيقة! هذا ليس العالم الذي أعيش فيه أنا وإنما العالم الذي خلقته في عقلك بنفسك! لماذا لا تكون هذه هي نظرتك للحياة لأنك في الأساس تعتمد على هذه المجاملات كجزء أساسي تتنفس به!
رص على أسنانه بغيض: الجدال معك عقيم.
بادلته النظرات بحدة وترقب فاستدار متجها للباب متمتما: فعلتك لن أتخطاها دون عواقب.
وجدت نفسي أقول ساخرة دون شعور: لا بد وأن فعلتي قد أفسدت أجواءك اللطيفة مع الآنسة الصهباء الجميلة تيا. ربما هذا هو الدافع لكل هذا الغضب وسبب إحداثك للجلبة.
وقف في مكانه دون ان يستدير وظل ظهره مواجها لي حتى بدأ التوتر والقلق يعتريني!
ما خطبه قد وقف فجأة هكذا!
استدار نصف استدارة فقط لينظر إلى فرمقته بتردد!
ما هذه النظرة الآن! ليس غاضبا وليس منزعجا ولا يسخر مني. ماذا تكون هذه النظرة بحق الإله!
بعد برهة ابتسم ابتسامة جانبية وتقدم نحوي فطرفت بعيني ببرود محاولة التظاهر بالثبات حتى قرب وجهه إلى وهمس بإستخفاف: كوني حذرة. بدأتِ ترخي دفاعك، أشتم رائحة جميلة أشبه بالغيرة!
م. من التي تغار على شخص مثلك! أنت واهم.!
لم يعلق وانما ابتعد مبتسماً بثقة وخرج من الغرفة فقلت بصوت عال بتوتر: قف عندك! من التي تشعر بالغيرة بحق الإله! هذا لن يحدث ولو قام أفضل العلماء بالتلاعب في أنسجة دماغي!
سمعتُ رده من الخارج: كلما راوغتِ كلما أصبحت مثيرة للشفقة أكثر...
الحقير! من يعتقد نفسه! ما الذي قلته للتو! كيف سمحت لنفسي بالتفوه بذلك الهراء! أي انسان سطحي حتى سيفهم بأن دافعي كان الغيرة!
بات أمر مشاعري خطيراً جداً! ماذا لو واصلت فضح نفسي هكذا! ما الذي على فعله!؟
ما يغضبني أكثر هو إنزعاجه بشأن ذلك الفابيان! لماذا قد يدافع عن شخص يدرك بأنه يكرهه! إلى أي مدى قد وصل كريس؟ التعايش مع المنافقين اللذين لا يطيقونه بات أمرا طبيعيا بالنسبة له!
مطيت شفتي بغيض وخرجت من الغرفة ألوم نفسي لمحاولتي الوقوف في صفه.
بعد ذلك قررت النوم بجانب جيمي الذي يغط في النوم العميق مسبقاً ولكنني لم اتخلص من رغبة عقلي الملحة بالتفكير الذي أرهقني فواجهت أرق امتد لساعات حتى غلبني التعب أخيراً.
تحركت بإنزعاج وأنا أشعر بشيء قد استقر على عنقي بعد ان ضربني بقوة، فتحت عيناي بكسل ونعاس لأجد ذراع جيمي تحيط بعنقي وهو في وضعية غير مرتبة بل وان الغطاء لم يعد مستقرا على جسده حتى!
ابتسمت وأغمضت عيناي لثوان وأنا أحاول استعادة نشاطي حتى اعتدلت واسرعت لحمام الغرفة لأغسل وجهي وارتب شعري الطويل المنسدل على ظهري.
عدت إلى جيمي لأجده لا يزال نائما بعمق، القيت نظرة على الساعة الموجودة على المنضدة لأجدها تشير إلى السابعة.
سيحين وقت طعام الإفطار قريباً.
جلست على السرير محاولة ايقاظ جيمي ذو النوم الثقيل ولم يستجب لي فاضطررت للجوء إلى أساليب كالإزعاج ثم الدغدغة حتى استيقط وهو يضحك بكسل.
بعثرت شعره وقلت بحماس: هيا أسرع إلى الحمام لنتناول الطعام جميعنا.
سبقته لأخرج من الغرفة وعندما فعلت ذلك سمعت صوتا مزعجا يصدر من آخر الجناح.
إنها غرفة كريس!
عقدت حاجباي مقتربة ليتضح أنه صوت منبه! ولكنه عال جداً!
وقفت امام الغرفة للحظات واستمر الصوت حتى فتحت الباب باستغراب ليتضح انه لم يكن منبها واحدا فقط وإنما اثنان في الوقت آنه!
رسمت وجها ابلهاً وانا انظر إلى طريقة نومه العميقة لثوان، بدى وكأنه بعيد عن هذا العالم ويغوص في الأحلام! تنهدت ودخلت لأخذ احدهما واضعه بجانب رأسه دون أن أغلقه وأخرج بسرعة.
لا يمكنني أن أصدق أنه يوجد كائن بشري في هذا العالم يحتاج إلى منبهان في الوقت آنه! إذا اندلعت الحرب العالمية الثالثة فكريس سيكون الناجي الوحيد على كوكب الأرض لأنه لن يشارك فيها أو يشعر بها أصلاً.
بعد ربع ساعة أو أكثر اجتمعنا في غرفة الطعام واكتمل العدد.
ما كان عليه الحال كالآتي. جيمي وستيف يتحدثان معاً بحماس بأمور من اهتمامات جيمي، كلوديا تبدو في مزاج جيد جداً وهي تختلس النظرات في كل حين إلى شاشة هاتفها، أما جوش فكان طبيعيا وهو يتناول الطعام بصمت ويقرأ إحدى المجلات.
بينما كريس يجلس بجانبي بهدوء ممررا أصابعه ببطء على جبينه وشعرت وكأنه يعاني من آلام صداع أو أمر مشابه.
شاركت جيمي في الحديث ولاحظت توقف ستيف عن مشاركتنا فوراً ما ان تدخلت.
نظرت إليه وانا ابتسم فأشاح بوجهه بعيداً.
آلمتني ردة فعله هذه ولكنني تظاهرت وكأن شيئا لم يكن، بعدها انسحبت من الحديث فعاد ليتحدث مع جيمي مما جعلني أشعر بالغيض الشديد!
استرقت نظرة لكريس فوجدته بالكاد يتناول الطعام، لقد انتظرت قليلا مفكرة لعله سيسأل جيمي عما فعله في الأمس مع شارلي أو ان يفتح معه أي موضوع ولكنه لم يفعل.
أحزنني هذا وتساءلت إن كان على محاولة جعله يتحدث معه بطريقة أو بأخرى.
عندما كنت أفكر في هذا دخلت السيدة أولين لتطمئن من تواجد جميع الأصناف أمامنا ثم ابتسمت بهدوء وهي تقف خلف كرسي جيمي مداعبة شعره لتتساءل: تبدين مسرورة يا كلوديا. ما الأمر؟
نظرت إليها كلوديا بشيء من الحماس: هل هذا واضح! نعم إنني كذلك بالفعل.
أضافت وقد تركت الملعقة لتضعها في الطبق: لقد أخبرني الطبيب بأن ماكس سيكون قادراً على الخروج من المشفى في غضون أسبوع ونصف.
اتسعت أعين الجميع ليقول ستيف بعدم تصديق: حقاً! هذا رائع. وأخيراً سيعود خالي إلى المنزل!
ابتسم جيمي بسعادة: هل سيعود جدي أخيراً! سيعود للجلوس معي ولنتنزه في الخارج كالعادة!
أومأت كلوديا بلطف: نعم يا جيمي.
انتابني السرور لهذا الخبر الجميل وعلقتُ براحة: من الجميل سماع أمر كهذا، كان يشعر بالوحدة والملل، لا بد وأنه أسعد من الجميع ويرغب في الخروج حالاً.
أيدني جوش: بلا شك، لقد قال الطبيب بأن حالته قد استقرت، ومعاينته اليوم كانت تسير بشكل جيد جدا ويبدو أنه لا بأس في خروجه بعد أيام قليلة بشرط ان يتم توفير العناية في المنزل وقد يضطر للحصول على مرافقة إحدى الممرضات معه ولكنه لم يؤكد هذا بعد.
تنهدت أولين وهي تمرر يدها على رأس جيمي بلطف: وأخيراً سيضم المنزل جميع أفراد أسرته. الجميع مشتاق إليه.
بعدها قال جيمي بحماس: لقد شبعت، أبي سأخرج إلى الحديقة.
ظل كريس ينظر للطبق بعين شاردة وبدى بأنه لم ينتبه لما قاله جيمي الذي بات ينظر إليه بحيرة وترقب فأسرع جوش يتدخل: حسنا يا بني لا بأس طالما أنك أنهيت أكثر من نصف الطبق.
أومأ جيمي والقى على كريس نظرة تردد أخيرة قبل أن يتحرك مبتعدا عن الكرسي ليخرج من غرفة الطعام.
حل الصمت في المكان والجميع يتبادل النظرات حتى اشارت لي أولين بعينها لكريس فرفعت كتفاي بعدم معرفة.
حينها كسرت كلوديا الصمت قائلة: كريس. هل من خطب ما؟
رفع رأسه مبعدا عينيه عن الطبق وتمتم بهدوء: لماذا تسألين سؤال كهذا!
ل. لأنك لم تشاركنا الحديث للتو! كنت هادئاً جداً. ماكس سيخرج بعد أيام قليلة وسيعود للمنزل.
قالتها مترقبة ردة فعله وكذلك نحن.
جابت عينيه العسليتان على الطبق مجدداً والذي لم يأكل منه سوى بضعة ملاعق معدودة وقال ببرود وهو يلقي بالملعقة على الطاولة ليصدر صوتا مزعجا: آه، أنا أيضا مسرور لدرجة أنني فقدت شهيتي.
اتسعت عيناي لما قاله بينما همس جوش بحزم: لا فائدة.
نظر ستيف إلى والده وقال مهدئا: لا بأس يا أبي دعه وشأنه، ربما يكون مزاجه سيئاً الآن.
تدخلت كلوديا بإمتعاض شديد وهي ترفع كوب الماء لترتشف: لسنا بحاجة إلى أي تبريرات أو أعذار فارغة.
أضافت تحدق إلى كريس: من الواضح أن عودة والدك بالنسبة لك لا تعني أي شيء.
حذرتها أولين ملطفة الجو: يكفي يا كلوديا.
حل الصمت مجددا وعادت كلوديا تمضغ الطعام بعصبية فنظر ستيف إلى السيدة أولين بإحباط.
زميت شفتاي بتوتر ونظرت لكريس الذي ظل يحرك الملعقة في الطبق بملل واليد الأخرى يريحها في حجره.
أنا حقا لا أفهم ما الذي يفكر فيه الآن، أو بما يشعر فيه بعد سماع خبر مفرح كهذا.
ولكن. هناك أمر أهم الآن.
لماذا أشعر بأن عيناه في هذه اللحظة غريبتان؟
لا أدري كيف أصف الأمر ولكن. يبدو وكأنه يكبت في نفسه شيء غامض!
نظرت إلى يده التي يريحها في حجره. استمريت في التحديق حتى أدهشتني ردة فعلي وانا امد يدي ببطء نحو يده.
ولكنني سرعان ما توقفت عندما قالت كلوديا بحزم: أنظر إليكَ يا كريس، لوهلة ظننت بأنك ستفتح صفحة جديدة ما ان يخرج والدك من المشفى، ولكن من الواضح أنك لا تنوي المبادرة في إنهاء هذه المعركة بينكما.
م. ما الذي كنتُ سأفعله للتو بحق الإله! لو لم تفاجئني نبرة كلوديا الغاضبة لامتدت يدي دون شعور لأمسك بيده! ما الذي أفكر فيه. أن أريه مشاعري نحوه؟ م. مستحيل! أنا شاكرة لغضب كلوديا. ممتنة لكسرها الصمت فجأة!
انتفضتُ في مكاني على الكرسي عندما زمجر كريس بحدة: سأخرج لأستنشق الهواء.
قالها وهو يقف مبعدا الكرسي الذي وقع للخلف بقوة فاتسعت عيناي وكذلك ستيف بينما قال جوش بحزم وعدم رضى: مهلاً! توقف يا كريس.
وعندما لم يتوقف وابتعد عن الطاولة وقفت كلوديا لتقول بإنفعال قد أفزعني: لقد طفح الكيل، لقد تعبت لم أعد أحتمل طريقتك هذه! إن كنت ستتصرف على هذا النحو حتى عند عودة والدك فأنا أنصحك إما بتغيير طريقتك حالا أو.
ولكنه قاطعها بجفاء وهو يستدير نحونا: إن كان الأمر مزعجا إلى هذه الدرجة فلا تقلقي ما أن يعود للمنزل سأذهب إلى منزلي وحينها لن يكون هناك أي عبء، أيرضيك هذا عمتي؟
لماذا تفكر بهذه الطريقة! ليس هذا ما قصدته لقد كنت أقول بأن ماكس مازال متعبا ومعاملتك الجافة نحوه لن تساعده في التحسن! توقف عن المراوغة وقلب الحديث لصالحك!، لو عاد ماكس ولم يجدك هنا ستسوء حالته لا محالة! هل حقا لا بأس بعودته للمشفى مجدداً بعد ذلك؟
رص على شفتيه بشدة وبدى من الواضح محاولته لتمالك أعصابه ولكنه فشل عندما قال بسخرية بنبرة عالية حادة: عمتي أنا لست ذلك الإبن الذي سينقذ هذه العائلة من التوترات والخلافات، أنظري إلى جيداً وتذكري أنني أحد أهم أسباب هذه الخلافات. كما لستُ إبرةٌ مهدئة سيأخذها ماكس ليتعافى، ولست الإبن الذي سترين فيه أملاً في منح هذه العائلة أجواءً دافئة. الجميع يتفق على أن وجودي ليس سوى عبءٌ ثقيل لا بد من إزاحته قليلا. والدليل على ذلك انني نقطة مشتركة في أي خلاف في العائلة، الأمر لا يقتصر على خالتي فيكتوريا فقط بل الجميع، لذا لا ترهقي نفسك بالتفكير فهذا العبء عليه ان يغادر إلى منزله الخاص عندما يخرج جلالة الملك ماكس ليعود إلى المنزل بين أحبابه ورعيته.
جحظت عيناي الخضراوان محدقة إليه بشفة مرتجفة بينما أخفض ستيف رأسه بإستياء يجوبه إنزعاج.
همست كلوديا بعدم تصديق: ما الذي تهذي به! ألا زلت تفكر بهذه الطريقة! أفق يا كريس لا أحد يفكر بك كعبء سواك أنت. لا أحد ينظر إليك هكذا! من أين لك ان تؤمن بهذا بحق السماء! خالتك فيكتوريا مشكلتها ليست معك أنت فقط بل أنا أيضا! لماذا هذه الخصخصة الغريبة في تفكيرك و.
نفي برأسه بإزدراء: لست أفهم. أنا حقا عاجز عن فهم رغبة الجميع الملحة في الدفاع عنه، لماذا تعاملونه كما لو كان شخص مظلوم! لا يمكنني أن أرى الجميع من حولي يتصرفون معه وكأن شيء لم يكن، هذا مثير للاشمئزاز، لقد ظننت بأنكم ستلقون القليل من الاهتمام لما حدثَ مسبقا و.
باتريشيا انتحرت دون مبرر يا كريس! توقف عن لوم ماكس في ذنب اقترفته باتريشيا بنفسها لتصيب الجميع بلعنة الشك وتوليد الخلافات التي لا تنتهي، السبب لم يكن ماكس بل.
ان كنت ستواصلين التستر على جريمة أخاك فهو أمر لا يعنيني ولكنني لم أعد استبعد امراً كهذا.
ادهشتني جملته تلك!، بينما اتسعت عينا كلوديا وبدى وكأن الصدمة قد أخرستها وألجمت لسانها! وحتى ستيف وجوش الذي ترك المجلة تنزلق من يده محدقا إلى كريس بعدم استيعاب!
اجفلنا لصوت أولين الحاد: لقد تماديت كثيراً! ما الذي تقوله؟ كيف تجرؤ على قول هذا لعمتك وكيف تجرؤ على وصف أبيك بصفات كهذه.
تغيرت نظرات كريس من الانزعاج للغضب الشديد ورفع يده نحو منتصف جبينه بأسى ساخر: جميعكم تذنبون وتقعون في الخطأ نفسه، حتى أنت يا سيدة أولين مازلت تنكرين ما حدث وتتسترين على كل شيء، إن كانت حياة أمي لم تكن ذات قيمة فما الباقي لأقوم بتقديره أو النظر إليه بعد ان سُلبت حياتها! هذا بالفعل لا يغتفر! وأنت يا جوش كذلك صداقتك العميقة مع ماكس لن تسمح لك بالتخلي عن هذه العِشرة التي دامت سنوات طويلة لتلتفت نصف التفاتة إلى المرأة التي سارت على حبل شائك منذ البداية، وانتِ يا عمتي ستتبعين ما تنظر إليه عينا ماكس شقيقك الوحيد والمقرب مديرة وجهك عن ما حدث بكل بساطة! ما الذي تفعلونه تحديداً؟! هل حقا انتهى كل شيء بوفاتها؟ لماذا أرى الراحة على وجوه الجميع منذ ذلك اليوم. هل حقا كان وجودها بينكم مزعجا إلى هذه الدرجة! على أي خشبة مسرح نقوم بالتمثيل جميعنا بحق الجحيم!
وجدت نفسي أقف بتردد وبطءٍ اقمع رغبتي في تهدأته!
أضاف بحقد وقد اختفت السخرية عن ملامحه تماما: هذا المنزل أصبح لا يطاق. أنا أيضا لم أعد أريد أن أتحمل مسؤولية أي شيء هنا. لم أكن أنوي منذ البداية أن أصبح أباً ولم أكن أنوي العمل لأجل الشركة ولم أكن الشخص الذي سيختار والديه ولا ت.
ولكن صوت الصفعة التي دوت في المكان جعلني أشهق بعدم تصديق لأرفع يدي على فمي بينما تسمر الجميع محدقين بدهشة وكأن الزمن توقف لهنينة مجمدا كل الأصوات والحركة.
تناثر شعره على وجنته ورأسه تميل لليسار جراء الصفعة، كان يقف بثبات دون أن أرى ملامحه بينما قالت أولين بنبرة مرتجفة: هذا يكفي. يكفي، لا يمكنني أن أصدق أنك تقول هذا!، لا يمكن ان تكون قد تغيرت إلى هذه الدرجة، هل قلت لا يطاق؟ ما تقوله بحق عائلتك بشع. بشع جدا! هل نسيت ان افراد المنزل جميعهم قد اعتنوا بك منذ صغرك، وكرسوا وقتهم لك ليحاولوا التقرب إليك بالرغم من صدك الدائم لهم، هل نسيت ما قدموه لأجلك وهل نسيت أنهم صبروا عليك كثيراً، ما الذي حدث معك؟ لم تعد تتصرف بطريقة طبيعية إطلاقاً! إن كنت مقتنع بما تراه فقط فما الذي علينا فعله لتلتفت إلى الحقيقة وتصدق، لا. بل ما الذي علينا فعله لننال القليل من ثقتك على الأقل، دائما توجه سبابتك إلينا بلوم وعتاب، دائما باتريشيا المرأة المظلومة والمسكينة، ومن قال عكس هذا؟! أخبرني!
أضافت بحزن مقتربة إليه وهي تمسك بقميصه: باتريشيا قد تعرضت لصدمة قوية يا كريس وجميعنا نعلم هذا، ولكن المظلوم قد يصبح أسوء من الظالم عندما يغرق في الحقد والرغبة في الإنتقام، قد يصبح شخص آخر مختلف تماما وقد يدون اسمه في قائمة الخطر، باتريشيا كانت كذلك يا كريس، أنت تفهم ما أعنيه! لماذا شخص مثلك يتفوه بهذا بعد ان لقيت منها أمور لن يحتملها أي طفل في العالم! ما نوع الأفكار التي تجتاحك إلى هذه الدرجة لتبني هذه الحواجز القوية بيننا وبينك! لماذا تتغير باستمرار!
كنت أنظر إليهما بضيق وترقب، انتظرت من كريس أن يقول شيئا، أن يعتذر على الأقل أو يهمس ولو بحرف واحد ولكنني تفاجأت به يبعد شعره ممررا أنامله فيه للأعلى بملامح بلا تعبير واضح وأصبحت عينيه العسليتين هادئتان تماما وهو ينظر إلى أولين التي كانت عينيها تدمعان بوضوح.
سمعته يقول بصوت منخفض مبعدا يديها برفق: أنا لم أتغير سيدة أولين. هذا هو أنا منذ البداية.
انهى جملته واستدار ليخرج من الغرفة صافقا الباب خلفه!
تحركت قدماي دون شعور خلفه إلا أن صوت جوش استوقفني: دعيه يا شارلوت.
و. ولكن!
نظرت إليه بتردد فزفرت أولين بإنزعاج: لا بأس اتبعيه من يدري ما قد يقوم به الآن.
ارتفع حاجباي بقلق ولكن كلوديا علقت محاولة جاهدة السيطرة على ضيقها: فيما بعد! ربما يكون غاضبا ويفجر ذلك الغضب فيك، اتركيه حتى يهدأ و.
ولكنني قاطعتها لأطمئنها بهدوء: لا تقلقي لن أضايقه يمكنني أن أجلس معه فقط حتى يهدأ.
قلتها وأنا أسرع بالخروج باحثة عنه، وعندما سمعت وقع خطوات على الدرج أيقنت بأنه قد صعد للأعلى ففعلت ذلك.
كنت أصعد ببطء ولا أعلم لماذا، هل أنا متوترة، أم خائفة؟
حاولت تهدئة نفسي ومشيت نحو الغرفة ولكنني قبل أن اتجه إلى هناك لفت انتباهي اصوات ضجة من غرفة مكتب عمله!
تقدمت إلى هناك بحيرة وبخطى بطيئة، كان الباب مفتوحا قليلا وعندما اقتربت أكثر لأطل من الباب ظننت للحظة بأن اعصارا قد غزى الغرفة مسببا تطاير الاوراق في الهواء، ولكنني تفاجأت بكريس يقوم برمي الأوراق والملفات من المكتب بغضب!
انتفضت في مكاني وتحركت لأدخل قائلة: ما الذي تفعله! توقف.
أغلقت الباب خلفي وأسرعت نحوه بتوتر بينما كان يتجاهلني ليرمي المزيد من الأوراق التي تناثرت على الأرض وافسدت المكان كله! وكم أدهشتني تلك النظرة في عينيه بالرغم من تصرفاته المنفعلة! أكاد لا أصدق تلك النظرة المنكسرة البائسة!
قلت مهدئة: مهلا! هذا يكفي، إنها أوراق العمل! توقف عن هذا أيها الأحمق.
ولكنه تجاهلني مرارا وتكرارا إلى أن تشجعت في الاقتراب محاولة إيقافه وأنا أمسك يديه حتى دفعني بسخط: ابتعدي!
نظرت إليه بارتياب فما كان منه إلا أن ركل الطاولة بغضب وجلس على الكرسي وبدى وكأنه يحاول تهدئة أعصابه وعينيه العسليتان تحدق في الأرض بغضب ثم اغمضهما وادار كرسي المكتب ببطء.
زميت شفتي وتنهدت، ووجدت نفسي أقوم بجمع الأوراق كلها، كنت أجمعها بصمت دون أن أنبس ببنت شفة، مر الوقت وأنا مازلت أرتبها حتى انتهيت ووضعتها على الطاولة متمتمة بهدوء: على رسلك قليلا، اترك الغضب جانبا!
قلتها مهدئة فرفع عينيه ينظر إلى بجمود ليهمس: إن كنت هنا لإكمال المحاضرة فأنصحك بأن تخرجي حالا.
محاضرة!
تنهدت بعمق وقلت وأنا أجلس على الأريكة: لست هنا لألومك وما شابه، أردت فقط أن اخبرك بضرورة تمالك نفسك وحسب!
لا شأن لك. لماذا تبعتني على أي حال! النظر إليك ليس مهدئا للأعصاب كما تعتقدين.
قالها بجفاء وهو يبعثر شعره، فبللت شفتي بتوتر: لماذا؟ لأنك تكرهني!
رفع عينيه إلى وانتفضت للكره والحقد اللذان كانا موجهان نحوي!
وقف من على الكرسي متجها إلى بخطوات ثابتة وعندما وقف أمامي رفعت رأسي أنظر إليه بإرتباك وقلق إلا أنني تظاهرت بالثبات حتى انحنى واضعا يده اليمنى بجانبي على الأريكة: لأنني أكرهك؟ هل سألتني للتو لما أنا غاضب؟ ألم أخبرك مسبقا بأنني أكره عائلتك؟
نعم، قلت ذلك
وألم أخبرك بأنهم السبب في كل شيء؟
لم توضح لي ذلك حتى الآن!
وها أنا الآن أوضحه، والدتك العزيزة قادت أمي إلى اللجوء للإنتحار بعد ان طفح الكيل بها. ومنذ وفاتها انقلب الحال تماما في هذه العائلة اللعينة. ادفعي الثمن ودعيني انفس عن غضبي قليلا، إنها ضريبة كونك ابنتها.
أضاف بصوت منخفض أكثر: المشكلة أنني لم أعد أعلم كيف على فعل هذا، لا أدري لماذا كلما أردت تلقينك درسا أو تعذيبك اجد نفسي أعود للوراء مئة خطوة، هذا يجعلني أكرهك أكثر وأكثر يا شارلوت!
عقدت حاجباي بغضب مستمرة في الحملقة به، كم مرة عليه أن يكرر ذلك؟ هل عليه ان يذكرني في كل مرة بأنه يكرهني؟ أشعر بأنني لم اعد احتمل هذا.
لا شأن لي بماضي أي شخص يا كريس! انتحار والدتك مؤسف بلا شك ولكنني لن أقبل بما تقوله طالما ترفض توضيح التفاصيل لي، إن كانت عائلتي مكروهة إلى هذه الدرجة بالنسبة لك فلماذا ظهرت الآن فقط لتنتقم؟ لا تخبرني أن تورط إيثان في تلك المشكلة كان مُدعما بالأسباب ذاتها! لا يعقل بأنك تركته يغرق في ورطته لمجرد أنه ابن ستيفاني التي تمقتها! الا تعتقد بأنك.
ولكنني قطعت ما أقوله عندما تداركت الحماقة التي تفوهت بها! اللعنة ما كان على أن أخبره بأنني على علم بما حدث قبل سنوات مع إيثان! كيف على أن أخفي الموضوع الآن، ولكن ادركت بأن الأوان فات عندما احتدت عيناه بحذر وهمس: إيثان!
أضاف بنبرته: هل علمت بما حدث!
عاودت أبلل شفتاي بقلق وتوتر ولكن سرعان ما تورد وجهي بالكامل عندما اقترب أكثر وانحنى نحوي، كانت عينيه تعكسان نفاذ صبر وسخط ولكنني لم أستطع منع نفسي من الشعور بالإحراج!
وجدت نفسي أتمالك أعصابي قائلة بهدوء متلعثم: لم أقل هذا تماما، أ. أقصد لقد خمنت الامر فقط.
خمنته؟ وهل يفترض أن أصدق هذا!
اتسمح بان تبتعد قليلا؟
قلتها متظاهرة بالغضب فتجاهلني ليقول بحنق: تحدثي! هل تظنينني أحمق؟ ما الذي تخفينه، كيف علمت بما حدث كما تزعمين.
ق. قلت لك خمنت الأمر وحسب!
عندما رص على شفتيه علمت بأنه على وشك أن ينفجر في وجهي فأسرعت أقول وأنا أقف وأتجاوزه لأخرج: على أن أتفقد جيمي.
ولكنني انتفضت وأنا أرى يده التي وضعها على الباب امامي: وكيف لي أن أصدق حجة سخيفة كهذه؟ هل خمنت الأمر؟ وما الذي قمت بتخمينه! ما الذي توصلت إليه؟
زفرت بإنزعاج: خمنت كل شيء وحسب وتصديق ذلك أو لا هو أمر راجع لك يا كريس!
مازلت أسئلك، ما الذي توصلت إليه أيتها المحققة؟
ابتلعت ريقي واستدرت أنظر إليه بحذر فأبعد يده عن الباب ونظر إلى بترقب.
هل على ان أكون واضحة؟
ولكنني. لن أخبره بأن والده من قال كل شيء، وفي الحقيقة السيد ماكس لم يذكر أخي ولكنني فهمت كل شيء وحدي وربطت الأمور بنفسي نظرا لتلك الصورة التي رأيتها في منزله!
كل ما توصلت إليه بأن إيثان كان زميلك في العمل في هذه المدينة، في أول عمل يحصل عليه في شركة عائلتك، وحدثت قضية اختلاس أموال للشركة وتورط فيها.
طرفت بعيني ببطء اتحاشى النظر إليه فاتسعت عينيه العسليتين بدهشة ولكنهما سرعان ما احتدتا فأخذت نفسا أهدأ به نفسي.
ما خطب ردة الفعل هذه؟ وماذا يكون الآن! غاضب؟ مستنكر؟ أم ماذا.
وجدت نفسي أردف بإنزعاج واستفزاز: وهذا هو سبب كرهك له، وهو ما جعلك تقول في ذلك اليوم بأنني أذكرك به، اليس كذلك؟ وها أنت الآن ستردد بأنك تكرهه وما السبب؟ قضية لا تعلم انت حتى إن كانت قضية عادلة أم.
ولكنه ابتسم وهو يصفق بيده بسخرية لأقطع كلامي محدقة به بغيض واستنكار.
أحسنتِ، تحليل ممتاز، وهل يجدر بي أن أصدق أنك توصلت لكل هذا بنفسك؟
أضاف بنبرة تحذير: من الذي أخبرك بالأمر؟!
ع. علمت وحدي!
زفر بملل ونفاذ صبر حتى تمتم: هيا يا شارلوت، لا تقومي باستفزازي أكثر وأخبريني وحسب من الذي أخبرك؟
أضاف مبتسما باستهزاء: أيكون إيثان! هل كان يفضفض لشقيقته الصغيرة مثلا وقال كل هذه الأمور لك؟
شعرت بالانزعاج كثيرا إلا أنه استرسل بحيرة مستفزة: غريب، وهل فقد الأمل لدرجة القيام بأمر كهذا؟ هل كان مستاءا إلى هذه الدرجة أم أنه شعر بتأنيب الضمير والندم فأنفجر باكيا في أحضانك يا ترى؟
أصمت!
أردفت بغضب: إيثان لم يخبرني بأي شيء.
إذاً من الذي فعل؟
أكمل بحدة: فلا أحد يعلم بالأمر سواي أنا وأخاك وماكس!
اتسعت عيناه فبدى وكأنه قد أدرك أمرا للتو فتفاجأت به يقترب مني فلم يكن مني سوى أن أتراجع للخلف متمتمة بحدة: م. ماذا! إياك وأن تتهور وإلا صرخت بأعلى صوتي.
ولكنه لم يتوقف وإنما فعلت أنا ذلك عندما أجبرني الجدار خلفي على هذا!
ظل واقف أمامي وهمس عاقدا حاجبيه بتركيز: لقد التقيتِ بماكس مؤخراً.
ثم اقترب أكثر حتى شعرت بالتوتر الشديد وأبعدت عيناي عنه متمالكة نفسي بينما أكمل: هل كان من أخبرك؟
لا.
أوه، حقا؟
قلت لك لم يقل شيء، أنت قريب جدا ما خطبك بحق الإله!
يمكنني أن أرى أنك كاذبة يا شارلوت.
قالها هامسا بطريقة غريبة جعلتني أنظر إليه رغما عني وقد رفع يده ليعيد خصلات متمردة خلف أذني!
لا أريد التصرف بحماقة لأنني لا أريد له أن يعلم ما أحاول جاهدة إخفاءه عنه، لا أريده أن يستغل مشاعري!
كانت عيناه تحدقان بعيناي وهم يتمتم هامسا: لا أستبعد أن يكون من تفوه بكل شيء لك فأنت بلا شك تذكرينه بوالدتك و بأخيك الوغد.
لا تنعت إيثان بكلمات كهذه!
قلتها م
ردة فعلها كفيلة بجعلي أتمالك نفسي مفكرة بعقلانية بأنني الآن في عينيها زوجة كريس التي من الطبيعي ان يكون لها نصيب في تحمل مسؤولية أعماله ولو قليلاً!
ولكنني لا أعرف كيف من المفترض مقابلة ذلك الرجل حتى.
تظاهرت بالهدوء: حسنا إذاً. هل هو هنا؟
أشرت إلى غرفة الضيافة فأومأت: نعم، سأحضر كوبان من القهوة.
غادرت فوقفت بتردد أنظر لباب الغرفة.
أشعر بأنه لا ينبغي ان اقحم نفسي في أمور كهذه!
ولكنني في النهاية تحركت مرتدية لباس من الثقة والرزانة لأطرق الباب ثم دخلت مبتسمة بهدوء: مرحبا.
كان رجلاً بدى في عقده الخامس مرتديا بدلة سوداء رسمية وبدى الثراء محيطا به كهالة خاصة، وقف وهو ينظر إلى بإستنكار ونظرة تقييم لم تشعرني بالراحة.
وقفت امامه مباشرة امد يدي مبتسمة ليصافحني قائلا بصوت عميق: مرحبا.
أسرعت أقول: أنا زوجة كريس.
طرف بعينيه السوداوين وأومأ: أنتِ الآنسة شارلوت إذاً. أنا فابيان أحد زملاء السيد ماكس في العمل سررت بمعرفتك.
السيد ماكس! هكذا إذاً. هذا يعني أنه يعمل في الشركة مع ماكس ولكنه مضطر للتعامل مع كريس بطريقة مباشرة نظرا لأخذه منصب والده مؤقتا.
حييت به وجلست على الأريكة المقابلة وما هي إلا لحظات حتى دخلت الخادمة لتضع فنجان القهوة وتخرج.
قلت بلباقة: تفضل سيد فابيان.
رشف من القهوة وقال بنبرة تكاد تكون جافة: سأختصر الأمر آنسة شارلوت، أنا هنا لإحضار هذه الملفات وحسب، أرجو أن تسلميها لكريس مباشرة.
حسناً إذاً، سأفعل.
وضع الملفات التي كانت ثلاثة بألوان داكنة وبداخلها أوراق كثيرة، تناولتها ووضعتها في حجري فتمتم ببرود: يمكنني الإطمئنان الآن. لم أكن لأعطي أوراق بغاية الأهمية إلى تلك الخادمة المُلحة.
هاه!
طرفت بعيني ببطء فأضاف هامساً محدثا نفسه: إنني هنا منذ عشرة دقائق أحتمل إلحاحها.
حاولت جاهدة ان ابتسم: لا بأس سيد فابيان، كانت قلقة فقط فلا أحد في المنزل ليستلم هذه الأوراق.
لا يجب أن تثقي بالخدم إلى هذه الدرجة. أوراق كهذه قد تكلف الملايين آنسة شارلوت، ضياع ورقة واحدة كفيل بقطع أكثر من علاقة مع الشركات المعاونة.
ما هذا الرجل المتعالي! بدأت أشعر بأنه من الأفضل ان أغرب عن وجهه حالاً حتى لا تستفزني كلماته أكثر.
سيد فابيان، لماذا لم تسلم هذه الأوراق لكريس بشكل مباشرة؟
تكتف واضعا قدما على الأخرى متنهدا بملل: كان من المفترض ان يحدث هذا ولكن زوجك لم يحضر اليوم إلى الشركة فما كان مني سوى المجيء إلى هنا بنفسي.
كريس لم يذهب للعمل! أين هو إذاً؟! الا يفترض بأنه قد ذهب للشركة منذ الصباح؟
أين هو؟
سألته دون شعور فأجاب بنبرته السابقة: من يعلم. الآنسة تيا لم تكن في العمل أيضاً وكان من المفترض أنها مكلفة باستلام أي رسائل أو أوراق مهمة. أقترح أن توصي زوجك آنسة شارلوت بتخصيص المزيد من الوقت للشركة.
اتسعت عيناي محدقة إليه بصمت. كريس وتيا؟
ما هذا! أشعر بإنقباض في صدري.! و. ولكن، هذا ليس من شأني! كما أنهما مقربان و.
وماذا!
أنا حقا عاجزة عن تقبل كلماته هذه!
لمعت عينيه بالسخرية وتمتم: لا أدري ما الذي كان يجول في خاطر ماكس عندما أحضر ابنه إلى منصب الإدارة! الجميع يعلم بأنه لم يكن يريد ذلك المنصب منذ البداية، لن أنكر بأنه مجتهد في عمله ولكن منصب إداري؟ لا. ليس مناسب وإنما كثير جداً!
ارتفع حاجباي فتغير صوته لشيء من الإستخفاف والإنزعاج: لقد كنت مقربا من ماكس وتقاسمنا الكثير من المهام سوياً، لماذا لم يفكر جلياً قبل اتخاذ قرار كهذا.
تفاجأت بعيناه تلمعان بالغضب: كنت سأكون الأجدر برئاسة الشركة في غيابه عوضاً عن جلوس ذلك الدخيل على كرسي الإدارة.
تلى جملته ضربة قوية وجهتها بكلتا يداي للطاولة لأقف بحزم.
نظر إلى بدهشة فحدقت إليه بحدة وغضب.
هل قال الدخيل؟!
هل نعت كريس بذلك حقاً! أراهن على أنه أحد الأشخاص اللذين شهدوا حادثة زفاف باتريشيا كما قالت السيدة أولين. وإلا لما قال كلمة كهذه!
وجدت نفسي أقول بإنفعال: هذا كثيرا جداً سيد فابيان. كريس ليس دخيلاً!
ما الذي تعرفينه أنتِ آنسة شارلوت؟
قالها وقد اعتدل في جلسته وأضاف ببرود: الجميع يعلم أن كريس مكانه ليس هنا.
ما أعلمه بأنك تجاوزت حدودك كثيراً! من سمح لك بالتفكير بهذه الطريقة بحق الإله؟ من أنت لتضع نفسك في مكان الشخص القادر على تحكيم وتقييم الأمور؟ وُلد كريس ليشغل منصب والده ويحافظ على شركة العائلة وأعمالها الناجحة لا لتقول هراءك هذا.
اتسعت عيناه فأضفت بغضب: دعني أخمن. هل قلت دخيلا بناءً على ما حدث في زفاف والدته!
احتدت عيناه: لن تنطلي حيلة استبدال الزوج على أحد سوى السُذَج آنسة شارلوت.
وما شأن هذا بجهود كريس بحق الإله؟
شأنه بأنه لم يرغب منذ البداية في تولي أمور العمل ولكن انظري إليه الآن يشغل منصبا أكبر مما يستطيع حمله.
هل تغار منه؟
اتسعت عيناه لثوان قبل ان يصرخ بغضب وهو يقف: ما هذا السخف؟ أغار منه؟ لماذا على أن أغار من كريس!
أنت أدرى بالسبب. لماذا لا توضح أسبابك ودوافعك الشخصية للسيد ماكس الذي قلت بانك انجزت معه المهام سوياً؟ هاه؟
لقد تجاوزتِ حدودك في الحديث يا فتاة.
أردف بسخرية ملأها الحقد: اذهبي بنفسك لو تكرمتي بزيارة سريعة إلى الشركات المجاورة وانصتِ إلى القصة التي يتم تناقلها بشأن ابنه الغير شرعي منذ البداية وتورطه في قضية انتحار والدته قبل سنوات.
الجميع يعلم بأن والدته انتحرت. ما الجديد؟!
يوجد الجديد عزيزتي، فزوجك لم يكن موجودا في عزاء والدته طوال الوقت بل ولشهور أخرى مما يجعله ضمن دائرة الإتهام. أنا لن أقبل أبداً بشخص مثله ليكون رئيسا لأعمال قد امتدت لأكثر من عشرون سنة.
كريس لم يكن موجودا في العزاء؟!
لماذا؟!
تساءلت بنفسي بينما همس بإزدراء: من الطبيعي ان تدافعي عن زوجك. ولكن انظري إليه جيداً، لا شيء جيد بشأنه، الجميع يرى سوء علاقته بوالده وهذا أمر حتى الموظفين في أدنى طابق في الشركة يعلمون بشأنه، اختفائه التام عن عزاء والدته لا يزال أمرا غير مقبولاً، أن يحصل شخص بمكانه ومنصبه ويحمل اسم مثل اسم عائلته على طفل غير شرعي قبل الزواج متجاهلا الصحف التي توجه أعينها نحو رجال الأعمال لهو أمر مثير للغضب بلا شك.
رصيت على شفتاي بقوة محاولة قمع غضبي بشتى الطرق ولكنني عجزت وقلت بغيض: كريس ليس بحاجة للمنافقين أمثالك في حياته. كن شجاعا وأخبره بكل هذا في وجهه أيها الجبان.
اتسعت عيناه بعدم تصديق فأردفت بصوت عال ساخر: تلمياحاتك واضحة جداً. ما تقوله أن كريس في الحقيقة محل شبهة في وفاة والدته لأنه لم يتواجد في عزائها مشيرا إلى أنها لم تنتحر هاه؟، حسنا سيد فابيان، المجرم القاتل الذي تزوجتهُ أراهن على أنه يدوس بكلتا قدميه على أقوالك انت واشباهك المنافقين ويمضي دون اكتراث بكم. تتظاهر بأن السيد ماكس زميلك ولكنني لا أرى أمامي سوى شخص يطمع في رئاسة الشركة وينظر إلى كريس باستصغار واحتقار بسبب حادثة زفاف سخيفة مضى عليها سنوات عديدة. ألا تعتقد بأنك ترهق نفسك بالتفكير كثيراً؟
اكملت وانا احمل الملفات بنبرة مستفزة: انصحك بأن تريح عقلك سيد فابيان فالتقدم في السن له ضرائب كثيرة كما تعلم. كالتعرض للخرف أو الهلوسة وإعمال الدماغ بطاقة لا محدودة.
القيت بجملتي عليه وبنظرة احتقار أخيرة وأنا أخرج من الغرفة وأصعد لمكتب العمل وأضع الملفات على الطاولة.
يا الهي. لا أصدق هذا الرجل!
يالتفكيره السخيف! ما شأن كريس بما حدث في زفاف والدته بحق الإله؟ وما علاقة كل هذا بجهوده في العمل أصلاً! لا يمكنني أن أرى منافقا أسوأ من هذا اللعين المدعو فابيان.
بدأ باستفزازي باستصغار الخدم وبعدها في لوم كريس وانهى هراؤه بحديث فارغ.
هذا كثير جداً!
سأخبر السيد ماكس حتما بضرورة إقصاء هذا اللعين من العمل، ليس محلا للثقة. رغبت وبشدة في لكمه وكسر الفنجان فوق رأسه الفارغ.
هدأت من غضبي وانا أشاهد التلفاز في الغرفة محاولة بكل جهد تجاهل ما حدث، مر الوقت ببطء حتى حل المساء وأشارت الساعة للسادسة.
كنت أنزل الدرج امرر يدي على معدتي بجوع وانا اتجه لغرفة الطعام في اللحظة التي صادف دخول ستيف فيها للمنزل مبتسما وهو يحدق إلى هاتفه.
ابتسمت و وقفت أغير وجهتي نحوه منادية بإسمه فرفع رأسه نحوي ولكنه سرعان ما تغيرت ملامحه وقال بسرعة وهو يكاد يركض: آه مرحبا. على أن أصعد إلى غرفتي.
هاه!
وقفت في مكاني بعدم استيعاب وانا أراه يصعد بخطى سريعة دون ان يلتفت! ما خطبه بحق الإله؟!
بينما كنت متسمرة في مكاني افقت على باب غرفة الطعام الذي فُتح وخرج منه جيمي بحيرة لينظر إلي: أمي؟ الن تتناولي العشاء معنا!
أسرعت أجيبه مبتسمة: أنا قادمة. هيا.
دخلت معه وجلست بجانبه، كانت كلوديا وجوش كذلك معنا على الطاولة.
في منتصف العشاء سألت جيمي بإهتمام: لم تخبرني يا جيمي ما الذي فعلته في منزل شارلي؟
ترك الملعقة بحماس أفزعنا جميعنا: لقد كانت ألعاب شارلي الجديدة مسلية جداً! تلك الأرجوحة الكبيرة كانت سريعة! وذلك المسبح كان مليئا بالكرات الملونة والفقاعات الصابونية.
ضحكت على حماسه وكذلك كلوديا وجوش الذي تساءل مبتسما: ألم تكن جينيفر هناك يا جيمي؟
نفي جيمي: لا.
من هي جينيفر!
فكرت في هذا وسرعان ما أفزعني مجددا وهو يصف الألعاب التي قضى وقته باللعب فيها، لحظات من حديثه حتى دخل ستيف لغرفة الطعام فعلقت كلوديا بحزم: لا تتأخر مجددا عن العشاء يا ستيف.
أومأ برأسه بضجر: أردت تغيير ملابسي فلم يمر على وصولي المنزل سوى دقائق فقط.
تدخل جوش بإستيعاب: ظننت بأنني منعتك من الخروج قبل نهاية الأسبوع نظرا لما فعلته وذهابك إلى مركز الشرطة، هل تجاهلتني؟
بدى وكأن ستيف استوعب الأمر كذلك وأسرع يقول بتوتر وهو يجلس: أحد أصدقائي أراد مني الخروج برفقته فأخبرته أن يصحبني معه، لم أقد السيارة يا أبي أقسم لك!
لم يكن هذا ما اتفقنا بشأنه! لقد.
هيا يا أبي العزيز أنظر إلى الطعام اللذيذ أمامك أليس تجاهله هدراً!
سأتجاوز الموضوع هذه المرة فقط. ولكنني لن أتخطى فعلة مشابهة كما تعتقد.
أومأ برأسه مبتسما لوالده متخطيا الأمر فابتسمتُ دون أن أعلق وانا انظر إليه فرفع عيناه نحوي لثانية وما ان التقت أعيننا حتى أسرع ينظر لطبقه!
هذه لم تكن المرة الأولى. أنا لست حمقاء من الواضح انه يتجنبني بطريقة وبأخرى!
غريب. لماذا فجأة؟ هل فعلتُ شيئا أغضبه؟ ولكنني واثقة بأنني لم أفعل. ماذا هناك إذاً؟
ربما على سؤاله بشكل مباشر عندما تسنح الفرصة لي.
أكملت تناول طعامي أتحدث معهم وأضحك حتى انتهينا وذهبنا لغرفة الجلوس العلوية لمشاهدة التلفاز معاً.
لاحظت ستيف الذي يتجنب الحديث معي وكلما حاولت فتح موضوع معه أراه ينسحب بسرعة! أنا حقاً مستنكرة لتصرفاته معي ولازلت أفكر بالسبب الذي يقوده لتجنبي هكذا! غير معقول لابد وأنني فعلت شيئا دون أن أدرك وقد ضايقته.
في النهاية بدأ الجميع بالإنسحاب واحدا تلو الآخر وكذلك جيمي الذي حان موعد نومه وأتت آنا لتأخذه إلى غرفته، وجدت نفسي مع ستيف وحدنا أمام التلفاز فنظرت إليه بطرف عيني.
كان بيننا أريكة عريضة وكذلك الطاولة التي انتصفها المجلات وبعض الكتب.
فتحت فاهي لأتحدث ولكنه أسرع يقف متثائبا وأيقنت أنه تظاهر بالنعاس!
وقفت بسرعة واتجهت نحوه فانتفض وحدق إلى بشيء من التوتر والريبة.
أنت تتجاهلني. هذا واضح جداً.
ارتفع حاجبيه ونظر للفراغ قائلا: لست كذلك. أرغب في النوم لقد قضيت وقتا طويلا في الخارج.
كانت ساعات معدودة فقط.
أردفت بحيرة: لماذا تختلق الأعذار.
اقتربت منه بحزم فتراجع للوراء، كنت مستمرة في الإقتراب وهو يتراجع للخلف حتى تعثرت قدمه بالسجادة وكاد ان يقع لولا أنه استعاد توازنه وقال بإنزعاج: شارلوت ما الذي تريدينه؟
لماذا تتهرب مني؟
لم يجب بل ظل واقفا ومرر يده خلف عنقه دون أن ينظر إلى فتساءلت بعدم فهم: هل ارتكبت خطأً دون أن أعي؟ أو ربما قلت أمرا لم يكن على قوله! أخبرني فربما لم أنتبه لشيء قد ارتكبته دون قصد!
لم يجب على سؤالي وإنما انزل يده وهمس بهدوء: سأذهب إلى غرفتي.
تحرك فوقفت أمامه امنعه من الحركة فزم شفتيه بحزم ونظر إلى بصمت لأقول: ما خطبك يا ستيف! تبدو غريبا اليوم! أخبرني إن كنت منزعجا مني حتى أ.
لم تفعلي شيء.
قالها بنفاذ صبر وتجاوزني متجها للباب: لم تفعلي أي شيء لذا دعيني وشأني وحسب. لا داع لنتحدث أو نجلس في المكان ذاته.
استرسل بصوت منخفض: أريد فقط أن تبقي بعيدة عني.
اتسعت عيناي بدهشة وانا اراه يخرج! اتركه وشأنه؟! لا يمكنه أن يكون جاداً!
تحركت بعدم استيعاب لأجلس على طرف مسند الأريكة أحدق للأرض.
لا داع لنجلس في المكان ذاته، أو نتحدث، اتركه وشأنه؟ ما كل هذا! التفسير الوحيد أنني مصدر إزعاج بالنسبة له!
هل. تجاوزت حدودي بطريقة أو بأخرى في الأونة الأخيرة معه؟ أو ربما كنت أثرثر حتى ضاق ذرعا! ولكنني عاجزة عن استيعاب خروج كلمات كهذه من فم شخص مثل ستيف.
تنهدت بعمق شديد ووقفت متجهة للنافذة وانا أشعر برغبة في استنشاق الهواء بسبب ضيق قد اعترى صدري.
فتحت النافذة واتكأت عليها ليداعب نسيم الهواء البارد شعري، لم أسمع سوى صوت التلفاز المنخفض مع صوت حفيف أشجار الحديقة الكثيفة والنافورة التي يمتد ماؤها ويرتفع مصدرا صوتا تناغم مع الطبيعة الخلابة أمامي.
اعتقد ان شعوري بالراحة مع ستيف سببا في انزعاجي الآن لطلبه بأن أبتعد عنه واتركه وشأنه.
بل وكذلك تضايقي مما حدث مع المنافق فابيان وما سمعته من السيدة أولين هذا الصباح وكذلك إغلاقي للهاتف في وجه جوردن الذي وبلا شك يعلم بأنني تهربت بتلك الطريقة الساذجة.
ما الذي على فعله مع كل ما يشغل تفكيري!
هذا ما غرقت فيه وانا أشاهد سيارة تعبر الحديقة بسرعة حتى وصلت إلى النافورة ليُفتح بابها فوراً.
كريس!
نزل بخطى سريعة وأغلق الباب بقوة وصعد الدرج للمدخل!
لماذا يبدو على عجلة من أمره هكذا!
بغض النظر عن كل هذا. لا أنكر أنني سعيدة بعودته!
ابتسمت دون شعور بسرور، وخرجت من هذه الغرفة وفي هذه اللحظة اتت إحدى الخادمات وابتسمت لي بلطف ودخلت فخمنت بأنها سترتب المكان بعد جلوسنا جميعنا فيه.
عبرت الممر بغية نزول الدرج ولكنني ما أن وصلت حتى شهقت بذعر رغما عني عندما وجدت كريس في وجهي وقد صعد للتو فقط!
لم أُمنح فرصة التقط فيها أنفاسي فلقد رمقني بنظرة غاضبة وأمسك بيدي بقوة ليجرني خلفه فتحركت خلفه بدهشة وقلت: م. ماذا! لماذا تسحبني هكذا!
ولكنه لم يجب وإنما ظل ممسكا بيدي يجرني خلفه وانا أتبعه بعدم استيعاب وحيرة من أمري أنظر إلى يده التي تحكم إمساك يدي.
حسنا إنه غاضب وهذا واضح! ما المعركة الآن وما نوعها وما أسبابها؟!
اتجه إلى الغرفة التي خرجت منها للتو وفتح الباب بقوة لنجد الخادمة التي انتفضت لدخولنا المفاجئ، القى عليها نظرة حادة فتركت ما بيدها ومن وسائد الأريكة التي ترتبها وأسرعت للباب قائلة: أرجو المعذرة.
خرجت واغلقت الباب خلفها فزفرتُ بملل: ماذا الآن؟ ما هي جريمتي!
ترك يدي ووقف أمامي مباشرة فرفعت رأسي نحوه بترقب، وضع يديه بجانبه وقال بحزم: ما الذي قلتهِ للسيد فابيان تحديداً؟
لويت شفتي هامسة: ذلك المنافق.
احتدت عيناه العسليتان وظل مترقبا فتكتفتُ متسائلة بهدوء: ما الذي أخبرك به تحديداً؟
لم يقل شيئاً وإنما اتصل بماكس في المشفى وأخبره بأن يتعامل مع ما قالته زوجة ابنه وأن يأخذ بحقه لما تعرض له من إهانة في منزلنا. ما الذي قلتهِ بحق الإله!
اتسعت عيناي بقلق: هل السيد ماكس بخير؟!
زمجر بغضب: لا تراوغي بسؤال آخر!
لست أراوغك! ذلك الرجل مجرد منافق ولقي ما يستحقه. هو من بدأ على كل حال وكان على أن أقوم بالرد، لم أكن لأجلس مكتوفة الأيدي وهو يتجاوز حدوده.
ما الذي قلته؟ سألتك للمرة الثالثة يا شارلوت!
رصيت على شفتاي بقوة وأشحت بوجهي: وبكل وقاحة يطالب بحقه! ليكن في علمك فقط أنه يخدعكم ويحاول الحفاظ على صورته المثالية أمامكم، لقد ظل يتحدث بإستعلاء عن الخدم ثم أوضح بأنه الأحق في إدارة الشركة. لم أكن لأنصت إليه وأصفق لما يقوله!
تفاجأت به يدير وجهي نحوه ممسكا بذقني وفي صوته شيء من الدهشة: قمتِ بالتطاول عليه لأجل سبب كهذا! أخبريني بسرعة بالحقيقة!
هذه هي الحقيقة! لماذا قد يعمل شخص مثله معكم!
تركني ومرر يده في شعره محاولا تهدئة نفسه وهمس: سأنفجر في أي لحظة. حتما سأنفجر في وجهكِ ولن أتمالك نفسي! لماذا تتدخلين وتسمحين للسانك السليط بالثرثرة دون التفكير بالعواقب! أفسدتِ الأمر معه بحجة سخيفة كهذه! ما الذي تظنين نفسك فاعلة! هل هذه هي طريقتك في استرداد كرامتك.؟
عن أي كرامة يتحدث! لقد فعلت هذا لأنني لم أحتمل ما يقوله ذلك اللعين عنه! غضبت لأنه نعته بالدخيل!
همست بعدم تصديق: ألا بأس بهذا! أقول لك بأنه شخص منافق مخادع! إنه يعتقد بأنك غير مناسب لإدارة شركة والدك! بل وقال بأن.
قاطعني بغضب: وما الذي تفعلينه الآن؟ من وكلك محامية عني! ذلك الرجل له دور كبير في رفع قيمة أسهم الشركة وخسارته ستفتح أبوابا من خسائر الأرباح والعلاقات. ما الذي تفعلينه بحق الإله!
علقت بدهشة: هاه!
ضرب جبينه بخفة وهمس بغيض شديد: بل ويطالب بالإعتذار. أنتِ حقاً تشبهينه في إفساد كل شيء.
إنه يشير إلى إيثان!
نظرت للأرض لثوان ثم رفعت رأسي بحزم: هل هذا يعني بأنك تعلم مسبقاً بحقيقته؟
وما الجديد في ذلك!
هل تعلم ما يقوله خلف ظهرك!
وكل حرف يخرج من فمه.
لا يمكنك أن تكون جاداً!
تراجعت للخلف خطوات صغيرة احدق إليه بعدم استيعاب: هل تعلم بأنك. تجاري نفاقه أيضاً! مجاملتك تعني سقوطك في بئر النفاق لأجل مصالح العمل فقط!
ما الذي تفهمينه أنتِ؟! ما الذي تفهمينه في كون المرء يغلق أذنيه عما يقوله الآخرون لينجح! ما الذي تعرفينه عن كون المرء يجامل لأجل الصعود! أدرتُ قسما كاملا لأثبت كفاءتي بنفسي وها أنا ذا أدير الشركة لأعزز لنفسي وحسب! دعيه يتفوه بما يريد إن كان ذلك سيسمح لي بإثبات كفاءتي اللعينة في الإدارة! لم يقم ذلك الوغد بخداعي، أنا من أخدع نفسي وحسب لذا أخرجي نفسك من الموضوع ولا تحشري أنفك.
لا أستطيع تصديقك! أتعلم بأنه بالغ وتجاوز حدوده ليتحدث عن طفولتك بكل وقاحة!
انتفضت بشدة عندما ركل الطاولة القريبة من الباب بقدمه ليسقط ما عليها من مزهرية وما فيها من ماء وزهور!
نظرت إليها بدهشة ثم نحوه لأجده يخفض رأسه بفم مطبق.
ثوان فقط حتى قال بصوت مرتجف حانق: طفولتي مجرد عرض سينمائي معروض للجميع ولا يوجد بها أي نوع من الخصوصية كما تعتقدين، لا تضحكيني فتلك الطفولة اللعينة من الخطأ ان يطلق عليها اسم كهذا. الحرب التي بيننا لا يجب ان تشمل التعمق في أمور تخصني أنا. أنتِ وعائلتك السبب في كل الكوابيس التي تلاحقني لذا لا تتحدثي وكأنك اللطيفة المنقذة التي لم تحتمل الإساءة.
اقترب مني وأمسك بذراعي بقوة وقال بحقد: إنني مجبر إلى الإعتذار إلى ذلك اللعين والفضل يعود لكِ. أكره أن أتنازل وأقدم اعتذارا ولكنني مرغمٌ طالما أن الأمر يمسُ أعمال العائلة.
هل هذا ما أجنيه لوقوفي في وجهه! كان عليك أن تكون ممتنناً بدلا من لومي! هذا لا يمنع من كونك منافقا مثله تماما!
قلتها بإنزعاج ونبرة عالية فتركني واستدار بحدة: صحيح. أنا كذلك ولا أمانع في هذا، جميعنا منافقون في هذا العالم. لو لم نكن منافقون مع الآخرون فنحن على الأقل ننافق أنفسنا. أفيقي أيتها الطفلة القادمة من أرض السعادة وأنظري للعالم من حولك. نحن مضطرون للمجاملات والمنافقة لتستمر هذه الحياة البائسة. هذا العالم الوردي الذي تعيشين فيه سيتحطم ويتلوث تماماً عندما ينزع الجميع أقنعتهم. حتى أنتِ ستكونين واحدة منا عندما تتوقفين عن المجاملة. عالم بلا نفاق أو مجاملة لن يستمر ولن يدوم.
تسمرت في مكاني بعدم تصديق أنظر إليه عاجزة عن تحريك شفتاي لأجيب.
ما هذه الطريقة في التفكير بحق الإله!
كيف على أن أجيب في وضع مثل هذا!
تحدثي. ألا يوجد ما تقولينه! أعطني مبررك حالاً.
أنت مخطئ. لا يوجد ما أقوله الآن. ولكنك مخطئ!
ابتسم بسخرية مميلا برأسه: أرأيت؟ لا يوجد ما تردين به على الحقيقة التي ترفضينها.
هذه ليست حقيقة! هذا ليس العالم الذي أعيش فيه أنا وإنما العالم الذي خلقته في عقلك بنفسك! لماذا لا تكون هذه هي نظرتك للحياة لأنك في الأساس تعتمد على هذه المجاملات كجزء أساسي تتنفس به!
رص على أسنانه بغيض: الجدال معك عقيم.
بادلته النظرات بحدة وترقب فاستدار متجها للباب متمتما: فعلتك لن أتخطاها دون عواقب.
وجدت نفسي أقول ساخرة دون شعور: لا بد وأن فعلتي قد أفسدت أجواءك اللطيفة مع الآنسة الصهباء الجميلة تيا. ربما هذا هو الدافع لكل هذا الغضب وسبب إحداثك للجلبة.
وقف في مكانه دون ان يستدير وظل ظهره مواجها لي حتى بدأ التوتر والقلق يعتريني!
ما خطبه قد وقف فجأة هكذا!
استدار نصف استدارة فقط لينظر إلى فرمقته بتردد!
ما هذه النظرة الآن! ليس غاضبا وليس منزعجا ولا يسخر مني. ماذا تكون هذه النظرة بحق الإله!
بعد برهة ابتسم ابتسامة جانبية وتقدم نحوي فطرفت بعيني ببرود محاولة التظاهر بالثبات حتى قرب وجهه إلى وهمس بإستخفاف: كوني حذرة. بدأتِ ترخي دفاعك، أشتم رائحة جميلة أشبه بالغيرة!
م. من التي تغار على شخص مثلك! أنت واهم.!
لم يعلق وانما ابتعد مبتسماً بثقة وخرج من الغرفة فقلت بصوت عال بتوتر: قف عندك! من التي تشعر بالغيرة بحق الإله! هذا لن يحدث ولو قام أفضل العلماء بالتلاعب في أنسجة دماغي!
سمعتُ رده من الخارج: كلما راوغتِ كلما أصبحت مثيرة للشفقة أكثر...
الحقير! من يعتقد نفسه! ما الذي قلته للتو! كيف سمحت لنفسي بالتفوه بذلك الهراء! أي انسان سطحي حتى سيفهم بأن دافعي كان الغيرة!
بات أمر مشاعري خطيراً جداً! ماذا لو واصلت فضح نفسي هكذا! ما الذي على فعله!؟
ما يغضبني أكثر هو إنزعاجه بشأن ذلك الفابيان! لماذا قد يدافع عن شخص يدرك بأنه يكرهه! إلى أي مدى قد وصل كريس؟ التعايش مع المنافقين اللذين لا يطيقونه بات أمرا طبيعيا بالنسبة له!
مطيت شفتي بغيض وخرجت من الغرفة ألوم نفسي لمحاولتي الوقوف في صفه.
بعد ذلك قررت النوم بجانب جيمي الذي يغط في النوم العميق مسبقاً ولكنني لم اتخلص من رغبة عقلي الملحة بالتفكير الذي أرهقني فواجهت أرق امتد لساعات حتى غلبني التعب أخيراً.
تحركت بإنزعاج وأنا أشعر بشيء قد استقر على عنقي بعد ان ضربني بقوة، فتحت عيناي بكسل ونعاس لأجد ذراع جيمي تحيط بعنقي وهو في وضعية غير مرتبة بل وان الغطاء لم يعد مستقرا على جسده حتى!
ابتسمت وأغمضت عيناي لثوان وأنا أحاول استعادة نشاطي حتى اعتدلت واسرعت لحمام الغرفة لأغسل وجهي وارتب شعري الطويل المنسدل على ظهري.
عدت إلى جيمي لأجده لا يزال نائما بعمق، القيت نظرة على الساعة الموجودة على المنضدة لأجدها تشير إلى السابعة.
سيحين وقت طعام الإفطار قريباً.
جلست على السرير محاولة ايقاظ جيمي ذو النوم الثقيل ولم يستجب لي فاضطررت للجوء إلى أساليب كالإزعاج ثم الدغدغة حتى استيقط وهو يضحك بكسل.
بعثرت شعره وقلت بحماس: هيا أسرع إلى الحمام لنتناول الطعام جميعنا.
سبقته لأخرج من الغرفة وعندما فعلت ذلك سمعت صوتا مزعجا يصدر من آخر الجناح.
إنها غرفة كريس!
عقدت حاجباي مقتربة ليتضح أنه صوت منبه! ولكنه عال جداً!
وقفت امام الغرفة للحظات واستمر الصوت حتى فتحت الباب باستغراب ليتضح انه لم يكن منبها واحدا فقط وإنما اثنان في الوقت آنه!
رسمت وجها ابلهاً وانا انظر إلى طريقة نومه العميقة لثوان، بدى وكأنه بعيد عن هذا العالم ويغوص في الأحلام! تنهدت ودخلت لأخذ احدهما واضعه بجانب رأسه دون أن أغلقه وأخرج بسرعة.
لا يمكنني أن أصدق أنه يوجد كائن بشري في هذا العالم يحتاج إلى منبهان في الوقت آنه! إذا اندلعت الحرب العالمية الثالثة فكريس سيكون الناجي الوحيد على كوكب الأرض لأنه لن يشارك فيها أو يشعر بها أصلاً.
بعد ربع ساعة أو أكثر اجتمعنا في غرفة الطعام واكتمل العدد.
ما كان عليه الحال كالآتي. جيمي وستيف يتحدثان معاً بحماس بأمور من اهتمامات جيمي، كلوديا تبدو في مزاج جيد جداً وهي تختلس النظرات في كل حين إلى شاشة هاتفها، أما جوش فكان طبيعيا وهو يتناول الطعام بصمت ويقرأ إحدى المجلات.
بينما كريس يجلس بجانبي بهدوء ممررا أصابعه ببطء على جبينه وشعرت وكأنه يعاني من آلام صداع أو أمر مشابه.
شاركت جيمي في الحديث ولاحظت توقف ستيف عن مشاركتنا فوراً ما ان تدخلت.
نظرت إليه وانا ابتسم فأشاح بوجهه بعيداً.
آلمتني ردة فعله هذه ولكنني تظاهرت وكأن شيئا لم يكن، بعدها انسحبت من الحديث فعاد ليتحدث مع جيمي مما جعلني أشعر بالغيض الشديد!
استرقت نظرة لكريس فوجدته بالكاد يتناول الطعام، لقد انتظرت قليلا مفكرة لعله سيسأل جيمي عما فعله في الأمس مع شارلي أو ان يفتح معه أي موضوع ولكنه لم يفعل.
أحزنني هذا وتساءلت إن كان على محاولة جعله يتحدث معه بطريقة أو بأخرى.
عندما كنت أفكر في هذا دخلت السيدة أولين لتطمئن من تواجد جميع الأصناف أمامنا ثم ابتسمت بهدوء وهي تقف خلف كرسي جيمي مداعبة شعره لتتساءل: تبدين مسرورة يا كلوديا. ما الأمر؟
نظرت إليها كلوديا بشيء من الحماس: هل هذا واضح! نعم إنني كذلك بالفعل.
أضافت وقد تركت الملعقة لتضعها في الطبق: لقد أخبرني الطبيب بأن ماكس سيكون قادراً على الخروج من المشفى في غضون أسبوع ونصف.
اتسعت أعين الجميع ليقول ستيف بعدم تصديق: حقاً! هذا رائع. وأخيراً سيعود خالي إلى المنزل!
ابتسم جيمي بسعادة: هل سيعود جدي أخيراً! سيعود للجلوس معي ولنتنزه في الخارج كالعادة!
أومأت كلوديا بلطف: نعم يا جيمي.
انتابني السرور لهذا الخبر الجميل وعلقتُ براحة: من الجميل سماع أمر كهذا، كان يشعر بالوحدة والملل، لا بد وأنه أسعد من الجميع ويرغب في الخروج حالاً.
أيدني جوش: بلا شك، لقد قال الطبيب بأن حالته قد استقرت، ومعاينته اليوم كانت تسير بشكل جيد جدا ويبدو أنه لا بأس في خروجه بعد أيام قليلة بشرط ان يتم توفير العناية في المنزل وقد يضطر للحصول على مرافقة إحدى الممرضات معه ولكنه لم يؤكد هذا بعد.
تنهدت أولين وهي تمرر يدها على رأس جيمي بلطف: وأخيراً سيضم المنزل جميع أفراد أسرته. الجميع مشتاق إليه.
بعدها قال جيمي بحماس: لقد شبعت، أبي سأخرج إلى الحديقة.
ظل كريس ينظر للطبق بعين شاردة وبدى بأنه لم ينتبه لما قاله جيمي الذي بات ينظر إليه بحيرة وترقب فأسرع جوش يتدخل: حسنا يا بني لا بأس طالما أنك أنهيت أكثر من نصف الطبق.
أومأ جيمي والقى على كريس نظرة تردد أخيرة قبل أن يتحرك مبتعدا عن الكرسي ليخرج من غرفة الطعام.
حل الصمت في المكان والجميع يتبادل النظرات حتى اشارت لي أولين بعينها لكريس فرفعت كتفاي بعدم معرفة.
حينها كسرت كلوديا الصمت قائلة: كريس. هل من خطب ما؟
رفع رأسه مبعدا عينيه عن الطبق وتمتم بهدوء: لماذا تسألين سؤال كهذا!
ل. لأنك لم تشاركنا الحديث للتو! كنت هادئاً جداً. ماكس سيخرج بعد أيام قليلة وسيعود للمنزل.
قالتها مترقبة ردة فعله وكذلك نحن.
جابت عينيه العسليتان على الطبق مجدداً والذي لم يأكل منه سوى بضعة ملاعق معدودة وقال ببرود وهو يلقي بالملعقة على الطاولة ليصدر صوتا مزعجا: آه، أنا أيضا مسرور لدرجة أنني فقدت شهيتي.
اتسعت عيناي لما قاله بينما همس جوش بحزم: لا فائدة.
نظر ستيف إلى والده وقال مهدئا: لا بأس يا أبي دعه وشأنه، ربما يكون مزاجه سيئاً الآن.
تدخلت كلوديا بإمتعاض شديد وهي ترفع كوب الماء لترتشف: لسنا بحاجة إلى أي تبريرات أو أعذار فارغة.
أضافت تحدق إلى كريس: من الواضح أن عودة والدك بالنسبة لك لا تعني أي شيء.
حذرتها أولين ملطفة الجو: يكفي يا كلوديا.
حل الصمت مجددا وعادت كلوديا تمضغ الطعام بعصبية فنظر ستيف إلى السيدة أولين بإحباط.
زميت شفتاي بتوتر ونظرت لكريس الذي ظل يحرك الملعقة في الطبق بملل واليد الأخرى يريحها في حجره.
أنا حقا لا أفهم ما الذي يفكر فيه الآن، أو بما يشعر فيه بعد سماع خبر مفرح كهذا.
ولكن. هناك أمر أهم الآن.
لماذا أشعر بأن عيناه في هذه اللحظة غريبتان؟
لا أدري كيف أصف الأمر ولكن. يبدو وكأنه يكبت في نفسه شيء غامض!
نظرت إلى يده التي يريحها في حجره. استمريت في التحديق حتى أدهشتني ردة فعلي وانا امد يدي ببطء نحو يده.
ولكنني سرعان ما توقفت عندما قالت كلوديا بحزم: أنظر إليكَ يا كريس، لوهلة ظننت بأنك ستفتح صفحة جديدة ما ان يخرج والدك من المشفى، ولكن من الواضح أنك لا تنوي المبادرة في إنهاء هذه المعركة بينكما.
م. ما الذي كنتُ سأفعله للتو بحق الإله! لو لم تفاجئني نبرة كلوديا الغاضبة لامتدت يدي دون شعور لأمسك بيده! ما الذي أفكر فيه. أن أريه مشاعري نحوه؟ م. مستحيل! أنا شاكرة لغضب كلوديا. ممتنة لكسرها الصمت فجأة!
انتفضتُ في مكاني على الكرسي عندما زمجر كريس بحدة: سأخرج لأستنشق الهواء.
قالها وهو يقف مبعدا الكرسي الذي وقع للخلف بقوة فاتسعت عيناي وكذلك ستيف بينما قال جوش بحزم وعدم رضى: مهلاً! توقف يا كريس.
وعندما لم يتوقف وابتعد عن الطاولة وقفت كلوديا لتقول بإنفعال قد أفزعني: لقد طفح الكيل، لقد تعبت لم أعد أحتمل طريقتك هذه! إن كنت ستتصرف على هذا النحو حتى عند عودة والدك فأنا أنصحك إما بتغيير طريقتك حالا أو.
ولكنه قاطعها بجفاء وهو يستدير نحونا: إن كان الأمر مزعجا إلى هذه الدرجة فلا تقلقي ما أن يعود للمنزل سأذهب إلى منزلي وحينها لن يكون هناك أي عبء، أيرضيك هذا عمتي؟
لماذا تفكر بهذه الطريقة! ليس هذا ما قصدته لقد كنت أقول بأن ماكس مازال متعبا ومعاملتك الجافة نحوه لن تساعده في التحسن! توقف عن المراوغة وقلب الحديث لصالحك!، لو عاد ماكس ولم يجدك هنا ستسوء حالته لا محالة! هل حقا لا بأس بعودته للمشفى مجدداً بعد ذلك؟
رص على شفتيه بشدة وبدى من الواضح محاولته لتمالك أعصابه ولكنه فشل عندما قال بسخرية بنبرة عالية حادة: عمتي أنا لست ذلك الإبن الذي سينقذ هذه العائلة من التوترات والخلافات، أنظري إلى جيداً وتذكري أنني أحد أهم أسباب هذه الخلافات. كما لستُ إبرةٌ مهدئة سيأخذها ماكس ليتعافى، ولست الإبن الذي سترين فيه أملاً في منح هذه العائلة أجواءً دافئة. الجميع يتفق على أن وجودي ليس سوى عبءٌ ثقيل لا بد من إزاحته قليلا. والدليل على ذلك انني نقطة مشتركة في أي خلاف في العائلة، الأمر لا يقتصر على خالتي فيكتوريا فقط بل الجميع، لذا لا ترهقي نفسك بالتفكير فهذا العبء عليه ان يغادر إلى منزله الخاص عندما يخرج جلالة الملك ماكس ليعود إلى المنزل بين أحبابه ورعيته.
جحظت عيناي الخضراوان محدقة إليه بشفة مرتجفة بينما أخفض ستيف رأسه بإستياء يجوبه إنزعاج.
همست كلوديا بعدم تصديق: ما الذي تهذي به! ألا زلت تفكر بهذه الطريقة! أفق يا كريس لا أحد يفكر بك كعبء سواك أنت. لا أحد ينظر إليك هكذا! من أين لك ان تؤمن بهذا بحق السماء! خالتك فيكتوريا مشكلتها ليست معك أنت فقط بل أنا أيضا! لماذا هذه الخصخصة الغريبة في تفكيرك و.
نفي برأسه بإزدراء: لست أفهم. أنا حقا عاجز عن فهم رغبة الجميع الملحة في الدفاع عنه، لماذا تعاملونه كما لو كان شخص مظلوم! لا يمكنني أن أرى الجميع من حولي يتصرفون معه وكأن شيء لم يكن، هذا مثير للاشمئزاز، لقد ظننت بأنكم ستلقون القليل من الاهتمام لما حدثَ مسبقا و.
باتريشيا انتحرت دون مبرر يا كريس! توقف عن لوم ماكس في ذنب اقترفته باتريشيا بنفسها لتصيب الجميع بلعنة الشك وتوليد الخلافات التي لا تنتهي، السبب لم يكن ماكس بل.
ان كنت ستواصلين التستر على جريمة أخاك فهو أمر لا يعنيني ولكنني لم أعد استبعد امراً كهذا.
ادهشتني جملته تلك!، بينما اتسعت عينا كلوديا وبدى وكأن الصدمة قد أخرستها وألجمت لسانها! وحتى ستيف وجوش الذي ترك المجلة تنزلق من يده محدقا إلى كريس بعدم استيعاب!
اجفلنا لصوت أولين الحاد: لقد تماديت كثيراً! ما الذي تقوله؟ كيف تجرؤ على قول هذا لعمتك وكيف تجرؤ على وصف أبيك بصفات كهذه.
تغيرت نظرات كريس من الانزعاج للغضب الشديد ورفع يده نحو منتصف جبينه بأسى ساخر: جميعكم تذنبون وتقعون في الخطأ نفسه، حتى أنت يا سيدة أولين مازلت تنكرين ما حدث وتتسترين على كل شيء، إن كانت حياة أمي لم تكن ذات قيمة فما الباقي لأقوم بتقديره أو النظر إليه بعد ان سُلبت حياتها! هذا بالفعل لا يغتفر! وأنت يا جوش كذلك صداقتك العميقة مع ماكس لن تسمح لك بالتخلي عن هذه العِشرة التي دامت سنوات طويلة لتلتفت نصف التفاتة إلى المرأة التي سارت على حبل شائك منذ البداية، وانتِ يا عمتي ستتبعين ما تنظر إليه عينا ماكس شقيقك الوحيد والمقرب مديرة وجهك عن ما حدث بكل بساطة! ما الذي تفعلونه تحديداً؟! هل حقا انتهى كل شيء بوفاتها؟ لماذا أرى الراحة على وجوه الجميع منذ ذلك اليوم. هل حقا كان وجودها بينكم مزعجا إلى هذه الدرجة! على أي خشبة مسرح نقوم بالتمثيل جميعنا بحق الجحيم!
وجدت نفسي أقف بتردد وبطءٍ اقمع رغبتي في تهدأته!
أضاف بحقد وقد اختفت السخرية عن ملامحه تماما: هذا المنزل أصبح لا يطاق. أنا أيضا لم أعد أريد أن أتحمل مسؤولية أي شيء هنا. لم أكن أنوي منذ البداية أن أصبح أباً ولم أكن أنوي العمل لأجل الشركة ولم أكن الشخص الذي سيختار والديه ولا ت.
ولكن صوت الصفعة التي دوت في المكان جعلني أشهق بعدم تصديق لأرفع يدي على فمي بينما تسمر الجميع محدقين بدهشة وكأن الزمن توقف لهنينة مجمدا كل الأصوات والحركة.
تناثر شعره على وجنته ورأسه تميل لليسار جراء الصفعة، كان يقف بثبات دون أن أرى ملامحه بينما قالت أولين بنبرة مرتجفة: هذا يكفي. يكفي، لا يمكنني أن أصدق أنك تقول هذا!، لا يمكن ان تكون قد تغيرت إلى هذه الدرجة، هل قلت لا يطاق؟ ما تقوله بحق عائلتك بشع. بشع جدا! هل نسيت ان افراد المنزل جميعهم قد اعتنوا بك منذ صغرك، وكرسوا وقتهم لك ليحاولوا التقرب إليك بالرغم من صدك الدائم لهم، هل نسيت ما قدموه لأجلك وهل نسيت أنهم صبروا عليك كثيراً، ما الذي حدث معك؟ لم تعد تتصرف بطريقة طبيعية إطلاقاً! إن كنت مقتنع بما تراه فقط فما الذي علينا فعله لتلتفت إلى الحقيقة وتصدق، لا. بل ما الذي علينا فعله لننال القليل من ثقتك على الأقل، دائما توجه سبابتك إلينا بلوم وعتاب، دائما باتريشيا المرأة المظلومة والمسكينة، ومن قال عكس هذا؟! أخبرني!
أضافت بحزن مقتربة إليه وهي تمسك بقميصه: باتريشيا قد تعرضت لصدمة قوية يا كريس وجميعنا نعلم هذا، ولكن المظلوم قد يصبح أسوء من الظالم عندما يغرق في الحقد والرغبة في الإنتقام، قد يصبح شخص آخر مختلف تماما وقد يدون اسمه في قائمة الخطر، باتريشيا كانت كذلك يا كريس، أنت تفهم ما أعنيه! لماذا شخص مثلك يتفوه بهذا بعد ان لقيت منها أمور لن يحتملها أي طفل في العالم! ما نوع الأفكار التي تجتاحك إلى هذه الدرجة لتبني هذه الحواجز القوية بيننا وبينك! لماذا تتغير باستمرار!
كنت أنظر إليهما بضيق وترقب، انتظرت من كريس أن يقول شيئا، أن يعتذر على الأقل أو يهمس ولو بحرف واحد ولكنني تفاجأت به يبعد شعره ممررا أنامله فيه للأعلى بملامح بلا تعبير واضح وأصبحت عينيه العسليتين هادئتان تماما وهو ينظر إلى أولين التي كانت عينيها تدمعان بوضوح.
سمعته يقول بصوت منخفض مبعدا يديها برفق: أنا لم أتغير سيدة أولين. هذا هو أنا منذ البداية.
انهى جملته واستدار ليخرج من الغرفة صافقا الباب خلفه!
تحركت قدماي دون شعور خلفه إلا أن صوت جوش استوقفني: دعيه يا شارلوت.
و. ولكن!
نظرت إليه بتردد فزفرت أولين بإنزعاج: لا بأس اتبعيه من يدري ما قد يقوم به الآن.
ارتفع حاجباي بقلق ولكن كلوديا علقت محاولة جاهدة السيطرة على ضيقها: فيما بعد! ربما يكون غاضبا ويفجر ذلك الغضب فيك، اتركيه حتى يهدأ و.
ولكنني قاطعتها لأطمئنها بهدوء: لا تقلقي لن أضايقه يمكنني أن أجلس معه فقط حتى يهدأ.
قلتها وأنا أسرع بالخروج باحثة عنه، وعندما سمعت وقع خطوات على الدرج أيقنت بأنه قد صعد للأعلى ففعلت ذلك.
كنت أصعد ببطء ولا أعلم لماذا، هل أنا متوترة، أم خائفة؟
حاولت تهدئة نفسي ومشيت نحو الغرفة ولكنني قبل أن اتجه إلى هناك لفت انتباهي اصوات ضجة من غرفة مكتب عمله!
تقدمت إلى هناك بحيرة وبخطى بطيئة، كان الباب مفتوحا قليلا وعندما اقتربت أكثر لأطل من الباب ظننت للحظة بأن اعصارا قد غزى الغرفة مسببا تطاير الاوراق في الهواء، ولكنني تفاجأت بكريس يقوم برمي الأوراق والملفات من المكتب بغضب!
انتفضت في مكاني وتحركت لأدخل قائلة: ما الذي تفعله! توقف.
أغلقت الباب خلفي وأسرعت نحوه بتوتر بينما كان يتجاهلني ليرمي المزيد من الأوراق التي تناثرت على الأرض وافسدت المكان كله! وكم أدهشتني تلك النظرة في عينيه بالرغم من تصرفاته المنفعلة! أكاد لا أصدق تلك النظرة المنكسرة البائسة!
قلت مهدئة: مهلا! هذا يكفي، إنها أوراق العمل! توقف عن هذا أيها الأحمق.
ولكنه تجاهلني مرارا وتكرارا إلى أن تشجعت في الاقتراب محاولة إيقافه وأنا أمسك يديه حتى دفعني بسخط: ابتعدي!
نظرت إليه بارتياب فما كان منه إلا أن ركل الطاولة بغضب وجلس على الكرسي وبدى وكأنه يحاول تهدئة أعصابه وعينيه العسليتان تحدق في الأرض بغضب ثم اغمضهما وادار كرسي المكتب ببطء.
زميت شفتي وتنهدت، ووجدت نفسي أقوم بجمع الأوراق كلها، كنت أجمعها بصمت دون أن أنبس ببنت شفة، مر الوقت وأنا مازلت أرتبها حتى انتهيت ووضعتها على الطاولة متمتمة بهدوء: على رسلك قليلا، اترك الغضب جانبا!
قلتها مهدئة فرفع عينيه ينظر إلى بجمود ليهمس: إن كنت هنا لإكمال المحاضرة فأنصحك بأن تخرجي حالا.
محاضرة!
تنهدت بعمق وقلت وأنا أجلس على الأريكة: لست هنا لألومك وما شابه، أردت فقط أن اخبرك بضرورة تمالك نفسك وحسب!
لا شأن لك. لماذا تبعتني على أي حال! النظر إليك ليس مهدئا للأعصاب كما تعتقدين.
قالها بجفاء وهو يبعثر شعره، فبللت شفتي بتوتر: لماذا؟ لأنك تكرهني!
رفع عينيه إلى وانتفضت للكره والحقد اللذان كانا موجهان نحوي!
وقف من على الكرسي متجها إلى بخطوات ثابتة وعندما وقف أمامي رفعت رأسي أنظر إليه بإرتباك وقلق إلا أنني تظاهرت بالثبات حتى انحنى واضعا يده اليمنى بجانبي على الأريكة: لأنني أكرهك؟ هل سألتني للتو لما أنا غاضب؟ ألم أخبرك مسبقا بأنني أكره عائلتك؟
نعم، قلت ذلك
وألم أخبرك بأنهم السبب في كل شيء؟
لم توضح لي ذلك حتى الآن!
وها أنا الآن أوضحه، والدتك العزيزة قادت أمي إلى اللجوء للإنتحار بعد ان طفح الكيل بها. ومنذ وفاتها انقلب الحال تماما في هذه العائلة اللعينة. ادفعي الثمن ودعيني انفس عن غضبي قليلا، إنها ضريبة كونك ابنتها.
أضاف بصوت منخفض أكثر: المشكلة أنني لم أعد أعلم كيف على فعل هذا، لا أدري لماذا كلما أردت تلقينك درسا أو تعذيبك اجد نفسي أعود للوراء مئة خطوة، هذا يجعلني أكرهك أكثر وأكثر يا شارلوت!
عقدت حاجباي بغضب مستمرة في الحملقة به، كم مرة عليه أن يكرر ذلك؟ هل عليه ان يذكرني في كل مرة بأنه يكرهني؟ أشعر بأنني لم اعد احتمل هذا.
لا شأن لي بماضي أي شخص يا كريس! انتحار والدتك مؤسف بلا شك ولكنني لن أقبل بما تقوله طالما ترفض توضيح التفاصيل لي، إن كانت عائلتي مكروهة إلى هذه الدرجة بالنسبة لك فلماذا ظهرت الآن فقط لتنتقم؟ لا تخبرني أن تورط إيثان في تلك المشكلة كان مُدعما بالأسباب ذاتها! لا يعقل بأنك تركته يغرق في ورطته لمجرد أنه ابن ستيفاني التي تمقتها! الا تعتقد بأنك.
ولكنني قطعت ما أقوله عندما تداركت الحماقة التي تفوهت بها! اللعنة ما كان على أن أخبره بأنني على علم بما حدث قبل سنوات مع إيثان! كيف على أن أخفي الموضوع الآن، ولكن ادركت بأن الأوان فات عندما احتدت عيناه بحذر وهمس: إيثان!
أضاف بنبرته: هل علمت بما حدث!
عاودت أبلل شفتاي بقلق وتوتر ولكن سرعان ما تورد وجهي بالكامل عندما اقترب أكثر وانحنى نحوي، كانت عينيه تعكسان نفاذ صبر وسخط ولكنني لم أستطع منع نفسي من الشعور بالإحراج!
وجدت نفسي أتمالك أعصابي قائلة بهدوء متلعثم: لم أقل هذا تماما، أ. أقصد لقد خمنت الامر فقط.
خمنته؟ وهل يفترض أن أصدق هذا!
اتسمح بان تبتعد قليلا؟
قلتها متظاهرة بالغضب فتجاهلني ليقول بحنق: تحدثي! هل تظنينني أحمق؟ ما الذي تخفينه، كيف علمت بما حدث كما تزعمين.
ق. قلت لك خمنت الأمر وحسب!
عندما رص على شفتيه علمت بأنه على وشك أن ينفجر في وجهي فأسرعت أقول وأنا أقف وأتجاوزه لأخرج: على أن أتفقد جيمي.
ولكنني انتفضت وأنا أرى يده التي وضعها على الباب امامي: وكيف لي أن أصدق حجة سخيفة كهذه؟ هل خمنت الأمر؟ وما الذي قمت بتخمينه! ما الذي توصلت إليه؟
زفرت بإنزعاج: خمنت كل شيء وحسب وتصديق ذلك أو لا هو أمر راجع لك يا كريس!
مازلت أسئلك، ما الذي توصلت إليه أيتها المحققة؟
ابتلعت ريقي واستدرت أنظر إليه بحذر فأبعد يده عن الباب ونظر إلى بترقب.
هل على ان أكون واضحة؟
ولكنني. لن أخبره بأن والده من قال كل شيء، وفي الحقيقة السيد ماكس لم يذكر أخي ولكنني فهمت كل شيء وحدي وربطت الأمور بنفسي نظرا لتلك الصورة التي رأيتها في منزله!
كل ما توصلت إليه بأن إيثان كان زميلك في العمل في هذه المدينة، في أول عمل يحصل عليه في شركة عائلتك، وحدثت قضية اختلاس أموال للشركة وتورط فيها.
طرفت بعيني ببطء اتحاشى النظر إليه فاتسعت عينيه العسليتين بدهشة ولكنهما سرعان ما احتدتا فأخذت نفسا أهدأ به نفسي.
ما خطب ردة الفعل هذه؟ وماذا يكون الآن! غاضب؟ مستنكر؟ أم ماذا.
وجدت نفسي أردف بإنزعاج واستفزاز: وهذا هو سبب كرهك له، وهو ما جعلك تقول في ذلك اليوم بأنني أذكرك به، اليس كذلك؟ وها أنت الآن ستردد بأنك تكرهه وما السبب؟ قضية لا تعلم انت حتى إن كانت قضية عادلة أم.
ولكنه ابتسم وهو يصفق بيده بسخرية لأقطع كلامي محدقة به بغيض واستنكار.
أحسنتِ، تحليل ممتاز، وهل يجدر بي أن أصدق أنك توصلت لكل هذا بنفسك؟
أضاف بنبرة تحذير: من الذي أخبرك بالأمر؟!
ع. علمت وحدي!
زفر بملل ونفاذ صبر حتى تمتم: هيا يا شارلوت، لا تقومي باستفزازي أكثر وأخبريني وحسب من الذي أخبرك؟
أضاف مبتسما باستهزاء: أيكون إيثان! هل كان يفضفض لشقيقته الصغيرة مثلا وقال كل هذه الأمور لك؟
شعرت بالانزعاج كثيرا إلا أنه استرسل بحيرة مستفزة: غريب، وهل فقد الأمل لدرجة القيام بأمر كهذا؟ هل كان مستاءا إلى هذه الدرجة أم أنه شعر بتأنيب الضمير والندم فأنفجر باكيا في أحضانك يا ترى؟
أصمت!
أردفت بغضب: إيثان لم يخبرني بأي شيء.
إذاً من الذي فعل؟
أكمل بحدة: فلا أحد يعلم بالأمر سواي أنا وأخاك وماكس!
اتسعت عيناه فبدى وكأنه قد أدرك أمرا للتو فتفاجأت به يقترب مني فلم يكن مني سوى أن أتراجع للخلف متمتمة بحدة: م. ماذا! إياك وأن تتهور وإلا صرخت بأعلى صوتي.
ولكنه لم يتوقف وإنما فعلت أنا ذلك عندما أجبرني الجدار خلفي على هذا!
ظل واقف أمامي وهمس عاقدا حاجبيه بتركيز: لقد التقيتِ بماكس مؤخراً.
ثم اقترب أكثر حتى شعرت بالتوتر الشديد وأبعدت عيناي عنه متمالكة نفسي بينما أكمل: هل كان من أخبرك؟
لا.
أوه، حقا؟
قلت لك لم يقل شيء، أنت قريب جدا ما خطبك بحق الإله!
يمكنني أن أرى أنك كاذبة يا شارلوت.
قالها هامسا بطريقة غريبة جعلتني أنظر إليه رغما عني وقد رفع يده ليعيد خصلات متمردة خلف أذني!
لا أريد التصرف بحماقة لأنني لا أريد له أن يعلم ما أحاول جاهدة إخفاءه عنه، لا أريده أن يستغل مشاعري!
كانت عيناه تحدقان بعيناي وهم يتمتم هامسا: لا أستبعد أن يكون من تفوه بكل شيء لك فأنت بلا شك تذكرينه بوالدتك و بأخيك الوغد.
لا تنعت إيثان بكلمات كهذه!
قلتها م