رواية الوكر الفصل الثاني عشر 12 بقلم مريم محمد
الفصل الثاني عشر ( لا مـهرب مِـن الهاوِية )
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته، عاملين إيه يا حبايبي؟
الفصل الثاني عشر من رواية "الوكر" بعنوان " لا مهرب من الهاوية"
+
سرتُ بخطويَ في الدروبِ المعتمةْ وأنا أظنُّ النورَ ليسَ مُحرَّمَهْ
أدنو فتبتلعُ الظلالُ ملامحي ويغيبُ صوتي في الدجى متحطِّمَهْ
+
ناديتُ، لكنْ لا صدى في مَفرقي إلا ارتجافُ الروحِ بينَ العتمةْ
يا ليتَني يومَ انجرفتُ بنبضِها أدركتُ أنَّ الدربَ ليسَ كما هُمَهْ
+
•••••••••••••••
ظلام دامس، أنفاس متسارعة، وجدران صامتة تتربص بكل خطوة.
+
الغرفة ضيقة، الأضواء باهتة بالكاد تكشف تفاصيلها، في المنتصف، طاولة خشبية ومقعد قديم يجلس عليه، ويداه مقيدتان للخلف بحبال خشنة تجرح معصميه، الهواء يعبق برائحة العتمة والرطوبة، كأن الجدران نفسها تختنق معه، زجاج عريض يفصل بينه وبين الغرفة الأخرى، لكنها فارغة… فارغة تمامًا، وكأنها تنتظر شيئًا لم يأتِ بعد.
+
حاول معتز التحرر، يحرك معصميه بقوة، لكن القيود كانت محكمة، لا تمنحه سوى الألم، قبل أن تزداد محاولاته يأسًا، فُتح الباب بصمت ثقيل… لم يكن هناك صوت، فقط فراغ تلاشى عند دخول الرجل.
+
رجل في منتصف العمر، ملامحه باردة، لا تنتمي لهذا المكان ولا لهذا العالم، عيناه مظلمة كأنها تمتص الضوء، وملابسه الرسمية تزيده رهبة، اقترب بهدوء، وضع يده على كتف معتز وانحنى هامسًا، وصوته زاحف كهمس الأفعى:
ششش… صوتك يبقى واطي.
+
حدّق به بغضب مكبوت، يحاول الحركة، الهروب، المقاومة، أي شيء… لكنه لم يستطع، ابتسم الرجل ابتسامة باهتة، كأنه يشمت بعجزه، رفع يده وأشار إلى أحدهم بالخارج بلغة أوربية:
Enter it.
+
فُتح الباب الخاص بالغرفة المقابلة… دلف منه رجلان، وبينهما شخص ثالث كان يتحرك بجنون، يحاول التملص من قبضتهما… لا، ليست مجرد "شخص"، إنها دارين.
+
الدم تجمد في عروقه للحظة، كانت ترتدي بيجامة منزلية بيضاء، نقوش صغيرة باللون الوردي تزينها، لكن كل ذلك تلاشى أمام عينيه عندما رأى الفزع في وجهها. خصلاتها الطويلة فوضوية، متناثرة على جبينها، وعيناها تبحثان في المكان بجنون، كأنها تحاول استيعاب الكابوس الذي وجدت نفسها فيه.
+
دفعها الرجلان إلى المقعد بقسوة، ارتطمت به، ارتعشت، تراجعت إلى الوراء لكن لم يكن هناك مهرب، الغرفة المقابلة أصبحت زنزانة زجاجية تعكس صورة امرأة مرعوبة، وحيدة، لا تعرف لماذا هي هنا.
+
- قولي يا معتز… مين دي؟
صوت الرجل اخترق الصمت، خبيثًا، محملًا ببرود لا يُحتمل.
+
شعر بحلقه يجف، لكنه لم يشيح بنظره عنها، ارتجاف يديها، الدموع التي تتجمع في عينيها، أنفاسها التي تلهث في فزع… نظراتها التي تبحث عن مخرج، كل هذا كان كافيًا ليكسر أي جدار حاول بناؤه حول نفسه، رفع رأسه إلى الرجل بجمود مصطنع، وصوته كان مجرد همسة جافة:
أنت عارف هيا مين كويس، وبالنسبالي هيا محامية كانت ماسكة قضية تخصني، هتدخلوها في المواضيع دي ده شيء يخصكم أنتوا.
+
الرجل رفع حاجبًا بسخرية:
واثق من كلامك؟
لم يرد فقط أومأ برأسه بثقة، زائفًا برودة لا يملكها.
+
لكنهم لم يقتنعوا، أحد الرجال رفع سلاحه ووضع فوهته على رأس دارين، عيناها توسعتا، شفتاها تحركتا بكلمات مرتجفة، لكن الصوت لم يصل إليه، كانت تقول شيئًا، تتوسل، تصرخ ربما… لكنه لم يسمع سوى الطنين في أذنه.
+
حديث والده تردد في عقله: "حاول تفضل ثابت للنهاية هما مش هيأذوك."
لكنه لم يكن ثابتًا.
كان يقول الأرقام بكل برود:
واحد
إثنان
ثلاثة
لم يظهر أي أنفعال على وجهة معتز، ظل ثابتًا بقدر الإمكان، ولكن هذا الظاهر لا أحد يعلم ما يدور داخله، عيناه حادة منتظرة ما سيحدث بعد ثوان، كأنها كعينان الذئب منتظر الانقضاض على فريسته،
الرجل الذي يحمل السلاح ضغط على الزناد.
+
كليك!
+
لا شيء. لا رصاصة، لا دماء، لا موت… فقط خواء.
معتز لم يتحرك، لكنه رأى الصدمة في عينيها، رأت حياتها تمر أمامها في ثانية، ثم… لم يحدث شيء.
ابتسامة خافتة زحفت على وجه الرجل أمامه، اقترب منه وهمس بجنون:
لو بقى عندك نقطة ضعف، صدقني… هتخسر.
+
قبل أن يستوعب معتز كلماته، دخل عدة رجال إلى الغرفة، لم يكن ينظر إليهم، لم يكن يرى سوى شيء واحد…
دارين، التي بدأت تصرخ بينما يمسك بها أحدهم.
دارين، التي حاولت المقاومة بلا جدوى.
دارين، التي أُجبرت على الجلوس بينما غرست الإبرة في ذراعها، والسائل المجهول تسلل إلى دمها، يسلبها آخر خيط يربطها بالواقع.
دارين، التي بدأت جفوناها ترتخي، جسدها يتهاوى، وكلماتها تختفي…
ثم… أصبحت لا شيء.
+
غادرت الغرفة.
معتز لم يسأل أين أخذوها، لم يسأل من هم.
كان ينتظر فقط… الخطوة القادمة.
+
في مكان آخر...
داخل شقة متهالكة، لا إنارة فيها سوى وهج النار المتراقص في الموقد القديم، الجو بارد، والهواء يعبق برائحة الرطوبة والصدأ، المكان أشبه بغابة معزولة، لا بشر فيها، لا أصوات سوى صوت طقطقة الحطب.
+
تجلس فتاة في منتصف الغرفة، على كرسي معدني، ظهرها مستقيم، قدماها متقاطعتان بإهمال، البرود مسيطر على ملامحها، لا يظهر عليها أي قلق، وكأنها ليست محاصرة في مكان مجهول، أمامها طاولة خشبية قديمة، وعليها ثلاثة أشياء: مسدس، سكين، وحقيبة صغيرة مغلقة.
+
أمامها، يجلس رجل مماثل لها في البرود، عيناه تراقبانها بثبات، وكأنهما يدرسان كل تفصيلة في وجهها، قال بصوت خالٍ من أي مشاعر:
أمامكِ ثلاثة خيارات: المسدس، السكين، أو الحقيبة، كل خيار له عواقبه، اختاري بحكمة.
+
تحدّث صوت داخلها، كان صدى ذكرى قديمة:
سوف تعودين حية... ولكن عليكِ الثبات إلى النهاية.
رفعت رأسها ببرود وحدّقت في الرجل مباشرة، كان ثابتًا، لا يرمش حتى، سألته بصوت هادئ لكنه قاطع:
ما الذي يوجد داخل الحقيبة؟
ارتسمت ابتسامة باردة على شفتيه وهو يريح ظهره للخلف قائلاً:
المجهول دائماً مغرٍ، أليس كذلك؟ لكن الفضول قد يكون قاتلاً.
+
لم تتحرك عيناها عن وجهه، لم ترمش حتى، أخرجت صوتها بثقل بارد:
سأختار الحقيبة.
لم يُظهر أي انفعال، فقط هزّ رأسه بإيماءة موافقة، لكن شيئًا خفيًا لمع في عينيه، كأنه يرى شيئًا يعجبه، قال بصوت هادئ:
افتحيها.
+
ببطء، رفعت غطاء الحقيبة، لم تتحرك ملامحها حتى عندما رأت ما بداخلها: قنبلة موقوتة.
العداد يشير إلى خمس دقائق فقط.
رفعت رأسها مجددًا، والتقت عيناها بعينيه، لمحت على وجهه بسمة خافتة، باردة... فبادلته إياها بنفس البرود.
قال بهدوء مريب:
أمامكِ خمس دقائق لتعطيل القنبلة، إن فشلتِ... سينتهي كل شيء هنا أنتِ ستنتهين، وأنا سأنتهي.
+
لم تهتز يداها وهي تلامس القنبلة مردفة بهدوء:
أحتاج إلى أدوات.
أشار بيده بلا مبالاة إلى الطاولة أمامها:
الأدوات أمامكِ، استخدمي السكين أو المسدس إذا لزم الأمر.
قهقهت بصوت خافت، لكن ضحكتها ترددت في المكان الفارغ، كأنها تسخر منه، أو من الاختبار نفسه ثم قالت بثبات:
يبدو أن أخي كان محقًا.
+
لم يرد عليها.
بهدوء قاتل، وكأنها تفكك لعبة أطفال، بدأت في العمل على القنبلة، أصابعها تتحرك بخفة، لا تردد، لا اضطراب، سألته بنبرة مسلية:
ماذا سيحدث إذا فشلت؟ .
+
– إن فشلتِ... لن يكون هناك وقت للتفكير في ذلك، عزيزتي، بالتأكيد أخاكِ أخبركِ بذلك.
حركت رأسها بسخرية، ثم تابعت العمل.
+
الدقيقة الأخيرة...
كل شيء صامت، الرجل يراقبها، والعداد يقترب من الصفر، لكن لم يكن هناك خوف في عينيها، فقط هدوء مريب.
ثانية واحدة متبقية، قبل أن تقطع السلك الرئيسي بحركة واثقة.
صمت...
لا انفجار. لا شيء سوى صوت أنفاسها الهادئة.
تصفيق بطيء ملأ الغرفة، ثم قال بصوت منخفض:
أحسنتِ. لديكِ الشجاعة والمهارة.
ثم مال نحوها قليلاً وهمس بخبث:
مرحبًا بكِ في العائلة.
+
صمتٌ ثقيل يُخيّم على الغرفة، طاولة خشبية القديمة ما زالت كما هي أمامه، ولكن فوقها ثلاثة أشياء: مسدس برصاصة واحدة، زجاجة مشروب قاتم اللون، وسكين حاد اللمعان.
+
يجلس معتز متكئًا للخلف، أصابعه تداعب حافة الطاولة بلا اكتراث ظاهر، لكن عينيه لم تفارقا الرجل الجالس أمامه، نظرة ثابتة لا توحي بأي اضطراب، وكأنه جزء من هذا الظلام المحيط.
+
ألقى الرجل نظرة سريعة على الأشياء أمامه قبل أن يتحدث بصوت بارد، منخفض لكنه نافذ:
لديك ثلاث خيارات: المسدس، الزجاجة، أو السكين.
+
رفع معتز حاجبًا بسخرية، طرف فمه ينحني في ابتسامة جافة، لكن عيناه تحملان اضطرابًا دفينًا، أفكاره تتداخل في عقله، لكنه يُبعدها بعنف، لا مجال للضعف هنا، لا مجال للتفكير في... دارين، أو حتى في السؤال عنها، يعلم 100٪ بأنها لن يحدث لها شيء ولكن التفكير بها يغلبه.
+
حرك أصابعه على الطاولة ببطء، صوته جاء هادئًا، لكنه يحمل في طياته توترًا مكبوتًا:
سمعت الجملة دي قبل كده، بس خليني أسأل... إيه القصة المرة دي؟
لم يتغير تعبير الرجل، بل ازداد ثباتًا وهو يرد:
القصة بسيطة، المسدس فيه طلقة واحدة تضرب نفسك تموت في ثانية، المشروب مسموم هيفضل السم يمشي في عروقك ببطء وتتعذب ببطء، وفي النهاية هتموت، السكين؟ تقدر تقتل نفسك بيها، بس هيكون عذابها زي السم.
+
تسربت ابتسامة مشدودة إلى شفتي معتز، لكن داخله كان يموج بشيء ثقيل، إحساس غريب يزحف في أعماقه، هذا الهدوء... لا يشبهني، ماذا يحدث لي؟ لماذا تتسلل صورة عينيها الخائفة إلى رأسي الآن؟
+
هز رأسه كأنه يطرد شيئًا غير مرئي، ثم قال بنبرة ثابتة:
ما هوا في الحالات التلاتة هموت.
+
ميل الرجل للأمام زاد من التوتر المشحون في الغرفة، نبرته بالكاد تُسمع لكنها تحمل ثقلًا قاتلًا:
الموضوع بسيط أتصرف.
صمت...
+
ضاقت عينا معتز وهو يحدق في الرجل، وفي الرجال الذين يقفون حوله، كانت عيناه تنطق بأشياء لم يقلها، صراعات لا يراها أحد.
حدّق في المسدس للحظات، ثم التقطه بأصابع خفيفة، قلبه بين يديه، شعر بوزنه. ليس ثقيلًا، لكنه مُحمَّل.
رفع عينيه ببطء، سأل ببرود زائف:
الرصاصة دي... لو موتتك، هيقتلوني وراك.
+
الرجل لم يتحرك، لم يتغير وجهه، فقط همس بابتسامة باهتة:
كل اختيار له عواقبه، معتز.
غمز له بطرف عيناه وهو يسأل بسخرية:
أنت الليدر عليهم.
أوما له الرجل ببرود تام وهو يراقب الرجال الذين يقفون حوله
شهق نفسًا عميقًا، أصابعه قبضت على المسدس، عيناه تلمعان بوميض غير واضح، سحب السكينة في يداه الأخرى، ينظر إليهم متصنع البراءة.
+
وفي لحظة، كما لو أن القرار سقط عليه فجأة، انطلق.
حركة مباغتة.
انقلبت الطاولة بقدمه، ارتطمت بالأرض محدثة صوتًا مدويًا، وفي نفس الثانية، كان قد انقض على الرجل، ضغطه أرضًا، وبرودة الفولاذ تلامس جبهته.
+
لم يختَر التردد لم يختَر الانتظار لم يختَر اللعبة.
حدّق في الرجل بثبات، أنفاسه هادئة على نحو مخيف، ثم قال بصوت منخفض، لكن يحمل داخله نيرانًا خفية:
ولو معرفتش أعمل حاجة من التلاتة، كدة ميت وكدة ميت، أقتلك معايا
لم يتزحزح الرجل، لم يُظهر أي خوف، بل ابتسم...أستعدوا الرجال للقتال، حيث أقترب أحد منهم ولكن بحركة مفاجأة وضع معتز السكين داخل يداه، وفي نفس التوقيت يسيطر على جسد الرجل بين يداه.
اقترب رجل أخر، ولكن كان معتز أسرع
ضغط على الزناد.
صوت الرصاصة شقّ صمت المكان.
لم تكن قاتلة، لم تكن في الرأس، لكنه تأكد أن الألم الذي أصاب الرجل في ساقه سيكون كافيًا ليجعله يندم على أقترابه.
+
ابتسم الرجل بإعجاب وصوت هامس، وهو يشير إلي رجاله بتوقف في أماكنهم، حيث دخل بعد ذلك "فرانكو" أبن الأب على وجهة إبتسامة منتصرة وخافتة وهو يردف.
أحسنت... مرحبًا بك في العائلة.
رفع معتز عينيه ببطء، لم يقل شيئًا، فقط تنفس بعمق، شعر بأن هذه الليلة قد زادته ظلامًا فوق ظلامه.
•••
+
داخل المكتب الواسع، حيث الأضواء الخافتة تلقي بظلالها على الجدران المزخرفة، جلس مصطفى على مقعده الجلدي الفاخر، يتأمل الشاشة أمامه بتركيز، بجانبه كان "إبراهيم" أو بالأحرى رفد في هيئتها الرجولية، مندمجة في الحاسوب، عيناها تتابع الأكواد المتداخلة، تحاول فك بعض التشفيرات التي أضافها مصطفى بنفسه.
+
كان كل شيء في بياناته مُشفّرًا بعناية، حتى إنها لم تستطع استيعاب كل ما يظهر أمامها، وكأن مصطفى يتعمد أن يكون الغموض جزءًا من لعبته، لكنه فجأة التفت نحوها، صوته هادئ لكنه يحمل أمرًا غير مباشر:
إبراهيم.
+
رفعت رأسها قليلًا، نظرة استفهام في عينيها:
نعم؟
— "تعرف تدخل على صفحة حد؟"
عقدت حاجبيها، لم تفهم قصده على الفور:
مش فاهم، تقصد إيه؟
+
— "يعني تقدر تهكر حساب شخص؟"
سألته بحذر:
ليه؟
تنهد ببطء، عيونه تراقب وجهها وكأنه يقيس رد فعلها، ثم قال:
فيه واحد شاكك فيه، وعاوز أشوف بيتكلم مع مين، وبيعمل إيه.
+
أومأت بتفهم، لكنها قالت بنبرة هادئة:
بس لو هو فعلاً في محل الشك، مش هيكون بيعمل حاجة مشبوهة على حسابه الأساسي، أكيد عنده حساب وهمي بيستخدمه للاتصالات الخطرة، وإلا يبقى غبي.
+
رفع مصطفى حاجبه بإعجاب، بدا أن الأمر لم يخطر في باله بهذا الشكل، قبل أن يتحدث، أكملت رفد سريعًا:
—الموضوع محتاج خطة أذكى من مجرد تهكير، ممكن نسأل سيف... تفكيره واسع.
+
لحظات، ودخل زيدان الغرفة أو بالأحرى سيف كان الجو مشحونًا بشكل غير مرئي، عيونه التقت بعيون رفد للحظة قبل أن يلتفت لمصطفى، لم يكن زيدان يعرف تفاصيل المحادثة السابقة، لكن مصطفى بادر بالحديث مباشرة، وكأن وجود زيدان جعله أكثر راحة في مشاركة ما يفكر به:
فيه حد شاكك فيه، بيهرب معلومات لعدوي... وعاوز أقفشه.
+
شرد زيدان للحظات، حدّق في الأرضية كأنه يعيد ترتيب أفكاره، ثم رفع عينيه بثقة وسأل مباشرة:
مين عنده المعلومات اللي وصلت لعدوك؟
+
— أربعة... حامد، عارف، عامر، وسالم.
— وأنت شاكك في مين؟
— عامر.
— بص يا مصطفى باشا، أنت تقدر تقول لكل واحد فيهم معلومة مختلفة عن التاني، وتشوف أنهي معلومة هتوصل لعدوك... وقتها هتعرف مين فيهم الخاين.
+
صمت مصطفى لثوانٍ، حدّق في زيدان نظرة طويلة، قبل أن يبتسم بشرود:
— ده أنت طلعت ذكي بقى...
لكن زيدان لم يبتسم، فقط اكتفى بنظرة ثابتة، وكأنه يعلم أن هذه ليست سوى البداية.
+
داخل غرفة واسعة، بوقارٍ مهيب يشبه أصحابها.
فراش كبير يتوسط المكان، يجلس عليه رجل ذو بشرة وجهه بيضاء، وشعره الناصع لا يترك مجالًا للشك في تقدمه في العمر، جسده، رغم علامات الزمن، لا يزال يحتفظ بقوته وسطوته، عند باب الغرفة، يقف عدد لا يُحصى من الحراس، بل إن القصر كله يعج بالرجال، كما لو أن الجدران نفسها تتنفس حراسة.
+
الباب يُفتح ببطء، ليخطو إلى الداخل رجل بملامح صارمة، صوته ينساب باحترام ممزوج بالوقار:
أبي، لقد تخطى الاثنان المرحلة وهما معي.
+
لم يرفع العجوز بصره على الفور، فقط أمال رأسه إيماءة خفيفة، كإذن صامت بالدخول.
أول من تقدم كان معتز، بخطوات ثابتة، كما اعتاد، لكن وجهه يحمل آثار الجروح، لم يكن الأمر مماثلًا مع أيرلي، ملامحها لم تهتز، لم يمسسها خدش، كما لو أن الأذى لم يُخلق ليطالها، الفرق بينهما كان واضحًا، أحدهما خاض معركة، والآخر عبرها دون أن يُمس.
+
لم ينظر إليهما العجوز، ظل يُقلب أوراقه بصمت، وكأن وجودهما في الغرفة لا يعني له شيئًا، دقائق تمر، قبل أن يرفع عينيه أخيرًا، يبتسم بغموض وهو يوجه حديثه إلى معتز:
إن قررت أن تُقرّب البريء منك، فلا تتركه خارج لعبتك... إما أن تجعله معك، أو أن تراقب سقوطه بصمت.
+
كلماته تسللت إلى عقل معتز كخيط من الجليد، جعلت كل أفكاره تتوقف للحظة لكن ما زاد الأمر غرابة، كان حديثه التالي:
خلي بالك... عشان وراها كتير.
عينا معتز اتسعتا بلا وعي، هو لم يذكر اسمها، لكنه لم يحتج إلى ذلك، عقله لم يذهب إلا إلى دارين، يعلم أنها ليست وحدها في هذه اللعبة، يعلم أن هناك من يحيط بها، لكنه اختار أن يتجاهل ذلك منذ البداية، فهل آن الأوان ليرى الحقيقة؟
+
العجوز أدار بصره إلى أيرلي، تحدث بلغتها الأصلية، صوته ثابت كما لو كان يلقي أمرًا لا يقبل الجدل:
هل تعلمين أنكِ ثالث فتاة تكون جزءًا من المنظومة؟
حركت رأسها بإيماءة صغيرة تملؤها الغرور، لم يكن عليها أن تجيب، لأنها تعرف.
نهض العجوز من على الفراش، خطاه بطيئة لكنها تحمل هيبة لا يمكن إنكارها، وقف أمامهما تمامًا، أردف بصوت لا يلين:
المهزوم مقتول.
+
الصمت كان ثقيلًا، قبل أن يتابع ببرود:
هذا هو شعارنا، وجودكم هنا ليس مصادفة، ولم يكن حظًا، كل شيء كان مخططًا منذ ولادتكم، لطالما راق لي ذكاؤك، معتز، رغم أنك تُخفيه خلف مرحك الساخر، وأنتِ أيرلي... ستكونين أقوى امرأة تدخل بيننا، لكنني أعلم أيضًا أنكما ستُهزمان، وكلٌ منكما سيسقط بطريقة مختلفة، السبب؟
توقف، منح كلًّا منهما نظرة طويلة، ثم قال بهدوء خادع:
العشق.
+
الهواء في الغرفة أصبح ثقيلًا، لا أحد تجرأ على الحديث.
استدار، خطا مبتعدًا وهو يُشعل سيجارته ببطء:
ستبقون هنا دائمًا، في منظومتنا، الخائن والمُهزوم مقتول، لا مكان للضعفاء بيننا، كلنا نعلم ما هو هدفنا، وما هو هدف النظام الذي بُني منذ آلاف السنين، إما أن نحقق الحلم... أو نصبح مثل من سبقونا، وأنا، يا أعزائي، لا أخطط للخيار الثاني، من اليوم، لا يوجد لديكم عائلة غيري، حسنًا؟
+
لم يتردد أحدهما. أومآ بالإيجاب، ثم غادرا الغرفة خلف الحراس، بينما أصداء كلماته ما زالت عالقة في أذهانهما.
+
°°°
+
في القصر، لا أحد يتحرك دون أمر، لا أحد يعلم ما الذي سيحدث غدًا.
+
كان معتز يسير بخطوات مضطربة، رغم هدوئه الظاهري، داخله، كانت أفكاره تتصارع، بين كلمات العجوز، وبين وجه دارين العالق في ذاكرته، أراد فقط أن يطمئن عليها، أن يراها، أن يتأكد أنها بخير.
+
دخل إلى الغرفة التي أصبحت غرفته من اليوم، كانت واسعة، لكنها غريبة عليه، ليست غرفته المعتادة، لم يفكر كثيرًا، ترك جسده يسترخي على الفراش، وحدّق في السقف، لكن الصورة التي رآها لم تكن لسقف الغرفة، بل لعينين سوداء اللون تتألقان في الظلام.
+
تنهد ببطء، كأنه يهرب من فكرة ما، لكنه يعلم أن الهروب لن يفيده.
+
°°°
+
في مكان أخر، كان العجوز يدخل للاطمئنان على ابنته كعادته، كانت نائمة، بملامح باردة، كأنها خرجت من قلب الجليد، الغطاء لم يكن عليها، شعرها مبعثر بطريقة عشوائية، لكن ما لفت انتباهه كان برودة جسدها الشديدة.
+
اقترب منها، وضع يده على جبينها، منحها بعض الدفء بحنان نادر، ثم استدار ليغادر.
لكنه لم يلاحظ تلك الدماء الجافة عند شريان يدها، العلامة الحمراء حيث إبرة صغيرة تعمّقت في جلدها.
+
الجو بارد، والصقيع يتسلل إلى العظام.
الشمس بالكاد تشرق، نورها الخافت ينساب كهمسة، لا يبدد الظلام تمامًا، ولا يمنح الدفء، الساعة لا تتجاوز السادسة صباحًا، والهواء يلفح المكان ببرودته القاسية.
+
شعرت بحركة بجانبها، بشيء يقطع خدر النوم عنها، جفونها ترفّ ببطء، قبل أن تفتح عينيها بكسل... كان هناك.
إليان.
يقف أمامها، ملامحه يشع منها نور غريب، شيء غير مألوف... شيء جعل قلبها يخفق بعدم راحة، همّت بأن تصرخ، لكنه كان أسرع، وضع يده على فمها، يمنع أي صوت من الفرار.
تنهدت بضيق، لقد مر أسبوع وهي عالقة بين هذا الواقع والحلم... ولم تفهم أيًّا منهما الحقيقة بعد.
استقامت ببطء، جلست على الفراش بتعب، صوتها يخرج متثاقلًا:
عاوز إيه يا إليان؟
رد بحماس، عيناه تتوهجان بالحماسة الشديدة:
اليوم... سنأخذ الكتاب، وسنغادر هذا العالم تمامًا.
+
•••••••••••••••
أنتهى الفصل، متنسوش الڤوت، ورأيكم يا حبايبي وتوقعاتكم.
إيه هيا الحقنة إللي أخدتها دارين؟
وهل رزان هتنتهي قصتها في العالم ده وهتنتقتل لعالم أخر ولا هتفضل بين أهلها؟
وعلاقة رفد وزيدان هتوصل لفين مع مصطفى؟
وإيه قصة أيرلي معانا، وإيه هوا هدف المنظومة، وإيه إللي هيحصل!
+
