رواية قارئة الفنجان الفصل السادس عشر 16 بقلم مني لطفي
قارئة الفنجان
+
الفصل (16)
+
بقلمي/ احكي ياشهرزاد(منى لطفي)
+
مرّ أسبوعان على أبطالنا....
+
أنور ورنا... وقصة حب بدأت منذ زمن طويل، مشاعر مبهمة اجتاحت كليهما، ليواجهها أحدهما معترفا به للطرف الآخر، فيما لا يزال الآخر متردد.. يهاب الاعتراف و.. يخشى الفراق!!!..
+
لم يدع أنور فرصة إلا وأخبر رنا بحبه الشديد لها بل وولعه بها، في حين أنه في كل مرة كانت رنا تقدم على الاعتراف ولكنها تتراجع والأحرف فوق طرف لسانها مما يصيب أنور بالإحباط، فهو يحبها ويعلم جيدا أنها تبادله ذات الشعور، فأفعالها وتصرفاتها ينمان عن ذلك، ولكن يبقى تلك الكلمة السحرية التي تكسب أعتى القلوب وتفتح أصعب الأقفال.. "أحبك".. ولكنه لن ييأس.. فستهمسين بها لأذني يا ابنة عبد العزيز.. وعد عليّا أن أجعلك تتهجين حروف اسمي مسبوقة بـ "حبيبي".. ليل نهار.. والأيام بيننا!!..
+
فريدة وعبد العزيز.. منذ استيقاظها بالمشفى ورؤيتها له وبينما قابل هو عيناها باللهفة والحب قابلته هي بالبرود والتباعد، سألها عن حالها لتجيبه ببضع كلمات بسيطة... رسمية... وابتسامة جامدة أنها.. "بخير"... ليتراجع هو في مكانه وهو يسمع كلمات ابنته وهي تترد في ذهنه، ليقصيها عنه بعنف، ويفاجأ بـ فريدة وهي تخبره بكلمات مقتضبة أن وجوده معها.. "لا يجوز!!!"... خاصة وأنها بمفردها حتى وأن كانت بمشفى وعاملات التمريض من حولها، لم يجادلها في ذلك، فأولا يطمئن على حالتها الصحية الراهنة، وبعدها سيعمل على أن تتأكد هي وابنتها أن وجوده معهما.. "أكثر وأكبر من.. يجوز!!"..
+
فريدة... عادت الى حياتها مع اهتمام زائد من رنا بحالتها الصحية، حتى أنها شعرت في وقت من الأوقات أنها هي الابنة ورنا هي الأم من شدة اهتمام الأخيرة بها، وليست رنا وحدها.. بل ابنها الذي منحه الله لها.. أنور.. زوج ابنتها وابنها الذي لم تلده، كان يزورهما باستمرار، وفي أول خروجها من المشفى كانت أمه شبه مقيمة لديهما، حتى استقرت صحتها، وهي تحمد الله ليل نهار أن جعل أنور نصيبا لرنا، فهو وحده بحبه الظاهر على خلجات وجهه والتي تفضحه عيناه ما أن تقعا عليها القادر على جعلها تستعيد الثقة بنفسها وبأن الحياة كما لا تخلو من الحزن فهي أيضا مليئة بالفرح!!..
+
ندى و... يوسف... وكرّ وفرّ.. لم تخبره بجوابها النهائي بعد على طلبه الزواج منها، كما أنه لم يرها في هذه الفترة سوى مرات معدودة على أصابع اليد الواحدة، يكاد يقسم أنها تتعمد التهرب منه، فكلما صادف وجوده في مكان هي فيه حتى يفاجأ بها قد رحلت، حتى بلغ صبره منتهاه.. وأضمر قرارا لوضع حد للحياة الزئبقية التي تعيشها تلك الحمقاء بل وتفرضها عليه... هو يعلم جيدا أنها لن تسامحه بسهولة على ما أزمع عليه ولكن كل شيء مباح.. في الحب والحرب، وفي حالته هو يخوضان الاثنتين.. الحب.. وعشقه اللانهائي لها، والحرب.. مع أشباحها وذكريات ماضي مات واندثر منذ زمن طويل ولكنه تصر وبمنتهى الغباء على إحيائه قسراً!!!..
+
*****************
+
جلست تحتسي قدحا من الشاي الساخن في الحديقة، في الجلسة المنزوية في أقصى مكان هناك، حيث لا مكان لمتطفل أو أعين متلصصة، فتستطيع الجلوس براحتها..
+
كانت قد خلعت اسدال الصلاة ليظهر أسفلها ثيابها المكونة من بنطال قصير الى حد الركبة باللون البني الداكن، يعلوه تي شيرت أبيض اللون محكم على جذعها العلوي ويصل الى خصرها، بحمالات عريضة، وكانت قد أطلقت لشعرها العنان، وارتاحت برأسها فوق ظهر الكرسي الخيزران العريض مغمضة عينيها فيما تتلاعب بأناملها الرشيقة في خصلاتها المتطايرة والتي طالت لتصل حتى كتفيها وهي تتمتم بخفوت:
+
- شعري طول.. لازم أقصّه...
+
ليقاطعها صوتا هادئا يقول:
+
- الشعر الطويل جميل عليكي، حرام عليك تقصّيه..
+
فتحت عينيها تنظر الى صاحبة الصوت لتقول بابتسامة ناعمة فوق وجهها الخالي من الزينة:
+
- دادة!!!.. أنتي عارفة أني مش بحب الطويل..
+
ابتسمت"سميرة" مربيتها التي كانت تميل لتضع الصينية التي تحمل بعضا من الشطائر الخفيفة والكعك المخبوز بالمنزل والذي أسال لعاب ندى التي انقضت عليه وهي تهتف بحبور لتخطف واحدة من الطبق وتقضم بأسنانها الصغيرة قضمة كبيرة لتتلوث شفتيها بمسحوق السكر المتناثر فوق الكعك ثم تغمض عينيها وتهمس وهي تتلذذ بمذاق كعكتها:
+
- امممممم... كحك بالملبن!!... انتي عارفة أني بموت فيه... أحبك وأنتي فهماني يا سمورة يا جميلة أنتي..
+
سميرة بحنانها المعهود:
+
- بألف هنا يا حبيبتي، أنا عارفة لما بتكوني بتفكري وفي حاجة شغلاكي، الكحك بملبن أكتر حاجة بتروّق بالك...
+
ندى بابتسامة صغيرة وهي تضع باقي كعكتها في الصحن أمامها وقد ذكرتها سميرة بما تحاول الهروب من التفكير به:
+
- تسلمي يا دادة...
+
تنهدت سميرة وجلست على الكرسي المقابل لها وقالت بهدوء:
+
- ندى... ممكن أتكلم معاكي شوية وتسمعيني؟...
+
ندى تنظر اليها بتوجس فهي تستطيع تخمين الأمر الذي تريد محادثتها بشأنه:
+
- أكيد يا دادة.. اتفضلي..
+
سميرة وهي تنظر اليها بتركيز:
+
- يا ترى قرارك إيه بالنسبة لموضوع خطوبتك من أستاذ يوسف..
+
سعلت ندى والتي كانت ترتشف قليلا من الماء، لتضع الكوب من يدها وتمسح فمها فيما طالعتها سميرة بقلق لم يلبث أن اختفى وهي ترى ندى وقد استعادت أنفاسها ثانية، فزفرت سميرة براحة، بينما أجابت ندى بتلكؤ بسيط:
+
- لسـّ.. لسّه بفكّر!..
+
سميرة بنظرة تسبر غورها:
+
- ويا ترى صليتي استخارة زي ما سبق وقلت لك؟..
+
ابتلعت ندى ريقها وأجابت وهي تهرب بعينيها بعيدا عن نظرات سميرة الثاقبة:
+
- لا.. ما صليتش يا دادة!!..
+
قطبت سكيرة مرددة بدهشة وتساؤل:
+
- ما صليتيش؟!!!!.. ليه يا بنتي؟.. دا أنتي بتصلي الاستخارة في كل حاجة... دا غير أني قلت لك ومش بس أنا، كريمة هانم وعز بيه كمان، ليه يا ندى؟..
+
ندى بزفرة ضيق:
+
- أهو اللي حصل بقه يا دادة، وبعدين الاستخارة تبقى في الحاجة اللي انا مترددة فيها، لكن أنا في الموضوع دا مش...
+
قاطعتها سميرة وهي تطالعها بتركيز شديد:
+
- مش؟!!!.. مش إيه؟..
+
ندى بعد أن سحبت عميقا وبهدوء نسبي وهي ترفرف بأهدابها الكثيفة:
+
- مش موافقة!..
+
سميرة بابتسامة هادئة:
+
- أنا دلوقتي ممكن جدا أعمل زي ما كنت بعمل زمان لما كنت بتيجي من المدرسة تقولي أكلت الساندوتشات كلها وأكتشف بالصدفة أنهم يا تحت الكتب يا مدفونين في الجنينة تحت التوتة!!.. فاكرة كنت بعمل إيه؟..
+
تابعت مبتسمة:
+
- كنت بقاطعك يوم كامل من غير كلام، لكن أنتي دلوقتي كبرتي ويمكن العقاب دا يبقى مش نافع أوي، فأنا أعتقد أني لا أكلمك ولا تشوفيني أساسا لمدة أسبوع مش يوم واحد بس!!!
+
شهقت ندى في صدمة وقفزت من مكانها لتميل وتحيط عنق سميرة بذراعيها الاثنتين وهي تقول مهادنة:
+
- وأهون عليكي يا سمورة أنتي يا قمر؟.. اسبوع كامل لا أشوفك ولا أسمع صوتك!!!.. دا أنا كان يجرى لي حاجة..
+
سميرة وهي تحاول نزع يديها بعيدا:
+
- زمان وانتي صغيرة كنت بتتحايلي عليا عشان ما أقولش لمامتك، وتحلفيلي أنها آخر مرة، دلوقتي بقه.. هتحلفيلي أنها آخر مرة تكدبي؟.. انتي كبرتي يا ندى..
+
اعتدلت ندى واقفة وهي تهتف بحنق:
+
- ومين اللي قال أني بكدب بس؟..
+
نظرت اليها سميرة وأشارت قائلة:
+
- رفرفة عينيكي!!.. لما بتكدبي أو بتقولي حاجة غير الحقيقة عينيكي بترفرف كتير، عرفتي بقه أنا متأكدة ليه أنك بتكدبي...
+
عادت ندى للجلوس في مقعدها وهي تهذر بنزق:
+
- مش معقول بقه؟.. كل دا عشان يوسف!!!
+
سميرة بجدية:
+
- لا يا حبيبتي، كل دا عشان خاطرك أنت... أنتي عارفة يا ندى أنتي ليه ما صليتيش استخارة؟..
+
طالعتها ندى بتساؤل في حين استمرت هي قائلة:
+
- عشان خايفة من الاجابة يا بنتي!!
+
قطبت ندى وهمت بالاعتراض حين قاطعتها سميرة بابتسامة حانية:
+
- ما تجادليش يا حبيبتي، أنتي خايفة أنك تحسي براحة بعد الاستخارة أو تحلمي برؤية معينة، من الآخر خايفة من نتيجة الاستخارة فعشان كدا ما عملتيهاش..
+
ندى وقد شحب وجهها:
+
- معرفش يا دادة، لكن اللي أنا عارفاه أني قلقانة ومش مرتاحة، عاوزة أرجع زي الأول، أنا.. أنا تعبانة أوي يا دادة أوي!!...
+
وسالت معة وحيدة تخدش حرير بشرتها لتتبعها بعدها قطرات اللؤلؤ المنثور فوق صفحة وجهها، لتتلقفها سميرة بين أحضانها وهي تهدهدها، حتى أذا ما هدأت نوبة البكاء التي داهمتها همست سميرة بحنو:
+
- عارفى يا ندى إيه المشكلة بالظبط؟..
+
ابتعدت ندى لترى وجه سميرة التي تابعت:
+
- أنك حاسيتي أنه يوسف هو الوحيد اللي قدر يوصل لك، أنا اللي كم مرة اللي شوفته فيهم استريحت له أوي، جدع بجد، دا غير أني شوفته لهفته وخوفه عيلكي في عينيه، يا بنتي الراجل اللي ما يخجلش أنه يبين شاعره قودام الناس واللي عينيه غصب عنه تفضحه دا اللي يبقى شاريكي وباقي عليكي، اوعي ترفضي عشان خوف في دماغك أنتي بوس، لازم تديله وتدي نفسك فرصة، قبل ما ترفضي أوتوافقي، اوعديني حبيبتي أنك هتفكري كويس بعقلك وقلبك، وقبل كل دا لازم تصلي استخارة... ماشي حبيبتي؟..
+
أومأت ندى برأسها إيجابا فقبلتها سميرة قبلة حانية فوق جبهتها ثم نهضت منصرفة بينما أرجعت هي رأسها الى الخلف وشردت تفكر في كلمات سميرة حينما انتفضت فزعة على صوت تعرفه جيدا يقول صاحبه بذهول:
+
- لو قلت لك أن وجودك هنا وسط الورود دي يخليها تخجل من جمالك اللي نافس جمالها هتصدقيني ولا هتقولي مجاملة؟!!!!!..
+
شهقت ندى عاليا ثم اعتدلت في مقعدها في حين طالعته بدهشة وهو يتقدم ناحيتها حتى وقف أمامها تماما ثم انخفض على ركبه راكعا قربها وهمس كالمغيب قائلا:
+
- بحياتك يا ولدي امرأة عيناها سبحان المعبود
+
فمها مرسوم كالعنقود
+
ضحكتها أنغام وورود
+
والشعر الغجري المجنون يسافر في كل الدنيا
+
قد تغدو امرأة يا ولدي يهواها القلب هي الدنيا!!!...
+
وسكت... لتنظر اليه بذهول بينما يطالعها هو بنظرة عاشق يتعبد في محراب عشق حبيبته، ليرفع يده يمررها على قسمات وجهها وكأنه يستكشفه وابتسامة صغيرة ترتسم على وجهه ما لبثت أن افترشته كاملا ليردف بصوت خافت رخيم:
+
- أنتي دنيتي... صدقيني لما أقولك كدا..
+
ثم أنزل يده يمسك معصمها بحنو ليرفع يدها يضعها فوق جانبه الأيسر وهو يتابع:
+
- وصدقي قلبي لما يهتف باسمك ويصرخ ويقول.. بحبك!
+
زحفت حمرة الخجل أسفل وجنتيها وأسبلت أهدابها في خجل بينما تابع هو وهو يميل عليها بوجهه ليستنشق عبير شعرها:
+
- ما تداريش وشّك مني، وما تكسفيش، أنا أقرب لك من أي واحد.. أنا نفسك يا ندايا تمام زي ما أنتي نفسي!!!.
+
رفعت وجهها تنوي الرد عليه حينما أصابتها صاعقة مدوية جعلت عيناها تتسعان بذهول وصدمة فيما هرب الدم من وجهها وارتخت أطرافها وهي تكتشف أنها تجلس أمامه لا يسترها سوى.. القليل من الثياب!!!!!!
+
لتصرخ عاليا ثم تدفعه فكاد يسقط لولا أنه استند براحتيه على العشب الأخضر حوله وطالعها باستغراب تام قبل أن يفهم سبب ما اعتراها من هلع، لتصدح ضحكته عاليا وهو يطالعها وقد قفزت وتناولت اسدالها الملقى جانبا والذي سارعت بارتدائه، ليفز هو واقفا مرة واحدة ويقترب منها بينما ترمقه هي بغيظ قوي، وقف أمامها وقال بابتسامة ساخرة:
+
- ينفع كدا؟.. يعني أنا عمّال أشعر فيكي وانتي مستخسرة فيّا أني أملّي عينيا بأجمل وردة؟!!!..
+
زمّت ندى شفتيها بغضب وهتفت بحدة من بين أسنانها المطبقة والتي تكاد تطحن بعضها بعضا:
+
- يوسف..
+
يوسف بابتسامة عابثة وغمزة ماكرة:
+
- أحلى يوسف سمعتها في حياتي، أؤمر يا قمر.. يا نعم؟...
+
ندى بثقة تامة وهى ترفع رأسها لأعلى:
+
- أنت قليل الأدب!!!!!...
+
فرمى رأسه الى الخلف مقهقها بصوت عال رسم ابتسامة شاحبة على وجهها سرعان ما اختفت حينما انتبهت لتركيزها به، في حين طالعها هو لهنيهة حتى هدأت ضحكاته ثم أجاب:
+
- عشان نبقى على نور من أولها... أنا بالنسبة لك مش بس قليل الأدب.. لا... ومعدوم الأدب كمان!!!
+
زفرت ندى بضيق واضح وقالت وهي تعيد ترتيب خصلاتها أسفل وشاح الاسدال:
+
- أنت عرفت منين طريقي؟.. المكان دا خاص بيا أنا ومحدش يقدر يقرب له!...
+
مال يوسف عليها حتى خبطت أنفساه الحارة وجهها فمالت بدورها الى الخلف تبتعد عنه في حين أجابها بهمسة خشنة:
+
- أنا أعرف عنك كل حاجة يا ندى، حتى اللي أنتي متعرفهوش عن نفسك!!..
+
ندى بتقطيبة حائرة رافعة حاجبها الأيمن في ريبة:
+
- إيه.. فزورة دي؟..
+
يوسف وهو يهز رأسه بنفي قاطع:
+
- لا ولا فزورة ولا حاجة، بس أنا لما بهتم بحد بكون حريص أني أعرف عنه كل حاجة، فما بالك بقه لو أنا مش بس مهتم.. لا... وبحب كمان!!..
+
أزدردت ريقها بقوة وابتعدت خطوتين الى الخلف وقالت وهي تشيح بعينيها بعيدا:
+
- طيب ممكن أعرف سبب الزيارة؟..
+
يوسف متظارها بالتفكير:
+
- امممم.. سبب الزيارة؟... لا أبدا.. بس بتهيألي أني من تلات أسابيع تقريبا كنت اتقدمت أخطبك من باباكي ولغاية دلوقتي حضرتك بتفكري، أنتي لو كنت بتفكري في سؤال لمن سيربح المليون كان زمانك جاوبتي من زمان!!!..
+
عقدت ندى ذراعيها أمامها وأجابته ساخرة:
+
- ومين اللي قال لك أني ما ردتش عل طلبك؟..
+
لتستنفر جميع قواه وهو يهتف سائلا بلهفة:
+
- أنا لسه مكلم والدك انهرده وقال لي أنك لسه بتفكري..
+
ندى ببرود:
+
- وأنا خلاص فكرت وقررت.. آسفة يا أستاذ يوسف.. طلبك مرفوض!...
+
واستدارت تبغي الانصراف حين باغتتها قبضة قوية كالكلّاب على ذراعها ثم أدارها بقوة ناحيتها جعلتها تشهق عاليا ليميل عليها فيما عروقه تنفر بقوة وعيناه متسعتان تطالعانها بغضب عاصف:
+
- أنتي جبانة يا ندى، جبانة...
+
صرخت بقوة دفعها الى عروقها خوفها من صياحه الغاضب عليها:
+
- أنا مش جبانة، أنت عرضت وأنا رفضت.. يبقى خلاص.. الموضوع منتهي!..
+
ليكشر عن أنيابه في ضحكة شريرة فيما امتدت يده الأخرى تقبض على ذراعها الآخر قائلا بسخرية:
+
- للأسف يا ندى هانم.. الموضوع ما انتهاش، ومش هينتهي غير لما أنا اللي أقول!!
+
ليثير غيظها فتنسى قبضته القوية التي ستترك بالتأكيد أثرها على بشرة ذراعيها ووقفت أمامه تهتف فيه بغضب صارخ أثار لمعة اعجاب واضحة في عينيه سرعان ما اختفت ولكنها لم تنتبه إليها:
+
- أنت إيه كمية الغرور اللي فيك دي؟.. متصوّر أنك طالما طبت إيدي وسمعتني كلمتين حلوين أني هقع من طولي من الفرحة؟.. خلاص مش هقدر أستحمل أنه يوسف طاهر اختارني أنا عشان يخطبني؟.. أنا آسفة يا يوسف بيه.. يا جو... أنا مش تافهة أوي كدا ولا أنا بنت من اللي بيترموا تحت رجليك.. أنا غيرهم خالص.. وللمرة التانية بقولك طلبك مرفوض.. أنا مش موافقة!!!
+
ليسحبها ناحيته حتى تلامست أرنبتي أنفهما قبل أن يهمس لها بعزم فيما لمعت شرارات الفحم المشتعل بداخل مقلتيه اللامعتين:
+
- وأنا بقول لك بطلي جُبن، قرارك دا مش قرار واحدة جالها عريس وهي مش قتنعة بيه، لا... دا قرار واحدة بتهرب، بتريّح دماغها من الآخر، كنت ممكن أقبله لو ما كانتش حياتي متوقفة عليه، وأنا بقه.. غيرك، أنا اتعودت أواجه ما أهربش، وهـ أواجه يا ندى، هـ أواجه أشباحك لغاية ما أخلصك منهم، لأنه مهما رفضت أو أنكرت أنتي قدري يا ندى، تمام زي ما أنا قدرك، ومحدش يقدر يعاند أو يفلت من حكم القدر!!!..
+
لتسقط مقاومتها الهشّة وتصرخ عاليا وهي ترفع قبضتيها الصغيرتين تهوي بهما على صدره وقد تفجّر قلق الأيام الماضية المكبوت:
+
- ليييييه أنا؟!!!!... أنا تعبت، تعبت، أنا.. أنا مش خاينة.. مش خاينة.... ابعد عني بقه وارحمني، أنا مش قادرة...
+
ليفتر صوتها ويتقطع وهي تردف من بين شهقاتها الحارة:
+
- والله ما قادرة...
+
وانخرطت في نواح يمزق نياط القلوب فكيف بقلب عاشق حتى النخاع؟!!!...
+
ليتلقفها يوسف بين أحضانه وللغرابة فهي لم تبعده عنها بل دفنت نفسها بين ذراعيه وكأنها تعلم في قرارة نفسها أن أمانها هنا... بين ذراعيه بينما رأسها تتوسد صدره حيث تستمع الى دقات قلبه المتقافزة عاليا، بينما ربت يوسف على شعرها وهو يقبله بين الحين والآخر، حتى إذا ما شعر بها وقد هدأت همس لها بصوت يقطر شجنا:
+
- أنا بحبك يا ندى، مش عارف ليه مش عاوزة تصدقيني، أستهجاها بأي طريقة؟.. أقولها بأي لغة عشان تصدقي أني بحبك فعلا؟..
+
أبعدها عنه ليحتوي وجهها بين راحتيه الكبيرتين رافعا وجهها إليه وأردف وهو يزرع عينيه داخل عنبري عينيها بحزم تام:
+
- أنتي مش خاينة يا ندى، وعمرك ما كنتي خاينة، صدقيني، أنا مش بقول كدا عشان خاطري أنا، لأ... أنتي أنسانة نادرة فعلا، اللي تصون ذكرى انسان مش موجود معها، تستحق أكتر من الحب، معتز الله يرحمه لو (أعوذ بالله من كلمة لو) عايش ما كانش هيرضى باللي أنتي بتعمليه في نفسك دا، ليه عاوزة تحرمي نفسك أنك تعيشي حياة مع واحد بيعشق الهوى اللي بتتنفسيه؟..
+
ندى بتباطؤ وهي ترجوه بعينيها:
+
- أنا مش قادرة يا يوسف، بجد مش قادرة، صعبة عليا أوي، عارف يعني إيه أني أكون كل حاجة في حياته وفي لحظة يروح من بين إيديا؟.. وبعد كدا أعيش حياتي عادي خالص ولا كأنه حبه اللي ادهوني دا له قيمة؟.. ولا كأن قلبه اللي استئمني عليه يساوي حاجة؟..
+
ضغط يوسف على أعصابه فمن الشاق جدا عليه أن يستمع الى اعترافاتها بشأن علاقتها مع غيره حتى وأن كان مجرد ذكرى، ولكنها المرة الأولى التي تتحدث فيها معه بمثل هذا الانفتاح، تخبره عمّا يقض مضجعها، وهو لو يدع هذه الفرصة في التقرب منها تفلت من بين يديه، فهذه فرصته الوحيدة ليثبت لها أنه يحبها صدقا لا قولا وحسب، ولن يهدأ له بال حتى يكون أقرب إليها من أنفاسها، حتى إذا مات باليوم مائة مرة وهي تسرد على مسامعه حكايتها مع غيره، ففي النهاية هو من سيفوز بقلبها وحبها، وهذا في حد ذاته أكثر من كاف ليتحمل هذا العذاب، ففي نهاية المطاف نداه ستكون ملك يمينه!!...
+
زفر يوسف ببطء ثم قال بتؤدة:
+
- ندى.. معتز الله يرحمه مات... لازم تحطي تحت الكلمة دي مليون خط بالأحمر، اللي أنتي بتقوليه وتعمليه دا فيه اعتراض على حكم ربنا وليعاذ بالله..
+
لتهتف ندى من فورها:
+
- أستغفر الله العظيم يارب...
+
ابتسم يوسف وهو يداعب وجنتيها الناعمتين بابهاميه الخشنين:
+
- حبيبتي.. لو كل واحد مات له حد عمل زيّك كدا.. يبقى هو الخسران، الحياة مش بتقف على موت حد، لا.. الدنيا بتكمل والايام بتمشي في طريقها، الغبي بس هو اللي يفتكر أنه يقدر يوقف عجلة الأيام، لأنها مش بتقف، بمزاجنا أو غصب عنّا الحياة ماشية ومكملة، ندى... أنا في لحظة خسرت أهلي كلهم.. أبويا وأمي وأختي وأخويا وأنا الوحيد اللي نجيت، عمري وقتها كان 12 سنة، تخيلي يا ندى.. طفل عنده 12 سنة في ثانية يخسر عيلته كلها، وابتدت مرحلة جديدة من حياتي، بعد ما كنت عايش حياة مستقرة هادية، لاقيتني مجرد ضيف تقيل عند عمي ومراته، ابنه الفاشل بيغير مني ومن نجاحي وبنته فاكرة أنه طالما أبوها آواني في بيته يبقى لازم أقدم لها فروض الولاء والطاعة، لكن أنا رفضت، وعند 17 سنة مشيت من عندهم ورجعت بيت والدي الله يرحمه تاني، وعمي كتر خيره، قالي أنه ورثي من أبويا صرفه عليا، تتصوري حياتي كانت عاملة إزاي؟.. لكن ربنا ما نسانيش.. أنور كان أكتر من أخ ليا، ومش هو لوحده.. لأ.. معتز الله يرحمه كمان، كان أكبر مننا بسنتين، كنت بشوف فيه مثلي الأعلى، لما اتخطبتوا أنا كنت سافرت بره، كنت عارف من أنور أنه... أنه...
+
وصعب عليها أن ينطقها.. ليبتلع ريقه الجاف ويردف بصعوبة شديدة:
+
- كان بيحب بنت خالته، وأنهم موعودين لبعض من صغرهم، ولما رجعت بعد خمس سنين عرفت باللي حصل...
+
سكت قليلا فيما طالعته هي بعينين تسبحان في غلالة من الدموع وهي تتصور ذلك الطفل الوحيد وسط أجساد عائلته الخالية من الحياة، وهو ينادي عاليا عليهم واحدا واحدا بالاسم ولكن ما من مجيب، ثم قسوة أقرب الناس إليه، لقد استطاع يوسف بقصته انتزاعها من بؤسها، ليمتلأ قلبها عطفا وحنان على ذلك اليتيم الذي كان يتصنع القوة فيما داخله يرتجف خوفا منذ تركته أسرته وحيدا وسط غابة من الذئاب وأولهم.. عمّه وعائلته!!!..
1
علمت ندى أن قسوته وبروده ما هما إلا قشرة خارجية تخفي داخلها طفلا خائفا ضائعا يشتاق للمسة حنان وكلمة حب، ولكن.. هل هي الشخص المناسب لمنحه ما يتوق إليه؟..
+
رأى يوسف في عينيها ترددها وقرأ سؤالها الصامت ليهمس بما جعلها تفغر فاها دهشة:
+
- أيوة يا ندى.. أنتي!.. أنتي اللي أنا محتاجها، سمعت أم كلثوم وهي بتقول..
+
صالحت بيك أيامي سامحت بيك الزمن
نسيتني بيك آلامي ونسيت معاك الشجن
اللي شفته قبل ما تشوفك عينيا
عمر ضايع يحسبوه ازاي عليا
انت عمري اللي ابتدى بنورك صباحه
+
سكت قليلا يطالع انعكاس صورته في مرآة عينيها قبل أن يتابع بلهفة عاشق محموم:
+
- أنتي عمري يا ندى، أنا اتولدت من لحظة ما قلبي دق بحبك، قبل كدا ما كنتش عايش، عمر ضايع فعلا، أيام ما تتحسبش من عمري.. يا أغلى حاجة في عمري...
+
تخضبت وجنتيها بحمرة الخجل في حين لم تستطع احتمال طوفان مشاعره الجارف الذي يهدد باكتساحها خاصة وداخلها قد أوشك على برفع راية الاستسلام لمشاعره الكاسحة، فبللت شفتيها بطرف لسانها الوردي دون انتباه منها في حين لمعت عيناه هو وكتم تأوه عميقا كاد يفلت من بين شفتيه ليكتمه بصعوبة شديدة، همست ندى وهي تهرب بعينيها هنا وهناك:
+
- يوسف.. يوسف أرجوك اديني وقت...
+
ليهمس هو بما يشبه الرجاء وهو يشد بأصابعه على وجهها الذي حمل بصماته وكأنها ختم الملكية له:
+
- أنا اللي برجوكي يا ندى، ادِّينا فرصة، اديني فرصة وادي لنفسك فرصة، فرصة أننا نعوّض الحزن اللي شوفناه بفرحة كبيرة، أنا وأنتي جرّبنا مرارة الفراق يا ندى، فكفاية حزن يا ندى لغاية كدا، أنا متأكد أنه حبي ليكي يكفينا احنا الاتنين لغاية ما تتعلمي إزاي تبادليني الحب دا، أنا مش هستعجلك... أنا عاوز فرصة بس... فرصة واحدة... ممكن؟!!!..
+
وطالعها بأمل يائس لتزوغ عينيها وهي تفكر في كلماته قبل أن تقع نظراتها أسيرة عينيه لوهلة قصيرة قبل أن تهمس تسأله بتردد ملحوظ:
+
- قبل ما أقولك رأيي عاوزة أسألك سؤال إجابته هي اللي هتحدد قراري.. أوافق أو أرفض... ممكن؟..
+
هز يوسف رأسه ايجابا بابتسامة حماسية فها هي قاب قوسين أو أدنى من الإدلاء بموافقتها عندما باغتته بسؤالها الذي محى الابتسامة من على وجهه الرجولي الوسيم:
+
- مايسة... إيه مدى علاقتك بيها بالظبط؟!!!!!!!!!!
+
وأسقط في يده وزاغت نظراته فيما تفصّد عرقه فوق جبينه، فما حذرته منه والدتها قد حدث، ندى ليست بالغبية ولا بد أنها انتبهت للإشارات التي ما انفكت تلك البلهاء الأفعى تنشرها في كل مكان عمّا هيّة علاقتها به.. ترى ما سيكون تعليق ندى حينما تعلم أن تلك اللعينة كانت... زوجته بورقة زواج عرفي!!!!!!!!...
+
************************
+
وقفت عفاف لا تصدق ما تسمعه أذناها، هل جُنّ الرجل؟.. كيف له أن يحرمها من أبنائها؟...، لتلمع عيناها بلمعة غضب شرس وحقد أسود وصرخت عاليا تهاجمه:
+
- أنت اتجننت يا عبد العزيز؟.. بتتهجم عليّا هنا في بيتي وعاوز تاخد ولادي من حضني؟..
+
تقدم منها عبد العزيز لتتراجع هي تطالعه في خوف ووجل وذكرى الصفعة المؤلمة التي وشم بها وجنتها لا تزال تتردد في ذهنها، هتف عبد العزيز بشراسة من بين أسنانه:
+
- اتقي شري يا عفاف، أنتي عارفة كويس أوي أنه نظام الصوت العالي دا ما يجيش معايا، الشقة خليها لك مش عاوزها، ومش هحاسبك أنك استغليتي الفترة اللي فاتت وغيرتي الكالون ولولا انهرده وانك خفتي من تهديدي أني هجيب النجار يكسر باب الشقة ووقتها ما حدش هيقدر يحوشني عنك أنت ما كنتيش فتحتي، الشقة وحلال عليكي مش عاوزها، أنما ولادي.. لأ، أنتي غير أمينة عليهم، هتربيهم إزاي وهتغرسي فيه أي قيَم، للأسف يا عفاف أنتي لا تصلحي زوجة ولا أم ولا حتى انسانة، معايير الانسانية مش موجودة عندك خالص!!!..
+
هتفت عفاف بذهول غاضب:
+
- أنا يا عبد العزيز؟.. واللي بيظلم ولاده تقول عليه إيه؟.. عاوز ولادي يطلعوا معقدين زي رنا؟.. ما اتعظتش من اللي جرى لبنتك الكبيرة؟.. أنت ظالم يا عبد العزيز ظالم، اوعى تفتكر اللي حصل لطليقتك أنا السب فيه؟. لا.. أنت، أنا كل اللي عملته أنى كنت بحافظ على بيتي وجوزي عشان ولادي، ولادي اللي أنت عاوز وبكل بجاحة وجبروت انك تحرمهم مني وتحرمني منهم/ ولو أنا فاشلة في نظرك كزوجة وأم، أنت أفشل كزوج وكأب، شوف نفسك الأول قبل ما تحكم وتتحكم، ولعلمك.. أنا مش هسكت يا عبد العزيز، ولادي وفي حضانتي والشقة من حقي قانونا عشان أنا حاضنة أنت مش هتسيبهالي منّة ولا شفقة منك، واتفضل بقه وجودك هنا وأنا لوحدي غلط.. ويا ريت بعد كدا ما تجيش الا بمعاد سابق!!!..
+
وتركته يراقب انصرافها بذهول فيما نادت هي خادمتها التي حضرت سريعا بناءا على أمرها ووقفت تطالع عبد العزيز بتشف واضح وقالت بابتسامة ساخرة وهي تشير اليه:
+
- وصلي عبد العزيز بيه للباب....
+
أومأت الخادمة برأسها ونظرت الى عبد العزيز الذي تحامل على نفسه يسير باتجاه الباب فوق ساقين يهددان بسقوطه، وما أن مرّ بجانب عفاف حتى قالت له بسخرية:
+
- ما تنساش النفقة والمؤخر ونفقة المتعة، وديني لخلّص منك القديم والجديد يا.... عبدُه!!...
+
رمقها بنظرة خاوية ثم أكمل سيره الى الخارج ليسمع صفق الباب بقوة مدوية خلفه ما أن خرج...
+
صوت رنين جرس الباب بإلحاح جعل فريدة تنهض من مكانها أمام مكتبها حيث تقوم بتحضير محاضرات اليوم القادم، قالت وهي تتوجه لفتح الباب وهي تهز رأسها اعتراضا فيما تعدل من وضع وشاحها فوق خصلاتها الكستنائية المختلطة بشعيرات أخرى بيضاء:
+
- 100 مرة أقولك يا رنا اتأكدي أنه المفتاح معاكي، افرضي ما كنتش في البيت كنتي هتتصرفي إزاي دلوقتي؟..
+
وفتحت الباب أثناء حديها لتفاجأ بعبد العزيز وهو يقف مستندا على خشب الباب ووجه يحاكي شحوب الموتى فهتفت بجزع بينما ترنح هو وهو يدلف الى الداخل:
+
- عبد العزيز!!!!..
+
كاد يهوى لتسارع هي باسناده، فرمى بثقله عليها، وما أن دلفا الى الداخل وهي تسأله بهلع:
+
- عبد العزيز مالك؟.. حاسس بإيه؟.. فيك إيه؟..
+
حتى وقف وأدار رأسه اليها وهمس بصعوبة شديدة وجبينه يتفصد عرقا غزيرا:
+
- سامحـ.. سامحيني يا فريدة... أنا.. ظا... ظالم.... قولي لرنا.. تسا.. تسامحني...
+
شحبت فريدة وصاحت تنادي خادمتها التي أتت ركضا فأمرتها بالاتصال برنا واخبارها أن تحضر هي وأنور التي كانت بصحبته فورا، فذهبت الخادمة من فورها لتلبية أمر سيدتها، بينما حاولت فريدة مرافقة عبد العزيز حتى الأريكة ولكنه لم يستطع السير خطوة واحدة، ورفع يده ليفك الزر الأعلى لقميصه بصعوبة فساعدته فيما همس وصوته بالكاد يُسمع:
+
- هـ.. هوا.. هوا....
+
ولم يكد يتم كلمته حتى سقط بين يدي فريدة التي صاحت هلعا تناديه، وركعت على ركبتيها بجواره تمسك يده بيدها فيما بيدها الأخرى تمسّد صدره، ليبتسم هو ابتسامة واهنة ويتمتم بصعوبة فيما يجاهد لالتقاط أنفاسه الثقيلة:
+
- عا.. عارفة... كنت بتمنى أني.. أشوف.. أشوفك قبل.. قبل ما...
+
لترف أصابعها تكتم بها شفتاه وهي تهتف به:
+
- لا... ما تقولهاش يا عزيز.. أنت هتبقى كويس ان شاء الله..
+
عبد العزيز بابتسامة ضعيفة شاحبة:
+
- عزيز.. يااااااااه... بئالي أد إيه ما سمعتهاش يا.. فري!!!!
+
ابتسمت فريدة وسط دموعها ليتابع عبد العزيز وأنفاسه تتباطأ شيئا فشيئا فيما تثقل جفناه بينما تشتد قبضته على يد فريدة :
+
- قولي.. قولي لرنا تسامحني...
+
ثم رفع عيناه إليها متابعا:
+
- ولادي يا فريدة... عـ.. علاء.. وسمر... خلـ.. خلي بالك منهم... ولادي... ربيهم زي ما ربيتي رنا بنتنا... ولادي يا فريدة... ولاد.....
1
وسكت عبد العزيز قبل أن ينهي كلمته لتهتف فريدة بدموع حارقة:
+
- انت اللي هتربيهم يا عزيز، ولادك محتاجين لك، ورنا محتاجة لك، وأنا... أنا محتاجة لك أكتر منهم يا عزيز، عشان خاطري ما تسيبنيش.. ما تسيبنيش يا عزيز....
+
وهزّته برقة أولا ثم بعنف وهي تصيح تناديه عاليا، قبل أن تشعر بيدين قويتين ترفعانها وصوت أنور يأتيها قائلا بلهاث حاد:
+
- ما تخافيش يا أمي، عمي هيبقى كويس.. أن شاء الله...
+
وتركها ومال على عبد العزيز الذي شحب وجهه وأغمضت عيناه فيما تراجعت رنا الى الخلف خطوتين وهي تهز برأسها من اليسار الى اليمين بشدة قبل أن تهتف وهي تركض ناحية والدها المسجى على الأرض:
+
- باباااااااااااااااااااااااااااااااااا!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
+
وانكبت عليه تقبل رأسه ويديه فيما انخرطت في بكاء حار بينما عبد العزيز يرقد ساكنا بين أحضان... فريدته التي غمرته بدموعها خوفا، وأملا، و......... ندماً!!!!!!!!!
+
- يتبع-
+
