رواية الوكر الفصل السابع 7 بقلم مريم محمد
الفصل السابع ( الخطوة التالية )
إوعى تأجل توبتك!
قال رسول اللّٰه ﷺ: «إنَّ اللهَ يقبلُ توبةَ العبدِ ما لم يُغرغرْ».
يعني لحد آخر نفس، باب التوبة مفتوح.
+
بس السؤال:
أنت ضامن تفضل عايش لحد إمتى؟!
اليوم ده هييجي بغتة، من غير مقدمات... فجهز نفسك قبل فوات الأوان!
+
الفصل السابع من رواية الوكر بعنوان (الخطوة التالية)
__________________________________________
+
صباحٌ جديد، هدوءٌ يلف المكان، خطواتٌ واثقة نحو الأمام، كل شيء يسير كما خُطِّط له.
في أحد الأركان، يجلس ذلك الرجل الذي يحمل اسم "سيف"، يزين شفتيه شبه أبتسامة، ينصت بإمعان إلى الكلمات التي تتغنى بإنجازه، تلك العبارات التي تعكس فخرًا واضحًا في نبرة المتحدث:
إنت عملت حاجة كبيرة أوي وعظيمة يا سيف، من النهاردة إنت واحد من رجالتي.
+
لم تتغير تعابيره كثيرًا، اكتفى بإيماءة خفيفة وهو يطلق إبتسامة مطمئنة، لكنها لم تكن سوى واجهة لشيء آخر، فذلك السيف لم يكن إلا "زيدان"، والأسم لم يكن سوى قناع يحجب الحقيقة كاملة، تلاعب بصوته بإتقان ليبدو خجولًا وهو يرد:
كنت بس عاوز أطلب منك طلب.
+
على الفور، ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه مصطفى، وهو يرد بنبرة تحمل شيئًا من الامتنان:
أكيد، إنت تطلب أي حاجة.. لولاك الشرطة كانت هتقبض علينا أمبارح، وكان زماننا في وسط حرب دلوقتي.
+
تحركت عينان "زيدان" سريعًا بين مصطفى ومعتز، الأخر يحدق فيه بصمت، بلا أي انفعال ظاهر، وكأن وجهه نُحِت من حجر، تجاهل زيدان نظراته تمامًا وأستطرد في حديثه:
أخويا هييجي يعيش معايا، وكنت عاوز الرجالة تسمحله بالدخول.
+
هنا، قطع معتز الصمت فجأة، نبرته كانت باردة، تكاد تخلو من أي اهتمام حقيقي:
طب وفين مراتك يا سيف؟
+
التفت زيدان إليه ببطء، ثم رسم على وجهه إبتسامة بنفس برودة السؤال، وكأنه يرد عليه بالمثل، أخرج ورقة مطوية من جيب بنطاله ومدّها أمامه:
طلقتها، شوف ورقة الطلاق بنفسك.
+
لم يتحرك شيء في ملامح معتز وهو يلتقط الورقة، نظراته مرت عليها سريعًا قبل أن يقرأ بصوت داخلي:
سيف رفعت الأبياري
ليان ياسين الأبياري
+
رفع حاجبه قليلًا وهو يرفع رأسه لينظر إلى زيدان، يسأله بنبرة هادئة لكنها محمّلة بتساؤل خفي وشك عميق:
تقربلك إيه؟
+
لم يبدُ على زيدان أي ارتباك، فقط إبتسامة هادئة، وإجابة محسوبة خرجت بسلاسة:
بنت عمي.. عايشين في الصعيد، محصلش نصيب وطلقتها.
+
كاد المشهد ينتهي عند هذا الحد، لكن الصوت القادم من الخلف قطعه، صوت ثابت ونبرة هادئة، لكنها تحمل شيئًا من الترقب:
مصطفى باشا، فيه راجل برا إسمه إبراهيم رفعت الأبياري، عاوز يدخل.
+
في جزء من الثانية، تحركت نظرات زيدان سريعًا نحو مصطفى، وكأنه يريد أن يسبق الحدث، ثم تمتم بنبرة بدت كأنها مزيج بين الحذر والجدية:
أخويا إبراهيم.
+
أومأ مصطفى، قبل أن يرد بترحاب غير مبالغ فيه:
دخّلوه.
+
لحظات، ثم ظهر أمامهم رجل متوسط الطول، جسده نحيل لكن وقفته مشدودة، ملابسه كانت سوداء بالكامل، قميص طويل واسع على بنطال مماثل، أما شعره فكان قصيرًا، أسود اللون كالسواد الذي يحجب ضوء القمر في ليلة غائمة. ملامحه كانت جامدة، رجولية بعض الشيء، لا شيء فيها يكشف عن مشاعره، لكنه حين اقترب، رفع "سيف" رأسه ونظر إليه، وكادت ضحكة عالية أن تفلت منه، لكنه كتمها في آخر لحظة بصعوبة.
+
مدّ "إبراهيم" يده إلى مصطفى، مصافحًا إياه بابتسامة هادئة، وصوت رخيم ثابت:
أهلًا، أنا إبراهيم رفعت الأبياري.. أخو سيف.
+
لم يخف مصطفى استغرابه من ذلك الكائن، كان مريب قليلًا، لكنه لم يعلق، فقط أومأ له بغير اكتراث، ثم نظر إلى زيدان وقال:
أنا ماشي بالليل، هتيجي معايا.
+
انطلق صوته سريعًا، وكأنه لا يريد أن يمنح مصطفى فرصة للتفكير كثيرًا:
معلش لو هتقل عليك في الطلب، بس ممكن ابراهيم ينزل الشغل معايا؟
+
نظر مصطفى إلى إبراهيم، تفحصه بنظرة طويلة، وكان الإستغراب لا يتحرك من عيناه، ثم زفر ببطء قبل أن يرد:
إنت هتقل أيوه، بس فداك.. كأنها رد جميل للي عملته أمبارح.
+
وهكذا، خُطوةٌ أخرى قد وُضعت في مكانها، واللعبة لا تزال مستمرة..
كان معتز يجلس بصمت، عيناه تراقبان المشهد بجمود، لكن في عقله كانت الأفكار تتلاطم كالأمواج الهائجة، والشكوك لا تنتهي، لم يعلّق، لم يبدِ أي ردة فعل، امتثل لحديث أبيه، لكنه لم يكن هدوء المستسلم، بل هدوء الرجل الذي يعرف متى يتحرك.
+
أخرج من جيب بنطاله ورقة قديمة باتت مألوفة لأنامله، تلك الورقة التي تركتها له بالأمس قبل أن ترحل، نظر إليها مجددًا، ربما للمرة الألف، ربما للمليون، والابتسامة التي لاحت على شفتيه لم تكن ابتسامة عادية، بل إبتسامة الشبح الذي يرى أكثر مما يُظهر.
+
أعاد الورقة إلى مكانها، ثم استند إلى ظهر الكرسي وهو يتذكر مذاق الطعام الذي تركته بالأمس، حسن النكهة التي لم يتوقعها، الدفء الذي لم يكن ضمن حساباته إطلاقًا، حين أستيقظ بعدها، تناول الطعام، لم يترك منه شيئًا، ثم غادر منزله.
+
خرج من المجلس بخطوات واثقة، يسير في الحارة التي جعلها مِلك له، هاتفه في يده، أصابعه تتحرك على الشاشة قبل أن يضعه على أذنه منتظرًا الرد، لم يستغرق الأمر كثيرًا حتى جاءه الصوت من الجهة الأخرى، رقيق كعادته:
ألو.
+
مالت شفتاه بابتسامة هادئة دون وعي منه، نبرته حملت شيئًا من المرح:
بتعرفي تطبخي كمان يا سُهاد؟
+
من الناحية الأخرى، جاء صوتها مترددًا بين الخجل والسعادة، لكنه في النهاية لم يخفِ الحقيقة من إبتسامتها:
منا قولتلك بعرف أعمل كل حاجة.
+
وضع معتز يده في جيب بنطاله، استند إلى سيارته التي في منتصف الحارة، ثم رد بكسل متعمد:
لو كنتِ موجودة كنت أكلت صوابعك ورا الأكل.
+
ضحكت قليلًا، قبل أن تسأله بجدية:
بقيت أحسن؟
حرك رأسه كأنه يراها أمامه، ثم أجاب ببساطة:
الحمد لله.. أحسن بكتير، كل الأزمة إن الدم نزل كتير أوي.
ـ طب خلي حد يهتم بيك، يعملك أكل يغذيك، يعوضك عن الدم إللي ضاع ده.
+
ضحك وهو يردّ بسرعة:
لو عملتيه إنتِ، هكون شاكر جدًا ليكي.
أجابتة بسخرية:
لا، خليك من غير دم أحسن.
قهقة بلا وعي وسأل بمرح يمتثله السخرية:
يعني إيه يعني؟
+
ـ يعني مع السلامة يا معتز.
أردف بصوت سريع وكأنه يهرول:
طب استني!
ـ نعم؟
-الجلسة بكرة.. هستناكي في المحكمة.
- أوكي، وألف سلامة عليك تاني.
+
صمَت قليلًا قبل أن يقول بنبرة محملة بالتحفّظ والإستفهام:
متعرفيش مين إللي عملوا كدة، لو مسكتهم، هطلع روحهم.
+
ردّت سريعًا بسخرية واضحة في نبرتها:
تطلع روح مين بس؟ ده أنت أول ما جات الرصاصة في إيدك قعدت تتشنج!
أطلق قهقهات عالية، لا يشعر بالنظرات التي تخترقة من سكان المنطقة، كأنه أصبح كفيف، يستمع فقط:
بنت، عيب! ده بس عشان كمية الدم اللي فقدتها.
+
أبتسمت على الناحية الأخرى، إبتسامة لم تصل إلي عيناها، لكنها تمتمت بهدوء:
معرفش مين إللي عمل كدة، بس هوا حد من شغل بابا أكيد، وأنت أتاذيت مكاني
في تلك اللحظة، تغيرت نبرته قليلًا، كأنه أدرك فجأة شيئًا مهمًا، فسألها بنبرة تحمل بعض التلاعب وأبتسامة خبيثة بعض الشيء:
وهوّ بابا بيشتغل إيه يا سُهاد؟
+
لم تستطيع التعرف على نبرة صوته الخبيثة، وأجابت بلا إهتمام:
بابا لواء.
حرك رأسه ببطء، عينيه ضاقتا قليلًا، ابتسامة صفراء زحفت إلى شفتيه وهو يتمتم بخفوت:
أممم.. عشان كده.. أبقي اطلعي بحراسة بعد كده.
+
أغلق الهاتف وهو ينظر أمامه بشرود، عقله يدور حول ما حدث ليلة أمس، من قد يكون وراء ذلك، والأهم.. من كان المستهدف الحقيقي؟ هو.. أم هي؟
ردد بصوت خافت:
لسة متعرفش مين معتز الصناديلي.
+
كان ما زال مستندًا إلى سيارته حين شعر بيد ناعمة توضع على ذراعه، التفت سريعًا، نظر إلى صاحب اليد، وفور أن وقعت عيناه عليها، تلاشت كل ملامح الأسترخاء من وجهه، واستبدلت بتعبير بارد محمل بالضجر.
+
الفتاة الوحيدة التي لم يكن يحتملها، ليس لشيء، فقط لأنها كانت تعرف متى تفرض وجودها.. ولم يكن يحب أن يُفرض عليه شيء، تلك الفتاة التي تسمي "جنات".
+
أبعد يدها عنه وكأنه يتخلص من شيء متسخ عالق بملابسه، ثم سألها بصوت هادئ لكنه جاف:
عاوزة حاجة يا جنات؟
+
حركت رأسها بالنفي، ثم قالت بدلع واضح في صوتها:
لا يا سي معتز، بس كنت بشوفك.. عاوز حاجة ولا لا
+
نظر إليها نظرة طويلة، ثم هز رأسه بلا مبالاة، تحرك مبتعدًا عنها وهو يتمتم في أيسره بسخرية:
سي معتز، دي في زمن الجاهلية تقريبًا.
___________________________________________
+
كانت الضحكات تتناثر في الشقة، رفد تحاول كتم صوتها بلا فائدة، وزيدان كان يقهقه بلا شعور حتى أدمعت عيناه، حاول التقاط أنفاسه، لكنه فشل، فتمتم وهو يقلّد صوتها بجديّة مصطنعة، مُزيدًا من رخامة صوته عن عمد:
أهلاً، أنا إبراهيم رفعت الأبياري.
+
كتمت رفد ضحكة أخرى وهي تضربه على ذراعه قائلة بابتسامة واسعة:
اسكت بقى يا زيدان!
+
حاول جاهدًا أن ينهي موجة الضحك التي اجتاحته، لكنه فشل، خاصة وهو يمسك بالشارب الأسود المُزيّف بين أصابعه وينظر إليه بتمعن، قبل أن يردف بنبرة تحمل صدمة مفتعلة:
الشنب ده بيموت ضحك!
+
أطلقت رفد قهقهة عالية وهي تردف بحسرة مصطنعة:
هما اللي لبسوني كده، منهم لله!
مرت لحظات من الضحك المتبادل، قبل أن يعود زيدان إلى طبيعته تدريجيًا، نظر إليها بعينين تحملان بريقًا خاصًا، ثم قال بهدوء:
دلوقتي في حاجتين عاوز أقولهم ليكي.
+
مالت برأسها بفضول، وردّت بابتسامة خفيفة:
قول.
+
اقترب قليلًا إلى الأمام، حدّق في عينيها للحظة ثم تمتم بنبرة هادئة، لكن واثقة، وعينان تنبع ببريق غريب عليها قليلًا:
الحاجة الأولى مش هقولها دلوقتي أستني بليل.. الحاجة التانية.
+
أخرج من جيب بنطاله ورقة مطوية، وضعها على الطاولة أمامها، لم يكن بها شيء، لكنه التقط قلمًا، وبدأ يكتب بخط ثابت، قائلاً بجديّة مطلقة وهو معلق أنظارة في عيناها:
بصي يا ستي، دلوقتي إحنا عملنا أول خطوة، قدرنا ننزل مع مصطفى الشغل، تاني خطوة إن الثقة بينا هتزيد، ولازم نظهرله إننا أذكياء ونقرب منه أكتر، واحدة مع واحدة، هنفك شفرة الشبكة إللي وراه.
+
كانت تستمع إليه بتركيز شديد، عيناها مثبتتان عليه، عقلها يدور بسرعة ليضع الخطط المستقبلية تمتمت بصوت هادئ ولكن حاسم:
أنت عارف إني بحب البرمجة وأعرف أشتغل بيها وأنا مغمضة عيني.. دي أول حاجة هنقولها ليه، يا زيدان.
+
هزّ رأسه موافقًا، لكنه فجأة، بدلًا من أن يرد على كلامها، انخفض صوته قليلًا، نبرته أصبحت أخف، لكنها حملت عاصفة من المشاعر الدفينة:
طب قوليلي، أنا دلوقتي أركز في الشغل.. ولا في عيونك؟
+
اختل توازنها للحظة، الدماء هربت إلى وجنتيها خجلًا، ضيّقت عينيها وهي تضربه على ذراعه بإنفعال، ثم أستقامت فجأة من مجلسها ودخلت إلى غرفتها سريعًا وهي تردف بصوت متوتر:
ركّز في الشغل.. في الشغل يا زيدان!
+
ضحك زيدان بصوت مرتفع، لم يترك لها فرصة للهرب بسهولة، تمتم بمرح وهو يراقبها تختفي خلف باب الغرفة:
وبيسألوني، بحب اسمي ليه؟
______________________________________________
+
تجلس بجانبه في السيارة، تشعر بأن الأرض تدور من تحتها، رأسها ثقيل وكأن جدرانه تضغط على عقلها بقوة، والمعدة تضطرب كأنها تخوض معركة داخلها، سألها للمرة التي لا يعلم عددها، بنبرة تحمل قلقًا مخفيًا خلف هدوئه المعتاد:
أهبط بكِ إلى المشفى؟ يبدو أنكِ مريضة للغاية.
+
لم تستطع حتى الرد بصوت واضح، حركت رأسها نفيًا ببطء، عيناها تنغلق بتعب ينهش جسدها المنهك، البرد الذي تسلل إليها من الليلة الماضية كان أشبه بخنجر مسموم، يتغلغل في عظامها، يضعف أطرافها، يجعل أنفاسها ثقيلة وكأن الهواء نفسه صار حملًا على صدرها، لطالما كرهت المرض، كرهت أن تكون ضعيفة، أن تستسلم لجسدها الذي يخونها الآن.
+
وقف أمام الكلية، نظر إليها مجددًا، وكأنه يحاول تحليل حالتها بعين ثاقبة، ثم زفر مردفًا بنبرة أكثر جدية هذه المرة:
نحن أمام الكلية، رزان.
+
فتحت عينيها بصعوبة، كأن جفونها أصبحت أثقل مما تتحمل، هبطت من السيارة بخطوات مترنحة، قدماها بالكاد تحملانها، وكأنها تخوض معركة مع كل خطوة تخطوها نحو الداخل. راقبها وهو يستند على السيارة بذراعين معقودتين، عيناه لم تفارقها، شيء ما لم يعجبه في طريقة سيرها، وكأنها تسير فوق خيط رفيع بين الوعي والإنهيار.
+
كانت الجامعة مليئة بالطلاب، لكن لم يقترب أحد منها، لا أحد يسأل إن كانت بخير، لا أحد يعرض المساعدة عليها، نظرات إعجاب تُرمى عليها من كل جانب، لكنها في تلك اللحظة لم تكن سوى ظلال باهتة في عالم ضبابي من الإرهاق والحمى.
+
مرت ساعات، وقف ينتظرها كأنه أب ينتظر ابنته عند بوابة المدرسة، لكن عندما خرجت، أدرك أن الوضع أسوأ مما تخيل. خطواتها أصبحت أبطأ، عيناها لم تعد تركز على شيء محدد، وجهها أصبح شاحبًا بشكل مقلق، والعرق يلمع على جبينها رغم برودة الطقس.
+
شعر بأن الخطر أقرب مما توقع، بدأ بالتحرك نحوها بهدوء، لكن فجأة، توقفت لثوانٍ وكأنها تحاول جمع شتات نفسها، ثم، بلا أي إنذار، أنهار جسدها كدمية مقطوعة الخيوط، سقطت على الأرض بلا مقاومة، فقدت وعيها تمامًا.
+
لم يتردد لحظة، تحرك بسرعة، انحنى بجوارها، وهو يضغط على فكها، ثم رفعها بين ذراعيه بلا تفكير، وهو يهمس بحدة وكأنما يوبخها بصوت خافت:
كان يجب أن أصر على أخذكِ للمشفى منذ البداية.
+
تحرك نحو سيارته بخطوات سريعة، وهو يعلم أن الأمر لم يعد مجرد دور برد بسيط، هذه المرة، كان المرض قد أخذ منها أكثر مما كانت تظن..
_____________________________________________
+
يجلس معتز أمام والده على المقعد، نظراته ثابتة لكن في داخله كان هناك شيء مضطرب، الأحاديث التي تدور بينهما ليست مجرد كلمات، بل قرارات تُغيّر مجرى حياته بالكامل. أصواتهما كانت خافتة، لكن مغزاها كان أثقل من أن يُنطق بصوت مرتفع.
+
تنهد مصطفى ببطء قبل أن يردف بهدوء، وكأنه يُلقي جملة عابرة، لكنها لم تكن كذلك:
أنت كده هتروح الأسبوع الجاي.
+
أومأ له معتز، دون أن يُبدي أي رد فعل واضح، وكأنه لا يريد التفكير في الأمر الآن، لكن والده لم يتوقف عند هذا الحد، بل أكمل بنبرة أكثر جدية:
فيه موضوع بفكر فيه.
+
رفع معتز حاجبه باستفسار:
إيه؟
- "بفكر أبعت نغم لياسر."
+
تجمدت ملامح معتز للحظة، كأن الكلمة لم تصل لعقله مباشرة، ثم قال بحدة غير معتادة:
نعم؟ لا يا حاج، سيبها هنا وسطنا.
+
هزّ مصطفى رأسه نفيًا، ولم يُبدِ أي تراجع:
لا يا معتز، هنا مبقاش أمان خلاص، أنت عارف إحنا وصلنا لفين، وأنت بقيت فين، لازم نغم تكون في أمان زي ياسر.
+
شعر معتز بقبضة باردة تلتف حول قلبه، نظر لوالده، يبحث في وجهه عن أي تردد، لكنه لم يجد. قال بنبرة حاول أن يجعلها هادئة لكنها خرجت مضطربة:
بس كده هتتربى بعيد عننا...
_ "وأنت مش هتقعد هنا أساسًا، وأنا طول الأسبوع مش موجود مش هينفع نسيبها لوحدها."
+
ابتلع معتز ريقه، ثم تساءل بصوت خافت، كأنه يخشى الإجابة:
أنا كده هروح فين؟
+
مصطفى لم يرد مباشرة، فقط نظر إليه نظرة حملت الكثير من المعاني، ثم قال بهدوء ثقيل:
مش عارف، هتعرف لما تروح الأسبوع الجاي... بس حياتك كده اتغيرت يا معتز 180 درجة.
+
كانت الكلمات باردة، قاطعة، كأنها حكم لا رجعة فيه.
تنفس معتز ببطء، وأومأ برأسه كأنه استوعب ما يحدث، لكن الحقيقة أن داخله كان يغلي.
+
أكمل مصطفى كلامه، لكن هذه المرة كانت نبرته تحمل شيئًا خفيًا، شيئًا يجعل الكلمات تلتصق بالروح ولا تُمحى بسهولة:
معتز، لو فيه بنت في حياتك، أبعدها عن حياتك عشان متروحش في الرجلين.
+
توقف لبرهة، ثم نظر إليه نظرة طويلة قبل أن يُردف بابتسامة بالكاد لامست شفتيه:
أنا مش هكلمك، لأني عارف مقدار ذكاءك، وإن ورا الإبتسامة دي فيه حاجات عبقري ميعرفش يوصلها.
+
ثم صمت لحظة وكأن ما سيقوله الآن هو الحقيقة الوحيدة التي لا جدال فيها:
بس
حـياتك أتـغيرت يـا معـتز
الخـطر بـقى جنـبك فـي كـل مكان
أبـعد أي حـد برئ عن حياتك
أنـت دخلت خـلاص صـعب تـخـرج إلا بـموتـك يا مـعتز
كان هناك شيء في صوته جعل الجملة الأخيرة تتردد في عقل معتز، وكأنها صدى بعيد يُسمع مرة بعد مرة دون أن يختفي...
_____________________________________________
كانت تقف في المطبخ، كعادتها تتحمل مسؤولية كل شيء في المنزل وحدها، لم تحب أن يساعدها أحد، لطالما فضّلت أن تعتمد على نفسها، حتى لو كان ذلك يُرهقها أحيانًا، كانت الفيلا خالية، لا أحد معها سوى صمت الجدران والحراس المنتشرين خارجًا.
+
رنّ هاتفها فجأة، ظهر اسم والدها على الشاشة، فوضعت يديها أسفل الماء سريعًا وجففتهما، ثم أجابت على المكالمة، لكنها لم تكمل حتى باغتها صوته الغاضب والحاد:
دارين! أتعرضتي للهجوم امبارح؟
+
تجمدت في مكانها، شعرت بأن جسدها قد فقد القدرة على الحركة للحظات، بينما التوتر بدأ يشلّ أفكارها، لم تجرؤ على النطق فورًا، لكن والداها لم يكن ليقبل بالصمت، فجاء صوته أكثر حدة هذه المرة:
ردي عليّا!
+
زفرت محاولة إستعادة هدوئها وردّت بصوت مرتبك:
أيوه يا بابا، بس محصليش حاجة والله.
_ "كنتي مع مين؟"
+
وضعت يدها على خصلاتها بتفكير سريع، لم ترد أن تخبره عن معتز وإصابته، فهي تعلم أن ذلك سيجعل الأمور تخرج عن السيطرة، لذا ادّعت الهدوء وأجابت باقتضاب:
كنت لوحدي، بس عرفت أهرب.
+
لكنها لم تتلقَ منه أي رد، فقط سمعت صوت إنتهاء المكالمة حين أغلق الهاتف في وجهها.
تنهدت بضيق وهي تتوقع تمامًا ما سيحدث الآن، سيعيد والدها الحراسة المشددة كما في السابق، وستصبح محاصرة بسيارتين من الحراس لا تتركها خطوة واحدة، أطلقت صرخة غاضبة محاولة تفريغ إحباطها، ثم أغلقت الموقد وخرجت إلى الحديقة، لكنها ما إن حاولت الخروج من المنزل باكملة، حتى أوقفها الحارس أمام الباب قائلًا بنبرة ثابتة:
أنا آسف يا آنسة دارين، بس الأستاذ كمال أمر إني مخرجكيش لحد ما ييجي بنفسه.
+
عادت إلى الخلف بضيق، بالطبع سيمنعها، فهو والدها ولا يوجد شخص عنيد أكثر منه، لكنها الآن ليست في حالة مزاجية للعناد، لذا سألت بصوت متشكك وهي تراقب السيارتان الذين يغادروا المكان:
والحراس دول رايحين فين؟
+
أجابها الحارس باحترام:
رايحين يجيبوا الهانم الصغيرة.
ضيّقت عينيها باستغراب وهي تسأل:
ليه؟
+
رفع الحارس كتفيه بلا معرفة، فأسرعت بالعودة إلى المنزل واتصلت بشقيقتها، لكن لم تتلقَ ردًا، حاولت مرة أخرى، وبعد لحظات طويلة، جاءها صوت، لكن لم يكن صوت رزان.
كان صوت رجل، غليظ، يحمل في نبراته شيئًا مُربكًا جعل قلبها يتوقف لثانية، أستقامت في وقفتها متوترة وسألت بحذر:
حضرتك مين؟
_"إليان."
+
جف حلقها، لكن الصدمة الأكبر جاءت حين أضاف بجملة جعلت يديها ترتجفان وهي تمسك بالهاتف:
رزان في المستشفى.
+
صرخت في الهاتف بصوت مرتفع، والذعر قد تملّك منها:
نعم!؟ رزان فين!؟
_ أخبرتك سابقًا، فاقدة الوعي في مشفى ***."
+
تحركت بلا تفكير نحو الباب، لكنها وجدت الحراس يصدّونها، حاولت أن تشرح لهم، أن تخبرهم أن الأمر طارئ، أن شقيقتها في خطر، لكنهم رفضوا تمامًا السماح لها بالخروج.
+
أدركت أنها لن تصل لشيء بالكلام، فاستدارت واتجهت إلى الحديقة الخلفية، وعيناها تلمعان بتحدٍ وعناد كعادتها، نظرت إلى السور الضخم للحظات، ثم بدأت في تسلّقه، رغم صعوبة الأمر عليها، لكنها لم تتوقف، بل ألقت بنفسها إلى الخارج كطفل صغير هارب من العقاب.
+
شعرت بألم في أنحاء جسدها، لكن لم يكن لديها وقت للشكوى، أخرجت هاتفها، لم يكن هناك شخص آخر تلجأ إليه الآن، ضغطت على رقم معين، وما إن سمع الطرف الآخر صوته، حتى قالت بسرعة:
ألو، معتز؟ معلش، تعالِ عند منطقة ** فيلا 8، بس مش من البوابة الرئيسية، تعالا من ورا.
+
____________________________________________
خلص الفصل متنسوش الڤوت ورأيكم يحبايبي قلبي وتوقعاتكم ♡♡♡♡.
+
