رواية ظلال متقابلة الفصل العاشر 10 بقلم خضراء القحطاني
البارت العاشر **ظلال متقابلة **
مرّت أيام قليلة على استيقاظ ليلى،لكن جسدها ما زال هشًّا، والوج*ع يسكنها كضيفٍ لا يريد الرحيل.
الأطباء قالوا إن التعافي الجسدي يحتاج وقتًا،أما التعافي النفسي فالله وحده يعلم كم سيستغرق.
كانت تجلس قرب النافذة،تراقب المطر وهو ينساب على الزجاج كأن السماء تبكي معها.
كلمات الممرضات وهمس الناس بالخارج عن الفض*يحة والإشاعات ما زالت تطرق أذنها رغم الصمت.
لم تكن تصدّق أن أحدًا استطاع أن يُل*وّث سمعتها بهذا الشكل،
ولا تدري كيف تحوّلت من أم مكافحة إلى حديث الناس.
دخل إياد بخطواتٍ مترددة، يحمل باقة زهور بيضاء.
اقترب منها وقال بلطف:إزايك النهارده؟ شكلك أحسن.
أومأت بهدوء دون أن تنظر إليه،قالت بصوتٍ خافت متعب:كلهم فاكرين إني غلطت، محدش سمعني ولا صدّقني.
اقترب منها أكثر، جلس أمامها وقال بصدق:أنا صدقتك يا ليلى، حتى لو اتأخرت، بس صدقتك.
واللي عمل فيك كده هيتحاسب.
رفعت عينيها إليه، فيها مزيج من أل*م ودهشة:اللي عمل كده كان منّنا، مش غريب عنّا.
سكت إياد،يعرف تمامًا من تقصد، لكن الصدمة كانت أثقل من الكلمات.
بعد الظهر،دخل صالح اليوسف الغرفة ومعه شخص ظلّ واقفًا عند الباب دون أن يقترب.
رفعت ليلى نظرها، فتجمدت أنفاسها.
سامر لم تتوقع أن تراه بهذه السرعة.
وجهه شاحب، عيناه غائرتان، وكأنه يحمل على كتفيه جبالًا من الذن*وب.
قال صالح بهدوءٍ حازم:ليلى، سامر عايز يتكلم معاكي لو مش قادرة دلوقتي، نخرج.
نظرت ليلى إلى الأرض قليلًا، ثم قالت بصوتٍ مبحوح:خليه يدخل.
اقترب سامر بخطواتٍ بطيئة،وقف أمامها صامتًا، لا يعرف كيف يبدأ.
كل ما حوله بدا صغيرًا أمام وج*عها.
أخيرًا قال بصوتٍ مك*سور:أنا غلطت، وكل كلمة طلعت مني كانت سُ*مّ كنت غِيران، كنت ح*اقد من غير سبب.
صدقت كل حاجة سي*ئة اتقالت عنك، وأنا اللي خلّيتها تكبر.
بس لما شوفتك نايمة بين الحياة والم*وت فهمت إن أنا اللي كنت مي*ت.
رفعت ليلى عينيها إليه، وفي نظرتها خليط من أل*مٍ ودموعٍ وغض*بٍ مكتوم:كنت أخويا يا سامر، أخويا عارف يعني إيه حد يط*عن من د*مه؟
أنت خدت مني كرامتي، وخلّيت ابني يسمع كلام يوج*عه،دم*رتني قدام نفسي.
انه*ار سامر على ركبتيه أمامها، دموعه تنهمر بلا توقف:سامحيني حتى لو عمري ما يكفّي، بس سامحيني.
سكتت ليلى طويلًا، ثم قالت بصوتٍ متهدّج:مش قادرة دلوقتي، يمكن يوم أقدر بس مش النهارده.
خرج سامر من الغرفة مك*سورًا،وفي الممر كان صالح واقفًا، عيناه ممتلئتان بخيبة ووج*ع الأب الذي يرى أبناءه يت*قاتلون.
اقترب منه بهدوء وقال:سامر، كل إنسان ليه نقطة يرجع منها يمكن دي فرصتك الأخيرة،خليك راجل يستحق اسمه.
أومأ سامر دون أن ينطق،وغادر المستشفى في صمت،بينما في الداخل، جلست ليلى تضم ابنها سامي إلى صدرها وتهمس له:مش هسيبك تاني يا حبيبي، مهما حصل.
وفي عينيها بريق جديد ليس بريق القوة القديمة، بل بريق امرأة جُ*رّحت بما يكفي لتعرف أن النهوض هو أصعب أشكال الشجاعة.
خرجت ليلى من المستشفى بعد شهرٍ من العلاج،تمشي بخطواتٍ مترددة، لكنها ثابتة،وفي يدها الصغيرة كانت يد سامي،تتشبث بها كأنها تمسك بالحياة نفسها.
الشمس في ذلك الصباح بدت مختلفة دافئة أكثر، كأنها تعتذر عن الغياب الطويل.
تنفست الهواء بعمق،وشعرت أن كل نسمة تمرّ على وجهها تقول:انتهى الأل*م أو على الأقل، بدأ يتراجع.
انتقلت ليلى إلى مدينةٍ صغيرة على الساحل،
بعيدة عن ضجيج العاصمة وأحاديث الناس.
استأجرت شقة بسيطة تطل على البحر،وبدأت تعمل في مدرسة أهلية لتعليم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
كانت تبتسم كل صباح وهي تسمع ضحكاتهم،
تلمس فيهم شيئًا يذكّرها بالمعنى الحقيقي للحياة.
لكن في كل مرة ترى طفلًا يركض نحو أمه،كانت تشعر بوخزة في قلبها ذكرى الأل*م لا تم*وت بسهولة.
في المساء، بعد أن ينام سامي،تجلس أمام البحر، تدعو الله أن يمنحها السكينة:يارب، قوّيني على نفسي قبل أي حد،علّمني إزاي أعيش من غير خوف،واغفر لكل اللي أذاني، حتى لو قلبي مش قادر ينسى.
كانت كلماتها تخرج ممزوجة بالدموع،لكنها لم تعد دموع ضعف،بل دموع شفاءٍ متأخر، ووعيٍ م*ؤلم بأن الحياة تمضي مهما حدث.
وفي المدينة نفسها، على بُعد أميال قليلة،كان سامر يعيش ح*ربًا داخلية لا تهدأ.
منذ رحيلها وهو يحاول أن يُصلح ما يمكن إصلاحه.
أوقف بعض العقود الفاس*دة التي كانت تُدار باسم والده،
وتبرع بجزءٍ كبير من أمواله لمؤسسة رعاية الأطفال الأيتام كأنه يحاول أن يغسل روحه بما تبقى من الخير فيه.
لكنه لم يخبر أحدًا،ولا حتى والده،فكل ما يفعله لا يراه كتك*فيرٍ كافٍ.
في الليل، حين ينظر إلى مرآته، يرى وجهه كغريب،
يهمس لنفسه:يمكن ربنا يسامحني لما تسامحني هي بس إمتى؟
وفي أحد الأيام،كانت ليلى تشرح درسًا لطفل صغير في المدرسة،
حين رأت من بعيد رجلاً يقف عند البوابة، ينظر إليها بصمت.
لم تتبيّن ملامحه، لكن قلبها خفق بشدة.
حين خرجت، كان المكان خاليًا،ورأت على المقعد المجاور لبوابة المدرسة باقة وردٍ بيضاء ورسالة صغيرة:ما كنتش أستاهل غفرانك بس بدعي لك كل يوم تكوني بخير.
وقّعها: س. اليوسف.
وقفت ليلى صامتة، تحدّق في الوردة بين يديها.
لم تعد تشعر بالغ*ضب كما في السابق،بل بشيءٍ غريب يشبه الحزن الممزوج بالرحمة.
همست لنفسها:يمكن كلنا محتاجين فرصة نرجع منها حتى اللي أذانا.
ثم وضعت الوردة في كوب ماء على مكتبها،
ابتسمت بخفة، وبدأت تصحح أوراق تلاميذها.
كان في ملامحها نور جديد،نضجٌ وهدوء امرأة لم تعد تبحث عن الانت*قام،بل عن معنى السلام بعد العاصفة.
كانت ليلى تسير في حديقة المستشفى، تتنفس هواء المساء الهادئ،تحاول أن تُقنع نفسها بأن كل شيء عاد لطبيعته.
سامي يلهو بالقرب منها، ضحكته الصغيرة تُعيد للحياة موسيقاها القديمة.
لكنها فجأة سمعت صوتًا خلفها،صوتًا تعرفه جيدًا،كأنه خرج من أعماق الذاكرة ليلى تجمدت مكانها.
تسارعت أنفاسها، والتفتت ببطء.
كان سامر يقف على بُعد خطوات،وجهه شاحب لكن عينيه تمتلئان برجاءٍ صادق،كأن الزمن توقف عند لحظة خط*ئه الأول.
لم يقل شيئًا آخر.
اقترب منها بخطواتٍ مرتجفة،وعيناه تمتلئان بالدموع.
قال بصوتٍ مبحوح:أنا آسف آسف على كل لحظة وج*عتك فيها.
ما كنتش بني آدم وقتها، بس ربنا عاقبني بندمي.
لم تردّ في البداية،لكن عينيها امتلأتا بالدموع التي حاولت طويلًا حبسها.
تقدّم خطوة، فابتعدت قليلًا ثم توقفت.
سكت كل شيء حولها، حتى صوت البحر البعيد.
وفجأة ألقى سامي بنفسه في أحضان سامر وهو يصرخ:خالو سامر!
ارتبك الاثنان.
نظر سامر إلى ليلى بخوف، كأنه يطلب الإذن أن يلمس هذا الطفل.
فلم تقل شيئًا، فقط أومأت بخفة.
جلس على ركبتيه وضم الصغير إلى صدره،ثم رفع رأسه نحوها كانت الدموع تنهمر من عينيه بلا توقف.
اقتربت بخطوات بطيئة،ترددت لحظة، ثم مدّت ذراعيها نحوه.
ض*مّته بقوة كأنها تطرد كل الأل*م من قلبها في تلك اللحظة.
شعر سامر وكأنه عاد للحياة من جديد،فزاد من عن*اقه، حتى كادت أنفاسهما تختلط بين البكاء والراحة.
همس وهو يدف*ن وجهه في كتفها:سامحيني يا ليلى مش عايز غير كده.
فردّت بصوتٍ مرتجف:مش مهم اللي فات أهم إنك اتغيّرت فعلاً.
وفي تلك اللحظة،ظهر إياد على بُعد أمتار،كان قد جاء لزيارتها بعد أن علم بعودتها.
تجمّد مكانه،وعيناه تتابعان المشهد سامر يحت*ضنها بكل شوق، وهي تبكي في حض*نه.
شعر إياد بوخزة ح*ادة في صدره،غيرة مفاجئة اجتاحت قلبه رغم أنه وعد نفسه أن يكون عقلانيًا.
لكن لا، ما رآه أمامه لم يكن مجرد مشهد عاطفي
كان لقاء روحين تاهتا ثم وجدتا طريقهما من جديد.
وقف صامتًا للحظات،ثم ابتسم ابتسامة خفيفة حزينة،
استدار بهدوء، وغادر المكان دون أن تراه.
مرت أسابيع قليلة منذ استيقاظ ليلى،وشيئًا فشيئًا بدأت تستعيد لون الحياة في عينيها.
لم يكن الأمر سهلًا، لكنها هذه المرة لم تكن وحدها.
كان سامر لا يفارقها تقريبًا يرافقها إلى جلسات العلاج،يحمل عنها الحقائب،ويحاول إضحاك سامي الذي تعلّق به بسرعة.
أصبح كأنه يحاول تعويض كل ما فعله لا بالكلمات، بل بالفعل.
وفي إحدى الأمسيات، جلست ليلى أمام البحر بصمت،وإلى جانبها جلس سامر وهو يرمق الأفق البعيد.
قال بخفوت:تعرفي يا ليلى كنت فاكر إني لو خ*سرتك مش هحس بحاجة.
بس لما شفتك هناك نايمة بين الحياة والم*وت، فهمت إني كنت أعمى.
إنتي مش بس أختي إنتي نصّي الطيب اللي ضاع.
نظرت إليه طويلاً،ثم ابتسمت بدمعةٍ حارة وقالت:كفاية إنك فهمت دا بالنسبالي غفران.
مدّ يده ووضعها على يدها لأول مرة بلا تردد،وشعرت هي أن تلك اليد التي آذتها من قبل،أصبحت اليوم اليد التي تسندها.
من بعيد، كان إياد يراقبهما من سيارته.
لم يقترب، لكنه اكتفى بتلك النظرة الطويلة التي جمع فيها كل شيء الحب، والغيرة، والاعتراف بالقدر.
عاد إلى بيته في تلك الليلة وهو يحمل قرارًا حاسمًا.
وقف أمام المرآة، نظر إلى نفسه طويلاً،وقال بصوتٍ خافت كأنه يخاطب قلبه:كفاية وجع المرة دي مش هسيبها تضيع.
في الصباح التالي،توجه إلى منزل صالح اليوسف بنفس الهدوء الذي يسبق العاصفة.
رحّب به صالح بترحابٍ خفي، فهو يعلم ما بداخله.
جلس إياد بثقةٍ وملامح جادة، ثم قال دون مقدمات:أنا جيت أطلب إيد ليلى رسميًا،عارف إنها لسه خارجة من تعب ومشاكل،
بس يمكن وجودي جنبها يكون سبب في استقرارها وفي سلامها.
توقف الزمن للحظة.
نظر صالح إليه طويلاً، ثم ابتسم ابتسامة هادئة وقال:لو كنت جيت من شهور، كنت رفضت.
لكن دلوقتي يمكن تكون اللي محتاجاه فعلاً.
خرج إياد من المنزل وقلبه يخفق بعنف.
لم يكن يعرف هل هي بداية حب جديد أم معركة جديدة مع الماضي.
وفي تلك الليلة، بينما كانت ليلى تجلس مع سامي في غرفته،تلقت اتصالًا من رقمٍ مألوف.
ترددت، ثم أجابت:ألو؟
فجاءها صوت إياد، دافئًا وواثقًا:ليلى محتاج أكلمك في موضوع مهم،بس المرة دي وجهاً لوجه.
رفعت عينيها نحو النافذة،والقمر يعكس نوره على وجهها الشاحب بابتسامة صغيرة.
شعرت أن القدر لم ينتهِ بعد،وأن فصول قصتها ما زالت تُكتب لكن هذه المرة، بخطٍ أكثر هدوءًا وثباتًا.
في صباحٍ هادئ، جلست ليلى في شرفة منزلها الصغيرة،
تحتسي قهوتها بصمت بينما النسيم يحرك خصلات شعرها.
منذ مكالمة إياد بالأمس، لم يهدأ قلبها.
كان صوته يحمل صدقًا لم تشعر به منذ زمن،لكن الخوف ما زال يسكن داخلها خوف من أن تكون السعادة مجرد فخّ جديد من القدر.
طرق سامر الباب بخفة، ثم دخل مبتسمًا وقال:صباح الخير يا أختي الجميلة، إيه؟ وشك متغيّر كده ليه؟
حاولت ليلى الابتسام،ولا حاجة بس بفكر.
جلس أمامها، ثم التقط فنجان القهوة من يدها وقال بمشاكسه أخوية:بتفكّري في مين؟ في إياد مثلاً؟
رفعت عينيها نحوه بدهشة، وصمتت.
لكن نظراتها كانت كافية لتكشف كل شيء.
سكت سامر للحظة،ثم ارتسمت على وجهه نظرة غريبة، مزيج من الحيرة والغيرة والخوف،
وقال بصوتٍ منخفض:هو قالك حاجة؟
اتصل بيا، وقال إنه عايز يتكلم في موضوع مهم.
شعر سامر بشيء يشتعل داخله.
وقف من مكانه فجأة، وأخذ يتنفس بعمق كأنه يحاول كبح نفسه.
موضوع مهم؟!
ماشي يا ليلى واضح إنه قرر ياخد خطوة!
نظرت إليه بخوف:سامر، ما تبقاش متسرّع، إياد إنسان محترم وأنا.
قاطعها بعصبية مكتومة:أنا مش ضدك، بس مش قادر أصدق إنك بعد كل اللي حصل هتفتحي باب جديد كده ببساطة.
اقترب منها وقال بنبرة أخٍ خائ*ف أكثر من غاضب:اللي زي إياد ما بيتعلقش بسهولة، ولو دخل حياتك المرة دي، مش هيسيبك تاني.
بس هل إنتي فعلاً مستعدة؟
لم تستطع الرد.
عيناها امتلأتا بالدموع،وقالت بصوتٍ متحشرج:أنا تعبت يا سامر مش عايزة غير حياة هادية، ليا ولسامي.
مدّ يده وربت على كتفها:أنا معاكِ يا ليلى، بس خدي بالك الحب ساعات بييجي في وقت غلط، وبيكلفنا غالي.
وفي تلك اللحظة، رنّ هاتف سامر.
نظر إلى الشاشة، فتبدّل وجهه تمامًا.
كان إياد هو المتصل.
تردد سامر لوهلة، ثم ردّ بنبرةٍ هادئة تخفي عاصفة:أهلاً يا إياد.
صباح الخير، حبيت أبلغك قبل أي خطوة أنا هاجي النهارده أطلب إيد ليلى رسمي من والدها.
سكت سامر للحظات، وكأن الدم تجمّد في عروقه،
ثم قال بخفوتٍ كاذب الهدوء:تمام هنكون مستنيينك.
أغلق الهاتف، ووضعه على الطاولة ببطء،ثم خرج من الغرفة دون أن ينظر إلى ليلى،وعيناه تلمعان ببريقٍ غامض في المساء،كان البيت هادئًا على غير العادة،ليلى ترتدي فستانًا بسيطًا،وسامر يجلس في صمتٍ ثقيل بجوار والدهم.
وحين دخل إياد بخطواتٍ ثابتة،تقاطعت نظراته مع سامر نظرة لم تحمل سوى سؤالٍ واحدٍ لم يُنطق بعد:هل ستتركها لي؟
مرّت أيام قليلة على استيقاظ ليلى،لكن جسدها ما زال هشًّا، والوج*ع يسكنها كضيفٍ لا يريد الرحيل.
الأطباء قالوا إن التعافي الجسدي يحتاج وقتًا،أما التعافي النفسي فالله وحده يعلم كم سيستغرق.
كانت تجلس قرب النافذة،تراقب المطر وهو ينساب على الزجاج كأن السماء تبكي معها.
كلمات الممرضات وهمس الناس بالخارج عن الفض*يحة والإشاعات ما زالت تطرق أذنها رغم الصمت.
لم تكن تصدّق أن أحدًا استطاع أن يُل*وّث سمعتها بهذا الشكل،
ولا تدري كيف تحوّلت من أم مكافحة إلى حديث الناس.
دخل إياد بخطواتٍ مترددة، يحمل باقة زهور بيضاء.
اقترب منها وقال بلطف:إزايك النهارده؟ شكلك أحسن.
أومأت بهدوء دون أن تنظر إليه،قالت بصوتٍ خافت متعب:كلهم فاكرين إني غلطت، محدش سمعني ولا صدّقني.
اقترب منها أكثر، جلس أمامها وقال بصدق:أنا صدقتك يا ليلى، حتى لو اتأخرت، بس صدقتك.
واللي عمل فيك كده هيتحاسب.
رفعت عينيها إليه، فيها مزيج من أل*م ودهشة:اللي عمل كده كان منّنا، مش غريب عنّا.
سكت إياد،يعرف تمامًا من تقصد، لكن الصدمة كانت أثقل من الكلمات.
بعد الظهر،دخل صالح اليوسف الغرفة ومعه شخص ظلّ واقفًا عند الباب دون أن يقترب.
رفعت ليلى نظرها، فتجمدت أنفاسها.
سامر لم تتوقع أن تراه بهذه السرعة.
وجهه شاحب، عيناه غائرتان، وكأنه يحمل على كتفيه جبالًا من الذن*وب.
قال صالح بهدوءٍ حازم:ليلى، سامر عايز يتكلم معاكي لو مش قادرة دلوقتي، نخرج.
نظرت ليلى إلى الأرض قليلًا، ثم قالت بصوتٍ مبحوح:خليه يدخل.
اقترب سامر بخطواتٍ بطيئة،وقف أمامها صامتًا، لا يعرف كيف يبدأ.
كل ما حوله بدا صغيرًا أمام وج*عها.
أخيرًا قال بصوتٍ مك*سور:أنا غلطت، وكل كلمة طلعت مني كانت سُ*مّ كنت غِيران، كنت ح*اقد من غير سبب.
صدقت كل حاجة سي*ئة اتقالت عنك، وأنا اللي خلّيتها تكبر.
بس لما شوفتك نايمة بين الحياة والم*وت فهمت إن أنا اللي كنت مي*ت.
رفعت ليلى عينيها إليه، وفي نظرتها خليط من أل*مٍ ودموعٍ وغض*بٍ مكتوم:كنت أخويا يا سامر، أخويا عارف يعني إيه حد يط*عن من د*مه؟
أنت خدت مني كرامتي، وخلّيت ابني يسمع كلام يوج*عه،دم*رتني قدام نفسي.
انه*ار سامر على ركبتيه أمامها، دموعه تنهمر بلا توقف:سامحيني حتى لو عمري ما يكفّي، بس سامحيني.
سكتت ليلى طويلًا، ثم قالت بصوتٍ متهدّج:مش قادرة دلوقتي، يمكن يوم أقدر بس مش النهارده.
خرج سامر من الغرفة مك*سورًا،وفي الممر كان صالح واقفًا، عيناه ممتلئتان بخيبة ووج*ع الأب الذي يرى أبناءه يت*قاتلون.
اقترب منه بهدوء وقال:سامر، كل إنسان ليه نقطة يرجع منها يمكن دي فرصتك الأخيرة،خليك راجل يستحق اسمه.
أومأ سامر دون أن ينطق،وغادر المستشفى في صمت،بينما في الداخل، جلست ليلى تضم ابنها سامي إلى صدرها وتهمس له:مش هسيبك تاني يا حبيبي، مهما حصل.
وفي عينيها بريق جديد ليس بريق القوة القديمة، بل بريق امرأة جُ*رّحت بما يكفي لتعرف أن النهوض هو أصعب أشكال الشجاعة.
خرجت ليلى من المستشفى بعد شهرٍ من العلاج،تمشي بخطواتٍ مترددة، لكنها ثابتة،وفي يدها الصغيرة كانت يد سامي،تتشبث بها كأنها تمسك بالحياة نفسها.
الشمس في ذلك الصباح بدت مختلفة دافئة أكثر، كأنها تعتذر عن الغياب الطويل.
تنفست الهواء بعمق،وشعرت أن كل نسمة تمرّ على وجهها تقول:انتهى الأل*م أو على الأقل، بدأ يتراجع.
انتقلت ليلى إلى مدينةٍ صغيرة على الساحل،
بعيدة عن ضجيج العاصمة وأحاديث الناس.
استأجرت شقة بسيطة تطل على البحر،وبدأت تعمل في مدرسة أهلية لتعليم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
كانت تبتسم كل صباح وهي تسمع ضحكاتهم،
تلمس فيهم شيئًا يذكّرها بالمعنى الحقيقي للحياة.
لكن في كل مرة ترى طفلًا يركض نحو أمه،كانت تشعر بوخزة في قلبها ذكرى الأل*م لا تم*وت بسهولة.
في المساء، بعد أن ينام سامي،تجلس أمام البحر، تدعو الله أن يمنحها السكينة:يارب، قوّيني على نفسي قبل أي حد،علّمني إزاي أعيش من غير خوف،واغفر لكل اللي أذاني، حتى لو قلبي مش قادر ينسى.
كانت كلماتها تخرج ممزوجة بالدموع،لكنها لم تعد دموع ضعف،بل دموع شفاءٍ متأخر، ووعيٍ م*ؤلم بأن الحياة تمضي مهما حدث.
وفي المدينة نفسها، على بُعد أميال قليلة،كان سامر يعيش ح*ربًا داخلية لا تهدأ.
منذ رحيلها وهو يحاول أن يُصلح ما يمكن إصلاحه.
أوقف بعض العقود الفاس*دة التي كانت تُدار باسم والده،
وتبرع بجزءٍ كبير من أمواله لمؤسسة رعاية الأطفال الأيتام كأنه يحاول أن يغسل روحه بما تبقى من الخير فيه.
لكنه لم يخبر أحدًا،ولا حتى والده،فكل ما يفعله لا يراه كتك*فيرٍ كافٍ.
في الليل، حين ينظر إلى مرآته، يرى وجهه كغريب،
يهمس لنفسه:يمكن ربنا يسامحني لما تسامحني هي بس إمتى؟
وفي أحد الأيام،كانت ليلى تشرح درسًا لطفل صغير في المدرسة،
حين رأت من بعيد رجلاً يقف عند البوابة، ينظر إليها بصمت.
لم تتبيّن ملامحه، لكن قلبها خفق بشدة.
حين خرجت، كان المكان خاليًا،ورأت على المقعد المجاور لبوابة المدرسة باقة وردٍ بيضاء ورسالة صغيرة:ما كنتش أستاهل غفرانك بس بدعي لك كل يوم تكوني بخير.
وقّعها: س. اليوسف.
وقفت ليلى صامتة، تحدّق في الوردة بين يديها.
لم تعد تشعر بالغ*ضب كما في السابق،بل بشيءٍ غريب يشبه الحزن الممزوج بالرحمة.
همست لنفسها:يمكن كلنا محتاجين فرصة نرجع منها حتى اللي أذانا.
ثم وضعت الوردة في كوب ماء على مكتبها،
ابتسمت بخفة، وبدأت تصحح أوراق تلاميذها.
كان في ملامحها نور جديد،نضجٌ وهدوء امرأة لم تعد تبحث عن الانت*قام،بل عن معنى السلام بعد العاصفة.
كانت ليلى تسير في حديقة المستشفى، تتنفس هواء المساء الهادئ،تحاول أن تُقنع نفسها بأن كل شيء عاد لطبيعته.
سامي يلهو بالقرب منها، ضحكته الصغيرة تُعيد للحياة موسيقاها القديمة.
لكنها فجأة سمعت صوتًا خلفها،صوتًا تعرفه جيدًا،كأنه خرج من أعماق الذاكرة ليلى تجمدت مكانها.
تسارعت أنفاسها، والتفتت ببطء.
كان سامر يقف على بُعد خطوات،وجهه شاحب لكن عينيه تمتلئان برجاءٍ صادق،كأن الزمن توقف عند لحظة خط*ئه الأول.
لم يقل شيئًا آخر.
اقترب منها بخطواتٍ مرتجفة،وعيناه تمتلئان بالدموع.
قال بصوتٍ مبحوح:أنا آسف آسف على كل لحظة وج*عتك فيها.
ما كنتش بني آدم وقتها، بس ربنا عاقبني بندمي.
لم تردّ في البداية،لكن عينيها امتلأتا بالدموع التي حاولت طويلًا حبسها.
تقدّم خطوة، فابتعدت قليلًا ثم توقفت.
سكت كل شيء حولها، حتى صوت البحر البعيد.
وفجأة ألقى سامي بنفسه في أحضان سامر وهو يصرخ:خالو سامر!
ارتبك الاثنان.
نظر سامر إلى ليلى بخوف، كأنه يطلب الإذن أن يلمس هذا الطفل.
فلم تقل شيئًا، فقط أومأت بخفة.
جلس على ركبتيه وضم الصغير إلى صدره،ثم رفع رأسه نحوها كانت الدموع تنهمر من عينيه بلا توقف.
اقتربت بخطوات بطيئة،ترددت لحظة، ثم مدّت ذراعيها نحوه.
ض*مّته بقوة كأنها تطرد كل الأل*م من قلبها في تلك اللحظة.
شعر سامر وكأنه عاد للحياة من جديد،فزاد من عن*اقه، حتى كادت أنفاسهما تختلط بين البكاء والراحة.
همس وهو يدف*ن وجهه في كتفها:سامحيني يا ليلى مش عايز غير كده.
فردّت بصوتٍ مرتجف:مش مهم اللي فات أهم إنك اتغيّرت فعلاً.
وفي تلك اللحظة،ظهر إياد على بُعد أمتار،كان قد جاء لزيارتها بعد أن علم بعودتها.
تجمّد مكانه،وعيناه تتابعان المشهد سامر يحت*ضنها بكل شوق، وهي تبكي في حض*نه.
شعر إياد بوخزة ح*ادة في صدره،غيرة مفاجئة اجتاحت قلبه رغم أنه وعد نفسه أن يكون عقلانيًا.
لكن لا، ما رآه أمامه لم يكن مجرد مشهد عاطفي
كان لقاء روحين تاهتا ثم وجدتا طريقهما من جديد.
وقف صامتًا للحظات،ثم ابتسم ابتسامة خفيفة حزينة،
استدار بهدوء، وغادر المكان دون أن تراه.
مرت أسابيع قليلة منذ استيقاظ ليلى،وشيئًا فشيئًا بدأت تستعيد لون الحياة في عينيها.
لم يكن الأمر سهلًا، لكنها هذه المرة لم تكن وحدها.
كان سامر لا يفارقها تقريبًا يرافقها إلى جلسات العلاج،يحمل عنها الحقائب،ويحاول إضحاك سامي الذي تعلّق به بسرعة.
أصبح كأنه يحاول تعويض كل ما فعله لا بالكلمات، بل بالفعل.
وفي إحدى الأمسيات، جلست ليلى أمام البحر بصمت،وإلى جانبها جلس سامر وهو يرمق الأفق البعيد.
قال بخفوت:تعرفي يا ليلى كنت فاكر إني لو خ*سرتك مش هحس بحاجة.
بس لما شفتك هناك نايمة بين الحياة والم*وت، فهمت إني كنت أعمى.
إنتي مش بس أختي إنتي نصّي الطيب اللي ضاع.
نظرت إليه طويلاً،ثم ابتسمت بدمعةٍ حارة وقالت:كفاية إنك فهمت دا بالنسبالي غفران.
مدّ يده ووضعها على يدها لأول مرة بلا تردد،وشعرت هي أن تلك اليد التي آذتها من قبل،أصبحت اليوم اليد التي تسندها.
من بعيد، كان إياد يراقبهما من سيارته.
لم يقترب، لكنه اكتفى بتلك النظرة الطويلة التي جمع فيها كل شيء الحب، والغيرة، والاعتراف بالقدر.
عاد إلى بيته في تلك الليلة وهو يحمل قرارًا حاسمًا.
وقف أمام المرآة، نظر إلى نفسه طويلاً،وقال بصوتٍ خافت كأنه يخاطب قلبه:كفاية وجع المرة دي مش هسيبها تضيع.
في الصباح التالي،توجه إلى منزل صالح اليوسف بنفس الهدوء الذي يسبق العاصفة.
رحّب به صالح بترحابٍ خفي، فهو يعلم ما بداخله.
جلس إياد بثقةٍ وملامح جادة، ثم قال دون مقدمات:أنا جيت أطلب إيد ليلى رسميًا،عارف إنها لسه خارجة من تعب ومشاكل،
بس يمكن وجودي جنبها يكون سبب في استقرارها وفي سلامها.
توقف الزمن للحظة.
نظر صالح إليه طويلاً، ثم ابتسم ابتسامة هادئة وقال:لو كنت جيت من شهور، كنت رفضت.
لكن دلوقتي يمكن تكون اللي محتاجاه فعلاً.
خرج إياد من المنزل وقلبه يخفق بعنف.
لم يكن يعرف هل هي بداية حب جديد أم معركة جديدة مع الماضي.
وفي تلك الليلة، بينما كانت ليلى تجلس مع سامي في غرفته،تلقت اتصالًا من رقمٍ مألوف.
ترددت، ثم أجابت:ألو؟
فجاءها صوت إياد، دافئًا وواثقًا:ليلى محتاج أكلمك في موضوع مهم،بس المرة دي وجهاً لوجه.
رفعت عينيها نحو النافذة،والقمر يعكس نوره على وجهها الشاحب بابتسامة صغيرة.
شعرت أن القدر لم ينتهِ بعد،وأن فصول قصتها ما زالت تُكتب لكن هذه المرة، بخطٍ أكثر هدوءًا وثباتًا.
في صباحٍ هادئ، جلست ليلى في شرفة منزلها الصغيرة،
تحتسي قهوتها بصمت بينما النسيم يحرك خصلات شعرها.
منذ مكالمة إياد بالأمس، لم يهدأ قلبها.
كان صوته يحمل صدقًا لم تشعر به منذ زمن،لكن الخوف ما زال يسكن داخلها خوف من أن تكون السعادة مجرد فخّ جديد من القدر.
طرق سامر الباب بخفة، ثم دخل مبتسمًا وقال:صباح الخير يا أختي الجميلة، إيه؟ وشك متغيّر كده ليه؟
حاولت ليلى الابتسام،ولا حاجة بس بفكر.
جلس أمامها، ثم التقط فنجان القهوة من يدها وقال بمشاكسه أخوية:بتفكّري في مين؟ في إياد مثلاً؟
رفعت عينيها نحوه بدهشة، وصمتت.
لكن نظراتها كانت كافية لتكشف كل شيء.
سكت سامر للحظة،ثم ارتسمت على وجهه نظرة غريبة، مزيج من الحيرة والغيرة والخوف،
وقال بصوتٍ منخفض:هو قالك حاجة؟
اتصل بيا، وقال إنه عايز يتكلم في موضوع مهم.
شعر سامر بشيء يشتعل داخله.
وقف من مكانه فجأة، وأخذ يتنفس بعمق كأنه يحاول كبح نفسه.
موضوع مهم؟!
ماشي يا ليلى واضح إنه قرر ياخد خطوة!
نظرت إليه بخوف:سامر، ما تبقاش متسرّع، إياد إنسان محترم وأنا.
قاطعها بعصبية مكتومة:أنا مش ضدك، بس مش قادر أصدق إنك بعد كل اللي حصل هتفتحي باب جديد كده ببساطة.
اقترب منها وقال بنبرة أخٍ خائ*ف أكثر من غاضب:اللي زي إياد ما بيتعلقش بسهولة، ولو دخل حياتك المرة دي، مش هيسيبك تاني.
بس هل إنتي فعلاً مستعدة؟
لم تستطع الرد.
عيناها امتلأتا بالدموع،وقالت بصوتٍ متحشرج:أنا تعبت يا سامر مش عايزة غير حياة هادية، ليا ولسامي.
مدّ يده وربت على كتفها:أنا معاكِ يا ليلى، بس خدي بالك الحب ساعات بييجي في وقت غلط، وبيكلفنا غالي.
وفي تلك اللحظة، رنّ هاتف سامر.
نظر إلى الشاشة، فتبدّل وجهه تمامًا.
كان إياد هو المتصل.
تردد سامر لوهلة، ثم ردّ بنبرةٍ هادئة تخفي عاصفة:أهلاً يا إياد.
صباح الخير، حبيت أبلغك قبل أي خطوة أنا هاجي النهارده أطلب إيد ليلى رسمي من والدها.
سكت سامر للحظات، وكأن الدم تجمّد في عروقه،
ثم قال بخفوتٍ كاذب الهدوء:تمام هنكون مستنيينك.
أغلق الهاتف، ووضعه على الطاولة ببطء،ثم خرج من الغرفة دون أن ينظر إلى ليلى،وعيناه تلمعان ببريقٍ غامض في المساء،كان البيت هادئًا على غير العادة،ليلى ترتدي فستانًا بسيطًا،وسامر يجلس في صمتٍ ثقيل بجوار والدهم.
وحين دخل إياد بخطواتٍ ثابتة،تقاطعت نظراته مع سامر نظرة لم تحمل سوى سؤالٍ واحدٍ لم يُنطق بعد:هل ستتركها لي؟
